← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

ويقول (: (عجباً لأمر المؤمن. إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) (١) . وقال (: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع) (٢) ، يدل هذا الحديث على أن صاحب البلاء يكون محبوباً عند الله تعالى إذا صبر على البلاء ورضي بقضاء الله (.

стр. 4727

ومن الأدلة التي تؤكد أن النصر مع الصبر كثرة الآيات والأحاديث التي تأمر بالصبر عند لقاء العدو، منها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُون ((١) ، وقوله: (فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ((٢) ، وقوله تعالى في قصة طالوت: (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِين ((٣) ، وقوله: (بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ((٤) ، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون ((٥) . وقوله (: (لا تمنّوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا) (٦) .

стр. 4728

والمسلم في هذه الحياة معرض لفتن كثيرة، ومعارك متنوعة، وابتلاءات في الأموال والأنفس، وأذى من المشركين والمخالفين، وأعظم أسباب الانتصار على كل هذا العقيدة السليمة، والعمل الصالح، والصبر والاحتساب، قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور ((١) .

стр. 4729

وإذا عظمت المحنة كان الصبر للمؤمن الصالح ((سبباً لعلو الدرجة، وعظيم الأجر، كما سئل النبي (أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة) (١) ، وحينئذ يحتاج من الصبر إلى ما لا يحتاج إليه غيره، وذلك هو سبب الإمامة في الدين كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ((٢) ، فلابد من الصبر على فعل الحسن المأمور، وترك السيئ المحظور، ويدخل في ذلك الصبر على الأذى، وعلى ما يُقال، والصبر على ما يصيبه من المكاره، والصبر عن البطر عند النعم، وغير ذلك من أنواع الصبر، ولا يمكن العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن له، ويتنعم به، وهو اليقين،..؛ فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بني آدم، لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا بهما)) (٣) . فالذي يستقيم على شرع الله ويحفظ حدوده، ويصبر على العبادة، وعلى ما يصيبه من الابتلاءات، ويرضى بقضاء الله وقدره، يتولاه الله، ويوصل إليه مصالحه، وييسر له منافعه الدينية والدنيوية، وينصره على عدوه، ويدفع عنه كيد الفجار وتكالب الأشرار، قال تعالى: (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ((٤) ، ومن كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومن كان الله عليه فلا عزّ له، ولا قائمة تقوم له

стр. 4730

(١) . فالصبر أمر واجب لا بد منه؛ فإن الله تعالى أمر بالصبر ووعد عليه الأجر العظيم، قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب ((٢) ، وقال سبحانه: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ ((٣) ، وقال: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ((٤) ، وقال: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ((٥) . ويقول الرسول (: (من يتصبّر يصبّره الله، وما أعطى أحد عطاءً خيراً ولا أوسع من الصبر) (٦) . ولهذا قال عمر بن الخطاب: ((وجدنا خير عيشنا الصبر)) (٧) . كما يجب أن يكون الصبر عند الصدمة الأولى للمصيبة أو الحادثة، قال (: (إنما الصبر عند الصدقة الأولى) (٨) .

стр. 4731

قال ابن حجر: ((والمعنى إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فذلك هو الصبر الكامل، الذي يترتب عليه الأجر)) (١) ، ثم نقل قول الخطابي (ت٣٨٨هـ) : ((المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو)) (٢) . فالصبر واجب في كل الأحوال، فيجب الصبر على العبادة وإقامة شرع الله تعالى، ويجب الصبر وحبس النفس عن المحرمات والمنهيات، ويجب الصبر عند وقوع المصائب والابتلاءات، وفي ميادين القتال ومنازلة الكفار. أما بالنسبة إلى الرضا بالقضاء، فيختلف حكمه باختلاف الأمور السابقة؛ فإن الرضا بالواجبات الشرعية واجب من حيث إنه قدر الله وقضاؤه، ومن حيث المقضي إذ الرضا بالواجبات الشرعية والعمل بهما واجب، أما بالنسبة للمعاصي والمحرمات فمن حيث القضاء الذي هو فعل الله فيجب الرضا وأن الله تعالى حكيم ولولا حكمته اقتضت وجودها ما وقعت، وأما من حيث المقضي وهو معصية الله والوقوع في المحرمات فيجب عدم الرضا بها والسعي لإزالتها، أما المصائب والابتلاءات فيجب الرضا بها من حيث إنها قضاء الله وفعله، أما الرضا من حيث وقوعها على العبد فإنه مستحب عند جمهور أهل العلم (٣) . وأما الفرق بين الصبر والرضا؛ فإن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، والرضا يوجب انشراح الصدر وسعته، وإن وجد الإحساس بأصل الألم، لكن الرضا يخفف الإحساس بالألم (٤) .

стр. 4732

يقول ابن القيم: ((وأما حديث (الرضا بالقضاء) فيقال: أولاً: بأي كتاب: أم بأي سنة، أم بأي معقول علمتم وجوب الرضا بكل ما يقضيه ويقدره؟ بل بجواز ذلك، فضلاً عن وجوبه؟ هذا كتاب الله وسنة رسوله (، وأدلة العقول ليس في شيء منها الأمر بذلك، ولا إباحته، بل من المقضي ما يرضى به، ومنه ما يسخطه ويمقته، فلا نرضى بكل قضاء..، ويقال: ثانياً: هاهنا أمران (قضاء) وهو فعل قائم بذات الرب تعالى؛ و (مقضي) وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء خير كله، وعدل وحكمة، فيرضى به كله، والمقضي قسمان، منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به ...، ويقال: ثالثاً: القضاء له وجهان: أحدهما: تعلقه بالرب تعالى، ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به كله، الوجه الثاني: تعلقه بالعبد، ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به، وإلى ما لا يرضى به)) (١)

