Полный текст (6 828 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
وهكذا ظل التواصل مستمراً بين الرواة والبادية وحرص العلماء على مشافهة الأعراب حتى وجدنا في أواخر القرن الرابع من يروي عن الأعراب كالأزهريّ، (ت٣٧٠هـ) ، وابن جنيّ (ت٣٩٢هـ) ، والجوهريّ (ت٣٩٣هـ) وابن فارس (ت٣٩٥هـ) . ثمّ توقّف هذا التواصل مع نهاية هذا القرن حتى أصبحت الرواية عن الأعراب أنفسهم يشوبها شيء من الحذر، يقول ابن جنيّ: ((أنا لا نكاد نرى بدوياً فصيحاً وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك ويقدح فيه وينال ويغض منه)) (٢٨) .
ويرى أحد الباحثين أنّ الطبقة التي تلت الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب كانت من أغزر العلماء إنتاجاً، ومنهم ثلاثة رواة يعتبرون عصب الرواية في البصرة وهم: أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو زيد الأنصاري، وعبد الملك بن قريب الأصمعيّ. (٢٩)
وقد حدد اللغويون مادة جمعهم فيما صحّ عن العرب ضمن شروط ومعايير هي:
١- شرط المكان: وهو الفيصل الذي تم بمقتضاه تحديد مواطن الفصاحة في وسط الجزيرة العربية دون بقية أطرافها التي كانت على صلة بالأمم الأخرى، وفي بواديها دون الحواضرالتي كانت تعجّ بحركة الوافدين عليها من خارج الجزيرة أو من أطرافها بقصد التجارة ونحوها.
٢- شرط الزمان: وهو الفيصل الذي تم بمقتضاه تحديد عصورالفصاحة عند منتصف القرن الثاني الهجري بالنسبة للاحتجاج باللغة الأدبية وخاصة لغة الشعر، ونهاية القرن الرابع الهجري بالنسبة للاحتجاج باللغة الشفوية المنقولة عن الأعراب.
٣- شرط الفصاحة وهو الشرط الذي تم بمقتضاه الحكم على فصاحة اللفظ إذا ثبتت نسبته إلى عربيّ قحّ سواء بالمشافهة أو الرواية الصحيحة وذلك العربي القحّ هو من انطبق عليه شرط الزمان والمكان السابقين. (٣٠)
стр. 4202
وعلى ضوء هذه المعاييرعُدّ كلّ ما خالف ذلك مولداً، فَقُسِّم الشعراء إلى طبقات، والقبائل إلى درجات، أعلاها قبيلة قريش؛ يقول ابن فارس: ((أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالّهم: أنّ قريشاً أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة ... وكانت قريش – مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها-إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم فصاروا بذلك أفصح العرب ... ألا ترى أنّك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم ولا عجرفيّة قيس ولا كشكشة أسد ولا كسكسة ربيعة ... )) (٣١) .
ويقول الفارابي: ((كانت قريش أجود العرب انتقاداً للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعاً وأبينها إبانة عمّا في النفس)) (٣٢) .
стр. 4203
ويقول وهو يرتب درجة الفصاحة: ((والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اُقْتُدِيَ وعنهم أُخِذَ اللسانُ العربي من بين قبائل العرب هم: قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتّكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثمّ هذيل وبعض كنانة وبعض الطّائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنّه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم، فإنّه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام فإنهم كانوا مجاورين أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد فإنهم كانوا مجاورين أهلَ الشام، وأكثرهم نصارى يقرؤون بالعبرانية، ولا من تغلب ولا النمر فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من عبد القيس لأنهم كانوا سكان البحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أزد عمان لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من أهل اليمن أصلاً لمخالطتهم للهند والحبشة ولولادة الحبشة فيهم؛ ولامن بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم ...)) (٣٣) .
ولكنّ اللغة لم تجمع دفعة واحدة، بل اتّخذ جمعها أشكالاً مختلفة قسّمها بعضهم إلي ثلاث مراحل هي:
المرحلة الأولى: جمع الكلمات كيفما اتفق فالعالم يرحل إلي البادية فَيُدَون كلّ ما سمع من غير ترتيب ولا تنظيم فيجمع كلمة في المطر وكلمة في النبات وكلمة في الخيل ونحو ذلك.
المرحلة الثانية: جمع الكلمات المتعلقة بموضوع واحد في موضع واحد، وقد توجت هذه المرحلة بظهور الرسائل اللغويّة التي عرفت بأسماءٍ من نحو: المطر، البئر، الإبل ونحو ذلك. (٣٤)
стр. 4204
ويعد موضوع الحشرات أقدم الموضوعات، وأول من نسب إليه كتاب في ذلك أبو خيرة الأعرابي ثم تلاه بعد ذلك بعض اللغويين فألفوا في الموضوع نفسه ككتاب النحلة للشيبانيّ والأصمعي والذباب لابن الأعرابي ونحو ذلك. (٣٥)
المرحلة الثالثة: وضع معجم يضم كلّ الكلمات على نمط خاص وترتيب معين، ويعد الخليل بن أحمد ﵀ (ت١٧٠هـ) أول من شمّر لهذه المهمة ففتح الله على يده أعظم عمل لغويّ حيث سنّ لمن جاء بعده منهج التأليف المعجميّ فظهرت المعاجم اللغوية،التي من أبرزها: الجمهرة لابن دريد (ت٣٢١هـ) ، والبارع للقالي (ت٣٥٦هـ) ، وتهذيب اللغة للأزهريّ (ت٣٧٠هـ) ، والمحيط للصاحب بن عباد (ت٣٨٥هـ) ، ومقاييس اللغة والمجمل لابن فارس (ت٣٩٥هـ) ، والصحاح للجوهريّ (ت٤٠٠هـ) ، والمحكم لابن سيده (ت٤٥٨هـ) ، وأساس البلاغة للزمخشريّ (ت٥٣٨هـ) ، والعباب للصاغانيّ (ت٦٥٠هـ) ، ولسان العرب لابن منظور (٧١١هـ) ، والقاموس المحيط للفيروزاباديّ (ت٨١٧هـ) ، وتاج العروس للزَبيديّ (ت١٢٠٥هـ) .
طريقة جمع المادة المعجميّة:
أما عن طريقة جمع المادة المعجميّة فنلحظ أن القدماء اتبعوا طريقتين:
الأولى: طريقة الإحصاء التّام بغرض استقصاء المواد اللغويّة مستعملها ومهملها، ويعد الخليل بن أحمد ﵀ أول من ابتدع هذا المنحى؛ إذ أدرك بعبقريته الفذة في علوم اللغة والحساب أنّ ثمّة نظاماً من شأنه حصر جميع المفردات اللغويّة، فكان له فضل السبق في وضع هذا النظام الذي بُني عليه كتاب العين والذي يتفق جلّ اللغويين إن لم يكن كلّهم على أنّه من ابتكار الخليل نفسه، ويختلفون فيما وراء ذلك.
стр. 4205
ويحكي لنا اللّيث بن المظفر (١٨٠هـ) قصة هذا النظام، فيقول: ((كنت أصير إلى الخليل بن أحمد فقال لي يوماً:لو أن إنساناً قصد وألّف حروف ألف، وباء، وتاء، وثاء على أمثلة لاستوعب في ذلك جميع كلام العرب فتهيأ له أصل لا يخرج عنه شيء منه بتة، قال: فقلت له وكيف يكون ذلك؟ قال: يؤلّفه على الثنائيّ، والثلاثيّ، والرباعيّ، والخماسيّ وأنّه ليس يُعْرَفُ للعرب كلامٌ أكثرُ منه. قال الليث: فجعلت أستفهمه ويصف لي ولا أقف على ما يصف فاختلفت إليه في هذا المعنى أياماً؛ ثم اعتلّ وحججت فما زلت مشفقاً عليه وخشيت أن يموت في علته فيبطل ما كان يشرحه لي فرجعت من الحج وصرت إليه فإذا هو قد ألّف الحروف كلّها على مافي صدر هذا الكتاب، فكان يملي علىّ ما يحفظ، وما شكّ فيه يقول لي: سل عنه فإذا صحّ فأثبته إلى أن عملت الكتاب)) (٣٦) .
وخلاصة هذا النظام الذي توصل إليه الخليل بن أحمد ﵀ في حصر المفردات، أنّه يقوم على ثلاثة أسس هي:
١-الترتيب الصوتيّ الذي يعتمد على مخارج الأصوات.
٢- تقليب المادة الواحدة ليتكون منها عدّة صور.
٣-اتباع نظام الأبنية من ثنائيّ وثلاثيّ ورباعيّ وخماسيّ. كما سنبينه في موضعه إن شاء الله.
الثانية: طريقة الإحصاء النّاقص بُغْيَةَ الاقتصار على بعض مفردات اللغة واختيارها دون غيرها، وأول من نهج هذا المنهج ابن در يد في كتابه (جمهرة اللغة) حيث قال في مقدمته: ((هذا كتاب جمهرة الكلام واللغة ومعرفة جمل منها تؤدي الناظر فيها إلى معظمها إن شاء الله ... وإنما أعرناه هذا الاسم؛ لأنّا اخترنا له الجمهور من كلام العرب وأرجأنا الوحشيّ المستنكر والله المرشد للصواب)) (٣٧) .
وممن سلك هذا المسلك الجوهريّ في صحاحه؛ إذ يقول في مقدمته أيضاً: ((أما بعد فإني أودعت هذا الكتاب ما صحّ عندي من هذه اللغة، التي شرف الله منزلتها، وجعل علم الدين والدنيا منوطاً بمعرفتها)) (٣٨)
стр. 4206
وخلاصة القول في ذلك أنّ من المعجميين القدماء من أخذ بمنهج الخليل بن أحمد، وطريقته في جمع مادته المعجمية، ومنهم من أخذ بمنهج ابن در يد والجوهريّ: فاقتصر على المشهور أو الصحيح، ولعلّ النّاظر في المعاجم اللغويّة القديمة يدرك من أسمائها غرض أصحابها، وطريقة جمع مادتها، فكل اسم يوحي تقريباً بذلك.
مصادر جمع المادة المعجمية:
أما مصادر جمع المادة المعجمية لدى القدماء فيمكن حصرها في مصدرين:
أحدهما: السماع والمشافهة عن العرب، وممن اعتمد هذا المصدر الخليل ابن أحمد –﵀ في كتاب (العين) حيث نصّ الليث في مقدمته - كما أسلفنا- أنّ الخليل كان يملي عليه ما يحفظ وما شكّ فيه يقول له سل عنه، والخليل من أوائل العلماء الذين عاصروا جمع اللغة، وسمع عن الأعراب خاصة في الحجاز ونجد وتهامة، يضاف إلى هذا ما نجده في أثناء كتاب (العين) من روايات عن بعض من عاصر الخليل أو جاء بعده، وروى عن العرب: كالأصمعي وأبي عبيدة وسيبويه ويونس وأبي زيد وغيرهم من الأعراب الذين كان يعوّل عليهم في رواية اللغة كأبي الدقيش وعرام وزائدة وأبي ليلى.
وممن اعتمد السماع والمشافهة من المعجميين القدماء الأزهريّ في (التهذيب) فقد ذكر في مقدمته أنّ من دواعي تأليفه ((تقييد نكت حفظها ووعاها عن العرب الذين شاهدهم وأقام بين ظهرانيهم سُنيّات)) (٣٩) .
