← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

ومثاله: لفظ الأسد حين يطلق على الحيوان المعروف، والغالب لهذا النوع من الأسماء أن يدل على المعنى الواحد باسم واحد، فإن دل على المعنى الواحد بأسماء كثيرة فإنها تسمى مترادفة، وذلك كدلالة الليث والأسد والغضنفر على نفس الحيوان المعروف (١) . ٢- مغير الدلالة: وتغير الدلالة إما أن يكون على سبيل النقل أو على سبيل المجاز والاستعارة أو على سبيل الاشتقاق. واللفظ سواء كان مستعملاً في معناه الأصلي أو في غيره ينقسم بحسب عموم المعنى وخصوصه إلى قسمين (٢) : القسم الأول: جزئي: "وهو ما يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه" (٣) ، فالذهن حين يتصوره لا يستطيع أن يجعل دلالته لأكثر من واحد. مثاله: زيد وغيره من أسماء الأعلام والمدن والجبال ونحوها، فمعنى كل منها خاص به فحسب. القسم الثاني: كلي: "وهو ما لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه" (٤) ، فالذهن يصح له من مجرد تصوره أن يجعل معناه صادقاً على الكثيرين. مثاله: الإنسان والحيوان والشجر ونحوها من كل ما يصح أن يصدق معناه على الكثيرين. ويلاحظ أن الكلي ينقسم باعتبار استواء معناه في أفراده وتفاوته فيها إلى متواطئ ومشكك. فالمتواطئ: (وهو اتحاد المعنى في أفراد) (٥) ، وهو أي أفراده:- (هي التي تدل على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها) (٦) ، وقيل: هو الكلي الذي استوى أفراده في معناه. مثاله: الإنسان والرجل والمرأة. فإن حقيقة الإنسانية والذكورة والأنوثة مستوية في جميع الأفراد، وإنما التفاضل بينها بأمور أُخر زائدة على مطلق الماهية.

стр. 4972

والمشكك: (هو ما اختلف في أفراده بالشدة والضعف) (١) ، وقيل: هو الكلي الذي تتفاوت أفراده في معناه بالقوة والضعف (٢) . مثاله: النور والبياض. فالنور في الشمس أقوى منه في السراج والبياض في الثلج أقوى منه في العاج. ويلاحظ أيضاً أن الكلي ينقسم باعتبار تعدد مسماه وعدم تعدده إلى مشترك ومنفرد: فالمشترك: (هو ما اتحد منه اللفظ وتعدد المعنى) (٣) ، وقيل: (اللفظ الواحد الذي يطلق على موجودات مختلفة بالحد والحقيقة إطلاقاً متساوياً) (٤) . مثال: العين للباصرة والجارية، والقرء للطهر والحيض. والمنفرد: أن يكون للكلي مسمى واحد. مثال: الإنسان والحيوان ونحو ذلك. فالحقيقة الذهنية التي هي مسمى اللفظ واحدة، وإنما التعدد في الأفراد الخارجية. وينقسم الكلي أيضاً باعتبار وجود أفراده في الخارج وعدم وجودها فيه إلى ستة أقسام: كلي لم يوجد من أفراده فرد واحد في الخارج مع أن وجود فرد منها مستحيل عقلاً. مثاله: الجمع بين الضدين. كلي لم يوجد من أفراده فرد واحد في الخارج مع جواز وجوده عقلاً. مثاله: بحر من زئبق وجبل من ياقوت. كلي وجد منه فرد واحد مع استحالة وجود غيره من الأفراد عقلاً. مثاله: الإله الحق خالق كل شيء ورب كل شيء والقادر على كل شيء. كلي وجد منه فرد واحد مع جواز وجود غيره من الأفراد عقلاً. هذا ما أثبت وجوده العلماء اليوم. مثاله: الشمس. كلي وجدت منه أفراد كثيرة ولكنها متناهية. مثاله: الإنسان والحيوان. كلي وجدت منه أفراد كثيرة وغير متناهية. مثاله: العدد (٥) . ثالثاً: النظر إلى اللفظ بحسب دلالته على المعنى: يعرف هذا البحث عند المناطقة باسم مبحث الدلالة، والمقصود عندهم منه هو دلالة اللفظ وضعاً.

стр. 4973

والوضع في الاصطلاح: هو تعيين أمر للدلالة على أمر، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: المطابقة والتضمن والالتزام. دلالة المطابقة: وهي دلالة اللفظ على تمام المعنى الموضوع له اللفظ (١) . مثاله: دلالة الرجل على الإنسان الذكر، ودلالة المرأة على الإنسان الأنثى. دلالة التضمن: (وهي دلالة اللفظ على جزء من أجزاء المعنى المتضمن له) (٢) ، ولا تكون إلا في المعاني المركبة. مثاله: دلالة لفظ إنسان على الحيوان أو على الناطق ودلالة البيت على الجدران أو على السقف. دلالة الإلتزام: (وهي دلالة اللفظ على أمر خارج عن المعنى لازم له لزوماً ذهنياً بحيث يلزم من فهم المعنى المطابقي فهم ذلك الخارج اللازم) (٣) . مثاله: دلالة الأربعة على الزوجية، والزوجية في الاصطلاح: هي الانقسام إلى متساويين، ودلالة لفظ السقف على الجدار. ويلاحظ أن هذا النوع من الدلالة يشترط فيه وضوح اللزوم الذهني بين اللفظ وما يلازمه. رابعاً: تقسيم الألفاظ بحسب علاقة معانيها بالماهيات: اللفظ الكلي ينقسم بحسب وظيفة معناه في تحديد ماهية الشيء الموصوف به إلى قسمين: كلي ذاتي: (أن يكون داخلها في الذات بأن يكون جزءاً من المعنى المدلول للفظه) (٤) ، وهو يكون معناه جزءاً أساسياً من ذات الموصوف به، أي: أن معناه يعتبر مقوماً له وجزءاً من حقيقته وجوهره، ويشمل الجنس والنوع والفصل؛ كالحيوان الناطق بالنسبة للإنسان. كلي عرضي: (أن يكون خارجاً عن الذات بأن لم يكن جزء من المعنى المدلول للفظه) (٥) ، وهو الذي يمثل معناه صفة عارضة لذات الموصوف، أي ليس عنصراً تلتئم منه ذاتيته، وإنما هو عارض له بعد تقويمه، وشمل العرض الخاص (الخاصة) والعرض العام. كالماشي والضاحك بالنسبة للإنسان.

стр. 4974

وبهذا نصل إلى الكلام عن الكليات الخمس: الجنس والنوع والفصل والعرض الخاص والعرض العام. والتي تمثل مبادئ التصورات، وهي وأمثلتها موضوع المبحث التالي. المبحث الثاني: التصورات المطلب الأول: مبادئ التصورات سبق أن تبين أن اللفظ الكلي ينقسم بحسب وظيفة معناه في تحديد ماهية الشيء الموصوف إلى قسمين: الذاتي: (هو الذي يدخل في حقيقة جزئياته كالحيوان بالنسبة للإنسان) (١) ، وهو الذي يمثل معناه صفة عارضة لذات الموصوف، وهو ما يمثل الجواب عن السؤال بلفظة "أي" التي يسأل بها عن ما يميز المسئول عنه، ويفصله عما يشاركه ذاتياً كان أو عرضياً، والجواب ينحصر إما في العرض الخاص، أو العرض العام. وبذلك يصل البحث إلى الكيات الخمس التي هي أقسام الذاتي والعرض، وتفصيلها على النحو التالي: الجنس: المقصود بالجنس عند أهل المنطق: قول كلي يقال على كثيرين مختلفين في الحقيقة يقع في جواب ما هو (٢) . أو هو المحمول على كثيرين مختلفين بالنوع من طريق ما هو. أو هو جزء الماهية الذي هو أعم منها لصدقه عليها وعلى غيرها. مثاله: لفظ الحيوان. فإنه يطلق على الإنسان والفرس والثور، فإن حقيقة كل من الإنسان والفرس والثور تختلف عن الآخر، ولكن يجمعها كلها أنها تندرج تحت كلمة حيوان لأنه جنسها. ويلاحظ أن الحيوان-في هذا المثال- هو جزء من ماهية الإنسان لأن الإنسان- على قول أهل المنطق- مركب من حيوان ناطق فالحيوان جزء ماهيته الصادق بها، وكذلك الفرس والثور ونحوها. ٢- النوع: قول كلي يقال على كثيرين متفقين في الحقيقة (٣) مختلفين في العدد واقع في جواب ما هو، وهو ما يترتب تحت الجنس، أو هو الكلي الذي هو تمام ماهية أفراده.

