وقال ابن الجوزي (١) : «وكان ينهى الناس عن كتابة كلامه، فنظر الله تعالى إلى حسن قصده، فنقلت ألفاظه وحفظت، فقل أن تقع مسألة إلا وله فيها نص من الفروع والأصول، وربما عدمت في تلك المسألة نصوص الفقهاء الذين صنفوا وجمعوا» (٢) .
ويقول ابن القيم (٣) : «وكان ﵁ شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه، ويشتد عليه جداً» .
стр. 5182
وقد كان الطريق في الغالب إلى فقه الإمام ﵀ نقلة المسائل ورواتها عنه، وهم كثير (١) ، وقد تلقى هذه المسائل عن تلاميذ الإمام تلاميذهم مما هيأ نشأة هذا المصطلح وبروزه، وبخاصة أن الرواية في ذلك العصر هي السائدة تلقياً وتصنيفاً، فتلقى الخلال هذه المسائل من رواتها، وسافر في تحصيلها، حتى جمع قدراً كبيراً من مسائل الإمام أحمد ﵀، فصنفها، وبوَّبها على أبواب العلم، ومن ثم نراه يستخدم هذا المصطلح للدلالة على كثرة الرواة عن الإمام أحمد في المسألة المنقولة عنه، في كتابه (الجامع) (٢) ، ومن هنا بدء هذا المصطلح نشأته في الفقه الحنبلي، وقد تتابع الأصحاب في مصنفاتهم على استخدام هذا المصطلح، والتعبير به بعد الخلال، فقد ورد ذكره في الكتب الآتية على سبيل المثال:
١ كتاب الروايتين والوجهين (٣) ، وهو فيه كثير (٤) .
٢ التعليق الكبير في المسائل الخلافية (٥) .
٣ الأحكام السلطانية (٦) .
стр. 5183
٤ الجامع الصغير (١) .
٥ الانتصار في المسائل الكبار (٢) .
٦ المغني (٣) .
٧ العدة في شرح العمدة (٤) .
٨ الشرح الكبير (٥) .
٩ شرح العمدة (٦) .
١٠ أحكام أهل الذمة (٧) .
١١ زاد المعاد في هدي خير العباد (٨) .
١٢ الطرق الحكمية في السياسة الشرعية (٩) .
١٣ الفروع (١٠) .
١٤ الآداب الشرعية والمنح المرعية (١١) .
١٥ النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر (١٢) .
стр. 5184
١٦ شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١) .
١٧ الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)(٣) .
١٨ القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية (٤) .
١٩ غاية المطلب في معرفة المذهب (٥) .
٢٠ المبدع في شرح المقنع (٦) .
٢١ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (٧) .
٢٢ تصحيح الفروع (٨) .
٢٣ معونة أولي النهى شرح المنتهى (٩) .
٢٤ كشاف القناع عن متن الإقناع (١٠) .
٢٥ شرح منتهى الإرادات (١١) .
الفصل الثالث: بيان من وضعه، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: من وضعه؟
стр. 5185
يظهر جلياً أن الخلال، أحمد بن محمد بن هارون، مدون فقه الإمام أحمد وجامعه، هو أول من استخدم هذا المصطلح في كتابه: «الجامع» في الفقه الأثري الحنبلي، فهو الواضع له ولم يكن أحد قبله قد استخدمه في التعبير به في الفقه الحنبلي، والأدلة على هذا ما يأتي:
١ أن الخلال هو جامع علوم الإمام أحمد، وحافظ مذهب الإمام الأثري، «سمع مسائل الإمام أحمد، ورحل إلى أقاصي البلاد في جمع مسائل الإمام أحمد، وسماعها ممن سمعها من أحمد، وممن سمعها ممن سمعها من أحمد، فنال منها وسبق إلى مالم يسبقه سابق، ولم يلحقه بعده لاحق ... » (١) .
قال الخلال في كتاب (أخلاق أحمد بن حنبل) (٢) : «لم يكن أحد علمت عُنِيَ بمسائل أبي عبد الله ما عنيت به أنا، وكذلك كان أبو بكر المَرُّوذِي ﵀ يقول لي ...» .
وقال الذهبي (٣) : «ولم يكن قبله [يعني الخلال] للإمام مذهب مستقل حتى تتبع هو نصوص أحمد ودوَّنها وبرهنها بعد الثلاث مائة، فرحمه الله تعالى» (٤) .
