وقد عرفه أيضاً ابن القيم ﵀ في موضع آخر فقال: (وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر اللَّه ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة اللَّه مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده.
فالقلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير اللَّه فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى؛ إرادة ومحبة، وتوكلاً، وإنابة، وإخباتاً، وخشية، ورجاء، وخلص عمله لله، فإن أحب أحب في الله، وإن أبغض أبغض في اللَّه، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم، فيعقد قلبه معه عقداً محكماً على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في الأقوال والأعمال، من أقوال القلب، وهي العقائد، وأقوال اللسان. وهي الخبر عما في القلب، وأعمال القلب، وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح، فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دِقِّه وجِلِّه، هو ما جاء به الرسول صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم ... ) (١) .
وقال ابن رجب ﵀: (القلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلِّها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة اللَّه وما يحبه اللَّه، وخشية اللَّه، وخشية ما يُباعد منه) (٢) .
وقال محمد بن سيرين ﵀: (القلب السليم هو الذي يعلم أن اللَّه حق، وأن الساعة قائمة، وأن اللَّه يبعث من في القبور) (٣) .
стр. 4832
وقال الطبري ﵀ في معنى قوله تعالى: (إذْ جاء ربه بقلب سليم (يقول تعالى ذكره: إذْ جاء إبراهيم ربه بقلب سليم من الشرك مخلص له التوحيد (١) .
وقيل: صاحب القلب السليم هو الذي لم يلعن شيئاً قط (٢) .
كما قيل: إنه القلب الخالص، أو هو الخالي من البدعة المطمئن إلى السنة.
وأختم أقوال العلماء ﵏ في تعريفهم للقلب السليم بقول ابن القيم ﵀: (وهل عيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم؟ وقد أثنى اللَّه تعالى على خليله ﵇ بسلامة القلب فقال: (وإنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمْ. إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلَيمٍ ((٣) ، وقال حاكياً عنه أنه قال تعالى: (يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون. إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ((٤) ، والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر، وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده عن اللَّه، وسلم من كل شبهة تعارض خبر اللَّه، ومن كل شهوة تعارض أمر ربه، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطعه عن اللَّه، فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا وفي جنة البرزخ، وفي جنة يوم المعاد.
ولا يتم له سلامته مطلقاً حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد، والإخلاص يعم) (٥) .
وهناك أخي الكريم فرق بين سلامة القلب والبَلَه.
стр. 4833
قال ابن القيم ﵀: (والفرق بين سلامة القلب والبَله والتغفل، أنّ سلامة القلب تكون من عدم إرادة الشر بعد معرفته، فيسلم قلبه من إرادته وقصده لا من معرفته والعلم به، وهذا بخلاف البَلَه والغفلة فإنها جهلُ وقلّة معرفة، وهذا لا يحمدُ إذ هو نقص، وإنما يحمد الناس من هو كذلك لسلامتهم منه، والكمال أن يكون القلبُ عارفاً بتفاصيل الشر سليماً من إرادته) (١) .
المبحث الثاني: القلب المريض
المَرَضُ في القلب: يَصْلُح لكل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين، ويقال قلب مريض من العداوة وهو النفاق، وقيل المرض في القلب فُتُور عن الحق ... (٢) .
وقيل: المَرض، بالفتح للقلب خاصة، وبالتحريك أو كلاهما: الشك، والنفاق، والفتور، والظلمة، والنقصان (٣) .
قال شيخ الإسلام ﵀: (وكذلك " مرض القلب " هو نوع فسادٍ يحصل له، يفسد به تصوره، وإرادته. فتصوره: بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق، أو يراه على خلاف ما هو عليه، وإرادته: بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار، فلهذا يفسر المرض تارةً بالشك والريب، كما فسر مجاهد (٤) ، وقتادة (٥)
стр. 4834
قوله: (فِي قُلُوبِهمْ مَرَضٌ ((١) ، أي شك (٢) . وتارة يُفسر بشهوة الزنا كما فُسِّر به قوله تعالى: (فَيَطْمَع الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ((٣) ... (٤)
إلى أن قال ﵀: والمرض دون الموت، فالقلب يموت بالجهل المطلق ويمرض بنوع من الجهل، فله موت ومرض، وحياة وشفاء، وحياته وموته ومرضه وشفاؤه أعظم من حياة البدن وموته ومرضه وشفائه، فلهذا مرض القلب إذا ورد عليه شبهة أو شهوة قوت مرضه، وإن حصلت له حكمة وموعظة كانت من أسباب صلاحه وشفائه ... ) (٥) .
стр. 4835
وقد ذكر ابن القيم ﵀ تعريف القلب المريض فقال: (هو قلب له حياة وبه علة. فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى. وهو لما غلب عليه منهما، ففيه من محبة اللَّه تعالى والإيمان به والإخلاص له، والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها، والحسد والكبر والعجب، وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة: ما هو مادة هلاكه وعطبه، وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى اللَّه ورسوله والدار الآخرة، وداعٍ يدعوه إلى العاجلة. وهو إنما يجيب أقربهما منه باباً، وأدناهما إليه جواراً ... ) (١) .
المبحث الثالث: القلب القاسي
ورد ذكر قسوة القلب في القرآن الكريم في عدة مواضع، منها: قوله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ((٢) . وقوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ((٣) .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في معنى هذه الآية: (فأخبر أن قسوة قلوبهم كانت عقوبة لهم على نقضهم ميثاق اللَّه وهي مخالفتهم لأمره وارتكابهم لنهيه بعد أن أخذت عليهم مواثيق اللَّه وعهوده ألا تفعلوا ذلك.. إلى أن قال ﵀: فإن من تفقه لغير العمل يقسو قلبه فلا يشتغل بالعمل بل بتحريف الكلم وصرف ألفاظ الكتاب والسنة عن مواضعها ... الثاني: نسيان حظ مما ذكروا به من العلم النافع فلا تتعظ قلوبهم بل يذمون من تعلم ما يبكيه ويرق به قلبه ويسمونه قاصاً) (٤) .
стр. 4836
وقد حذر اللَّه من قسوة القلب لمن ابتعد عن ذكر اللَّه، كما في قوله تعالى: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ((١) .
