ولهذا يبتلى غالب الناس بالقسم الثاني وقد تسمى: المنافسة (١) ، فيتنافس الاثنان في الأمر المحبوب المطلوب، كلاهما يطلب أن يأخذه، وذلك لكراهية أحدهما أن يتفضل عليه الآخر، كما يكره المستبقان كل منهما أن يسبقه الآخر، والتنافس ليس مذموماً مطلقاً، بل هو محمود في الخير. قال تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ((٢) .
فأمر المنافس أن ينافس في هذا النعيم، لا ينافس في نعيم الدنيا الزائل، وهذا موافق لحديث النَّبِيّ ﷺ فإنه نهى عن الحسد إلاَّ فيمن أوتي العلم، فهو يعمل به ويعلمه، ومن أوتي المال، فهو ينفقه. فأما من أوتي علماً ولم يعمل به ولم يعلمه، أو أوتي مالاً ولم ينفقه في طاعة اللَّه فهذا لا يُحسد ولا يُتمنى مثل حاله، فإنه ليس في خير يرغب فيه، بل هو معرض للعذاب ... والنفوس لا تحسد من هو في تعب عظيم، فلهذا لم يذكره ...
стр. 4867
والحسد في الأصل إنما يقع لما يحصل للغير من السؤدد والرياسة، وإلا فالعامل لا يحسد في العادة، ولو كان تنعمه بالأكل والشرب والنكاح أكثر من غيره، بخلاف هذين النوعين فإنهما يُحسدان كثيراً، ولهذا يوجد بين أهل العلم الذين لهم أتباع من الحسد ما لا يوجد فيمن ليس كذلك، وكذلك فيمن له أتباع بسبب إنفاق ماله، فهذا ينفع الناس بقوت القلوب وهذا ينفعهم بقوت الأبدان، والناس كلهم محتاجون إلى ما يصلحهم من هذا وهذا ...
إلى أن قال: وأما الحسد المذموم كله فقد قال تعالى في حق اليهود: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ((١) يودون: أي يتمنون ارتدادكم حسداً، فجعل الحسد هو الموجب لذلك الود من بعد ما تبين لهم الحق، لأنهم لما رأوا أنكم قد حصل لكم من النعمة ما حصل؛ بل ما لم يحصل لهم مثله حسدوكم ...
فالحاسد المبغض للنعمة على من أنعم اللَّه عليه بها ظالم معتدٍ، والكاره لتفضيله المحب لمماثلته منهي عن ذلك إلاَّ فيما يقربه إلى اللَّه، فإذا أحب أن يعطى مثل ما أعطى مما يقربه إلى اللَّه فهذا لا بأس به، وإعراض قلبه عن هذا بحيث لا ينظر إلى حال الغير أفضل.
ثم هذا الحسد إن عمل بموجبه صاحبه كان ظالماً معتدياً مستحقاً للعقوبة إلاَّ أن يتوب، وكان المحسود مظلوماً مأموراً بالصبر والتقوى، فيصبر على أذى الحاسد، ويعفو ويصفح عنه، كما قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ((٢) .
стр. 4868
إلى أن قال ﵀: والمقصود أن " الحسد " مرض من أمراض النفس، وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلاَّ قليل من الناس، ولهذا يقال: ما خلا جسدٌ من حسدٍ، لكن اللئيم يبديه والكريم يخُفيه. وقد قيل للحسن البصري (١) : (أيَحسدُ المؤمن؟ فقال: ما أنساك إخوة يوسف لا أبالك؟ ولكن غمه في صدرك، فإنه لا يضرك ما لم تعد به يداً ولا لساناً) (٢)(٣) .
والحسد المذموم له أسباب كثيرة وقد ذكر جملة منها أبو حامد الغزالي مع شرح هذه الأسباب فقال:
(السبب الأول: العداوة والبغضاء وهذا أشدّ أسباب الحسد.
السبب الثاني: التعزز وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره.
السبب الثالث: الكبر، السبب الرابع: العجب، السبب الخامس: الخوف من فوت المقاصد المحبوبة، السبب السادس: حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه من غير توصل إلى مقصود. السبب السابع: خبث النفس وشحها بالخير لعباد اللَّه تعالى ... ) (٤) .
مرض الشُّحُّ والبخل:
стр. 4869
قال ابن الأثير ﵀: الشُّحُّ: أشد البخل وهو أبلغ في المنع من البخل وقيل هو البخل مع الحرص، وقيل البُخل في أفراد الأمور وآحادها، والشحُّ عام، وقيل البُخل بالمال، والشُّحُّ بالمال والمعروف ... ) (١) .
وقيل: البُخل والبَخَل: لغتان وقرى بهما، والبَخْل والبُخول: ضد الكرم (٢) .
وقيل البخل: هو المنع من مال نفسه، والشح هو بخل الرجل من مال غيره، وقيل: البخل ترك الإيثار عند الحاجة (٣) .
قال شيخ الإسلام ﵀: (والشح مرض، والبخل مرض، والحسد شر من البخل ... وذلك أن البخيل يمنع نفسه، والحسود يكره نعمة اللَّه على عباده، وقد يكون في الرجل إعطاء لمن يعينه على أغراضه، وحسد لنظرائه، وقد يكون فيه بخل بلا حسد لغيره. والشح أصل ذلك.
стр. 4870
وقال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ((١) ، وفي الصحيحين عن النَّبِيّ (أنه قال: " إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا" (٢) .
стр. 4871
وكان عبد الرحمن بن عوف (١) يكثر من الدعاء في طوافه يقول: اللهم! قني شح نفسي، فقال له رجل: ما أكثر ما تدعو بهذا؟ فقال: إذا وقيت شح نفسي وقيت الشح والظلم والقطيعة، والحسد يوجب الظلم.
فالبخل والحسد مرض يوجب بغض النفس لما ينفعها، بل وحبها لما يضرها، ولهذا يُقرن الحسد بالحقد والغضب) (٢) .
وبعد أن تبين لنا أن الشح مرض من أمراض القلوب وأنه أشد البخل لابد أن تعلم أن هناك فرقاً بين الاقتصاد والاعتدال في الإنفاق والشح..
قال ابن القيم ﵀: وأما الفرق بين الاقتصاد والشحّ، فإن الاقتصاد خُلُق محمودٌ، يتولّد من خُلُقين: عدل وحكمة، فبالعدل يعتدل في المنع والبذل، وبالحكمة يضع كل واحد منهما موضعه الذي يليق به، فيتولّد من بينهما الاقتصاد وهو وسط بين طرفين مذمومين كما قال الله تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ((٣) .
وأما الشح فهو خلق ذميم يتولد من سوء الظن وضعف النفس، ويمدّه وعد الشيطان حتى يصيره لمعتاد الهلع، والهلع شدّة الحرص على الشيء والشره به فتولد عنه المنع لبذله والجزع لفقده كما قال تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ((٤)(٥) .