ويقول في موضع آخر: ((ولم أُوْدِعْ كتابي هذا من كلام العرب إلا ماصحّ لي سماعاً منهم، أو رواية عن ثقة أو حكاية عن خطّ ذي معرفة ثاقبة اقترنت إليها معرفتي)) (٤٠) .
стр. 4207
وممن اعتمد السماع والمشافهة الجوهريّ في (الصحاح) ؛ إذ ألزم نفسه ما صحّ عنده رواية ودراية ومشافهة للعرب في البادية وخاصة في الحجاز وربيعة ومضر إذ يقول: ((فإني قد أودعت هذا الكتاب ما صحّ عندي من هذه اللغة بعد تحصيلها بالعراق رواية وإتقانها دراية ومشافهتي بها العرب العاربة في ديارهم بالبادية. ولم آل في ذلك نصحاً ولا ادخرت وسعاً)) (٤١) .
الآخر: الرواية النقليّة ويعدّ هذا الأسلوب من الرواية مما يميّز المعاجم اللغويّة بصفة عامة حيث نلحظ أن اللاحق يروي عن السابق، وقد أشار ابن دريد إلى هذه التبعيّة؛ إذ يقول في مقدمة كتابه (جمهرة اللغة) عن الخليل وكتاب (العين) : ((وكل مَنْ بعده له تَبَعٌ أقرّ بذلك أم جحد ولكنه ﵀ ألّف كتاباً مشكلاً لثقوب فهمه وذكاء فطنته وحدّة أذهان أهل عصره)) (٤٢) .
ولعل هذا ما دفع أحد خصوم ابن دريد إلى إنكار كتاب (الجمهرة) بحجة أنّه كتاب (العين) ؛ إلا أنه قد غيّره. (٤٣)
وأول من اعتمد الرواية عن السابقين اعتماداً كلياً- فيما نعلم - القالي (٣٥٦هـ) في كتابه (البارع في اللغة) وإنّ من الطرائف التي ذكرها محققه هو أن كتاب (البارع) ما هو إلا كتاب (العين) للخليل بن أحمد؛ لشدة التشابه بينهما. (٤٤)
وهكذا ظلّ أصحاب معاجم الألفاظ يعتمدون في جمع مادتهم المعجميّة على الرّواية النقليّة عن السابقين حتى رأينا ذلك واضحاً جلياً عند المتأخرين منهم خاصة كصاحب (المقاييس) وصاحب (اللسان) وصاحب (التّاج) فقد ذكر الأول أنّه اعتمد في جمع مادته المعجمية على خمسة كتب هي: كتاب العين للخليل، وإصلاح المنطق لابن السّكيّت، والجمهرة لابن در يد، وغريب الحديث، ومصنّف الحديث لأبى عبيد، حيث يقول في مقدمته:
((فهذه الكتب معتمدنا فيما استنبطناه من مقاييس اللغة وما بعد هذه الكتب فمحمول عليها وراجع إليها)) (٤٥) .
стр. 4208
ويفصح ابن منظور في (اللسان) عَنْ أنّه نقل معجمه عن سابقيه كتهذيب اللغة للأزهري، والمحكم لابن سيده، والصحاح للجوهري، والحواشي لابن بريّ، والنهاية لابن الأثير. وفي ذلك يقول:
((وقد نقلت من كلّ أصل مضمونه ولم أبدل منه شيئاً بل أديت الأمانة وما تصرفت فيها بكلام غيرما فيها فليعتدّ من ينقل عن كتابي هذا أنّه إنمّا ينقل عن هذه الأصول الخمسة)) (٤٦) .
ويذكر الزَّبيديّ صاحب (التاج) أنّه جمع مادته المعجميّة مما يقرب من مائة وعشرين كتاباً من بينها المعاجم السابقة: كالجمهرة والتهذيب والمحكم والصحاح والمجمل ولسان العرب والتكملة وأساس البلاغة وغيرها موضحاً في مقدمته أنّ عمله اقتصر في كتابه (تاج العروس) على جمع ما تفرّق في هذه الكتب، إذ يقول:
((وجمعت منها في هذا الشرح ما تفرّق وقرنت بين ما غرّب منها وبين ما شرّق وأنا مع ذلك لا أَدعي فيه دعوى فأقول شافهت أو سمعت أو شَدَدْت أو رحلت وليس لي في هذا الشرح فضيلةٌ سوى أنني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب)) (٤٧) .
وخلاصة القول أنّ الأخذ والاعتماد على السابقين في جمع المادة المعجمية أدى إلى وفرة المجموع وتضخمه واعتبار اللغة العربية وحدة واحدة مع اختلاف القبائل ألفاظا، وتراكيبَ ولهجةً، إذ لم تكن تلك الوفرة وذلك المجموع في درجة واحدة من الصحة فتطرق الخلل إليه أحياناً من وجوه أهمها:
١ - تعدد الأقوال في الوحدة المعجمية الواحدة.
٢- فُشُوُّ ظاهرة التصحيف والتحريف نتيجة اعتماد المتأخرين على النقل عن السابقين.
٣ - الخلط بين مستوى الفصحى واللهجات العربية وقد كان لذلك الأثرالأكبر في بروز ظواهرلغوية كظاهرة: المشترك والترادف والأضداد، أو تعدد صيغ الجمع الواحد، أو تعدد المصادر ونحوها.
٤- وجود ثغرات في جمع المادة المعجميّة أدت إلى ضياع كثير من الثروة اللغويّة التي كان حقها أن تأخذ مكانها في المعجم اللغويّ (٤٨) .
стр. 4209
المبحث الثانيّ: ترتيب المادة المعجميّة
ونعني به الطريقة التي عالج بها المعجميون القدماء تنظيم مادتهم المعجميّة، وقبل الوقوف على هذه الطريقة يجدر بنا أن نشير إلى رأي المحدثين من علماء المعاجم في هذا الجانب، حيث يرى المحدثون أنّ هناك نوعين من الترتيب يجب أن يُرَاعَيَا في وضع المعجم هما: (٤٩)
النوع الأول الترتيب الخارجيّ للمداخل:
ويسمى بالترتيب الأكبر، ويتم ذلك باتباع طريقة من طرق الترتيب القائمة على الحروف الهجائية أو غيرها. وهذا النوع من الترتيب يعدّ شرطاً لوجود المعجم وبدونه يفقد العمل المعجمي قيمته المرجعية.
وبالوقوف على معاجم الألفاظ عند القدماء، نجد أنّ المعجميين أدركوا أهمية النوع الأول وهو الترتيب الخارجيّ للمدخل فبرعوا في ضبطه وكانت عنايتهم به تعدّ الأساس الأول في تنظيم مادتهم المعجميّة، فكان من آثار ذلك ظهور العديد من المدارس التي تسير على عدد من الأنظمة يمكن تصنيفها على النحو الأتي:
أولاً:النظام الصوتيّ أو المدرسة الصوتيّة
وأول من ابتدع هذا النظام الخليل بن أحمد ﵀ في كتاب (العين) المنسوب إليه ويقوم هذا النظام على ثلاثة أسس يكمل بعضها بعضاً وهي:
ا- الترتيب الصوتي: حيث رتب مواده حسب مخارج الأصوات وفق النظام التالي:
ع ح هـ خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م وأي (٥٠)
فبدأ كتابه بمجموعة الأصوات الحلقية وهي ع -ح - هـ –غ ثمّ اللهوية وهي ق– ك ثم الشجرية وهي ج – ش – ض ثمّ الأسلية وهي ص – ز ثمّ النطعيّة وهي ط – د – ت ثمّ اللثوية وهي ظ – ث – ذ ثم الذلقيّة وهي:
ر – ل – ن - ف – ب – م ثم الهوائية وهي و – ا – ي، وأخيراً الهمزة.
стр. 4210
وقد روي عن الخليل ﵀ أنّه بدأ بالعين دون سواها من أصوات الحلق لأسباب تتبيّن من قوله: ((لم أبدأ بالهمزة لأنّها يلحقها النقص والتغيير والحذف، ولا بالألف لأنّها لا تكون في ابتداء كلمة ولا في اسم ولا فعل إلا زائدة أو مبدلة، ولا بالهاء لأنّها مهموسة خفية لا صوت لها، فنزلت إلى الحيز الثاني وفيه العين والحاء فوجدت العين أنصع الحرفين فابتدأت به ليكون أحسن في التأليف ... )) (٥١) .
ب- نظام الكميّة: حيث أخضع الخليل بن أحمد – ﵀ – مادته المعجمية لنظام الكمية فرأى أنّ الكلمات العربية باعتبار أصولها إما أن تكون ثنائيّة أو ثلاثيّة أو رباعيّة أو خماسيّة؛ إذ يقول: ((كلام العرب مبني على أربعة أصناف: على الثنائيّ والثلاثيّ والرباعيّ والخماسيّ فالثنائيّ على حرفين نحو: قد ولم ... والثلاثيّ من الأفعال نحو قولك: ضرب........ ومن الأسماء نحو: عمر......والرباعيّ من الأفعال نحو: دحرج... ... ومن الأسماء نحو: عبقر ... والخماسيّ من الأفعال نحو اسحنكك ... ومن الأسماء نحو: سفرجل ... وليس للعرب بناء في الأسماء ولا في الأفعال أكثر من خمسة أحرف)) (٥٢) .
وعلى ضؤ ذلك جاء ت معالجته للكلمات في حرف العين على النحو التالي:
أولاً – الثنائيّ وهو ما اجتمع فيه حرفان صحيحان ولو تكرر أحدهما نحو قَدَّ، وقَدْقَدَ، ولو، وبل.
ثانياً- الثلاثيّ الصحيح وهو ما اجتمع فيه ثلاثة أحرف صحيحة على أن تكون من أصول الكلمة.
ثالثاً: الثلاثيّ المعتل وهو ما اجتمع فيه حرفان صحيحان، وحرف واحد من حروف العلة (مثال أو أجوف أو ناقص)
رابعاً: اللفيف وهو ما اجتمع فيه حرفا علة في أي موضع (مفروق أو مقرون)
خامساً: الرباعيّ وهو ما اشتمل على أربعة أحرف.
سادساً: الخماسيّ وهو ما اشتمل على خمسة أحرف.
سابعاً: المعتل وقد أدخل فيه الهمزة بحجة أنّها قدّ تسهّل إلى أحد حروف العلة. (٥٣)
стр. 4211
ج - نظام التقليبات: وقد قَصَدَ به الخليل ﵀ تَنَقُّلَ الحرفِ الواحدِ في أكثر من موضع في كلّ بناء من الأبنية السابقة، فجاء الثنائيّ على وجهين، والثلاثيّ على ستة أوجه، والرباعيّ على أربعة وعشرين وجهاً، والخماسيّ على مائة وعشرين وجهاً منها المستعملُ ومنها المهلُ (٥٤) فعالج الكلمةَ ومقلوباتها في كلّ بناء من الأبنية السابقة في موضع واحد مراعياً في ذلك الحروف الأصول وسمّى كلّ حرف من الحروف الهجائية كتاباً فبدأ معجمه بكتاب العين ومقلوباتها، فكتاب الحاء ومقلوباتها، وسمّى ما نطقت به العرب مستعملاً وما لم تنطق به مهملاً. فمثلاً نجد الكلمات: (عرب - رعب –عبر-–ربع - بعر-–برع) تحت باب العين لأنّ العين أسبق من الراء والباء.