وقد أخرج الإمام مسلم بسنده قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه، ولا يطولنّ عليكم الأمد فَتَقْسُوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ... " الحديث (٢) .
والقسوة في القلب: ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه، وقَسا قلبه قَسْوة وقساوة وقَسا، بالفتح والمد: وهو غلظ القلب وشدَّته، وأَقْساه الذنب (٣) .
وقد عرف شيخ الإسلام ﵀ القلب القاسي فقال: (هو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ينطبع، ولا يكتب فيه الإيمان، ولا يرتسم فيه العلم؛ لأن ذلك يستدعي محلاً ليناً قابلاً) (٤) .
стр. 4837
وقال ابن القيم ﵀ في تعريف القلب الميت: (هو الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه، رضي ربه أم سخط، فهو متعبد لغير اللَّه: حباً، وخوفاً، ورجاء، ورضا وسخطاً، وتعظيماً، وذلاً. إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه. فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ينادَى إلى اللَّه وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، ولا يتسجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه وترضيه. والهوى يُصِمّه عما سوى الباطل ويعميه ... فمخالطة صاحب هذا القلب سَقَم. ومعاشرته سُمّ، ومجالسته هلاك) (١) .
وقد جمع اللَّه سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة، قلب المؤمن السليم، والقلب المريض، والقلب القاسي في قوله تعالى: (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وإنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وإنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إلَى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ((٢) .
قال شيخ الإسلام ﵀ لما ذكر هذه الآية: (جعل اللَّه القلوب ثلاثة أقسام: قاسية، وذات مرض، ومؤمنة مخبتة، وذلك لأنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافاً، وإذعاناً، أو لا تكون يابسة جامدة.
стр. 4838
ف " الأول " هو القاسي وهو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ينطبع، ولا يكتب فيه الإيمان، ولا يرتسم فيه العلم؛ لأن ذلك يستدعي محلا لينا قابلاً.
و" الثاني " لا يخلو إما أن يكون الحق ثابتاً فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه، أو يكون لينه مع ضعف وانحلال. فالثاني هو الذي فيه مرض، والأول هو القوي اللين.
وذلك أن القلب بمنزلة أعضاء الجسد كاليد مثلاً، فإما أن تكون جامدة يابسة لا تلتوي ولا تبطش، أو تبطش بعنف، فذلك مثل القلب القاسي، أو تكون ضعيفة مريضة عاجزة لضعفها ومرضها، فذلك مثل الذي فيه مرض، أو تكن باطشة بقوة ولين فهو مثل القلب العليم الرحيم، فبالرحمة خرج عن القسوة، وبالعلم خرج عن المرض، فإن المرض من الشكوك والشبهات، ولهذا وصف من عدا هؤلاء بالعلم والإيمان والإخبات ... ) (١) .
وقال ابن القيم ﵀ لما ذكر هذه الآيات: (فجعل اللَّه القلوب في هذه الآيات ثلاثة: قلبين مفتونين، وقلباً ناجياً. فالمفتونان: القلب الذي فيه مرض، والقلب القاسي. والناجي: القلب المؤمن المخبت إلى ربه. وهو المطمئن إليه الخاضع له، المستسلم المنقاد.
وذلك: أن القلب وغيره من الأعضاء يراد منه أن يكون صحيحاً سليماً لا آفة به، يتأتى منه ما هُيىء له وخلق لأجله، وخروجه عن الاستقامة إما ليبسه وقساوته، وعدم التأتي لما يراد منه، كاليد الشلاء، واللسان الأخرس، والأنف الأخشم، وذكر العِنِّين، والعين التي لا تبصر شيئاً، وإما بمرض وآفة فيه تمنعه من كمال هذه الأفعال ووقوعها على السداد، فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه الأقسام الثلاثة.
فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق، تام الانقياد والقبول له.
والقلب الميت القاسي: لا يقبله ولا ينقاد له.
стр. 4839
والقلب المريض: إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسي. وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم.
فما يلقيه الشيطان في الأسماع من الألفاظ، وفي القلوب من الشبه والشكوك: فتنة لهذين القلبين، وقوة للقلب الحي السليم، لأنه يردّ ذلك ويكرهه ويبغضه، ويعلم أن الحق في خلافه، فيخبت للحق ويطمئن وينقاد، ويعلم بطلان ما ألقاه الشيطان، فيزداد إيماناً بالحق ومحبة له وكفراً بالباطل وكراهة له. فلا يزال القلب المفتون في مِرْية من إلقاء الشيطان، وأما القلب الصحيح السليم فلا يضره ما يلقيه الشيطان أبداً) (١) .
وقد رُوي في بعض الأحاديث أن القلوب أربعة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه (: " القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر "، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم، فأي المِدَّتَيْنِ غَلَبَتْ على الأخرى غَلَبَتْ عليه " (٢) .
стр. 4840
وقد بيّن ابن القيم ﵀ معنىهذه القلوب فقال: (وقوله " قلب أجرد " أي متجرد مما سوى اللَّه ورسوله، فقد تجرد وسلم مما سوى الحق. و"فيه سراج يزهر" وهو مصباح الإيمان: فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات الباطل وشهوات الغي، وبحصول السراج فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم والإيمان، وأشار بالقلب الأغلف إلى قلب الكافر، لأنه داخل في غلافه وغشائه، فلا يصل إليه نور العلم والإيمان، كما قال تعالى، حاكياً عن اليهود: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ((١) وهو جمع أغلف، وهو الداخل في غلافه، كقُلْف وأقلَف، وهذه الغشاوة هي الأكِنّة التي ضربها اللَّه على قلوبهم، عقوبة لهم على رد الحق والتكبر عن قبوله. فهي أكِنَّة على القلوب وَوَقرٌ في الأسماع، وعمىً في الأبصار، وهي الحجاب المستور عن العيون في قوله تعالى: (وَإذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً. وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً ((٢) . فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة، ولَّى أصحابها على أدبارهم نفوراً.
وأشار بالقلب المنكوس -وهو المكبوب- إلى قلب المنافق، كما قال تعالى: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ((٣) . أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه، بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة. وهذا شر القلوب وأخبثها، فإنه يعتقد الباطل حقاً ويوالي أصحابه، والحق باطلاً ويعادي أهله، فاللَّه المستعان.