стр. 4975

مثاله: زيد وعمرو وبكر وخالد وهند. فقولك: ما هو زيد؟ وما هو عمرو؟ وما هو بكر؟ وما هو خالد؟ وما هي هند؟ الكلمة التي تحمل على الجميع هي النوع؟ فجواب ذلك أن تقول: الإنسان لأنه القدر المشترك بين الأفراد. فالإنسان نوع، فهم متفقون في الحقيقة الإنسانية ولكن يختلف كل شخص منهم عن الآخر. ويلاحظ أن كلاً من الجنس والنوع يقع في جواب"ما هو" غير أن الجنس يطلق على كثيرين مختلفين في الحقيقة، والنوع يطلق على كثرين متفقين في الحقيقة؛ فالجنس أعم من النوع لأنه يشتمل على أنواع كثيرة. ويلاحظ أيضاً أن الجنس قد يكون نوعاً لجنس أعلى منه مثل الحيوان "نوع" بالنسبة للجسم "جنساً"، فإن الجسم أعم من الحيوان حيث يشتمل عليه وعلى غيره كالجمادات ونحوها، وهذا الاعتبار يكون الجنس نوعاً لما هو أعلى منه وجنساً لما هو أخص منه، فإن الحيوان جنس للإنسان والفرس ونوع للجسم، وهكذا حتى ينتهي الأمر في الارتقاء وإلى جنس واحد لا جنس فوقه، يسمى جنس الأجناس، وينتهي الأمر في الانحطاط إلى نوع لا نوع بعده يسمى نوع الأنواع. كيف يعتبر أصغر الأنواع نوع الأنواع؟ وإنما الذي يعتبر أكبرها هو نوع الأنواع. الفصل: وهو القسم الثالث للذاتي: وهو كلي مقول على كثيرين متفقين بالحقيقة في جواب أي شيء هو في ذاته (١) ، فهو يمثل صفة أو صفات ذاتية تفصل نوعاً عن غره من الأنواع المشتركة معه في جنس واحد، وذلك كلفظ الناطق الذي يحمل على الإنسان فيفصله عن الفرس والثور اللذين يشتركان معه في الجنس وهو الحيوانية. ويلاحظ أن الفصل بالنسبة للنوع مقوم له، وبالنسبة للجنس مقسم له؛ فالناطق في المثال السابق داخل في تعريف الإنسان الذي هو النوع مقوم له، وفي نفس الوقت قسم من أقسام الجنس الذي هو الحيوان. ويلاحظ أن هذه الأقسام الثلاثة من الكليات من قبيل الذاتي. العرض الخاص (الخاصة) :

стр. 4976

كلى خارج عن الماهية مختص بها، وعى خاصا لأنه يختص بنوع واحد فقط من أنواع الجنس ويميزه عن غيره من الأنواع الأخرى (١) . مثل: ضاحك بالنسبة لنوع الإنسان؛ فإنه يميزه عن بقية أنواع جنسه كالفرس والثور مثلا، وسواء وجدت صفة الضحك في كل أفراد الإنسان أم لا فإنها تميز الإنسان عن غيره وتختص به هو، وكذلك صفة الكاتب والقارئ مع أنها تختص ببعض أفراد النوع- إذ ليس كل إنسان قارئاً أو كاتبا- فإنها خاصة به دون غيره. العرض العام: هو الكلي الخارج عن الماهية الشامل لها ولغيرها، وعي عاما لأنه يعم أكثر في نوع واحد سواء وصفت به جملة النوع (٢) كصفة البياض بالنسبة للقطن والثلج واللبن، أو وصفت به بعض أشخاص النوع كالحركة بالنسبة للنبات والفرس والإنسان. ويلاحظ أن معنى لفظ العرض انه ليس جزءاً في الحقيقة ولكنه من لوازم النوع. وبهذا القدر المختصر من الكلام عن الكليات الخمس ينتهي الكلام عن مبادئ التصورات ويأتي الكلام عن مقاصد التصورات وهي التعريفات والحدود والتي تعتبر الكليات الخمس بمثابة الأساس لها. المطلب الثاني: مقاصد التصورات: مقاصد التصورات هي التعريفات والحدود. وأهل المنطق يعتبرون مبحث التعريف بالحد والقياس البرهاني لب المنطق وجوهره، وما عدا هذين -أعني ما أصبح مشهوراً باسم القياس المنطقي والحد الأرسطي- فهو نوع متفرع عنهما أو مكمل لهما. ويراد من التعريف للشيء، أن يكون ذلك التعريف جامعاً لجميع أفراد ذلك الشيء بحيث لا يخرج عنه فرد، وأن يكون مانعاً لكل ما سواها من الدخول فيها. ويلاحظ أن التعريف للشيء يقوم على: إدراج النوع تحت جنسه، سواء كان الجنس القريب أو البعيد. تم تمييزه بصفة جوهرية فيه أو بخاصة من خواصه. والتعريف ينقسم إلى قسمين: التعريف بالحد والتعريف بالرسم. وتفصيل الكلام فيهما على النحو التالي: أولاً: التعريف بالحد:

стр. 4977

المراد بالحد عند أهل اللغة هو المنع أو الفصل بين شيء وآخر. والمراد بالحد عند أهل المنطق هو: (القول الدال على ماهية الشيء) (١) ، وإنما يكون القول دالاً على ماهية الشيء إذا كان يجمع صفاته الذاتية واللازمة على وجه يتم به تحديده وتمييزه عن غيره، وسمي الحد حداً لأنه يمنع أفراد المحدود من الخروج، ويمنع غيرها من الدخول. والتعريف بالحد ينقسم إلى ما يكون بالحد التام وما يكون بالحد الناقص، وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: الحد التام: هو ما يتركب من الجنس والفصل القريبين كتعريف الإنسان بالحيوان الناطق (٢) . أي تعريف الماهية بذكر المقومات الذاتية المشتركة (الجنس) والمقومات الذاتية الخاصة (الفصل) أو على وجه الدقة يقال للتعريف بالحد التام: هو ما يكون بالجنس القريب والفصل. مثال ذلك: تعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق. فالجنس القريب: وهو مقومه الذاتي المشترك فيه مع غيره (حيوان) . والفصل: وهو مقومه الذاتي الخاص به المميز له عن غيره (ناطق) . ثانياً: الحد الناقص: التعريف بالحد الناقص: (هو ما تألف من الجنس البعيد والفصل أو ما كان بالفصل وحد) (٣) . مثال ذلك: تعريف الإنسان بأنه جسم ناطق. فكلمة (جسم) تمثل جنساً بعيداً للإنسان لا يدل على طبيعته على وجه الدقة. وكلمة (ناطق) فصل مميز ذاتي يختص به وحده. وعدم الدلالة على حقيقة المعرَّف وماهيته في ذلك المثال هو ما جعل ذلك التعريف من قبيل الحد الناقص. وكذلك الحال إذا اكتفينا في التعريف بالفعل وحده. ثانياً: التعريف بالرسم: هو التعريف المؤلف من الصفات العرضية أو بعضها للشيء المعرَّف، ويسمى التعريف الوصفي أو التعريف بالرسم؛ لأنه يعرَّف الشيء بذكر خاصة من خواصه تميزه عن بقية الأشياء الأخرى، فالتعريف بالرسم: يرسم صورة ظاهرة للشيء دون الكشف عن حقيقته وماهيته.

стр. 4978

والتعريف بالرسم ينقسم إلى التعريف بالرسم التام والتعريف بالرسم الناقص، والتفصيل كالآتي: التعريف بالرسم التام: وهو المؤلف من الجنس القريب والخاصة (١) ، أي من مميز ذاتي مشترك مع صفة ليست جزءاً من الماهية، لكنها لازمة لها، وهي خاصة. مثال ذلك: تعريف الإنسان بأنه حيوان ضاحك أو حيوان كاتب. التعريف بالرسم الناقص: هو التعريف المؤلف من الجنس البعيد والخاصة أو بالخاصة وحدها (٢) . مثال ذلك: تعريف الإنسان بأنه جسم كاتب أو جسم ضاحك. فالجسم: جنس بعيد للإنسان، وكاتب -ومثلها ضاحك-: خاصة. أو تعريف الإنسان بأنه ضاحك، فهذا تعريف بالخاصة وحدها. شروط التعريف: لكي يؤدي التعريف إلى الغاية المقصودة منه اشترط أهل المنطق له عدة شروط هي: الشرط (٣) الأول: أن يكون التعريف بالحد التام المبين للماهية والكاشف عن الحقيقة. الشرط الثاني: أن يكون التعريف جامعاً مانعاً، أي جامعاً لكل أفراد غيره، ومعنى ذلك أن التعريف لا بد أن يكون مساوياً للمعرف من جهة الماصدق. فلا يكون أعم: أي أوسع مجالاً من المعرّف. ولا يكون أخص: أي أضيق مجالاً من المعرّف. الشرط الثالث: أن يكون التعريف أوضح من المعرّف في المعنى لكي تتحقق الفائدة المقصودة من التعريف. مثال ذلك: تعريف الغضنفر بالأسد؛ لأن الأسد أظهر وأوضح عند السامع من الغضنفر، ولا يجوز أن يكون التعريف مساوياً للمعرّف في الظهور أو أخفى منه. مثال الأول: تعريف الزوج بما ليس فرداً. الشرط الرابع: أن لا يكون التعريف بما لا يعرف إلا بواسطة الشيء المعرّف؛ لأن ذلك يدخل فيما يعرف بالدور السبقي، وهو ممتنع.