стр. 4733

وفي موضع آخر ذكر ابن القيم أن الناس تنازعوا في الرضا بالقضاء ((هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين، وهما وجهان لأصحاب أحمد، فمنهم من أوجبه واحتج على وجوبه بأنه من لوازم الرضا بالله رباً، وذلك واجب ...، ومنهم من قال هو مستحب غير واجب؛ فإن الإيجاب يستلزم دليلاً شرعياً، ولا دليل يدل على الوجوب، وهذا القول أرجح؛ فإن الرضا من مقامات الإحسان، التي هي من أعلى المندوبات)) (١) ، ولعل مراده هنا الرضا بالمصائب من حيث وقوعها على العبد، بدليل قوله بعد ذلك: ((الحكم والقضاء نوعان: ديني وكوني، فالديني يجب الرضا به، وهو من لوازم الإسلام، والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم، التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها: الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب، وفي وجوبه قولان، هذا كله في الرضاء بالقضاء الذي هو المقضي، وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله، كعلمه وكتابته وتقديره ومشيئته فالرضا به من تمام الرضا بالله رباً وإلهاً ومالكاً ومدبراً)) (٢) المبحث الحادي عشر في قوله (: (واعلم أن الفرج مع الكرب) كلما اشتدت الأمور واكتربت وضاقت؛ فإن الفرج بإذن الله تعالى قريب؛ يدل على ذلك قوله تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ((٣) . ((فكلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج من الله ()) (٤) .

стр. 4734

يقول السعدي في تفسير هذه الآية: ((أي: هل يجيب المضطرب، الذي أقلقته الكروب، وتعسر عليه المطلوب، واضطر للخلاص مما هو فيه إلا الله وحده؟، ومن يكشف السوء، أي: البلاء، والشر، والنقمة إلا الله وحده؟، ومن يجعلكم خلفاء الأرض، يمكنكم منها، ويمد لكم بالرزق، ويوصل إليكم نعمه، وتكونون خلفاء من قبلكم، كما أنه سيميتكم ويأتي بقوم بعدكم، أإله مع الله، يفعل هذه الأفعال؟ لاأحد يفعل مع الله شيئاً من ذلك، حتى بإقراركم أيها المشركون؛ ولهذا كانوا إذا مسهم الضر، دعوا الله مخلصين له الدين، لعلمهم أنه وحده المقتدر على دفعه وإزالته، (قليلاَ ما تذكرون (أي: قليل تذكركم وتدبركم للأمور التي إذا تذكرتموها ادكرتم، ورجعتم إلى الهدى، ولكن الغفلة والإعراض شامل لكم، فلذلك ما ارعويتم ولا اهتديتم) (١) . والكرب إذا اشتد وأيس العبد من جميع المخلوقين، وتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم ما تطلب به الحوائج، ومن توكل على ربه كفاه (٢) ، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه ((٣) . فالفرج يحصل سريعاً مع الكرب، فلا دوام للكرب، وحينئذ فيحسن لمن نزل به كرب أن يكون صابراً محتسباً، راجياً سرعة الفرج مما نزل به، حسن الظن بمولاه، في جميع أموره، فالله (أرحم به من كل راحم، حتى أمه وأبيه؛ إذ هو (أرحم الراحمين.

стр. 4735

ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ((١) ، وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ((٢) ، فهؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر كانوا قانطين من نزوله إليهم قبل ذلك، فلما جاءهم جاءهم على كرب وشدة وفاقة فوقع منهم موقعاً عظيماً، فكان فرجاً وتيسيراً. وقد قصّ الله تعالى في كتابه قصصاً كثيرة تتضمن وقوع الفرج بعد الكرب والشدة، كقصة نجاة نوح ﵊، ومن معه، في الفلك من الكرب العظيم، مع إغراق سائر أهل الأرض، وقصة نجاة إبراهيم ﵊ من النار التي ألقاه المشركون فيها، وأنه سبحانه جعلها عليه برداً وسلاماً، وقصة إبراهيم ﵊ مع ولده الذي أمر بذبحه، ثم فداه الله بذبح عظيم، وقصة موسى ﵊ مع أمه لما ألقته في اليم حتى التقطه آل فرعون، وقصته مع فرعون لما نجى الله موسى في البحر وأغرق عدوه، وقصص أيوب ويونس ويعقوب ويوسف عليهم الصلاة والسلام، وقصص محمد (في نصره على أعدائه ونجاته منهم في عدة مواطن، مثل قصته في الغار، ويوم بدر، ويوم أحد، ويوم حنين، وكذا قصة عائشة في حديث الإفك، والبراءة منه، وقصة الثلاثة الذين خلفوا، وغير ذلك من قصص القرآن الكريم وأخباره (٣) .

стр. 4736

وفي السنّة أخبار كثيرة من تفريج الكرب عند اشتدادها، كقصة الثلاثة الذين دخلوا الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فدعوا الله بأعمالهم الصالحة ففرج عنهم (١) ، وقصة إبراهيم ﵊ وسارة مع الجبار الذي طلبها من إبراهيم ﵊ فرد الله كيد الظالم (٢) ، وعندما اشتكى رجل إلى النبي (، وهو قائم يخطب يوم الجمعة، احتباس المطر وجهد الناس، فرفع رسول الله (يديه فاستسقى لهم، فنشأ السحاب ومطروا إلى الجمعة الأخرى، حتى قاموا إليه (وطلبوا منه أن يستصحي لهم، ففعل فأقلعت السماء (٣) ، إلى غير ذلك من القصص والأخبار الثابتة. والعبد معرض للمصائب والفتن، فقد تشتد عليه الأمور، وتضيق عليه الدنيا، ويتمكن منه الهم والحزن؛ فإذا صبر واحتسب، ولم ييأس من نصر الله وفرجه، والتجأ إلى مولاه بالدعاء والتضرع، في جميع أحواله، جاءه النصر والتأييد والفرج. يروى عن الشافعي (ت ٢٠٤هـ) قوله: صبراً جميلاً ما أقرب الفرجا من راقب الله في الأمور نجا من صدق الله لم ينله أذى ومن رجاه يكون حيث رجا (٤) المبحث الثاني عشر في قوله (: (وإن مع العسر يسراً) أي أن كل عسر بعده يسر، بل إن العسر محفوف بيسرين، يُسر سابق ويسر لاحق، قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ((٥)

