فالنبي (قد باع المدبر لمّا علم أن صاحبه لا يملك شيئاً غيره وعلم حاجته (١) .
الترجيح:
يتلخص مما سبق أن الصواب جواز بيع المدبر كما هو القول الثاني لما يلي:
١- للسنة الصحيحة الثابتة بذلك ولثبوته من فعل عائشة ﵂ ولم ينكر عليها أحد من الصحابة.
٢- أنه يعامل معاملة الوصية وللموصي أن يتصرف فيما أوصى به قبل أن يموت كيف شاء.
٣- أنه لا يوجد للمانعين ما يوجب الاستمساك به ولم يأتوا بجواب مقنع لأدلة المجيزين.
المطلب الثاني: حكم بيع المدبرة:
تقدم أن في صحة بيع المدبر خلافاً على أقوال أربعة:
أما بالنسبة للمدبرة فلم أجد من فرَّق بين حكمها وحكم المدبر في البيع إلا الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه حيث قال: لاتباع المدبرة (٢) ولهذا قال موفق الدين ابن قدامة: لا نعلم هذا التفريق بين المدبرة والمدبر عن غير إمامنا ﵀ وإنما احتاط في رواية المنع من بيعها؛ لأن فيه إباحة فرجها وتسليط مشتريها على وطئها مع وقوع الخلاف في بيعها وحلها فكره الإقدام على ذلك مع الاختلاف فيه والظاهر أن هذا المنع منه كان على سبيل الورع لا على التحريم البات فإنه إنما قال: لا يعجبني بيعها؛ والصحيح جواز بيعها فإن عائشة باعت مدبرة لها سحرتها؛ ولأن المدبرة في معنى المدبر فما ثبت فيه ثبت فيها (٣) .
ولأنه تقدم في المطلب السابق أن النبي (قال: إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب ... إلى أن قال: فليبعها ولو بحبل من شعر. وهذا يعم الأمة المدبرة وغيرها ولهذا بوب له البخاري بقوله: باب بيع المدبر.
قلت: وبهذا يتلخص أنه يجوز بيع المدبر والمدبرة لحاجة ولغير حاجة ولا فرق بينهما في ذلك والله أعلم.
المبحث الخامس: عيوب البيع التي يختلف فيها العبيد والإماء:
стр. 5112
يبحث العلماء هذه المسألة عند الكلام على خيار العيب من كتاب البيوع وضابط العيب الذي يؤثر في البيع هو كل ما أوجب نقصاً في الثمن في عادة التجار (١) . ويزيد النووي الأمر إيضاحاً فيقول: يثبت الرد بكل ما في المعقود عليه من منقص العين أو القيمة تنقيصاً يفوت به غرض صحيح بشرط أن يكون في أمثاله عدمه (٢) .
وقد نظرت في هذه العيوب فرأيتها على ثلاثة أقسام:
قسم لا يوجد إلا في الذكر.
وقسم لا يوجد إلا في المرأة.
وقسم مشترك.
فمن القسم الأول الخصاء والجب (٣) وتخنث العبد، فهذه عيوب لا توجد في الأمة بل هي خاصة بالعبد وهي مما يُرَّد به البيع في قول جماعة من العلماء
ومن القسم الثاني ارتفاع حيض المرأة وكونها حاملاً أو مستحاضة أو رتقاء (٤) . أو قرناء (٥) أو معتدة أو ثيباً فهذه عيوب خاصة بالمرأة لا يوجد مثلها في العبد وهي أيضاً مما يرد به البيع على خلاف في بعضها عند أهل العلم.
ومن القسم الثالث البخر والذفر والزنا وكون واحد منهما ولد زنا والكفر وعدم الختان والتزوج (٦) .
стр. 5113
وهذا النوع من العيوب أعني الثالث منها هو الذي سوف نتناوله بالتفصيل إن شاء الله لأنه هو الذي يدخل تحت خطة هذا البحث إذ أنها عيوب مشتركة بين الذكر والأنثى ويختلف فيها حكم الذكر عن حكم الأنثى عند بعض العلماء.
أولاً: البخر:
تعريفه:
البخر بفتح الباء والخاء: الرائحة المتغيرة من الفم. قال أبو حنيفة: البخر: النتن يكون في الفم وغيره (١) .
وقال النووي: والبخر الذي هو عيب هو الناشئ عن تغير المعدة دون ما يكون لقلح الأسنان فإن ذلك يزول بتنظيف الفم (٢) .
حكمه:
أما بالنسبة للأمة فجماهير أهل العلم بمن فيهم الأئمة الأربعة يرون أن البخر عيب ترد به الأمة المباعة (٣) .
والدليل على هذا الحكم ما يلي:
١- أن الأمة قد تُراد للفراش والبخر يمنع منه (٤) .
٢- أنه يوكس الثمن (٥) إذ أن ذات البخر لا يمكن أن تكون الرغبة فيها كالتي لا بخر فيها لما لتلك الرائحة من الأذى.
وأما بالنسبة للعبد فقد جرى في رد البيع إذا كان به بخر خلاف بين العلماء على قولين:
القول الأول: قول جماهير العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم يرون أن البخر عيب في العبد يرد به البيع كالحكم في الأمة (٦) .
стр. 5114
القول الثاني: لبعض أهل العلم ومنهم الأحناف يرون أن البخر ليس بعيب في العبد ولا يُردُّ به البيع إلا إذا كان فاحشاً لا يكون مثله في عامة الناس أو كان ناتجاً عن مرض فيرد لأجل المرض (١) .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١-أن ما كان عيباً في الأمة كان عيباً في العبد كالسرقة (٢) وقد تقدم أن البخر عيب في الأمة اتفاقاً.
٢- أن البخر يمنع من مقاربة العبد ويؤذي مَنْ جالسه أو خاطبه أو سارَّه (٣) .
أدلة القول الثاني:
استدل أهل القول الثاني بقولهم إن المقصود من العبد الاستخدام والبخر ليس مانعاً منه فلا يُعدُّ عيباً إلا أن يكون من داء؛ لأن الداء عيب (٤) .
قلت: والذي يظهر لي أن قول الجمهور أقوى لأن البخر يؤذي بلا شك، والقيمة تتفاوت به فليست الرغبة في من به بخر كالرغبة في من لا بخر به وإذا كان الأمر كذلك فإنه عيب يرد به البيع كيف والنبي (قال: " من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا " (٥) فعد النبي (الثوم والبصل مع حلهما من الخبائث التي تمنع آكلمها من دخول المسجد لخبث رائحتمها والبخر أشد أذىً من الثوم والبصل لخبث رائحته، ولكونه ملازماً للمصاب به دائماً بخلاف الثوم والبصل والجامع بين الأمرين التأذي بالرائحة فالشرع اعتبر الأذى هناك ومنع صاحبه من دخول المسجد لكي لا يؤذي الناس، فليعتبر هنا ما هو أشد أذىً فيرد به البيع لكي لا يؤذي المشتري.
ثانياً: الذَّفر:
تعريفه:
стр. 5115
الذَّفر بالتحريك: شدة ذكاء الريح من طيب أونتن وخصه اللحياني برائحة الإبطين المنتنين. تقول: ذَفِر- بكسر الفاء - يَذْ فَرُ فهو ذَفِرٌ وأذفر والأنثى ذَفِرَة وذفراء (١) . والذفر الذي هو عيب هو المستحكم الذي يخالف العادة دون ما يكون لعارض عرق أو حركة عنيفة (٢) .
حكمه:
أما بالنسبة للأمة فقد صرّح أكثر أهل العلم بأن الذفر عيب فيها يرد به البيع وممن صرح بذلك الأحناف والشافعية والحنابلة وعبارات المالكية تدلّ عليه وإن لم أجد تصريحاً بذلك إذ قال ابن رشد: وبالجملة فأصل المذهب أن كل ما أثر في القيمة - أعني نقص منها- فهو عيب (٣) ؛ ولأنه لا يقل ضرراً عن البخر وقد عدوه عيباً (٤) .
