ويتضح هذا جلياً في كتاب الله ، فالأخلاق الإسلامية التي حث عليها ورغب فيها وأرشد إليها تسبق دائماً بنداء الإيمان، فعندما أمر الله المؤمنين بالعدل، سبق الطلب وصف الإيمان للإشارة إلى أن الإيمان يقتضي العدل، فيقول : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (] المائدة ٨ [.
وعندما أمر بالصدق سبقه نداء الإيمان فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (] التوبة ١١٩ [.
كما ورد الربط بين الإيمان، وبين عمل الصالحات والإحسان، فقال (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً (] النساء ١٢٥،١٢٤ [.
كما بين الرسول (في السنة الصلة القوية بين الإيمان والأخلاق الحسنة من الصدق والوفاء والأمانة أو ضد هذه الأخلاق من جانب آخر فقال (: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) (١) .
وفي روايةٍ: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن، كانت فيه خلة من نفاق، حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر) غير أن في حديث سفيان: ((وإن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق)) (٢) .
وهذا يبين لنا أن هذه الأخلاق السيئة التي حذر الإسلام منها من الكذب، وخلف الوعد، وخيانة الأمانة، والغدر، والفجور دليل على ضعف الإيمان بالله تعالى، إذ الأخلاق نبتة وثمرة من ثمار الإيمان.
стр. 4762
والإيمان بالله يقتضي أن يكون المؤمن متصفاً بالأخلاق الفاضلة من الكرم والجود والسماحة وحسن الجوار، يعرف حقوق جاره عليه، فيؤديها، ولا يفعل ما يؤذيه أو يضره، ويعلم حق ضيفه عليه فيؤديه، يقول ﵊: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه)) (١) .
ويقول (( (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن)) ، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه)) (٢) .
وعن عبد الله بن مسعود (قال: قال رسول الله (: (إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه)) . قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟
قال: ((غَشْمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالاً من حرام، فينفق منه، فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار.
إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو بالخبيث)) (٣) .
كما يقتضي أن يكون المؤمن حيياً: فقد مر رسول الله (على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله (: ((دعه فإن الحياء من الإيمان)) (٤) .
ويقتضي أن يكون المؤمن رحيماً: يقول ﵊: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا)) (٥) .
стр. 4763
وليس المقصود بالرحمة معنى ضيقاً محدوداً، يشمل شخصاً دون آخر، أو جماعة دون أخرى، أو جنساً دون غيره، بل الرحمة بمعناها العام الذي يشمل كل من يستحق الرحمة من خلق الله تعالى.
عن أبي موسى (أنه سمع النبي (يقول: ((لن تؤمنوا حتى تراحموا)) قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: ((إنه ليس رحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة)) (١) .
أي الرحمة الشاملة لجميع خلق الله جل في علاه.
وإن من مقتضى الإيمان أن يكون المسلم صابراً محتسباً، راضياً بما قدر الله له، فالرسول (يقول: ((ليس منا من لطم الخدود. وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) (٢) .
فإذا وقر الإيمان في القلب، تقبل المؤمن كل ما يأتيه في السراء والضراء، لأنه يعلم أن أمره كله خير، كما قال ﵊: ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له)) (٣) .
فالمؤمن لا يخاف من المصائب والأقدار، إنما يخاف من الذنوب والسيئات وسوء الأخلاق. قال عبد الله بن مسعود (: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل، يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به هكذا)) قال أبو شهاب: بيده فوق أنفه" (٤) .
стр. 4764
كما بين الرسول (للمؤمن ميزاناً يعرف به إيمانه فقال ﵊: (إذا ساءتك سيئتك، وسرتك حسنتك، فأنت مؤمن) (١) . فالمؤمن دائماً يسعى إلى مكارم الخلاق يتحلى بها، وإلى محاسن السجايا يتصف بها، حتى يكتمل إيمانه، ويثقل ميزان حسناته يوم القيامة، فيدخل جنة ربه.
وقد فهم الصحابة رضوان عليه ذلك فحرصوا عليه، عن أم الدرداء قالت: قام أبو الدرداء ليلة يصلى. فجعل يبكي، ويقول: اللهم أحسنت خلقي، فحسن خلقي، حتى أصبح، فقلت يا أبا الدرداء، ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق، فقال: يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه، حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسئ خلقه، حتى يدخله النار، والعبد المسلم يغفر له وهو نائم. فقلت: يا أبا الدرداء، كيف يغفر له. وهو نائم؟ قال: يقوم أخوه من الليل فيتهجد، فيدعو الله فيستجيب له، ويدعو لأخيه، فيستجيب له فيه (٢) .
وعن عطاء عن ابن عباس، لما دخل رسول الله (على الأنصار، فقال: أمؤمنون أنتم؟
فسكتوا، فقال عمر: نعم يا رسول الله.
قال: وما علامة إيمانكم؟
قالوا: نشكر على الرخاء، ونصبر على البلاء، ونرضى بالقضاء.
فقال (: مؤمنون ورب الكعبة (٣) .
فالرسول ﵊ جعل هذه الأخلاق الكريمة من الشكر على النعمة، والصبر على البلوى، والرضا بما قضى الله وقدر أمارات وعلامات على الإيمان بالله .
стр. 4765
وبهذا يتبين لنا أن العلاقة وثيقة بين الإيمان والأخلاق في الفرد والمجتمع المسلم، وأن الرابطة الإسلامية والأخوة الإيمانية تزيد كلما التزم أفراد المجتمع بالأخلاق الفاضلة، فالصدق في الحديث والمعاملة والعدل في الحكم والأمانة في جميع الأمور، والوفاء بالعهد والحياء والصبر والحلم والرفق والتعاون على البر والتقوى توجد الثقة والمحبة وتشعر الجميع بالرضى والأمن.
المبحث الخامس: الغاية من الأخلاق الإسلامية
إن الغاية من الالتزام بالأخلاق والفضائل الإسلامية والابتعاد عن الرذائل والأخلاق السيئة هو اكتساب مرضاة الله ، فإنه سبحانه يحب فعل الخير ويكره فعل الشر، ومن رضي عنه الله ظفر بسعادة الدارين وعظم أجره وعلت منزلته.
والالتزام بمكارم الأخلاق التي أمر بها الإسلام أو رغب بفعلها فيه تقوية لإرادة الإنسان وتمرينها على حب الخير وفعله والبعد عن الشر وتركه، ويتحقق للمؤمن سعادة القلب بمقدار ما حققه بأفعاله من مرضاة الله .
وباكتساب مرضاة الله تعالى تتحقق النجاة من الشقاوة التي يجلبها الإنسان لنفسه بفعل السيئات.