стр. 4872
مرض الشهوة والعشق:
الشّهوة: شَهِي الشيء وشَهاهُ يَشْهاه شَهْوَةً واشتهاه وتَشَهّاهُ: أحبَّه ورَغِب فيه (١) ، وقيل: الشَّهوةُ: اشتياق النفس إلى الشيء والجمع شهواتِ (٢) .
والعِشْقُ: فرط الحب، وقيل: هو عجب المحب بالمحبوب يكون في عَفافِ الحبّ ودعارته. وقيل: العَشَقُ والعَسَقُ بالشين والسين المهملة: اللزوم للشيء لا يفارقه، وقيل: (العِشْقُ الإغرام بالنساء، والعشق الإفراد بالمحبة) (٣) .
قال شيخ الإسلام ﵀: (وأما مرض الشهوة والعشق فهو حب النفس لما يضرها، وقد يقترن به بغضها لما ينفعها، والعشق مرض نفساني، وإذا قوى أثَّر في البدن فصار مرضاً في الجسم، إما من أمراض الدماغ كالماليخوليا؛ ولهذا قيل فيه: هو مرض وسواسي (٤) شبيه بالماليخوليا، وأما من أمراض البدن كالضعف والنُّحول ونحو ذلك.
والمقصود هنا " مرض القلب " فإنه أصل محبة النفس لما يضرها كالمريض البدن الذي يشتهي ما يضره، وإذا لم يُطعَم ذلك تألم، وإن أُطعم ذلك قوى به المرض وزاد.
كذلك العاشق يضره اتصاله بالمعشوق مشاهدة وملامسة وسماعاً، بل ويضره التفكر فيه والتخيل له وهو يشتهي ذلك، فإن منع من مشتهاه تألم وتعذب، وإن أعطي مشتهاه قوي مرضه، وكان سبباً لزيادة الألم..
والناس في العشق على قولين:
قيل أنه من باب الإرادات، وهذا هو المشهور.
وقيل: من باب التصورات، وإنه فساد في التخييل، حيث يتصور المعشوق على ما هو به، قال هؤلاء: ولهذا لا يوصف اللَّه بالعشق، ولا أنه يعشق؛ لأنه منزه عن ذلك، ولا يحمد من تخيل فيه خيالاً فاسداً.
وأما الأولون، فمنهم من قال: يوصف بالعشق فإنه المحبة التامة واللَّه يُحِب ويحب ...
стр. 4873
والجمهور لا يطلقون هذا اللفظ في حق اللَّه؛ لأن العشق هو المحبة المفرطة الزائدة على الحد الذي ينبغي، واللَّه تعالى محبته لا نهاية لها فليست تنتهي إلى حد لا تنبغي مجاوزته.
قال هؤلاء: والعشق مذموم مطلقاً لا يمدح لا في محبة الخالق ولا المخلوق لأنه المحبة المفرطة الزائدة على الحد المحمود و (أيضاً) فإن لفظ (العشق) إنما يستعمل في العرف في محبة الإنسان لامرأة أو صبي، لا يستعمل في محبة كمحبة الأهل والمال والوطن والجاه، ومحبة الأنبياء والصالحين، وهو مقرون كثيراً بالفعل المحرم: إما بمحبة امرأة أجنبية أو صبي، يقترن به النظر المحرم، واللمس المحرم، وغير ذلك من الأفعال المحرمة ...
إلى أن قال ﵀: فكيف عشق الأجنبية والذكران من العالمين؟!! ففيه من الفساد ما لا يحصيه إلاَّ رب العباد وهو من الأمراض التي تُفسد دين صاحبها وعرضه، ثم قد تفسد عقله ثم جسمه. قال تعالى: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ((١)(٢) .
وقال ابن القيم ﵀ في تعريف العشق: (هو الإفراط في المحبة، بحيث يستولي المعشوق على القلب من العاشق، حتى لا يخلو من تخيله وذكره والتفكر فيه، بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه، فعند ذلك تشتغل النفس بالخواطر النفسانية فتتعطل تلك القوى، فيحدث بتعطيلها من الآفات على البدن والروح ما يعسر دواؤه ويعتذر، أفعاله وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك فيعجز البشر عن صلاحه ... والعشق مبادئه سهلة حلوة، وأوسطه هم وشغل قلب وسقم، وآخره عطب وقتل، إن لم تتداركه عناية من اللَّه) (٣) .
стр. 4874
وقال ابن القيم ﵀ في موضع آخر: (فصل في هديه (في علاج العشق هذا مرض من أمراض القلب مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه وإذا تمكن واستحكم عز على الأطباء دواؤه وأعي العليل داؤه وإنما حكاه اللَّه سبحانه في كتابه عن طائفتين من الناس من النساء وعشاق الصبيان المردان فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف وحكاه عن قوم لوط ... ) (١) .
وقد بين ابن القيم ﵀ أن الفتن التي تعرض على القلوب من أسباب مرضها فقال: (والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل. فالأولى توجب فساد القصد والإرادة والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد) (٢) .
وقال شيخ الإسلام ﵀: (كذلك مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال وهي الأهواء التي قال اللَّه فيها: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ((٣) ... فكذلك بنو آدم هم جهال ظلموا أنفسهم: يستعجل أحدهم ما ترغبه لذته وبترك ما تكرهه نفسه مما هو لا يصلح له، فيعقبهم ذلك من الألم والعقوبات إما في الدنيا وإما في الآخرة ما فيه عظم العذاب والهلاك الأعظم ((٤) .
وفي ختام هذا المبحث أذكر بعضاً من علامات مرض القلب لعلها تكون سبباً إن شاء اللَّه في الابتعاد عن هذه الأمراض.
стр. 4875
قال ابن القيم ﵀: (كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به كماله في حصول ذلك الفعل منه، ومرضه: أن يتعذر عليه الفعل الذي خلق له، حتى لا يصدر منه، أو يصدر مع نوع من الاضطراب ... ومرض القلب: أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة اللَّه ومحبته والشوق إلى لقائه، والإنابة إليه، وإيثار ذلك على كل شهوة، فلو عرف العبد كل شيء ولم يعرف ربه، فكأنه لم يعرف شيئاً، ولو نال كل حظ من حظوظ الدنيا ولذاتها وشهواتها ولم يظفر بمحبة اللَّه، والشوق إليه، والأنس به؛ فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين، بل إذا كان القلب خالياً عن ذلك عادت تلك الحظوظ واللذات عذاباً له ولابد، فيصير معذباً بنفس ما كان منعماً به من جهتين: من جهة حسرة فَوْته، وأنه حيل بينه وبينه، مع شدة تعلق روحه به، ومن جهة فَوْت ما هو خير له وأنفع وأدوم، حيث لم يحصل له، فالمحبوب الحاصل فات، والمحبوب الأعظم لم يظفر به، وكل من عرف اللَّه أحبه، وأخلص العبادة له ولابد، ولم يؤثر عليه شيئاً من المحبوبات، فمن آثر عليه شيئاً من المحبوبات فقلبه مريض، كما أن المعدة إذا اعتادت أكل الخبيث وآثرته على الطيب سقطت عنها شهوة الطيب، وتعوّضت بمحبة غيره. وقد يمرض القلب ويشتد مرضه، ولا يعرف به صاحبه، لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك انه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة؛ فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته..