ودليل هذا الحكم ما تقدم في البخر من أنَّ الأمة قد تراد للفراش فيتأذى بذلك الحليل، وأنه أيضاً يوكس الثمن.
أما بالنسبة للعبد فقد اختلف العلماء في رد البيع إذا كان يوجد به ذفر على قولين:
القول الأول: للشافعية والحنابلة أنه عيب يرد به البيع (٥) .
القول الثاني: للأحناف أنه ليس بعيب في العبد فلا يرد به البيع (٦) .
والأدلة لهذه المسألة هي عين الأدلة في مسألة البخر السابقة فلا نطيل بإعادتها، ويظهر لي هنا أن الراجح اعتبار الذفر عيباً في العبدكالبخر وقد تقدم بيان السبب والله أعلم.
ثالثاً: الزنا:
стр. 5116
لا شك أن الزنا جرم كبير وفاحشة قذرة تتلطخ بها الأعراض وتسري معرتها إلى غير الزاني والزانية فيلحق العار بها أقارب الزاني وربما تتناقل الأجيال أذاها وشؤمها جيلاً بعد جيل ومن هنا فإنه إذا زنى العبد أو الأمة قلت الرغبة فيهما عند أهل الفطر السليمة وبناءً على ذلك تكلم العلماء في رد البيع إذا تبين أن العبد، أو الأمة من أهل الفجور.
فأما بالنسبة للأمة فجماهير أهل العلم يعتبرون زناها عيباً يرد به البيع وعلى هذا المذاهب الأربعة (١) .
واستدلوا لهذا القول بأدلة منها:
١-أن الزنا يفسد النسب ويوجب الحد (٢) وما كان كذلك فإنه عيب يوجب الرد.
٢-أنه يخل بالمقصود في الجارية وهو الاستفراش (٣) .
أما إذا كان البيع وقع على عبد ثم ظهر أنه زان فقد اختلف العلماء في حكم رد البيع على قولين:
القول الأول: للجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة يرون أنه عيب يُرَدُّ به البيع (٤) .
القول الثاني: للحنفية يرون أنه ليس من العيوب التي يرد بها البيع في حق العبد إلا إذا كثر منه وصار عادة له (٥) .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل الجمهور لقولهم بما يلي:
١- أن الزنا ينقص ماليته إذ أنه يعرضه لإقامة الحد عليه والتعزير (٦) .
٢ - أنه لا يأمنه سيده على حريمه (٧) وفي ذلك من العنت ما فيه.
٣ - أن ما كان عيباً في الأمة كان عيباً في العبد كالسرقة (٨) .
стр. 5117
قلت: في هذا الدليل نظر لأن هناك من العيوب ما يختلف فيه العبد عن الأمة والعكس فلا يلزم من كونه عيباً في الأمة أن يكون عيباً في العبد.
أدلة القول الثاني:
استدل الحنفية بقولهم: إن الزنا لا يخل بالمقصود في الغلام وهو الاستخدام (١) .
الترجيح:
الذي يظهر لي أن قول الجمهور أقوى؛ لأن زنا العبد يوجب عليه الحد وربما أتلفه وبهذا يخسر المشتري قيمته، إضافة إلى ما تقدم من أنه لا يؤمن على حريم سيده والاحتياط للعرض واجب.
رابعاً: أن يكون الرقيق ولد زنا:
لقد شرف الإسلام النكاح وحط منزلة السفاح وشتان بين من وُلِد بين أبوين عفيفين ومن ولد بين أبوين فاجرين إن نظرة الناس إلى ابن السفاح تذكرهم بإنسان نشأ من الفجور، فلا تنشرح له الصدور، ومن أجل ذلك تكلم العلماء في حكم رد البيع إذا تبين أن الرقيق ولد زنا.
فأما بالنسبة للعبد ففي حكم رد البيع إذا تبين أنه ولد زنا قولان:
القول الأول: للجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة لا يرون رد البيع إذا تبين أن العبد ولد من زنا (٢) .
القول الثاني: للمالكية حيث ذهبوا إلى أن ذلك من العيوب التي تجيز رد البيع (٣) .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١- أن أكثر الرقيق أولاد زنية وليس لذلك تأثير في أثمانهم (٤) .
٢- أن النسب في الرقيق غير مقصود بدليل أنهم يُشترون مجلوبين غير معروفي النسب (٥) .
أدلة القول الثاني:
стр. 5118
لم أجد المالكية نصوا على دليل معين لهذه المسألة فيما اطلعت عليه ولكن يظهر أنهم رأوا أن كون العبد ولد زنا ينقص الثمن فأفتوا بوجوب الرد قال ابن عبد البر: وكل عيب ينقص من الثمن ويرغب الناس عنه فالرد به واجب لمن طلبه (١) .
قلت: ويظهر أن قول الجمهور أقوى؛ لأن المقصود في العبد الخدمة وهذا لا يختلف فيه ولد الزنا عن غيره.
وأما بالنسبة للأمة التي يتبين بعد البيع أنها من زنى فإن العلماء اختلفوا في حكم رد البيع على قولين أيضاً:
القول الأول: للحنفية والمالكية يرون أن هذا عيب يرد به البيع (٢) .
القول الثاني: للشافعية والحنابلة يرون أنه ليس بعيب معتبر في رد البيع (٣) .
الأدلة:
استدل أهل القول الأول بقولهم:
إن ذلك يخل بمقصوده منها وهو الاستيلاد فإن ولده يعير بأمه إذا كانت ولد زنا (٤) .
واستدل أهل القول الثاني بما تقدم من:
١ - أن أكثر الرقيق أولاد زنية وليس لذلك تأثير في أثمانهم (٥) .
٢ - أن النسب فيهم غير مقصود بدليل أنهم يشترون مجلوبين غير معروفي النسب (٦) .
والذي يظهر لي والعلم عند الله أن الأقوى قول من قال برد البيع إذا ظهر أن الأمة من زنا بخلاف العبد لما يلي:
١ - أن الانتفاع المقصود في العبد يكون بالخدمة بخلاف الأمة فربما كان السر في شرائها الاستفراش والولد يعير بالأم المولودة بين زانيين والنفس لا تتوق إلى استفراش بنت زنا.
٢ - أن ثمن الجارية يتأثر إذا علم أنها من زنا إذ لا تستوي عند الناس جارية من نكاح مع جارية من سفاح والله أعلم.
خامساً: الكفر:
стр. 5119
من العيوب التي تكلم العلماء في رد العبد المباع بها الكفر ومعلوم أن الكفار تختلف مللهم وبناء على ذلك تختلف أحكامهم فمنهم الكتابي ومنهم المجوسي ومنهم الوثني فإن كان المباع عبدا لم يعلم المشتري بكفره ففي جواز رده قولان:
القول الأول: للأحناف أن الكفر عيب يرد به البيع ولا فرق بين كتابي وغيره (١) .
القول الثاني: للحنابلة والشافعية في قول أنه لا يعد الكفر عيبا في العبد لا فرق بين كتابي وغيره (٢) .
القول الثالث: وهو الأصح عند الشافعية: أنه إن كان قريبا من بلاد الكفر بحيث لا تقل الرغبة فيه فلا رد وإلا فله أن يرده (٣) .
الأدلة: استدل الأحناف لقولهم بما يلي:
١ - قوله تعالى: (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ( [البقرة٢٢١] فالآية دلت على أفضلية المؤمن على المشرك.
٢ - أنه ربما يحتاج إلى استخدامه في الأمور الدينية نحو اتخاذ الماء لطهوره وحمل المصحف إليه والكافر نجس لا يؤدي الأمانة. (٤) .
٣ - أنه يمتنع صرفه في بعض الكفارات فتقل الرغبة فيه (٥) .
٤ - أن طبع المسلم ينفر عنه للعداوة الدينية وفي إلزامه به غاية الإضرار بالمسلم (٦) .
أدلة القول الثاني:
استدلوا لمذهبهم بقولهم: إن العبيد يكون فيهم المسلم والكافر والأصل فيهم الكفر (٧) .