стр. 4979

مثال ذلك: تعريف الشمس بأنها كوكب يطلع نهاراً، فالنهار في الحقيقة إنما يعرف بطول الشمس وليس العكس. ويلاحظ في هذا الشرط عدم جواز إدخال الأحكام في الحدود التي أساسها التصور؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. الشرط الخامس: أن لا يكون التعريف للشيء بنفسه، بمعنى تعريفه بمرادفه أو ببعضه. مثال ذلك: تعريف الحركة بأنها هي النقلة، فالنقلة من أقسام الحركة، أو تعريف الزمان بأنه مدة الحركة؛ إذ المدة مرادفة للزمان (١) . الشرط السادس: أن يكون التعريف خالياً من المجاز إلا مع قرينة تعين المقصود بالتعريف، وأن يكون خالياً من الألفاظ المستعارة والغريبة والوحشية، بل يجب أن تستعمل فيه الألفاظ الواضحة المعتادة (٢) . المبحث الثالث: التصديقات مدخل: تبين - مما سبق - أن التصور هو إدراك حقيقة الشيء وماهيته إدراكاً ذهنياً دون حكم عليه بصدق أو كذب. وتبين أيضاً أن الطريق المعتمد لوصول إلى ذلك التصور عند أهل المنطق هو التعريف بالحد التام، وهو ما يعرف بالحد الأرسطي. واشتهر عن أهل المنطق -سواء من تصريحهم أو من طريقة عرضهم لهذه المسائل وما تقتضيه- أنه لا يمكن الوصول إلى التصور النظري إلا بالحد الأرسطي. وعلى كل حال، فالتصور يمثل الخطوة الأولى في العلوم التي ينبني عليها ما بعدها من التصديقات والاستدلالات. وأما التصديق -كما سبق ذكره- فهو الحكم بالارتباط بين تصورين، فإذا جاء الحكم مطابقاً للواقع كان صادقاً، وإذا جاء مخالفاً للواقع كان كاذباً. فإذا كان التصور لا يحكم فيه بصدق أو كذب، فإن التصديق لا يقوم إلا على حكم.

стр. 4980

والحكم يحتاج في التعبير عنه إلى تركيب خبري يحتمل الصدق والكذب؛ هذا التركيب يسمى في المنطق "قضية". هذه القضية وأقسامها وما يتعلق بها، سوف أتناولها تحت عنوان: مبادئ التصديقات. ثم يأتي بعد ذلك الكلام عن الارتباط بين هذه "القضايا المنطقية" وصولاً إلى الاستدلال الذي يمثل المقصود الأعظم من فن المنطق كله، وهو ما أتناوله تحت عنوان: مكانة القياس المنطقي: (مقاصد التصديقات) ، وهو ما يمثل الفصل الثاني من القسم الثالث. مبادئ التصديقات: ومبادئ التصديقات هي القضايا المنطقية وأحكامها، والقضية المنطقية هي قول مؤلف يحكم فيه بنسبة شيء إلى شيء على سبيل الإيجاب أو السلب، ويسمى طرفاً للقضية حدين، وهما اللذان يحكم بنسبة أحدهما للآخر (١) . وتتركب القضية المنطقية –كما سبق بيانه- من الموضوع والمحمول والرابطة بينهما: أنواع القضايا: تنقسم القضايا من حيث تركيبها إلى الحملية والشرطية كالآتي: أولاً: القضية الحملية: وهي التي يحكم بها بإثبات شيء بشيء أو نفي شيء عن شيء (٢) . وتنقسم القضية الحملية من حيث الكم إلى كلية وجزئية: فالقضية الحملية الكلية: هي التي يكون الحكم فيها واقعاً على كل أفراد الموضوع. والقضية الحملية الجزئية: هي التي يكون الحكم فيها واقعاً على بعض أفراد الموضوع. وتنقسم القضية الحملية من حيث الكيف إلى موجبة وسالبة كالآتي: القضية الحملية الموجبة: هي التي يكون الحكم فيها بإثبات شيء لشيء، بمعنى أن المحمول فيها يثبت صفة للموضوع. والقضية الحملية السالبة: هي التي يكون الحكم فيها بنفي شيء عن شيء، بمعنى أن المحمول فيها يُنفى عن الموضوع. السور في القضية الحملية: المقصود عند أهل المنطق بكلمة "سور القضية" هو ما يدل على الكلية والجزئية فيها تشبيها له بالسور الذي يحيط بالمنزل.

стр. 4981

وتعريف السور عند أهل المنطق: هو اللفظ الدال على إحاطة المحمول بجميع أفراد الموضوع أو بعضها إيجاباً وسلباً. وبذلك ينقسم سور القضية الحملية إلى أربعة أقسام على النحو التالي: سور كلي إيجابي: نحو (كل) و (عامة) وما شابه ذلك. سور كلي سلبي: نحو (لا شيء) و (لا واحد) ونحوهما. سور جزئي إيجابي: نحو (بعض) . سور جزئي سلبي: نحو (بعض ليس) و (ليس بعض) . والقضية الحملية لا بد لموضوعها من أ؛ د أمرين: إما أن يكون كلياً، وإما أن يكون جزئياً. فإن كان موضوعاً كلياً فله مع السور خمس حالات: أن يُسوَّر بسور كلي إيجابي. أن يسور بسور كلي سلبي. أن يسور بسور جزئي إيجابي. أن يسور بسور جزئي سلبي. أن يهمل من السور. وهذا القسم بمنزلة الجزئية. فأقسام القضية الحملية التي موضوعها كلي أربعة في الحقيقة؛ لأن المهملة في قوة الجزئية. وأما إن كان موضوعها جزئياً فهي التي تسمى شخصية ومخصوصة، ولها مع السور حالتان: أن تكون موجبة: نحو (زيد قائم) . أو تكون سالبة: نحو (زيد ليس بقائم) . فتحصل أن القضية الحملية باعتبار الكيف والكم ستة أقسام: كلية موجبة: مثال (كل إنسان حيوان) . كلية سالبة: مثال (لا شيء من الإنسان بحجر) . جزئية موجبة: مثال (بعض الحيوان إنسان) . جزئية سالبة: مثال (بعض الحيوان ليس بإنسان) . شخصية موجبة: مثال (زيد قائم) . شخصية سالبة: مثال (زيد ليس بقائم) . ثانياً: القضية الشرطية: "ما تركبت من جزأين ربط أحدهما بالآخر بأداة شرط أو عناد. مثال: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. والعدد إما زوج وإما فرد" (١) . إذن تتألف القضية الشرطية من قضيتين حمليتين ترتبطان بأداة ربط معينة، تسمى القضية الأولى: "مقدم"، وتسمى القضية الثانية: "تالي". وعلى أساس الأداة التي تربط بين المقدم والتالي يختلف نوع القضية الشرطية، فهي إما شرطية متصلة، وإما شرطية منفصلة.