إلى أن قال ﵀: والمقصود: أن من علامات أمراض القلوب عدولها عن الأغذية النافعة الموافقة لها إلى الأغذية الضارة، وعدولها عن دوائها، النافع إلى دائها الضار، فهنا أربعة أمور: غذاء نافع، ودواء شاف، وغذاء ضار، ودواء مهلك.
فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي، والقلب المريض بضد ذلك.
стр. 4876
وأنفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء..) (١) .
المبحث الثاني: انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية
بعد أن عرفنا في المبحث الأول بعضاً من أمراض القلوب سواء أمراض الشبهات أو أمراض الشهوات لابد أن نعرف دواءها؛ لأن اللَّه ما أنزل من داءٍ إلاَّ له دواء، فعن أبي هريرة ﵁، أن النَّبِيّ (قال: " ما أنزل اللَّه داءً إلاَّ أنزل له شِفاءٍ" (٢) .
وسأذكر بعضاً من أدوية أمراض القلوب التي ذكرها شيخ الإسلام وابن القيم لعل اللَّه أن يعافي قلوبنا من كل داء، ونعوذ باللَّه من منكرات الأخلاق والأهواء.
١ - القرآن الكريم:
قال شيخ الإسلام ﵀: (والقرآن شفاء لما في الصدور ومن في قلبه أمراض الشبهات والشهوات ففيه من البينات ما يزيل الحق من الباطل، فيزيل أمراض الشبهة المفسدة للعلم والتصور والإدراك بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة ما يوجب صلاح القلب، فيرغبُ القلب فيما ينفعه ويرغب عما يضره، فيبقى القلب محباً للرشاد، مبغضاً للغي، بعد أن كان مريداً للغي، مبغضاً للرشاد، فالقرآن مزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة، حتى يصلح القلب فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فُطر عليها، كما يعود البدن إلى الحال الطبيعي، ويغتذي القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويؤيده كما يغتذي البدن بما يُنَمّيه ويقومه، فإن زكاة القلب مثل نماء البدن) (٣) .
стр. 4877
وقال ابن القيم ﵀ لما ذكر حديث أبي هريرة السابق: (وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها، وقد جعل النَّبِيّ (الجهل داء، وجعل دواءه سؤال العلماء.. وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء فقال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْءَايَاتُهُءَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَءَامَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ((١) ، وقال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ((٢) و " من " هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، فإن القرآن كله شفاء كما قال في الآية المتقدمة، فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب، فلم ينزل اللَّه سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن ...
ولكن ههنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها، هي في نفسها، وإن كانت نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحل وقوة همة الفاعل وتأثيره، فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل أو لمانع قوي فيه، يمنع أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول. فكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة في إزالة الداء ... ) (٣) .
стр. 4878
وقال في موضع آخر: (وقد تقدم أن جماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات. والقرآن شفاء للنوعين. ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل، فتزول أمراض الشُّبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية: من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوّات، ورد النِّحَل الباطلة والآراء الفاسدة، مثل القرآن. فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على أتمّ الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بياناً. فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك؛ ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه. فمن رزقه اللَّه تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عياناً بقلبه، كما يرى الليل والنهار، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم: بين علوم لا ثقة بها، وإنما هي آراء وتقليد، وبين ظنون كاذبة لا تغني عن الحق شيئاً، وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها؛ وبين علوم صحيحة قد وعّروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها، مع قلة نفعها.
стр. 4879
إلى أن قال: وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده، ويرغب عما يضره، فيصير القلب محباً للرشد، مبغضاً للغي. فالقرآن مزيل للأمراض الموجهة للإرادات الفاسدة، فيصلح القلب، فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها، فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي، فيصير بحيث لا يقبل إلاَّ الحق، كما أن الطفل لا يقبل إلاَّ اللبن، فيتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه ويؤيده ويفرحه، ويسره وينشطه ... ) (١) .
٢ - ومن أدوية أمراض القلوب:
الإيمان وأوراد الطاعات، واجتناب الآثام والمعاصي وأنواع المخالفات.
قال شيخ الإسلام ﵀: (وهكذا أمراض الأبدان: فإن الصحة تحفظ بالمثل، والمرض يدفع بالضد، فصحة القلب بالإيمان تحفظ بالمثل، وهو ما يورث القلب إيماناً من العلم النافع والعمل الصالح، فتلك أغذية له ... ويضم إلى ذلك الاستغفار؛ فإنه من استغفر اللَّه ثم تاب إليه متعه متاعاً حسناً إلى أجل مسمى.
وليتخذ وِرداً من "الأذكار" في النهار، ووقت النوم، وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف، فإنه لا يلبث أن يؤيده اللَّه بروح منه، ويكتب الإيمان في قلبه.
стр. 4880
وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس باطنة وظاهرة فإنها عمود الدين، وليكن هجيراه (١) " لا حول ولا قوة إلاَّ باللَّه " فإنها بها تُحمل الأثقال وتُكابَد الأهوال وينال رفيع الأحوال.
ولا يسأم من الدعاء والطلب، فإن العبد يُستجاب له ما لم يعجل (٢) . فيقول: قد دعوتُ ودعوتُ فلم يُستجب لي، وليعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً، ولم ينل أحد شيئاً من ختم الخير نبي فمن دونه إلاَّ بالصبر) (٣) .
стр. 4881
وقال شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر: (وكما أن الواجب الاحتماء عن سبب المرض قبل حصوله، وإزالته بعد حصوله، فهكذا أمراض يحتاج فيها إلى حفظ الصحة ابتداء وإلى إعادتها - بأن عرض له المرض دواماً، والصحة تحفظ بالمثل، والمرض يزول بالضد، فصحة القلب تحفظ باستعمال أمثال ما فيها، أو هو ما يقوي العلم والإيمان من الذكر والتفكر والعبادات المشروعة، وتزول بالضد، فتزال الشبهات بالبينات، وتزال محبة الباطل ببغضه ومحبة الحق ... إلى أن قال: فهذه الأمراض إذا كان معها إيمان وتقوى كانت كما قال النَّبِيّ (: " لا يقضي اللَّه للمؤمن قضاء إلاَّ كان خيراً له أن إصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له" (١)) (٢) .