أدلة القول الثالث:
يظهر لي أن الشافعية نظروا إلى تأثير العيب في نقص الثمن وإذا كان قريباً من بلاد الكفار فإن ثمنه لا يتأثر لوجود من يشتريه بخلاف البعيد.
الترجيح:
الذي يظهر لي أن القول الثاني أقوى لما يلي:
стр. 5120
١- أن استدلالهم بالآية مجاب عنه بأن كون المؤمن خير من الكافر لا يقتضي كون الكفر عيبا كما أن المتقي خير من غيره ... وليس عدم ذلك عيبا (١) .
٢ -أن استخدامه في أمور العبادة جائز كإعداد الماء ونحوه ولم يأت في الشرع نهي عن ذلك.
أما إن كان البيع وقع على أمة ثم ظهر أنها كافرة فالمنصوص عليه عند الحنفية والشافعية والحنابلة أن الكفر عيب يرد به البيع إلا أن بينهم خلافا في نوع الكفر الذي يرد به البيع على قولين:
القول الأول: للحنفية: أنها ترد بأي كفر كان (٢) .
القول الثاني: للشافعية والحنابلة أنها لا ترد إلا بكفر يحرمها تحريما عاما كأن تكون وثنية أو مجوسية أما إن كانت يهودية أو نصرانية فلا يرد البيع بذلك (٣) .
الأدلة:
استدل أهل القول الأول بما تقدم في المسألة السابقة في حكم رد العبد الكافر.
أما أهل القول الثاني فالذي يظهر لي أن عمدتهم في ذلك أن الاستمتاع أهم منافع الأمة والتهود والتنصر لا يمنع من ذلك فلا يرد البيع من أجله أما بقية الأعمال فلا دخل للكفر فيها.
وعلى هذا فالذي يظهر لي أنه لا يرد البيع بكون الأمة كتابية ما لم يكن هناك خديعة من البائع.
سادساً: عدم الختان:
стр. 5121
من المعلوم عند المحققين من أهل العلم أن الختان واجب في حق الذكر سنة في حق الأنثى وقد بينت ذلك بدلائله في مبحث مستقل بعنوان " حكم ختان الرجل وحكم ختان المرأة " (١) فإن بِيع عبد وليس بمختون فإنه قد يموت إذا ختنه المشتري وكذا الأمة إضافة إلى ما يصاحبه من ألم شديد يعيق عن العمل المطلوب من العبيد، ومن هنا تكلم العلماء في حكم رد البيع إذا ظهر أن الرقيق المباع غير مختون.
فأما بالنسبة للعبد فقد اتفقت المذاهب الأربعة على أن عدم ختان العبد الكبير الذي فات وقت ختانه عيب يرد به البيع، لكن قيد الحنفية الحكم بأن لا يكون العبد حربيا لأن أهل دار الحرب لا ختان لهم. وقيده المالكية بأن يكون مولودا في ديار المسلمين أو أن يكون طويل الإقامة بين المسلمين إن كان مجلوبا (٢) .
واستدل أهل العلم لهذا القول بما يلي:
١ - أن في الختان حالة الكبر زيادة ألم (٣) .
٢ - أنه يخاف على العبد من الختان في حالة الكبر فربما أدى إلى موته (٤) .
وأما تقييد الحنفية لاعتبار العيب بأن لا يكون مجلوبا من دار الحرب، فلأن أهل دار الحرب لا ختان لهم فلو جعل ذلك عيبا يرد به لضاق الأمر على الناس ولأن الختان إذا لم يكن من فعل أهل دار الحرب وعادتهم ومع ذلك اشتراه كان ذلك منه دلالة على الرضا بالعيب (٥) .
стр. 5122
وأما تقييد المالكية بأن يكون مولودا أو طويل الإقامة عند المسلمين إن كان مجلوبا فظاهر حيث إن الغالب ختانه فإذا كان غير مختون فهو عيب أما المجلوب حديثا من عند الكفار فالغالب عدم ختانه فكأن المشتري اشتراه وهو يعلم بحاله.
وأما إن كان البيع وقع على جارية كبيرة غير محفوظة فقد وقع في رد البيع خلاف بين أهل العلم على قولين:
القول الأول: عدم الختان عيب ترد به الأمة هذا ما ذهب إليه الأحناف والمالكية (١) .
القول الثاني: عدم ختان الأمة ليس بعيب يرد به البيع هذا ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة (٢) .
الأدلة:
استدل أهل القول الأول بما سبق من:
١- أن في الختان حالة الكبر زيادة ألم (٣) .
٢- وبأن الغالب أن المولود في دار الإسلام لا يترك دون ختان حتى يبلغ فإن لم يختن فإن التجار يعدونه عيبا (٤) .
واستدل أهل القول الثاني بأن الختان ليس بواجب في حق الأمة (٥) فلا يعد تركه عيبا.
الترجيح:
الذي يظهر لي أن عدم الختان ليس بعيب في الأمة لما يلي:
١ - أن عدم الختان في حقها ليس بمذموم شرعا إذ أن الختان ليس بواجب في حقها.
٢ - أن عدم الختان لا يؤثر على صحة الأمة ولا على عملها في الخدمة ولا على التسري بها.
وبهذا يختلف الحكم في الرد بعدم الختان فيقال بالرد في العبد ولا يقال به في الأمة.
سابعاً: التزوج:
من المعلوم أن الرقيق قد يراد للعمل وقد يراد للتجارة وقد يراد للوطء وهذا في الأمة على وجه الخصوص وكون الرقيق متزوجا قد يؤثر على هذه المصالح ومن هنا تكلم العلماء في حكم رد البيع إذا تبين أن الرقيق متزوج.
стр. 5123
فإن كان البيع وقع على أمة ثم ظهر أنها متزوجة فالمذاهب الأربعة تنص على أنه عيب يرد به البيع (١) .
ويستدل لذلك بما يلي:
١ - قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الجارية إذا اشتراها الرجل ولها زوج والمشتري لا يعلم أن ذلك عيب يجب به الرد (٢) .
٢ - أن المقصود بملك الجارية الاستفراش وهذا المقصود يختل إذا ظهر أنها منكوحة الغير (٣) .
أما إن كان البيع وقع على عبد ثم تبين أنه متزوج ففي حكم رد البيع بذلك خلاف على قولين:
القول الأول: أنه عيب يرد به البيع وإليه ذهب الأحناف والمالكية والشافعية (٤) .
القول الثاني: أن تَزَوُّج العبد لا يعد عيبا يرد به البيع في مذهب الحنابلة (٥) .
الأدلة:
استدل الجمهور لمذهبهم بأن العبد بسبب النكاح تلزمه نفقة امرأته وذلك ينقص من ماليته (٦) .
أما الحنابلة فلم أرهم نصوا على دليل لمذهبهم لكن الذي يظهر أنهم لم يعتبروا التزوج عيبا يرد به البيع في حق العبد.
الترجيح:
الذي يظهر لي أن الراجح ما ذهب إليه الجمهور من أن النكاح عيب في العبد لما يلي:
١ - لأنه لا بد من الإنفاق على زوجته من مال سيده وفي هذا إضرار به (٧)
стр. 5124
٢ - أن القيام بمهام الزوجية يشغل عن العمل ويقلل الرغبة فيه عند بيعه وبهذا يتضح أنه لا فرق بين العبد والأمة في هذه المسألة، والله أعلم.
الخاتمة
بعد ما تقدم من مباحث طوفنا فيها على أقوال العلماء وأدلتهم ووجوه الاستدلال بها ظهر لي نتائج عامة ونتائج خاصة.
فأما النتائج العامة فأهمها ما يلي:
١ أن محاولة التسوية بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات كما ينادي به دعاة تحرير المرأة ضرب من العبث إذ أن الحكيم الخبير مايز بينهما في الأحكام الشرعية، وهذا يدل على أن التسوية من رابع المستحيلات.
٢ أن اختلاف الرجل والمرأة في الأحكام فيه الحكمة والصلاح لكل من الرجل والمرأة حيث إن الله شرع لكلٍ منهما ما يناسب حاله من الناحية الجسدية والنفسية والعقلية.