стр. 4737

يقول السعدي: ((وقوله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (: بشارة عظيمة أنه كلما وجد عسر وصعوبة؛ فإن اليسر يقاربه ويصاحبه ... وتعريف (العسر) في الآيتين يدل على أنه واحد، وتنكير (اليسر) يدل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين. وفي تعريفه بالألف واللام، الدال على الاستغراق والعموم دلالة على أن كل عسر، وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ، فإنه في آخره اليسر ملازم له)) (١) . ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ((٢) ، ففي هذه الآية بشارة للمعسرين بأن الله تعالى سيزيل عنهم الشدة، ويرفع عنهم المشقة (٣) . والكرب والعسر والشدة أمور تصقل العبد وتصفيه من الشوائب؛ إذ تزيد من تعلقه بربه والالتجاء إليه بإخلاص وحسن اتباع، فتطهره من ذنوبه إذا صبر واحتسب، وأخلص وتابع، والعسر لا يدوم بالعبد بل معه اليسر والفرج. وقد استدل ابن كثير (٤) على هذه المسألة، بحديث عن رسول الله (، جاء في إحدى رواياته، عن أبي هريرة (قال: أصاب رجلاً حاجةٌ، فخرج إلى البرية، فقالت امرأته: اللهم ارزقنا ما نعتجن، وما نختبز، فجاء الرجل والجفنة ملأى عجيناً، وفي التنور حبوب الشواء، والرحى تطحن، فقال: من أين هذا؟ قالت: من رزق الله، فكنس ما حول الرحى، فقال رسول الله (: (لو تركها لدارت أو طحنت إلى يوم القيامة) (٥) .

стр. 4738

ويدل على أن العسر إذا اشتد بالعبد؛ فإن بعده اليسر بإذن الله تعالى، قوله سبحانه: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا ((١) . وقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيب ((٢) ، فهنا يذكر الله تعالى أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله، في أحرج الأوقات، وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها (٣) .

стр. 4739

يقول السعدي عند تفسير الآية السابقة من سورة البقرة: ((يخبر ﵎ أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة، كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية، التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه لا بد أن يبتليه؛ فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقعة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة آلتها، ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله؛ بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان؛ فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه، فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم (مستهم البأساء والضراء (أي الفقر والأمراض في أبدانهم، (وزلزلوا (بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار، حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال إلى أن استبطؤوا نصر الله مع يقينهم به، ولكن لشدة الأمر وضيقه (يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله (، فلما كان الفرج عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع، قال تعالى: (ألا إن نصر الله قريب (فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن، فكلما اشتدت عليه وصعبت – إذا صابر وثابر على ما هو عليه – انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشاق راحات، وأعقبه ذلك الانتصار على الأعداء، وشفاء ما في قلبه من الداء)) (١) . وأخبر (عن يعقوب ﵊ أنه لم ييأس من لقاء يوسف ﵊ وأخيه، وقال: (عَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ((٢) ، وقال لبنيه: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون ((٣) .

стр. 4740

فمن فوائد هذه القصة ((أن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً؛ فإنه لما طال الحزن على يعقوب، واشتد به إلى أنهى ما يكون، ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب، ومسهم الضر، أذن الله حينئذ بالفرج، وحصل التلاقي في أشد الأوقات إليه حاجة واضطراراً، فتم بذلك الأجر، وحصل السرور، وعلم من ذلك أن الله يبتلي أولياءه بالشدة والرخاء والعسر واليسر، ليمتحن صبرهم وشكرهم، ويزداد بذلك إيمانهم ويقينهم وعرفانهم)) (١) . وقد ذكر بعض أهل العلم أموراً عدّوها من حكم اقتران الفرج باشتداد الكرب، واقتران اليسر بالعسر، فمن ذلك: ١-أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وجد الإياس من كشفه من جهة المخلوقين، ووقع التعلق بالله وحده، (، فحينئذ يستجيب الله له ويكشف عنه ما به، فإن التوكل هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين، والاعتماد على الله وحده لا شريك له، والتوكل على الله من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج؛ فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (. ٢-أن العبد إذا وقع في عسر، واشتد عليه الكرب؛ فإنه يحتاج إلى مجاهدة نفسه، والشيطان، لأن الشيطان قد يأتيه فيقنطه، فيحتاج العبد إلى مجاهدته ودفعه، فيكون ثواب ذلك دفع البلاء عنه، وتيسير أمره، وتفريج كربته، ولهذا جاء في الحديث: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي، فيدَعُ الدعاء) (٢) . ٣-أن العبد إذا استبطأ الفرج، ولا سيما بعد الدعاء والتضرع، رجع باللائمة إلى نفسه، وبحث عن تقصيره، فأصلح خطأه، وعالج نقصه (٣)

стр. 4741

الخاتمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وخاتم الأنبياء والمرسلين. وبعد. فإنه من خلال دراسة هذا الحديث العظيم، وهذه الوصية الكريمة من رسول الله (، يتبين ما يلي: ١- ضرورة تربية الناس، وبخاصة النشء على التعلق بالله تعالى، وحفظ حقوقه. ٢- أن أعظم حقوق الله تعالى توحيده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، والحرص على سلامة العقيدة مما قد يشوبها من الشرك والبدع والضلالات، إذ إن سلامة العقيدة وإخلاص العمل لله تعالى مع حسن المتابعة لرسوله (هي شروط قبول العبادة؛ التي إن تأخر أحدها حبط العمل. ٣- أن من حفظ حدود الله، بفعل المأمورات واجتناب المنهيات فإن الله يحفظه في دينه ودنياه. ٤- أن تحقيق هذا الحديث والعمل به يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق وعن سؤالهم، واستعانتهم، ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله (بالطاعة والعبادة، وتقديم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعاً، والحذر مما يسخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعاً. ٥- وجوب تربية الناس وتعليمهم الإيمان بالقضاء والقدر وأن ذلك لا يناقض العمل والاجتهاد في العبادة، بل يوجبه ويدعو إليه. ٦- وجوب التعرف إلى الله والالتزام بشرعه في جميع الأوقات، وبخاصة في أوقات الرخاء، الذي هو مظنة الفتور والنسيان، وأن ذلك التعرف هو سبب نصر الله وتأييده في الشدة وعند الكرب والعسر. ٧- فهم هذا الحديث والعمل به من أعظم أسباب الشجاعة والإقدام والجهاد في سبيل الله، وذلك أن المسلم يعلم أن الضر والنفع بيد الله، وأن العبد لا يصيبه ضر ولا نفع إلا ما قدر عليه. الحواشي والتعليقات