стр. 4982

ويلاحظ أن تسميتها بالشرطية تمييزاً لها عن القضية الحملية التي هي مطلقة؛ لأن الحكم فيها أطلق بلا شرط أو قيد. أما القضايا الشرطية فإن الحكم فيها يتوقف على استيفاء شرط معين، فهي مشروطة بهذا الشرط. ويلاحظ أيضاً أن القضية الحملية التي تدخل في تركيب القضية الشرطية ينتفي كونها قضية مستقلة بارتباطها بالقضية الأخرى؛ إذ إنها تصبح مجرد جزء من قضية أكبر، هي التي يقال عنها إما صادقة وإما كاذبة. ويلاحظ أيضاً أن القضية الحملية يكون كل طرف من طرفيها مفرداً غير مركب، بينما القضية الشرطية -كما سبق- لا بد أن يكون كل من طرفيها مركباً، ولذلك تسمى القضية الحملية قضية بسيطة، وتسمى القضية الشرطية قضية مركبة. وتفصيل الكلام على نوعي القضية الشرطية على النحو التالي: القضية الشرطية المتصلة: هي التي يكون الحكم فيها بتعليق أحد طرفيها على الآخر، وهي قضية تتكون من قضيتين حمليتين تربط بينهما واحدة من أدوات الشرط: "إن" و "إذا" و "كلما" ونحوها، وإنما سميت متصلة لاتصال طرفيها -أي مقدمها وتاليها- صدقاً ومعية. صدقاً: لأنه يلزم من ثبوت الملزوم ثبوت لازمه. ومعية: لأنه يلزم من وجود مقدمها وجود تاليها معه في المصاحبة والوجود. وتنقسم الشرطية المتصلة بحسب الكيف إلى: شرطية متصلة موجبة: مثال: كلما كانت الشمس طالعة، كان النهار موجوداً. شرطية متصلة سالبة: مثال: ليس كلما كانت الشمس طلعة، كان الليل موجوداً. القضية الشرطية المنفصلة: وهي التي يكون الحكم فيها بالتنافي والعناء أو بسلبه بين طرفيها، وهي تتكون من قضيتين حمليتين بينهما رابطة تفيد معنى الفصل والمباعدة، وتتمثل هذه الرابطة في أداة "إما". وتنقسم الشرطية المنفصلة أيضاً بحسب الكيف إلى: شرطية منفصلة موجبة: مثال: هذه الزاوية إما حادة وإما منفرجة. شرطية منفصلة سالبة: مثال: ليس إما أن يكون هذا العدد زوجاً وإما منقسماً بمتساويين. السور في القضية الشرطية:

стр. 4983

أولاً: سور القضية الشرطية المتصلة: هي كل لفظ يدل على الحكم بالمتلازم أو بعدمه في كل الأحوال والأزمان أو بعض الأحوال والأزمان، وعلى ذلك يتنوع بحسب نوع القضية. فإن كانت الشرطية كلية موجبة: كان سورها يدل على الكم بالتلازم بين المقدم التالي في جميع الأحوال والأزمان كلفظ: كلما، ومهما، ومتى. مثال ذلك: كلما كثر مال المرء زاد حبه للمال. وإن كانت كلية سالبة: كان سورها هو اللفظ الدال على سلب التلازم بين المقدم والتالي في جميع الأحوال والأزمان، وهو "ليس البتة" و "ليس أبداً". مثال: ليس البتة إذا كان الماء بخاراً كان أثقل من الهواء. وإن كانت جزئية موجبة: كان سورها يفيد الحكم بالتلازم بين مقدمها وتاليها في بعض الأحوال والأزمان. ويستعمل لذلك اللفظ "قد يكون". مثال ذلك: وقد يكون إذا كان الطالب مجداً في دروسه كان ناجحاً في الامتحان. وإن كانت الشرطية المتصلة جزئية سالبة: كان السور ما يدل على رفع التلازم بين طرفيها في بعض الأحوال والأزمان، ويستعمل لذلك "قد لا يكون" و "ليس كلما". مثال ذلك: قد لا يكون إذا كان الطالب مجتهداً كان ناجحاً. ثانياً: سور الشرطية المنفصلة: يتنوع كذلك سور القضية المنفصلة بحسب أنواعها: فإن كانت كلية موجبة؛ كان سورها اللفظ الدال على التنافي والتعاند بين طرفيها في جميع الأحوال والأزمان، وهو: "دائماً". مثال: دائماً إما أن يكون الجو حاراً وإما أن يكون بارداً. وإن كانت كلية سالبة: كان السور فيها ما دل على سلب التنافي والعناد بين طرفيها في جميع الأحوال والأزمان، ويدل على ذلك باللفظ: "ليس البتة". مثال: ليس البتة إما أن يكون العدد فرداً أو غير قابل للقسمة على اثنين. وإن كانت جزئية موجبة: كان السور ما دل على العناد بين المقدم والتالي في بعض الأحوال أو الأزمان، ويدل على ذلك باللفظ: "قد يكون". مثال: قد يكون إما أن يكون الشيء نامياً وإما أن يكون جماداً.

стр. 4984

وإن كانت جزئية سالبة: كان سورها اللفظ الدال على سلب العناد بين مقدمها وتاليها في بعض الأحوال والأزمان، واللفظ الدال على سلب العناد بين مقدمها وتاليها في بعض الأحوال والأزمان المستعمل لذلك: " قد لا يكون" و "وليس دائماً". مثال: قد لا يكون إما أن يكون الشيء حيواناً وإما أن يكون إنساناً. الفصل الثاني: مكانة القياس المنطقي (مقاصد التصديقات) وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف القياس المبحث الثاني: أشكال القياس المبحث الثالث: شروط انتاج القياس مدخل في مقاصد التصديقات: مقاصد التصديقات هي القياس المنطقي، وهو المقصود الأصلي من فن المنطق اليوناي، وهو الجزء الجوهري من المنطق اليوناني، وهو العمدة عند أهل المنطق تحصيل المطالب التصديقية التي هي أشرف من التصورية. وإذا كان القياس عند أهل المنطق: "هو قول مؤلف من قضيتين أو أكثر يستلزم قضية أخرى"، فإن هذا يبين أن القضايا المنطقية هي الأساس الذي ينبني عليه القياس المنطقي، والقضية المنطقية هي التركيب الخبري الذي يحتمل الصدق والكذب فهي التصديق. والتصديق أساسه التصور والتصور لا يعرف-عند المناطقة- إلا بالتعريف بالحد التام، والحد التام يعتمد على مباحث الألفاظ وعلاقاتها بالمعاني والدلالات توصلاً إلى الكليات الخمس أساس التعريف كله. وهكذا يتبين للباحث أن كل مسائل المنطق إنما سيقت وصيغت للوصول إلى القياس المنطقي الذي يمثل الركن الرئيسي من أركان المنطق اليوناني، وقد سبقت الإشارة إلى هذه العلاقة بين القياس المنطقي والمنطق اليوناني لبيان مكانته ومنزلته منه في مقدمة البحث. والكلام عن القياس المنطقي يتمثل في الكلام عن تعريف القياس وأشكال القياس وشروط الإنتاج في القياس الاقتراني الحملي على التفصيل التالي: المبحث الأول: تعريف القياس

стр. 4985

تعريف القياس عند أهل المنطق هو قول مؤلف من أقوال إذا صحت لزم عنها بذاتها لا بالغرض قول آخر غيرها اضطرار (١)

стр. 4986

، وقيل أنه: قول مؤلف من قضيتين –أو أكثر- يستلزم لذاته قضية أخرى. فخرج بقولهم: "مؤلف من قضيتين" ما ليس بمؤلف كالقضية الواحدة، وخرج بقولهم: "يستلزم لذاته قضية أخرى" ما لم يستلزم قضية أصلاً، وخرج بقولهم: "لذاته" ما استلزم قضية أخرى لا لذاته بل من أجل قضية أجنبية أو لخصوص المادة. ويلاحظ في شرح تعريف القياس ما يلي: أن الكلام على القياس في هذا العرض المختصر يقتصر على القياس الاقتراني الحملي. فهو اقتراني؛ لأن عناصره فيها اقتران ونتيجته في مقدمتيه بالقوة لا بالفعل، يعني بالمادة لا بالصورة والهيئة. وهو قياس حملي؛ لأنه مؤلف من القضايا الحملية، وليس فيه من الشرطيات شيء. أجزاء القياس تسمى مقدمات، ويقتصر فيه على مقدمتين فقط وهذا مشهور، وقد يشتمل القياس على أكثر من مقدمتين، ولكنها تؤول إلى مقدمتين: المقدمة الأولى والمقدمة الثانية. الأجزاء التي تتألف منها مقدمتا القياس تسمى حدوداً. لا بد في مقدمتي القياس من حد مشترك، بينما يجمع بين المقدمة الأولى والثانية، وهذا الحد المشترك يسمى الحد الأوسط، وبواسطته ينتقل الذهن من الحكم العام إلى الحكم الخاص. ولكل من المقدمتين حد يخصها تنفرد به عن الأخرى، وهما طرفا الحكم الخاص الذي ينتقل إليه الذهن وهو النتيجة، ويسمى الحد الأول في النتيجة بالحد الأصغر، وتسمى المقدمة التي تشتمل عليه بالمقدمة الصغرى، ويسمى الحد الثاني في النتيجة بالحد الأكبر، وتسمى المقدمة التي تشتمل عليه بالمقدمة الكبرى. فقال: كل إنسان حيوان وكل حيوان حسّاس. ينتج: كل إنسان حسّاس. فالحد الأول ف بالنتيجة (الموضوع) : كل إنسان؛ وهو الحد الأصغر، والمقدمة التي تشتمل لعيه تسمى المقدمة الكبرى، وهي: كل حيوان حسّاس. فالمقدمة الكبرى هي التي تشتمل على محمول النتيجة، والمقدمة الصغرى هي التي تشتمل على موضوعها. المبحث الثاني: أشكال القياس