٣ أن اختلاف الرجل والمرأة في الأحكام ليس فيه ما يدعوا إلى انتقاص المرأة بل إن في محاولة تسويتها بالرجل إخراجاً لها عن ما فطرت عليه، وهو إفساد لها أيما إفساد.
أما النتائج الخاصة فتكمن في بيان الراجح في كل مسألة على حدة من ذلك:
١ أن مزاولة التجارة في الأسواق مباح للرجل، وأما المرأة فلا يباح لها إلا بقيود زائدة على ما يجب على الرجل أن يتقيد به عند الخروج للتجارة كما مرَّ في البحث.
٢ أن التفريق بين الأمة وولدها والعبد وولده في البيع غير جائز قبل التمييز خلافاً لمن جوز التفريق بين العبد وولده دون الأمة وولدها.
٣ أن البيع بعد نداء الجمعة حرام في حق الرجل المكلف ويحكم بفسخه خلافاً للمرأة بشرط عدم تعاملها مع أحد من أهل الوجوب.
٤ أنه يجوز بيع المدبَّر والمدبَّرة ولا فرق بينهما في ذلك خلافاً لمن فرَّق.
٥ أن البخر عيب في الأمة والعبد وكذا الذفر وكذا الزنا.
٦ أن كون العبد ولد زنا لا يعتبر عيباً يرد به البيع بخلاف الأمة.
стр. 5125
٧ أن كون العبد كافراً لا يعتبر عيباً يرد به البيع، وأما الأمة فإن كانت كتابية فلا يرد البيع، وإن لم تكن كتابية فكفرها عيبٌ يرد به البيع.
٨ أن عدم الختان عيبٌ يرد به البيع في العبد الكبير بخلاف الأمة.
٩ أن النكاح عيبٌ في الأمة والعبد يرد به البيع خلافاً لمن فرَّق.
الحواشي والتعليقات
стр. 5126
الترخُّص بمسائل الخلاف
ضوابطه وأقوال العلماء فيه
الدكتور خالد العروسي
الأستاذ المساعد بقسم الشريعة
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة أم القرى
ملخص البحث
مسألة الترخّص بمسائل الخلاف، من المسائل التي بحثها الأصوليون والفقهاء على حدٍّ سواء، وهي مسألة أحسب أنّا أحوج ما نكون إلى ضبطها الآن، فالواقعون فيها بين مشدِّدٍ منكرٍ لجواز الترخص بها مطلقاً، وبين متساهلٍ مستهينٍ بها، فأجاز العمل بمسائل الخلاف مطلقاً، إلا أن أثر وخطر الفريق الثاني أعظم، لولع الناس والعوام بكل سهل ولو كان منكراً مستغرباً. وكلا الفريقين على خطأ، وكلاهما قد خالف مذهب الأئمة والسلف القائل: بالجواز ولكن بضوابط وقيود، وفي هذا البحث الذي أقدمه بين يديك، حاولت تتبع مذاهب الأئمة في هذه المسألة، فجمعت أقوالهم وأقوال أصحابهم في هذه المسألة، مستدلاً على هذا ببعض تفريعاتهم وفتاواهم، وقد جعلت هذا البحث من مقدمة وثمانية مباحث هي:
١ - الخلاف: أسبابه، وبيان أنه من السنن الكونية.
٢ - الاختلاف هل هو رحمة؟ ٣ - فضل معرفة علم ما يختلف فيه.
٤ - بيان زلاّت العلماء. ... ٥ - تأصيل المسألة.
٦ - أقوال العلماء في المسألة. ... ٧ - قاعدة مراعاة الخلاف.
٨ - ضوابط العمل بمسائل الخلاف.
والحمد لله رب العالمين.
مقدِّمة
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتمَّ علينا النعمة، وجعلنا خير أمّة أخرجت للناس، حثَّنا على التآلف والاجتماع، ونهانا عن التفرق والاختلاف. والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين، سيّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
стр. 5127
أما بعد: فمنذ غرّة سنيِّ الطلب، تلقينا عن مشايخنا وأساتذتنا، حبَّ أسلافنا من العلماء، وتوقيرهم، ومعرفة حقوقهم وأفضالهم، فهم بحور العلم الزاخرة، وجباله الشوامخ، فاستقرَّ ذلك في نفوسنا، وجعلناه ديناً ندين الله تعالى به. وجعلوا آية هذه المحبة والتوقير ترك التعصب لمذهب على آخر، وعدم الإنكار على مقلدة المذاهب في اختياراتهم واجتهاداتهم، ففي هذا الاختلاف رحمة للأمة كما صحّ عن كثير من السلف. وأئمة المذاهب مجتهدون، والمجتهد مأجور في كل الأحوال، حتى أسلمنا ذلك إلى جواز الأخذ بقول أيِّ إمام من الأئمة، من غير نظرٍ إلى دليل، فكون المسألة تُعدُّ من مسائل الخلاف، هي دليل الإباحة. ومما زاد من غلواء هذا، ما كنّا نسمعه من بعض أهل العلم من جعلهم الخلاف حجّةً يحتجون بها في معرض الجدال والنقاش، وسبباً للبحث عن الرخص للعوام من الناس من غير ضابط ولا قيد، ويستدلون بما سطّره بعض أسلافنا من العلماء ﵏ في كتبهم من أنه لا إنكار في المجتهدات، فبلغ السيل زباه، حتى صار العوام من الناس يلوكون هذه الكلمة من غير معرفة لمعناها فيرددون: المسألة فيها خلاف.
ولا تحسبنَّ أن هذه الآفة التي ابتلي بها زماننا، هي أمر مستجد، بل هي قديمة ظلّت تتحدَّر من زمان إلى زمان، ومن قرن إلى قرن، تنصُّ برأسها بين حين وآخر، يعينها على هذا النصوص، قلَّة العلماء العاملين، وكثرة الجهّال الذين يفتون بغير علم. وخير من يصف هذا الحال هو الشاطبي (١)
стр. 5128
، وإنك لواجدٌ في كلامه كلَّ غَناء، وكأنه يرى زماننا رأي العين، يقول: ((وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية، حتى صار الخلاف في المسائل معدوداً في حجج الإباحة ... فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع، فيقال: لِمَ تمنع؟ والمسألة مختلف فيها، فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفاً فيها)) (١) .
ويقول: ((ويقول - أي المخالف -: إن الاختلاف رحمة وربما صرّح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور، أو الموافق للدليل أو الراجح عند أهل النظر، والذي عليه أكثر المسلمين، ويقول له: لقد حجَّرت واسعاً، وملت بالناس إلى الحرج، وما في الدين من حرج، وما أشبه ذلك)) (٢) .
ويقول: ((الورع قلَّ، بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم، ويتجاسر على الفتوى فيه)) (٣) .
وقال: ((صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه، أو صديقه بما لا يفتى به غيره من الأقوال اتباعاً لغرضه وشهوته..... ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة فضلاً عن زماننا، كما وجد فيه تتبع رخص المذاهب اتباعاً لشهوته)) (٤) .
ورحم الله الشاطبي فما زاد على ما نشاهده في أيامنا هذه قلامة ظفر.
стр. 5129
والإشكال الذي كنت أقف أمامه حائراً متعجباً، أن ما نقلوه عن بعض الأئمة من أنه لا إنكار في مسائل المجتهدات، وأن الخلاف خير ورحمة، هو صحيح وثابت، ثم أجد ما يناقضه مسطوراً في كتبهم، فيفتون بجلد شارب النبيذ متأولاً أو مقلداً، ويزجرون من لا يتم ركوعه وسجوده، وينكرون على من يلعب الشطرنج وغيرها من مسائل الخلاف التي تتفاوت درجات الإنكار فيها بين الوعظ والتعزير. ولكن سرعان ما أعزو هذا العجب إلى قلَّة فهمي ومعرفتي بكلام الأئمة. ومضى على ذلك دهر، حتى وقفت على نصٍ لإمام من أئمة الحنابلة هو ابن مفلح (١) ﵀ يعجب مما عجبت منه فقال:
((ولا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه، أو قلَّد مجتهداً فيه، كذا ذكره القاضي (٢) والأصحاب، وصرّحوا بأنه لا يجوز. ومثلّوه بشرب يسير النبيذ، والتزوج بغير ولي، ومثلّه بعضهم بأكل متروك التسمية، وهذا الكلام منهم مع قولهم يحدّ شارب النبيذ متأولاً ومقلداً أعجب، لأن الإنكار يكون وعظاً وأمراً ونهياً وتعزيراً وتأديباً، وغايته الحدُّ، فكيف يحدُّ ولا ينكر عليه؟ أم كيف يفسق على رواية، ولا ينكر على فاسق)) (٣) .