стр. 4841
وأشار بالقلب الذي له مادتان إلى القلب الذي لم يتمكن فيه الإيمان ولم يزهر فيه سراجه، حيث لم يتجرد للحق المحض الذي بعث اللَّه به رسوله، بل فيه مادة منه ومادة من خلافه، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر. والحكم للغالب وإليه يرجع) (١) .
وقال ﵀ في موضع آخر: (القلوب ثلاثة: قلب قاسٍ غليظ بمنزلة اليد اليابسة وقلب مائع رقيق جداً. فالأول: لا ينفعل بمنزلة الحجر، والثاني بمنزلة الماء، وكلاهما ناقص وأصحُّ القلوب القلب الرقيق الصافي الصلب، فهو يرى الحق من الباطل بصفائه ويقبله ويُؤْثِره برقّته ويحفظه، ويحارب عدوه بصلابته ... وأبغض القلوب إلى اللَّه القلب القاسي، قال تعالى: (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللَّه ((٢)(٣) .
الفصل الثاني: حياة القلوب
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: بيان حقيقة حياة القلب وصحته.
المبحث الثاني: ذكر أسباب حياة القلب وصحته.
المبحث الأول: بيان حقيقة حياة القلب وصحته
تقدم في المبحث الأول من التمهيد الحديث عن وجوب الاعتناء والاهتمام بحياة القلب وأن القلب مَلِكُ الأعضاء، وبقيُّة الأعضاءِ جنوده.. كما ورد في الحديث الصحيح " ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (٤) .
стр. 4842
قال ابن رجب ﵀: (وأن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات واتِّقاءه للشّبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان قلبه سليماً ليس فيه إلاَّ محبة اللَّه ومحبة ما يحبه اللَّه، وخشية اللَّه وخشية الوقوع فيما يكرهه صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرّمات كلها وتوقى الشبهات حذراً من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسداً، قد استولى عليه اتِّباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه اللَّه، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب ... ) (١) .
مما سبق يتبين لنا أهمية حياة القلب وصحته وأن الجوارح تابعة له، فما المقصود بحياة القلب وصحته؟
قال شيخ الإسلام ﵀: (واعلم أن حياة القلب وحياة غيره ليست مجرد الحس والحركة الإرادية، أو مجرد العلم والقدرة كما يظن ذلك طائفة من النظار في علم اللَّه وقدرته، كأبي الحسين البصري، قالوا: إن حياته أنه بحيث يعلم ويقدر، بل الحياة صفة قائمة بالموصوف، وهي شرط في العلم والإرادة والقدرة على الأفعال الاختيارية، وهي أيضاً مستلزمة لذلك، فكل حي له شعور وإرادة وعمل اختياري بقدرة، وكل ما له علم وإرادة وعمل اختياري، فهو حي.
стр. 4843
والحياء مشتق من الحياة (١) : فإن القلب الحي يكون صاحبه حياً فيه حياء يمنعه عن القبائح، فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تفسد القلب، ولهذا قال النَّبِيّ (: " الحياء (٢) من الإيمان " (٣) ، وقال: "الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق" (٤) .
стр. 4844
فإن الحي يدفع ما يؤذيه: بخلاف الميت الذي لا حياة فيه فإنه يسمى وقحا، والوقاحة الصلابة (١) وهو اليبس المخالف لرطوبة الحياة، فإذا كان وقحاً يابساً صليب الوجه لم يكن في قلبه حياة توجب حياءه، وامتناعه من القبح كالأرض اليابسة لا يؤثر فيها وطء الأقدام، بخلاف الأرض الخضرة.
ولهذا كان الحي يظهر عليه التأثر بالقبح، وله إرادة تمنعه عن فعل القبح، بخلاف الوقح الذي ليس بحي فلا حياء معه ولا إيمان يزجره عن ذلك، فالقلب إذا كان حياً فمات الإنسان بفراق روحه بدنه كان موت النفس فراقها للبدن، ليست هي في نفسها ميتة بمعنى زوال حياتها عنها.
ولهذا قال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ((٢) ، وقال تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ((٣) ، مع أنهم موتى داخلون في قوله: (كل نَفْس ذَائِقَةُ المَوْت ((٤) وفي قوله: (إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُمْ مَيِّتُون ((٥) ، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ((٦) فالموت المثبت غيرا لموت المنفي، المثبت هو فراق الروح البدن، والمنفي: زوال الحياة بالجملة عن الروح والبدن..) (٧) .
стр. 4845
وقد بين ابن القيم ﵀ أيضاً حقيقة حياة القلب وسعادته وفلاحه وذلك بأن يكون اللَّه وحده هو غاية طلبه ونهاية قصده فقال: (وإنما كان جمع القلب على اللَّه والخواطر على السير إليه: حياة حقيقية؛ لأن القلب لا سعادة له، ولا فلاح ولا نعيم، ولا فوز ولا لذة، ولا قرة عين إلاَّ بأن يكون اللَّه وحده هو غاية طلبه ونهاية قصده، ووجهه الأعلى هو كل بغيته، فالتفرقة المتضمنة للإعراض عن التوجه إليه، واجتماع القلب عليه: هي مرضه، إن لم يمت منها) (١) .
وذكر ابن القيم ﵀ في موضع آخر أن حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر فيه وأن حقيقة حياة القلب الصحيح أنها إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها فقال:
стр. 4846
(أصل كل خير وسعادة للعبد، بل لكل حي ناطق: كمال حياته ونوره، فالحياة والنور مادة الخير كله، قال اللَّه تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ((١) فجمع بين الأصلين: الحياة، والنور، فبالحياة تكون قوته، وسمعه وبصره، وحياؤه وعفته، وشجاعته وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة، ومحبته للحسن، وبغضه للقبيح. فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات، وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه هذه الصفات؛ وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته في نفسه، فالقلب الصحيح الحي إذا عُرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه، وأبغضها، ولم يلتفت إليها؛ بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه: " هلك من لم يكنْ له قلبٌ يعرفُ به المعروف وينكر به المنكر" (٢)) (٣) .
وذكر ابن القيم ﵀ علامات كثيرة لصحة القلب، فقال: (ومن علامات صحته أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة، ويحل فيها، حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها، جاء إلى هذه الدار غريباً يأخذ منها حاجته، ويعود إلى وطنه ...
وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة وقرب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها، حتى يصير من أهلها.
стр. 4847
ومن علامات صحة القلب أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى اللَّه ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه، الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلاَّ برضاه وقربه والأنس به، فيه يطمئن، وإليه يسكن، وإليه يأوي، وبه يفرح، وعليه يتوكل، وبه يثق، وإياه يرجو، وله يخاف، فذكره قوته، وغذاؤه، ومحبته، والشوق إليه حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه، فإذا حصل له ربه سكن إليه واطمأن به، وزال ذلك الاضطراب والقلق، وانسدت تلك الفاقة، فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى اللَّه تعالى أبداً، وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له، وعبادته وحده، فهو دائماً يضرب على صاحبه، حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذٍ يباشر روح الحياة، ويذوق طعمها، ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذي له خلق الخلق، ولأجله خلقت الجنة والنار، وله أرسلت الرسل ونزلت الكتب، ولو لم يكن جزاء إلاَّ نفس وجوده لكفى به جزاء وكفى بفوته حسرة وعقوبة.
قال بعض العارفين: " مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها؛ قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة اللَّه والأنس به والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته ...
إلى أن قال: ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره؛ إلاَّ بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذاكره بهذا الأمر.
ومن علامات صحته: أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألماً أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده.
ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة، كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب.
ومن علامات صحته: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه، وقرت عينه وسرور قلبه.
стр. 4848
ومن علامات صحته: أن يكون همه واحداً، وأن يكون في اللَّه.
ومن علامات صحته: أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعاً من أشد الناس شحاً بماله.
ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان، ويشهد مع ذلك مِنَّة اللَّه عليه فيه وتقصيره في حق اللَّه.
فهذه ست مشاهد لا يشهدها إلاَّ القلب الحي السليم.
وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذي همَّه كله في اللَّه، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث. وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابِّه: الخلوة به آثر عنده من الخلطة إلاَّ حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له، قُرَّة عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه) (١) .
وقال ابن القيم ﵀ في قصيدته المسماة الكافية الشافية:
فالقلب مضطر إلى محبوبه الأعلى فلا يغنيه حب ثان
وصلاحه وفلاحه ونعيمه تجريد هذا الحب للرحمن فإذا تخلى منه أصبح حائرا ويعود في ذا الكون ذا هيمان (٢)
المبحث الثاني: ذكر أسباب حياة القلب وصحته
لما علمنا أن حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تفسد القلب، وأن القلب الصحيح الحيَّ إذا عُرضت عليه القبائح نفَر منها بطبعه، وأبغضها ولم يَلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرّق بين الحسن والقبيح ...
وجب علينا معرفة أسباب حياة القلب وصحته، ومن هذه الأسباب ما يلي:
١ - قراءة القرآن الكريم وتدبره:
стр. 4849
قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ((١) ، فأخبر أن حياتنا إنما هي باستجابتنا لما يدعونا إليه اللَّه والرسول من العلم والإيمان، فعلم أن موت القلب وهلاكه بفقد ذلك (٢) .
قال شيخ الإسلام: (وفيه من الحكمة والموعظة لحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة ما يوجب صلاح القلب، فيرغب القلب فيما ينفعه ويرغب عما يضره، فيبقى القلب محباً للرشاد مبغضاً للغي، بعد أن كان مريداً للغي مبغضاً للرشاد.
فالقرآن مزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة حتى يصلح القلب فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فُطر عليها كما يعود البدن إلى الحال الطبيعي، ويغتذي القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويؤيده كما يغتذي البدن بما يُنَميّه ويقومه، فإن زكاة القلب مثل نماء البدن.
و" الزكاة في اللغة " النماء والزيادة في الصلاح. يقال: زكا الشيء إذا نما في الصلاح (٣) ، فالقلبُ يحتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح، كما يحتاج البدن أن يُرَبّى بالأغذية المصلحة له، ولابد مع ذلك من منع ما يضره، فلا ينمو البدن إلاَّ بإعطاء ما ينفعه ومنع ما يضره. كذلك القلب لا يزكو فينمو ويتم صلاحه إلاَّ بحصول ما ينفعه ودفع ما يضره، وكذلك الزرع لا يزكو إلاَّ بهذا) (٤) .
وقال ابن القيم ﵀: (فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي، والقلب المريض بضد ذلك. وانفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء) (٥) .
стр. 4850
وقد بين ابن القيم ﵀ أن القلب يتغذى من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه فقال: (فيتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه، ويؤيده ويفرحه، ويسره وينشطه، ويثبت ملكه، كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه، وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى فينمو ويزيد، حتى يكمل ويصلح، فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو بالأغذية المصلحة له والحمية عما يضره، فلا ينمو إلاَّ بإعطائه ما ينفعه، ومنع ما يضره، فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو، ولا يتم صلاحه إلاَّ بذلك، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلاَّ من القرآن، وإن وصل إلى شيء منه من غيره فهو نزر يسير، لا يحصل له به تمام المقصود) (١) .
وبين ﵀ في موضع آخر أن القرآن هو الروح التي تحيا به القلوب فقال: (وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله ﵌ متضمن للأمرين، فهو روح تحيا به القلوب، ونور تستضيء وتشرق به، كما قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ((٢)
أي أومن كان كافراً ميت القلب، مغموراً في ظلمة الجهل: فهديناه لرشده، ووفقناه للإيمان، وجعلنا قلبه حيا بعد موته، مشرقاً مستنيراً بعد ظلمته ...
стр. 4851
إلى أن قال: والمقصود: أن صلاح القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين. قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا ((١) فأخبر أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حي القلب، كما قال في موضع آخر: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ((٢)(٣) .
وقال ابن القيم ﵀ لما ذكر هذه الآية: (فإذا حصل المؤثر، وهو القرآن، والمحل القابل، وهو القلب الحيّ، ووُجد الشرط، وهو الإصغاء، وانتفى المانع، وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر - حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر....) (٤) .
٢ - من أسباب حياة القلب ترك الفواحش والمعاصي:
حياة القلب بدوام ذكر اللَّه، وترك الذنوب والمعاصي؛ لأن الذنوب أمراض القلوب وأدواؤها، ولا دواء إلاَّ تركها.