وقال ابن القيم ﵀: (فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته، وهو الإيمان وأوراد الطاعات، وإلى حمية عن المؤذى الضار، وذلك باجتناب الآثام والمعاصي، وأنواع المخالفات؛ وإلى استفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح، واستغفار غافر الخطيئات ...
إلى أن قال ﵀: والصحة تحفظ بالمثل والشبه، والمرض يدفع بالضد والخلاف، وهو يقوى بمثل سببه، ويزول بضده، والصحة تحفظ بمثل سببها وتضعف أو تزول بضده.
стр. 4882
ولما كان البدن المريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح: من يسير الحر، والبرد، والحركة، ونحو ذلك، فكذلك القلب إذا كان فيه مرض آذاه أدنى شيء: من الشبهة أو الشهوة، حيث لا يقوى على دفعهما إذا وردا عليه، والقلب الصحيح القوي يطرقه أضعاف ذلك وهو يدفعه بقوته وصحته.
وبالجملة فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه وضعفت قوته وترامى إلى التلف، مالم يتدارك ذلك بأن يحصل له ما يقوى قوته ويزيل مرضه) (١) .
وأمراض القلوب التي تقدم ذكر بعضها في المبحث الأول كمرض الجهل ومرض الشهوات ومرض الشبهات، وأمراض الهمّ والغمّ والغيط والجهل والشك كل هذه الأمراض وغيرها من أمراض القلوب لها أدوية طبيعية وشرعية.
قال ابن القيم ﵀: مرض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه في الحال؛ وهو النوع المتقدم، كمرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات. وهذا النوع هو أعظم النوعين ألماً، ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم، ولأن سكرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم، وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له، وهو متوارٍ عنه باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين وأصعبهما، وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم أطباء هذا المرض.
والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال، كالهمّ والغمّ والحَزَنِ والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب؛ وما يدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن ويشقى بما يشقى به البدن، فكذلك البدن يتألم كثيراً بما يتألم به القلب، ويشقيه ما يشقيه.
стр. 4883
فأمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن، وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت، وأما أمراضه التي لا تزول إلاَّ بالأدوية الإيمانية النبوية فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم، إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء، ولهذا يقال " شفى غيظه " فإذا استولى عليه عدوه آلمه ذلك، فإذا انتصف منه اشتفى قلبه، قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ((١) فأمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ست فوائد.
فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه في شفاء غيظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضاً من حيث ظن أنه يشفيه، وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق، فإن ذلك يزيد مرضه، ويوجب له أمراضاً أُخر أصعب من مرض العشق، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى، وكذلك الغمّ والهم والحزن أمراض للقلب، وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرىء من مرضه، وإن كان بباطل توارَى ذلك واستتر، ولم يزل، وأعقب أمراضاً هي أصعب وأخطر.
وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب، فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضاً إلى مرضه؛ لكن اشتغل القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة، التي هي شرط في صحته وبُرْئه ...
وكذلك الشاك في الشيء المرتاب فيه، يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين، ولما كان ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره وحصل له بَرْد اليقين ...
стр. 4884
والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية، ومنها ما لا يزول إلاَّ بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن) (١) .
٣ - ومن الأدوية الناجحة لعلاج مرض الحسد وغيره التقوى والصبر.
قال شيخ الإسلام ﵀: (فمن وجد في نفسه حسداً لغيره فعليه أن يستعمل معه التقوى والصبر، فيكره ذلك من نفسه، وكثير من الناس الذين عندهم دين لا يعتدون على المحسود، فلا يعينون من ظلمه، ولكنهم أيضاً لا يقومون بما يجب من حقه، بل إذا ذمه أحد لم يوافقوه على ذمه ولا يذكرون محامده، وكذلك لو مدحه أحسد لسكتوا، وهؤلاء مدينون في ترك المأمور في حقه مفرطون في ذلك؛ لا معتدون عليه، وجزاؤهم أنهم يبخسون حقوقهم فلا ينصفون أيضاً في مواضع، ولا ينصرون على من ظلمهم كما لم ينصروا هذا المحسود، وأما من اعتدى بقول أو فعل فذلك يعاقب ومن أتقى وصبر فلم يدخل في الظالمين نفعه اللَّه بتقواه ... ) (٢) .
وقال ابن القيم ﵀: (وجمع سبحانه بين الصبر واليقين (٣) إذ هما سعادة العبد، وفَقدُهما يُفقِده سعادته، فإن القلب تطرقه طوارق الشهوات المخالفة لأمر اللَّه، وطوارق الشبهات المخالفة لخبره فبالصبر يَدفعُ الشهوات، وباليقين يدفع الشبهات (٤) ، فإن الشهوة والشبهة مُضادّتان للدّين من كل وجهٍ، فلا ينجو من عذاب اللَّه إلاَّ من دفع شهواته بالصبر وشبهاته باليقين ... ) (٥) .
٤ - ومن أدوية أمراض القلوب كمرض العشق وغيره إخلاص الدين لله وحده لا شريك له ومحبته سبحانه وحده والخوف منه.
стр. 4885
قال شيخ الإسلام ﵀: والرسل صلى اللَّه عليهم وسلم بُعثوا لتقرير الفطرة وتكميلها لا لتغيير الفطرة وتحويلها، وإذا كان القلب محباً لله وحده مخلصاً له الدين لم يُبْتَل بحب غيره [أصلاً] ، فضلاً أن يُبتلى بالعشق وحيث ابتلي بالعشق فلنقص محبته لله وحده. ولهذا لما كان يوسف محباً لله مخلصاً له الدين لم يُبتل بذلك، بل قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ((١) . وأما امرأة العزيز فكانت مشركة هي وقومها، فلهذا ابتليت بالعشق، وما يبتلي بالعشق أحد إلاَّ لنقص توحيده وإيمانه، وإلا فالقلب المنيب إلى اللَّه الخائف منه فيه صارفان يصرفانه عن العشق:
(أحدهما) : إنابته إلى اللَّه، ومحبته له، فإن ذلك ألذ وأطيب من كل شيء، فلا تبقى مع اللَّه محبة مخلوق تزاحمه.
و (الثاني) : خوفه من اللَّه، فإن الخوف المضاد للعشق يصرفه، وكل من أحب شيئاً بعشق أو غير عشق فإنه يُصرف عن محبته بمحبة ما هو أحب إليه منه، إذا كان يزاحمه، وينصرف عن محبته بخوف حصول ضرر يكون أبغض إليه من ترك ذاك الحب، فإذا كان اللَّه أحب إلى العبد من كل شيء، وأخوف عنده من كل شيء، لم يحصل معه عشق ولا مزاحمة إلاَّ عند غفلة أو عند ضعف هذا الحب والخوف، بترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات، فإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فكلما فعل العبد الطاعة محبة للَّه وخوفاً منه وترك المعصية حباً له وخوفاً منه قوي حبه له وخوفه منه، فيزيل ما في القلب من محبة غيره ومخافة غيره) (٢) .