فبالالتزام بالخلق والحرص عليها تطهر النفوس وتزكو قال : (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ((الشمس ١٠،٩) ، وبالأخلاق يسعد الفرد والمجتمع، وتنتشر الفضيلة وتختفي الرذيلة، وبالأخلاق يكثر الخير والصلاح والصالحون، ويقل الفساد وأهله، وبالأخلاق تبقى الأمم وتقوى وترقى، وجماع ذلك كله حصول مرضاة الله والأمن من عذابه في الدار الآخرة. وهذه هي الغاية العظمى من عناية الإسلام بالأخلاق وحرصه عليها.
стр. 4766
ولقد أدرك أعداء المسلمين قيمة الأخلاق الإسلامية في تكوين الأمة المترابطة القوية المتينة، فعملوا على إفساد الأخلاق للمسلمين بكل ما أوتوا من مكر ودهاء وبكل ما أوتوا من وسائل مادية ومعنوية، ليبعثروا قوتهم المتماسكة، وليفتتوا وحدتهم الصلبة التي كانت مثل الجبل الراسخ الصلب قوة، ويزيلوا جمالها وبهجتها التي هي مثل الجنة الوارفة الظلال المثمرة خضرة وبهاءً وثمراً.
إن أعداء المسلمين قد أدركوا وعرفوا أن الأخلاق الإسلامية في أفراد المسلمين تمثل معاقد القوة، فجندوا جنودهم لغزو هذه المعاقل وكسرها بجيوش الفساد والفتنة، وكان غزوهم من عدة جهات، ولقد عرفوا أن النبع الأساسي الذي يزود الإنسان بالأخلاق الإسلامية العظيمة إنما هو الإيمان بالله ، والالتزام بشرعه، فصمموا على أن يكسروا مجاري هذا النبع العظيم ويسدوا عيونه، ويقطعوا شرايينه، وعرفوا أن ذلك يتم بدراسة حياتهم وإفساد المفاهيم والأفكار فوجهوا جهودهم لغمس أبناء المسلمين بالانحلال الخلقي بغية إصابتهم بالرذائل الخلقية عن طريق العدوى وسراية الفساد واستمراء الشهوات المرتبطة برذائل الأخلاق، وقد حققوا بعض ما يريدون ولكن جنود الله من الدعاة والمصلحين لهم جهد كبير في الدعوة إلى دين الله ونشر الفضيلة ودحض الرذيلة وصد كيد الأعداء مستعينين بالله الذي كتب النصر لأوليائه كما قال تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (] المجادلة ٢١ [.
وإذا عرف المسلمون الغاية من الأخلاق الإسلامية وأهميتها في حياتهم وتمسكوا بها استطاعوا أن يردوا كيد الأعداء في وجوههم ويحفظوا مجتمعاتهم من الرذيلة، والله الموفق.
المبحث السادس: بعض الأخلاق الإسلامية وأثر الإيمان عليها
стр. 4767
الإيمان بالله سبحانه تعالى هو مصدر الأخلاق ومنبعها، فهو الذي يزكي النفوس ويطهرها ويهذب الأخلاق ويحسنها، وله أثر عظيم في التمسك بها والحرص عليها، والبعد عن مساوئ الأخلاق ورذائلها، وقد اخترت جملة من الأخلاق الفاضلة التي رأيت أنها جمعت أصول الأخلاق مع بيان أثر الإيمان عليها، ومنها:
١ الصدق:
الصدق خلق عظيم، نال أهمية بالغة في الإسلام، ومن ذلك أن الله مدح الصادقين وأمرنا بالصدق فقال : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (] التوبة ١١٩ [.
كما أنه سبحانه أثنى على الأنبياء والمرسلين، وبعض عباده المتقين بالصدق، وطلب من المؤمنين اتباع الصادقين وبشرهم به فقال : (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً (] مريم ٤١ [.
وقال تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً (] مريم ٥٤ [.
وقال تعالى: (رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه (] الأحزاب ٢٣ [.
وقال تعالى: (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم (] المائدة ١١٩ [.
الصدق لغة: نقيض الكذب، وهو من صَدَقَ يَصْدُقُ صَدْقاً، وصِدْقاً يقال: صَدَقْتُ القومَ، أي: قلت لهم صدقاً، ومن أمثالهم: الصدق ينبئ عنك لا الوعيد، رجل صَدُوقٌ: أي: أبلغ من الصادق، والصديق المبالغ في الصدق (١) .
عرف الماوردي الصدق بقوله: " الصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه" (٢) .
وعرفه الغزالي بقوله: "فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق" (٣) .
وقال بعضهم: "أقل الصدق استواء السر والعلانية، والصادق من صدق في أقواله، والصديق: من صدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله" (٤) .
стр. 4768
وإذا تأملنا النصوص الواردة في خلق الصدق، نجدها تجعل المسلم يدرك أن الصدق من متممات إيمانه ومكملات إسلامه.
وقد حث الرسول (على الصدق وأخبر أنه يهدي إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود (قال: قال رسول الله (: ((عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)) (١) .
قال النووي: قال العلماء في هذا الحديث حث على تحري الصدق، وهو قصده الاعتناء به، وعلى التحذير من الكذب، والتساهل فيه، فإنه إذا تساهل فيه كثر منه، فيعرف به (٢) .
وقد أخبر النبي (أن كذب الحديث من النفاق وعلاماته: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) (٣) .
وقد أمر الله تعالى عباده المتقين بالقول السديد فقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً (] الأحزاب ٧١،٧٠ [.
فالصدق في الأقوال، يجعل أصحابها يصدقون في الأعمال، ويكون ثمرة ذلك الصلاح في الأحوال، وذلك الفوز العظيم.
فالمسلم حين يعامل إخوانه لابد أن يكون صادقاً في معاملاته معهم، فلا يغش ولا يخدع.
قال ﵊: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا، بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا، محقت بركة بيعهما)) (٤) .
стр. 4769
وقال (أيضاً: ((الحلف منفَقَةٌ للسلعة ممحقة للبركة)) ، وفي رواية مسلم ((للربح)) (١) .
فيجب على المسلم إذا وعد أحداً أنجز له ما وعد به؛ إذ خلف الوعد من علامات النفاق كما مر ذكره في الحديث.
لهذا، فصدق الوعد من الصفات الحميدة، التي ينبغي أن يتمسك بها المسلم، لأنها سبب من أسباب النجاح في هذه الحياة.
ومن صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، كما قال تعالى: (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً (] الفرقان ٧٢ [.
لأن شهادة الزور تعد من أكبر الكبائر، فقد قرنت بالإشراك بالله وعقوق الوالدين، قال رسول الله (: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) وكان متكئاً فجلس فقال: ((ألا وقول الزور، وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور)) فما زال يقولها، حتى قلت: لا يسكت (٢) .