стр. 4742

أثر الإيمان في توجيه الأخلاق د. عبد الله الغفيلي الأستاذ المشارك بكلية الدعوة وأصول الدين الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة ملخص البحث ... يبين هذا البحث الأثر العظيم للإيمان في توجيه الأخلاق وتطهير النفوس من قبيح الأفعال وسيئها. وذلك لما للأخلاق في دين الإسلام من شأن عظيم ومكانة عالية حيث دعا الإسلام المسلمين إلى التحلي بها وتنميتها في نفوسهم لأنها أحد الأصول الأربعة التي يقوم عليها دين الإسلام، وهناك ارتباط وثيق بين الأخلاق والإيمان، وكل عمل يقوم به العبد المسلم يحتاج إلى الأخلاق الحميدة والصفات الحسنة ولاشك أن من فقد الإيمان والتقوى فقد فقد تلك الأخلاق، وكلما كان المؤمن أكمل أخلاقاً كان أكثر إيماناً. ... والالتزام بمكارم الأخلاق فيه تقوية لإرادة الإنسان وتمرينها على حب الخير وفعله والبعد عن الشر وتركه، وبذلك تتحقق سعادة القلب، وعلى رأس تلك الأخلاق: الصدق، الصبر، الأمانة، التواضع وغيرها. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة في التحلي بالأخلاق الكريمة والصفات الحسنة، والتي تعود بالنفع على الفرد والمجتمع والأمة. المقدمة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (] آل عمران ١٠٢ [. (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً (] النساء ١ [، (يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً (] الأحزاب ٧٠،٧١ [.

стр. 4743

وبعد: فإن الأخلاق في دين الإسلام عظيم شأنها عالية مكانتها، ولذلك دعا المسلمين إلى التحلي بها وتنميتها في نفوسهم، وهي أحد الأصول الأربعة التي يقوم عليها دين الإسلام وهي: الإيمان والأخلاق، والعبادات، والمعاملات، ولذا نالت العناية الفائقة الكبرى والمنزلة العالية الرفيعة في كتاب الله وسنة رسوله (. بل إن الأخلاق الكريمة تدعو إليها الفطر السليمة، والعقلاء يجمعون على أن الصدق والوفاء بالعهد والجود والصبر والشجاعة وبذل المعروف أخلاق فاضلة يستحق صاحبها التكريم والثناء، وأن الكذب والغدر والجبن والبخل أخلاق سيئة يذم صاحبها. والدعوة إلى توحيد الله وإخلاص العمل له وإلى دينه تحتاج إلى الأخلاق الحميدة، والصفات الحسنة، ويصعب توفر تلك الأخلاق فيمن يفقد الإيمان والتقوى، ورسول الله (وأصحابه ﵃ أجمعين أفضل من دعا إلى الله تعالى بأخلاقهم الإسلامية الحميدة وصفاتهم الحسنة، قال الله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله وضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود (] محمد ٢٩ [. فحاجة المؤمن إلى الاقتداء بهم كحاجته إلى الطعام والشراب بل أشد، وأهداف العقيدة السليمة يرأسها دعوة العبد إلى التحلي بالأخلاق الحسنة ليفوز بسعادة الدارين، قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً (] الأحزاب٢٩ [ فالعقيدة هي التي تقود العبد، فإذا صحت العقيدة وكمل الإيمان حسنت الأخلاق والعكس يؤدي به إلى التخلق بالأخلاق السيئة والأفعال القبيحة، عن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) (١) .

стр. 4744

وقد يتصور بعض الناس أن حسن الخلق محصور في الكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة فقط، والحقيقة أن حسن الخلق أوسع من ذلك فهو يعني إضافة إلى الكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة، التواضع وعدم التكبر ولين الجانب، ورحمة الصغير واحترام الكبير، ودوام البشر وحسن المصاحبة وسهولة الكلمة وإصلاح ذات البين والتواضع والصبر والحلم والصدق وغير ذلك من الأخلاق الحسنة والأفعال الحميدة التي حث عليها الإسلام ورغب فيها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن منهج السلف في الأخلاق والسلوك "يأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله (: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) (١) ، ويندبون أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى، والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء، والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها" (٢)

стр. 4745

ويقول السفاريني (١) : حسن الخلق القيام بحقوق المسلمين، وهي كثيرة منها أن يحب لهم ما يحب لنفسه، وأن يتواضع لهم ولا يفخر عليهم ولا يختال، فإن الله لا يحب كل مختال فخور، ولا يتكبر ولا يعجب فإن ذلك من عظائم الأمور ... وأن يوقر الشيخ الكبير , ويرحم الطفل الصغير، ويعرف لكل ذي حق حقه مع طلاقة الوجه وحسن التلقي ودوام البشر ولين الجانب وحسن المصاحبة وسهولة الكلمة، مع إصلاح ذات بين إخوانه وتفقد أقرانه وإخوانه، وأن لا يسمع كلام الناس بعضهم في بعض وأن يبذل معروفه لهم لوجه الله لا لأجل غرض مع ستر عوراتهم وإقالة عثراتهم وإجابة دعواتهم ... وأن يحلم عن من جهل عليه ويعفوا عن من ظلم ..." (٢) . وقال الحسن البصري (٣) - رحمه الله تعالى - "معالي الأخلاق للمؤمن، قوة في لين وحزم في دين وإيمان في يقين وحرص على العلم واقتصاد في النفقة، وبذل في السعة وقناعة في الفاقة، ورحمة للمجهود وإعطاء في كرم وبر في استقامة " (٧) وقال الأشعث بن قيس (يوماً لقومه: إنما أنا رجل منكم ليس في فضل عليكم، ولكن أبسط لكم وجهي، وأبذل لكم مالي، وأقضي حقوقكم، وأحوط حريمكم. فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي، ومن زاد علي فهو خير مني، ومن زدت عليه فأنا خير منه. قيل له: يا أبا محمد ما يدعوك إلى هذا الكلام؟ قال أحضهم على مكارم الأخلاق (٤) .