стр. 4886
وبين ابن القيم ﵀ أن عشق الصور إنما يبتلى به القلوب الفارغة من حب اللَّه والإخلاص له، وأن الإخلاص له سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء فقال: (وهذا إنما تبتلى به القلوب الفارغة من حب اللَّه والإخلاص له، فإن القلب لابد له من التعلق بمحبوب. فمن لم يكن اللَّه وحده محبوبه وإلهه ومعبوده فلابد أن يتعبد قلبه لغيره. قال تعالى عن يوسف الصديق ﵇: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ((١) فامرأة العزيز لما كانت مشركة وقعت فيما وقعت فيه، مع كونها ذات زوج، ويوسف ﵇ لما كان مخلصاً لله تعالى نجا من ذلك مع كونه شاباً عزباً غريباً مملوكاً) (٢) .
ولابن القيم ﵀ أيضاً كلامٌ طويلٌ في علاج داء العشق أذكر بعضاً منه حيث قال: (والكلام في دواء هذا الداء من طريقين أحدهما: حسم مادته قبل حصولها، والثاني: قلعها بعد نزولها، وكلاهما يسير على من يسره اللَّه عليه، ومتعذر على من لم يعنه اللَّه، فإن أزمة الأمور بيديه.
стр. 4887
وأما الطريق المانع من حصول هذا الداء، فأمران: أحدهما: غض البصر كما تقدم، فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته، الثاني: اشتغال القلب بما يبعده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه ... إلى أن قال: وإذا عرفت هذه المقدمة فلا يمكن أن يجتمع في القلب حب المحبوب الأعلى وعشق الصور أبداً، بل هما ضدان لا يجتمعان، بل لابد أن يخرج أحدهما صاحبه، فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها صرفه ذلك عن محبة ما سواه، وإن أحبه لم يحبه إلاَّ لأجله، أو لكونه وسيلة إلى محبته، أو قاطعاً له عما يضاد محبته وينقصها، والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب وأن لا يشرك بينه وبين غيره في محبته، وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يشرك معه محبة غيره، ويمقته لذلك، ويبعده ولا يحظيه بقربه، ويعده كاذباً في دعوى محبته، مع أنه ليس أهلاً لصرف كل قوة المحبة إليه فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تبتغى المحبة إلاَّ له وحده، وكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال؟ ولهذا لا يغفر اللَّه سبحانه أن يشرك به في هذه المحبة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ... ) (١) .
٥ - ومن أدوية أمراض القلوب اليأس من حصول المطلوب من عشق أو شهوة أو غيرها.
стр. 4888
قال شيخ الإسلام ﵀: (ومن في قلبه مرض الشهوة وإرادة الصورة متى خضع المطلوب طمع المريض، والطمع الذي يقوي الإرادة والطلب، ويقوي المرض بذلك، بخلاف ما إذا كان آيساً من المطلوب، فإن اليأس يزيل الطمع فتضعف الإرادة فيضعف الحب، فإن الإنسان لا يريد أن يطلب ما هو آيس منه، فلا يكون مع الإرادة عمل أصلاً، بل يكون حديث نفسٍ إلاَّ أن يقترن بذلك كلام أو نظر ونحو ذلك فيأثم بذلك ... ) (١) .
٦ - ومن أدوية أمراض القلوب:
دوام الاستعانة باللَّه تعالى والتعرض لأسباب مرضاته والتجاء القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته. قال ابن القيم ﵀: (ولما علم عدو اللَّه إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه، أجلب عليه بالوساوس وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزين له من الأحوال والأعمال ما يصده به عن الطريق وأمدّه من أسباب الغَيّ بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما أن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلاَّ بدوام الاستعانة باللَّه تعالى، والتعرض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته، والتحقق بذل العبودية الذي هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول في ضمان (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ((٢) ، فهذه الإضافة هي القاطعة بين العبد وبين الشياطين، وحصولها سبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين، وإشعار القلب إخلاص العمل ودوام اليقين، فإذا أشرب القلب العبودية والإخلاص صار عند اللَّه من المقربين وشمله استثناء (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ((٣)(٤) .
стр. 4889
٧ - ومن أدوية أمراض القلوب: الاستعاذة باللَّه من الشيطان عند قراءة القرآن. قال ابن القيم ﵀: (فأمر سبحانه بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن وفي ذلك وجوه منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور يُذْهِب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أمَرَّه فيها الشيطان، فأمر أن يطرد مادة الداء ويُخلى منه القلب ليصادف الدواء محلا خالياً، فيتمكن منه ويؤثر فيه ... فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب قد خلا من مزاحم ومُضادّ له فينجع فيه.
ومنها أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أن الماء مادة النبات والشيطان نار يحرق النبات أولاً فأولاً، فكلما أحس بنبات الخير من القلب سعى في إفساده وإحراقه، فأمر أن يستعيذ باللَّه منه لئلا يفسد عليه ما يحصل له بالقرآن والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله، أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفي الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها ... ) (١) .
وأمَّا قسوة القلب فقد ذكر القرطبي ﵀ لعلاجه عدة أمور فقال:
(قال العلماء رحمة اللَّه عليهم: ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور وخاصة إن كانت قاسية فعلى أصحابها أن يعالجوها بثلاثة أمور:
أحدها: الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ والتذكر، والتخويف والترغيب، وأخبار الصالحين. فإن ذلك مما يلين القلوب وينجع فيها.
الثاني: ذكر الموت، فيكثر من ذكر هادم اللذات ومفرِّق الجماعات ومُيَتِّم البنين والبنات.
قال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا ويهون المصائب فيها.
стр. 4890
الثالث: مشاهدة المحتضرين، فإنّ في النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته، ونزعاته، وتأمل صورته بعد مماته، ما يقطع عن النفوس لذاتها، ويطرد عن القلوب مسراتها، ويمنع الأجفان من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعث على العمل، ويزيد في الاجتهاد والتعب.
فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبُهُ، ولزمه ذنبُهُ، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وإغوائه، فإن انتفع بها فذاك، وإن عظم عليه ران القلب واستحكمت فيه دواعي الذنب، فزيارة قبور الموتى تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول، والثاني والثالث ... ) (١) .
الفصل الرابع:آثار الذنوب والمعاصي على القلوب
للمعاصي والذنوب من الآثار القبيحة المذمومة، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلاَّ اللَّه (٢) .
قال ابن القيم ﵀: (فمما ينبغي أن يعلم: أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا شك أن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلاَّ سببه الذنوب والمعاصي ... ) (٣) .