قال شيخ الإسلام ﵀: (وكذلك ترك الفواحش يزكو بها القلب، وكذلك ترك المعاصي فإنها بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن، ومثل الدَّغل في الزرع، فإذا استفرغ البدن من الأخلاط الرديئة كاستخراج الدم الزائد تخلصت القوة الطبيعية واستراحت فينمو البدن، وكذلك القلب إذا تاب من الذنوب كان استفراغاً من تخليطاته، حيث خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فإذا تاب من الذنوب تخلصت قوة القلب وإراداته للأعمال الصالحة، واستراحَ القلبُ من تلك الحوادث الفاسدة التي كانت فيه) (٥) .
стр. 4852
وقال ابن القيم ﵀: (وحياة القلب بدوام الذكر، وترك الذنوب كما قال عبد اللَّه ابن المبارك ﵀ (١) :
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يُورث الذّل إدمانهاوترك الذُّنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانُها (٢)
إلى أن قال: وكما أن اللَّه سبحانه جعل حياة البدن بالطعام والشراب، فحياة القلب: بدوام الذكر، والإنابة إلى اللَّه، وترك الذنوب، والغفلة الجاثمة على القلب والتعلق بالرذائل والشهوات المنقطعة عن قريب يضعف هذه الحياة، ولا يزال الضعف يتوالى عليه حتى يموت) (٣) .
٣- من أسباب حياة القلب: الصدقة وتزكية القلب:
زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة، والتوحيد: شهادة أن لا إله إلاَّ اللَّه والإيمان هما اللذان يزكو بهما القلب.
стр. 4853
قال شيخ الإسلام ﵀: " والصدقة " لما كانت تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار صار القلب يزكو بها، وزكاته معنى زائد على طهارته من الذنب. قال اللَّه تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ((١) ... إلى أن قال: فزكاة القلب بحيث ينمو ويكمل. قال تعالى: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا ((٢) ... فالتزكية وإن كان أصلها النّماء والبركة (٣) وزيادة الخير، فإنما تحصل بإزالة الشر؛ فلهذا صار التزكي يجمع هذا وهذا. وقال: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ((٤) وهي التوحيد والإيمان الذي به يزكو القلب، فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب، وإثبات إلهية الحق في القلب، وهو حقيقة لا إله إلاَّ اللَّه. وهذا أصل ما تزكو به القلوب.
والتزكية جعلُ الشيء زكياً: إما في ذاته، وإما في الاعتقاد والخبر، كما يقال عَدَّلته، إذا جعلته عدلاً في نفسه، أو في اعتقاد الناس، قال تعالى: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ((٥) أي تخبروا بزكاتها (٦) .
وقال ابن القيم ﵀: (ولما كانت حياته ونعيمه لا تتم إلاَّ بزكاته وطهارته لم يكن بد من ذكر هذا وهذا، فنقول:
стр. 4854
الزكاة في اللغة: هي النماء والزيادة في الصلاح، وكمال الشيء، يقال: زكا الشيء إذا نما، قال اللَّه تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ((١) ، فجمع بين الأمرين: الطهارة والزكاة، لتلازمهما. فإن نجاسة الفواحش والمعاصي في القلب بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن، وبمنزلة الدغَل (٢) في الزرع، وبمنزلة الخبث في الذهب والفضة والنحاس والحديد، فكما أن البدن إذا استفرغ من الأخلاط الرديئة تخلصت القوة الطبيعية منها فاستراحت فعملت عملها بلا معوق ولا ممانع، فما البدن، فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ من تخليطه، فتخلصت قوة القلب وإرادته للخير، فاستراح من تلك الجواذب الفاسدة والمواد الرديئة زكا ونما وقوى واشتد ... إلى أن قال:
стр. 4855
وقال تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ((١) ، قال أكثر المفسرين من السلف (٢) ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلاَّ اللَّه، والإيمان الذي به يزكو القلب، فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته، وإثبات إلهيته سبحانه، وهو أصل كل زكاة ونماء، فإن التزكي - وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة - فإنه إنما يحصل بإزالة الشر. فلهذا صار التزكي ينتظم الأمرين جميعاً. فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح: هو التوحيد، والتزكية جعل الشيء زكيا، إما في ذاته، وإما في الاعتقاد والخبر عنه، كما يقال: عَدَّلته وفسَّقته، إذا جعلته كذلك في الخارج، أو في الاعتقاد والخبر ... ) (٣) .
٤ - من أسباب حياة القلب وصحته: الأعمال الصالحة:
فالعمل الصالح له أثر في صحة القلب ونفعه، قال مطرف بن عبد اللَّه ﵀ (٤) : (صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية) (٥) .
стр. 4856
وقال شيخ الإسلام: والعمل له أثر في القلب من نفع وضر وصلاح قبل أثره في الخارج، فصلاحها عدل لها، وفسادها ظلم لها، قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ((١) ، وقال تعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ((٢) . قال بعض السلف: إن للحسنة لنوراً في القلب، وقوة في البدن، وضياءً في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وسواداً في الوجه ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق (٣)(٤) .
وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: (فصحة القلب بالإيمان تحفظ بالمثل، وهو ما يورث القلب إيماناً من العلم النافع والعمل الصالح فتلك أغذية له) (٥) .
وقال ابن القيم ﵀: (فكذلك القلب لا تتم حياته إلاَّ بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة تحفظ قوته) (٦) .
٥ - من أسباب حياة القلب وصحته: العدل:
قال شيخ الإسلام ﵀: (و " العدل " هو الاعتدال، والاعتدال هو صلاح القلب، كما أن الظلم فساده، ولهذا جميع الذنوب يكون الرجل فيها ظالماً لنفسه، والظلم خلاف العدل فلم يعدل على نفسه؛ بل ظلمها، فصلاح القلب في العدل، وفساده في الظلم، وإذا ظلم العبد نفسه فهو الظالم وهو المظلوم، كذلك إذا عدل فهو العادل والمعدول عليه، فمنه العمل وعليه تعود ثمرة العمل من خير وشر. قال تعالى: (مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ((٧) ...