ومن المعاجم التي سارت على نظام الخليل بن أحمد – ﵀ البارع للقاليّ (ت٣٥٦هـ) والتهذيب للأزهريّ (ت ٣٧٠هـ) والمحيط للصاحب ابن عبّاد (٣٨٥هـ) والمحكم لابن سيده (ت٤٥٨هـ) .
والرابطة المشتركة التي تجمع بين هذه المعاجم اتحادها في الترتيب الخارجي للمادة المعجمية على طريقة الخليل بن أحمد – ﵀ مع بعض الاختلاف في الترتيب أو الأبنية، فنجد على سبيل المثال أنّ القالي بدأ معجمه بالهاء، كما نجد أيضاً أن ابن سيده في (المحكم) زاد في الأبنية السداسي. (٥٥)
وقد أُخِذَ علىهذا النظام صعوبة البحث، ومشقة الاهتداء إلى اللفظ المراد؛ بسبب قيامه على المخارج، والأبنية، والتقليبات، وهذا ما لمسه بعض المعجميين القدماء أنفسهم فهذا ابن دريد يقول في مقدمته عن الخليل وكتاب (العين) :
(( ... ...قد الّف الخليل بن أحمد كتاب العين فأتعب من تصدّى لغايته وعنى من سما إلى نهايته ... )) ثمّ نراه يلتمس العذر للخليل بقوله أيضاً: (( ... ولكنه ﵀ أَلّف كتابه مشاكلا لثقوب فهمه، وذكاء فطنته، وَحِدَّةِ أذهانِ عصرِه)) (٥٦) .
ويقول صاحب (لسان العرب) عن هذا النظام أيضاً:
стр. 4212
((لم أجد في كتب اللغة أجمل من تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهريّ، ولا أكمل من المحكم لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده ... غير أن كلاً منهما مطلب عسر المهلك ومنهل وعر المسلك ... فأهمل الناس أمرهما وانصرفوا عنهما)) (٥٧) .
ثانيا: نظام القافية أو مدرسة القافية:
وأول من ابتدع هذا النظام الجوهريّ ﵀ (ت٤٠٠هـ) في (الصحاح) إذ يقول:
((أما بعد فإنّي أودعت هذا الكتاب ما صحّ عندي من هذه اللغة التي شرّف الله تعالى منزلتها وجعل علم الدين والدنيا منوطاً بمعرفتها على ترتيب لم أسبق إليه وتهذيب لم أغلب عليه في ثمانية وعشرين باباً وكلّ باب منها ثمانية وعشرون فصلاً على عدد حروف المعجم وترتيبها إلا أن يهمل من الأبواب جنس من الفصول...)) (٥٨) .
وكان الغرض من هذا النظام تيسير البحث عن ألفاظ اللغة بطريقة سهلة وميسرة تقوم على النظام الألفبائي بدلاً من النظام الصوتي، فابتدع الجوهري هذا النظام الذي بناه على آخر الكلمة بعد ردّها إلى أصلها وتجريدها من الزوائد، وسمّى الحرف الأخير باباً والحرف الأول من الكلمة فصلاً، ثمّ رتب المواد بين الحرفين (الأول والأخير) ترتيباً ألفبائيا، فتخلص بطريقته هذه من جميع أسس مدرسة الخليل بن أحمد، وهي النظام الصوتي، ونظام التقليبات، ونظام الكمية أوالأبنية، وأصبح معجمه في متناول الباحثين لسهولة البحث فيه عن مفردات اللغة، وذلك عكس المعاجم السابقة عليه، والقائمة على النظام الصوتيّ. ولم يخرج الجوهريّ عن نظامه هذا إلا في الباب الأخير من معجمه حيث جمع فيه الألفاظ المنتهية بالواو والياء معاً وختمه بالألفاظ المنتهية بالألف اللينة ويعني بها التي ليست منقلبة عن همزة أو حرف علّة.
стр. 4213
ومن المعاجم التي سارت على هذا النظام العباب للصاغانيّ (ت٦٥٠هـ) الذي توفي قبل أن يتمه، ولسان العرب لابن منظور (ت٧١١هـ) ، والقاموس المحيط للفيروزآباديّ (ت٨١٧هـ) ، وتاج العروس للزَّبيديّ (ت١٢٠٥هـ) .
ثالثا: النظام الألفبائيّ أو المدرسة الهجائيّة:
وقد ابتدع هذا النظام أبو عمرو الشيبانيّ (ت٢٠٦هـ) في كتاب (الجيم) وأخذ به ابن در يد (ت٣٢١هـ) في (الجمهرة) ، وابن فارس (ت٣٩٥هـ) في (المقاييس) ، و (المجمل) ، والزمخشريّ (ت٥٣٨هـ) في (أساس البلاغة) .
ويلاحظ على هذا النظام أن له صورتين:
إحداهما: مراعاة الحرف الأول فقط وقد أخذ بهذا أبو عمرو الشيبانيّ والزمخشريّ وانفرد الأول بعدم مراعاة الترتيب بعد الحرف الأول للكلمة وكذلك عدم مراعاة الزوائد في حين التزم الزمخشريّ بذلك.
الأخرى: مراعاة الترتيب الهجائي والأبنية معاً وقد أخذ بهذا النظام ابن دريد وابن فارس وانفرد الأول بإيراد تقلبات المادة في موضع واحد في حين لم يلتزم ابن فارس بذلك بل قَسَّم كتابه إلى حروف وسمّى كلّ حرف كتاباً وكلّ كتاب يضم الأبنية: الثنائي والثلاثي الخ.
النوع الثاني الترتيب الداخليّ للمداخل:
ويسمى بالترتيب الأصغر ويتم باتباع ترتيب خاص للمعلومات في المدخل الواحد وقدأشرنا فيما سبق إلى الترتيب الخارجي لدى المعجميين العرب ورأينا أنّه قام على عدّة أنظمة هي: النّظام الصوتيّ والتقليبات، ونظام القوافي، والنظام الألفبائيّ، وقد رأينا أنّ عناية القدماء به كانت كبيرة وتعدّ الأساس الأول الذي قامت عليه معاجمهم، أما إذا انتقلنا إلى الترتيب الداخليّ للمداخل فنلحظ أنّه أقلّ حظاً وعناية لدى القدماء؛ ولعل عذرهم في ذلك أنّ العربيّة لغة اشتقاقيّة، وهذا ما دفعهم إلى الاعتماد على المادة اللغويّة في الترتيب الداخلي، فجعلوا من أصل المادة اللغوية أساس البحث عن كل الكلمات التي تشتق من ذلك الأصل فكلمات مثل:
стр. 4214
عِلم وتعلم ومعلم وعلوم ...إلى غير ذلك من مشتقات المادة، تورد تحت مدخل واحد دون مراعاة للترتيب الداخليّ لهذه الكلمات خاصّة عند المتقدمين منهم كالخليل والقالي وابن دريد والأزهريّ، حيث نلحظ خلط الأسماء بالأفعال والمجرد بالمزيد ونحو ذلك مما يضطر الباحث عن كلمة من الكلمات أن يقرأ كل ما يقع تحت مادتها للحصول على بغيته، ومن هنا افتقرت المعاجم القديمة إلى الدقة في الترتيب الداخليّ، فمنهم من يبدأ مادته بالفعل ومنهم من يبدأ مادته بالاسم ومنهم من يبدأ بالمجرد ومنهم من يبدأ بالمزيد بل إن منهم من يبدأ بالشاهد (النثري أو الشعري) أو الراويّ كقولهم: قال فلان، ونحو ذلك ... ولعل فيما يلي من النماذج ما يدل على ذلك وهو قليل من كثير:
قال صاحب العين: ((امرأة جعماء: أنكر عقلها هرماً، ولا يقال رجل أجعم. وناقة جعماء: مسنة. ورجل جَعِم وامرأة جَعِمة.. . وجَعِم الرجل جَعَما أي: قرِم إلى اللحم. (٥٩)
حيث نجد أن صاحب (العين) قدّم الاسم على الفعل والمزيد على المجرد. وفي الجمهرة: ((الكَذب ضدّ الصدق – ورجل كذّاب وكذوب...وكذّبت بالحديث ...وكذّب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه – وحمل فلان فما كذّب حتى طعن أو ضرب أي ما وقف ...)) (٦٠) .
فقدم الاسم على الفعل، والمزيد على المجرد تارة والمجرد على المزيد أخرى.
وفي تهذيب اللغة يقول الأزهريّ: ((جاء في الحديث: من روى في الإسلام هِجاءً مُقْذِعاً فهو أحد الشامتين. والهجاء المقذِع: الذي فيه فحش)) (٦١) .
حيث بدأ مادّته المعجمية بالحديث الشريف، ومثل ذلك يفعل مع الشواهد القرآنية وهذا كثير عنده.
стр. 4215
وفي الصحاح: ((وجَب الشيء، أي لزم، يجِب وجوباً. وأوجبه الله، واستوجبه، استحقه. ووجب البيع يجِب... وأوجبت البيع فوجب، والوجيبة: أن توجب البيع ثمّ تأخذه أوّلاً فأوّلاً ... ووجب القلب وجيباً: اضطرب، وأوجب الرجل: إذا عمل عملاً يوجب له الجنّة أو النّار، والوجب الجبان ... والوجبة: السَّقطة ...ووجب الميت إذا سقط ومات ...ووجبت الشمس أي غابت...)) (٦٢) .
فنلحظ أنّ الجوهريّ قدّم وأخّر في المشتقات، مما يضطر الباحث عن كلمة (وجب) مثلاً، أن يقرأ كل ما تشتمل عليه المادّة فقد ذكرها في أول المادة وآخرها. وكان حقّ هذه المادة أن ترتب كالتالي:
وجب الشيء، والبيع، والقلب، والميت، والشّمس ...
وأوجب الرجل ...
واستوجب الشيء ...
والوجْب...
والوجبة...
والوجيب...
والوجيبة ...
стр. 4216
وهذا ما تنبه له بعض المتأخرين كابن سيده في (المحكم) فنهج نهجاً يعدّ أدق منهج التزمته المعاجم اللغويّة القديمة على الرغم من أنّ ابن سيده لم يف بهذا المنهج وفاءً تاماً لكنه حاول أن يرتب الكلمات ترتيباً داخلياً مقبولاً كتقديم المجرد على المزيد والفعل على الاسم ومثل ذلك فعل الفيروزآبادي في (القاموس) حيث فصل معاني كل صيغة عن الأخرى وقدّم الصيغ المجردة على المزيدة، وأخّر الأعلام، مما عده أحد الباحثين (٦٣) ميزة تميزه عن سائر المعاجم العربية فتخلص بذلك من الاضطراب الذي كان يرغم الباحث على قراءة المادة كلِّها؛ كي يحصل على معاني الصيغة التي يريدها،ولكنه مع هذا لم يسلم من النقد فقد خصص صاحب (الجاسوس على القاموس) باباً من أبواب نقده للترتيب الداخليّ لدى صاحب (القاموس) إذ يقول فيه: ((ومن خلله أنّه لا يذكر المشتقات باطّراد وترتيب، فيخلط الأفعال بالأسماء، والأصول بالمزيدات، والأولى تميّز بعضها من بعض، وربما ذكر في أول المادة أحد معاني اللفظة ثم ذكر باقيها في آخرها ... )) (٦٤) وهو نقد لا ينفرد به (القاموس) وحده بل تشترك فيه سائر معاجم الألفاظ الأخرى، ولعل عذر القدماء في ذلك هو أنّ اللغة العربية لغة اشتقاقية، وعلى ضوء ذلك كان همهم وتنافسهم - كما رأينا - منصباً على الترتيب الخارجيّ للمداخل، فبرعوا في التنافس فيه فتعددت طرقه ومدارسه.