стр. 4746

ويقول ابن حبان (١) – رحمه الله تعالى -: "الواجب على العاقل أن يتحبب إلى الناس بلزوم حسن الخلق، وترك سوء الخلق، لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، وقد تكون في الرجل أخلاق كثيرة صالحة كلها، وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الصالحة كلها" (٢) . وليس المقصود من هذا البحث هو استقصاء الأخلاق الحسنة والفضائل الطيبة التي حث الإسلام عليها ورغب فيها، وكلام أهل العلم في الحث عليها، وإنما المقصود بيان ارتباط الأخلاق بالإيمان، وأن للإيمان أثراً في توجيه الأخلاق وتزكية النفوس وتهذيبها، وكلما كان المؤمن أكمل أخلاقاً كان أكثر إيماناً، ومن أوضح الأدلة على فضل الأخلاق وعلو منزلتها ومكانتها من الإيمان ما جاء في حديث أنس بن مالك (قال: كنا جلوساً مع رسول الله (، فقال: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة)) فطلع رجل من الأنصار، تنطف لحيته من وضوئه، قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان من الغد، قال النبي (مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث، قال النبي (مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي (، تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيت أبي، فأقسمتُ أن لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضيَ، فعلتُ. قال: نعم.

стр. 4747

قال أنس: وكان عبد الله يحدِّثُ أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئاً، غير أنه إذا تعارَّ وتقلب على فراشه ذكر الله وكبّر، حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الثلاث ليالٍ، وكدتُ أن أحقرَ عمله، قلت: يا عبد الله، إني لم يكن بيني وبين أبي غضبٌ ولا هجرٌ ثم، ولكن سمعت رسول الله (يقول لك ثلاث مرار: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة)) فطلعت أنت الثلاث مرارٍ، فأردت أن آوي إليك، لأنظر ما عملك، فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثيرَ عملٍ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله (؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، قال: فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خيرٍ أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق (١) . وقد وفقني الله سبحانه لاختيار هذا البحث لأبين فيه ما للإيمان من أثر عظيم في توجيه الأخلاق وتطهير النفوس من قبيح الأفعال وسيئها، وجعلت عنوانه: "أثر الإيمان في توجيه الأخلاق". وقد سلكت فيه الخطة التالية: المقدمة، وقد اشتملت على أهمية الموضوع وأسباب اختياره. المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة واصطلاحاً. المبحث الثاني: تعريف الأخلاق لغة واصطلاحاً. المبحث الثالث: منزلة الأخلاق في الإسلام. المبحث الرابع: الارتباط بين الأخلاق والإيمان. المبحث الخامس: الغاية من الأخلاق الإسلامية. المبحث السادس: بعض الأخلاق الإسلامية وأثر الإيمان عليها. المبحث السابع: أثر الإيمان في توجيه الأخلاق. الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث.

стр. 4748

وكان عملي في هذا البحث عزو الآيات إلى سورها من القرآن وتخريج الأحاديث والحكم عليها من خلال كلام أهل العلم فيها إذا كانت في غير الصحيحين، والترجمة للأعلام غير المشهورين، وشرح الكلمات الغريبة، والتعريف بالفرق والمصطلحات الواردة فيه، وتوثيق النقول وعزوها إلى أصحابها وغير ذلك مما يتطلبه البحث العلمي، وعملت فهرساً للمصادر والمراجع، وآخر للموضوعات. وفي الختام أسال الله سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به من قرأه، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يحسن أخلاقنا، إنه سميع مجيب. وصلى الله وصلى سلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة واصطلاحاً وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الإيمان لغة الإيمان مصدر آمن يؤمن إيماناً، فهو مؤمن، وهو مشتق من الأمن. وأصل آمن بهمزتين لينت الثانية، وهو من الأمن ضد الخوف (١) . قال الجوهري (٢) : الإيمان: التصديق، والله تعالى المؤمن، لأنه أمّن عباده من أن يظلمهم، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية ... والأمن ضدّ الخوف (٣) ( وقال ابن منظور) (٤) (: الإيمان ضدّ الكفر، والإيمان بمعنى التصديق ضدَه التكذيب، يقال: آمن به قوم وكذب به قوم) (٥) (.

стр. 4749

وقال الراغب الأصفهاني) (١) (: آمن إنما يقال على وجهين: أحدهما: متعدّياَ بنفسه، يقال: آمنته، أي جعلت له الأمن ومنه قيل لله مؤمن. والثاني: غير متعدُّ، ومعناه صار ذا أمن. وقوله تعالى: (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (] يوسف ١٧ [قيل: معناه بمصدق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن) (٢) ( وقال الفيروز أبادي) (٣) (: ((الإيمان الثقة، وإظهار الخضوع)) (٤) (. وخلاصة ما سبق أن الإيمان في اللغة معناه التصديق الذي معه أمن وليس مجرّد التصديق يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (تعالى: (( ... فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، ... فاللفظ متضمّن مع التصديق معنى الائتمان أو الأمانة , كما يدلّ عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قالوا: (وما أنت بمؤمن لنا (] يوسف ١٧ [، أي لا تقرّ بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممّن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم ... )) ) (٥) (. المطلب الثاني: تعريف الإيمان اصطلاحاً من أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالأركان.

