← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

حديث لا نكاح إلا بولي - رواية ودراية د. صلاح الدين بن أحمد الإدلبي المدرس بكلية الدراسات العربية والإسلامية بدبي ملخص البحث المرأة المسلمة الصالحة القانتة يخطبها الخاطب إلى وليها، فيستأمرها الولي أو يستأذنها في أن يعقد لها عقد زواجها، فإذا رضيت الخاطب زوّجها منه وليها، ويمنعها الحياء أن تفكر بتزويج نفسها دون أن يعقد لها الولي أو من يأذن له. ولكن هل من حقها أن تفعل؟! وهل لها الحق في أن تزوج نفسها دون الولي كما لها الحق في أن تتصرف بأموالها؟! جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين على أنها لا تملك ذلك، وأنه لا بد من الولي أو من يأذن له الولي في عقد النكاح، وذهب نفر من أهل العلم إلى أنه يجوز لها ذلك إذا زوجت نفسها من كفء، لكنه لا يستحب. ولكن ألم يأت الحديث عن رسول الله (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)) ؟! فهل صح سنده وثبتت نسبته؟ هذا ما دفعني إلى خوض غمار هذا البحث والكتابة في هذا الحديث: أولا من حيث الرواية بجمع طرقه وتتبع أسانيده، وثانيا: من حيث الدراية بدراسة تلك الأسانيد المتعددة الكثيرة لمعرفة ما صح سنده منها، ثم كان لا بد من استعراض مناقشة الإمام الطحاوي ﵀ للاستدلال بهذا الحديث، وبيان رجحان ما فهمه الجمهور منه. * * * المقدمة: الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على الرحمة المهداة والنعمة المُسْداة سيدنا محمد الصادق الأمين. وعلى آله الأبرار وأصحابه الأخيار والتابعين بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فإن من أهم المسائل الفقهية التي تمس واقع المسلمين اليوم ما يتصل منها ببناء الأسرة المسلمة، وإقامة هذه اللبنة من لبنات صرح المجتمع الإسلامي. ولا يمكن أن تنشأ الأسرة المسلمة إلا في ظل نظام الزواج، المؤسس على ما يرضي الله تعالى ورسوله ((والله ورسوله أحق أن يرضوه ( [التوبة ٦] .

стр. 4622

ومما اتفقت عليه الأمة -في ذلك النظام التشريعي الرباني -أن الرجل الحر البالغ العاقل يمكنه أن يعقد بنفسه عقد نكاحه لنفسه، ولكن مما اختلفت فيه الأمة أن المرأة الحرة البالغة العاقلة هل يمكنها أن تعقد بنفسها عقد نكاحها لنفسها؟ أي دون وليها؟ أو لا بد من الولي يعقد لها أو يأذن في ذلك لمن يتوخى فيه حسن النيابة عنه؟ خضت غمار هذا البحث منطلقاً من الحديث النبوي ((لا نكاح إلا بولي)) ، وقسمته حسب الخطة التالية: المبحث الأول: حديث ((لا نكاح إلا بولي)) من حيث الرواية. المبحث الثاني: حديث ((لا نكاح إلا بولي)) من حيث الدراية. - أهم نتائج البحث وأسأل الله تعالى التوفيق والتسديد بفضله ومنه وكرمه. المبحث الأول: حديث (لا نكاح إلا بولي) - من حيث الرواية روي هذا الحديث عن النبي (من طريق جماعة من الصحابة، منهم أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن المسجد الحرامعود، وعمران بن الحصين، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وعائشة، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسمرة بن جندب، وضي الله عنهم.

стр. 4623

فأما حديث أبي موسى الأشعري ﵁: فروي من طريق إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَبيعي (١) ويونس بن أبي إسحاق السَبيعي (٢) ، وشَريك بن عبد الله النخعي (٣) ، وأبي عوانة الوضاح بن عبد الله (٤) وزهير بن معاوية (٥) ، وقيس بن الربيع (٦) ، وعبد الحميد بن الحسن الهلالي (٧) ، وأبي حنيفة النعمان (٨) ، ورَقَبة بن مَصْقَلة العبدي (٩) ،

стр. 4624

كلهم عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه أبي موسى الأشعري، عن رسول الله (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)) . وروي كذلك من طريق سفيان الثوري (١) وشعبة بن الحجاج (٢) عن أبي إسحاق السبيعي به. وروي من طريق سفيان الثوري (٣) وشعبة بن الحجاج (٤) وأبي الأحوص سلام بن سليم (٥) ثلاثتهم عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن النبي (مرسلا لم يذكروا فيه عن أبي موسى الأشعري. فتبين من هذا أنه قد اختلف في إسناد هذا الحديث على أبي إسحاق وصلا وإرسالا. وأما من غير طريق أبي إسحاق فقد روي من طريق يونس بن أبي إسحاق (٦) وأبي حَصين عثمان بن عاصم (٧) كلاهما عن أبي بردة عن أبي موسى موصولا. وأما حديث ابن مسعود ﵁: فروي من طريق بكر بن بكار عن عبد الله بن محرَّر عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين عن ابن مسعود عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) (٨)

стр. 4625

وأما حديث عمران بن حصين ﵁: فرواه عبد الرزاق، وروي من طريق أبي نُعيم الفضل بن دُكين، كلاهما عن عبد الله بن محرر، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن الحصين عن النبي (بلفظ حديث ابن مسعود. (١) وروي من طريق عبد الله بن عمرو الواقعي قال: حدثنا أبان بن يزيد العطار عن قتادة عن الحسن عن عمران بن الحصين عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)) . (٢) وأما حديث جابر بن عبد الله ﵄: فروي من طريق عمرو بن عثمان الرقي قال حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبي سفيان (طلحة بن نافع) عن جابر عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) . (٣) وروي من طريق يحيى بن غيلان عن عبد الله بن بزيع عن هشام بن حسان القردوسي عن عطاء عن جابر عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي، وأيما امرأة تزوجت بغير ولي فنكاحها باطل)) . (٤) وروي من طريق قَطَن بن نُسَير الذارِع، عن عمرو بن النعمان الباهلي قال: حدثنا محمد بن عبد الملك، عن أبي الزُبير، عن جابر، عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) (٥) وروي من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي عن أبي الزبير به مثله (٦) .

стр. 4626

وروى ابن عدي عن أبي يعلى الموصلي عن محمد بن المنهال عن أبي بكر الحنفي [عبد الكبير بن عبد المجيد] عن ابن أبي ذئب عن عطاء عن جابر عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي ولا طلاق قبل نكاح)) . وعقب ابن عدي فقال: قال لنا أبو يعلى: وفي كتابي في موضعين، في موضع ليس فيه لا نكاح إلا بولي، وفي موضع فيه لانكاح إلا بولي. وعلق ابن عدي على هذا بقوله: وهذا إنما هو لا طلاق قبل نكاح بهذا الإسناد (١) وأما حديث عبد الله بن عباس ﵄ فقد روي عنه من طريق سعيد بن جبير وعكرمة وعطاء بن أبي رباح. فأما طريق سعيد بن جبير فروي من طريق عَدي بن الفضل، عن عبد الله بن عثمان ابن خُثَيم، عن سعيد بن جيبر، عن ابن عباس، عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل)) . (٢) ورواه الطبراني في الأوسط عن أحمد بن القاسم، قال حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال حدثنا عبد الله بن داود وبشر بن المفضل وعبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري عن ابن خُثيم به، ولفظه: ((لا نكاح إلا بإذن ولي مرشد أو سلطان)) . (٣) ورواه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن أحمد ابن حنبل عن القواريري به مرفوعاً ولفظه: ((لا نكاح إلا بولي)) . (٤)

стр. 4627

وروي من طريق معاذ بن المثنى، عن عبيد الله بن عمر القواريري به، لكن فيه (عن النبي (: إن شاء الله) . ولفظه مثل رواية أحمد بن القاسم عن القواريري. (١) وأما طريق عكرمة عن ابن عباس فرواه مُعّمر بن سليمان الرقي ومَخشي بن معاوية عن الحجاج بن أرطاة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي (أنه قال: ((لانكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له)) (٢) . ورواه أبو كُرَيب عن عبد الله بن المبارك عن حجاج بن أرطاة به ولفظه ((لا نكاح إلا بولي)) (٣) . ورواه الطبراني في الكبير عن الحسين بن إسحق التُستَري عن سهل بن عثمان عن ابن المبارك به، إلا أن فيه (عن خالد الحذّاء) بدلاً من (عن حجاج بن أرطاة) (٤) . ورواه الطبراني في الأوسط بالسند السابق عينه وفيه الجمع بينهما (عن خالد الحذاء عن الحجاج بن أرطاة) ولفظه ((لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له)) (٥) . ورواه البيهقي من طريق سعيد بن عثمان الأهوازي، عن سهل بن عثمان، وفيه (عن الحجاج بن أرطاة) (٦) .

стр. 4628

وأما طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس فقد روي من طريق النهّاس بن قَهْم عن عطاء به ولفظه ((لا نكاح إلا بولي)) (١) . وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد روي من طريق عمر بن قيس عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)) (٢) . وروي من طريق سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) (٣) . وروي من طريق المغيرة بن موسى، عن هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي وخاطب وشاهدي عدل)) (٤) . وروي من طريق أبي عامر الخزّاز صالح بن رستم، عن محمد بن سيرين به، ولفظه ((لا نكاح إلا بولي)) (٥) . وروي من طريق محمد بن عبيد الله العّرْزَمي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، فما كان على غير ذلك فباطل مردود)) (٦) . وأما حديث عائشة ﵂ فقد روي من طريق الزهري عن عروة عنها ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها. فأما طريق الزهري فقد روي من طريق سعيد بن يحيى بن سعيد الأُموي، قال حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله (قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) (٧)

стр. 4629

وروي من طريق محمد بن هارون الحضرمي قال: حدثنا سليمان بن عمر الرقي، قال حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، قال حدثنا ابن جريج به، بلفظ ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) (١) . وروي من طريق عيسى بن يونس، عن ابن جريج به، بلفظ ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) (٢) . وروي من طرق عن الحجاج بن أرطاة، عن الزهري به، بلفظ ((لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له)) (٣) . وروي من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقّاصي، عن الزهري، به، بلفظ ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) (٤) . وروي من طريق عبد الله بن فَرّوخ الخراساني عن أيوب بن موسى عن الزهري (٥) وأما طريق هشام بن عروة فقد روي من طريق محمد بن يزيد بن سنان، قال حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن عروة، به (٦) . وروي من طريق نوح بن دَرّاج، عن هشام بن عروة، به، بلفظ ((لانكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) (٧) .

стр. 4630

وروي من طريق مَنْدل بن علي العنزي عن هشام بن عروة به بلفظ: ((لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له)) (١) . وروي من طريق علي بن جميل الرقي، قال حدثنا حسين بن عياش، عن جعفر بن بُرقان، عن هشام بن عروة، به، بلفظ: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدين)) (٢) وروي من طريق مُطَرِّف بن مازن الصنعاني عن ابن جريج عن هشام بن عروة (٣) . وروي من طريق الحسين بن علوان الكلبي عن هشام بن عروة (٤) . وأما حديث علي ﵁ فقد روي من طريق شبيب بن الفضل، قال حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)) (٥) . وروي من طريق عبّاد بن العوام، عن الحجاج (بن أرطاة) ، عن حصين (بن عبد الرحمن الحارثي) ، عن الشعبي، عن الحارث (بن عبد الله الأعور) ، عن علي، به، بلفظ: ((لا نكاح إلا بولي، ولا نكاح إلا بشهود)) (٦) . وروي من طريق حسين بن عبد الله بن ضُمَيرة، عن أبيه عن جده، عن علي، به، بلفظ: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدين)) (٧) . وروي من طريق الإمام أبي حنيفة عن خُصَيف عن جَابِر بن عقيل عن علي ﵁ عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدين، من نكح بغير ولي وشاهدين فنكاحه باطل)) (٨) .

стр. 4631

وأما حديث ابن عمر ﵄ فقد روي من طريق ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) (١) . وروي من طريق أيوب بن عروة، عن أبي مالك الجَنْبي (عمرو بن هاشم) عن عبيد الله، عن نافع، به، بلفظ: ((لا نكاح إلا بولي)) (٢) . وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄: فرواه محمد بن عبيد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)) (٣) . وأما حديث أنس ﵁: فرواه هشام بن سلمان المُجَاشِعي عن يزيد الرَّقَاشي عن أنس عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) (٤) . ورواه محمد بن علي بن سهل - شيخ ابن عدي - بسنده عن يزيد الرقاشي به (٥) . ورواه دينار بن عبد الله عن أنس عن رسول الله (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)) (٦) . ورواه إسماعيل بن سيف البصري من حديث أنس (٧) . وأما حديث أبي أمامة ﵁: فرواه عمر بن موسى عن أبي غالب عن أبي أمامة عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)) (٨) .

стр. 4632

وأما حديث سمرة ﵁: فرواه الفضل بن محمد بن عبد الله الباهلي-شيخ ابن عدي -بسنده عن مكحول عن سمرة عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي وإذا أنكح المرأة وليان فالأول أحق بالنكاح)) (١) . المبحث الثاني: حديث ((لا نكاح إلا بولي)) من حيث الدراية أما حديث أبي موسى الأشعري ﵁ فقد رواه جماعة عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن جده أبي إسحاق، عن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه أبي موسى، عن النبي (، وهذه دراسة موجزة للسند: - إسرائيل بن يونس: وثقه أحمد والعجلي وأبو حاتم ومحمد بن عبد الله بن نُمَير وغيرهم، وقال يعقوب ابن شيبة: في حديثه لين. قال إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحق كما أحفظ السورة من القرآن. قال بعضهم ليونس بن أبي إسحق: أمْلِ علي حديث أبيك. فقال: اكتب عن ابني إسرائيل فإن أبي أملاه عليه. ولد سنة /١٠٠/وتوفي سنة /١٦١/تقريباً (٢) . - أبو إسحق السبيعي عمرو بن عبد الله: اتفقوا على توثيقه، وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، وأشار أحمد وابن معين إلى تغير حفظه في آخر عمره، ونسبه الكرابيسي وابن حبان وأبو جعفر الطبري للتدليس، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وتوفي سنة /١٢٧/ تقريباً (٣) . - أبو بردة بن أبي موسى الأشعري: اتفقوا على توثيقه، وثقه ابن سعد والعجلي وابن خراش وغيرهم. ولد سنة /٢٢/، وتوفي سنة /١٠٤/ تقريباً (٤) . توفي والده أبو موسى الأشعري ولأبي بردة ما بين عشرين إلى واحد وثلاثين سنة (٥) .