стр. 4987

يحدد وضع الحد الأوسط في المقدمتين أشكال القياس، والقسمة العقلية لوضع الحد الأوسط في المقدمتين لا تخرج عن أربعة أشكال: الشكل الأول: يكون الحد الأوسط فيه: محمولاً في الصغرى موضوعاً في الكبرى. مثال: كل إنسان حيوان وكل حيوان حسّاس. ينتج: كل إنسان حسًاس. الشكل الثاني: يكون الحد الأوسط فيه: محمولاً في الصغرى والكبرى معاً. مثال: كل إنسان حيوان، ولا شيء من الحجر بحيوان. ينتج: لا شيء من الإنسان بحجر. الشكل الثالث: يكون الحد الأوسط فيه: موضوعاً في الصغرى والكبرى معاً (عكس الشكل الثاني) . مثال: كل إنسان حيوان، وبعض الإنسان كاتب. ينتج: بعض الحيوان كاتب. الشكل الرابع: يكون الحد الأوسط فيه موضوعاً في الصغرى محمولاً في الكبرى (عكس الشكل الأول) . مثال: كل إنسان حيوان، وكل ناطق إنسان. ينتج: بعض الحيوان ناطق. المبحث الثالث: شروط إنتاج القياس أولاً: شروط الإنتاج في القياس الاقتراني الحملي: هناك شروط عامة لا بد منها في كل قياس لكي يكون منتجاً بالضرورة، وهناك شروط تخص كل شكل من الأشكال الأربعة للقياس. ثانياً: الشروط العامة لإنتاج القياس: أن يكون في كل قياس مقدمة كلية؛ لأنه لا إنتاج من جزئين. أن يكون في كل قياس مقدمة موجبة؛ لأنه لا إنتاج من سالبتين. لا بد أن تتبع النتيجة أحسن المقدمين كماً وكيفاً، فإذا كانت إحدى المقدمتين جزئية وجب أن تأتي النتيجة جزئية، وإذا كانت المقدمتين سالبة؛ وجب أن تكون النتيجة سالبة كذلك. ألا يستغرق في النتيجة حد لم يكن مستغرباً في مقدمته؛ بمعنى أنه لا تجيء النتيجة كلية وتكون إحدى المقدمتين جزئية ثالثاً: الشروط الخاصة بكل شكل من أشكال القياس: شروط إنتاج الشكل الأول: أن تكون الصغرى موجبة والكبرى كلية. مثال: كل إنسان حيوان، وكل حيوان فان. ينتج: كل إنسان فان. والضروب المنتجة لهذا الشكل أربع، هي: كلية موجبة + كلية موجبة (كلية موجبة كلية موجبة + كلية سالبة (كلية سالبة

стр. 4988

جزئية موجبة + كلية موجبة (جزئية موجبة جزئية موجبة + كلية سالبة (جزئية سالبة شروط إنتاج الشكل الثاني: أن تختلف مقدمتاه سلباً وإيجاباً وأن تكون الكبرى كلية. مثال: كل إنسان حيوان، ولا شيء من الجماد حيوان. ينتج: لا شيء من الإنسان بجماد. والضروب المنتجة لهذا الشكل أربع كذلك، هي: كلية موجبة + كلية سالبة (كلية سالبة كلية سالبة + كلية موجبة (كلية سالبة جزئية موجبة + كلية سالبة (جزئية سالبة جزئية سالبة + كلية موجبة (جزئية سالبة شروط إنتاج الشكل الثالث: أن تكون الصغرى موجبة، وأن تكون إحدى المقدمتين كلية. ويلاحظ أن ضروب هذا الشكل المنتجة لا بد أن تكون جزئية حتى لا يستغرق حد في النتيجة م يكن مستغرقاً في المقدمة. مثال: كل إنسان حيوان، وكل إنسان ضاحك. ينتج: بعض الحيوان ضاحك. والضروب المنتجة لهذا الشكل ستة، هي: كلية موجبة + كلية موجبة (جزئية موجبة كلية موجبة + كلية سالبة (جزئية سالبة كلية موجبة + جزئية موجبة (جزئية موجبة كلية موجبة + جزئية سالبة (جزئية سالبة جزئية موجبة + كلية موجبة (جزئية موجبة جزئية موجبة + كلية سالبة (جزئية سالبة شروط إنتاج الشكل الرابع: ألا تجتمع فيه خستان وهما (السلب والجزئية) سواء كانتا من جنسين أو من جنس واحد. ويستثنى من هذا الشرط صورة واحدة: وهي كون صغراه جزئية موجبة وكبراه كلية سالبة. مثال: كل إنسان حيوان، وكل ناطق إنسان. ينتج: بعض الحيوان ناطق. والضروب المنتجة لهذا الشكل خمسة، هي: كلية موجبة + كلية موجبة (جزئية موجبة كلية موجبة + جزئية موجبة (جزئية موجبة كلية سالبة + كلية موجبة (كلية سالبة كلية موجبة +كلية سالبة (جزئية سالبة جزئية موجبة + كلية سالبة (جزئية سالبة وهذه الصورة الأخيرة هي الحالة الوحيدة المستثناة من شرط اجتماع الخستين في هذا الشكل.

стр. 4989

وبهذا ينتهي القسم الأول بعرض المنطق اليوناني والقياس المنطقي بصورة موجزة وميسرة، ويأتي نقد القياس المنطقي في القسم الثاني الذي يعتبر ثمرة هذا البحث. خاتمة البحث الحمد لله على عونه وتيسيره وتوفيقه، والشكر له على تسديده إلى الإيمان بشرعه، ولزوم طريقه، إذ جعلنا برحمته من حزب نبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام وأسأله أن أن يوفقني لكل ما يحبه ويرضاه. وبعد: فإنني قد تناولت في هذا البحث وما احتواه من مباحث ومطالب، تاريخ تسلسل المنطق اليوناني الوثني إلى المجتمع الإسلامي، وما قام به بعض العلماء إلى الدعوة إليه، والإشادة به، وتفخيمه ومزجه بالعلوم الإسلامية، وما ترتب على ذلك من فساد فكري جعل الناصحين من علماء الإسلام يحذِّرون منه، ويبينون أثره الخطير، وضرره وشره المستطير في توهين نصوص الشرع، والنيل من مكانتها في بلاد الإسلام. وانطلاقاً من قاعدة: "أن الحكم على شيء فرع عن تصوره"؛ تناولت فيه أسس المنطق اليوناني من التصديقات والتصورات، وبينت بإيجاز القياس المنطقي ومكانته في المنطق اليوناني حتى أتمكن من الرد على ضلالهم من خلال منطقهم، وأبين ما أتفق عليه سلف الأمة من الحق والحكمة الرشيدة التي تنقض أصولهم. وهذا كله حباً لمشاركة أهل العلم وطلابه في النصيحة لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، فإن وفقت فيما قدمت في هذا البحث؛ فالفضل في التوفيق لله وحده لا شريك له، فله الحمد والمنة، وإن قصرت أو أخطأت؛ فذلك مني وأسأل الله العفو والتجاوز. وأسأل الله بأسمائه وصفاته أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجه الكريم، وصلى الله وسلم وبارك على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بكتابه وسنة نبيه، واحتج بهما، وقدمهما على كل قول إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. الحواشي والتعليقات

стр. 4990

حكم الطهارة لمس القرآن الكريم دراسة فقهية مقارنة د. عمر بن محمد السبيل أستاذ مساعد - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة أم القرى ملخص البحث يشتمل البحث على مقدمة ومبحثين، وخاتمة. فالمقدمة في بيان سبب البحث، ومنهجه، أما المبحثان؛ فالأول: في حكم الطهارة للبالغ، وقد بينت فيه إجماع العلماء على تحريم مس المصحف لمن كان عليه حدث أكبر، ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية، أما إن كان عليه حدث أصغر، فقد اختلف العلماء في حكم مسه للمصحف، على قولين: الأول: أنه لا يجوز له مس القرآن. وبه قال جمع من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف، وقال به كثير من التابعين، وهو مذهب الأئمة الأربعة. الثاني: أنه يجوز له مس القرآن. وبه قال بعض التابعين وهو مذهب الظاهرية. وقد ظهر لي رجحان القول الأول: لقوة أدلته ورجحانها. والمبحث الثاني: في حكم الطهارة للصغير. وقد بينت فيه أنه لا يجوز تمكين الصغير غير المميز من مس المصحف، أما المميز فقد اختلف العلماء في حكم مسه للمصحف إذا كان محدثًا على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يجوز مسه للمصحف. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية في الصحيح من مذاهبهم، وبه قال الحنابلة في رواية. والثاني: أنه يكره له مسه. كراهية تنزيه، وهو قول للحنفية، والمالكية. الثالث: أنه يحرم عليه مسه. وهو قول للشافعية، والصحيح عند الحنابلة. وقد ظهر لي رجحان القول الأول؛ لقوة أدلته، ورجحانها. وأما الخاتمة فقد اشتملت على أهم نتائج البحث. المقدمة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 4991