стр. 4750

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ((ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح)) ) (١) (. فهذه خمسة أمور اشتمل عليها مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول القلب، وعمله، وقول اللسان، وعمله، وعمل الجوارح، كما ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -. والأدلة على دخول هذه الأمور في مسمى الإيمان كثيرة منها: أولاً: قول القلب، وهو تصديقه وإيقانه، قال الله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (] الزمر٣٣، ٣٤ [. وقال تعالى: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين (] الأنعام ٧٥ [. وقال تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا (] الحجرات ١٥ [قال تعالى في المرتابين الشاكين: (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم (] آل عمران ١٦٧ [. وفي حديث الشفاعة ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة)) (٢) ، وغير ذلك من الأدلة.

стр. 4751

ثانياً: قول اللسان: وهو النطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (] البقرة ١٣٦ [، وقال تعالى: (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق (] القصص ٥٣ [وقال تعالى: (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب (] الشورى ١٥ [، وقال تعالى: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (] الزخرف ٨٦ [، وقال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (] الأحقاف ١٣ [، وقال (: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله..)) (١) وما في معنى هذا من النصوص. ثالثاً: عمل القلب، وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد والإقبال على الله والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه، قال الله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه (] الأنعام ٥٢ [وقال: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (] الليل ٢٠ [وقال تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون (] الأنفال ٢ [، وقال: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (] المؤمنون ٦٠ [وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع والإنابة وغير ذلك من أعمال القلوب، وهي كثيرة جداً في الكتاب والسنة.

стр. 4752

رابعاً: عمل اللسان، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا به كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى باللسان، قال تعالى: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانيةً يرجون تجارة لن تبور ((فاطر ٢٧ [، وقال تعالى: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته (] الكهف ٢٧ [، وقال: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً (] الأحزاب ٤١ [، وقال: (واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (] المزمل ٢٠ [. وغير ذلك من نصوص الشرع الدالة على أعمال اللسان والطاعات التي تؤدى به. خامساً: عمل الجوارح، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا بها مثل القيام والركوع والسجود والمشي في مرضاة الله كنقل الخطا إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله، وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى بالجوارح، قال الله تعالى: (وقوموا لله قانتين (] البقرة ٢٣٨ [، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم (] الحج ٧٨،٧٧ [. وقال تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً (] الفرقان ٦٤،٦٣ [، والنصوص في هذا كثيرة جداً (١) .

стр. 4753

قال محمد بن حسين الآجري (١) في باب ((القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمناً إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث)) قال: ((اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح. ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزئ معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمناً، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين ... )) (٢) . ثم ساق من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية ما يدل على ذلك ويؤيده. المبحث الثاني: تعريف الأخلاق لغةً واصطلاحاً وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الأخلاق لغةً الأخلاق جمع خلق بضم الخاء المعجمة، وبضم اللام وبسكونها، والخلق يطلق في اللغة على معانٍ هي: الدين، والطبع، والسجية والمروءة، مأخوذة من الخلق، وهو التقدير) (٣) .

стр. 4754

قال ابن فارس) (١) (: ((الخاء واللام والقاف: أصلان: يدل أحدهما على تقدير الشيء والآخر على ملامسته، أما الأول: فيقال فيه: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته، ومن ذلك الخُلُق، وهي السجية؛ لأن صاحبها قد قدّر عليه، وفلان خليق بكذا، وأخلق به، وما أخلقه! أي هو ممن يُقدر فيه ذلك، والخلاق: النصيب؛ لأنه قد قدّر لكل أحد نصيبه .... أما الأصل الثاني: فيقال فيه: صخرة خلقاء أي ملساء ... ومن هذا الباب: أخلق الشيء وخلق وخلِق إذا بلي...)) ) (٢) (. أو هو مأخوذ من الخلق بمعنى الإبداع من غير أصل ولا احتذاء ... قال الراغب في المفردات: ((والخَلق والخُلق في الأصل واحد كالشَّرب، والشُّرب والصَّرم والصُّرم، لكن خُصَّ الخَلْق بالهيئات والأشكال، والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة)) ) (٣) (. المطلب الثاني: تعريف الأخلاق اصطلاحاً الخُلُق: حال للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجة إلى فكر وروية) (٤) (. وعرفه ابن المبارك) (٥) (رحمه الله تعالى بقوله: "هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى) (٦) (. وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "حقيقة حسن الخلق بذل المعروف وكف الأذى وطلاقة الوجه") (٧) (.

стр. 4755

وعرفه ابن مسكويه) (١) (بأنه: (حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية. وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبعياً من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب، ويهيج من أقل سبب ... ومنها ما يكون مستفاداً بالعادة والتدرب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر، ثم يستمر عليه أولاً فأولاً حتى يصير ملكة وخلقاً)) (٢) (. وعرفه الغزالي) (٣) (بأنه: (هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً، سميت تلك الهيئة خلقاً حسناً، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً)) (٤) (. وعرفه الأصفهاني بأنه: اسم (للهيئة الموجودة في النفس التي يصدر عنها الفعل بلا فكر)) (٥) (. وعرفه الجرجاني بقوله: (عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية فإذا كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلاً وشرعاً بسهولة سميت الهيئة خلقاً حسناً، وإذا كانت الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً)) (٦) (.

стр. 4756

وقال القرطبي: "الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة، فالمحمود على الإجمال أن تكون مع غيرك على نفسك فتنصف منها، ولا تنصف لها، وعلى التفصيل: العفو والحلم والجود، والصبر، وتحمل الأذى، والرحمة، والشفقة، وقضاء الحوائج، والتوادد، ولين الجانب، ونحو ذلك، والمذموم منها ضد ذلك ") (١) (. ومن أجمع التعاريف وأحسنها التي جمعت بين عناصر الخلق كلها تعريف العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى حيث قال: (هيئة مركبة من علوم صادقة، وإرادات زاكية، وأعمال ظاهرة وباطنة، موافقة للعدل والحكمة والمصلحة، وأقوال مطابقة للحق، تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقاً هي أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها)) (٢) (. المبحث الثالث: منزلة الأخلاق في الإسلام علم الأخلاق من أشرف العلوم وأعلاها قدراً، وقيمة الإنسان تقاس بأعماله وأخلاقه، ولذا فإن للأخلاق في الإسلام منزلة عظيمة تعلم من مبلغ العناية التي عنيت بها في الكتاب والسنة، جاء في حديث أبي هريرة (أن النبي (قال: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) (٣) . وقد كانت عناية القرآن الكريم منذ بداية نزوله على نبينا محمد (بأمرين: الأول: تقرير الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له، وغرس عقيدة التوحيد الصافية في النفوس، والتحذير من الشرك والبعد عنه، قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله ءواجتنبوا الطاغوت (] الأعراف ٣٦ [.