وهذا ما دفع أصحاب المعاجم الحديثة إلى معالجة هذا الخلل، بوضع ضوابط للترتيب الداخليّ؛ من أبرزها المنهج الذي نهجته لجنة تأليف (المعجم الوسيط) والذي تمّ بمقتضاه ترتيب المواد المعجميّة على النحو التالي: ١- تقديم الأفعال على الأسماء.
٢- تقديم المجرّد على المزيد من الأفعال، أما الأسماء فقد رتبت ترتيباً هجائياً.
٣- تقديم ما يدل على المعنى الحسيّ على ما يدل على المعنى العقليّ، والحقيقيّ على المجازيّ.
٤- تقديم الفعل اللازم على الفعل المتعدي. (٦٥)
стр. 4217
المبحث الثالث: تحليل المادة المعجميّة
ويقصد به ما يقدمه المعجم من معلومات حول المادة المعجمية وأهم هذه المعلومات كما يرى المحدثون: (٦٦)
أ- ما يتعلق باللفظ، كطريقة النطق، وتحديد الرسم الإملائيّ أو الهجائيّ، وبعض المعلومات الصرفية أو النحوية أو اللغويّة.
ب- ما يتعلق بالمعنى، كجلاء الشرح، ووضوحه، وعدم الخلط فيه، وهو يمثل أكبر صعوبة يواجهها صانع المعجم لأسباب من أهمها:
١- صعوبة تحديد المعنى.
٢- سرعة التطور والتغير في جانب المعنى.
٣- اعتماد تفسير المعنى على جملة من القضايا الدلالية التي تتعلق بمناهج دراسة المعنى وشروط التعريف وعوامل التطور الدلالي والتمييز بين المعاني المركزية وسائر المعاني الأخرى.
٤- توقف فهم المعنى في بعض أجزائه على درجة اللفظ في الاستعمال وعلى مصاحبته لكلمات أخرى. (٦٧)
وعلى ضوء ذلك تعددت وسائل تحديد المعنى في المعاجم عامّ ة وفي معاجمنا العربية خاصّة وكان من أهمها:
١ -التفسير بالمغايرة وأكثر ما يكون التعبير عنها بلفظ نقيض أوضدّ أو خلاف.
٢- التفسير بالترجمة ويكون بشرح المعنى بكلمة أو كلمات من اللغة نفسها أو من لغة أخري.
٣- التفسير بالمصاحبة وهو ما يصحب الكلمة من كلمات هي جزء من معناها الأساسي.
٤ - التفسير بالسياق سواء كان ذلك السياق سياقاً لغوياً أم مقامياً.
٥- التفسير بالصورة وهي من وسائل الإيضاح الحديثة التي تعين على تحديد المعنى ودقته. (٦٨)
ونستطيع القول بأن تحليل المادة المعجمية في معاجم الألفاظ القديمة، شمل جانبي الكلمة وهما المبنى والمعنى وفيا يلي توضيح ذلك:
أولاً: مايتعلق بالمبنى:
стр. 4218
أ: ضبط الكلمة من الناحية النطقيّة: وقد اختلف المعجميون القدماء في الاهتمام بهذا الجانب، فالعين، والجمهرة، والتهذيب مثلاً، لم يعن أصحابها بضبط الكلمة،ولم يجعلوه سمة بارزة لمعاجمهم؛ ذلك أنهم لم يروا حاجة إلى ضبط الكلمة في عصرهم على حين اهتم به المتأخرون ورأوا ضرورته والحاجة إليه، وأول من اهتم به من القدماء - فيما نعلم -القالي في كتابه (البارع في اللغة) ثمّ الجوهريّ في (الصحاح) ثمّ الفيروزآباديّ في (القاموس المحيط) . وقد اعتمد القدماء في ضبط الكلمة على أمور أهمها:
١- الضبط بالنصّ أو العبارة، ومن أمثلة ذلك قولهم:
((شَمَج ثوبه يشمجه شَمْجا بفتح الميم في الماضي وضمها في المستقبل وسكونها في المصدر: إذا خاطه خياطة متباعد الكتب.. .)) (٦٩) .
وكقولهم ((دبغ الجلد يدْبَغه ويَدْبُغه بفتح الدال والباء في الماضي، وفتح الباء وضمها في المستقبل، وسكون الباء في المصدر. والدِباغ بالكسر ما يدبغ به. والمدْبغة بفتح الميم والباء: الموضع الذي يُدْبغ فيه)) . (٧٠)
٢- الضبط بالوزن أو المثال، ومن أمثلة ذلك قولهم:
((لغب لغبا ولَغوباولُغوبا كمَنَع وسَمِع وكَرُم ...أعيا أشدّ الاعياء...)) . (٧١)
وكقولهم ((الرّشَأ، على فَعَلٍ بالتحريك، ولد الظبية الذي قدّ تحرّك ومشى)) (٧٢) .
٣- الضبط بالإعجام، ومن أمثلة ذلك قولهم:
((َتَهّتأ الثوب: تقطّع وبَلِي، بالتاء معجمة بنقطتين من فوق وكذلك تهمّأ بالميم)) (٧٣) .
ب: ضبط الكلمة من الناحية الصرفيّة والنحويّة واللغويّة، إِذ حاول القدماء تقديم بعض المعلومات الصرفيّة أو النحويّة أو اللغويّة التي تسهم في فهم المعنى وتوضيحه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
стр. 4219
١- تصريف الأفعال وبيان مشتقاتها ونوعها من حيث التعدي واللزوم؛ كقول الجوهريّ ((سقط الشيء من يدي سقوطاً، وأسقطته أنا. والَمسقَط، بالفتح: السُقوط ... والمَسقِط، مثال المجلس: الموضع ... وساقطه، أي أسقطه... وسُقط في يده، أي ندم ... وقال أبو عمرو: ولا يقال أُسقِط في يده على مالم يسمّ فاعله ...)) (٧٤) .
٢- بيان الصور غير المستعملة من بعض الأفعال؛ كقول الجوهريّ:
((وقولهم: دع ذا، أي اتركه. وأصله ودع يدع وقد أُمِيتَ ماضيه، لا يقال ودعه وإنما يقال تركه، ولا وادع ولكن تارك، وربما جاء في ضرورة الشعر: ودعه فهو مودع على أصله ...)) (٧٥) .
بيان ملازمة بعض الأفعال للبناء للمجهول؛ كقول ابن منظور:
((وللعرب أحرف لا يتكلمون بها إلا على سبيل المفعول به وإن كان بمعنى الفاعل مثل زُهِي الرجل وعُِني بالأمر ونُتِجَت الشاة والناقة وأشباهها)) (٧٦) .
بيان المفرد والجمع؛ كقول صاحب (العين) :
((وجمع الشَّعر: شُعور وشَعر وأشعار. والشِّعار ما استشعرت به من اللباس تحت الثياب ... وجمعه شُعُر ... والأشعر: ما استدار بالحافر من منتهى الجلد حيث تنبت الشعيرات حوالي الحافر، ويجمع: أشاعر ... )) (٧٧) .
٥- بيان جنسه من حيث التذكير والتأنيث؛ كقول ابن سيده:
((شَجُع شَجاعة: اشتدّ بأسه. ورجل شُجاع، وشِجاع، وشَجاع، وأشجع، وشَجِع، وشَجيع، وشِجَعَة، على مثال عنبة ... وامرأة شَجِعَة، وشَجِيعة، وشُجَاعة، وشَجعاء ... )) (٧٨)
٦- بيان النسب إلى الاسم؛ كقول صاحب (العين) :
((يقال أديم عُكاظيّ، منسوب إلى عكاظ ... )) (٧٩) وكقوله أيضاً: ((العجم: ضدّ العرب. ورجل أعجميّ: ليس بعربيّ)) (٨٠) .
٧- بيان المحذوف من الاسم؛ كقول ابن منظور:
((والأبُ: أصله أَبَوٌ، بالتحريك؛ لأن جمعه أباء مثل قفا وأقفاء، ورحى وأرحاء، فالذاهب منه واو، لأنك تقول في التثنية أبوان ... )) (٨١) .
стр. 4220
٨- ببيان درجة استعمال اللفظ فأشاروا إلى المستعمل من الألفاظ والمهمل والضعيف والمنكر والرديء والمذموم، ومن أمثلة ذلك، قول الأزهريّ عند كلامه عن باب العين والقاف مع الجيم ((عقم، عمق، قمع، قعم، معق، مقع: مستعملات)) (٨٢) وكقوله في موضع آخر من باب العين ((أهملت وجوهه)) (٨٣) .
٩- بيان اللغات الفصيحة أو المذمومة أو المنكرة، ونحو ذلك؛كقول صاحب (العين) مثلاً: ((الصّقْع: الضرب بِبُسسط الكف، صقعت رأسه بيدي، والسين لغة فيه. والديك يصقع بصوته، والسين جائز. وخطيب مصقع: بليغ، وبالسين أحسن، والصقيع: الجليد يصقع النبات، وبالسين قبيح)) (٨٤) وكقول الأزهريّ: ((وقال ابن دريد: الذَّعْج: الدفع، وربما كني به عن النكاح. يقال: ذعجها ذعجاً. قلت: ولم أسمع بهذا المعنى لغير ابن دريد، وهو من مناكيره)) (٨٥) .
ويتبيّن لنا مما سبق أن المعجميين القدماء أدركوا أهمية اللفظ في تفسير المعنى وتوضيحه، فدفعهم ذلك إلى الاهتمام بالمادة المعجمية من الناحية الصوتية أو الصرفيّة أو النحويّة أو اللغويّة، غير أنها تتمايز في معالجة هذا الجانب فيتميّز البارع والصحاح والقاموس مثلاً بالضبط، ويتميّز المحكم بالنواحي الصرفيّة والنحويّة، والصحاح بدرجة استعمال الألفاظ والنص على الضعيف والمنكر ونحو ذلك، والمقاييس ببيان المعنى الجامع لأصل المادة ومشتقاتها، ويتميّز اللسان، والتاج بجمع الأقوال وكثرة الشواهد.
ثانياً: ما يتعلق بالمعنى:
أما الجانب الأخر للكلمة وهو المعنى فقد اهتم به القدماء اهتماماً بالغاً تمثل في وسيلتين من وسائل الشرح والتوضيح هما: (٨٦)
أولاً: الشرح بالتعريف، والمراد به تمثيل المعنى بواسطة ألفاظ أخرى أكثر وضوحاً وفهماً. وبالتأمل في المعاجم اللفظيّة القديمة، نستطيع أن نقسم ذلك إلى قسمين رئيسين:
أحدهما: الشرح بالتعريف بألفاظ واضحة ومحددة، ومن أمثلة ذلك:
стр. 4221
قولهم: ((خَبَع الصّبي خُبُوعاً: أي فُحِم من شدّة البكاء حتى انقطع نفسه)) . (٨٧) فقد شرح المعنى بألفاظ واضحة وحدد معنى الخبوع بأنه حالة تكون من شدّة البكاء المؤدي إلى انقطاع النفس.