стр. 4633

قد يقال: إن إسرائيل بن يونس في حديثه لين، وإن أبا إسحاق السبيعي تغير حفظه في آخر عمره، ونسب للتدليس، ثم إن ثلاثة من الرواة عن أبي إسحاق رووا عنه هذا الحديث مرسلاً، فهذه أربعة اعتراضات على إسناد هذا الحديث. فأما ما قيل من لين في حديث إسرئيل فإنه يزول بمتابعة جماعة من الثقات له. وأما ما قيل من تغير حفظ أبي إسحاق في آخر عمره فهذا غير وارد هنا، لأنه قد روى عنه هذا الحديث فضلاً عن حفيده إسرائيل بن يونس ابنه يونس، وهو والد إسرائيل فروايته عنه قديمة، وكذا رواه عنه شريك بن عبد الله، وقد نص الإمام أحمد على أنه سمع منه قديماً (١) . وأما ما نسب إلى أبي إسحاق السبيعي من التدليس فإن سفيان الثوري سأله هل سمع هذا الحديث من أبي بردة، فقال: نعم (٢) . ثم إن هذا الحديث قد روي من طريقين آخرين عن أبي بردة، من طريق يونس بن أبي إسحاق السبيعي، ومن طريق أبي حَصين عثمان بن عاصم الثقفي. فأما طريق يونس عن أبي بردة فروي عنه من طرق (٣) ، لكن روي الحديث كذلك من طرق عنه عن أبيه عن أبي بردة، كما تقدم في طرق الحديث من رواية أبيه أبي إسحاق السبيعي، ولم يقل في أي طريق من الطرق التي وقفت عليها حدثني أبو بردة، فربما كان قد سمعه من أبيه عن أبي بردة، فيكون بذلك قد رجع هذا الطريق إلى طريق أبي إسحاق.

стр. 4634

وأما طريق أبي حصين فقد رواه الحاكم في المستدرك، قال: حدثنا أبو علي الحافظ، قال: أنبأنا أبو يوسف يعقوب بن خليفة بن حسان الأَيلي وصالح بن أحمد بن يونس وأبو العباس الأزهري، قالوا حدثنا أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا خالد بن يزيد الطبيب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله (: ((لا نكاح إلا بولي)) (١) . - أما أهم ما انتقد به سند هذا الحديث فهو أنه قد اختلف فيه على أبي إسحاق وصلاً وإرسالاً، فتطرق إليه احتمال الإعلال، فلا بد من النظر فيمن رووه مرسلاً ومن رووه موصولاً. فأما من رووه مرسلاً فسفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص سلاّم بن سُليم، وسفيان وشعبة جبلان في الحفظ. وأما من رووه موصولاً فإسرائيل بن يونس، ويونس بن أبي إسحق، وشريك بن عبد الله، وزهير بن معاوية، وقيس بن الربيع، وعبد الحميد بن الحسن الهلالي، وأبو حنيفة وغيرهم، وإسرائيل كان يحفظ حديث جده كما يحفظ السورة من القرآن، فهو وسائر من روى هذا الحديث عن أبي إسحاق السبيعي لا يمكن أن تتوارد رواياتهم كلها على الخطأ بزيادة (أبي موسى الأشعري) وتتفق عليه. فإن قيل: أليس سفيان الثوري وشعبة جبلين في الحفظ وقد أرسلاه؟! فالجواب: بلى، ولكن بين ذلك الإمام الترمذي إذ قال: شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد، ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان قال: أخبرنا أبو داود قال: أنبأنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله: (لا نكاح إلا بولي) ؟ فقال: نعم (٢) . ومحمود بن غيلان متفق على توثيقه (٣) ، وأبو داود هو الإمام الحافظ أبو داود الطيالسي صاحب المسند.

стр. 4635

وتبين من هذه الرواية أن رواية شعبة والثوري ليست مأخوذة عن أبي إسحاق في مجلس واحد فحسب، بل لم تكن مأخوذة عنه في مجلس تحديث، وإنما جاءت جواباً على سؤال سفيان الذي كان يريد أن يعرف ما إذا كان أبو إسحاق قد سمع هذا الحديث من أبي بردة سماعاً. ملحوظة: ذكر الإمام الترمذي من روى هذا الحديث عن أبي إسحاق موصولاً وهم إسرائيل وشريك بن عبد الله وأبو عوانة وزهير بن معاوية وقيس بن الربيع، وأبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري. وأسقطت ذكر أبي عوانة عامداً، لأنه لم يسمع هذا الحديث من أبي إسحاق وإن كان قد رواه عنه، وإنما سمعه من إسرائيل عن أبي إسحاق، فقد رواه عنه الإمام الطحاوي بالوجهين ثم قال: فرجع حديث أبي عوانة إلى حديث إسرائيل (١) . ومما يؤكد ذلك أن أحمد بن عبدة قال: ثم إن أبا عوانة قال يوماً: لم أسمعه إلا من إسرائيل عن أبي إسحق. فقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان له: سمعت أبا عونة يذكر هذا؟ . فقال: سمعت يحيى بن حماد يذكر عن أبي عوانة (٢) . وإذا انتفت الاعتراضات الأربعة على إسناد هذا الحديث تبين أن سنده صحيح من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن (. هذا وقد صححه شيخ البخاري الإمام علي ابن المديني (٣) ، وكذا عبد الرحمن بن مهدي وأبو الوليد الطيالسي (٤) . وأما حديث ابن مسعود ﵁: ففي سنده عبد الله بن مُحَرّر، قال عنه عمرو بن علي وأبو حاتم والدارقطني وغيرهم: متروك الحديث (٥) .

стр. 4636

وأما حديث عمران بن حصين ﵁: ففي طريقه الأول عبد الله بن محرر، وتقدم أنه متروك الحديث. وفي طريقه الثاني عبد الله بن عمرو (بن حسان) الواقعي، قال علي ابن المديني: كان يضع الحديث. وقال أبو زرعة: كان لا يصدق (١) . وأما حديث جابر ﵁: ففي طريقه الأول عمرو بن عثمان بن سيار الكلابي الرقي قال عنه أبو حاتم: يحدث الناس من حفظه بأحاديث منكرة وقال النسائي والأزدي: متروك الحديث (٢) . وفي طريقه الثاني عبد الله بن بزيع قال عنه الدارقطني: ليس بمتروك. لكن قال عنه الساجي: ليس بحجة روى عنه يحيى بن غيلان مناكير. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه ليست بمحفوظة (٣) . وفي طريقه الثالث قطن بن نُسير كان أبو زرعة يحمل عليه وقال عنه ابن عدي: يسرق الحديث (٤) . وفيه محمد بن عبد الملك قال عنه الإمام احمد وأبو حاتم: كان يضع الحديث. وقال الشافعي والبخاري ومسلم والنسائي: منكر الحديث (٥) . وفي طريقه الرابع محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي وهو متفق على تضعيفه، وقال عنه عدد من الأئمة: متروك الحديث (٦) . وأما طريقه الخامس فظاهره الصحة، فالسند متصل ورواته كلهم ثقات لا مغمز في واحد منهم، ولكنه معلول. وعلته أن أبا يعلى قد وجد الحديث مكتوبا عنده في موضعين، ونصه في أحدهما: لا نكاح إلا بولي ولا طلاق قبل نكاح، ونصه في الموضع الآخر لاطلاق قبل نكاح، وكأن أبا يعلى قد تردد في نص سماعه فلم يجزم بشيء، وإذا وقع التردد في إثبات لفظ ونفيه لم يجز إثباته بالشك.