وقد نهى المؤمنين عن كتم الشهادة، وأخبر بأن الذي يكتمها آثم القلب، قال تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم (] البقرة٢٨٣ [.كما أمر المؤمنين بالوفاء بالعهد فقال تعالى: (وأوفوا بالعهد إ ن العهد كان مسؤولاً (] الإسراء ٣٤ [. وقال تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم (] النحل ٩١ [.
وأثنى على الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فقال: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً (] الأحزاب ٢٣ [.
стр. 4770
وذم الذين أخلفوا ما عاهدوه عليه، قال تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلي يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (] التوبة٧٥، ٧٧ [.
وللصدق ثمرات طيبة يجنيها الصادقون، فهو طريق الفلاح والنجاح وفيه راحة الضمير وطمأنينة النفس، والبركة في الكسب وزيادة الخير، والنجاة من المكروه، والهداية إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، كما في الحديث المشهور المتقدم.
وقد التزم المسلمون في صدر الإسلام بهذا المبدأ العظيم، وجاء القرآن مؤكداً لهذه الحقيقة، حيث قال تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (] الزمر ٣٣ [.
ولذا فالمسلم الحق هو الذي يصدق في كل أقواله وأفعاله، ويتجنب الكذب ومزالقه، ولا يكذب أبداً مهما نال بذلك من مكاسب.
стр. 4771
ومن أعظم الأمثلة على صدق الصادقين حديث كعب بن مالك (قال: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله (قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله (قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله (علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك فقلت بلى إني والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله (أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله (بما اعتذر إليه المتخلفون قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله (لك فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم هل لقي هذا معي أحد قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت من هما قالوا مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله (المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض
стр. 4772
فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله (فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو بن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار قال فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك فقلت لما قرأتها وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله (يأتيني فقال إن رسول الله (يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال لا بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال كعب فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله (فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال لا ولكن لا يقربك قالت إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله (في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت والله لا أستأذن فيها رسول
стр. 4773
الله (وما يدريني ما يقول رسول الله (إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله (عن كلامنا فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله (بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله (فيتلقاني الناس فوجا فوجا يهنونني بالتوبة يقولون لتهنك توبة الله عليك قال كعب حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله (جالس حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب فلما سلمت على رسول الله (قال رسول الله (وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال لا بل من عند الله وكان رسول الله (إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله قال رسول الله (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر فقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما لقيت فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله (أحسن مما أبلاني ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله (إلى يومي هذا كذبا وإني
стр. 4774
لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت وأنزل الله على رسوله ((لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار (إلى قوله (وكونوا مع الصادقين (فوالله ما نعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله (أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال ﵎: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم (إلى قوله: (فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (قال كعب وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله (حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله (أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا (وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه (١) .
فالصدق من أعظم مقامات الإيمان وشعبه، فالإخلاص والمحبة والرجاء والاستقامة كلها تفتقر إلى الصدق ولا تصح إلا به، فلذا يجب التحلي بهذه الصفة العظيمة.
٢- الصبر:
الصبر لغةً: هو المنع والحبس، وهو نقيض الجزع، يقال: صبر صبراً فهو صابر وصبَّار وصبِّير وصبور. وسمي الصوم صبراً، لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والنكاح (٢) .
وفي الاصطلاح: هو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لايحسن ولا يجمل. وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها.
وقيل: هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله، لا إلى الله؛ لأن الله تعالى أثنى على أيوب ﵇ بالصبر بقوله: (إنا وجدناه صابراً ((ص ٤٤) ، مع دعائه في دفع الضر عنه بقوله: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسّني الضر وأنت أرحم الراحمين (] الأنبياء ٨٣ [.
стр. 4775
ولقد اهتم الإسلام بالصبر، ورفع منزلته، وأثنى على المتحلين به، وهذا يدل على عظم أمره، لأنه أساس كثير من الفضائل، بل هو أصلها، فما من فضيلة إلا وهي محتاجة إليه، فالشجاعة هي الصبر على مكاره الجهاد، والعفاف هو الصبر عن الشهوات، والحلم هو الصبر على المثيرات. لهذا أحب الله الصابرين فقال : (والله يحب الصابرين (] آل عمران ١٤٦ [
وقال تعالى: (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (] النحل ٩٦ [.
وأخبر أنهم ينالون مزيداً من الفضل والرحمة والثواب في الدنيا والآخرة، فقال: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (] الزمر ١٠ [.
كما أخبر الله تعالى أن الصبر من الخصال العظيمة التي يجب أن يتصف بها المؤمنون فقال : (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (] آل عمران ١٨٦ [. وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم، فقال ﵎: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (] البقرة ١٥٧ [.
فالصبر وحده هو الذي يعصم من التخبط، ويجعل المسلم يسير متزناً وفق منهج الإسلام في كل شؤون الحياة، فلابد أن يوطن المسلم نفسه على احتمال المكاره دون ضجر، ومواجهة الأعباء مهما ثقلت، وكان الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام ممن برز في هذه الفضيلة، وفي مقدمتهم أولوا العزم من الرسل، ولذلك خاطب الله نبيه الخاتم صاحب الخلق العظيم (، وأمره بالصبر، فقال تعالى: (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل (] الأحقاف ٣٥ [.
فنبينا محمد (، أوذي أذىً شديداً ولقي من قومه ما لقي من البلاء، فصبر، واحتمل، وبلّغ رسالة ربه، حتى أتاه اليقين.
يقول الماوردي: "فقد لقي بمكة من قريش وغيرهم ممن كان يدعوهم إلى الله أو يطلب منهم حمايته ليؤدي رسالة الله ما يشيب النواصي، وهو مع ذلك صابر صبر المستعلي، وثابت ثبات المستولي" (١)
стр. 4776
والصبر ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، وذلك هو الحياة كلها، لذلك كان الصبر نصف الإيمان؛ لأنه ما من مقام من مقامات الإيمان إلا ويلازمه الصبر.
فالمؤمن يحتاج إلى الصبر على الطاعة لأن النفس بطبعها تنفر من العبودية، وهي شاقة على النفس مطلقاً، ثم من العبادات ما يكره بسبب الكسل، كالصلاة، ومنها ما يكره بسبب البخل كالزكاة، ومنها ما يكره بسببهما جميعاً كالحج والجهاد، فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد.
ومن أنواع الصبر الصبر عن المعاصي وهي مقتضى باعث الهوى، وما أحوج العبد إلى الصبر عنها. وقد جمع الله أنواع المعاصي في قوله تعالى: (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي (] النحل ٩٠ [. وأشد أنواع الصبر: الصبر عن المعاصي التي أصبحت مألوفة بالعادة.
وأما النوع الثالث من أنواع الصبر فهو الصبر على المصائب والأقدار، مثل موت الأعزة، وهلاك الأموال، وزوال الصحة بالمرض. فالصبر على ذلك من أعلى مقامات الصبر.