أما بعد: فإن العناية بكتاب الله الكريم، وما يتعلق به من المعاني والأحكام من أفضل أنواع العلم الشرعي وأجله، لشرف موضوعه؛ لأنه يتعلق بأشرف كلام، وأعظم كتاب، ولذا رأيت أن أسهم بجهدي المتواضع في بيان حكم مسألة من المسائل المتعلقة به في هذا البحث الذي عنونت له ب (حكم الطهارة لمس القرآن الكريم) (١) مجليًا آراء العلماء في هذه المسألة، على سبيل الإيضاح والتفصيل، لأنني لم أقف على مؤلَّفٍ مستقل (٢) عني ببيان أحكام هذه المسألة على التفصيل الذي ذكرته، والنهج الذي سلكته، وقد انتظم هذا البحث في مقدمة ومبحثين وخاتمة. وقد سلكت في هذا البحث المسلك العلمي المتبع في بحث المسائل الشرعية بحثًا فقهيًا مقارنًا، بذكر آراء العلماء وأدلتهم، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، مع بيان الراجح من تلك الآراء، مبينًا وجه الترجيح. فأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وزلفى لديه إلى جنات النعيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. المبحث الأول: حكم الطهارة للبالغ

стр. 4992

أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يمس المصحف وخالف في ذلك داود لظاهري (+ (١) وتابعه على القول به أهل الظاهر (٢) . أما المحدث حدثًا أصغر؛ فقد اختلف العلماء في حكم مسه للمصحف على قولين: القول الأول: أنه لا يجوز للمحدث حدثًا أصغر أن يمس المصحف كله أو بعضه. وبهذا قال من الصحابة: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وسعد ابن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن زيد، وسلمان الفارسي، وغيرهم. وقال به من التابعين: عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب الزهري، والحسن البصري، وطاووس بن كيسان، وسالم بن عبد الله بن عمر، والنخعي (٣) ، والفقهاء السبعة (٤) .

стр. 4993

وهو قول المذاهب الأربعة: الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) . واستدلوا على ما ذهبوا إليه بالكتاب والسنة، وإجماع الصحابة ودونك (٥) أدلتهم بالتفصيل: أولاً: الكتاب: استدلوا من الكتاب بقول الله (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين ( [الواقعة٧٧-٨٠] . وجه الدلالة:

стр. 4994

أن الله أخبر أن هذا القرآن الكريم لا يمسه إلا المطهرون إجلالاً له وتعظيمًا، وجاء الإخبار في الآية بصيغة الحصر فاقتضى ذلك حصر الجواز في المطهرين، وعموم سلبه في غيرهم (١) ، والمراد بالمطهرين؛ المطهرون من الأحداث والأنجاس من بني آدم. والآية وإن كان لفظها لفظ الخبر، إلا أنه خبر تضمن نهيًا (٢) . فهو نظير قوله تعالى: (لا تضار والدة بولدها ( [البقرة ٢٣٣] فإنه خبر تضمن نهيًا، فدل ذلك على اشتراط الطهارة لمس المصحف (٣) . ثانيًا: من السنة: استدلوا من السنة بعدد من الأحاديث، ورد فيها النهي عن مس المصحف لغير طاهر، وأن المراد بالطاهر الطاهرُ من الحدث الأكبر والأصغر، ومن النجاسة الحسية والمعنوية (٤) ، ومن هذه الأحاديث: ١ – عن حكيم بن حزام _رضي الله عنه- قال: (لما بعثني رسول الله (إلى اليمن قال: (لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) . رواه الحاكم في المستدرك (٥) ، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه الدارقطني في سننه (٦) ، والبيهقي في السنن الكبرى (٧) .

стр. 4995

قال في مجمع الزوائد: (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه سويد أبو حاتم ضعفه النسائي، وابن معين في رواية، ووثقه في رواية، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، حديثه حديث أهل الصدق) (١) . وقال ابن حجر: (وحسَّن الحازمي إسناده) (٢) . ٢ – عن عبد الله بن عمر –﵁ قال: قال النبي ((لا يمس القرآن إلا طاهر) . رواه الدارقطني في سننه (٣) ، وقال في مجمع الزوائد: (رواه الطبراني في الكبير، والصغير، ورجاله موثقون) (٤) . قال الأثرم: (واحتج أبو عبد الله يعني أحمد بحديث ابن عمر) (٥) وقال ابن حجر: (وإسناده لا بأس به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به) (٦) ونقل في إعلاء السنن (٧) : تصحيح إسناده عن بعض أهل العلم. ٣ – عن عثمان بن أبي العاص قال: (وفدنا على رسول الله (فوجدوني أفضلهم أخذًا للقرآن، وقد فضلتهم بسورة البقرة، فقال النبي (: قد أمرتك على أصحابك وأنت أصغرهم، ولا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) . رواه أبو داود في المصاحف (٨) ، وقال في مجمع الزوائد: (رواه الطبراني في الكبير في جملة حديث طويل ... وفيه إسماعيل بن رافع ضعفه يحيى بن معين، والنسائي وقال البخاري: ثقة مقارب) (٩) . ٤ – عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال: كان في كتاب النبي (لعمرو بن حزم: (لا يمس القرآن إلا على طهر) .

стр. 4996

رواه عبد الرزاق في مصنفه (١) ، ومالك في الموطأ (٢) ، وأبو داود في المصاحف (٣) والدارمي في سننه (٤) ، والحاكم في مستدركه (٥) ، والدارقطني في سننه (٦) ، وقال: (مرسل ورواته ثقات) ، والبيهقي في السنن الكبرى (٧) ، وفي معرفة السنن والآثار (٨) . قال البغوي: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن هذا الحديث فقال: أرجو أن يكون صحيحًا) . وقال أيضًا: (لا أشك أن رسول الله (كتبه) (٩) . وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتابًا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله (والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، والزهري لهذا الكتاب بالصحة (١٠) . وقال الإمام ابن عبد البر: (وكتاب عمرو بن حزم هذا تلقاه العلماء بالقبول والعمل، وهو عندهم أشهر وأظهر من الإسناد الواحد المتصل) (١١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهو كتاب مشهور عند أهل العلم) (١٢) . ثالثًا: الإجماع:

стр. 4997

أجمع الصحابة - رضوان الله عليهم- على القول بعدم جواز مس المحدث المصحف، حيث روي ذلك عمن تقدم ذكرهم من فقهاء الصحابة ومشاهيرهم، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف (١) ، فكان إجماعًا سكوتيًا (٢) ، بل كان ذلك هو المستقر عند الصحابة زمن النبوة وبعده ويدل عليه قصة إسلام عمر، فإنه حين دخل على أخته وزوجها وهم يقرؤن القرآن فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم أقرؤه، فقالت له أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم واغتسل، أو توضأ، فقام عمر فتوضأ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ طه) رواه الدارقطني (٣) ، والبيهقي (٤) . وروي عن علقمة قال: كنا مع سلمان الفارسي في سفر، فقضى حاجته، فقلنا له: توضأ حتى نسألك عن آية من القرآن، فقال: سلوني، فإني لست أمسه، فقرأ علينا ما أردنا، ولم يكن بيننا وبينه ماء) وفي لفظ آخر أنه قال: (سلوني فإني لا أمسه، إنه لا يمسه إلا المطهرون) (٥) . قال البيهقي بعد روايته هذا الأثر: (وكأنهم ذهبوا – القائلون بعدم جواز مس المصحف – في تأويل الآية إلى ما ذهب إليه سلمان، وعلى ذلك حملته أخت عمر ابن الخطاب في قصة إسلامه) (٦) .

стр. 4998

وروى الإمام مالك بسنده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال سعد: لعلك مسست ذكرك؟ قال: قلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت) (١) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد سوقه لهذه الآثار وغيرها: (وكذلك جاء عن خلق من التابعين من غير خلاف يعرف عن الصحابة والتابعين وهذا يدل على أن ذلك كان معروفًا بينهم) (٢) . القول الثاني: أنه يجوز للمحدث حدثًا أصغر مس المصحف. روي القول بهذا عن: ابن عباس، والشعبي، والضحاك (٣) ، والحكم ابن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وداود الظاهري (٤) ، وهو مذهب الظاهرية (٥) . واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما يأتي: ١ – ما ثبت في الصحيحين (٦) أن رسول الله (بعث دحية الكلبي إلى هرقل عظيم الروم بكتاب يدعوه فيه للإسلام، وفيه قول الله تعالى: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ( [آل عمران ٦٤] .