стр. 4857
إلى أن قال ﵀: كما أن الجسد إذا صح من مرضه قيل: قد اعتدل مزاجه، والمرض إنما هو بإخراج المزاج، مع أن الاعتدال المحض السالم من الأخلاط لا سبيل إليه، لكن الأمثل، فالأمثل، فهكذا صحة القلب وصلاحه في العدل، ومرضه من الزيغ والظلم والانحراف. والعدل المحض في كل شيء متعذر علماً وعملاً. ولكن الأمثل فالأمثل ... ) (١) .
٦ - من أسباب حياة القلب وصحته: أن يستقرّ فيه معرفة اللَّه وعظمته، ومحبته وخشيته والإنابة إليه ومهابته والتوكل عليه:
قال سعيد بن إسماعيل ﵀ (٢) : (صلاح القلب من أربع خصال: التواضع لله، والفقر إلى اللَّه، والخوف من اللَّه، والرجاء لله ... ) (٣) .
وقال ابن القيم ﵀: (فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح؟ وليس للقلب لذة ولا نعيم ولا فرح ولا حياة إلاَّ بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها ... بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه إلهه الحق أعظم من فساد البدن إذا خلا من الروح، وهذا الأمر لا يصدق به إلاَّ من في قلبه حياة وما لجرح بميت إيلام) (٤) .
стр. 4858
وقال ابن القيم ﵀ في موضع آخر: (فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن، إلاَّ بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه، ولو حصل له جميع ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن إليها، ولم يسكن إليها، بل لا تزيده إلاَّ فاقة وقلقاً حتى يظفر بما خُلق له وهُيّيء له: من كون اللَّه وحده نهاية مراده، وغاية مطالبه.... وكلما تمكنت محبة اللَّه من القلب وقويت فيه أخرجت منه تألهُّه لما سواه وعبوديته له) (١) .
وقال ابن رجب ﵀: (فلا صلاح للقلوب حتى تستقر فيها معرفة اللَّه وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه، وتمتلىء من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى " لا إله إلاَّ اللَّه "، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو اللَّه وحده لا شريك له، ولو كان في السماوات والأرض إله يُؤَلَّه سوى اللَّه، لفسدت بذلك السماوات والأرض، كما قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَاءَالِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ((٢)(٣) .
٧ - من أسباب حياة القلب وصحته: أن يكون القلب مدركاً للحق مريداً له، مؤثراً له على غيره:
قال ابن القيم ﵀: (لما كان في القلب قوتان: قوة العلم والتمييز، وقوة الإرادة والحب، كان كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه، ويعود عليه بصلاحه وسعادته. فكماله باستعمال قوة العلم في إدراك الحق، ومعرفته، والتمييز بينه وبين الباطل، وباستعمال قوة الإرادة والمحبة في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل. فمن لم يعرف الحق فهو ضال، ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه، ومن عرفه واتبعه فهو مُنعَم عليه.
стр. 4859
وقد أمرنا اللَّه أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم اللَّه عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ولهذا كان النصارى أخصَّ بالضلال، لأنهم أمة جهل. واليهود أخص بالغضب، لأنهم أمة عناد، وهذه الأمة هم المنعم عليهم، ولهذا قال سفيان بن عيينة (١) " من فسد من عُبَّادنا ففيه شبه من النصارى، ومن فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود" (٢) ؛ لأن النصارى عبدوا بغير علم، واليهود عرفوا الحق وعدلوا عنه..
إلى أن قال ﵀: وينبغي أن تعرف أن هاتين القوتين لا تتعطلان في القلب، بل إن استعمل قوته العلمية في معرفة الحق وإدراكه، وإلا استعملها في معرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل، وإن استعمل قوته الإرادية العملية في العمل به، وإلا استعملها في ضده) (٣) .
٨ - من أسباب حياة القلب وصحته: جمع القلب على اللَّه:
قال ابن القيم ﵀: (وإنما كان جمع القلب على اللَّه والخواطر على السير إليه: حياة حقيقية؛ لأن القلب لا سعادة له، ولا فلاح ولا نعيم، ولا فوز ولا لذة، ولا قُرَّة عين إلاَّ بأن يكون اللَّه وحده هو غاية طلبه، ونهاية قصده، ووجهه الأعلى: هو كل بغيته. فالتفرقة المتضمنة للإعراض عن التوجه إليه، واجتماع القلب عليه: هي مرضه، إن لم يمت منها) (٤) .
٩ - ومن أسباب حياة القلب وصحته: مخالفة اليهود والنصارى في الأعمال والأقوال:
стр. 4860
قال شيخ الإسلام: (وكلما كان القلب أتمَّ حياة، وأعرف بالإسلام - الذي هو الإسلام، لست أعني مجرد التوسم به ظاهراً، أو باطناً بمجرد الاعتقادات، من حيث الجملة - كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطناً وظاهراً أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد) (١) .
وأختم هذا المبحث بقول ابن الجوزي ﵀ (٢) : (من رزق قلباً طيباً، ولذة مناجاة، فليراع حاله، وليحترز من التغيير، وإنما تدوم له حاله بدوام التقوى) (٣) .
الفصل الثالث:أمراض القلوب
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: أنواع مرض القلوب وعلامة ذلك.
المبحث الثاني: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية.
المبحث الأول:أنواع مرض القلوب، وعلامة ذلك
تقدم في المبحث الثاني من الفصل الأول تعريف مرض القلب وأنه نوع فسادٍ يحصل له، يفسد به تصوره، وإرادته، فتصوره: بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق، أو يراه على خلاف ما هو عليه، وإرادته: بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار..
стр. 4861
وقد بين شيخ الإسلام ﵀ مرض القلب وأن سببه ضعف الإيمان فقال: (والمرض في القلب كالمرض في الجسد، فكما أن هذا هو إحالة عن الصحة والاعتدال من غير موت، فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال، من غير أن يموت القلب، سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه، أو أفسد عمله وحركته وذلك - كما فسروه- هو من ضعف الإيمان، إما بضعف علم القلب واعتقاده، وأما بضعف عمله وحركته. فيدخل فيه من ضعف تصديقه، ومن غلب عليه الجبن والفزع، فإن أدواء القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك، كلها أمراض، وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التي فيه ... ) (١) .