والمؤمن بحاجة إلى الصبر أمام مواجهة المصائب التي تجري عليه بأن يعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم ويحبس نفسه عن الجزع والتسخط؛ لأن الصبر على المصائب ثمرة من ثمار الإيمان بالقدر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة.
والصبر من الأمور المشكورة، والأفعال الحميدة، والمؤمن حين يتقي ويصبر ويغفر ويشكر، يوفى أجره بغير حساب، ويكتب له النجاح والفلاح والظفر، في شؤون حياته كلها، وذلك هو الخير كله.
قال الله تعالى: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (] الشورى ٤٣ [.
وقال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (] آل عمران ١٨٦ [.
وقال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (] الزمر ١٠ [.
стр. 4777
وقال رسول الله (: ((عجباً لأمر المؤمن: إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له)) (١) .
والمؤمن يبتلى في هذه الحياة، والفائز من المؤمنين من حسن عمله وصبر واتقى قال تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً (] الملك ٢ [.
وهذه نصوص من الكتاب والسنة تبين لنا أنواع الابتلاء وتبشر الصابرين عليه بأعظم المثوبة في الدارين.
وقال الله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (] البقرة ١٥٥، ١٥٧ [.
وقال تعالى: (والصابرون في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (] البقرة ١٧٧ [.
وقال تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين (] محمد ٣١ [.
وقوله تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله (] النحل ١٢٧ [.
وقوله تعالى: (واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (] لقمان ١٧ [.
وفي السنة عن أنس بن مالك (أن رسول الله (قال: ((إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة يريد عينيه)) (٢) .
وفي رواية الترمذي قال:: قال رسول الله (: ((إن الله تعالى يقول: إذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا، لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة)) (٣) .
وعن أبي هريرة (قال: قال النبي (: ((يقول الله : من أذهبت حبيبته فصبر واحتسب، لم أرض له ثواباً دون الجنة)) (٤) .
стр. 4778
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله (: ((إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيِّه (١) من أهل الأرض فصبر واحتسب وقال ما أمر به بثواب دون الجنة)) (٢) .
وعن أبي هريرة (قال: إن رسول الله (قال: ((يقول الله ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (٣) .
وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس ﵄: (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي (فقالت: إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: ((إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك)) ، قالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها) (٤) .
وما عند الله من الجزاء والمثوبة للصابرين هو خير حافز يدعو المؤمن إلى الصبر والمصابرة، حتى يكون من المفلحين.
(يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (] آل عمران ٢٠٠ [.
على ما يصيبه ابتغاء مرضاة الله ومن ذلك قوله تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (] البقرة ١٥٥، ١٥٦ [.
وقوله تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله (] النحل ١٢٧ [.
وقوله تعالى: (واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (] لقمان ١٧ [.
стр. 4779
ومن السنة ما رواه أنس بن مالك (قال: قال رسول الله (: ((الصبر عند الصدمة الأولى)) وفي رواية: (أنه أتى على امرأة تبكي على صبي لها، فقال: ((اتقي الله، واصبري)) فقالت: وما تبالي بمصيبتي، فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله (فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك. قال: ((إنما الصبر عند أول الصدمة)) أو قال: ((عند أول الصدمة)) .
وفي أخرى نحوه، أنها قالت: (إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، وأنه قال (: لما جاءته وقالت: لم أعرفك: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) ) (١) .
وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: (أرسلت بنت النبي (إليه: أن ابناً لي قبض، فائتنا وفي رواية: ابني احتضر فأشهدنا وفي أخرى: إن ابنتي قد حضرت فأرسل يقري السلام، ويقول: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمىً، فلتصبر ولتحتسب)) ، فأرسلت إليه تقسم بالله ليأتينها) (٢) .
فكل من قام بحق، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، فلابد أن يؤذى، فما له دواء إلا الصبر في الله، الاستعانة بالله، والرجوع إلى الله (٣) .
وكان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في مقدمة من أوذي في الله، وقد لقي الرسول (وصحبة الكرام أنواعاً كثيرة من الأذى.
قال تعالى عن قول الرسل لأقوامهم: (ولنصبرن على ما ءاذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (] إبراهيم ١٢ [.
وقال تعالى: (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (] المزمل ١٠ [.
وقال تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصبرين واصبر وما صبرك إلا بالله (] النحل ١٢٦، ١٢٧ [
стр. 4780
وعن ابن مسعود رحمه الله تعالى قال: كأني أنظر إلى رسول الله (، يحكي نبياً من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: ((اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون)) (١) .
وعن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب رسول الله (قال: قال رسول الله (: ((المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم)) أخرجه الترمذي، وقال: وكان شعبة يرى أنه ابن عمر (٢) .
وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: (شكونا إلى رسول الله (وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: ((كان الرجل فيمن قبلكم، يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) (٣) .
ولقد صبر النبي (على الاضطهاد والتعذيب والإيذاء والسخرية. وتحمل كل ذلك (بصبر جميل وعزيمة قوية، ولم يقتصر الأمر عليه (، بل لحق ذلك الأذى كل أتباعه وأقاربه. ففي يوم الخندق حوصرت المدينة ذلك الحصار الشديد الذي لم يعرف المسلمون فيه نوماً ولا راحة، وطالت الفترة، وتعب المسلمون، وكانوا كما وصفهم الله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصر وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (] الأحزاب ١٠،١١ [.
стр. 4781
فالصبر له مكانة عظيمة في الإسلام ومنزلة رفيعة في الإيمان؛ لأن أكثر أخلاق الإيمان لا تتم إلا بالصبر، وقد أدرك السلف رحمهم الله تعالى هذه المنزلة العظيمة للصبر من الإيمان حتى قال عبد الله بن مسعود (: "الصبر نصف الإيمان" (١) ، وهذا يبين لنا أهمية خلق الصبر ومكانته العظيمة من الإيمان.
٣ الحلم والأناة
الحلم بالكسر: الأناة والعقل، وجمعه: أحلام، وحلوم، والحلم: ترك العجلة (٢) .
وفي الاصطلاح: إمساك النفس عن هيجان الغضب.
والأناة: التثبيت وترك العجلة (٣) . والحلم بالكسر هو الأناة والتثبت في الأمور (٤) ، والحلم: هو ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب (٥) .
ومن أسماء الله الحسنى الحليم، قال تعالى: (ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (] آل عمران ١٥٥ [، وقال تعالى: (والله شكور حليم (] التغابن ١٧ [.
والحلم من الأخلاق الإسلامية الحميدة التي يحبها الله تعالى، ويدل على ذلك قوله (للأشج عبد القيس: ((إن فيك لخصلتان يحبهما الله، الحلم والأناة)) (٦) .