стр. 4637

ومما يؤكد أن جملة لا نكاح إلا بولي ليست من أصل الحديث عدم ورودها عند الرواة الآخرين الذين رووه من هذا الطريق، فمن ذلك أن محمد بن سنان القزاز قد رواه عن أبي بكر الحنفي دون هذه الزيادة (١) ، وأن وكيع بن الجراح وأبا داود الطيالسي قد روياه عن ابن أبي ذئب كذلك دون هذه الزيادة (٢) . وهذا ما يفسر لنا تعليق ابن عدي ﵀ بقوله: وهذا إنما هو لا طلاق قبل نكاح بهذا الإسناد. وأما حديث ابن عباس ﵄ من طريق سعيد بن جبير عنه ففي طريقه الأول عدي بن الفضل، اتفقوا على تضعيفه وقال عنه النسائي وابن معين في رواية: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال الدارقطني: متروك (٣) . وقد خالفه في رفع الحديث عن ابن خُثيم: سفيان الثوري من الطرق المحفوظة عنه وابن جريج وجعفر ابن الحارث كما سيأتي. وأما طريقه الثاني فمعلول، رواه عبيد الله بن عمر القواريري وهو متفق على توثيقه (٤) عن جماعة من الثقات عن سفيان الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً، هكذا رواه عنه اثنان جازمين بالرفع، ورواه عنه ثالث وفيه التردد برفع الحديث، فيبدو أنه وقع له تردد في رفعه بعد أن كان جازماً بالرفع، وقد خالفه في رفع الحديث عن سفيان الثوري وكيع وعبد الرزاق، كما سيأتي، ولهذا قال البيهقي ﵀: تفرد به القواريري مرفوعاً،والقواريري ثقة إلا أن المشهور بهذا الإسناد موقوف على ابن عباس (٥) .

стр. 4638

ورواية ثقتين بوقف الحديث أولى من رواية ثقة واحد برفعه، وخاصة إذا تردد في رفعه في بعض الأوقات.ثم إذا ارتقينا درجة في سلم الإسناد لوجدنا ابن جريج وجعفر بن الحارث يرويان الحديث عن ابن خثيم موقوفاً، وهذا يؤكد صحة رواية ذينِك الثقتين، وأن الثالث قد وهم. أما طريق عكرمة عن ابن عباس ففيه الحجاج بن أرطاة، وصفه أحمد والبزار بالحفظ، وضعفه ابن سعد، ولينه سائر النقاد، ووصفوه بالتدليس، وقال أبو حاتم: يدلس عن الضعفاء.وأشار ابن المبارك إلى أنه يدلس عن المتروكين، وقال الدارقطني: كثير الوهَم (١) . وهو فضلاً عما فيه من لين فإنه لم يصرح بالسماع. وأما الطريق الذي خلا عن (الحجاج بن أرطاة) وفيه بدلاً منه خالد الحذاء فلا يعول عليه، لأنه معلول. وعلته أن سهل بن عثمان راويَه عن ابن المبارك اختلف عليه فيه، فقال مرة (عن الحجاج بن أرطاة) وقال مرة (عن خالد الحذاء) ، وحيث إن أبا كُريب رواه عن ابن المبارك عن (ابن أرطاة) فتبين أن هذه هي الرواية المحفوظة، وأن عبد الله بن المبارك لم يرو هذا الحديث إلا عن الحجاج بن أرطاة، فالطريق التي فيها غير ذلك خطأ (٢) . وأما طريق عطاء عن ابن عباس ففيه النهاس به قهم، متفق على تضعيفه، وقال ابن معين وأبو حاتم: ليس بشيء (٣) .

стр. 4639

وأما حديث أبي هريرة ﵁: ففي طريقه الأول عمر بن قيس المكي، متفق على تضعيفه، وقال عمرو بن علي وأبو حاتم والنسائي: متروك الحديث. (١) . وفي طريقه الثاني سليمان بن أرقم، قال عنه ابن معين: ليس بشيء، ليس يسوى فلساً. وقال أبو حاتم والترمذي وأبو أحمد الحاكم وغيرهم: متروك الحديث (٢) . وفي طريقه الثالث المغيرة بن موسى، ضعفه أكثر النقاد، وقال البخاري: منكر الحديث (٣) . وفي طريقه الرابع أبو عامر الخزاز صالح بن رستم، وثقه أبو داود الطيالسي وأبوداود السجستاني والبزار ومحمد بن وضاح، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أحمد: صالح الحديث. وقال العجلي: جائز الحديث. وضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو أحمد الحاكم والدارقطني: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: وهو عندي لابأس به، ولم أر له حديثا منكراً جداً (٤) . فهذا الراوي من أهل الصدق والعدالة، وصاحب أوهام وأغلاط، وعلى هذين الأمرين تتنزل أقوال الموثقين والمجرحين، والذي يظهر لي أن رفعه لهذا الحديث من أغلاطه، وقد خالفه أيوب السختياني فرواه عن ابن سيرين موقوفاً، كما سيأتي. وأما حديث عائشة ﵂: من طريق الزهري مما رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى عنه ففي طريقه الأول حفص بن غياث عن ابن جريج، وقد كان حفص من الثقات إلا أنه ساء حفظه بعد أن ولي القضاء، ونسبه أحمد وابن سعد للتدليس (٥) . ولم يصرح بسماع هذا الحديث من ابن جريج، ففي السند شبهة الانقطاع.

стр. 4640

وفي طريقه الثاني خطأ في السند حيث جاء فيه من طريق أبي العباس عصم بن العباس الضبي قال: حدثنا محمد بن هارون الحضرمي، قال: حدثنا سليمان بن عمر الرقي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، قال: حدثنا ابن جريج. ورواه الدارقطني -كما في الطريق الذي يلي هذا -قال: حدثنا محمد بن هارون الحضرمي، به. لكن عنده (عيسى بن يونس) بدلاً من (يحيى بن سعيد الأموي) ، والدارقطني إمام ثقة حافظ مصنف، فروايته هي المحفوظة، فرجع هذا الطريق إلى الطريق الذي يليه. وفي طريقه الثالث اختلاف في المتن، فهو هنا بهذا اللفظ، بينما رواه أبو يوسف الرقي محمد بن أحمد بن الحجاج عن عيسى بن يونس عن ابن جريج بلفظ: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدي عدل فنكاحها باطل)) (١) ، فلا بد من الترجيح بين اللفظين، ويبدو أن الراجح هو ما رواه أبو يوسف الرقي، بدليل الفقرة التالية. ثم إن روايةً اختلف على راويها في تسمية راو في السند أو اختلف عليه في حكاية لفظ المتن أو رويت من طريق راو مدلس لم يصرح بالسماع؛ كيف تقف أمام ما رواه ثلاثة عشر راوياً -فيهم السفيانان وابن المبارك وابن وهب-كلهم عن ابن جريج بالسند ذاته بغيرهذا اللفظ؟!!! وروايتهم بلفظ ((أيما امراة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) ، فهذا هو اللفظ المحفوظ عن ابن جريج كما سيأتي، ولفظ ((لا نكاح إلا بولي)) بهذا الإسناد معلول. وفي الطريق الثاني عن الزهري الحجاج بن m أرطاة عنه، وقد تقدم أنه كثير الوهَم ويدلس عن الضعفاء والمتروكين، ويضاف هنا أنه كان قد صرح بأنه لم ير الزهري، فالسند ضعيف بسبب الانقطاع فضلاً عن كثرة أوهام الراوي.