وقولهم: ((الهُبَع: الحوار الذي ينتج في الصيف في آخر النتاج، والأنثى هبعة وسمّي هبعاً؛ لأنه يهْبَع إذا مشى، أي: يمدّ عنقه ويتكاره ليدرك أمه)) (٨٨) .
فقد شرح المعنى بألفاظ بينة وواضحة، وحدد معنىالهُبَع بأنه الحِوار، ثمّ خصص بزمن معين وهو الصيف، ثمّ حدد بآخر النتاج، وبيّن علة تسميته وهي كونه يمدّ عنقه متكارها ليلحق بأمه.
وقولهم: ((الغِبّ: أن ترد الإبل الماء يوماً وتدعه يوماً)) (٨٩) .
فحدد معنى الغِبّ بأنه ورود الإبل للماء في زمن معين وهو يوم بعد يوم.
الآخر: الشرح بالتعريف بألفاظ غامضة وغير محددة، ومن أمثلة ذلك:
١- التعريف بكلمة (نقيض) كقول بعضهم: ((العَقْل نقيض الجهل ومنه عَقَل يعقل عقلاً فهو عاقل)) (٩٠) .
٢- التعريف بكلمة (ضِدّ) كقول بعضهم: ((الحقّ ضدّ الباطل)) (٩١) .
٣- التعريف بكلمة (خِلاف) كقول بعضهم: ((والعرض: خِلاف الطول، والجمع أعراض)) (٩٢) .
٤ - التعريف بالمرادف كقول بعضهم: ((مضى هزيع من الليل: كقولك مضى جَرْس وجَرْش وهَدِيء كله بمعنى واحد)) (٩٣) .
٥- التعريف بكلمة (مثل) كقول بعضهم: ((الكُهْبَة لون مثل القُهْبَة)) (٩٤) .
٦- التعريف بكلمة (معروف) كقول بعضهم: ((الخبيص معروف، والخبيصة أخصّ منه. والمخبصة: الملعقة يعمل بها الخبيص)) (٩٥) .
стр. 4222
ونحو ذلك من التعريفات العامة الغامضة التي لا تفيد شيئاً كقولهم: وادٍ لبني فلان، ومكان معروف، وماء لبني فلان، ونبات في الصحراء، ودويّبة أو طائر، أو موضع، وكقولهم: البياض لون الأبيض، والسواد لون الأسود الخ ذلك من ألفاظ مبهمة وغير محددة المعنى،مما دفع أحد المحدثين إلى اتهام المعاجم اللفظيّة القديمة بابتعادها عن صفات المعجم الجيد إذ يقول:
((وفي الحق أن كثيراً جداً من الألفاظ في المعاجم قد أهمل شرحها إهمالاً شنيعاً فجاءت دلالتها غامضة أو مبتورة وبعدت عن الدقة التي هي من أهم صفات المعجم الجيد)) (٩٦) .
والحق أن هذا الذي أشرنا إليه، وإن عدّ عيباً من عيوب المعجم الجيد، إلا أنه لا يقلل من قيمة المعاجم اللفظيّة القديمة إذا قارنّا ذلك بتلك الجهود التي بذلت في جمع المادة وترتيبها، كما تقدم في المبحثين السابقين، بل إن اعتماد الشرح بالتعريف لم يكن هو الوسيلة الوحيدة في بيان المعنى المعجميّ، وممن اعتمد هذه الوسيلة اعتماداً كلياً – فيما أعلم – صاحب (القاموس) ، ولكنّه مع ذلك لم يسلم من النقد اللاذع من صاحب (الجاسوس على القاموس) فجلّ نقده كان منصباً على طريقته في شرح المعنى كالإبهام وقصور العبارة وتعريف اللفظ بالمعنى المجهول ونحو ذلك. (٩٧) أما سائر المعاجم اللفظيّة الأخرى، فقد ضمت إلى جانب الشرح بالتعريف شواهد يستطيع القارئ من خلالها تحديد المعنى المراد، على ما سنبينه فيما يلي.
ثانيا: الشرح بالتعريف مقترناً بالشاهد، حيث أدرك معظم المعجميين القدماء، أهمية الشاهد في شرح المعنى فلجأوا إلى الاستشهاد بالنصوص ضمن المعايير التي وضعوها للفصاحة، وكانت نتيجة ذلك أن جاءت مصادر احتجاجهم على النحو التالي:
стр. 4223
أ - الاحتجاج بالقرآن الكريم: ومن أمثلة ذلك، قول صاحب (العين) : ((عددت الشيء عدّاً: حَسَبْتُهُ وأحْصيته. قال : ﴿نَعُدُّ لَهُم عَدَّا﴾ (٩٨) يعني أن الأنفاس تُحصى إحصاءً ولها عدد معلوم)) (٩٩)
وقول الأزهريّ: ((قال الله : ﴿كَأنَهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر﴾ (١٠٠) معنى المنقعر المنقطع من أصله ... )) (١٠١) .
وقول ابن سيده: ((العرش: سرير الملك. وفي التنزيل: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظيِمٌ﴾ (١٠٢) وقد يستعار لغيره)) (١٠٣) .
وقول الجوهريّ: ((هششت الورق أَهُشُهُ هَشَّا: خبطته بعصا لِيَتَحات، ومنه قوله تعالى: ﴿أَهُشُّ بِها على غَنَمِي﴾ (١٠٤) .
وقول ابن فارس: ((قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرسَلنا الشّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَزَّا﴾ (١٠٥) قال أهل التفسير: تزعجهم إزعاجاً)) (١٠٦) .
ب- الاحتجاج بالحديث الشريف: ومن أمثلة ذلك، قول صاحب (العين) : ((الخُشْعَة: قُفٌّ، غلبت عليه السهولة، قفٌّ خاشع وأَكَمَة خاشِعة أي ملتزمة لاطئة بالأرض. وفي الحديث: (كانت الكعبة خُشْعَة على الماء فَدُحِيت منها الأرض) ... )) (١٠٧) .
وقول الأزهريّ: (( ... (روي عن النبي ﷺ أنه قال: مثل الكافر كمثل الأرزة المُجْذِيَة حتى يكون انجعافها مرّة واحدة) . قال أبو عمرو: الانجعاف: الانقلاع. ومنه قيل جَعَفْت الرّجل، إذا صرعته فضربت به الأرض ... )) (١٠٨) .
وقول ابن سيده: ((وأكل الشيء عُرْضا: أي مُعْتَرِضا. ومنه الحديث: (كُلِ الجُبن عرضاً) أي اعترضه. يعني كله ولا تسأل عنه: أمن عمل أهل الكتاب هو، أم من عمل غيرهم؟)) (١٠٩) .
وقول الجوهريّ: ((والحِبَّةُ بالكسر: بزور الصحراء مما ليس بقوت. وفي الحديث: (فَيَنْبِتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّة في حَمِيل السيل) والجمع حبب)) (١١٠) .
стр. 4224
وقول ابن فارس: ((قال الفرّاء: اَلأَلُّ رفع الصوت بالدعاء والبكاء، يقال منه أَلَّ يَئِلُّ أليلا. وفي الحديث (عَجِبَ ربّكم من أَلِّكم وقنوطكم وسرعة إجابته إيّاكم ... ) (١١١) .
والذي يبدو من تصفح المعاجم اللفظيّة القديمة هو أنّ أصحابها لم يكن بينهم خلاف في الاحتجاج بالقرآن ولا بالحديث الشريف ومن هنا رأينا المعاجم اللفظيّة تحفل بهذين المصدرين، وفي ذلك يقول السيوطيّ: ((ومن ينعم النظر في معاجم اللغة وكتب قواعدها يجد كتب اللغويين أوفر حظّاً في الاستشهاد بالشعر والنثر على السواء في إثبات معنى أو استعمال كلمة، ويجد النحاة يكادون يقتصرون على الِشعر)) (١١٢) .
ويعدّ تهذيب اللغة من أبرز معاجم الألفاظ في هذا الجانب، فقد اعتنى بالشواهد القرآنية، والأحاديث النبوية عناية فائقة؛ ولا غرابة في ذلك فقد ربط الأزهريّ خاصّة وعلماء اللغة عامّة بين فهم اللغة ومعرفة الكتاب والسنة يقول الأزهريّ: ((نزل القرآن الكريم والمخاطبون به عرب أولو بيان فاضل وفهم بارع أنزله جل ذكره بلسانهم وصيغة كلامهم الذي نشأوا عليه وجبلوا على النطق به فتدربوا به يعرفون وجوه خطابه ويفهمون فنون نظامه ولا يحتاجون إلى تعلم مشكله وغريب ألفاظه حاجة المولدين الناشئين فيمن لا يعلم لسان العرب حتى يعلّمه ... وبيّن النبي ﷺ للمخاطبين من أصحابه ﵃ ما عسى أن تمسّ الحاجة إليه...فاستغنوا بذلك عمّا نحن إليه محتاجون من معرفة لغات العرب والاجتهاد في تعلّم العربية الصحيحة التي بها نزل الكتاب وورد البيان)) (١١٣) .
ومما يلاحظ على هذه الشواهد:
стр. 4225
١- ميل أصحاب المعاجم إلىشرح الآيات والأحاديث والتعليق عليها، بما يخرجهم عن شرح المادة المعنية، مما أدى إلى تضخم شرح المواد، وذلك نحو قول صاحب العين –تحت مادة لعق: ((وفي الحديث: ((إن للشيطان لعوقاً ونشوقاً يستميل بهما العبد إلىهواه)) فاللعوق اسم ما يلعقه، والنشوق اسم ما يستنشقه)) (١١٤) . فشرح معنى النشوق في غير مادته.
ومثل ذلك قول الأزهر-–تحت مادة عج -: ((روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الحج العجّ والثجّ) قال أبو عبيدة العجّ: رفع الصوت بالتلبية، والثجّ: سيلان دماء الهدي.)) (١١٥) فنلاحظ أنه شرح كلمة (الثجّ) وهي ليست من كلمات المادة.
ومثل ذلك قول ابن سيده في مادة (عجل) : ((وقوله تعالى: ﴿خُلِق الإنسان من عَجَلٍ﴾ (١١٦) قيل: إن آدم ﵇، حين بلغ منه الروح الرُّكبتين، هم بالنهوض قبل أن يبلغ القدمين، فقال تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسَانُ من عَجَلٍ﴾ ... )) (١١٧) فنلاحظ أنه ذكر قصّة نفخ الروح في آدم عليه السلام
стр. 4226
٢- ذكر الوجوه والآراء المختلفة، وذلك نحو قول الأزهري في مادة (عجز) : ((قال الله : ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ في الأرضِ ولا في السّمَاءِ﴾ (١١٨) قال الفرّاء: يقول القائل كيف وصفهم الله أنهم لا يُعجِزون في الأرض ولا في السّماء وليسوا في أهل السماء؟ فالمعنى ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا من في السّماء بمعجِز. وقال أبو إسحاق: معناه ما أنتم بمعجزِين في الأرض ولا لو كنتم في السّماء. وقال أبو العباس: قال الأخفش:ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السّماء، أي لا تعجزوننا هرباً في الأرض ولا في السماء. قال أبو العباس: وقول الفراء أشهر في المعنى، ولو كان قال ولا أنتم لو كنتم في السّماء بمعجزين لكان جائزا)) (١١٩) فنلاحظ أن الأزهريّ لم يكتفِ بقول الفراء ما دام أظهر في المعنى بل أردفه بغيره من الأقوال الأخرى التي لا تكاد تضيف شيئاً جديداً للمعنى المعجميّ.