стр. 4782
وهو من صفات المؤمنين، ومن كان له عقيدة سليمة إذ هي التي تقود الإنسان وتؤثر في جميع تصرفاته فيغضب في مقام الغضب، ولا يتسرع إلى الانتقام، ولذا كان الحلم من أبرز صفات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فلا ينتقمون من الكفار بأفعالهم السيئة تجاههم، قال الله في حق نبيه إبراهيم ﵇: (إن إبراهيم لأواه حليم (] التوبة ١١٤ [ونبي الله هود ﵇ دعا قومه إلى توحيد الله وقالوا له: (إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (] الأعراف ٦٦ [فرموه بالحماقة، وخفة العقل، ولكن بحلمه ﵊ لم يرم بهم بالقول أو الفعل بل (قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين (] الأعراف ٦٧ [وهذا الصفات التي يتصف بها الرسل من البلاغ والنصح والأمانة والحلم مما ينبغي أن يتصف بها الدعاة إلى الله ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: أي لست كما تزعمون بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء ومليكه (أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (.] الأعراف٦٨ [وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغ والنصح والأمانة (١) .
وقوة الإيمان لها تأثير كبير على اكتساب الفضائل الخلقية والسلوكية ومنها صفة الحلم، فالمؤمن الذي يعلم فضل الحلم يجد في نفسه اندفاعاً قوياً لاكتساب فضيلة الحلم.
стр. 4783
وهنالك ارتباط وثيق بين الحلم والعقل، وقد سبق تفسير الحلم بالعقل؛ لأن العقل السوي هو الذي يعقل صاحبه عن الاندفاع وراء عواطفه وغرائزه، أو وراء انفعاله وشهواته، أو وراء طبائعه النارية، أو وراء كل ما يميل به إلى الجنوح والانحراف، وإن الإنسان الذي يتحكم في انفعالاته يعد إنساناً قوياً. يقول رسول الله (: ((ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) (١) .
ومما يدل على فضل الحلم وبيان أهميته: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله (لأشج عبد القيس: ((إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)) (٢) .
ومن حلمه (ما جاء في حديث أبي هريرة (قال: بال أعرابي في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم النبي (: ((دعوه، واهريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو ذنوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) (٣) .
فقد علّم الرسول (في هذا الحديث أصحابه كيف يكون الحلم بالجاهلين، وكيف يكون الرفق بهم، وكيف يجب أن يكون الدعاة إلى الله والحق والخير والفضيلة وأنهم ميسرين لا معسرين.
وفي رواية أخرى عن أنس (قال بينما نحن في المسجد مع رسول الله (إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله (: مه مه!! حتى بال، ثم إن رسول الله (دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن)) ، قال أنس: ((وأمر (أي رسول الله () رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فسنّه عليه)) (٤) . (أي فصبه على المكان الذي بال فيه الأعرابي) .
стр. 4784
وهذا يدل على حلم الرسول (وعلى رفقه وحسن سياسته وهذا الخلق العظيم هو الذي ملك به قلوب أصحابه وفرض به احترامه على أعدائه.
ومن حلمه (عدم دعائه على الذين آذوه من قومه، وكان باستطاعته أن يدعو عليهم فيهلكهم الله، ولكنه (حلم عليهم رجاء صلاحهم، وصلاح من يخرج من ذريتهم.
فقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إن النبي (قال لملك الجبال لما جاءه عارضاً عليه أن يطبق على قومه الجبلين المحيطين بمكة فقال النبي (: ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً)) (١) .
وهكذا كان الرسول (حليماً في أحلك الأوقات وأقسى الحالات شدة.
فالحلم أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب لما فيه من سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب الحمد؛ وقد قال علي بن أبي طالب (: أول عوض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره (٢) .
يقول صاحب بهجة الناظرين: الحلم منزلة بين رذيلتين الغضب والبلادة، وهو تأني وسكون عند الغضب أو مكروه مع قدرة وقوة وصفح وعقل؛ فالحليم لا يستفزه الذين لا يعلمون ولا يستخفه الذين لا يعقلون وإنما يضبط نفسه عند هيجان الغضب. وهو يبدأ بكظم الغيظ ثم النظر في عواقب الأمور وبوضع الشيء في موضعه مما يدل على صحة العقل وكماله وعلم صاحبه وإرادته القوية التي تبصره في اتخاذ رد الفعل السليم باتباع أيسر الأمور وأرشدها، وقد ينتهى الأمر بالعفو والإحسان (٣) ، ولذلك يقول الله تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (] آل عمران ١٣٤ [. (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقها إلا الذين صبروا وما يلقها إلا ذو حظ عظيم (] فصلت ٣٤، ٣٥ [.
стр. 4785
ويقول الرسول (: ((يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه)) (١) .
ويقول (: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزع من شيء إلا شانه)) (٢) . ويقول (: ((من يحرم الرفق يحرم الخير)) (٣) .
أما عن أسباب الحلم التي تؤدي إلى ضبط النفس، فيقول الماوردي:
"وأسباب الحلم الباعثة على ضبط النفس عشرة:
أحدها: الرحمة للجهال وذلك من خير يوافق رقة ...
والثاني: القدرة على الانتصار وذلك من سعة الصدر وحسن الثقة ...
والثالث: الترفع عن السباب وذلك من شرف النفس وعلو الهمة ...
والرابع: الاستهانة بالمسيء وذلك عن ضرب من الكبر والإعجاب ...
والخامس: الاستحياء من جزاء الجواب وهذا يكون من صيانة النفس وكمال المروءة...
والسادس: التفضل على الساب فهذا يكون من الكرم وحب التألف...
والسابع: استكفاف الساب وقطع السِّباب وهذا يكون من الحزم...
والثامن: الخوف من العقوبة على الجواب وهذا يكون من ضعف النفس وربما أوجبه الرأي واقتضاه الحزم ...
والتاسع: الرعاية ليد سالفة وحرمة لازمة، وهذا يكون من الوفاء وحسن العهد ...
والعاشر: المكر وتوقع الفرص الخفية، وهذا يكون من الدهاء..." (٤) .
والمؤمن الذي يعلم فضل الحلم عند الله، والثواب العظيم الذي أعده الله للحلماء، لابد أن يجد في نفسه اندفاعاً قوياً لاكتساب فضيلة الحلم، والتحلي بها.
وكما رغب الإسلام بالحلم وحث عليه حذّر من الأخلاق المنافية له، والتي منها الغضب، والغضب مناف للحلم، جاء في حديث أبي هريرة (أن رجلاً قال للنبي (: أوصني، قال: ((لا تغضب)) ، فردد ذلك مراراً، فقال: ((لا تغضب)) (٥) .