стр. 4891
ثم ذكر ﵀ كلاماً جيداً في آثار المعاصي والذنوب على القلوب أذكر بعضاً من هذه الآثار لعل اللَّه أن ينفع بالتدبر بها قلوبنا إنه على كل شيء قدير، حيث قال: (وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلاَّ الله.
١ - فمنها (أي من آثار الذنوب والمعاصي على القلب) حرمان العلم. فإن العلم نور يقذفه اللَّه في القلب، والمعصية تطفىء ذلك النور، ولما جلس الإمام الشافعي (١) بين يدي مالك (٢) ، وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إني أرى اللَّه قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بظلمة المعصية ... ) (٣) .
واللَّه ﵎ وعد عباده المتقين البعيدين عن المعاصي بوفرة العلم فقال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ((٤) .
٢ - ومنها: (وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين اللَّه لا يوازنها ولا يقارنها لذة ترك الذنوب إلاَّ حذراً من وقوع تلك الوحشة، لكان العاقل حرياً بتركها ... وليس على القلب أمر من وحشة الذنب على الذنب، فاللَّه المستعان) (٥) .
стр. 4892
قال تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ((١) .
٣ - (ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا أدلهم فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته، حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده، وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين ثم تقوى حتى تعلو الوجه، وتصير سواداً في الوجه حتى يراه كل أحد.
قال عبد اللَّه بن عباس (٢) : " إن للحسنة ضياء في الوجه ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القبر والقلب ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق " (٣) .
وقد أوضح اللَّه في كتابه هذه الظلمة قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ((٤) .
стр. 4893
٤ - ومنها: (أن المعاصي توهن القلب والبدن، أما وهنها للقلب: فأمر ظاهر، بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية.
وأما وهنها للبدن: فإن المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوى قلبه قوى بدنه، وأما الفاجر فإنه - وإن كن قوي البدن - فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم) (١) .
٥ - ومنها: (وهو من أخوفها على العبد - أنها تضعف القلب عن إرادته، فتقوى فيه إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً، إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى اللَّه، فيأتي بالاستغفار وتوبة الكذابين باللسان لشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية مصر عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنه، وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك) (٢) .
٦ - ومنها: (أنه ينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادة، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه، وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التفكه وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدث بها من لم يكن يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان عملت كذا وكذا، وهذا الضرب من الناس لا يتعافون، وتسد عليهم طريق التوبة وتغلق عنهم أبوابها في الغالب ... ) (٣) .
стр. 4894
٧ - ومنها: (أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها، فكان من الغافلين، كما قال بعض السلف (١) في قوله تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ((٢) قال: هو الذنب بعد الذنب (٣) ، وقال الحسن (٤) : هو الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب (٥) ، وقال غيره (٦) : لما كثر ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم (٧)) (٨) .
ثم بيّن ابن القيم ﵀ عقوبات الذنوب والمعاصي وسأذكر منها ما يختص بالقلب، حيث قال ﵀:
(١) (ومن عقوباتها: أنها تطفىء من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن، فإن الغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة، كما يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديد، وأشرف الناس وأعلاهم قدراً وهمة أشدهم غيرة على نفسه وخاصته وعموم الناس، ولهذا كان النَّبِيّ (أغير الخلق على الأمة، واللَّه سبحانه أشد غيرة منه، كما ثبت في الصحيح عنه (أنه قال: " أتعجبون من غيرة سعدٍ؟ لأنا أغير منه واللَّه أغير منيّ" (٩) ....
стр. 4895
إلى أن قال ﵀: والمقصود: أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جداً حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره، وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك، وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح، بل يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينه له، ويدعوه إليه ويحثه عليه، ويسعى له في تحصيله، فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة يميت القلب فتموت له الجوارح، فلا يبقى عندها دفع البتة، ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلاً، ولم يجد دافعاً، فتمكن منها الهلاك) (١) .
(٢) ومن عقوباتها: (ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابه كل خير بأجمعه ... ) (٢) .
(٣) ومن عقوباتها (أنها تضعف القلب من تعظيم الرب ﷻ ، وتضعف وقاره في قلب العبد ولابد، شاء أم أبى، ولو تمكن وقار اللَّه وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه، وربما اغتر المغتر وقال: إنما يحملني على المعاصي حسن الرجاء، وطمعي في عفوه، لأضعف عظمته في قلبي، وهذا من مغالطة النفس، فإن عظمة اللَّه تعالى وجلاله في قلب العبد يقتضي تعظيم حرماته وتعظيم حرماته يحول بينه وبين الذنوب والمتجرئون على معاصيه ما قدروه حق قدره ... ) (٣) .
(٤) ومن عقوباتها: أنها تضعف سير القلب إلى اللَّه والدار الآخرة، وتعوقه وتوقفه وتعطفه عن السير، فلا تدعه يخطو إلى اللَّه خطوة، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه.
стр. 4896
فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر وينكس الطالب، والقلب إنما يسير إلى اللَّه بقوته فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره. فإن زالت بالكلية انقطع عن اللَّه انقطاعاً يبعد تداركه، فاللَّه المستعان.
فالذنب إما أن يميت القلب، أو يمرضه مرضاً مخوفاً، أو يضعف قوته ولابد، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ النَّبِيّ (منها وهي: " الهم، والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال " (١) ... ) (٢) .
(٥) (ومن عقوباتها: ما يلقيه اللَّه سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلاَّ خائفاً مرعوبا، فإن الطاعة حصن اللَّه الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب، فمن أطاع اللَّه انقلبت المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف، فلا تجد العاصي إلاَّ وقلبه كأنه بين جناحي طائر، إن حركت الريح الباب قال: جاء الطلب، وإن سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيراً بالعطب، يحسب كل صيحة عليه وكل مكروه قاصداً إليه، فمن خاف اللَّه آمنه من كل شيء، ومن لم يخف اللَّه أخافه من كل شيء) (٣) .
стр. 4897
(٦) (ومن عقوباتها: أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشاً، وقد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة وأمر العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش المستأنسين، فلو نظر العاقل ووازن بين لذة المعصية وما تولده فيه من الخوف والوحشة لعلم سوء حاله وعظيم غبنه، إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف ... ) (١) .
(٧) (ومن عقوباتها: أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضاً معلولا لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب وأداؤها ولا دواء إلاَّ تركها، وقد أجمع السائرون إلى اللَّه على أن القلوب لا تعطى مناها حتى تصل إلى مولاها ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها، فيصير نفس دوائها، ولا يصح لها ذلك إلاَّ بمخالفة هواها، وهواها مرضها، وشفاؤها مخالفته، فإن استحكم المرض قتل أوكاد) (٢) .