ج- الاحتجاج بالشعر: ويعدّ أبكر صورالاحتجاج اللغويّ، فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ تساءل عن معنى قوله تعالى: ﴿أو يأخذهم على تخوّف﴾ (١٢٠) فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا يا أمير المؤمنين، التخوف التنقص ...قال عمر: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال: قال شاعرنا أبو كبير الهذليّ:
تخوّف الرّحل منها تامكا قَرِدا كما تخوّف عود النبعة السّفن
فقال عمر: ((أيّها الناس عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم)) (١٢١) .
ثمّ أخذ هذا الاتجاه صورته التطبيقيّة على يد حبر الأمة عبد الله بن عباس (ت٦٨هـ) ﵄ فيما عرف بعد بمسائل نافع بن الأزرق، وأصبح حجة فيما أشكل من غريب القرآن والحديث، حيث وصفه ابن فارس بقوله:
стр. 4227
((والشعر ديوان العرب وبه حفظت الأنساب وعرفت المآثر ومنه تعلمت اللغة وهو حجة فيما أشكل من غريب كتاب الله وغريب حديث رسول الله ﷺ وحديث صحابته ﵃) (١٢٢) .
وعلى ضوء ذلك قٌسّم الشعراء إلى أربع طبقات: الجاهليون، وهم الذين عاشوا قبل الإسلام، ثمّ المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ثمّ الإسلاميون، وهم الذين كانوا في العصر الأموي كجرير والفرزدق، وقد عدّهم بعض اللغويين - كأبي عمرو- من المولدين وكان يقول: لقد حسن هذا المولد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره، يعني بذلك جريراً. (١٢٣) ويقول الأصمعيّ: جلست إليه (يعني أبا عمرو) ثماني حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامي (١٢٤) ، وأخيراً المولدون، ويقال لهم المحدثون أيضاً، ويعدّ بشار بن برد (ت١٦٧هـ) أول شعراء طبقة المحدثين، وقيل ختم الشعر بإبراهيم بن هَرْمَة (ت١٧٦هـ) . (١٢٥) ، وعن الاحتجاح بشعر هذه الطبقات؛ يقول السيوطيّ: ((أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين في اللغة والعربيّة، وفي (الكشاف) ما يقتضي تخصيص ذلك بغير أئمة اللغة
ورواتها...)) (١٢٦) .
وبالتأمل في معاجم الألفاظ نلحظ صحة ما ذكره السيوطيّ، فقد استشهد أصحاب هذه المعاجم بشعراء الطبقات الثلاث الأول، فهذا صاحب (العين) يستشهد بشعر جرير -الذي عدّه أبو عمرو مولداً - إذ يقول في مادة (عق) وقال جرير:
فهيهات هيهات العقيق وأهله وهيهات خلّ بالعقيق نواصله
أي بَعُد العقيق. (١٢٧)
كما نجد الازهريّ - في المادة نفسها - يحتج بالأخطل (ت٩٠هـ) والفرزدق (ت١١٠هـ) وهما من طبقة جرير (ت١١٠هـ) . (١٢٨)
أما طبقة المولدين المحدثين فكان الاستشهاد بشعر بعضهم على استحياء، ولعل ذلك للاستئناس بعربيتهم كبشار بن برد (ت١٦٧هـ) ، الذي قال عنه الأصمعيّ: ((بشار خاتمة الشعراء، والله لولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم)) (١٢٩) .
стр. 4228
ومن هنا رأينا ابن دريد يذكره في (جمهرة اللغة) ويصرح بأنه ليس حجة؛ إذ يقول في مادة (بظبظ) : ((استعمل من معكوسه – الظَبْظَاب – وهو من قولهم ليس به ظبظاب أي ليس به داء – وسألت أبا حاتم عن الظبظاب فلم يعرف فيه حجة جاهليّة إلا أنه قال فيه بيت بشّار وليس بحجة – وأنشد: بُنيّتي ليس بها ظبظاب. ..)) (١٣٠) .
ومما يلاحظ على المعجميين في هذا الجانب استشهادهم بأبيات غير منسوبة والاكتفاء بقولهم قال الشاعر، أو أنشدنا، أو قال آخر، ونحو ذلك من العبارات التي تخل بالشاهد اللغويّ؛ ذلك أنّه لا يجوز الاحتجاج بشعر أو نثر لا يعرف قائله،خوف أن يكون لمولد، أو من لا يوثق بفصاحته، على حدّ قول السيوطيّ. (١٣١)
الخاتمة:
وبعد هذا الوصف والتحليل لمعالجة المادة المعجمية في المعاجم اللفظيّة لدى القدماء تبرز لنا الملاحظات التالية:
- اختلاف مفهوم الكلمة بين المعجميين وغيرهم من علماء اللغة، نظراً لاختلاف طبيعة معالجتها بين النظريّة والتطبيق، لذلك آثر المعجميون في معالجتهم للكلمة المعيار الدلاليّ؛ لأنه أقرب إلى طبيعة المعجم ومن ثمّ تحرروا من كثير من الحدود التي لا تخدم هذا المعيار.
- أن عملية جمع المادة المعجميّة وقف باللغة عند عصور الاحتجاج، فاكتفى المعجميون القدماء بمادتهم اللغويّة التي ورثوها عن الأعراب في البادية، ضمن شروط الفصاحة التي حددوها بحكم الهدف الديني الذي انطلقوا منه، مما فوّت على المعاجم اللفظيّة القديمة ثروة لغويّة كان حقها أن تدرج ضمن مواده مع التنبيه إلى عصرها، أو قائلها، أو القبائل التي انفردت بها.
- أن مجال التنافس بين المعجميين القدماء وصل ذروته في صنع المعاجم اللفظيّة، وخاصة فيما يتعلق بالترتيب الخارجيّ للمداخل فظهر لديهم أكثر من نظام أو مدرسة معجمية.
стр. 4229
- أن معالجة المادة المعجمية في كتاب (العين) تعدّ عملاً سابقاً لعصره، حيث جاءت في صورتها الكاملة جمعاً وترتيباً وتحليلاً، مع كونه باكورة المعاجم اللفظيّة الأخرى، مما يرجح أن كتاب (العين) من صنع الخليل بن أحمد.
- اهتم المعجميون في تحليلهم للمادة المعجمية بالمبنى، ولكنه اهتمام فرضته المراحل التطوريّة للمعاجم اللفظيّة، فجاء هذا الجهد متفرقاً في تلك المعاجم، مما يفوت على الباحث الاستفادة الكاملة من تلك الملاحظات القيّمة إلا بعد مشقة البحث، والتمحيص في أكثر من معجم لفظيّ.
- اعتمد المعجميون في الجانب التحليليّ للمادة المعجميّة على الشرح بالتعريف المبهم، وعلى الشواهد غير المنسوبة إلى قائليها، وهو أمر يفقد معه العمل المعجميّ قيمته ومصداقيته العلميّة التي طالما يتحراها مستخدم المعجم أو الباحث اللغويّ،ولكنّ ذلك قليل من كثير أجادوا في ضبطه وإتقانه.
- أن مما يؤخذ على ترتيب المادة المعجميّة في المعاجم اللفظيّة القديمة، صعوبة البحث عن المادة المعجميّة، فيما يتعلق بالترتيب الخارجيّ للمداخل في بعض مدارسها، وصعوبة الوصول إلى الكلمة المراد البحث عنها فيما يتعلق بالترتيب الداخليّ للمداخل إلا بعد قراءة المادة كاملة.
- لم يكن ثمة خلاف بين المعجميين القدماء في الاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث الشريف، بينما نجدهم قد اقتصروا في الاستشهاد بالشعر على طبقة الجاهليين، والمخضرمين، والإسلاميين.
الهوامش والتعليقات
(١) الخصائص، ابن جني ١/٣١٤
(٢) مقدمة الصحاح،أحمد عبد الغفور عطار ص٣٨
(٣) اللغة معناها ومبناها، تمّام حسّان ص٣١٥
(٤) ينظر: المعجم العربي التاريخي، عبد المنعم عبد الله ص ١٧٤ (مقال بمجلة المعجميّة، العددان الخامس عشر والسادس عشر ١٤٠٩/١٤١٠هـ
(٥) الكلمة دراسة لغويّه ومعجميّة، حلمي خليل ص١٤
(٦) المفصل، الزمخشريّ ص٦
(٧) شرح الرضي على الكافية ١/٩
(٨) همع الهوامع، السيوطي ١/٣
стр. 4230
(٩) شرح المفصل، ابن يعيش ١/١٨
(١٠) مناهج البحث في اللغة، تمّام حسّان ص ٢٦٠
(١١) ينظر: المصدر السابق، ودور الكلمة في اللغة ص ٤٥
(١٢) ينظر: الكلمة دراسة لغويّة ومعجميّة ص١٧، ومناهج البحث في اللغة ص ٢٦١
(١٣) ينظر: الكلمة دراسة لغويّة ومعجميّة ص ١٧
(١٤) المغني الجديد في علم الصرف، محمد حلواني ص ١٥
(١٥) مناهج البحث في اللغة، تمّام حسّان ص ٢٦٢
(١٦) الكلمة دراسة لغويّة ومعجميّة، حلمي خليل ص ١٨
(١٧) ينظر: المعجم العربيّ،حسين نصّار ١ /١٢٣، وعلوم اللغة العربية، عمر كحاله ص ١٣، ومعاجم الموضوعات، محمد سليمان ص ١٥فما بعدها
(١٨) مقدمة الصحاح، أحمد عبد الغفور عطار ص٣٥
(١٩) ينظر: رواية اللغة، الشلقانيّ ص ٦٩صرف.
(٢٠) معجم البلدان، الحمويّ ٢/٢٠٢، وينظر: ذيل الأمالي والنوادر ص ١٨٢
(٢١) البيان والتبيين، الجاحظ ١/٢٥٢
(٢٢) ينظر: الفهرست، ابن النديم ص ٧٠
(٢٣) الأمالي، القاليّ ٣/٣٩
(٢٤) البيان والتبيين، الجاحظ ١/١٧٤
(٢٥) إنباه الرواة، للقفطيّ ١/٢٢٤
(٢٦) المصدر السابق ٢/٢٥٨
(٢٧) ينظر: رواية اللغة ص ٨١
(٢٨) الخصائص، ابن جني ٣/٥، ولمعرفة المزيد عن ذلك ينظر:١/٣٨٣فما بعدها
(٢٩) ينظر: رواية اللغة، الشلقاني ١٠٤فما بعدها
(٣٠) لمعرفة المزيد عن ذلك ينظر: الاحتجاج بالشعر في اللغة، محمد حسن جبل ص ٧٤
(٣١) الصاحبي في فقه اللغة،أحمد بن فارس ص٣٣
(٣٢) الاقتراح ص ٤٤،المزهر في علوم اللغة وأنواعها، السيوطي ١/٢١١
(٣٣) الاقتراح ص ٤٤-٤٥،المزهر ١/٢١٢
(٣٤) أحمد أمين، ضحى الإسلام ص ٢٦٣. وقد ردّ هذا التقسيم الشلقانيّ ينظر: رواية اللغة ص ١٠٣. وعدّه حسين نصار تقسيماً مقبولاً نظرياً لا عملياً، المعجم العربي ١/٣٣
(٣٥) ينظر: معاجم الموضوعات، محمود سليمان ص٥٢
ينظر: الفهرست، ابن النديم ص ١/٦٤
(٣٧) جمهرة اللغة ص١/٤
(٣٨) الصحاح ١/٣٣
(٣٩) تهذيب اللغة ١/٤٠
(٤٠) المصدر السابق
стр. 4231
(٤١) مقدمة الصحاح ١/ ٣٣
(٤٢) مقدمة الجمهرة ١/٣
(٤٣) ينظر المزهر ١/٩٣
(٤٤) مقدمة محقق البارع ص٦٤
(٤٥) مقدمة معجم مقاييس اللغة ١/٣-٥
(٤٦) مقدمة اللسان ١/ ذ
(٤٧) مقدمة تاج العروس١/٥
(٤٨) لمعرفة المزيد عن هذه الثغرات، ينظر: الاستدراك علي المعاجم العربية، محمد حسن جبل ص ١٥ فما بعدها
(٤٩) ينظر: صناعة المعجم الحديث، مختار ص٩٨
(٥٠) ينظر: مقدمة العين ١/٤٨
(٥١) ينظر: مقدمة العين ١/٤٥، والمزهر في علوم اللغة وأنواعها ١/٩٠
(٥٢) ينظر: مقدمة العين ١/٤٨، ٤٩، والمعاجم العربية، درويش ص٨٠
(٥٣) ينظر: المعاجم العربية، درويش ص٢٠بتصرف
(٥٤) ينظر: مقدمة العين ١/٥٩
(٥٥) ينظر: المعجم العربيّ،حسين نصّار ١/٣٩٣، والمعاجم العربية، درويش ص٣٤
(٥٦) ينظر: مقدمة الجمرة ١/٣
(٥٧) ينظر: مقدمة اللسان ١/ خ
(٥٨) ينظر: مقدمة الصحاح ١/٣٣
(٥٩) العين مادة (جعم) ١/٢٣٩
(٦٠) الجمهرة مادة (بذك) ١/٢٥١
(٦١) تهذيب اللغة مادة (فحش) ١/٢١٣
(٦٢) الصحاح مادة (وجب) ١/٢٣١
(٦٣) ينظر:المعجم العربي، حسين نصار ٢ /٥٨٩
(٦٤) ينظر:الجاسوس على القاموس، الشدياق ص٢٧٥
(٦٥) ينظر:مقدمة المعجم الوسيط ص٦٧ بتصرف
(٦٦) ينظر:صناعة المعجم الحديث، مختارص١١٥، واللغة معناها ومبناها، تمّام حسّان ص٣٢٥
(٦٧) ينظر: صناعة المعجم الحديث،مختار ص ١١٧ بتصرف
(٦٨) ينظر:المعاجم اللغوية، أبو الفرج ص١٠٢
(٦٩) البارع مادة (شمج) ص٦٢٠
(٧٠) البارع مادة (دبغ) ص٣٥١
(٧١) القاموس مادة (لغب) ١/٣١٣
(٧٢) الصحاح مادة (رشأ) ١/٥٣
(٧٣) الصحاح مادة (هتأ) ١/٨٢
(٧٤) الصحاح مادة (سقط) ٣/١١٣٢
(٧٥) المصدر السابق مادة (ودع) ٣/٢٩٦
(٧٦) اللسان (زها) ٢/٥٩
(٧٧) العين مادة (شعر) ١/٢٥٠
(٧٨) المحكم مادة (شجع) ١/١٧٤
(٧٩) العين مادة (عكظ) ١/١٩٥
(٨٠) المصدر السابق مادة (عجم) ١/٢٣٧
(٨١) اللسان مادة (أبي) ١/١٢
(٨٢) تهذيب اللغة مادة (عقم) ١/٢٨٨
стр. 4232
(٨٣) المصدر السابق مادة (غجظ) ١/٣٥٠
(٨٤) العين مادة (صقع) ١/١٢٩
(٨٥) تهذيب اللغة (ذعج) ١/٣٥٠
(٨٦) لمعرفة المزيد عن هذه الوسائل ينظر: صناعة المعجم الحديث، مختار ١٢٠فما بعدها
(٨٧) العين مادة (خبع) ١/٧٩
(٨٨) التهذيب مادة (هبع) ١/١٤٧
(٨٩) الصحاح مادة (غبب) ١/١٩٠
(٩٠) العين مادة (عقل) ١/١٥٧
(٩١) الجمهرة مادة (حقق) ١/٦٢
(٩٢) المحكم مادة (عرض) ١/٢٤٢
(٩٣) التهذيب مادة (هزع) ١/١٣٢
(٩٤) الصحاح مادة (كهب) ١/٢١٥
(٩٥) الصحاح (خبص) ٣/١٠٣٥
(٩٦) دلالة الألفاظ، إبراهيم أنيس ص ٢٤٩
(٩٧) ينظر على سبيل المثال:النقد الثاني، الثالث، الخامس، السادس
(٩٨) سورة مريم، الآية ٨٤
(٩٩) مادة (عدد) ١/٧٩
(١٠٠) سورة القمر، الآية ٢٠
(١٠١) تهذيب اللغة مادة (قعر) ١/٢٢٨
(١٠٢) سورة النمل، الآية ٢٣
(١٠٣) المحكم مادة (عرش) ١/١٢١
(١٠٤) الصحاح مادة (هشش) ٣/١٠٢٧
(١٠٥) سورة مريم، الآية ٨٣
(١٠٦) مقاييس اللغة مادة (أزز) ١٣
(١٠٧) العين مادة (خشع) ١/١١٢
(١٠٨) تهذيب اللغة مادة (جعف) ١/٣٨٤-٣٨٥
(١٠٩) المحكم مادة (عرض) ١/٢٤٢
(١١٠) الصحاح مادة (حبب) ١/١٠٥
(١١١) مقاييس اللغة مادة (ألل) ١/٢٠
(١١٢) الاقتراح ص ٥٩
(١١٣) مقدمة تهذيب اللغة ١/٣-٤
(١١٤) العين مادة (لعق) ١/٦٧
(١١٥) تهذيب اللغة مادة (عجج) ١/٦٧
(١١٦) سورة الأنبياء، الآية ٣٧
(١١٧) المحكم مادة (عجل) ١/١٩٤
(١١٨) سورة الشورى، الآية ٣١
(١١٩) تهذيب اللغة مادة (عجز) ١/٣٤٠
(١٢٠) سورة النحل، الآية ٤٧
(١٢١) ينظر: الجامع لأحكام القران، القرطبي ١٠/١١٠. والكشاف، الزمخشريّ ٢/٢٠٥
(١٢٢) الصاحبيّ ص ٤٦٧
(١٢٣) ينظر: البيان والتبيين، الجاحظ ١/٣٢١، والعمدة، ابن الرشيق ١/٥٦.
(١٢٤) ينظر: العمدة، ابن الرشيق ١/٥٦ فما بعدها
(١٢٥) ينظر: الاقتراح ص٥٥
(١٢٦) المصدر السابق ص ٥٤
(١٢٧) العين مادة (عق) ١/٦٤
стр. 4233
(١٢٨) تهذيب اللغة مادة (عق) ١/٥٦
(١٢٩) ينظر: الأغاني لأبي الفرج ٣/١٣٥
(١٣٠) جمهرة اللغة ١/١٢٧
(١٣١) ينظر: الاقتراح ص٥٥.
المصادر والمراجع
١- الاحتجاج بالشعر في اللغة (الواقع ودلالته) ، محمد حسن حسن جبل، القاهرة، دار الفكر العربي.
٢- الاستدراك على المعاجم العربية، محمد حسن حسن جبل، القاهرة، دار الفكر العربي.
٣- الاستشهاد والاحتجاج باللغة (رواية اللغة والاحتجاج بها في ضوء علم اللغة الحديث) محمد عيد، القاهرة، عالم الكتب،ط٣ (١٩٨٨م)
٤- الاقتراح في علم أصول النحو، جلال الدين السيوطي، تحقيق وتعليق: أحمد سليم الحمصي ومحمد أحمد محمد قاسم، مطبعة الفيصليّة،ط١ (١٩٨٨م)
٥- الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، طبعة دار الكتاب
٦- الأمالي، أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي، دار الكتاب (١٩٢٦م)
٧- إنباه الرواة على أنباه النحاة، جمال الدين القفطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتب، دار الكتاب، القاهرة (١٩٧٣م)
٨- البيان والتبيين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق وشرح: عبد السلام هارون، دار الفكر. ط٤ (بدون تأريخ) .
٩- البارع في اللغة، أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي، تحقيق: هاشم الطّعان، ساعدت جامعة الكويت في نشره.
١٠- تاج العروس من جواهر القاموس، العلامة مر تضى الزبيديّ،ط١، المطبعة الخيرية (١٣٠٦هـ)
١١- تاج اللغة وصحاح العربية، العلامة إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار القاهرة، دار الملايين،ط٢ (١٤٠٢هـ)
١٢- تهذيب اللغة، أبو منصور محمد بن أحمد الأزهريّ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الدار المصرية للتأليف والترجمة (١٣٨٤هـ)
١٣- الجاسوس على القاموس، أحمد فارس الشدياق، القسطنطينية، مطبعة الجو ائب (١٢٩٩هـ)
١٤- جمهرة اللغة، أبو بكر محمد بن دريد، دار صابر.
стр. 4234
١٥- الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبيّ، دار الكاتب العربيّ للطباعة والنشر، القاهرة (مصور)
١٦- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، عبد القادر البغداديّ، دار صادر، بيروت (١٠٣٠-١٠٩٣هـ)
١٧- الخصائص، صنعة أبي الفتح عثمان بن جنيّ، تحقيق: محمد على النجار، دار الكتاب العربيّ، بيروت/لبنان.
١٨- دلالة الألفاظ، إبراهيم أنيس، مكتبة الانجلو المصريّة، ط٤ (١٩٨٠م)
١٩- دور الكلمة في اللغة، ستيفن أولمان، ترجمة كمال بشر، مكتبة الشباب، القاهرة.
٢٠- رواية اللغة، عبد الحميد الشلقاني، القاهرة، دار المعارف (بدون تأريخ)
٢١- شرح المفصل، موفق الدين علي بن يعيش، بيروت، عالم الكتب.
٢٢- الصاحبيّ في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها،أحمد بن فارس، تحقيق: السيد أحمد صقر، القاهرة، مطبعة عيسى البابي وشركائه.
٢٣- ضحى الإسلام، أحمد أمين، لجنة التأليف والترجمة والنشر (١٣٥٧هـ)
٢٤- صناعة المعجم الحديث، أحمد مختار عمر، عالم الكتب، ط١ (١٤١٨هـ)
٢٥- العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، أبو علي الحسن بن رشيق القيروانيّ، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت /دار الجيل.
٢٦- العين، الخليل بن أحمد، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، إيران، مؤسسة دارالهجرة.
٢٧- الفهرست، ابن النديم، بيروت، دار المعرفة.
٢٨- القاموس المحيط، الفيروزآبادي، بيروت، دار الجيل.