стр. 5130
إذن هو تناقض وقع فيه بعض أتباع الأئمة، ومقلدة المذاهب، فعلمت يومئذ أن العمل بمسائل الخلاف ليس على إطلاقه، وما يردده كثير من أهل العلم من أنه لا إنكار في المجتهدات ليس بصحيح، فالمسألة لها ضوابط وآداب، يجب أن تراعى عند الترخص بها، لذلك تجد المحققين من أهل العلم كابن تيمية (١) وابن رجب (٢) وغيرهما يفرقون بين الاجتهاد والتقليد، المقبول منه والمردود بكونه: ((سائغاً)) ، وهي كلمة مجملة، يعنون بها الاجتهاد أو التقليد الملجوم بضوابط الشرع وآدابه.
стр. 5131
وفي هذا البحث حاولت - مستعيناً بالله - جمع أقوال العلماء في مسألة الترخص بمسائل الخلاف، توسطت فيه بين أقوال المنكرين على جواز الترخص مطلقاً، وبين أقوال المفرِّطين المتساهلين الذين يأخذون المسألة على إطلاقها، فجمعت هذه الضوابط من كلام العلماء - لاسيما المحققين منهم - على اختلاف مذاهبهم، وذكرت بعض الآداب التي يجب على المفتي مراعاتها، خاصة في هذا الزمن، الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة، فالفتوى التي تصدر في مكة مثلاً أو في القاهرة، لا تلبث ساعات، بل دقائق، حتى يعلم بها، كل مَن في أرجاء هذه المعمورة، وما تهيجه من شرٍّ وفتنة إذا لم تكن مضبوطة بضوابط الشرع. وسطّرت في هذه الصحف بعض المباحث التي لها صلة بهذه المسألة، فبيّنت أسباب اختلاف العلماء، والخلاف هل هو رحمة أم لا؟ ثم دفعت ما ظُنَّ أنه تناقض في كلام أسلافنا من الأئمة، وذكرت الأصل الذي تفرعت منه هذه المسألة مبيناً صحة هذا الأصل أو سقمه.
هذا والله تعالى أسأله أن يغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب.
المبحث الأول: الخلاف: أسبابه، وبيان أنه من السنن الكونية
من أعظم آيات الله أن خلق الناس مختلفين في ألوانهم وألسنتهم، وعقولهم وأفهامهم، فقرنها الله تعالى مع عجيبة أخرى وهي خلق السموات والأرض فقال (: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ( [الروم: ٢٢] فكان من مقتضى هذه الحكمة أن يقع الخلاف بين الناس، فهي سمة البشرية، وسنة كونية لا تتغير
ولا تتبدّل وقد صحّ عن ابن عباس (١)
стр. 5132
رضي الله عنهما قوله: ((كان بين آدم ونوح عشرة آخرون كلهم على الإسلام ثم اختلفوا بعد ذلك)) (١) ذكر هذا في معرض تفسيره لقوله تعالى (: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ( [البقرة ٢١٣] ، فالخلاف ما زال بين بني آدم من زمن نوح ﵇، لم تسلم منه أمّة من الأمم ويقول النبي (: ((افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة)) (٢) .
وهذه الأمة ليست ببدع من الأمم، فقد بقى رسولها ش ثلاثاً وعشرين سنة بين ظهرانيهم، يعلمهم الكتاب والحكمة، ويتلوا عليهم آياته ويزكيهم، ومع هذا تنازع الصحابة واختلفوا، في مراد النبي ش كما ثبت في الصحيحين أن النبي (قال: ((لا يصلّينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة فأدركتهم الصلاة في الطريق. فقال بعضهم: نصلي ولا نترك الصلاة. وقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريظة فصلوا بعد غروب الشمس فلم يعنف أحداً منهم)) (٣) .
стр. 5133
وكذلك حديث: ((خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماءٌ فتيمَّما صعيداً طيباً فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله (فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يُعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين)) (١) .
فلما قُبض النبي (تركهم ((على بيضاء نقية، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)) (٢) وما أبلغ كلمة عمه العباس بن عبد المطلب (٣) ﵁ حين شك الناس في موته فقال: ((والله ما مات رسول الله ش حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً، وأحلّ الحلال، وحرّم الحرام، ونكح، وطلَّق، وحارب، وسالم، وما كان راعي غنم يتبع رؤوس الجبال، يخبط عليها العضاة بمخبطه، ويمرر حوضها بيده، بأنصب ولا أدأب من رسول الله ش فيكم)) (٤) .
وميراث النبوة الذي ورَّثه النبي ش لأمته منه ما هو بيِّنٌ لا اشتباه فيه مثل الحلال المحض كأكل الطيبات من الزروع والثمار وكالنكاح، والتسري. وآخر هو الحرام المحض، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير والربا، ونكاح المحارم وغيرها.
стр. 5134
ومنه ما هو مشتبه فيه، كأكل ما اختلف في تحريمه وحلِّه، كالخيل والبغال، والحمير، والضبِّ، وشرب الانبذة التي يسكر كثيرها، وغيرها.
وهذا القسم هو الذي عناه النبي ش بقوله: ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهاتٌ، لا يعلمها كثير من الناس)) (١) ، فسّره على هذا المعنى الإمام أحمد وإسحاق (٢) وغيرهما من الأئمة (٣) والعلماء هم الوارثون لعلم النبوة، وأنواع الشبه تختلف بقوة قربها من الحرام، وبعدها عنه، لذلك يقع الخلاف في تحليله وتحريمه لأسباب كثيرة، عني الفقهاء على استقصاءها وذكرها مطوّلة، لكن أعجبني ما لخَّصه ابن رجب ﵀ فقال: ((ومنه - أي الحلال والحرام - ما لم يشتهر بين حملة الشريعة فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب:
منها: أنه قد يكون النص عليه خفياً، لم ينقله إلا قليل من الناس فلم يبلغ جميع حملة العلم.
ومنها: أنه قد ينقل فيه نصان، أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفة أحد النصين دون الآخر، فيتمسكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معاً من لا يبلغه التاريخ فيقف لعدم معرفته بالناسخ.
ومنها: ما ليس فيه نص صريح، وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس، فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيراً.
ومنها: ما يكون فيه أمر أو نهي، فيختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه.
وأسباب الخلاف أكثر مما ذكرنا)) (٤) .
المبحث الثاني: الاختلاف هل هو رحمة؟
стр. 5135
شاع وذاع على لسان كثير من السلف أن اختلاف الأمة في الفروع هو ضرب من ضروب الرحمة، فروى عن القاسم بن محمد (١) قوله: ((كان اختلاف أصحاب رسول الله (رحمة)) (٢) وعن عمر بن عبد العزيز (٣) : ((ما يسرني باختلاف أصحاب النبي ش حُمْرُ النَّعَم)) (٤) واشتهر حديث عند الفقهاء وهو: ((اختلاف أمتي رحمة)) (٥) . وهذا كله حق لا مرية فيه، إلا أنه حق يعوزه شيء من التفصيل، وهذا التفصيل ذكره الإمام الشافعي ﵀ في ((رسالته)) حيث جعل لهذا الاختلاف المرحوم قسيماً آخر، وهو: الاختلاف المحرَّم، فلما سئل ﵀ ما الاختلاف المحرّم؟ قال: ((كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيِّه منصوصاً بيّناً لم يحلَّ الاختلاف فيه لمن علمه)) واستدل على ذلك من كتاب الله تعالى بقوله: ((وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( [البينة: ٤٠] وبقوله (: (ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات ( [آل عمران: ١٠٥] فهؤلاء المخالفين ما اختلفوا حتى جاءهم العلم، وجاءتهم البينة، فاختلفوا للبغي والظلم، لا لأجل اشتباه الحق بالباطل (٦) .
стр. 5136
ومن ههنا نشأ الوهم عند من أطلق جواز الترخّص بمسائل الخلاف، مستدلاً بعموم أقوال الأئمة، فأصابهم في ألفاظ العموم، ما أصاب غيرهم في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، فسمعوا أن الاختلاف رحمة، فاعتقدوا أن هذا شامل لكل خلاف، ولم يتدبروا أن الخلاف له ضوابط وشروط، وإلا كان محرّماً مذموماً.
أما كون اختلاف أصحاب النبي (رحمة، فلأنهم كانوا على الحنيفية السمحة، ففتحوا باب الاجتهاد للناس، فتنازعوا وهم مؤتلفون متحابون، يُقرُّ كل واحد منهم الآخر على اجتهاده ومن لطيف توجيهات ابن تيمية في كون الخلاف رحمة قوله ما ملخصه: إن النزاع قد يكون رحمة لبعض الناس، لما فيه من خفاء الحكم، فقد يكون في ظهوره تشديداً عليه، ويكون من باب قوله تعالى (: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ( [المائدة: ١٠١] لهذا صنّف رجل كتاباً سماه: ((كتاب الاختلاف)) فقال أحمد: سمه ((كتاب السعة)) وضرب لها مثلاً بما يوجد في الأسواق من الطعام والشراب والثياب، فقد يكون في نفس الأمر مغصوباً، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك، كان كله له حلاً لا إثم عليه بحال، بخلاف ما إذا علم (١) .
وبيَّن ﵀ أن من تبعات الخلاف المحرّم أن يخفى عنهم العلم بما يوجب الرخصة، فكما أن الله تعالى حرّم على بني إسرائيل طيبات أحلت لهم لأجل ظلمهم وبغيهم، وشريعة محمد ش لا تُنسخ، لكنهم يعاقبون بتحريم ما هو طيب حلال لخفاء تحليل الله ورسوله عندهم، كما فعل ذلك كثير من الأمة اعتقدوا تحريم أشياء فروج عليهم بما يقعون فيه من الأيْمان والطلاق، واعتقدوا تحريم كثير من المعاملات التي يحتاجون إليها كضمان البساتين، والمشاركات، فصارت محرمة عليهم تحريماً كونياً، وتحريماً شرعياً في ظاهر الأمر (٢) .
стр. 5137
وشرور الخلاف لا تنقضي، وشرُّها إذا استحال إلى تعصب للمذاهب والآراء بالباطل، واتباعٍ للظن وما تهوى الأنفس. وما يتبع ذلك من تباغض وتدابر، بل وتلاعن. وإذا أنعمت النظر وجدت أن أكثر هذه المسائل المتنازع فيها هي من الفروع الخفية التي يسوغ فيها الخلاف، وأغلب هؤلاء المتعصبين إنما قامت عصبيتهم على الانتصار للنفس والهوى لا الانتصار للحق، وهذا أمر خفي دقيق يتسلل إلى القلوب والنفوس، لذلك نبّه عليه ابن رجب فقال: ((ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين، وكثر تفرقهم، كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر معذوراً، وقد لا يكون معذوراً، بل يكون متبعاً لهواه مقصراً في البحث عن معرفة ما يبغض عليه، فإن كثيراً من البغض إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قطعاً، وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه. وهذا الظن قد يخطئ ويصيب. وقد يكون الحامل على الميل إليه مجرّد الهوى والألفة، أو العبادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله. فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه، ويتحرز في هذا غاية التحرز. وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهى عنه من البغض المحرّم. وههنا أمر خفي ينبغي التفطن له، وهو أن كثيراً من أئمة الدين قد يقول قولاً مرجوحاً، ويكون مجتهداً فيه مأجوراً على اجتهاده فيه. موضوعاً عنه خطؤه فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة، لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله، ولا انتصر له، ولا والى من يوافقه، ولا عادى من يخالفه، ولا هو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه. وليس كذلك، فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق، وإن أخطأ في اجتهاده. وأما هذا التابع فقد شاب انتصاره لما يظنه أنه الحق، إرادة
стр. 5138
علو متبوعه، وظهور كلمته، وأنه لا ينسب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصده الانتصار للحق، فافهم هذا فإنه مهم عظيم)) (١) .
وحسبنا شراً ما رُزئت به هذه الأمة من تبعات الخلاف حين حُرمت الكتاب الذي أراد النبي (كتابته لها، حتى صار ابن عباس ﵄ يتحسر ويقول: ((إن الرزية كل الرزية ما حال بين النبي (وبين كتابه)) وذلك: ((لما اشتد بالنبي (وجعه فقال: ائتوني بكتاب، أكتب لكم
كتاباً لا تضلوا بعده أبداً. فقال عمر: إن النبي (غلبه الوجع، وعندنا
كتاب الله حسبنا. فاختلفوا، وكثر اللغط قال: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع)) (٢) .
المبحث الثالث: فضل معرفة علم ما يختلف فيه
رُوي عن طائفة من السلف آثار في فضل تعلّم علم الخلاف، فمن ذلك
ما رواه أحمد ﵀ عن سعيد بن جبير (٣) أنه قال: ((من عَلِمَ اختلاف الناس فقد فقه)) وعن قتادة (٤) قال: ((قال سعيد بن المسيّب (٥)
стр. 5139
: ما رأينا أحداً أسأل عما يختلف فيه منك، قلت: إنما يسأل من يعقل عما يختلف فيه فأما ما لا يختلف فيه فلم نسأل عنه)) (١) ، وغيرها من الآثار، فملكة الفقه لا تتأتَّى إلا بالارتياض في معرفة أقوال العلماء باختلافها، وما أتوا به في كتبهم، فالحق لا يعرف إلا إذا عُرف الباطل، والفاسد لا يعلم إلا إذا عُلِمَ الصحيح، فبضدها تتميز الأشياء، فنبتة التعصب إنما تنشأ عند من ألِف قولاً واحداً فتربى حتى كهل عليه، لذلك أحسب أن هذا العلم الذي يدرّس في الجامعات والمعاهد فيما يسمى ((بالفقه المقارن)) أو ((الفقه الموازن)) ، هو من أعظم الفنون أثراً في تنمية ملكة الاحتجاج والاستنباط، وتحليل ما في الكتب ورده إلى الحجج، لاسيما إذا تولى تعليم هذا الفن من يؤمن به، ومن له تمكن من معرفة الصحيح من الفاسد، فهذا كفيل - بإذن الله - على نزع هذه النبتة من جذورها، فيستقر في قلب الطالب حب جميع العلماء، فيعرفهم حينئذ بالحق، ولا يعرف الحق بهم.
بل ويعجبني فيمن تولى تدريس ((فقه المذهب)) أن يبيّن بعض المسائل التي خالف فيها أصحاب المذهب إمامهم، فتركوا التعصب واتبعوا الدليل، ولم يستنكفوا من ذلك.
المبحث الرابع: بيان زلاّت العلماء
واستغفر الله تعالى من هذا العنوان، واستعيذ بالله مما استعاذ منه ابن تيمية ﵀ حين اضطره المقام إلى الخوض في هذه المسألة فقال: ((نعوذ بالله سبحانه مما يفضي إلى الوقيعة في أعراض الأئمة، أو انتقاص أحد منهم، أو عدم المعرفة بمقاديرهم وفضلهم، أو محادتهم وترك محبتهم وموالاتهم، ونرجو من الله سبحانه أن نكون ممن يحبهم ويواليهم ويعرف من حقوقهم وفضلهم ما لا يعرفه أكثر الأتباع، وأن يكون نصيبنا من ذلك أوفر نصيب وأعظم حظ، ولا حول ولا قوة إلا بالله)) (٢) .
стр. 5140
فالداعي إلى خوض هذه المسألة أن كثيراً من المقلدين، وكذلك المفتين وأهل العلم، يجادلون من ينكر عليهم التوسع في تتبع رخص العلماء من غير ضابط بقولهم: أأنتم أعلم أم الإمام الفلاني؟
وألستم تعرفون فضل هؤلاء الأئمة، ومكانتهم من العلم والفقه والتقوى؟ فما بالنا لا نأخذ برخصهم وأقوالهم؟
وهذه معارضة فاسدة لا تصح، لأن الله لم يجعل العصمة لأحدٍ دون رسوله (، فالرجل الجليل القدر، العظيم المنزلة، قد تقع منه الهفوات والزلاّت، وهذا بشهادة أئمة الدين، وسادات الدنيا فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((ثلاث يهدمن الدين زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وأئمة مضلون)) (١) . وروى عن ابن عباس ﵄ قوله: ((ويل للأتباع من عثرات العالم. قيل: وكيف ذاك؟ قال: يقول العالم شيئاً برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله ش فيترك قوله ذلك، ثم يمضي الاتباع)) (٢) .
وقد روى عن النبي (في هذا المعنى قوله: ((إني أخاف على أمتي من ثلاث: زلة عالم، ومن هوى متبع، ومن حكم جائر)) (٣) .
وليست هناك شهادة بعد هذه الشهادة، فأي معنى للتشبث ببعض المستشنعات التي وردت عن الأئمة، وإفتاء الناس بها، ناهيك عن كثير من المسائل التي يخرِّجها الاتباع على لوازم باطلة لا تصح (٤) ، بل وقد يُنسب للإمام ما لم يقله، كما حدث لأحمد ﵀ حين نُسب إليه القول أن الغسل
стр. 5141
لا يكون إلا من الإنزال، فكان أحمد ينكر ذلك ويقول: ما أحفظ أني قلت به قط، فقيل له: بلغنا أنك تقوله، فقال: الله المستعان، من يكذب عليَّ في هذا أكثر من ذاك (١) . ورحم الله الإمام أحمد فما زال الكذب على العلماء، وتقويلهم ما لم يقولوه، باق حتى يومنا هذا.
ثم أليس من أوثق عرى الإسلام النصيحة؟ يقول ﵊:
((الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله (، ولأئمة المؤمنين وعامتهم)) (٢) . فأين النصيحة للعلماء؟ فهم من جملة أئمة المؤمنين، يقول ابن رجب: ((ومما يختص به العلماء - أي في النصيحة - ردّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة على موردها، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلاّت العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردّها)) (٣) .
فمن حقهم أن لا ننسب لهم قول - يجد الواحد منّا حرجاً أن ينسبه لنفسه، فضلاً أن ينسبه لهؤلاء الأئمة - لاسيما للعوام منهم: فهم مولعون بالنوادر، متهالكون على الغرائب، لذلك كان هذا أخوف ما يُخاف علينا، فالعالم إذا زلّ، زلَّت معه أمّة، وإني لناقلٌ لك من قبائح فهم العوام مما قصّه لنا ابن القيم (٤)
стр. 5142
رحمه الله فقال: ((قد نُسب إلى مالك رحمه الله تعالى القول بجواز وطء الرجل امرأته في دبرها، وهو كذب على مالك وأصحابه فكتبهم كلها مصرِّحة بتحريمه، ثم لما استقر عند هؤلاء أن مالكاً يبيح ذلك نقلوا الإباحة من الإناث إلى الذكور وجعلوا البابين باباً واحداً، وهذا كفر وزندقة من قائله بإجماع العلماء)) ثم قال: ((ونظير هذا الظن الكاذب، والغلط الفاحش ظن كثير من الجهال أن الفاحشة بالمملوك كالمباحة أو مباحة، أو أنها أيسر من ارتكابها من الحر ... قال شيخنا - أي ابن تيمية - ومن هؤلاء من يتأول قوله تعالى: (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ( [البقرة ٢٢١] على ذلك - أي إباحة ذكران العبيد المؤمنين - ... ومنهم من يجعل ذلك مسألة نزاع يبيحه بعض العلماء، ويحرّمه بعضهم، ويقول: اختلافهم شبهة، وهذا كذب وجهل)) (١) .
ولا يبقى بعد هذا كله إلا الحذر ثم الحذر من إطلاق الفتاوى على عواهنها من غير قيد ولا ضابط.
ثم إن لهؤلاء الأئمة حقاً آخر - دون الحق الأول - وهو ردُّ المسائل التي أخطأوا فيها الاجتهاد وعرضها على الكتاب والسنة، فهذه وصيتهم رحمهم الله تعالى، حكى البويطي (٢) أنه سمع الشافعي يقول: ((قد ألفت هذه الكتب ولم آل فيها ولابد أن يوجد فيها الخطأ، إن الله تعالى يقول: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ( [النساء ١٢٠] فما وجدتم في كتبي مما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه)) (٣) .
стр. 5143
ويقول أبو حنيفة: ((هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء براي خير منه قبلناه)) وصحّ مثل هذا القول عن مالك وأحمد (١) .
وإذا أنت بحثت ونظرت، وجدت أن أكثر الناس نصحاً لهؤلاء الأئمة، هم كبار أصحابهم، فهذا محمد بن الحسن (٢) وأبو يوسف (٣) قد خالفا أبا حنيفة في كثير من المسائل، ولا يجدون غضاضة في الرجوع إلى الحق، ولهذا لما اجتمع أبو يوسف بمالك فسأله عن الصاع، وصدقة الخضروات، ومسألة الأجناس، فأخبره مالك بما تدل عليه السنة في ذلك، قال: ((رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت)) (٤) .
وهذا المزني (٥) وهو ناشر مذهب الشافعي، اختصر مذهب صاحبه، ولم يجد حرجاً أن يذكر بعد البسملة في افتتاح الكتاب وصية الشافعي فقال: ((اختصرت هذا الكتاب في علم محمد بن إدريس الشافعي ﵀ ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده، مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه، ويحتاط لنفسه)) (٦) .
стр. 5144
وهذا كله لا يقدح في أقدار هؤلاء الأئمة، ولا يغض من منزلتهم فما من أحد إلا وقد خُفيت عليه سنة، أو فاته فهم صحيح، فميراث النبوة ميراث ضخم واسع لا يحصى، وجعله النبي ش مشاعاً، لينهل منه العلماء، فما فات هذا الإمام من سنة وجدته عند الآخر، وما غفل عن فهمه ذاك، انقدح في ذهن هذا معناه، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، لذلك يقول الله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً ( [الأنبياء: ٧٨] فهذان نبيان كريمان إلا أن الله تعالى خصَّ أحدهما بالفهم دون الآخر.
ولا تظنَّن أن خفاء السنة عائد لعدم شهرتها - وأعني بالشهرة المعنى اللغوي - أو لكونها مذكورة في غير الصحاح، بل هناك أحاديث في صحيح البخاري غفل عنها كبار الأئمة، وإني لناقلٌ مسائل استدركها ابن رجب ﵀ على بعضهم منها:
- أن ابن تيمية ﵀ أنكر ورود لفظ: ((كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)) في ألفاظ الصلاة على النبي (في التشهد، بالجمع بين ((إبراهيم وآل إبراهيم)) فقال: فهذه الأحاديث التي في الصحاح لم أجد فيها ولا فيما نقل لفظ: ((إبراهيم وآل إبراهيم)) بل المشهور في أكثر الأحاديث والطرق لفظ: ((آل إبراهيم)) وفي بعضها لفظ: ((إبراهيم)) وقد يجيء في أحد الموضعين لفظ: ((آل إبراهيم)) وفي الآخر لفظ: ((إبراهيم)) (١) .
وقد تعقبه ابن رجب في ((القواعد)) (٢) فقال - بعد أن نقل كلامه -: ((كذا قال، وقد ثبت في ((صحيح البخاري)) الجمع بينهما من حديث كعب ابن عجرة (٣)
стр. 5145
، ويعني به قوله (: ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) (١) .
- وسنة أخرى من سنن الغُسل وهي تخليل شعر الرأس واللحية الوارد في حديث عائشة (٢) ﵂ أنها، قالت: ((كان رسول الله (إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلِّل بيده شعره، حتى إذا ظنَّ أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم يغسل سائر جسده)) (٣) فقد غفل عنه كبار الأئمة، يقول ابن رجب: ((قول عائشة ((حتى إذا ظنَّ أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات)) يتبين أن التخليل كان لغسل بشرة الرأس، وتبويب البخاري (٤) يشهد لذلك أيضاً)) .
يقول ابن رجب: ((وهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة، ثابتة عن النبي ش، لم يتنبه لها أكثر الفقهاء، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وادائه. ولم أر من صرّح منهم، إلا صاحب ((المغني)) (٥) ، من أصحابنا، وأخذه من عموم قول أحمد: الغسل على حديث عائشة (٦) .
стр. 5146
وكذلك ذكره صاحب ((المهذب)) (١) من الشافعية قال: - بعد ذكر الوضوء -: ((ثم يدخل أصابعه العشر في الماء، فيغترف غرفة يخلِّل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات)) (٢) .
فإذا كان الخطأ والوهم قد وقع فيه هؤلاء العلماء وهم من هم في الحفظ والذكاء والاتقان، فهي فيمن دونهم أولى، أمّا التعصب وإلباس الأئمة ثوب العصمة فليس من التناصح أو الإنصاف في شيء، وإذا شئت أن تعرف كيف يكون الانصاف فاقرأ كلام ابن المنير (٣) وهو مالكي حين قال: ((وقد ذكر قوم من أتباع المذاهب في تفضيل أئمتهم. وأحق ما يقال في ذلك ما قالت أم الكملة عن بنيها: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. فما من واحد منهم إذا تجرَّد النظر إلى خصائصه
إلا ويفنى الزمان حتى لا يبقى فيهم فضلة لتفضيل على غيره)) (٤) .
المبحث الخامس: تأصيل المسألة
стр. 5147
مسألة الترخّص بمسائل الخلاف، عني بها الفقهاء والأصوليون على حدٍّ سواء. فالفقهاء يذكرونها - استطراداً - عند ذكرهم حكم من أتى فرعاً مختلفاً فيه يعتقد تحريمه، في شروط من تقبل شهادته (١) . والأصوليون سطّروها عقيب مسألة من التزم مذهباً معيناً، واعتقد رجحانه، فهل يجوز أن يخالف إمامه في بعض المسائل، ويأخذ بقول غيره من مجتهد آخر (٢) ؟ ، فهي شبيهة بها، مفرّعة عنها، وهذه المسألة تعود إلى قاعدة عظيمة هي قاعدة: ((تصويب المجتهدين)) ، والخلاف فيها: هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ فمن توسع في الأخذ برخص العلماء من غير ضابط ولا قيد، يرى أن كل مجتهد مصيب فيما عند الله، ومصيب في الحكم، وليس هناك تحجير على تتبُّع مسائل الخلاف، واستمع إلى ما يحكيه ابن المنيِّر حينما فاوض بعض مشايخ الشافعية في هذه المسألة فقال: ((وقال - أي الشيخ -: أي مانع يمنع من تتبع الرخص ونحن نقول: كل مجتهد مصيب، إن المصيب واحد غير معين، والكل دين الله، والعلماء أجمعون دعاة إلى الله، حتى كان هذا الشيخ ﵀ من غلبة شفقته على العامي إذا جاء يستفتيه - مثلاً - في حنث ينظر في واقعته، فإن كان يحنث على مذهب الشافعي، ولا يحنث على مذهب مالك، قال لي: أفته أنت، يقصد بذلك التسهيل على المستفتي ورعاً)) (٣) .
ونقل الشاطبي عن بعض العلماء قولهم: ((كل مسألة ثبت لأحد من العلماء فيها القول بالجواز - شذّ عن الجماعة، أو لا، فالمسالة جائزة)) (٤) .
стр. 5148
والحق الذي عليه الأئمة الأربعة وجمهورهم أن الحق من ذلك واحد من أقوالهم وأفعالهم، والباقون مخطئون، غير أنه معذور بخطئه (١) ، للحديث الصحيح: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد)) (٢) .
ثم اختلف هؤلاء الأئمة - وهو اختلاف لا يقدح في أصل القاعدة - فيمن لم يصب الحكم الباطن: هل يقال: إنه مصيب في الظاهر؟ فقيل: المخطئ في الحكم مخطئ في الاجتهاد ولا يطلق عليه اسم الإصابة بحال. وقيل: إنه مصيب في الظاهر، لكونه أدى الواجب المقدور عليه من اجتهاده (٣) .
وتنازعوا أيضاً علامَ يؤجر المخطئ؟ بين قائلٍ: إنه يؤجر على القصد إلى الصواب، ولا يؤجر على الاجتهاد، لأنه اجتهاد أفضى به إلى الخطأ، وهو اختيار المزني.
وبين قائلٍ: إنه يؤجر عليه وعلى الاجتهاد معاً، لأنه بذل ما في وسعه في طلب الحق، والوقوف عليه (٤) .
وذهب الخطابي (٥) إلى أن المجتهد إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط، فجعل قوله ش: ((وله أجر واحد)) مجازاً عن وضع الإثم (٦) .
стр. 5149
وشذَّ أبو علي بن أبي هريرة (١) فقال: إن المخطئ آثم (٢) .
ولا يهولنّك ما ينسبه بعض المحققين - كالمازري (٣) والماوردي (٤) وغيرهما - إلى الجمهور من القول بأن كل مجتهد مصيب، وأن الحق في طرفين، فهؤلاء نظروا إلى وجوب العمل بما أدى إلى الاجتهاد، لأن لله تعالى حكمين: أحدها: مطلوب بالاجتهاد ونصب عليه الدلائل والامارات. والثاني: وجوب العمل بما أدى إليه الاجتهاد، وهذا متفق عليه، فنظروا إلى هذا الحكم الثاني، ولم ينظروا إلى الأول، وهذا حق، فالخلاف حينئذ لفظي (٥) .
أو أن يكون شقَّ عليهم، فكرهوا أن يقال للمجتهد: إنه أخطأ لأن هذا اللفظ يستعمل في الذنب كما جاء في قراءة ابن عامر (٦)
стр. 5150
: ((ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خَطَأً كبيراً)) على وزن عَمَلاً، والأكثرون يقرأون: ((خِطْأً)) على وزن: عِلْماً-وهذا خلاف المشهور، لأن لفظ الخطأ يفارق العمد، فهو من الرباعي أخطأ يخطئ، أي: لم يصب الحق، لا من الثلاث خطأ يخطأ فهو خاطئ أي: مذنب - فهم أرادوا أن كل مجتهد مصيب أي: مطيع لله ليس بآثم أو مذموم، وهذا صحيح، والخلاف أيضاً لفظي (١) .
وأصل هذه المقالة - أي القول بأن كل مجتهد مصيب - بدعة ابتدعها المعتزلة، يقول أبو الطيب الطبري (٢) : ((وهم الأصل في هذه البدعة وقالوا ذلك لجهلهم بمعاني الفقه وطرقه الصحيحة الدالة على الحق، الفاصلة بينه وبين ما عداه من الشبه الباطلة فقالوا: ليس فيها طريق أولى من طريق، ولا أمارة أقوى من أمارة، والجميع متكافؤن وكل من غلب على ظنه شيء حكم به فحكموا فيما لا يعلمون وليس من شأنهم وبسّطوا بذلك شبه نفاه القياس منهم ومن غيرهم الذين يقولون: لا يصح القياس والاجتهاد لأن ذلك إنما يصح من طريق تؤدي إلى العلم أو إلى الظن، وليس في هذه الأصول ما يدل على حكم الحوادث علماً ولا ظناً)) (٣) .
ثم تلقفها عنهم أكثر الأشعرية كأبي الحسن (٤) والباقلاني (٥)