стр. 4757

الثاني: غرس الأخلاق الفاضلة لتزكية القلوب وتطهير النفوس واستئصال رذائلها والأخلاق السيئة منها، ومن ذلك قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (] الأعراف ١٩٩ [قال جعفر الصادق رحمه الله تعالى: أمر الله نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية (١) . وقد كان من أجل غايات بعثة نبينا محمد (إتمام مكارم الأخلاق كما جاء في حديث أبي هريرة (قال: قال رسول الله (( (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)) (٢) . قال ابن عبد البر (٣) في التمهيد: "ويدخل في هذا المعنى الصلاح والخير كله، والدين والفضل والمروءة والإحسان والعدل فبذلك بعث ليتممه" (٤) . ومن أجل ذلك فقد جعل الله الأخلاق مقياساً للخيرية كما قال (( (إن من خياركم أحاسنكم أخلاقاً)) (٥) .

стр. 4758

وجعلها من كمال الإيمان كما قال (( (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً)) (١) ، وأكثر ما يثقل الميزان يوم القيامة بالحسنات هو الأخلاق، قال (: ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق)) (٢) . وقال (: ((إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم)) (٣) . وهي أكثر أسباب دخول الجنة، "سئل رسول الله (عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة؟ فقال: ((تقوى الله وحسن الخلق)) (٤) . وبحسن الخلق تنال محبة المصطفى (، والقرب منه مجلساً يوم القيامة وإنها لغاية عظيمة، قال (( (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثّرثارون (٥) والمتشدقون (٦) والمتفيهقون (٧)) (٨) .

стр. 4759

فهذه الأحاديث العظيمة فيها حث عظيم على التحلي بمحاسن الأخلاق لما فيها من بيان لفضله ومنزلته في الإسلام، فما من خلق كريم ولا فعل جميل إلا وقد وصله الله بالإسلام. ومن هنا يتبين لنا أن الإيمان القوي يكسب الخلق الفاضل، وأن سوء الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان، أو فقدانه، والشخص المعوج في السلوك هو الذي يقترف الرذائل غير آبه لأحد، وقد جاء عن الرسول (في وصف حاله: ((الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار)) (١) . والذي يذكر جيرانه ويرميهم بالسوء، ضعيف الإيمان كما جاء في حديث الرسول (قال: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن)) ، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه)) (٢) . ولقد سأل الرسول (أصحابه يوماً: ((أتدرون من المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: ((المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)) (٣) .

стр. 4760

يقول محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله تعالى -: "الحض على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات كثير جداً في كتاب الله تعالى وسنة نبيه (، ولذلك لما سئلت عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن خلقه (قالت: "كان خلقه القرآن " (١) . لأن القرآن يشتمل على جميع مكارم الأخلاق لأن الله تعالى يقول في نبيه (: (وإنك لعلى خلق عظيم (] القلم ٤ [. فدل مجموع الآية وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها على أن المتصف بما في القرآن من مكارم الأخلاق أنه يكون على خلق عظيم، وذلك لعظم ما في القرآن من مكارم الأخلاق" (٢) . المبحث الرابع: الارتباط بين الأخلاق والإيمان الدين الإسلامي دين عظيم يشمل كل جوانب الحياة ولا يهمل شيئاً منها، فهو يربط بين العقيدة، وبين الأخلاق التي ارتضاها للمسلمين، قال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم (] الإسراء ٩ [فمن تأمل كتاب الله وسنة رسوله (، تبين له إن مقتضى الإيمان بالله تعالى أن يكون المؤمن ذا خلق محمود، وإن الأخلاق السيئة دليل على ضعف الإيمان، وبذلك يمكننا أن نعرف مدى قوة إيمان الشخص بمقدار ما يتحلى به من مكارم الأخلاق. ومدى ضعف إيمانه بمقدار ما يتصف به من ذميم الأخلاق، حيث يتبين لنا الصلة القوية بين الأخلاق والعقيدة على نحو يجعل انفصال العقيدة عن الأخلاق واستقلالها أمراً مستحيلاً، لأن الذي يحمل على التحلي بفضائل الأخلاق والتخلي عن رذائلها إنما هو الإيمان بمشرعها وهو الله ، وبما جاء به رسولنا (، والإيمان بما يترتب عليها من ثواب عند الامتثال، وعقاب عند الترك، والإيمان بوجوب تزكية النفس وتطهيرها من دنس المعاصي.

стр. 4761

ويتضح هذا جلياً في كتاب الله ، فالأخلاق الإسلامية التي حث عليها ورغب فيها وأرشد إليها تسبق دائماً بنداء الإيمان، فعندما أمر الله المؤمنين بالعدل، سبق الطلب وصف الإيمان للإشارة إلى أن الإيمان يقتضي العدل، فيقول : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (] المائدة ٨ [. وعندما أمر بالصدق سبقه نداء الإيمان فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (] التوبة ١١٩ [. كما ورد الربط بين الإيمان، وبين عمل الصالحات والإحسان، فقال (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً (] النساء ١٢٥،١٢٤ [. كما بين الرسول (في السنة الصلة القوية بين الإيمان والأخلاق الحسنة من الصدق والوفاء والأمانة أو ضد هذه الأخلاق من جانب آخر فقال (: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) (١) . وفي روايةٍ: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن، كانت فيه خلة من نفاق، حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر) غير أن في حديث سفيان: ((وإن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق)) (٢) . وهذا يبين لنا أن هذه الأخلاق السيئة التي حذر الإسلام منها من الكذب، وخلف الوعد، وخيانة الأمانة، والغدر، والفجور دليل على ضعف الإيمان بالله تعالى، إذ الأخلاق نبتة وثمرة من ثمار الإيمان.