٢٩- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشريّ، مصطفى البابي الحلبي (١٣٦٧هـ)
٣٠- الكلمة دراسة لغوية ومعجمية، حلمي خليل،الهيئة المصرية العامة، فرع الإسكندرية (١٩٨٠م) .
٣١- لسان العرب، ابن منظور، بيروت، دار الفكر (صورة) .
٣٢- اللغة العربية معناها ومبناها، تمّام حسّان،الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط٢ (١٩٧٩) .
стр. 4235
٣٣- اللغة العربية وعلومها، عمر رضا كحالة، دمشق،دار المعلم العربي، المطبعة التعاونية (١٣٩١هـ) .
٣٤- مجلة المعجمية، جمعية المعجميّة العربية، تونس، العددان الخامس والسادس ١٤٠٩هـ)
٣٥- المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، أبو الفتح عثمان ابن جنيّ، تحقيق: علي النجدي ناصف وعبد الفتاح شلبي، الجمهورية العربية المتحدة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
٣٦- المحكم والمحيط الأعظم، علي بن إسماعيل بن سيده، تحقيق: مصطفى السقا وحسين نصار، ط١ (١٣٧٧هـ) ، مطبعة البابي وأولاده بمصر.
٣٧- المزهر في علوم اللغة وأنواعها، عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، شرح وضبط: محمد أبو الفضل وغيره، دار الفكر.
٣٨- معاجم الموضوعات في ضوء علم اللغة الحديث، محمود سليمان ياقوت، الإسكندرية، دارالمعرفةالجامعية (١٩٩٤م)
٣٩- المعاجم العربية، عبد الله درويش، مكة المكرمة، الفيصلية (١٤٠٦هـ) .
٤٠- المعاجم اللغوية العربية بداءتها وتطورها، إميل يعقوب،بيروت، دار العلم للملايين، ط٢ (١٩٨٥) .
٤١- المعاجم اللغوية في ضوء دراسات علم اللغة الحديث، أحمد أبو الفرج، دار النهضة العربية، ط١ (١٩٦٦م) .
٤٢- معجم البلدان، ياقوت الحمويّ، بيروت، دار صادر.
٤٣- معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مصطفى البابي الحلبي، ط٢ (١٣٨٩) .
٤٤- المعجم العربي نشأته وتطوره، حسين نصار،دار مصر للطباعة.
٤٥- المعجم العربي بين الماضي والحاضر، عدنان الخطيب، محاضرات ألقاها على طلاب قسم الدراسات الأدبية واللغويّة (١٩٦٦م) .
٤٦- المعجم الوسيط،مجمع اللغة العربية، القاهرة (بدون تأريخ)
٤٧- المغني الجديد في علم الصرف، محمد خير حلواني، لبنان، بيروت، دار الشرق العربي
٤٨- المفصل في علم العربية، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، بيروت، دارالجيل، ط٢ (بدونتأريخ) .
стр. 4236
٤٩- مقدمة الصحاح، أحمد عبد الغفور عطار، القاهرة، ط٢ (١٤٠٢هـ)
٥٠- مناهج البحث في اللغة، الانجلو (١٩٥٥م) .
٥١- نشأة النحو وتأريخ أشهر النحاة، محمد الطنطاوي، تعليق: عبد العظيم الشناوي ومحمد عبد الرحمن الكردي، ط٢ (بدون تأريخ) .
٥٢- همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، جلال الدين السيوطي، تحقيق وشرح:عبد السلام هارون وعبد العال مكرم، ساعدت جامعة الكويت على نشره.
стр. 4237
قضية التنازع في الاستعمال اللغوي
د. أبو سعيد محمد عبد المجيد
الأستاذ المساعد في قسم اللغة العربية
بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا
ملخص البحث
إن هذا البحث يهدِف إلى تأصيل بعض قواعد النحو العربي من خلال أفصح الأساليب، والكشف عن تلوّن مظاهر هذه القواعد في تقديم هذا الأسلوب، والكشف عن أهمية دراسة النحو في ظلّ الأسلوب القرآني، كما أن فيها حسمًا لبعض قضايا الاختلاف حول المسائل النحوية، ودعوى إلى النظر في التأويل والتخريج النحويين.
يسعى هذا البحث إلى دراسة قضية التنازع في الاستعمال اللغوي، ويشتمل على مفهوم التنازع وتعريفه وركنَيْه مع الشروط، وأي العاملَين يعمل في حال التنازع، ويتضمن كذلك حكم الإضمار في العامل المهمل وتعدد العامل والمعمول في أسلوب التنازع، كما احتوى على آراء العلماء في التنازع وتعقيب ومزيد من المناقشة.
توصلتْ هذه الدراسة إلى نتائج أهمها: أن تسمية التنازع كانت دقيقةً وموفقةً؛ لأن كل عامل من العوامل يطلب المعمول لنفسه وكأنما يريد أن ينزعه من الآخر ليستأثر به، وأن التعريفات التي استقرّت في كتب النحو تنطلق من نقطة واحدة هي أن التنازع هو عبارة عن توجه عاملَين أو أكثر إلى معمول واحد أو أكثر.
إن التنازع قد يقع في الظرف والمفعول المطلق والمفعول معه ولا يقع في المفعول له وفي الحال والتمييز. إن مذهب البصريين أسهل وأحسن وموافق تمامًا للقرآن الكريم.
واختتم البحث بتوصيات واقتراحات من أهمها: أن باب التنازع باب أصيل، ولن يمكن إلغاؤها بناء على ما قدّم بعض المحدثين. ويلغى التنازع في الأفعال التي تتعدى إلى مفعولَين أو ثلاثة مفاعيل؛ لأنها لم ترد في القرآن الكريم ولا في أشعار الشعراء ولا في كلام العرب.
التمهيد:
стр. 4238
الحمد للَّهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيّد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين............ أما بعد؛
فما من شكٍّ في أنَّ العربَ نسبوا إلى الأمين ﷺ أخيلةَ الشاعر وسبحاتِ الأديب حين راعى القرآن الكريم خيالَهم بصوره الحية، ومشاهده الشاخصة، وألفاظه الموحية، وفواصله الشافية، فقالوا: شاعرٌ نتربّص به ريبَ المنون، وسحرهم أسلوبُهُ المعجزُ الذي تحدّى أساطينَ البلغاء، وأمراء البيان، ومصاقعَ العلماء، وتحدّى العربَ والعجمَ على أن يأتوا بمثله، وهو جميع كلامِ الله؛ فقال لهم ﴿أَمْ يَقُوْلُوْنَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُوْنَ* فَلْيَأْتُوْا بِحَدِيْثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوْا صَادِقِيْنَ*﴾ [الطور:٣٣ ٣٤] ، ثم تنازل لهم عن التحدّي بجميع القرآن إلى التحدّي بعشر سور مثلِهِ، وكانت مفتريات لا أصلَ لها، ولا سندَ، فقال: ﴿أَمْ يَقُوْلُوْنَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوْا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُوْنِ اللهِ إْنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ﴾ [هود:١٣] ، فلما عجزوا تنازل إلى تحديهم بسورة واحدة من مثله، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِيْ رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوْا بِسُوْرَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوْا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُوْنِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ﴾ [البقرة:٢٣] ، ولكنهم عجزوا فلم يستطيعوا ولم يقاربوا وهم أمة الفصاحة والبلاغة جلجل صوتُهُ في الآفاق، وتحدّى أممَ العالَم قاطبةً جنًّا وإنسًا مُعْلِنًا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوْا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُوْنَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا﴾ [الإسراء:٨٨] ؛ فالعربُ الفصحاءُ عرفوا أسلوبَهُ الذي يَعُلُوْ ولا يُعْلَى عليه، حتى إنَّ الوليدَ
стр. 4239
بْنَ المغيرة وهو من أشدّ أعداء الإسلام لما سمع شيئا منه رقّ له قلبُهُ وقال:" وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلاَوَةً وإِنَّ أَصْلَهُ لَعِذْقٌ، وإِنَّ فَرْعَهُ لَجُنَاةٌ" ( [١] ) ، وذلك بسحر بيانه وروعة معانيه ودقّة ألفاظه، ومبانيه، ففكّرَ وقدَّرَ ولكنّ الحظَّ ما كان حليفَهُ، وفي ذلك قال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ نَظَرَ* ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ* ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ* فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ* إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر:١٨ ٢٥] .
لا جرمَ أنّ المؤمنين عُنُوا عنايةً كبرى شملتْ نواحيَه المختلفة، وأحاطتْ بكل ما يتصل به؛ لأنه هو البيانُ المعجزُ، وباعث نهضة علمية، ورائد فكر قويم، إذ شَمَرَ الأوائلُ منهم عن سواعدهم يتعهدّونه بقراءاته، وتفسير ألفاظه وبيان أحكامه وأعقبهم آخرون غيارى، تناولوا نصَّهُ بالضبط إعجامًا وإعرابا، أن وجدوا في ألسن المسلمين المستجدّين زيغًا عن قراءته وانحرافا عن فصاحته وقد بدأ اللحن قليلاً منذ أيام الرسول ﵇، فقد لَحَنَ رجلٌ بحضرته ﵇؛ فقال: " أَرْشِدُوْا أخاكُمْ فَإِنَّهُ قَدْ ضَلَّ" ( [٢] ) ، والأنكى أن اللحنَ قد تسرَّبَ إلى قراءة الناس القرآنَ فقد قدم أعرابيٌّ في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه فقال: " من يُقْرِئُنِي شيئا مما أُنْزِلَ على محمد؟ فأقرأه رجلٌ سورةَ البراءة بهذا اللحن ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُوْلِهِ إَلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىْءٌ مِنَ المُشْرِكِيْنَ ورسوله ... ﴾ [التوبة:٣] ، بكسر اللام في (رسولِهِ) ؛ فقال الأعرابي:
стр. 4240
" إن يكنِ الله بريئا من رسوله فأنا أبرأ منه"، فبلغ ذلك عمرَ فدعاه فقال عمرُ: ليس هكذا يا أعرابي" فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين"؟ فقال: " ... أن اللَّهَ برىءٌ من المشركين ورسُوْلُهُ" فقال الأعرابي: وأنا أبرأ ممن بَرِئَ الله ورسولُهُ منهم"، فأمر عمرُ ألاّ يُقْرِئَ القرآنَ إلا عالمٌ باللغة" ( [٣] ) . ويُنْسَبُ إلى عمر أيضا أنه قال: (تَعَلَّمُوْا العَرَبِيَّةَ فإنها تُثْبِتُ العقلَ وتزيد في المروءة) ( [٤] ) ، كما تناول اللاحقون القرآن بالدرس وقراءاته بالتفسير والإعراب، وأفاد منها كلُّ مظهر من مظاهر النشاط الفكريّ والعلميّ.
إن علمَ النحو أثرٌ من آثار العقل العربي، فرغ له العباقرة من أسلافنا، فجمعوا أصوله وثبّتوا قواعده، ورفعوا بنيانَه شامخًا ركينا، ومنزلته من العلوم الإنسانية منزلةُ الدستور من القوانين الحديثة، هو أصلها الذي تستمدّ عونه، وهذه العلوم النقلية لا سبيلَ إلى استخلاص حقائقها والنفاذ إلى أسرارها بغير النحو، فهل نُدْرِكُ كلامَ الله تعالى ونفهم دقائق التفسير وغير ذلك من هذه العلوم إلا بإلهام النحو وإرشاده؟.
следующие страницы →