وقال ﵀ في موضع آخر: (وإذا حصل في القلب مرض من الشبهات والشهوات أزيل ذلك بضده، ولا يحصل المرض إلاَّ لنقص أسباب الصحة، كذلك القلب لا يمرض بالشهوات والشبهات إلاَّ لنقص إيمانه وعبادته لربه ... ) (٢) .
ثم ذكر شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر أنواعاً من أمراض القلوب كالغيظ، والشك، والجهل، ومرض الشهوة، ومرض الشبهة ...
فقال: (و " مرض القلب " ألمٌ يَحصلُ في القلب كالغيظ من عدو استولى عليك، فإن ذلك يؤلم القلب. قال اللَّه تعالى: (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ((٣) فشفاؤهم بزوال ما حصل في قلوبهم من الألم، ويقال: فلان شفي غيظه، وفي القود استشفاء أولياء المقتول، ونحو ذلك. فهذا شفاء من الغم والغيظ والحزن، وكل هذه آلام تحصل في النفس.
стр. 4862
وكذلك " الشك، والجهل " يؤلم القلب ... والشاك في الشيء المرتاب فيه يتألم قلبه، حتى يحصل له العلم واليقين، ويقال للعالم الذي أجاب بما يبين الحق: قد شفاني بالجواب ... وقال: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ ((١) ، كما قال تعالى: (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ((٢) لم تمت قلوبهم، كموت الكفار والمنافقين، وليست صحيحة صالحة كصلاح قلوب المؤمنين، بل فيها مرض شُبهة وشهوات، وكذلك (فَيَطْمَع الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ((٣) وهو مرض الشهوة، فإن القلب الصحيح لو تعرضت له المرأة لم يلتفت إليها، بخلاف القلب المريض بالشهوة فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه، فإذا خضعن بالقول طمع الذي في قلبه مرض ... ) (٤) .
وقد بين ابن القيم ﵀ أيضاً حقيقة مرض القلب ... وأنواعه كمرض الشبهات والشكوك والجهل، ومرض الشهوات ... فقال: مرض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه في الحال، وهو النوع المتقدم، كمرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات، وهذا النوع من أعظم النوعين ألماً ولكن لفساد القلب لا يُحس بالألم، ولأن سكرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم، وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له، وهو متوارٍ عنه باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين وأصعبهما ...
والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال كالهمِّ والحَزَنِ والغيظ) (٥) .
وقال في موضع آخر: (ومرض القلوب نوعان: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي وكلاهما في القرآن ... ) (٦) .
هذا مجمل أمراض القلوب وسأذكر بعضاً منها بشيء من التفصيل.
مرض الحسد:
стр. 4863
قال أبو حامد الغزالي ﵀: (اعلم أنه لا حسد إلاَّ على نعمة، فإذا أنعم اللَّه على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان:
إحداهما: أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها، وهذه الحالة تسمى حسداً فالحسد حدّه كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه.
الحالة الثانية: أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكن تشتهى لنفسك مثلها. وهذه تسمى غبطة، وقد تختص باسم المنافسة. وقد تسمى المنافسة حسداً والحسد منافسة ويوضع أحد اللفظين موضع الآخر، ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني) (١) .
وقال ابن رجب ﵀: (والحسد مركوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحدٌ من جنسه في شيءٍ من الفضائل ... ) (٢) .
وقيل الحسد: أن يرى الرجل لأخيه نعمه فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه.
والغَبْط: أن يتمنّى أن يكون له مثلها ولا يتمنَّى زوالها عنه (٣) .
وقال ابن منظور: (الحسد: معروف، حَسَدَه يَحْسِده ويَحْسُدُه حسداً وحَسَّدَه إذا تمنى أن تتحول إليه نعمته وفضيلته أو يسلبهما هو) (٤) .
وقال ابن القيم ﵀: (والحسد خُلُق نفس ذميمة وضيعة ساقطة ليس فيها حرص على الخير فلعجزها ومهانتها تحسد من يكسب الخير والمحامد ويفوز بها دونها، وتتمنى أن لوفاته كسبُها حتى يساويها في العدم كما قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ((٥) ، فالحسود عدو النعمة، متمنٍّ زوالها عن المحسود كما زالت عنه هو ... والحسود يحب انحطاط غيره حتى يساويه في النقصان) (٦) .
стр. 4864
وقال شيخ الإسلام ﵀: (ومن أمراض القلوب " الحسد " كما قال بعضهم في حده: إنه أذى يلحق بسبب العلم بحسن حال الأغنياء، فلا يجوز أن يكون الفاضل حسوداً؛ لأن الفاضل يجري على ما هو الجميل، وقد قال طائفة من الناس إنه تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، بخلاف الغبطة، فإنه تمني مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط.
والتحقيق أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود وهو نوعان:
أحدهما: كراهة للنعمة عليه مطلقاً، فهذا هو الحسد المذموم، وإذا أبغض ذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه، فيكون ذلك مرضاً في قلبه، ويلتذ بزوال النعمة عنه، وإن لم يحصل له نفع بزوالها، لكن نفعه زوال الألم الذي كان في نفسه، ولكن ذلك الألم لم يزل إلاَّ بمباشرة منه، وهو راحة فاسدة كالمريض الذي عُولج بما يسكّن وجعه والمرض باقٍ؛ فإن بُغضه لنعمة اللَّه على عبده مرض، فإن تلك النعمة قد تعود على المحسود وأعظم منها، وقد يحصل نظير تلك النعمة لنظير ذلك المحسود.
والحاسد ليس له غرض في شيء معين؛ لكن نفسه تكره ما أنعم به على غيره. ولهذا قال من قال: إنه تمني زوال النعمة، فإن من كره النعمة على غيره تمنى زوالها بقلبه.
стр. 4865
والنوع الثاني: أن يكره فضل ذلك الشخص عليه، فيحب أن يكون مثله أو أفضل منه، فهذا حسد وهو الذي سموه الغبطة، وقد سماه النَّبِيّ ﷺ حسداً في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود وابن عمر ﵄ أنه قال: " لا حَسَد إلاَّ في اثنتين: رجل آتاه اللَّه الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه اللَّه مالاً وسلطه على هلكته في الحق " هذا لفظ ابن مسعود (١) .
ولفظ ابن عمر " رجل آتاه اللَّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه اللَّه مالاً فهو ينفق منه في الحق آناء الليل والنهار " (٢) .