стр. 4762

والإيمان بالله يقتضي أن يكون المؤمن متصفاً بالأخلاق الفاضلة من الكرم والجود والسماحة وحسن الجوار، يعرف حقوق جاره عليه، فيؤديها، ولا يفعل ما يؤذيه أو يضره، ويعلم حق ضيفه عليه فيؤديه، يقول ﵊: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه)) (١) . ويقول (( (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن)) ، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه)) (٢) . وعن عبد الله بن مسعود (قال: قال رسول الله (: (إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه)) . قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: ((غَشْمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالاً من حرام، فينفق منه، فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار. إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو بالخبيث)) (٣) . كما يقتضي أن يكون المؤمن حيياً: فقد مر رسول الله (على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله (: ((دعه فإن الحياء من الإيمان)) (٤) . ويقتضي أن يكون المؤمن رحيماً: يقول ﵊: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا)) (٥) .

стр. 4763

وليس المقصود بالرحمة معنى ضيقاً محدوداً، يشمل شخصاً دون آخر، أو جماعة دون أخرى، أو جنساً دون غيره، بل الرحمة بمعناها العام الذي يشمل كل من يستحق الرحمة من خلق الله تعالى. عن أبي موسى (أنه سمع النبي (يقول: ((لن تؤمنوا حتى تراحموا)) قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: ((إنه ليس رحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة)) (١) . أي الرحمة الشاملة لجميع خلق الله جل في علاه. وإن من مقتضى الإيمان أن يكون المسلم صابراً محتسباً، راضياً بما قدر الله له، فالرسول (يقول: ((ليس منا من لطم الخدود. وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) (٢) . فإذا وقر الإيمان في القلب، تقبل المؤمن كل ما يأتيه في السراء والضراء، لأنه يعلم أن أمره كله خير، كما قال ﵊: ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له)) (٣) . فالمؤمن لا يخاف من المصائب والأقدار، إنما يخاف من الذنوب والسيئات وسوء الأخلاق. قال عبد الله بن مسعود (: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل، يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به هكذا)) قال أبو شهاب: بيده فوق أنفه" (٤) .

стр. 4764

كما بين الرسول (للمؤمن ميزاناً يعرف به إيمانه فقال ﵊: (إذا ساءتك سيئتك، وسرتك حسنتك، فأنت مؤمن) (١) . فالمؤمن دائماً يسعى إلى مكارم الخلاق يتحلى بها، وإلى محاسن السجايا يتصف بها، حتى يكتمل إيمانه، ويثقل ميزان حسناته يوم القيامة، فيدخل جنة ربه. وقد فهم الصحابة رضوان عليه ذلك فحرصوا عليه، عن أم الدرداء قالت: قام أبو الدرداء ليلة يصلى. فجعل يبكي، ويقول: اللهم أحسنت خلقي، فحسن خلقي، حتى أصبح، فقلت يا أبا الدرداء، ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق، فقال: يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه، حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسئ خلقه، حتى يدخله النار، والعبد المسلم يغفر له وهو نائم. فقلت: يا أبا الدرداء، كيف يغفر له. وهو نائم؟ قال: يقوم أخوه من الليل فيتهجد، فيدعو الله فيستجيب له، ويدعو لأخيه، فيستجيب له فيه (٢) . وعن عطاء عن ابن عباس، لما دخل رسول الله (على الأنصار، فقال: أمؤمنون أنتم؟ فسكتوا، فقال عمر: نعم يا رسول الله. قال: وما علامة إيمانكم؟ قالوا: نشكر على الرخاء، ونصبر على البلاء، ونرضى بالقضاء. فقال (: مؤمنون ورب الكعبة (٣) . فالرسول ﵊ جعل هذه الأخلاق الكريمة من الشكر على النعمة، والصبر على البلوى، والرضا بما قضى الله وقدر أمارات وعلامات على الإيمان بالله .

стр. 4765

وبهذا يتبين لنا أن العلاقة وثيقة بين الإيمان والأخلاق في الفرد والمجتمع المسلم، وأن الرابطة الإسلامية والأخوة الإيمانية تزيد كلما التزم أفراد المجتمع بالأخلاق الفاضلة، فالصدق في الحديث والمعاملة والعدل في الحكم والأمانة في جميع الأمور، والوفاء بالعهد والحياء والصبر والحلم والرفق والتعاون على البر والتقوى توجد الثقة والمحبة وتشعر الجميع بالرضى والأمن. المبحث الخامس: الغاية من الأخلاق الإسلامية إن الغاية من الالتزام بالأخلاق والفضائل الإسلامية والابتعاد عن الرذائل والأخلاق السيئة هو اكتساب مرضاة الله ، فإنه سبحانه يحب فعل الخير ويكره فعل الشر، ومن رضي عنه الله ظفر بسعادة الدارين وعظم أجره وعلت منزلته. والالتزام بمكارم الأخلاق التي أمر بها الإسلام أو رغب بفعلها فيه تقوية لإرادة الإنسان وتمرينها على حب الخير وفعله والبعد عن الشر وتركه، ويتحقق للمؤمن سعادة القلب بمقدار ما حققه بأفعاله من مرضاة الله . وباكتساب مرضاة الله تعالى تتحقق النجاة من الشقاوة التي يجلبها الإنسان لنفسه بفعل السيئات. فبالالتزام بالخلق والحرص عليها تطهر النفوس وتزكو قال : (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ((الشمس ١٠،٩) ، وبالأخلاق يسعد الفرد والمجتمع، وتنتشر الفضيلة وتختفي الرذيلة، وبالأخلاق يكثر الخير والصلاح والصالحون، ويقل الفساد وأهله، وبالأخلاق تبقى الأمم وتقوى وترقى، وجماع ذلك كله حصول مرضاة الله والأمن من عذابه في الدار الآخرة. وهذه هي الغاية العظمى من عناية الإسلام بالأخلاق وحرصه عليها.
следующие страницы →