стр. 4786
وفي حديث عبد الله بن مسعود أن النبي (قال: ((ما تعدون الصُّرعة فيكم؟)) قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، فقال الرسول (: ((ليس بذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب)) (١) .
فبين الرسول (أن الذي يملك نفسه عند الغضب هو القوي وهي تدل على صفة الحلم العظيمة عند هذا الإنسان.
يقول أبو حاتم: "الواجب على العاقل إذا غضب واحتد أن يذكر كثرة حلم الله عنه مع تواتر انتهاكه محارمه وتعديه حرماته، ثم يحلم ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي" (٢) .
فالحلم من صفات رب العالمين، وصف الله به أنبياءه وبعض عباده الصالحين فحري بالمؤمن التحلي به والحرص عليه.
٤ الأمانة
الأمانة لغةً: ضد الخيانة (٣) .
وحقيقتها: أن يعف الإنسان عن أخذ ما ليس له بحق.
وعرفها صاحب البحر المحيط بقوله: "كل ما يؤتمن عليه المرء من أمر ونهي وشأن دين ودنيا، والشرع كله أمانة" (٤) .
والأمانة من الأخلاق الإسلامية العظيمة التي دعا إليها الإسلام، وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تحث على الأمانة والوفاء بالعهود وتدعو كل مؤمن بالله بالمحافظة عليها، قال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ((النساء ٥٨) .
وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (] الأنفال ٢٧ [.
ولا يمتثل بهذا الأمر إلا من كان يعتقد أن الله تعالى يسمع ويبصر ومن ثم تؤثر فيه هذه العقيدة، وتزجره عن الخيانة (إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً (] النساء ٥٨ [.
стр. 4787
وقد بين الله تعالى الجزاء الذي يستحقه المتصف بالأمانة فقال : (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (] المؤمنون ١، ١١ [.
وعلق ابن كثير رحمه الله تعالى على هذه الآية قائلاً: (هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات المذكورة في الآيات هم المفلحون السعيدون) (١) .
فالأمانة فضيلة من الفضائل وخلق اجتماعي لا يستطيع أي مؤمن أن يستغني عنها إن كان يرجو الله واليوم الآخر والثواب العظيم.
فقد قال رسول الله (: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته)) (٢) .
ويتضح معنى الأمانة من خلال قوله : (إنا عرضا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً (] الأحزاب ٧٢ [.
فالأمانة فسّرها ابن عمر بالنية التي يعتقدها الإنسان، فيما يظهره باللسان من الإيمان، ويؤديه من الفرائض في الظاهر (٣) .
وقد ذكر الحافظ ابن كثير أقوال المفسرين في معنى الأمانة في هذه الآية، وذكر منها الفرائض، والطاعة، والدين، والحدود، قال ابن كثير: (وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي) (٤) .
стр. 4788
وقال ابن منظور في اللسان: الأمانة: تقع على الطاعة، والعبادة، والوديعة، والثقة، والأمان. وقال ابن التين: (الأمانة: كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف) (١) .
وعليه فطاعة الله وأداء الفرائض التي شرعها الله للناس أمانة، وبهذا تكون شاملة لجميع التكاليف، والالتزامات الدينية والدنيوية، التي يثاب فاعلها، ويعاقب تاركها.
إنها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم، الضعيف الحول، المحدود العمر، الذي تتناوشه الشهوات، والنزاعات، والميول والأطماع، وتخلت عن حملها السموات والأرض والجبال.
فالأمانة تنتظم الاستقامة في شؤون الحياة كلها، من عقيدة وأدب ومعاملة، وتكافل اجتماعي، وخلق حسن كريم.
والأمانة بهذا المعنى، وهذه الحدود، سر سعادة الأمم، أو شقائها، ويوم كانت أمة الإسلام صادقة في حمل هذه الأمانة والوفاء بها كانت خير أمة أخرجت للناس.
والأمانة بهذا المعنى تشمل الدين كله فعن أنس بن مالك، (قال: ما خطبنا نبي الله (، إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) (٢) .
وعن ابن مسعود (قال: ((إن الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والغسل أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عدوها، وأشد ذلك الودائع)) (٣) .
стр. 4789
فكل ما أوجبه الشرع، وأمر به الإسلام، حفاظاً على مصالح الناس الدينية والدنيوية، من دين وعقل ومال ونفس ونسل، يدخل في معنى الأمانة التي يجب المحافظة عليها.
والأمانة وضع كل شيء في مكانه اللائق به، فلا يسند منصب إلا لصاحبه الحقيق به، فالولايات والأعمال العامة أمانة لدى الولاة، وهذا أمر قدره الإسلام، فقد جاء في حديث أبي ذر (قال: قلت يا رسول الله: ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: ((يا أبا ذر.. إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)) (١) .
لذا نجد أن النبوة التي نالها نبي الله يوسف ﵇ انضاف إليها الحفظ والعلم وقال: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (] يوسف ٥٥ [
وتقتضي الأمانة أن نختار للأعمال الأكفاء، فإذا عدلنا عنهم إلى غيرهم لهوى أو رشوة أو قرابة فقد وقعنا في خيانة، حيث أبعدنا الكفؤ، ومكنا من هو دونه، قال رسول الله (: ((من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين)) (٢) . وقال ﵊: ((من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فأمر عليهم أحداً محاباة، فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، حتى يدخله جهنم)) (٣) .
وقال ﵊: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)) فقال السائل عن قيامها: وكيف إضاعتها؟ قال: ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) (٤) .
стр. 4790
ومن الأمانة حفظ الحواس والمواهب التي أنعم الله بها على الإنسان وخصه بها، وكذلك رعاية الأهل والذرية والمال، إذ هي بمثابة ودائع الله الغالية عند الإنسان، فينبغي أن يسخرها في مرضاة الله.
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (] الأنفال ٢٧، ٢٨ [.
وقال تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً (] الكهف ٤٦ [.
ومن الأمانة حفظ أسرار العلاقات الزوجية، فما يضمه البيت من شؤون العشرة بين الرجل وامرأته، يجب أن يطوى، ولا يطالع عليه أحد مهما كان قريباً إلى أحد الزوجين، لأنه خلاف أدب الإسلام.
تقول أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنها بأنها كانت عند رسول الله (والرجال والنساء قعود عنده، فقال: ((لعل رجلاً يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها)) ، فأرم (١) القوم، فقلت: إي والله، يا رسول الله، إنهم ليفعلون، وإنهن ليفعلن!!! قال: ((فلا تفعلوا، فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانة، فغشيها والناس ينظرون)) (٢) .
وقال رسول الله (: ((إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها)) (٣) .
فالأمانة من مكارم الأخلاق التي يحث عليها الإسلام.
стр. 4791
والأمانة أمر جامع لكل ما كلف به الفرد أو استؤمن عليه، وهي تشمل حقوق عدة، منها حقوق الله تعالى ومنها حقوق العباد.
والأمانة هي صفة المؤمنين المصلين لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذلك يقول تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ... والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (] المؤمنون ١، ٨ [. وقال تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين (إلى قوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (] المعارج ١٩، ٣٢ [.
كما حذرنا الله من الخيانة فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (] الأنفال ٢٧ [، وعن الحث والأمر بأدائها يقول تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها (] النساء ٥٨ [.
ويقول (: ((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)) (١) .
ولذلك فالأمانة تنقسم إلى عدة حقوق واجبة على الإنسان.
منها: حقوق الله تعالى ومنها حقوق العباد.
أما حقوق الله تعالى على العباد فتتمثل في أداء كل ما كلف به العباد من تكاليف وهي العبادات بمعناها الشامل والتي خلق الله الإنسان من أجلها يقول تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ... (] الذاريات ٥٦، ٥٨ [.
стр. 4792
وأما حقوق العباد فتتمثل في حسن معاملتهم وعدم فعل ما يضرهم وينطبق ذلك على أقرباء الفرد بحسب قربهم، وعلى الجيران، وعلى الناس والمجتمع كله، فيؤدي الفرد ما عليه نحو المجتمع من عطاء ووفاء بحيث يرقى بمجتمعه ويحفظ كيانه ومرافقه، ويخلص في عمله، ويكون أميناً في معاملة الناس في أية مهنةٍ يمتهنها أو عمل يقوم به.
ومن الأمانة إخلاص الفرد في عباداته، ومن الأمانة حسن الانتفاع بالوقت خاصة وأننا سوف نسأل عن العمر فيما أفنيناه.
ومن الأمانة إخلاص الفرد في عمله والدارس في درسه، ولذلك ذهب بعض المفسرين أن قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها (] النساء ٥٨ [تضمنت جميع الدين والشريعة وآدابها.
وخيانة الأمانة تشمل الكذب وعدم الوفاء بالوعد، لأنها تجمع كل الخصال السيئة، ومن ثم يصبح خائنها منافقاً كما جاء في الحديث السابق.
فينبغي على كل مؤمن الاتصاف بها والحرص على ذلك حتى يكمل إيمانه ويحسن إسلامه.
٥ الرحمة
الرحمة: هي الرفق والمغفرة والتعطف (١) .
والرحمة كمال في الطبيعة تجعل المرء المؤمن بالله تعالى يشعر بآلام الآخرين، ويسعى لعلاجها فيعرف أخطاءهم ويدعو لهم بالهدى والصلاح. لأن الرحمة خلق من أخلاقه، قال تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (] غافر ٧ [.
أي أن رحمة الله وعلمه وسعت كل شيء حيث إنه يغفر الشرك الذي هو أعظم الذنوب عنده ويعفو عنه إذا تاب منه إلى الله وأناب.
والرحمة صفة كريمة وعاطفة إنسانية نبيلة تبعث على بذل المعروف وإغاثة الملهوف وإعانة المحروم وكف العسف والظلم ومنع التعدي على الضعفاء والمساكين والبغي عليهم (٢) .
стр. 4793
والرحمة صفة من صفات رب العالمين وصف به نفسه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، قال تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة (] الأنعام ٥٤ [، وقال : (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (] الأعراف ١٥٦ [.
وقد جعل إرسال نبينا محمد (رحمة للعالمين، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (، ووصفه بالرحمة فقال: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم (] التوبة ١٢٨ [.
وهي خلق من أخلاق المؤمنين والسلف الصالحين، بها يكمل الإيمان، ويسود الحب والمودة بين الناس، وقد حث عليها رسول الله (في أحاديث كثيرة.
منها قوله (: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا)) (١) .
ولهذا فإن المؤمن يحب الرحمة ويبذلها ويوصي بها ويدعو إليها مصداقاً لقوله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة (] البلد ١٧، ١٨ [.
وقوله (: ((إنه من لا يرحم لا يُرحم)) (٢) .
وقد كان رسول الله (رحيماً عطوفاً. قال أنس بن مالك (: ((ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله ()) (٣) .
وديننا دين الإسلام دين الرحمة، ولذلك نجد النصوص الكثيرة في القرآن والسنة تحث على الرحمة وتوصي بالتحلي بها.
منها: أمر الله للعباد بطلب المغفرة والرحمة من الرحمن الرحيم أرحم الراحمين، يقول تعالى: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (] المؤمنون ١١٨ [.
стр. 4794
ومنها: وصف من يتخطون العقبة يوم القيامة بصفة الرحمة والتواصي بها يقول تعالى: (فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذي آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة (] البلد ١١، ١٨ [.
وقد وردت أحاديث كثيرة تدعو إلى الرحمة وتحث عليها:
منها: حديث جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله (: ((لا يرحم الله من لا يرحم)) (١) .
ومنها حديث عياض (قال: قال رسول الله (: ((... وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربي ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال)) (٢) .
ومنها حديث أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق (يقول: ((لا تنزع الرحمة إلا من شقي)) (٣) .
ومنها حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) (٤) .
ولذلك كان الإصلاح بين الإخوة المؤمنين بدافع الرحمة بهم جالباً لرحمة الله، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (] الحجرات ١٠ [.
стр. 4795
ومن رحمة الرسول (بأمته تطبيقاً لوصف الله له بالرحمة، قوله عن نفسه (: ((إنما أنا رحمة مهداة)) (١) ، وجعل نفسه مثل الوالد لولده، فعن أبي هريرة (قال: قال رسول الله (: ((إنما أنا لكم مثل الوالد لولده)) (٢) .
وعن معاوية بن الحكم السلمي (قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله (إذ عطس رجل من القوم أي المصلين فقلت له: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت لهم: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله (فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، حيث قال ﵊: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن...)) (٣) .
وقد حث الإسلام على معاملة الحيوان بالرفق والرحمة، ونهى عن إيذائه وتعذيبه، ومما ورد في ذلك حديث ابن عمر (أن رسول الله (قال: ((عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)) (٤) .
стр. 4796
وعن أبي هريرة (عن النبي (قال: ((بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له)) ، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: ((في كل ذات كبد رطبة أجرٌ)) (١) .
وعن أنس بن مالك (قال: ((ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)) (٢) .
وعن ابن عمر ﵄ أنه مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله (لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً (٣) .
فالرحمة من الصفات العظيمة التي ندب الله عباده إلى التحلي بها وحثهم عليها فينبغي الاتصاف بها، فبها يحسن الإسلام ويزداد الإيمان.
٦ التواضع
التواضع: التذلل. ويقال: تواضع الرجل: إذا تذلل (٤) ، وقيل: التواضع سلم الشرف، وسئل الفضيل عن التواضع فقال: أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي قبلته، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته، وقال ابن المبارك: رأس التواضع: أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدنيا، حتى تعلمه أنه ليس لك بدنياك عليه فضل (٥) .
والتواضع: تجمل النفس بالخضوع لله تعالى ومنع النفس من الترفع على الناس والاستخفاف بهم وحملها على احترامهم وهو لين الجانب للناس والخشوع وخفض الجناح.
стр. 4797
وهو من الأخلاق الإسلامية الحميدة التي يكتسبها المؤمن من إيمانه بالله ، ولذا وصف الله تعالى عباده الصالحين بالتواضع وخصهم بذلك دون غيرهم فتأثير الإيمان في هؤلاء جعلهم يتميزون عن غيرهم، قال تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً (] الفرقان ٦٣ [.
قال ابن كثير: هذه صفات عباد الرحمن المؤمنين الذين يمشون في الأرض بسكينة ووقار وتواضع دون استكبار وجبرية، وإذا خاطبهم الجاهلون بكلام سيئ سفيه لا يردونهم بمثله بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيراً (١) .
ولذا ينبغي على المؤمن أن لا يفتخر على الآخرين ولا يتكبر عليهم، لأن المتكبر يرى نفسه في مكان لم يصل إليه غيره ويظن أنه أفضل وأحسن من الناس، قال تعالى: (واخفض جناحك للمؤمنين (] الحجر ٨٨ [.
والتواضع يزيد المؤمن عزة وكرامة كما جاء في حديث المصطفى (: ((ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) (٢) .
والكبر لا يأتي إلا من جهل الإنسان بربه الذي خلقه وبنفسه التي بين جنبيه والمتكبر يضع نفسه في مكانة ليست له، فهو ينازع المولى ﵎ في صفة من صفاته، جاء في الحديث القدسي أن الله يقول: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني واحداً منهما قذفته في النار)) (٣) . فالكبر عاقبته الذل والهوان والخسران، والمتكبر عقابه العذاب الأليم، قال تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آيةٍ لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً (] الأعراف ١٤٦ [.
стр. 4798
وقال تعالى: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (] غافر ٧٠ [.
يقول ابن حبان: الواجب على العاقل لزوم التواضع ومجانبة التكبر، ولو لم يكن في التواضع خصلة تحمله إلا أن المرء كلما كثر تواضعه ازداد بذلك رفعة لكان الواجب عليه أن لا يتزيا بغيره، والتواضع تواضعان: أحدهما محمود، والآخر: مذموم، والتواضع المحمود: ترك التطاول على عباد الله والإزراء بهم، والتواضع المذموم: هو تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه.
فالعاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها، ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها (١) .
وفي القرآن الكريم حث على التواضع، بل فيه الأمر الصريح كما قال تعالى مخاطباً رسوله (: (واخفض جناحك للمؤمنين (] الحجر ٨٨ وفي الشعراء يقول تعالى ٠ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (] الآية ٣١٥ [
والخفض في اللغة: نقيض الرفع، وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق والتواضع، والمقصود أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء من الكفار، أمره بالتواضع لفقراء المسلمين. ونظيره قوله تعالى: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين (] المائدة ٥٤ [.
ويمتدح الله رسوله (فيقول: (وإنك لعلى خلق عظيم (] القلم ١٤ [.
ويثني على عباد الرحمن بقوله: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً (] الفرقان ٦٣ [. وقال في جزاء المتواضعين: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين (] القصص ٨٣ [.
وفي ذم الكبر يقول تعالى مخاطباً رسوله (: (ولا تصعِّر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختار فخور (] لقمان ١٨ [.
стр. 4799
وتوعد المتكبرين فقال: (وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم الله عذاباً أليماً (] النساء ١٧٣ [. وقال: (إنه لا يحب المستكبرين (] النحل ٢٣ [. وقال: (فلبئس مثوى المتكبرين ((النحل ٢٩) .
ويقول في شأنهم أيضاً: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرو ن في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (] الأعراف ١٤٦ [.
وفي السنة النبوية دعوة إلى التواضع وحث عليه، فعن عياض بن حمار (قال: قال رسول الله (: ((إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحدٍ ولا يبغي أحد على أحدٍ)) (١) .
وعن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: ((ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ولا تواضع لله أحد إلا رفعه الله)) (٢) . وفي الترغيب في التواضع يقول ﵊: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم)) فقال له أصحابه: وأنت؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)) (٣) .
وقال: ((لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت)) (٤) .
وفي السنة النبوية ذم للكبر ودعوة إلى التنفير منه، قال رسول الله (: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر)) (٥) .
وقال ﵊: ((العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته)) (٦) .
стр. 4800
وقال ﵊: ((بينما رجل يمشي قد أعجبته جمته وبراده؛ إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة)) (١) .
مما تقدم تبين لنا أن التواضع خلق عظيم من أخلاق الإسلام، وقد كان سمة بارزة للرسول (، ولهذا فينبغي للمسلم أن يتواضع في غير مذلة ولا مهانةٍ، بحيث يكون التواضع من أخلاقه المثالية، وصفاته العالية؛ إذ المسلم يتواضع ليرتفع.
وبالتواضع يرفع الإنسان، وبالكبر يخفض، إذ سنة الله جارية في رفع المتواضعين له، ووضع المتكبرين، والمسلم عندما يصغي بأذنه وقلبه إلى مثل هذه الأخبار الصادقة، من كلام الله وكلام رسوله في الثناء على المتواضعين مرة، وفي ذم المتكبرين أخرى، يحرص على ألا يكون من المتكبرين أسوة في ذلك برسول الله (، إذ لابد أن يتواضع الإنسان لعظمة الله وكبريائه، وسيظهر هذا التواضع في كلمته التي ينطق بها، وفي حركته التي يدب بها فوق ظهر الأرض، كما وصف الحق ﵎ عباده فقال: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً (] الفرقان ٦٣ [.
وعن تواضع رسول الله (جاءت الأخبار الصحيحة والآثار الشهيرة، حيث تواترت الأخبار عمن اجتمع معه من أصحابه ﵊ أنه كان يبدأهم بالسلام، وينصرف بكليته إلى محدثه صغيراً كان أو كبيراً، وكان آخر من يسحب يده إذا صافح، وإذا أقبل جلس حيث ينتهي بأصحابه المجلس، وكان يذهب إلى السوق، ويحمل بضاعته، ويقول: أنا أولى بحملها، وشارك في بناء مسجده (، وفي حفر الخندق، وكان يجيب دعوة الحر والعبد والأمة، ويقبل عذر المعتذر، وكان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم في مهنة أهله، ويأكل مع الخادم، ويقضي حاجة الضعيف والبائس، ويجلس على الأرض، وكان متواضعاً في ملبسه ومسكنه (٢) .