فهذا الحسد الذي نهى عنه النَّبِيّ ﷺ إلاَّ في موضعين هو الذي سماه أولئك: الغبطة، وهو أن يحب مثل حال الغير ويكره أن يفضل عليه.
فإن قيل: إذاً لِمَ سُمي حسداً وإنما أحب أن ينعم اللَّه عليه؟ قيل: مبدأ هذا الحب هو نظره إلى إنعامه على الغير وكراهته أن يتفضل عليه، ولولا وجود ذلك الغير لم يحب ذلك، فلما كان مبدأ ذلك كراهته أن يتفضل عليه الغير كان حسداً؛ لأنه كراهة تتبعها محبة، وأما من أحب أن ينعم اللَّه عليه مع عدم التفاته إلى أحوال الناس فهذا ليس عنده من الحسد شيء.
стр. 4866
ولهذا يبتلى غالب الناس بالقسم الثاني وقد تسمى: المنافسة (١) ، فيتنافس الاثنان في الأمر المحبوب المطلوب، كلاهما يطلب أن يأخذه، وذلك لكراهية أحدهما أن يتفضل عليه الآخر، كما يكره المستبقان كل منهما أن يسبقه الآخر، والتنافس ليس مذموماً مطلقاً، بل هو محمود في الخير. قال تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ((٢) .
فأمر المنافس أن ينافس في هذا النعيم، لا ينافس في نعيم الدنيا الزائل، وهذا موافق لحديث النَّبِيّ ﷺ فإنه نهى عن الحسد إلاَّ فيمن أوتي العلم، فهو يعمل به ويعلمه، ومن أوتي المال، فهو ينفقه. فأما من أوتي علماً ولم يعمل به ولم يعلمه، أو أوتي مالاً ولم ينفقه في طاعة اللَّه فهذا لا يُحسد ولا يُتمنى مثل حاله، فإنه ليس في خير يرغب فيه، بل هو معرض للعذاب ... والنفوس لا تحسد من هو في تعب عظيم، فلهذا لم يذكره ...
стр. 4867
والحسد في الأصل إنما يقع لما يحصل للغير من السؤدد والرياسة، وإلا فالعامل لا يحسد في العادة، ولو كان تنعمه بالأكل والشرب والنكاح أكثر من غيره، بخلاف هذين النوعين فإنهما يُحسدان كثيراً، ولهذا يوجد بين أهل العلم الذين لهم أتباع من الحسد ما لا يوجد فيمن ليس كذلك، وكذلك فيمن له أتباع بسبب إنفاق ماله، فهذا ينفع الناس بقوت القلوب وهذا ينفعهم بقوت الأبدان، والناس كلهم محتاجون إلى ما يصلحهم من هذا وهذا ...
إلى أن قال: وأما الحسد المذموم كله فقد قال تعالى في حق اليهود: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ((١) يودون: أي يتمنون ارتدادكم حسداً، فجعل الحسد هو الموجب لذلك الود من بعد ما تبين لهم الحق، لأنهم لما رأوا أنكم قد حصل لكم من النعمة ما حصل؛ بل ما لم يحصل لهم مثله حسدوكم ...
فالحاسد المبغض للنعمة على من أنعم اللَّه عليه بها ظالم معتدٍ، والكاره لتفضيله المحب لمماثلته منهي عن ذلك إلاَّ فيما يقربه إلى اللَّه، فإذا أحب أن يعطى مثل ما أعطى مما يقربه إلى اللَّه فهذا لا بأس به، وإعراض قلبه عن هذا بحيث لا ينظر إلى حال الغير أفضل.
ثم هذا الحسد إن عمل بموجبه صاحبه كان ظالماً معتدياً مستحقاً للعقوبة إلاَّ أن يتوب، وكان المحسود مظلوماً مأموراً بالصبر والتقوى، فيصبر على أذى الحاسد، ويعفو ويصفح عنه، كما قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ((٢) .
стр. 4868
إلى أن قال ﵀: والمقصود أن " الحسد " مرض من أمراض النفس، وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلاَّ قليل من الناس، ولهذا يقال: ما خلا جسدٌ من حسدٍ، لكن اللئيم يبديه والكريم يخُفيه. وقد قيل للحسن البصري (١) : (أيَحسدُ المؤمن؟ فقال: ما أنساك إخوة يوسف لا أبالك؟ ولكن غمه في صدرك، فإنه لا يضرك ما لم تعد به يداً ولا لساناً) (٢)(٣) .
والحسد المذموم له أسباب كثيرة وقد ذكر جملة منها أبو حامد الغزالي مع شرح هذه الأسباب فقال:
(السبب الأول: العداوة والبغضاء وهذا أشدّ أسباب الحسد.
السبب الثاني: التعزز وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره.
السبب الثالث: الكبر، السبب الرابع: العجب، السبب الخامس: الخوف من فوت المقاصد المحبوبة، السبب السادس: حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه من غير توصل إلى مقصود. السبب السابع: خبث النفس وشحها بالخير لعباد اللَّه تعالى ... ) (٤) .
مرض الشُّحُّ والبخل:
стр. 4869
قال ابن الأثير ﵀: الشُّحُّ: أشد البخل وهو أبلغ في المنع من البخل وقيل هو البخل مع الحرص، وقيل البُخل في أفراد الأمور وآحادها، والشحُّ عام، وقيل البُخل بالمال، والشُّحُّ بالمال والمعروف ... ) (١) .
وقيل: البُخل والبَخَل: لغتان وقرى بهما، والبَخْل والبُخول: ضد الكرم (٢) .
وقيل البخل: هو المنع من مال نفسه، والشح هو بخل الرجل من مال غيره، وقيل: البخل ترك الإيثار عند الحاجة (٣) .
قال شيخ الإسلام ﵀: (والشح مرض، والبخل مرض، والحسد شر من البخل ... وذلك أن البخيل يمنع نفسه، والحسود يكره نعمة اللَّه على عباده، وقد يكون في الرجل إعطاء لمن يعينه على أغراضه، وحسد لنظرائه، وقد يكون فيه بخل بلا حسد لغيره. والشح أصل ذلك.
стр. 4870
وقال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ((١) ، وفي الصحيحين عن النَّبِيّ (أنه قال: " إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا" (٢) .