(٨) (ومن عقوباتها: أن العاصي دائماً في أسر شيطانه وسجن شهواته، وقيود هواه ... إلى أن قال: فكيف يسير إلى اللَّه والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟ وإذا تقيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده، ومثل القلب مثل الطائر، كلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل احتوشته الآفات ... إلى أن قال ﵀:
стр. 4898
وأصل هذا كله: أن القلب كلما كان أبعد من اللَّه كانت الآفات إليه أسرع، وكلما كان أقرب من اللَّه بعدت عنه الآفات، والبعد من اللَّه مراتب، بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن اللَّه، وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية، وبعد النفاق، والشرك أعظم من ذلك كله) (١) .
(٩) ومن عقوبات الذنوب والمعاصي على القلب أنه قد يخونه قلبه ولسانه إذا وقع في شدة أو كربة أو عند الاحتضار والانتقال إلى اللَّه تعالى.
قال ابن القيم ﵀: (والمقصود: أن العبد العاصي إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على اللَّه تعالى والإنابة إليه، والحمية عليه، والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، فلا ينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر فيه الذكر، ولا ينحبس اللسان والقلب على المذكور بل إن ذكر أو دعا بقلب غافل لاه ساه، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه، وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي ...
هذا، وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى وأمر، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى اللَّه تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد الناس كثيراً من المحتضرين من أصابهم ذلك، ... ثم ذكر ﵀ قصصاً كثيرة في المحتضرين بعضهم يهذي بالغناء وبعضهم بالكفر وبعضهم بالمال إلى أن قال ﵀: فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل اللَّه سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه، وكان أمره فرطاً؟ فبعيد من قلبه بعيد من اللَّه تعالى غافل عنه متعبد لهواه مذلل لشهواته، ولسانه يابس من ذكره وجوارحه معطلة من طاعته، مشتغلة بمعصية ربه - بعيد عن هذا أن يوفق لحسن الخاتمة) (٢) .
стр. 4899
(١٠) ومن عقوبات المعاصي على القلب أنها تعميه فلا يدرك الحق كما ينبغي، وتضعف قوته وعزيمته فلا يصبر عليه ...
قال ابن القيم ﵀: (فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي، وتضعف قوته وعزيمته، فلا يصبر عليه، بل قد تتوارد على القلب حتى ينعكس إدراكه كما ينعكس سيره. فيدرك الباطل حقاً والحق باطلاً، والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، فينتكس في سيره ويرجع عن سفره إلى اللَّه والدار الآخرة إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة، التي رضيت بالحياة الدنيا واطمأنت بها، وغفلت عن اللَّه وآياته، وتركت الاستعداد للقائه، ولو لم يكن في عقوبة الذنوب إلاَّ هذه وحدها لكانت كافية داعية إلى تركها والبعد منها، واللَّه المستعان.
وهذا كما أن الطاعة تنور القلب وتجلوه وتصقله، وتقويه وتثبته، حتى يصير كالمرآة المجلوة في جلائها وصفائها فيتلألأ نوراً، فإذا دنا الشيطان منه أصابه من نوره ما يصيب مسترق السمع من الشهب الثواقب فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب من الأسد. أفيستوي هذا القلب وقلب مظلمة أرجاؤه، مختلفة أهواؤه، قد اتخذه الشيطان وطنه، وأعده مسكنه، إذا تصبح بطلعته حياه، وقال: فديت من قرين لا يفلح في دنياه ولا في أخراه) (١) .
(١١) وقال ابن القيم ﵀ في موضع آخر: (والمقصود: أن من عقوبات المعاصي جعل القلب أعمى أصم أبكم. ومنها: الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه، فيخسف به إلى أسفل سافلين، وصاحبه لا يشعر ... ثم ذكر ﵀ علامة الخسف به ...
стр. 4900
وقال: ومنها مسخ القلب، فيمسخ كما تمسخ الصورة ... ثم ذكر أمثلة لذلك.. إلى أن قال ﵀: فسبحان اللَّه كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر؟ وقلب ممسوخ وقلب مخسوف به؟ وكم من مفتون بثناء الناس عليه؟ ومغرور بستر اللَّه عليه؟ ومستدرج بنعم اللَّه عليه؟ وكل هذه عقوبات وإهانات، ويظن الجاهل أنها كرامة. ومنها: نكس القلب حتى يرى الباطل حقاً، والحق باطلاً، والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، ويفسد ويرى أنه يصلح، ويصد عن سبيل اللَّه وهو يرى أنه يدعو إليها، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على كل الهدى، ويتبع هواه، وهو يزعم أنه مطيع لمولاه، وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلوب) (١)
стр. 4901
الخاتمة
نسأل اللَّه حسنها، وهي تشتمل على خلاصة البحث ونتائجه وهي ما يلي:
أن القلب مَلِك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهي المنفذة لما يأمرها به، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته، وهو المسؤول عنها كلها.
بينت أهمية القلب، وأنه إذا صلح صلح الجسد كله.. وأن صلاح هذا القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين الكتاب والسنة.
أن القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر، وقد يعبر عنه بالعقل.
ذكرت أقسام القلوب الثلاثة وهي: القلب الصحيح، والقلب المريض، والقلب القاسي.
أن القلب الصحيح هو القلب السليم من الآفات التي تعتري القلوب المريضة، من مرض الشبهة التي توجب اتباع الظن، ومرض الشهوة التي توجب اتباع ما تهوى الأنفس.
أن القلب المريض هو القلب الذي له حياة وبه علة، فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، فإن ورد عليه شبهة أو شهوة قوت مرضه، وإن حصلت له حكمة وموعظة كانت من أسباب صلاحه وشفائه..
أن القلب القاسي هو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ينطبع، ولا يكتب فيه الإيمان، ولا يرتسم فيه العلم، لأن ذلك يستدعي محلاً ليناً قابلاً.
أن حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تفسد القلب، وأن القلب الصحيح الحيّ إذا عُرِضَت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها، ولم يَلْتفِتْ إليها.
أن من أسباب حياة القلب وصحته قراءة القرآن وتدبره، والأعمال الصالحة، وأن يستقر فيه معرفة اللَّه وعظمته ومحبته وخشيته والإنابة إليه، والابتعاد عن الفواحش والمعاصي.
أن مرض القلب هو نوع فسادٍ يحصل له، يفسد به تصوره، وإرادته، فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق، أو يراه على خلاف ما هو عليه، وإرادته: بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار..
стр. 4902
ذكرت أنواع مرض القلوب وعلامة ذلك وتناولت بشيء من التفصيل بعضاً من هذه الأمراض كمرض الحسد، والشحّ والبخل، ومرض الشهوة والعشق.
أن من أهم أدوية القلوب القرآن الكريم فهو متضمن لأدوية القلب، وعلاجه من جميع أمراضه.