стр. 4641

وفي الطريق الثالث عن الزهري عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عنه، وهو متفق على تضعيفه، وقال عنه جماعة من النقاد: متروك الحديث. ونسبه ابن معين للكذب (١) . وأما طريق هشام بن عروة ففي طريقه الأول محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه عنه، ومحمد بن يزيد بن سنان ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الحاكم، وضعفه جمهور النقاد لغفلته وروايته المناكير، وأبوه يزيد بن سنان اتفق النقاد على تضعيفه، ووصف بأنه روى المناكير الكثيرة، وأنه منكر الحديث، وأنه متروك الحديث (٢) . وفي طريقه الثاني نوح بن دراج عنه، وقد وثقه ابن نمير، ولكن ضعفه جمهور النقاد، واتهم بالكذب ووضع الحديث وأنه حدث عن الثقات بالموضوعات (٣) . وفي طريقه الثالث مندل بن علي العنزي عنه، وقد قال عنه ابن معين في رواية: لابأس به. وكذا أبو حاتم في رواية، وضعفه جمهور النقاد، لرفع المراسيل وإسناد الموقوفات ورواية المناكير (٤) . وفي طريقه الرابع علي بن جميل الرقي، قال عنه ابن حبان: يضع الحديث وضعاً. وضعفه سائر النقاد (٥) . وفي طريقه الخامس مطرف بن مازن الصنعاني، متفق على تضعيف (٦) . وفي طريقه السادس الحسين بن علوان الكلبي، وهو متهم بالكذب ووضع الحديث (٧) .

стр. 4642

وأما حديث علي ﵁: ففي طريقه الأول عبد الله بن أبي جعفر الرازي وهو مختلف فيه، وفيه قيس بن الربيع وهو مختلف فيه، أثنى عليه ووثقه جماعة من معاصريه، وضعفه آخرون لروايته المناكير، وذكر علي ابن المديني وابن نمير وأبو داود الطيالسي وابن حبان أن الآفة من ابنه حيث أدخل عليه في كتبه ما ليس من حديثه فحدث بذلك وهو لا يشعر، وفي هذا الطريق الحارث ابن عبد الله الأعور، وهو مختلف فيه وضعفه الأكثرون واتهمه جماعة بالكذب (١) . وفي طريقه الثاني حجاج بن أرطاة وقد تقدم أن أكثر النقاد لينوه لكثرة أوهامه ثم هو مدلس ولم يصرح بالسماع، وفيه حصين [بن عبد الرحمن الحارثي] وقد نقل أبو حاتم عن الإمام أحمد ان أحاديثه مناكير فلا ينفعه ذكر ابن حبان في الثقات، وفيه الأعور وقد تقدم حاله قريبا (٢) . وفي طريقه الثالث حسين بن عبد الله بن ضميرة وقد كذبه مالك وأبو حاتم وابن الجارود وقال غيرهم: متروك الحديث (٣) . وفي طريقه الرابع خصيف [بن عبد الرحمن الجزري] وهو مختلف فيه وقال ابن حبان: تركه جماعة من أئمتنا واحتج به آخرون وكان شيخا فقيها عابدا إلا أنه كان يخطئ كثيرا فيما يروي (٤) وفيه جابر بن عقيل ولم أجد له ترجمة فلعله في عداد المجهولين. وأما حديث ابن عمر ﵄: ففي طريقه الأول ثابت بن زهير فقد اتفق النقاد على تضعيفه وقال عنه البخاري والساجي والدارقطني: منكر الحديث، وقال عنه أبو حاتم: ضعيف الحديث لا يشتغل به (٥) .

стр. 4643

وفي طريقه الثاني عمرو بن هاشم أبو مالك الجنبي وقد ضعفه جمهور النقاد وقال فيه ابن معين: لم يكن به بأس وقال فيه البخاري: فيه نظر. وضعفه مسلم وغيره وقال فيه ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات لا يجوز الاحتجاج بخبره (١) . وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄: ففيه محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي، وقد تقدم أنه متروك الحديث. وأما حديث أنس ﵁ ففي طريقه الأول هشام بن سلمان المجاشعي وهو ضعيف (٢) ، وفيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف متروك الحديث (٣) . وفي طريقه الثاني محمد بن علي بن سهل الأنصاري المروزي وقد قال فيه الإسماعيلي: لم يكن بذاك.واتهمه الذهبي بإحدى الروايات المنكرة وقال: ما أرى الآفة إلا منه. وذكره سبط ابن العجمي فيمن اتهموا بوضع الحديث (٤) . وفيه يزيد الرقاشي وقد تقدم قريبا أنه ضعيف متروك الحديث وفي طريقه الثالث دينار مولى أنس وقد حدث وروى عنه بوقاحة في حدود سنة ٢٤٠، وهو ممن قيل فيه: يروي الموضوعات (٥) . وفي طريقه الرابع إسماعيل بن سبف البصري وقد ذكره ابن حبان في الثقات، لكن ضعفه البزار وأبو يعلى وعبدان الأهوازي، وقال عنه ابن عدي: يسرق الحديث (٦) .

стр. 4644

وأما حديث أبي أمامة ﵁ ففيه عمر بن موسى الوجيهي وهو أحد الوضاعين (١) . وأما حديث سمرة ﵁ ففيه الفضل بن محمد بن عبد الله الأنطاكي الأحدب وهو متهم بالكذب ووضعه الحديث (٢) . مناقشة الإمام الطحاوي للاستدلال بهذا الحديث: مال الإمام الطحاوي ﵀ إلى أن حديث: ((لانكاح إلا بولي)) مرسل، حيث إنه رواه من طريق سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي بُردة عن النبي (مرسلا، ليس فيه ذكر لأبي موسى الأشعري، ورواه من طريق إسرائيل بن يونس وقيس بن الربيع وأبي عوانة، كلهم عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي (موصولا، ورواه من بعض الطرق عن أبي عوانة عن إسرائيل عن أبي إسحاق، فرجع طريق أبي عوانة إلى إسرائيل، فلم يبق أمامه سوى رواية سفيان وشعبة بالإرسال، ورواية إسرائيل وقيس بن الربيع بالوصل، وسفيان وشعبة أقوى من هذين بكثير، فترجحت - بناء على ذلك - رواية الإرسال، والمرسلُ -عند المحدثين - ليس مما تقوم به حجة. (٣) وإن أهم مايزيل هذا الاعتراض هو أن الراويين اللذين رويا هذا الحديث موصولا لم ينفردا بذلك، بل تابعهم على روايته بالوصل كل من يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وشريك بن عبد الله النخعي، وزهير بن معاوية، وعبد الحميد بن الحسن الهلالي، والإمام أبو حنيفة، مما يجعل الواقف على هذه الطرق يجزم بثبوت رواية الوصل وأنها ليست من باب الوهَم. (٤)

стр. 4645

من أن الإمام الطحاوي ﵀ -وضع احتمال ثبوت الحديث وسلامة سنده من علة الإرسال، فأورد عدة احتمالات في فهم الحديث بحيث تبعده عن مجال الاحتجاج به لقول الجمهور، وذلك إذ يقول: لو ثبت عن النبي (أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)) لم يكن فيه حجة لما قال الذين احتجوا به لقولهم في هذا الباب، لأنه قد يحتمل معاني: فيحتمل ما قال هذا المخالف لنا أن ذلك الولي هو أقرب العَصَبة إلى المرأة، ويحتمل أن يكون ذلك الولي من توليه المرأة من الرجال قريبا كان منها أو بعيدا، ...ويحتمل أن يكون الولي هو الذي إليه ولاية البضع من والد الصغيرة أو مولى الأمة أو بالغةً حرة لنفسها، فيكون ذلك على أنه ليس لأحد أن يعقد نكاحا على بضع إلا ولي ذلك البضع، وهذا جائز في اللغة، قال الله تعالى: (فليملل وليه بالعدل ( [البقرة ٢٨٢] ، فقال قوم: ولي الحق هو الذي له الحق (١) . فكأن الإمام الطحاوي ﵀ يقول لنا: ما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال. فالجواب: أن ليس كل ما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، لأنه لو أُخذ بهذا القول على إطلاقه لما كاد يسلم استدلال لمستدل، إذ أين الدليل الذي لايتطرق إليه احتمال قوي ولاضعيف ولا واهن؟!! فلا بد من التفريق بين الاحتمال القوي والاحتمال الضعيف والواهن، والذي يفصل في تمييز الاحتمالات وترتيبها هو القرائن. ولاشك أن من أقوى القرائن المعينة على فهم معنى الحديث تبادر المعنى إلى الأذهان، وخاصة أذهان الصحابة والتابعين.

стр. 4646

وأما الاحتمال الأخير الذي أورده فهو إخلاء للنص عن الفائدة، وهذا مرجوح، إذ المعنى على هذا الاحتمال: لا يصح عقد على بُضع إلا بأن يعقده ولي ذلك البضع، وهذا تحصيل حاصل، بخلاف ماإذا فُسر الحديث بالمعنى الذي فهمه جمهور الصحابة والتابعين، وهو أنه لايصح عقد نكاح المرأة إلا بأن يعقده لها وليها الذي له عليها ولاية التزويج، فهذا تأسيس لمعنى يستفاد من النص، وهو أولى من حمله على معنى لا يتجاوز ماهو مسّلم معروف ببديهة العقول قبل ورود النص، وهو أنه لايصح لأحد أن يعقد على شيء إلا من له الحق في العقد عليه. قد يُقال: إن المراد في الحديث نفي كمال النكاح، لا نفي صحته، فالجواب أن ((لا)) في قوله (( (لانكاح إلا بولي)) نافية للجنس، واسمها نكرة، والنكرة في سياق النفي للعموم، ثم إن الأصل في النفي نفي الحقيقة، فيكون المعنى هنا نفي الجواز والصحة، وأما حمله على أن المراد به نفي الكمال فهذا خلاف الأصل، ولايصار إليه إلا بقرينة.

стр. 4647

هذا وإن من أهم ما يؤكد دلالة الحديث على أن المرأة لا تعقد عقد نكاحها لنفسها دون وليها: تضافر الآثار الواردة عن الصحابة وجمهور التابعين على أنه لا نكاح إلا بولي، منهم عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة ﵃، وجابر بن زيد والحسن البصري وشريح وابن سيرين وسعيد بن المسيب وبكر بن عبد الله المزني وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم النخعي ومكحول وغيرهم من التابعين ﵏ (١)

стр. 4648

أهم نتائج البحث: حديث لا نكاح إلا بولي حديث صحيح ثابت من رواية أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله (. لم يصح هذه الحديث من طريق أي صحابي آخر، فلم تخل أسانيد تلك الطرق من راو متهم أو شديد الضعف. لا يجوز للمرأة أن تعقد عقد زواجها بنفسها دون ولي. لا بد للمرأة من ولي يعقد لها عقد زواجها أو يأذن لمن يعقد لها، وهذا لا يلغي أمره باستئمارها إذا كانت ثيبا واستئذانها إذا كانت بكرا. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين. الحواشي والتعليقات

стр. 4649

حديث: (احفظ الله يحفظك) دراسة عقدية د. محمد بن عبد العزيز بن أحمد العلي أستاذ مساعد بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة - بكلية أصول الدين-الرياض جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ملخص البحث هذا البحث هو شرح لحديث رسول الله (في وصيته لابن عباس ﵄ حينما قال له وهو رديفه: (يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) ، وفي رواية: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) . وهذا الحديث، وإن سبق شرحه قديماً وحديثاً، إلا أني لم أقف على من درسه دراسة عقدية تبرز ما فيه من مسائل كثيرة تتعلق بأساس الدين وأصله، إذ فيه من المسائل المتعلقة بألوهية الله وربوبيته وأسمائه وصفاته ونحو ذلك مما يؤكد الحاجة الضرورية لدراسته. ولهذا كتبت فيه هذا البحث الذي بدأته بمقدمة ذكرت فيها أهميته وسبب اختياره، ثم كتبت تمهيداً ضمنته ذكر الحديث برواياته، ثم شرحه إجمالاً، مع بيان مكانته وما قاله العلماء فيه، ثم قسمت البحث إلى اثني عشر مبحثاً، جعلت كل فقرة من فقراته في مبحث خاص، ثم ختمته بخاتمة ذكرت فيها أهم نتائجه، ثم وضعت فهرساً لأهم المصادر والمراجع التي أفدت منها. وإني لأنبه إلى أن هذا الحديث لا يزال بحاجة إلى عناية خاصة بالتأليف لما اشتمل عليه من مسائل عظيمة. أسأل الله إخلاص النية، وصلاح العمل وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم. المقدمة:

стр. 4650

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله صحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد. فإن رسول الله (أعطي (فواتح الكلام وجوامعه وخواتمه) (١) ، ويتضح ذلك لكل من تتبع سنته واقتفى أثره، وكان (حريصاً كل الحرص على نجاة أمته، بتعليمها وتربيتها التربية النبوية العقدية القويمة، يفعل ذلك في كل أوقاته، حتى أثناء تنقله من مكان إلى آخر، كما في أحاديث، منها وصيته (لابن عباس ﵄ عندما كان رديفه على الدابة، وهو موضوع هذا البحث، وهذا الحديث العظيم وإن كان موجهاً من رسول الله (إلى ابن عباس ﵄ إلا أنه وصية عظيمة القدر للأمة جمعاء، وإرشاد نبوي لكل من أراد النجاة في الدنيا والآخرة. هذا وقد اعتنى العلماء بهذا الحديث، قديماً وحديثاً، شرحاً وتفصيلاً، فتتبعت ما كتب فيه فرأيت أنه بحاجة إلى دراسة عقدية تظهر ما فيه من مسائل عظيمة تتعلق بأشرف العلوم وأجلها قدراً، وأوجبها مطلباً، وهو علم التوحيد، لأنه مفتاح الطريق إلى الله (وأساس الشرائع قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ((٢) . فإن كثيراً مما كتب في شرح هذا الحديث اعتنى ببسط مسائله الوعظية، وفي هذا خير عظيم، والأمة بحاجة ماسة إلى من يذكرها ويعظها بما جاء في كتاب الله تعالى وثبت في سنة رسوله (، إلا أن التركيز على مسائله العقدية من أهم المهمات. وهذا لا يعني أن من كتب في شرحه أغفل مسائل العقيدة لكنه أجمل في ذكرها مقارنة مع ما في الحديث من مسائل كبيرة.

стр. 4651

ومن أفضل ما قرأته المملكة العربية السعودية ما كتبه أسلافنا شرح ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢هـ) في كتابه (شرح الأربعين حديثاً النووية) ، وشرح ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ) في كتابه (جامع العلوم والحكم) و (نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي (لابن عباس) وغيرهما، وبخاصة ممن كتب في شرح الأربعين النووية. إلا أنه كما ذكرت آنفاً رأيت أن الحديث بحاجة إلى دراسة عقدية تبرز ما فيه من مسائل أُجمل في ذكرها، وبخاصة أنه قد تناوله بالشرح ممن هو ليس على عقيدة السلف، فظهرت آثار ذلك في شرحه. وقد بدأت البحث بمقدمة ذكرت فيها أهمية وسبب الكتابة في هذا الموضوع، ثم تمهيداً ذكرت فيه الحديث ومكانته وشرحه إجمالاً. بعد ذلك قسمت البحث إلى اثني عشر مبحثاً، كل فقرة في الحديث جعلتها في مبحث مستقل. ثم ختمت هذه الدراسة بخاتمة كتبت فيها أهم ما توصلت إليه إجمالاً. أسأل الله إخلاص النية وصلاح العمل وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. التمهيد: متن الحديث: عن أبي العباس عبد الله بن عباس ﵄ – قال: كنت خلفَ النبي (يوماً فقال: (يا غلامُ إني أُعَلِّمُك كلمات: احفظِ الله يحفظك، احفظِ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف) (١) .

стр. 4652

وفي رواية: (احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفْك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) . وفي رواية: (يا فتى ألا أهب لك ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنه قد جف القلم بما هو كائن، واعلم بأن الخلائق لو أرادوك بشيء لم يردك الله به لم يقدروا عليه، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) (١) . مكانة الحديث: حديث ابن عباس هذا حديث عظيم – وكل أحاديث الرسول (عظيمة وشريفة - فهو أمر نبوي كريم بحفظ الدين، وبيان لنتيجة ذلك، وهو نصر الله وتأييده وحفظه لمن حفظ دينه، وقد اشتمل هذا الحديث على مسائل عقدية تعد أصولاً عظيمة، من الإيمان بالله والإخلاص له بالعبادة والتوكل عليه والاستعانة به، والقضاء والقدر، والاتباع لما جاء به رسوله (.

стр. 4653

ومما يدل على مكانته اختيار النووي (ت ٦٧٦هـ) له أن يكون ضمن الأربعين حديثاً التي جمعها، وكان رقمه التاسع عشر، وذكر سبب اختياره لها بقوله: ((وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثاً ...، ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب، وكلها مقاصد صالحة، رضي الله عن قاصديها، وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي أربعون حديثاً مشتملة على جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، قد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه، أو هو نصف الإسلام، أو ثلثه، أو نحو ذلك...، وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات، وذلك ظاهر لمن تدبره)) (١) . كما اختاره النووي أيضاً ليكون ضمن كتابه القيم (رياض الصالحين) ، ووضعه في الباب الخامس، باب المراقبة، من الكتاب الأول، فكان رقمه الثاني والستين من جملة الأحاديث التي بلغت ١٨٩٦ حديثاً، وقد قال في مقدمتها: ((فرأيت أن أجمع مختصراً من الأحاديث الصحيحة، مشتملاً على ما يكون طريقاً لصاحبه إلى الآخرة، ومحصلاً لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعاً للترغيب والترهيب، وسائر أنواع آداب السالكين، من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح، وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من مقاصد العارفين)) (٢) . وقد وجد هذان الكتابان قبولاً عظيماً عند العلماء، وطلبة العلم بعد النووي، إذ كثر انتشارهما، واعتني بهما بالشرح والتعليق.

стр. 4654

وقد اعتنى العلماء بهذا الحديث خاصة، وشرحوه، وبينوا منزلته، ومن ذلك ما ذكره ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥هـ) حيث قال: ((هذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة، وقواعد كلية من أهم أمور الدين، وأجلِّها، حتى قال الإمام أبو الفرج في كتابه (صيد الخاطر) : تدبرت هذا الحديث، فأدهشني، وكدت أطيش، فوا أسفي من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهم لمعناه)) (١) . وقال ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤هـ) بأن هذا الحديث اشتمل على ((هذه الوصايا الخطيرة القدر، الجامعة من الأحكام والحكم والمعارف ما يفوق الحصر)) (٢) . وقال ابن عثيمين: ((فهذا الحديث الذي أوصى به عبد الله بن عباس ينبغي للإنسان أن يكون على ذكر له دائماً، وأن يعتمد على هذه الوصايا النافعة، التي أوصى بها النبي (ابن عمه عبد الله بن عباس ﵄) (٣) . شرح الحديث إجمالاً: قوله: (كنت خلف النبي () أي راكباً معه، ورديفه. قوله: (فقال: يا غلام...) قال له: (يا غلام) ؛ لأن ابن عباس ﵄ كان صغيراً، فإن الرسول (توفي وعمر ابن عباس ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة (٤) . قوله: (إني أعلمك كلمات) ذكر له ذلك قبل ذكر الكلمات، ليكون ذلك أوقع في نفسه، وجاء بها بصيغة القلّة؛ ليؤذنه أنها قليلة اللفظ؛ فيسهل حفظها (٥) . قوله (: (احفظ الله) أي احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره ونواهيه. وحفظ ذلك يكون بالوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر به، وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله.

стр. 4655

وأعظم ما يجب حفظه التوحيد، وسلامة العقيدة، فهي الأصل والأساس لبقية أركان الإيمان والإسلام، التي يجب حفظها، بالإيمان بها قولاً وعملاً واعتقاداً، إخلاصاً لله تعالى، واتباعاً لما جاء به رسول الله (. قال ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢هـ) في معنى (احفظ الله) : ((ومعناه كن مطيعاً لربك، مؤتمراً بأوامره، منتهياً عن نواهيه)) (١) . وكذلك من حفظ الله أن يتعلم المسلم من دينه ما يقوّم به عباداته ومعاملاته، ويدعو به إلى الله (. وقوله: (يحفظك) يعني أن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه حفظه الله، في الدنيا من الآفات والمكروهات، وفي الآخرة من أنواع العقوبات، جزاء وفاقاً. فكلما حفظ الإنسان دين الله حفظه الله. وحفظ الله لعبده الحافظ لدينه، يكون في أمرين: الأول: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرّمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفّاه على الإيمان. هذا هو الأمر الأول، وهو أعظمهما وأشرفهما، وهو أن يحفظ الله عبده من الزيغ والضلال؛ لأن الإنسان كلما اهتدى زاده الله هدى، وكلما ضل ازداد ضلالاً. الثاني: حفظ الله للعبد في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتّعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله (٢) . إذن من حفظ حدود الله حفظه الله في دينه، وفي بدنه وولده وأهله وماله. قوله (: (احفظ الله تجده تجاهك) أي احفظ الله أيضاً، بحفظ حدوده وحقوقه، وشريعته بالقيام بأمره واجتناب نهيه.

стр. 4656

(تجده تجاهك) ، وفي رواية: (أمامك) ، ومعناهما واحد، أي من حفظ حدود الله وجد الله تجاهه وأمامه، في كل أحواله حيث توجه، يحوطه وينصره ويوفقه ويسدده، كما قال تعالى: (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ((١) . نعم من حفظ الله وجد الله أمامه يدله على كل خير، ويذود عنه كل شر، ولا سيما إذا حفظ الله بالاستعانة به؛ فإن الإنسان إذا استعان بالله، وتوكل على الله كان الله حسبه وكافيه، ومن كان الله حسبه؛ فإنه لا يحتاج إلى أحد بعد الله، فلن يناله سوء. (٢) يقول ابن دقيق العيد في شرح هذه العبارة: ((أي اعمل له بالطاعة، ولا يراك في مخالفته؛ فإنك تجده تجاهك في الشدائد)) ((٣) . قوله (: (إذا سألت فاسأل الله) سؤال الله تعالى هو دعاؤه والرغبة إليه، فدل هذا التوجيه النبوي الكريم على أن يسأل الله (، ولا يسأل غيره، فسؤال الله (دون خلقه هو المتعين؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضرر، وجلب المنافع، ودفع المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده. والله سبحانه يحب أن يُسأل، ويُلَحّ في سؤاله، والمخلوق بخلاف ذلك، يكره أن يُسأل، ويحب أن لا يسأل؛ لعجزه وفقره وحاجت (٤) . قوله (: (وإذا استعنت فاستعن بالله) دل هذا الحديث على أن يستعان بالله دون غيره، وأن لا يعتمد على مخلوق، فالاستعانة هي طلب العون، ولا يطلب العون من أي إنسان ((إلا للضرورة القصوى، ومع ذلك إذا اضطررت إلى الاستعانة بالمخلوق فاجعل ذلك وسيلة وسبباً، لا ركناً تعتمد عليه ...)) (٥) .

стр. 4657

يقول ابن رجب: ((وأما الاستعانة بالله (دون غيره من الخلق؛ فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا لله (، فمن أعانه الله فهو المعان...، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات)) (١) . قوله (: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) . المراد أن كل ما يصيب الإنسان في دنياه، مما يضره أو ينفعه، فهو مقدر عليه، فلا يصيب الإنسان إلا ما كتب له من ذلك في الكتاب السابق، ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعاً. فالرسول (يخبر في هذا الحديث أن الأمة لو اجتمعت كلها على نفع أحد لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وإذا وقع منهم نفع له فهو من الله تعالى؛ لأنه هو الذي كتبه، وكذلك لو اجتمعوا على أن يضروا أحداً بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه (٢) . ولهذا جاء في الحديث: (إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه) (٣) . قوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف) هذا إخبار من الرسول (عن تقدّم كتابة المقادير، وأن ما كتبه الله فقد انتهى ورفع، والصحف جفّت من المداد، ولم يبق مراجعة، فما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك (٤) .

стр. 4658

قوله (: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) يعني أن ما أصاب العبد من المصائب المؤلمة المكتوبة عليه، إذا صبر عليها نصره الله، وجعل في صبره خيراً كثيراً. يقول صاحب شرح رياض الصالحين في شرح هذا الحديث: ((يعني اعلم علم اليقين أن النصر مع الصبر، فإذا صبرت، وفعلت ما أمرك الله به من وسائل النصر؛ فإن الله تعالى ينصرك. والصبر هنا يشمل الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة)) (١) . قوله: (وأن الفرج مع الكرب) أي كلما اشتدت الأمور واكتربت وضاقت؛ فإن الفرج من الله قريب، يقول ابن حجر الهيتمي: (... (وأن الفرج) يحصل سريعاً (مع الكرب) فلا دوام للكرب، وحينئذ فيحسن لمن نزل به أن يكون صابراً، محتسباً، راجياً سرعة الفرج مما نزل به، حسن الظن بمولاه في جميع أموره، فالله (أرحم به من كل راحم، حتى أمه وأبيه، فهو (أرحم الراحمين)) (٢) . وقوله: (وأن مع العسر يسراً) أي أن كل عسر فإن بعده يسراً، بل إن العسر محفوف بيُسرَيْن، يُسر سابق، ويُسر لاحق، لقوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ((٣) . فالعسر لا يدوم لمن احتسب وصبر، وعلم أن ما أصابه بمقدور الله تعالى، وأنه لا مفر له من ذلك، واستقام كما أمر ربه؛ إخلاصاً وحسن اتباع (٤) . المبحث الأول في قوله (: (يا غلام: إني أعلمك كلمات) مما يؤخذ من هذا الجزء في حديث الرسول (الأمور التالية: وجوب تعليم الناس العقيدة الصحيحة، وتربيتهم عليها، وعل العلم النافع، ويكون ذلك بأسلوب مختصر، وكلم جامع واضح، فلو تأملت هذا الحديث لوجدته جامعاً لمسائل عقدية كثيرة بأسلوب موجز.

стр. 4659

الحرص على تربية الناشئة على العلم النافع، ويبدأ بتربيتهم على العقيدة الصافية الخالصة؛ فإن الرسول (وجه هذه الكلمات النافعات إلى ابن عباس وهو صغير؛ إذ قال له: (يا غلام: إني أعلمك كلمات) ؛ ليتربى الشاب المسلم على معرفة الله وتوحيده، وحفظ حدوده، يلجأ إلى الله في الرخاء والشدة، ويسأله ويستعين به، ويتوكل عليه (، فيصبح شجاعاً مقداماً؛ لأنه يعلم أنه لا يملك أحد من البشر له نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله تعالى، ولأن الله معه ينصره ويؤيده وييسر له أموره، ما دام متمسكاً بشرع الله إخلاصاً واتباعاً. فعلى الجميع الحرص على غرس الإيمان في نفوس الأبناء، وتربيتهم على فهم أصول الإيمان، والعمل بأحكام الإسلام، وتعويدهم على المراقبة والمحاسبة منذ الصغر، قبل أن تصلهم الفلسفات الإلحادية والشبهات البدعية والشهوات المغرضة، وغير ذلك مما تشنه تلك الحملات المسعورة من حرب ضروس ضد شباب الأمة ذكوراً وإناثاً، مرة باسم التثقيف، وباسم التسلية والترفيه مرات أخرى. استحباب تشويق المتعلم، وتهيئته بلطف العبارة، وتنبيهه إلى أهمية ما يلقى إليه، وإشعاره بسهولة حفظه ووعيه ليسهل عليه تلقيه واستيعابه، وبالتالي حفظه ووعيه، وبخاصة المسائل العقدية التي يحتاج إلى دقة في حفظها ونقلها، ويؤخذ هذا من فعل الرسول (عندما قال لابن عباس مقدماً له هذه المسائل: (يا غلام: إني أعلمك كلمات) .

стр. 4660

ومما يؤخذ من هذا الحديث حرص الرسول (على توجيه الأمة، وتنشئة الجيل المسلم على العقيدة الصحيحة والشرع القويم، وقد قال الله تعالى في وصفه (: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ((١) ، أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته، ويشق عليها، حريص على هدايتكم، ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم (٢) ، ولهذا ورد عن أبي ذر (أنه قال: تركنا رسول الله (وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علماً، قال: فقال رسول الله (: (ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم) (٣) . المبحث الثاني في قوله (: (احفظ الله) ومما يؤخذ في هذا الجزء ما يلي: ١- إثبات صفة الحفظ لله تعالى، أخذاً من قوله (: (احفظ الله يحفظك) ، فهنا أثبت أن الله (متصف بأنه يحفظ عباده الذين يحفظون حدوده، فدل على إثبات صفة الحفظ لله تعالى، وأنها تتعلق بإرادته ومشيئته، وهذه الصفة ثابتة لله (في القرآن الكريم، لقوله تعالى: (فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين () (٤) (، وقوله سبحانه: (إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظ ((٥) . وقد ذكر العلماء أن من أسماء الله تعالى (الحافظ) و (الحفيظ) ؛ أخذاً من الآيتين السابقتين، ومن المعلوم أن باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ وذلك لأن كل اسم متضمن لصفة، وأسماء الله تعالى إن دلت على وصف فقد تضمنت ثلاثة أمور: أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله (. الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله (.
следующие страницы →