стр. 4999

قال ابن حزم: فهذا رسول الله (قد بعث كتابًا وفيه هذه الآية إلى النصارى، وقد أيقن أنهم يمسون ذلك الكتاب (١) . فإذا جاز مس الكافر له؛ جاز للمسلم المحدث من باب أولى (٢) . ٢ – أنه لم يثبت النهي عن مس المصحف لا في الكتاب، ولا في السنة فيبقى الحكم على البراءة الأصلية، وهي الإباحة (٣) . ٣ – ولأن قراءة القرآن لا تحرم على المحدث، فيكون المس أولى بعدم التحريم (٤) . ٤ – ولأن حمل المصحف في متاع ونحوه لا يحرم على المحدث، فكذلك المس قياسًا عليه (٥) . ٥ – ولأن الصبيان يحملون ألواح القرآن وهم محدثون من غير نكير في جميع العصور، فدل على إباحة مسه لكل محدث (٦) . الإجابة عن أدلة القول الأول: أجاب القائلون بعدم تحريم مس المصحف على المحدث عن أدلة الجمهور القائلين بتحريم مس المصحف بما يأتي: ١ – أن قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون (خبر، وليس بأمر بدليل: رفع السين في قوله سبحانه: (لا يمسه (ولو كان نهيًا لفتح السين فلا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي، أو إجماع متيقن، ولم يثبت شيء من ذلك. ولأن المصحف يمسه الطاهر، وغير الطاهر، فدل على أن الله لم يعن بالمصحف المذكور في الآية هذا الذي بأيدي الناس، وإنما عني كتابًا آخر، وهو الذي في السماء (٧) .

стр. 5000

كما أن المراد بالمطهرين في الآية الملائكة لأنهم طهروا من الشرك والذنوب، وليسوا بني آدم؛ لأن المطهر من طهره غيره، ولو أريد بهم بنوا آدم لقيل: المتطهرون (١) . ٢ – أن الأحاديث التي استدل بها على تحريم مس المصحف على المحدث كلها ضعيفة، ولا يخلوا إسناد واحد منها من قدح وعلة، فلا تقوم بها حجة، ولا تصلح للاحتجاج، قال ابن حزم: (فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه، فإنه لا يصح منها شيء، لأنها إما مرسلة، وإما ضعيفة لا تسند، وإما عن مجهول، وإما عن ضعيف، وقد تقصيناها في غير هذا المكان) (٢) . ٣ – أن دعوى الإجماع غير متيقن، بدليل وجود المخالف من التابعين ومن بعدهم (٣) . الإجابة عن أدلة القول الثاني: أجاب الجمهور القائلون بعدم جواز مس المصحف للمحدث عن أدلة القائلين بالجواز بما يأتي: ١ – أجيب عن الدليل الأول: بأن الحديث إنما يدل على جواز مس الرسالة أو الكتاب إذا تضمن آية من القرآن ونحوها، ومثل هذا لا يسمى مصحفًا ولا تثبت له حرمته، وذكر الآيتين في الكتاب إنما قصد بها تبليغ الدعوة فيختص الجواز بمثل ذلك (٤) . قال الحافظ ابن حجر: (إن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتاب في الفقه أو التفسير، فإنه لا يمنع قراءته ولا مسه عند الجمهور؛ لأنه لا يقصد منه التلاوة، ونص أحمد: أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ وقال به كثير من الشافعية، ومنهم من خص الجواز بالقليل كالآية والآيتين) (٥) .

стр. 5001

٢ – وأجيب عن الدليل الثاني: بعدم التسليم بأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على تحريم المس، بل ورد فيهما ما يدل على ذلك كما سبق ذكره في أدلة الجمهور، فلا يبقى الحكم على البراءة الأصلية، لثبوت الدليل الناقل استنباطًا من القرآن، ونصًا من السنة الصحيحة. ٣ – وأجيب عن الدليل الثالث: بأن القراءة على غير طهارة إنما أبيحت للمحدث حدثًا أصغر للحاجة، ولعسر الوضوء للقراءة كل وقت، وإذا حصلت المشقة جاء التيسير؛ لأن المشقة تجلب التيسير (١) . ٤ – وأجيب عن الدليل الرابع: بأن قياس مس المصحف على حمله في المتاع قياس مع الفارق؛ لأن الحامل له في متاعه لا يباشر مسه؛ ولأنه غير مقصود بالحمل بخلاف حمله وحده فإنه مقصود لذاته (٢) . ٥ – وأجيب عن الدليل الخامس: بأن الألواح التي يحملها الصغار وهم محدثون لا تسمى مصحفًا؛ إذ لا يكتب فيها إلا شيء يسير من القرآن تقتضيها ضرورة التعليم (٣) ولأنهم غير مكلفين (٤) . الإجابة عن اعتراض القائلين بالجواز على أدلة المانعين: أجاب جمهور العلماء عن اعتراض القائلين بجواز مس المحدث المصحف على أدلة التحريم بما يأتي:

стр. 5002

أولاً: أنا نمنع أن قوله سبحانه: (لا يمسه (خبر فقط ورفع السين فيه لا ينفي إرادة النهي، بل هو خبر تضمن نهيًا؛ لأن خبر الله لا يكون خلافه، وقد وجد من يمس المصحف على غير طهارة، فتبين بهذا أن المراد النهي، وليس الخبر، وقد ورد مثل هذا كثير في الكتاب والسنة، ومنه قوله : (لا تضار والدة بولدها ( [البقرة٢٣٣] فإنه خبر تضمن نهيًا، ومنه في السنة قوله (: (لا يبيع أحدكم على بيع أخيه) بإثبات الياء، فإنه خبر تضمن نهيًا (١) . وأما القول بأن الضمير في قوله سبحانه: (لا يمسه (إنما يعود على الكتاب الذي في السماء وهو اللوح المحفوظ، لا على المصحف الذي بأيدي الناس، فالجواب: أن قوله سبحانه: (تنزيل من رب العالمين (بعد قوله سبحانه: (لا يمسه إلا المطهرون (فيه دلالة ظاهرة على إرادة المصحف الذي بأيدي الناس، فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح (٢) . كما أن القول بأن المراد ب المطهرين في الآية هم الملائكة وليسوا بني آدم؛ لأن المطهرين هم الذين طهرهم غيرهم، وأنه لو أريد بهم بنو آدم لقيل (المتطهرون) . فالجواب: أن المتوضئ يطلق عليه طاهر ومتطهر، وهذا سائغ لغة (٣) .

стр. 5003

ومع التسليم بأن المراد بالمطهرين الملائكة كما هو قول جمهور المفسرين، فإنه يمكن الاستدلال بالآية بقياس بني آدم على الملائكة (١) ، أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (من باب التنبيه والإشارة؛ لأنه إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر، والحديث مشتق من هذه الآية) (٢) . وقال أيضًا: (الوجه في هذا والله أعلم أن الذي في اللوح المحفوظ هو القرآن الذي في المصحف كما أن الذي في هذا المصحف هو الذي في هذا المصحف بعينه سواء كان المحل ورقًا أو أديمًا أو حجرًا أو لحافًا، فإذا كان مِنْ حكم الكتاب الذي في السماء أن لا يمسه إلا المطهرون وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك؛ لأن حرمته كحرمته، أو يكون الكتاب اسم جنس يعم كل ما فيه القرآن سواء كان في السماء أو الأرض، وقد أوحى إلى ذلك قوله تعالى: (رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة فيها كتب قيمة ( [البينة٢-٣] ، وكذلك قوله تعالى: (في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة ( [عبس ١٣-١٤] فوصفها أنها مطهرة فلا يصلح للمحدث مسها) (٣) . وقال أبو عبد الله الحَلِيمِي الشافعي: (إن الملائكة إنما وصلت إلى مس ذلك الكتاب؛ لأنهم مطهرون، والمطهر هو الميسر للعبادة، والمرضي لها، فثبت أن المطهر من الناس هو الذي ينبغي له أن يمس المصحف، والمحدث ليس كذلك؛ لأنه ممنوع عن الصلاة والطواف، والجنب والحائض ممنوعان عنهما، وعن قراءة القرآن فلم يكن لهم حمل المصحف ولا مسه) (٤) .