أن للذنوب والمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة للقلب في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلاَّ اللَّه، ومن هذه الآثار: حرمان العلم، والوحشة التي يجدها العاصي في قلبه بينه وبين اللَّه، وأن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين، نسأل اللَّه بكرمه ومنه ألا يجعلني ووالدي وإخواني المسلمين من الغافلين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحواشي والتعليقات
стр. 4903
دعاوى النصارى في مجيء المسيح
د. سعود بن عبد العزيز الخلف.
أستاذ مشارك - قسم العقيدة - كلية الدعوة وأصول الدين- الجامعة الإسلامية
ملخص البحث
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
فإن بحث " دعاوى النصارى في مجيء المسيح (يكشف عن اضطراب النصارى في هذه الدعوى، كسائر تقريراتهم الدينية، فقد كانوا بعد رفع المسيح (على أمل في مجيئه وعودته قريباً.
وكثر كلامهم في هذا الموضوع، حتى ظن بولس أن المسيح سيعود وهو حي، وأنه سيرتفع معه إلى السماء، ولا زال هذا هاجساً لهم، إلى أن ارتفع الاضطهاد عنهم، فزالت عنهم حالة الترقب، التي يقويها في الغالب الخوف والضعف، فأعرض الجمهور الأعظم منهم عن هذه الدعوى، وزعموا أن مجيئه إنما يكون للقيامة، وخالفهم في ذلك طوائف أخرى، جعلوا جل نشاطهم في إظهار ذلك الأمر، وادعوا أن المسيح سيعود قريباً، ويقيم حكماً لمدة ألف سنة على الأرض، بعدها تكون القيامة بعد أن يقضى على الدجال ويأجوج ومأجوج والشيطان.
وبدراسة اقوالهم يتبين أن النصارى ينطلقون في دعاويهم من أمرين:
أولاً: نصوص ليست ثابتة في أصلها، وليست واضحة في مدلولها، بل ربما تكون ألغازاً مستغلقة، لا يمكن فك رموزها إلا بضرب من التخمين.
ثانياً: فهوم خاصة تنبع من الأهواء المستحكمة.
وقد قمت في هذه الدراسة بتفصيل هذا كله، ليكون المسلم أكثر حمداً وشكراً لله تعالى، بما أنعم على المسلمين من الهداية إلى دينه القويم،وصراطه المستقيم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
***
مقدمة
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.
стр. 4904
فإن نزول المسيح (في آخر الزمان كما هو الاعتقاد الحق لدينا نحن المسلمين، من العقائد التي يشاركنا فيها من وجه كلٌ من النصارى واليهود، وهو من الموضوعات - بالنسبة للنصارى واليهود - القديمة المعاصرة، بمعنى أن الاعتقاد بنزوله (لمَّا صار مستقراً في أذهانهم ولم يتحدد له وقت معين بصورةٍ مؤكدة، صار أصحاب كل من الديانتين في ترقبٍ شبه دائم، مع بروز الدعوات عن قرب مجيئه وأنه وشيك، حيث تسمع المناداة بقرب مجيئه في كثيرٍ من شوارع الغرب التي يجوبها بعض متحمسيهم، بل إنني أذكر أن أحد الإخوة في فرنسا كان يسكن في بيت عجوزٍ فرنسية، فسألته مرةً عن حالها، فأخبرني أنها امرأة متمسكة بدينها وأنها لم تتزوج قط، وأخبرني أنه من الغريب في شأن هذه المرأة أنها تعتقد أنها لن تموت؟! وإنما سيأتي المسيح قريباً فيأخذها إليه، وهي في انتظارٍ دائمٍ لهذا الحدث السعيد. فقلت: سبحان الله كيف تَزيَّن الباطل لأهله فصاروا يرونه حسناً وصدق الله القائل: (كذلك زينا لكل أمةٍ عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ( [الأنعام١٠٨] .
وقوله تعالى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ( [فاطر ٨] .
واليهود كذلك ينتظرون المسيح بلهفٍ شديدٍ وترقبٍ دائم، حتى إن من حاخاماتهم من كان يقول لأهله إذا أراد النوم: إذا جاء المسيح المخلص وأنا نائمٌ فأيقظوني دون تردد، ومنهم من جعل غرفةً خاصةً في بيته ووضع فيها كل غالٍ وثمين، ولا يسمح لأحدٍ بدخولها يسميها ((غرفة المسيح)) (١) ، بل إن بعض الكَّتاب يرى أن من أكبر دوافع الغرب وخاصةً أمريكا في دعم اليهود للتجمع في فلسطين وحماسهم للدفاع عنهم، هو اعتقادهم أنهم بهذا يمهدون الطريق لسرعة مجيء المسيح. (٢)
стр. 4905
هذه التصورات والأعمال مبنية على اعتقاداتٍ لدى القوم، فأحببت أن أكتب في هذا الموضوع بالنسبة للنصارى أولاً، فأجلّيَ موقفهم الديني من مجيء المسيح (وأبين بالتالي أن كثيراً مما ادعوه باطلٌ بناءً على بطلان مصادرهم وبطلان مفهومهم لها.
وقد قسمت هذا البحث إلى فصلين وخاتمة:
الفصل الأول: في دعاوى النصارى في مجيء المسيح (.
وفيه مقدمة وثلاثة مباحث:
المقدمة وفيها: أدلة النصارى على المجيىء.
المبحث الأول: الذين قالوا بمجيئه بعد وقت قصير من ارتفاعه.
المبحث الثاني: الذين قالوا بمجيئه قبل القيامة، وأنه يؤسس ملكاً على الأرض مدته ألف سنة. وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: كيفية مجيئه.
المطلب الثاني: علامات مجيئه.
المطلب الثالث: الحوادث التي تقع بعد الألف سنة.
المبحث الثالث: من يرى أن مجيء المسيح إنما هو للقيامة والحساب وأنه لايؤسس ملكاً على الأرض.وفيه مطلبان:
المطلب الأول: العلامات التي يتفقون عليها.
المطلب الثاني: العلامات التي يختلفون فيها.
الفصل الثاني: الرد على النصارى في دعاوى المجيء. وفيه مبحثان:
المبحث الأول: بطلان المصادر المعتمدة إجمالاً. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: العهد القديم، وإنكار طائفة من اليهود والنصارى لقدسيته.
المطلب الثاني: العهد الجديد، وإقرار كثير من النصارى بجهالة كتاب تلك الكتب.
المبحث الثاني: في بطلان مااستدلوا به على دعاويهم في المجيء سنداً ومتناً. وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول:سفر دانيال.
المطلب الثاني: رسائل بولس.
المطلب الثالث: سفر رؤيا يوحنا.
ثم الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث.
هذا وأسأل الله (أن يهدينا سواء السبيل، وأن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه، إنه جوادٌ كريم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الفصل الأول: دعاوى النصارى في مجيء المسيح (
مقدمة: