← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

وكذلك ذكره صاحب ((المهذب)) (١) من الشافعية قال: - بعد ذكر الوضوء -: ((ثم يدخل أصابعه العشر في الماء، فيغترف غرفة يخلِّل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات)) (٢) . فإذا كان الخطأ والوهم قد وقع فيه هؤلاء العلماء وهم من هم في الحفظ والذكاء والاتقان، فهي فيمن دونهم أولى، أمّا التعصب وإلباس الأئمة ثوب العصمة فليس من التناصح أو الإنصاف في شيء، وإذا شئت أن تعرف كيف يكون الانصاف فاقرأ كلام ابن المنير (٣) وهو مالكي حين قال: ((وقد ذكر قوم من أتباع المذاهب في تفضيل أئمتهم. وأحق ما يقال في ذلك ما قالت أم الكملة عن بنيها: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. فما من واحد منهم إذا تجرَّد النظر إلى خصائصه إلا ويفنى الزمان حتى لا يبقى فيهم فضلة لتفضيل على غيره)) (٤) . المبحث الخامس: تأصيل المسألة

стр. 5147

مسألة الترخّص بمسائل الخلاف، عني بها الفقهاء والأصوليون على حدٍّ سواء. فالفقهاء يذكرونها - استطراداً - عند ذكرهم حكم من أتى فرعاً مختلفاً فيه يعتقد تحريمه، في شروط من تقبل شهادته (١) . والأصوليون سطّروها عقيب مسألة من التزم مذهباً معيناً، واعتقد رجحانه، فهل يجوز أن يخالف إمامه في بعض المسائل، ويأخذ بقول غيره من مجتهد آخر (٢) ؟ ، فهي شبيهة بها، مفرّعة عنها، وهذه المسألة تعود إلى قاعدة عظيمة هي قاعدة: ((تصويب المجتهدين)) ، والخلاف فيها: هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ فمن توسع في الأخذ برخص العلماء من غير ضابط ولا قيد، يرى أن كل مجتهد مصيب فيما عند الله، ومصيب في الحكم، وليس هناك تحجير على تتبُّع مسائل الخلاف، واستمع إلى ما يحكيه ابن المنيِّر حينما فاوض بعض مشايخ الشافعية في هذه المسألة فقال: ((وقال - أي الشيخ -: أي مانع يمنع من تتبع الرخص ونحن نقول: كل مجتهد مصيب، إن المصيب واحد غير معين، والكل دين الله، والعلماء أجمعون دعاة إلى الله، حتى كان هذا الشيخ ﵀ من غلبة شفقته على العامي إذا جاء يستفتيه - مثلاً - في حنث ينظر في واقعته، فإن كان يحنث على مذهب الشافعي، ولا يحنث على مذهب مالك، قال لي: أفته أنت، يقصد بذلك التسهيل على المستفتي ورعاً)) (٣) . ونقل الشاطبي عن بعض العلماء قولهم: ((كل مسألة ثبت لأحد من العلماء فيها القول بالجواز - شذّ عن الجماعة، أو لا، فالمسالة جائزة)) (٤) .

стр. 5148

والحق الذي عليه الأئمة الأربعة وجمهورهم أن الحق من ذلك واحد من أقوالهم وأفعالهم، والباقون مخطئون، غير أنه معذور بخطئه (١) ، للحديث الصحيح: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد)) (٢) . ثم اختلف هؤلاء الأئمة - وهو اختلاف لا يقدح في أصل القاعدة - فيمن لم يصب الحكم الباطن: هل يقال: إنه مصيب في الظاهر؟ فقيل: المخطئ في الحكم مخطئ في الاجتهاد ولا يطلق عليه اسم الإصابة بحال. وقيل: إنه مصيب في الظاهر، لكونه أدى الواجب المقدور عليه من اجتهاده (٣) . وتنازعوا أيضاً علامَ يؤجر المخطئ؟ بين قائلٍ: إنه يؤجر على القصد إلى الصواب، ولا يؤجر على الاجتهاد، لأنه اجتهاد أفضى به إلى الخطأ، وهو اختيار المزني. وبين قائلٍ: إنه يؤجر عليه وعلى الاجتهاد معاً، لأنه بذل ما في وسعه في طلب الحق، والوقوف عليه (٤) . وذهب الخطابي (٥) إلى أن المجتهد إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط، فجعل قوله ش: ((وله أجر واحد)) مجازاً عن وضع الإثم (٦) .

стр. 5149

وشذَّ أبو علي بن أبي هريرة (١) فقال: إن المخطئ آثم (٢) . ولا يهولنّك ما ينسبه بعض المحققين - كالمازري (٣) والماوردي (٤) وغيرهما - إلى الجمهور من القول بأن كل مجتهد مصيب، وأن الحق في طرفين، فهؤلاء نظروا إلى وجوب العمل بما أدى إلى الاجتهاد، لأن لله تعالى حكمين: أحدها: مطلوب بالاجتهاد ونصب عليه الدلائل والامارات. والثاني: وجوب العمل بما أدى إليه الاجتهاد، وهذا متفق عليه، فنظروا إلى هذا الحكم الثاني، ولم ينظروا إلى الأول، وهذا حق، فالخلاف حينئذ لفظي (٥) . أو أن يكون شقَّ عليهم، فكرهوا أن يقال للمجتهد: إنه أخطأ لأن هذا اللفظ يستعمل في الذنب كما جاء في قراءة ابن عامر (٦)

стр. 5150

: ((ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خَطَأً كبيراً)) على وزن عَمَلاً، والأكثرون يقرأون: ((خِطْأً)) على وزن: عِلْماً-وهذا خلاف المشهور، لأن لفظ الخطأ يفارق العمد، فهو من الرباعي أخطأ يخطئ، أي: لم يصب الحق، لا من الثلاث خطأ يخطأ فهو خاطئ أي: مذنب - فهم أرادوا أن كل مجتهد مصيب أي: مطيع لله ليس بآثم أو مذموم، وهذا صحيح، والخلاف أيضاً لفظي (١) . وأصل هذه المقالة - أي القول بأن كل مجتهد مصيب - بدعة ابتدعها المعتزلة، يقول أبو الطيب الطبري (٢) : ((وهم الأصل في هذه البدعة وقالوا ذلك لجهلهم بمعاني الفقه وطرقه الصحيحة الدالة على الحق، الفاصلة بينه وبين ما عداه من الشبه الباطلة فقالوا: ليس فيها طريق أولى من طريق، ولا أمارة أقوى من أمارة، والجميع متكافؤن وكل من غلب على ظنه شيء حكم به فحكموا فيما لا يعلمون وليس من شأنهم وبسّطوا بذلك شبه نفاه القياس منهم ومن غيرهم الذين يقولون: لا يصح القياس والاجتهاد لأن ذلك إنما يصح من طريق تؤدي إلى العلم أو إلى الظن، وليس في هذه الأصول ما يدل على حكم الحوادث علماً ولا ظناً)) (٣) . ثم تلقفها عنهم أكثر الأشعرية كأبي الحسن (٤) والباقلاني (٥)

стр. 5151

والغزالي (١) وغيرهم فقالوا مثل مقالة المعتزلة، وزادوا عليه أن التكليف مشروط بالقدرة، فتكليف المجتهد الإصابة لما لم ينصب عليه دليل قاطع تكليف بما لا يطاق، فلا يقال: أخطأه (٢) لذلك قال أبو إسحاق الشيرازي (٣) لما بلغته مقالة أبي الحسن الأشعري: ((يقال: إن هذه بقية اعتزال بقي في أبي الحسن ﵀. هذا مذهب أصحابنا، ومذهب هؤلاء)) (٤) .

стр. 5152

وفي الجملة فقد دلت نصوص السنة الصحيحة على أن المصيب عند الله واحد في مسائل الحلال والحرام المختلف فيها، ومن أظهرها: ((إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس)) يقول ابن رجب: ((كلام النبي (يدل على أن هذه المشتبهات، من الناس من يعلمها، وكثير منهم لا يعلمها، فدخل فيمن لا يعلمها نوعان: أحدهما: من يتوقف فيها لاشتباهها عليه. والثاني: من يعتقدها على غير ما هي عليه. ودلّ الكلام على أن غير هؤلاء يعلمها ومراده أنه يعلمها على ماهي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم، وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند الله في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف فيها واحد عند الله، وغيره ليس بعالم بها بمعنى أنه غير مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر وإن كان يعتقد فيها اعتقاداً يستند فيه إلى شبهة يظنها دليلاً، ويكون مأجوراً على اجتهاده مغفوراً له خطؤه)) (١) . وكذلك الحديث الصحيح: ((إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك)) (٢) فدلَّ الحديث على أن لله تعالى حكماً معيناً، يصيبه من يصيبه، ويخطئه من يخطئه. ثم إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خطَّأ بعضهم بعضاً، ونظر بعضهم في أقاويل بعض، ولو كان قولهم كله صواباً عندهم لما فعلوا ذلك (٣) . وقال غير واحد من الصحابة كابن مسعود (٤)

стр. 5153

رضي الله عنه: ((أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان)) (١) . ولهذه القاعدة - أي أن الحق في قول واحد - كان الأئمة ينكرون ويعذرون في مسائل الخلاف على حسب الأدلة، وهذا هو قول الإمام أحمد، وهو تصرف أصحاب الشافعي، فمن أخذ بحديث ضعيف وترك حديثاً صحيحاً لا معارض له، يقطع بخطئه، ناهيك عمن يخالف إجماعاً أو يترك سنة صحيحة لقول إمام، وإذا كان في المسألة حديثان صحيحان نظر في الراجح فأخذ به، ولا يسمى الآخر مخطئاً، أما إذا كانت المسألة مشتبهة لا نصَّ فيها اجتهد برأيه، ولا يسمى الآخر مخطئاً (٢) ، وهذا الذي يسميه العلماء: الخلاف السائغ. المبحث السادس: أقوال العلماء في المسألة سبق القول في المبحث السابق أن مسألة الترخّص بمسائل الخلاف، لها شبه بمسألة من التزم مذهباً فهل يجوز أن يخالف إمامه في بعض المسائل؟ ولكنه ليس شبهاً مطلقاً، لذلك غلط الزركشي (٣)

стр. 5154

- ﵀ حين جعل الخلاف جارٍ فيهما على حدٍّ سواء (١) ، فمسألة مخالفة العامي المقلَّد، أو المفتي المقلِّد لمذهب إمام في بعض المسائل، الخطب فيها يسير، والخلاف هيِّن، وأقوال العلماء فيه بين: مجيزٍ مطلقاً، ومانعٍ، ومفصِّل (٢) . أما مسألة تتبع الرخص فهي أعم من سابقتها، فصاحبها يكتفي من فتياه بموافقة قول إمام - ولو كان نادراً - من غير نظرٍ في ترجيحٍ أو دليل، ويجعل كل خلاف دليلاً على الحلِّ أو التحريم. وهذا الفرق أشار إليه أبو العباس ابن تيمية في ((المسوّدة)) فقال: ((قلت: التخيير في الفتوى والترجيح بالشهوة، ليس بمنزلة تخيِّر العامي في تقليد أحد المفتين، ولا من قبيل اختلاف المفتين على المستفتي، بل كل ذلك راجع إلى شخص واحد، وهو صاحب المذهب، فهو كاختلاف الروايتين عن النبي (، راجع إلى شخص واحد، وهو الإمام، فكذلك اختلاف الأئمة راجع إلى شريعة رسول الله ش، حتى إن من يقول: ((إن تعارض الأدلة يوجب التخيير)) لا يقول: إنه يختار لكل مستفت ما أحب، بل غايته أنه يختار قولاً يعمل به ويفتي به دائماً)) (٣) . فإذا بان لك هذا الفرق فمذاهب العلماء في هذه المسألة لا تعدوا ثلاثة هي: الأول: منع الترخّص مطلقاً، وهذا القول مبني على القول بوجوب الاقتصار على مذهب واحد، لأن قول كل إمام مستقل بآحاد الوقائع، فإذا لم يجز مخالفة الإمام في بعض المسائل، فمن باب أولى ألاّ يجوز على وجه الإطلاق وهذا المذهب جزم به الجيلي (٤) في ((الإعجاز)) .

стр. 5155

الثاني: الجواز مطلقاً وهو قول ذهب إليه بعض العلماء. الثالث: المنع، ما لم يكن الخلاف فيه سائغاً فيجوز، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور السلف (١) ، وحكى ابن عبد البر (٢) الإجماع على تحريم تتبع الرّخص للعوام (٣) ، وفسّقه الإمام أحمد ويحيى القطان (٤) ، ونُقل عنه قوله: ((لو أن رجلاً عمل بكل رخصة: بقول أهل المدينة في السماع يعني الغناء، وبقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في المتعة، لكان فاسقاً)) (٥) . وحكى الزركشي أن إسماعيل القاضي (٦) قال: ((دخلت على المعتضد (٧)

стр. 5156

فدفع إلى كتاباً نظرت فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت إن مصنف هذا زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلّة، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب)) (١) ، وصحَّ مثل هذا الكلام عن طائفة من السلف (٢) . وهذا الكلام المنقول عن الأئمة محمول على إذا ما كان الخلاف غير سائغ، وآية ذلك أن الأئمة قد نُقل عنهم ما لا يحصى من المسائل، في جواز الأخذ برخص العلماء إذا كان مما يسوغ الاجتهاد فيه فقد صحّ أن الإمام أحمد سئل عن مسألة في الطلاق فقال: ((إن فعل حنث)) فقال السائل: ((إن أفتاني إنسان: لا أحنث)) فقال: ((تعرف حلقة المدنيين؟)) قلت: ((فإن أفتوني حلّ)) ، قال ((نعم)) ، وروي عنه روايات أنه سئل عن الرجل يسأل عن المسألة فأدله على إنسان، هل علي شيء؟ قال: ((إن كان متبعاً أو معيناً فلا بأس، ولا يعجبني رأي أحد)) (٣) . وعقد الخطيب البغدادي (٤)

стр. 5157

رحمه الله باباً في كتابه ((الفقيه والمتفقه)) سماه باب التمحل في الفتوى، فقال: ((متى وجد المفتي للسائل مخرجاً في مسألته، وطريقاً يتخلص به أرشده إليه ونبهه عليه، كرجل حلف أن لا ينفق على زوجته ولا يطعمها شهراً، أو شبه هذا، فإنه يفتيه بإعطائها من صداقها، أو دين لها عليه، أو يقرضها ثمن بيوتها، أو يبيعها سلعة وينويها من الثمن، وقد قال الله تعالى لأيوب ﵇ لما حلف أن يضرب زوجته مئة (وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث ( [ص: ٤٤] )) (١) ثم ساق الخطيب آثاراً كثيرة في هذا المعنى، وهذا هو الفقه، لا إفراط فيه ولا تفريط يقول النووي (٢) : ((ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرّمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلباً للترخيص لمن يروم نفعه، أو التغليظ على من يريد ضرّه وأما من صحّ قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها لتخليص من ورطة يمين ونحوها، فذلك حسن جميل، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان (٣) : ((إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد)) )) (٤) .

стр. 5158

أما المذهبان الأولان فإنهما ليكادان يتساقطان من شدة الوهن، فالأول قال بالمنع، وبوجوب الاقتصار على مذهب واحد، وهذا القول مخالف للإجماع لأن من أسلم لا يجب عليه اتباع إمام معين، بل هو مخيَّر، فإذا قلَّد إماماً بعينه، وجب أن يبقى ذلك التخيير المجمع عليه حتى يحصل دليل على رفعه، لاسيما الإجماع، لا يرفع إلا بما مثله في القوة (١) ، كذا قال الشيخ عز الدين (٢) . ثم إن السنة قد جاءت في إيقاع العبادات على أوجه متعددة، كالأذان، والإقامة، وأحاديث التشهد، وصلاة الخوف، وغيرها، فمن الأئمة من اقتصر على بعض تلك الوجوه، وترك الأخرى، لظنه أن السنة لم تأت به، أو أنه منسوخ، فالتزام مذهب معين قد يؤدي إلى هجر هذه السنن. أما المذهب الثاني القائل بالجواز مطلقاً، فما سبق من كلام الأئمة في هذا المبحث، والمباحث الأخرى، كافٍ في الرد عليه. وفي الجملة فالخير كل الخير في التوسط، وصدق المرداوي (٣) حين قال: ((وهذا هو الصواب، ولا يسع الناس في هذه الأزمنة غير هذا)) (٤) فنستدرك على الشيخ قائلين: ((بل لا يسع الناس في كل زمان غير هذا)) . المبحث السابع: قاعدة مراعاة الخلاف

стр. 5159

وتسمى أيضاً قاعدة: ((الخروج من الخلاف)) وصلتها بهذا البحث ما ذكره الشاطبي، أن هذه القاعدة أشكلت على طائفة من المالكية، منهم ابن عبد البرِّ، وذلك لأن قولنا: ((الخلاف لا يكون حجة)) يتناقض مع هذه القاعدة، لأن دليلي القولين لابد أن يكونا متعارضين، كل واحد منهما نقيض ما يقتضيه الآخر. ومراعاة الخلاف، يعني إعطاء كل واحد منهما ما يقتضيه الآخر، أو بعض ما يقتضيه، وهذا تناقض (١) . وهذا الإشكال وقع فيه بعض الأئمة من غير المالكية كابن أبي هريرة من الشافعية، وبعض الحنابلة (٢) ، وسببه أنهم أطلقوا هذه القاعدة من عقالها، وطردوها في كل خلاف، بحيث إذا وقع خلاف فالخروج منه أفضل من التورط فيه مطلقاً. وليس الأمر كذلك، فالقاعدة لها ضابط، وهو أن يكون دليل المخالف قوياً بحيث لا يبعد قوله كل البعد فحينئذ يستحب الخروج من الخلاف، حذراً من كون الصواب مع الخصم، لاسيما إذا قلنا بأن مدعى الإصابة لا يقطع بخطأ مخالفه، ومثاله: المضمضة والاستنشاق، فهما فرضان عند الحنفية والحنابلة (٣) ، والتسمية في الوضوء، واجبة عند الحنابلة (٤) ، فينبغي الخروج من الخلاف بفعلها. أما إذا كان مأخذ المخالف واهناً، بعيداً عن الصواب، فلا ينظر إليه،

стр. 5160

ولا يعوَّل عليه، ومثاله ما ذكره ابن رجب: ((فيما ثبت فيه عن النبي ش رخصة ليس لها معارض، فاتباع تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وإن لم تكن تلك الرخصة بلغت بعض العلماء فامتنع منها لذلك، وهذا كمن تيقن الطهارة، وشك في الحديث، فإنه صح عن النبي ش أنه قال: ((لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) (١) ولاسيما إن كان شكه في الصلاة، فإنه لا يجوز له قطعها لصحة النهي عنه)) (٢) . وهذا التفصيل المذكور هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره فإنه قال: ((يحدُّ من شرب النبيذ متأولاً، ولو رفع إلى الإمام من طلّق البتة، ثم راجعها متأولاً أن طلاق البتة واحدة، والإمام يرى أنها ثلاث لا تفرق بينهما، وقال: هذا غير ذاك، أمره بيِّن في كتاب الله وسنة نبيه (، ونزل تحريم الخمر وشرابهم الفضيح، وقال النبي (: ((كل مسكر حرام)) (٣) فهذا بيِّن وطلاق البتة إنما هو شيء اختلف الناس فيه)) (٤) . ونصّ الشافعي في ((سير الواقدي)) - وهو من كتب ((الأم)) -: ((فإذا قُدِّم المرتد ليُقتل، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقتله بعض الولاة، فالذين لا يرون أن يستتاب المرتد فعلى قاتله الكفارة والدية، ولولا الشبهة لكان عليه القود وقد خالفنا في هذا بعض الناس)) (٥) .

стр. 5161

والرافعي (١) ﵀ ردّ على من اعترض على إيجاب الحدِّ على شارب النبيذ وهو مختلف عليه وعدم إيجابه على من وطئ امرأة في النكاح بلا ولي لشبهة الاختلاف فقال: ((أدلة تحريم النبيذ أظهر وأيضاً فإن الطبع يدعو إليه، فيحتاج إلى الزجر، ولهذا نوجبه على من يعتقد إباحته أيضاً، وهنا بخلافه)) (٢) . أما ما ذكره الشاطبي من استشكال المالكية. فقد رد عليهم القرطبي المالكي (٣) قائلاً: ((لذلك راعى مالك الخلاف، وتوهم بعض أصحابه أنه يراعي صورة الخلاف، وهو جهل، أو عدم إنصاف. وكيف هذا وهو لم يراع كل خلاف وإنما راعى خلافاً لشدة قوته)) (٤) . المبحث الثامن: ضوابط العمل بمسائل الخلاف من تصدّى للإفتاء فليعلم أن الله تعالى أمره أن يحكم بما أنزل من الحق فيجتهد في طلبه، ونهاه عن أن يخالفه وينحرف عنه (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ( [المائدة: ٤٩] فهو مخبر عن الله تعالى، ناقل عنه حكمة ولهذا جعل العلماء للإفتاء والعمل بمسائل الخلاف ضوابط شرعية حتى يكون سائغاً، وهذه الضوابط بعضها ينتهي إلى الوجوب والفرض، وأخرى تعود لدين العالم وإنصافه، ولا تعدوا أن تكون آداباً يتحلى بها المفتي في مواضع النزاع. وفي هذا المبحث جمعت ما استطعت جمعه من هذه الضوابط، إما من صريح أقوال الأئمة، أو من لوازمها، أو آداباً ذكروها في مسالة ((آداب

стр. 5162

المفتي)) ، لكني أحسبها نافعة كل النفع في ضبط العمل بمسائل الخلاف، وإليكها بالتفصيل: أولاً: وزن كل مسألة شرعية خلافية بميزان الشريعة، وردها إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله (، امتثالاً لقوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ذلك خير وأحسن تأويلاً ( [النساء: ٥٩] والمعنى: رد النزاع والخصام إلى الكتاب والسنة، وهو قول جمهور المفسرين (١) ، ولو كان لأحد من الأئمة العصمة لأوجب رد ما تنازعوا فيه إليه، كما أوجب طاعتهم في صد الآية في قوله: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( [النساء: ٥٩] . واعلم علم اليقين أن هذا الضابط لا يخفى على مبتدئ في الطلب، فضلاً عن العلماء، ولكني أذكره تذكيراً لأن الالتزام به عسير إلا لمن يسره الله تعالى عليه، فنوازع النفوس، وحب الغلبة والظهور، والتعصب للآراء والمذاهب، كلها أدواء تجعل بينها وبين الحق حاجزاً، ورحم الله الشافعي إذ يقول: ((ما ناظرت أحداً إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإن كان الحق معه اتبعته)) (٢) . ثانياً: أن لا يخالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي السالم عن المعارض، فلا يجوز الإفتاء به، ولا نقله للناس بل لو قضى القاضي على خلاف هذه المسائل الأربعة لجاز نقضه فإذا كنا لا نقر حكماً قضى به القاضي، فمن باب أولى أن لا نقره إذا لم يقض به. ولا يعرى مذهب من المذاهب عن هذه المخالفة لكنه قد يقل ويكثر، والأئمة معذورون، مغفور لهم خطؤهم (٣) .

стр. 5163

فإذا لم نُجز نقل أقوالهم والافتاء بها مع علو مكانتهم وسعة علمهم، فمَن دونهم أولى بالتحريم، وأحرى بالإنكار، لاسيما بعد أن دونت المذاهب، وانتشرت الأقوال، وضبطت الأدلة. وهذا الضابط هو أكثر الضوابط التي يقع فيها الخُلْف من بعض العلماء والدعاة، فكم من مسألة استقرّ العمل بها واستبان الحق فيها، بل وأجمعت الأمة عليها، ثم يغالطون هذا كله بالمخالفة بحجة أن الخلاف لا إنكار فيه. لا. بل الإنكار هو المتعين، وبيان الحق هو الواجب وتختلف درجات الإنكار باختلاف الأشخاص والأحوال، فإهمال هذا الضابط يفضي إلى تمييع النصوص والاستهانة بالشرع، وفيه ما فيه على ما مرّ بك سابقاً. ثالثاً: الحذر ثم الحذر من الأغلوطات التي نهى عنها النبي ش (١) ، يقول الخطابي: ((هي المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلوا فيها، فيهيج بذلك شر وفتنة)) (٢) ، فكم من فتوى ظاهرها جميل وباطنها مكرو وخداع وظلم، فيسألون عن مسائل خلافية لا لمعرفة الحق، بل لضرب الفتاوى بعضها ببعض، وإظهار العلماء على أنهم فريقان، فريق متشدد متنطع، وآخر سهل لين. وقد تكون الأغلوطة في اختيار وقت الفتوى، فيلقيها على المفتي وهو يعلم ما ستحدثه من ضغائن وأحقاد. ولا تتعجب فهؤلاء يخبؤن فتواهم لهذه الأغراض، وقد رزئت هذه الأمة منذ القدم بأمثالهم، يقول مالك: ((قال رجل للشعبي (٣)

стр. 5164

: إني خبأت لك مسائل فقال: خبئها لإبليس حتى تلقاه فتسأله عنها)) (١) ، وإذا كان الأمر كذلك، كان الاحتياط والاحتراز هو المتعين، يقول ابن القيم: ((ينبغي له - أي للمفتي - أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذراً فطناً فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم)) (٢) . رابعاً: وهذا الضابط يعود إلى دين المفتي وإنصافه، وهو مراعاة مذاهب الدول والبلدان، وما استقر فيها من عمل، إذا كان من الاجتهاد السائغ، فلا يصح أن يأتي من هو خارج عنهم فيشغب على أهلها وعلمائها، بفتاوى تثير البلبلة والتشويش، فعلماء البلد أعلم بأحوال أهلها، وأعرف بما ينفعهم ويضرهم، واستمع إلى ما نقله ابن تيمية في ((المسودة)) : ((حكى عن القاضي أبي يعلى أنه قصده فقيه ليقرأ عليه مذهب أحمد فسأله عن بلده فأخبره، فقال: إن أهل بلدك كلهم يقرأون مذهب الشافعي، فلماذا عدلت أنت عنه إلى مذهبنا؟ فقال له: إنما عدلت عن المذهب رغبة فيك أنت، فقال له: إن هذا لا يصلح، فإنك إذا كنت في بلدك على مذهب أحمد، وباقي أهل البلد على مذهب الشافعي، لم تجد أحداً يعبد معك، ولا يدارسك وكنت خليقاً أن تثير خصومة ونزاعاً، بل كونك على مذهب الشافعي حيث أهل بلدك على مذهبه أولى، ودلّه على الشيخ أبي إسحاق وذهب به إليه، فقال: سمعاً وطاعة، أقدمه على الفقهاء)) (٣) ، وسياق القصة يغني عن أي تعليق.

стр. 5165

خامساً: إذا كان المختلفون في بلد واحد وتحت ظلِّ إمام واحد، فإن الخلاف يرتفع بحكم الحاكم، ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الإمام وهذا هو مذهب الجمهور (١) ، واستدلوا بحديث: ((أن ابن مسعود صلى أربعاً في منى مع عثمان، فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعاً فقال: الخلاف شر)) (٢) . وأيضاً ما روي عن أبي موسى (٣) : ((أنه كان يفتي بالمتعة فقال رجل لأبي موسى: رويدك بعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال: يا أيها الناس: من كنا قد أفتيناه فتيا فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فأتموا، قال: فقدم عمر، فذكرت ذلك له، فقال: أن تأخذ بكتاب الله فإن الله تعالى قال: (وأتموا الحج والعمرة لله ( [البقرة: ١٩٦] وأن تأخذ بسنة رسول الله (، فإن رسول الله (لم يحل حتى نحر الهدي)) (٤) ، قال ابن هبيرة (٥)

стр. 5166

: ((يتعين على العالم إذا كان يفتي بما كان الإمام على خلافه مما يسوغ فيه الاجتهاد في مثل هذه المسألة وذلك الموطن أن يترك ما كان عليه ويصير إلى ما عليه الإمام)) (١) . وقد ذكر القرافي (٢) ﵀ أنه لولا هذا، الضابط لما استقرت للحكام قاعدة ولبقيت الخصومات، ودام التنازع والعناد، وهو مناف للحكمة التي لأجلها نصب الحكام. ثم إن الحاكم هو نائب لله تعالى، فهو مخبر عن الله بهذا الحكم الذي قضى به، وقد جعل الله له أن ما حكم به فهو حكمه، فهو كالنص الوارد من قبل الله تعالى في تلك الواقعة (٣) . سادساً: وهذا القيد مبني على قاعدة أصولية وهي: ((تجزؤ الاجتهاد)) أو ما نسميه في عصرنا هذا: ((التخصّص)) ، فجمهور الأصوليين على أن الاجتهاد ليس أمراً واحداً لا يقبل التجزئ والانقسام، بل قد يكون مجتهداً، أو متخصصاً في فن أو باب أو مسألة، دون فن أو باب أو مسألة (٤) ، وإذا كان الأمر كذلك، كان على المفتي أن يراعي الفتاوى التي تصدر عن أهل الاختصاص، فلا يسارع إلى المعارضة والتشغيب، لاسيما إذا صدرت هذه الفتاوى من هيئات علمية عُرف حسن قصدها، وإخلاص علمائها، والغالب على هذه الهيئات أنها لا تصدر فتوى إلا بعد عرضها على من له صلة بها، كالأطباء إن كانت الفتوى تتعلق بمسألة طبية، أو الاقتصاديين إن كانت تتعلق بمسألة مالية.

стр. 5167

سابعاً: أن المفتي إذا أتى شيئاً مما يظنه الناس شبهة وهو عنده حلال في نفس الأمر، فمن كمال دينه وحسن إنصافه أن يتركه، استبراءً لعرضه لحديث ((فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) وروى أن أنساً (١) ﵁ خرج إلى الجمعة فرأى الناس قد صلوا ورجعوا فاستحيا ودخل موضعاً لا يراه الناس فيه وقال: ((من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله)) (٢) . وإذا لم يكن تركاً وبعداً، فليكن إمساكاً عن الافتاء به، ونقله عن الأئمة، لاسيما إذا كانت المسألة من المستقبحات؛ لهذا يقول الإمام أحمد: ((من أراد أن يشرب النبيذ فليشربه لوحده)) (٣) وكان ﵀ يكره أن يحكي عن الكوفيين والمدنيين والمالكيين المسائل المستقبحة، مثل مسالة النبيذ، والصرف، والمتعة، وفحاش النساء. ثامناً: أن ينظر المفتي إلى قواعد الشريعة ومقاصدها، وأثر فتواه على هذه القواعد والمقاصد، ومن ذلك ما حكي عن الشيخ ابن عبد السلام حين سئل: لماذا أجزنا أن يصلي الشافعي خلف المالكي وإن خالفه في بعض الفروع كمسح الرأس، ولا نجيز للمختلفين في جهة الكعبة أن يقلدوا واحد منهم الآخر؟ فأجاب: ((الجماعة في الصلاة مطلوبة لصاحب الشرع، فلو قلنا بالمنع من الائتمام لمن يخالف في المذهب وأن لا يصلي المالكي إلا خلف المالكي، ولا شافعي إلا خلف شافعي لقلَّت الجماعات، وإذا منعنا ذلك في القبلة ونحوها لم يخلّ ذلك بالجماعات كبير خلل لندرة وقوع مثل هذه المسائل، وكثرة وقوع الخلاف في مسائل الفروع)) (٤)

стр. 5168

ولله درُّ الشيخ، فهذا هو الفقه، فمن أعظم مقاصد الشريعة، تأليف القلوب، وجمع الكلمة، وتوحيد الصفوف والفقيه عليه أن يراعي هذه المقاصد في فتاواه ما استطاع من مراعاة، ييسر إذا اقتضى المقام التيسير، ويشدِّد إذا اقتضى الحال التشديد وينظر إلى أثر هذه الفتوى على هذه المقاصد. هذا ما تيسّر جمعه في هذا المبحث، وهو آخرها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5169

مصطلح رواه الجماعة عند الحنابلة د. عبد الرحمن بن علي بن سليمان الطريقي أستاذ مساعد - قسم الدراسات الإسلامية- كلية التربية جامعة الملك سعود - الرياض ملخص البحث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فهذا البحث يتناول مصطلحاً خاصاً بفقه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى المنقول عنه مباشرة، وقد جاء التعبير عن هذا المصطلح (رواه الجماعة) بصيغ متعددة في كتب المذهب الحنبلي، تعود جميعها إلى معنى واحد. وقد وضع هذا المصطلح تلميذ تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أبو بكر الخلال؛ حيث عبّر به في ديوانه العظيم (الجامع) الذي جمع فيه روايات الإمام أحمد من فيّ تلاميذ الإمام مباشرة أو بواسطة. ويعني بهذا المصطلح (رواه الجماعة) أن الرواية نقلها عن الإمام أحمد في تلك المسألة جمع من تلاميذ الإمام يصدق عليهم وصف الجماعة من غير تحديد بعدد أو معدود محددين. وهذا ما سار عليه من جاء بعد الخلال من فقهاء الحنابلة، ولم يعرف تحديد هذا المصطلح بعدد ومعدود محددين إلا عند بعض متأخري الأصحاب. ويظهر مما تقدم أن مصطلح (رواه الجماعة) بدأ مع بدايات تدوين فقه الإمام أحمد ﵀ مقدمة إن الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (١) ، صلى الله عليه وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

стр. 5170

فإن المصطلح علم وفن قائم بنفسه، مختلف باختلاف العلوم وتنوعها، فلكل علم اصطلاحاته التي تخصه، فهو علم يكشف المعاني، ويزيل الغموض، ليدل على مفهوم يتناوله عند إطلاقه، وهو وسيلة ومفتاح للعلم، وضرورة علمية، به تلتقي العقول على دلالات واضحة تنفي اللبس وتدفع الوهم، وهذا دليل أهميته وبرهان منزلته. والمصطلحات قد تكون عامة أو خاصة، شرعية أو وضعية، وقد اعتنى العلماء واهتموا بهذه المصطلحات، فصنفوا مصنفات عظيمة، منها مصنفات اعتنت بمصطلحات العلوم عامة ككتاب (التعريفات) (١) ،وكتاب (الكليات) (٢) وكتاب (كشاف اصطلاحات الفنون) (٣) ، ومنها ما هو خاص بفن أو علم من العلوم، ومن تلك العلوم التي لها مصطلحاتها الخاصة: العلوم الشرعية على اختلافها، ومما صنف فيها على سبيل المثال: (المفردات في غريب القرآن) (٤) ، ولدى المحدثين علم (مصطلح الحديث) وفيه مصنفات كثيرة من أشهرها كتاب: (علوم الحديث) (٥) ، وفي الفقه نجد كتباً عدة ألفت على اختلاف المذاهب الفقهية منها: كتاب (طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية) (٦) عند الحنفية (٧)

стр. 5171

وعند المالكية كتاب: (الحدود) (١) وغيره، وعند الشافعية كتاب (حلية الفقهاء) (٢) وغيره، وعند الحنابلة كتاب: (تهذيب الأجوبة) (٣) ، و (المطلع على أبواب المقنع) (٤) وغيرهما (٥) (٦) ، والمذهب الحنبلي شأنه شأن المذاهب الفقهية الأخرى، له اصطلاحاته الخاصة بإمامه وأصحابه، ومن جملتها مصطلح (رواه الجماعة) . وكنت أثناء إعداد رسالتي للدكتوراه أرى هذا المصطلح (رواه الجماعة) يتكرر كثيراً في كثير من مدونات الحنابلة الفقهية، لكن هذا المصطلح لم يحض بعناية الباحثين فيما اطلعت عليه الذين قاموا بتحقيق تراث المذهب الحنبلي في رسائل علمية أو غيرها، فأشكل عليّ كثيراً وبخاصة إذا جاء تفسير المصطلح متفاوتاً عند بعض المصنفين مما يجعل الباحث في حيرة عند إرادة تحديد المراد به؛ لهذا كان هذا البحث المتواضع، ومن الله أستمد العون والتوفيق.

стр. 5172

وقد انتظمت خطة البحث على مقدمة وتمهيد وموضوع؛ أما المقدمة ففي بيان أهمية هذا الموضوع وسبب البحث فيه، وأما التمهيد ففي بيان معنى الرواية والجماعة، وأما الموضوع ففي الفصول الآتية: الفصل الأول: في صيغه. ... الفصل الثاني: في نشأة مصطلح (رواه الجماعة) . الفصل الثالث: في واضع هذا المصطلح، وفيه مبحثان: المبحث الأول: من وضعه؟ المبحث الثاني: ترجمته. الفصل الرابع: المراد به عند الحنابلة. الفصل الخامس: فائدة التعبير به. ثم ذيلت ذلك بخاتمة بينت فيها أهم النتائج في الفصول السابقة. وفي الختام، فإن هذا العمل لا أدعي له الكمال والعصمة، وحسبي أني اجتهدت قدر طاقتي ووسعي مبتغياً الصواب مجتنباً خلافه، فإن كان ما أردت فلله الحمد أولاً وآخراً، وإن كانت الأخرى فأستغفر الله، وأنا عائد للصواب بإذنه تعالى، فلا تبخل أيها الأخ الباحث، والقارئ الفاحص بما ظهر لك وهديت إليه على أخيك، وجزاك الله خيراً، وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تمهيد: وفيه مباحث: المبحث الأول: معنى الرواية، وفيه مطلبان: المطلب الأول: معنى الرواية لغة. الرواية: مصدر رَوَى يَرْوِي رِواية، وتطلق الرواية ويراد بها تحمل الحديث أو الشعر ونحوهما، ونقله جاء في لسان العرب (١) : «ويقال: روَّى فلان فلاناً شعراً إذا رواه له حتى حفظه للرواية عنه» . وفي المصباح المنير (٢) : «رويت الحديث: إذا حملته ونقلته ... » . «وروَّاه الشعر تَرْوِ يةً، وأروَاه أيضاً: حَمَله على رِوَايته» (٣) . المطلب الثاني: معنى الرواية اصطلاحاً:

стр. 5173

يختلف المعنى الاصطلاحي للرواية تبعاً لاختلاف الفنون، فعلى سبيل المثال الرواية تختلف عند المحدثين عنها عند الفقهاء، فعلم الرواية عند المحدثين (١) هو: «علم يشتمل على أقوال النبي (وأفعاله، وروايتها، وضبطها، وتحرير ألفاظها» (٢) . وأما علم الرواية عند الفقهاء فيختلف باختلاف المذاهب، ففي المذهب الحنبلي الرواية هي: ما نقلت نصاّ عن الإمام أحمد (٣) ، أو إيماء أو تخريجاً. جاء في المسودة (٤) : «الروايات المطلقة نصوص للإمام أحمد» .

стр. 5174

وقال ابن حمدان (١) : «ثم الرواية قد تكون نصاً، أو إيماءً، أو تخريجاً من الأصحاب» (٢) وفي شرح المنتهى (٣) : «الحكم المروي عن الإمام في مسألةٍ يسمى رواية» . وفي المذهب الحنفي نجد ما يسمى ب (ظاهر الرواية) ، «وهي مسائل رويت عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف (٤) ، ومحمد (٥) رحمهم الله تعالى ... » (٦) .

стр. 5175

وقد يلحق بهم غيرهم، «ولكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة، وكتب ظاهر الرواية كتب محمد الستة: المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والسير الصغير، والجامع الكبير؛ وإنما سميت بظاهر الرواية لأنها رويت عن محمدٍ بروايات الثقات، فهي ثابتةٌ عنه إما متواترة أو مشهورة عنه» (١) . ومما تقدم يظهر الفرق بين معنى الرواية عند الحنابلة عنها عند الحنفية، فعند الحنابلة تطلق على ما روي عن الإمام أحمد ﵀ فحسب، وعند الحنفية تطلق في الغالب على ما روي عن الإمام أبي حنيفة وصاحبيه ﵏. المبحث الثاني: معنى الجماعة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: معنى الجماعة لغة: الجماعة: تطلق على الجماعة من الناس وغيرهم، يقال: جَمَع الشيء المفترق فاجتمع، وتجمَّع القوم إذا اجتمعوا من هنا وهنا (٢) . جاء في المصباح المنير (٣) : «والجماعة من كل شيء يطلق على القليل والكثير» . المطلب الثاني: معنى «رواه الجماعة عند المحدثين» (٤) .

стр. 5176

يختلف المراد بهذا المصطلح باختلاف المصنفين في علم الحديث في تحديده عدداً أو معدوداً، فعند بعضهم يطلق الجماعة على ستة من الرواة (١) ، وهم: البخاري، ومسلم، ومالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي. ويطلق عند بعضهم (٢) على سبعة من الرواة، وهم: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه. وهذا يعنى أنه ليس هناك ضابط محدد ينصرف إليه المصطلح عند إطلاقه لدى المحدثين، بل لابد لمعرفة المقصود به من النظر إلى قصد مؤلفه وتحديد المراد به لديه. الفصل الأول: صيغ مصطلح (رواه الجماعة) . للتعبير عن هذا المصطلح صيغ عديدة، لكنها تدل على معنى واحد، وهي: ١ صيغة (رواه الجماعة) ، وقد عبر بهذه الصيغة الخلال (٣) ، وكذلك عبر عنها بقوله: «على ما روى عنه الجماعة» . أو قوله: «روى عنه هؤلاء الجماعة» (٤) . وقد درج على التعبير بذلك الأصحاب في مصنفاتهم (٥) . ٢ وفي معنى الصيغة المتقدمة ما عبر به بعض الأصحاب عنه بقولهم: (نقل الجماعة) أو (نقلها الجماعة) (٦) .

стр. 5177

٣ صيغة (رواه جماعة) أو (نقل جماعة) والتعبير بهذه الصيغة المجردة من «أل» كثير في مصنفات الأصحاب (١) . وهذه الصيغة تأتي بمعنى (رواه الجماعة) ، وقد يراد بها معنى آخر تكون في مقابلة رواية أخرى رواها جماعة آخرون (٢) ، ونحو ذلك، ومما يدل على أنها تأتي بمعنى (رواه الجماعة) ما يأتي: أجاء في المغني (٣) في مسألة «الذمي إذا أعتق لزمته الجزية لما يستقبل، سواء كان المعتق مسلماً أو كافراً» قول الموفق (٤) : «هذا الصحيح عن أحمد، رواه جماعة ... » . ثم ذكر الموفق عن أحمد رواية أخرى، وعقب بقوله: «وهَّن الخلال هذه الرواية، وقال هذا قول قديم، رجع عنه أحمد، والعمل على ما رواه الجماعة ... » .

стр. 5178

فهنا الموفق عبر في صدر المسألة بقوله: (رواه جماعة) ، وحين نقل كلام الخلال جاء فيه: «والعمل على ما رواه الجماعة» . وهذا يدل على اتحاد الصيغتين في المعنى؛ وإلا لما عبر الموفق بذلك والله أعلم. ب جاء في المغني (١) في حدِّ العورة للرجل: « ... فالكلام في حد العورة، والصالح في المذهب أنها من الرجل ما بين السُّرَّة والرُّكبة. نصَّ عليه أحمد في رواية جماعة ... » . وفي الإنصاف (٢) : «الصحيح من المذهب أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة. وعليه جماهير الأصحاب. نص عليه في رواية الجماعة» . ومثله أيضاً ما جاء في المغني (٣) : «ولا تكره قراءة أواخر السُّور وأوساطها في إحدى الروايتين. نقلها عن أحمد جماعة ... » . وفي الإنصاف (٤) : «قوله: ولا يكره قراءة أواخر السور وأوساطها. هذا المذهب. نقله الجماعة ... » . ج قال ابن القيم (٥) في معرض حديثه عن مسقطات وجوب الختان: «أن يُسلم الرجل كبيراً ويخاف على نفسه منه، فهذا يسقط عنه عند الجمهور، ونص عليه الإمام أحمد في رواية جماعة من أصحابه» (٦) . وجاء في الفروع (٧) في كلامه عن هذه المسألة، وبعد ذكره للروايات قال: «قال أبو بكر: والعمل على ما نقله الجماعة، وأنه متى خشي عليه لم يختتن ... » .

стр. 5179

د جاء في شرح الزركشي (١) : «ونقل عنه جماعة: أن من ملك خمسين درهماً، أو قيمتها من الذهب وإن كان حلياً، فهو غني وإن لم تحصل له الكفاية ... » (٢) . وفي الفروع (٣) : «ونقل الجماعة (٤) : لا يأخذ من ملك خمسين درهماً أو قيمتها ذهباً وإن كان محتاجاً ... » . هـ جاء في أهل الملل والردة، للخلال (٥) في مسألة تزوج المسلم بأمة كتابية أن الجماعة نقلوا منعه عن الإمام أحمد. وفي المغني (٦) حين ذكر رواية منع المسلم من التزوج بأمة كتابية قال: «هذا ظاهر مذهب أحمد، رواه عنه جماعة» . ومما تقدم عرضه من النصوص نجد أن التعبير بصيغة (رواه جماعة) ونحوها يأتي بمعنى (رواه الجماعة) ، حيث عبر بعض الأصحاب في المسائل المتقدمة بإحداهما، بينما عبر آخرون بالأخرى، وهذا يدل على عدم التفريق بينهما، وأن التعبير بهما سائغ لإفادته معنى الآخر؛ وإلا لما عبروا بذلك. والله أعلم. الفصل الثاني: نشأة هذا المصطلح (رواه الجماعة)

стр. 5180

كان الإمام أحمد لا يرى تدوين فقهه بل منع من تدوينه، وشدَّد في نهيه، فلم يكن ﵀ يرى تدوين الرأي، وكان يحث على الرجوع إلى الدليل والأخذ منه، والاعتماد عليه لا على رأيه وفتواه، فلم يصنف كتاباً مستقلاً في الفقه (١) . قال المَرُّوذِي (٢) : «وسألته عن أبي بكر الأثرم (٣) ، قلت: نهيت أن يكتب عنه؟ قال: لم أقل إنه لا يكتب عنه الحديث، إنما أكره هذه المسائل» (٤) .

стр. 5181

وقال ابن الجوزي (١) : «وكان ينهى الناس عن كتابة كلامه، فنظر الله تعالى إلى حسن قصده، فنقلت ألفاظه وحفظت، فقل أن تقع مسألة إلا وله فيها نص من الفروع والأصول، وربما عدمت في تلك المسألة نصوص الفقهاء الذين صنفوا وجمعوا» (٢) . ويقول ابن القيم (٣) : «وكان ﵁ شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه، ويشتد عليه جداً» .

стр. 5182

وقد كان الطريق في الغالب إلى فقه الإمام ﵀ نقلة المسائل ورواتها عنه، وهم كثير (١) ، وقد تلقى هذه المسائل عن تلاميذ الإمام تلاميذهم مما هيأ نشأة هذا المصطلح وبروزه، وبخاصة أن الرواية في ذلك العصر هي السائدة تلقياً وتصنيفاً، فتلقى الخلال هذه المسائل من رواتها، وسافر في تحصيلها، حتى جمع قدراً كبيراً من مسائل الإمام أحمد ﵀، فصنفها، وبوَّبها على أبواب العلم، ومن ثم نراه يستخدم هذا المصطلح للدلالة على كثرة الرواة عن الإمام أحمد في المسألة المنقولة عنه، في كتابه (الجامع) (٢) ، ومن هنا بدء هذا المصطلح نشأته في الفقه الحنبلي، وقد تتابع الأصحاب في مصنفاتهم على استخدام هذا المصطلح، والتعبير به بعد الخلال، فقد ورد ذكره في الكتب الآتية على سبيل المثال: ١ كتاب الروايتين والوجهين (٣) ، وهو فيه كثير (٤) . ٢ التعليق الكبير في المسائل الخلافية (٥) . ٣ الأحكام السلطانية (٦) .

стр. 5183

٤ الجامع الصغير (١) . ٥ الانتصار في المسائل الكبار (٢) . ٦ المغني (٣) . ٧ العدة في شرح العمدة (٤) . ٨ الشرح الكبير (٥) . ٩ شرح العمدة (٦) . ١٠ أحكام أهل الذمة (٧) . ١١ زاد المعاد في هدي خير العباد (٨) . ١٢ الطرق الحكمية في السياسة الشرعية (٩) . ١٣ الفروع (١٠) . ١٤ الآداب الشرعية والمنح المرعية (١١) . ١٥ النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر (١٢) .

стр. 5184

١٦ شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١) . ١٧ الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) (٣) . ١٨ القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية (٤) . ١٩ غاية المطلب في معرفة المذهب (٥) . ٢٠ المبدع في شرح المقنع (٦) . ٢١ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (٧) . ٢٢ تصحيح الفروع (٨) . ٢٣ معونة أولي النهى شرح المنتهى (٩) . ٢٤ كشاف القناع عن متن الإقناع (١٠) . ٢٥ شرح منتهى الإرادات (١١) . الفصل الثالث: بيان من وضعه، وفيه مبحثان: المبحث الأول: من وضعه؟

стр. 5185

يظهر جلياً أن الخلال، أحمد بن محمد بن هارون، مدون فقه الإمام أحمد وجامعه، هو أول من استخدم هذا المصطلح في كتابه: «الجامع» في الفقه الأثري الحنبلي، فهو الواضع له ولم يكن أحد قبله قد استخدمه في التعبير به في الفقه الحنبلي، والأدلة على هذا ما يأتي: ١ أن الخلال هو جامع علوم الإمام أحمد، وحافظ مذهب الإمام الأثري، «سمع مسائل الإمام أحمد، ورحل إلى أقاصي البلاد في جمع مسائل الإمام أحمد، وسماعها ممن سمعها من أحمد، وممن سمعها ممن سمعها من أحمد، فنال منها وسبق إلى مالم يسبقه سابق، ولم يلحقه بعده لاحق ... » (١) . قال الخلال في كتاب (أخلاق أحمد بن حنبل) (٢) : «لم يكن أحد علمت عُنِيَ بمسائل أبي عبد الله ما عنيت به أنا، وكذلك كان أبو بكر المَرُّوذِي ﵀ يقول لي ...» . وقال الذهبي (٣) : «ولم يكن قبله [يعني الخلال] للإمام مذهب مستقل حتى تتبع هو نصوص أحمد ودوَّنها وبرهنها بعد الثلاث مائة، فرحمه الله تعالى» (٤) .
следующие страницы →