стр. 5004

وقال الجصاص: (إن حُمِلَ –لفظ الآية – على النهي وإن كان في صورة الخبر كان عمومًا فينا، وهذا أولى، لما روي عن النبي (في أخبار متظاهرة أنه كتب في كتابه لعمرو بن حزم: (ولا يمس القرآن إلا طاهر) (١) فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية إذ فيه احتمال له) (٢) . ثانيًا: أن دعوى عدم صحة الأحاديث، وأنها لا تصلح للاحتجاج بها والعمل بها غير مسلم، فإن تلك الأحاديث التي استدل بها الجمهور على تحريم مس المصحف على المحدث وإن كان لا يخلو إسناد كل واحد منها من مقال إلا أنها بمجموع طرقها ترقى في أقل أحوالها إلى درجة الحسن، فصلح الاحتجاج بها، ووجب العمل بها، كما قال ذلك عدد من أئمة الحديث المشهورين كما تقدم نقل كلام بعضهم. ومن ذلك أيضًا أن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه احتجا بهذا الحديث، وصرح إسحاق بن راهويه بصحته، فقد قال إسحاق بن منصور المروزي في مسائله عنهما: (قلت –يعني لأحمد- هل يقرأ الرجل على غير وضوء؟ قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المصحف ما لم يتوضأ، قال إسحاق – يعني ابن راهويه - كما قال، لما صح من قول النبي ﵊: (لا يمس القرآن إلا طاهر) وكذلك فعل أصحاب النبي ﵊ والتابعون) (٣) . وقال الإمام ابن عبد البر: (لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد، وقد روي مسندًا من وجه صالح، وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ...وما فيه فمتفق عليه إلا قليلاً) (٤) .

стр. 5005

وقال الألباني: (صحيح. روي من حديث عمرو بن حزم، وحكيم ابن حزام، وابن عمر، وعثمان بن أبي العاص) ثم ساق أسانيد كل واحد منها ثم قال: (وجملة القول: أن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف، ولكنه ضعف يسير، إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب، وإنما العلة الإرسال، أو سوء الحفظ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي بعضها بعضًا إذا لم يكن فيها متهم، كما قرره النووي في تقريبه، ثم السيوطي في شرحه، وعليه فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث، لا سيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل ... وصححه أيضًا صاحبه الإمام إسحاق بن راهويه) (١) . ثالثًا: وأما دعوى عدم ثبوت إجماع الصحابة فغير مسلم، لثبوت ذلك الحكم عن عدد من الصحابة ﵃ زمن النبوة وبعده، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان ذلك منهم إجماعًا سكوتيًا على تحريم مس المصحف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهو قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف) (٢) . وقال الإمام النووي: (إنه قول علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ﵃، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة) (٣) فلا عبرة بالمخالف للصحابة، ولا اعتداد بقوله، فهم أعلم الأمة، وأعدلها وأوثقها وقولها أقرب إلى الحق والصواب ممن سواهم. الترجيح: بعد بيان قولي العلماء في حكم مس المحدث حدثًا أصغر للمصحف وأدلة كل قول، وما أورد عليها من اعتراضات، والإجابة عما اعتُرض به على قول الجمهور، ظهر لي رجحان ما ذهب إليه جمهور العلماء من القول بتحريم مس المصحف على المحدث حدثًا أصغر لما يأتي: ١ – قوة ما استدلوا به من الأدلة على ما ذهبوا إليه. ٢ – ضعف أدلة المخالف، والرد عليها، وبيان وجه ضعفها.

стр. 5006

٣ – أن القول بتحريم المس ناقل عن الأصل، وقد ذهب أكثر الأصوليين إلى أن الدليل الناقل عن الأصل مقدم على الدليل المبقي على البراءة الأصلية (١) . ٤ – أن القول بالتحريم أحوط للعبادة، وأبرأ للذمة، فالقول به أولى. ٥ – أن القول بالتحريم هو الموافق لتكريم القرآن وتعظيمه، فإن الله وصف القرآن بأنه كريم وأنه لا يمسه إلا المطهرون، فعظمه الله تعالى وكرمه، فالأليق بتعظيمه والأنسب لإجلاله وتكريمه أن لا يُمس إلا على طهارة كاملة، لأن مسه بغير طهارة مخل بتعظيمه وتكريمه. ٦ – أن القول بالتحريم هو المنقول عن الصحابة زمن النبوة وبعدها، من غير خلاف بينهم، ولذا قال به أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم، وجماهير أهل العلم حتى قال ابن عبد البر (أجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم بأن المصحف لا يمسه إلا طاهر) (٢) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما مس المصحف فالصحيح أنه يجب له الوضوء كقول الجمهور وهذا هو المعروف عن الصحابة سعد وسلمان وابن عمر) (٣) فدل ذلك على عدم الاعتبار للمخالفين، وعدم الاعتداد بقولهم لضعف أدلتهم.

стр. 5007

فحسْب المسلم ما أجمع عليه الصحابة، وأفتى به أئمة التابعين، واختاره من بعدهم من أئمة الإسلام المجتهدين في العصور المفضلة وما بعدها إلى يومنا هذا، حيث هو القول المختار المفتى به عند المحققين من علماء العصر وفقهائه (١) . المبحث الثاني: حكم الطهارة للصغير والمراد بالصغير هنا الصغير المميز، أما غير المميز فلا يجوز تمكينه من مس المصحف، ويأثم من مكنه من ذلك (٢) . وقد اختلف العلماء في حكم مس المميز للمصحف على غير طهارة على الأقوال التالية: القول الأول: أنه يجوز للصغير مس المصحف على غير طهارة، بمعنى: أنه لا يأثم من مكّن الصغير من مس المصحف وليّا كان أو غيره.

стр. 5008

وبهذا قال: الحنفية في الصحيح من المذهب (١) ، والمالكية في المعتمد (٢) ، والشافعية في الصحيح (٣) ، والحنابلة في رواية (٤) ، وهو مذهب الظاهرية (٥) . وقيَّد بعضهم الجواز في حال التعلم لا غير (٦) . واستدلوا على ما ذهبوا إليه: بأن في تكليف الصبيان وأمرهم بالوضوء حرجًا عليهم، قد يؤدي إلى ترك حفظ القرآن وتعلمه، فأبيح لهم المس لضرورة التعلم، ودفعًا للحرج والمشقة عنهم (٧) ، ولقصورهم عن حد التكليف (٨) . القول الثاني: أنه يكره للصغير مس المصحف على غير طهارة.

стр. 5009

وبه قال بعض الحنفية (١) ، وبعض المالكية إن كان للمصحف كله، دون بعضه فلا يكره (٢) . ولعل وجه الكراهة: أن الصغير غير مكلف، فيحمل النهي عن مس المصحف في حقه على الكراهة لا على التحريم، لقصوره عن حد التكليف، ولحاجة التعلم، ودفعًا للحرج والمشقة. القول الثالث: أنه يحرم على الصغير مس المصحف كله أو بعضه على غير طهارة كالبالغ، ويأثم من مكنه من ذلك، وليًا كان أو غيره. وبهذا قال: الشافعية في قول (٣) ، والحنابلة في الصحيح من المذهب (٤) مستدلين على ذلك: بعموم الأدلة الدالة على تحريم مس المصحف على غير طهارة، وأنها عامة في الصغير والكبير، دون ما فرق بينهما (٥) . تنبيه: استثنى الحنابلة من هذا الحكم مس الصغير لوحًا فيه قرآن فأجازوا تمكينه من ذلك لمشقة الطهارة عليه، ولضرورة التعلم على أن يمسه من المحل الخالي من الكتابة في الصحيح من المذهب (٦) . الترجيح:

стр. 5010

لعل ما ذهب إليه جمهور العلماء من القول بجواز مس الصغير للمصحف هو الأرجح، لقوة ما استدلوا به، وضعف ما استدل به المخالف، لأن مساواة الصغير بالكبير في إيجاب الطهارة هنا غير ظاهر مع الفارق الكبير بينهما لعدم التكليف في حق الصغير، ففي ذلك مشقة ظاهرة عليه مع عدم تكليفه، قد تؤدي إلى إعراضه عن تعلم القرآن، وقد جاءت قواعد الشرع باليسر والسهولة في الأحكام ورفع الحرج والمشقة عن الأنام، لا سيما فيما يتعلق بنوافل الطاعة فإن الشرع سهل في أحكامها ترغيبًا في العمل بها. فالقول بعدم وجوب الطهارة على الصغير لمس المصحف هو الذي يتمشى مع سماحة الإسلام ويسر أحكامه، هذا مع التأكيد على استحباب إتيانه بالطهارة وحثه عليها، إذ القائلون بالجواز لا يختلفون في استحباب طهارة الصغير لها (١)
следующие страницы →