стр. 5186
إذا تقرر هذا، فإن هذا المصطلح وضع للدلالة على أكثرية رواة من نقل المسألة عن الإمام أحمد، ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا لمن اطلع على رواية من رواها وذلك ما تحقق للخلال دون غيره (١) ، فهو من نتاج جمعه وسبره لتلك المسائل.
٢ أن الخلال استخدم هذا المصطلح في كتابه «الجامع» ، وهو كتاب كبير وضخم، لم يصل إلى أيدي الباحثين منه إلا القليل، وقد عثرت على هذا المصطلح (رواه الجماعة) في كتابه: «أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض من كتاب (الجامع) (٢) في مواضع منه، كقوله: «والذي أختار من قول أبي عبد الله ما روى عنه الجماعة» (٣) .
وقوله: «والذي أذهب إليه مما أختار على ما رواه عنه الجماعة وبالله التوفيق» (٤) .
وقوله: «والعمل على مارواه الجماعة ... » (٥) .
وقوله: «ثم روى عنه هؤلاء الجماعة ... » (٦) . وغيرها (٧) .
стр. 5187
٣ نص بعض الأصحاب على نسبته إلى الخلال حين نقلوا عنه في مصنفاتهم، ففي كتاب الروايتين (١) ما نصه: «قال أبو بكر الخلال: ... والذي أختار ما روى الجماعة ... » . وفي المغني (٢) : « ... ووهَّن الخلال هذه الرواية، وقال: هذا قول قديم، رجع عنه أحمد، والعمل على ما رواه الجماعة ... » (٣) .
وفي هذا دلالة على أن «كل من اتبع هذا المذهب يأخذ من كتبه» (٤) .
المبحث الثاني: ترجمة واضعه (٥) ، وفيه مطالب:
المطلب الأول: اسمه وكنيته:
هو أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي، أبو بكر، المعروف بالخلال (٦) .
المطلب الثاني: مولده:
ولد سنة أربع وثلاثين ومائتين، وقيل في التي تليها (٧) .
قال الذهبي (٨) : «فيجوز أن يكون رأى الإمام أحمد، ولكنه أخذ الفقه عن خلق كثير من أصحابه»
المطلب الثالث: حياته العلمية (٩) :
بدأ الخلال طلب العلم وهو في مقتبل عمره، واهتم بمسائل الإمام أحمد على وجه الخصوص، وصرف عنايته إليها حتى قيل عنه: «أنفق عمره في جمع مذهب الإمام أحمد وتصنيفه» (١٠) .
стр. 5188
ولا غرو في هذا، فقد رحل ﵀ إلى بلاد شتى كفارس، والشام، والجزيرة، يتطلب فقه الإمام أحمد وفتاويه، وتغرّب في سبيل ذلك زماناً حتى نال منها قدراً لم يسبقه إليه سابق، فكان هو المدون لفقه الإمام وجامعه ومرتبه على الأبواب.
تفقه الخلال على شيخه المَرُّوذِي ولازمه حتى مات، وشيوخه الذين أخذ عنهم العلم كثير يشق إحصاء أسمائهم، ثم أصبح الخلال إمام المذهب في عصره، وكانت حلقته بجامع المهدي (١) يؤمها العدد الوفير من طلاب العلم، برع منهم طائفة كأبي بكر (٢) ، عبد العزيز بن جعفر، المعروف بغلام الخلال.
وللخلال مصنفات جليلة القدر، وبخاصة في المذهب الحنبلي، منها: (الجامع) و (العلل) و (السنة) ، وغيرها، وهي تدل على إمامته وسعة علمه.
المطلب الرابع: وفاته:
توفي الخلال يوم الجمعة ليومين خليا من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة (٣١١هـ) ، وله سبع وسبعون سنة، ودفن إلى جوار قبر شيخه المَرُّوذِي، قرب قبر الإمام أحمد رحم الله الجميع (٣) .
стр. 5189
الفصل الرابع: المراد به عند الحنابلة.
يذهب بعض العلماء إلى أن المراد بمصطلح (رواه الجماعة) محدد بسبعة من الرواة عن الإمام أحمد على اختلاف يسير بينهم على النحو الآتي:
أ) أن المراد بهم سبعة، وهم:
١ صالح بن أحمد بن حنبل (١) .
٢ عبد الله بن أحمد بن حنبل (٢) .
٣ حنبل بن إسحاق بن حنبل (٣) .
٤ أبو بكر أحمد بن محمد المَرُّوذِي.
стр. 5190
٥ إبراهيم الحربي (١) .
٦ أحمد بن حميد المشكاني، أبو طالب (٢) .
٧ عبد الملك بن عبد الحميد الميموني (٣) .
جاء في حاشية المنتهى (٤) : « ... وحيث أطلق الجماعة، فالمراد بهم: عبد الله ابن الإمام، وأخوه صالح، وحنبل ابن عم الإمام، وأبو بكر المَرُّوذِي، وإبراهيم الحربي، وأبو طالب، والميموني ... » (٥) .
стр. 5191
ب) أن المراد بهم سبعة، وهم (١) :
١ أبو طالب، أحمد بن حميد المشكاني. ...
٢ إبراهيم الحربي.
٣ حرب بن إسماعيل الكرماني (٢) . ... ...
٤ عبد الملك الميموني.
٥ عبد الله ابن الإمام. ... ... ...
٦ صالح ابن الإمام.
٧ حنبل بن إسحاق بن حنبل (ابن عم الإمام) .
ومما تقدم يظهر الاختلاف بين الفريقين في اعتبار بعض الرواة منهم، فلم يُعد المَرُّوذِي من الجماعة عند الفريق الثاني ولم يُعد حرب منهم عند الفريق الأول واتفقا على أن بقية الرواة يدخلون في هذا المصطلح.
وهذا الحصر في العدد والمعدود من الرواة فيه نظر، فلم أعثر عليه عند المتقدمين أو المتوسطين من الأصحاب، بل جاء عندهما بخلاف الحصر الآنف، وإنما وجد عند بعض المتأخرين من الأصحاب، فوجدته منسوباً للعلامة محمد الفارضي (ت ٩٨١هـ (٣)
стр. 5192
) ، ولم أقف في نسبته بهذا التحديد إلى أحد قبله (١) ، ونسبه الشيخ سليمان بن حمدان (٢) إلى الشيخ محمد الخلوتي (ت ١٠٨٨ هـ (٣)) فقال (٤) : «حيث أطلق الجماعة، فالمراد بهم: عبد الله ابن الإمام أحمد، وأخوه صالح، وحنبل ابن عم الإمام، وأبو بكر المَرُّوذِي، وإبراهيم الحربي، وأبو طالب، والميموني ﵃، قاله الشيخ محمد الخلوتي» .
تحقيق المراد به:
стр. 5193
تقرر فيما سبق أن مصطلح (رواه الجماعة) من صنع الخلال، واستعمله في كتابه (الجامع) ، وهذا يحتم على الباحث النظر إلى مراد واضعه، وقصده من اصطلاحه ما أمكن، والذي يظهر لي من المواضع التي وقفت عليها وساق فيها الخلال مصطلحه (رواه الجماعة) أنه لم يقصد به عدداً مقدراً، أو معدوداً محدداً بعينه، وقد دل على هذا ما يأتي:
١ قال الخلال في باب (الصغير يؤسر مع أحد أبويه) (١) : «قال أبو بكر (٢) : روى هذه المسألة أربعة أنفس عن أبي عبد الله بخلاف ما قال علي ابن سعيد (٣) ؛ وما روى علي بن سعيد، فأظن أنه قول لأبي عبد الله ثم رجع إلى أن يحمل ولا يترك، وهو مسلم إن مات أو بقي، وهو أشبه بقول أبي عبد الله وبمذهبه ... والذي اختار من قول أبي عبد الله ما روى عنه الجماعة؛ لأن لا يترك، وبالله التوفيق» .
وهذا النص سبقه ذكر الروايات في المسألة، فنقل علي بن سعيد عنه ما يدل على أن الصبي إذا أسر يسلم لأهل دينه في أحد حصون الروم.
ونقل أبو بكر المَرُّوذِي، ويعقوب بن بختان (٤) ،وإسحاق بن إبراهيم (٥)
стр. 5194
عنه أنه يحمل ولا يترك (١) .
والملاحظ أن الخلال أطلق الجماعة في هذه المسالة على أولئك العدد الذين نقلوا هذه الرواية عن أحمد بخلاف ما نقل علي بن سعيد، وهم يقلون عدداً، ويختلفون ذواتاً عن المصطلح الذي قرره بعض المتأخرين من الأصحاب، فحصروه في عدد ومعدود محددين.
٢ جاء في مسألة تبعية الصغير لأبويه الكافرين أو أحدهما حال وجودهما وكفالتهما له، أو أحدهما روايات عن الإمام أحمد، اختار الخلال منها ما رواه عنه الجماعة، وممن رواها عنه إسحاق بن منصور (٢) ، وإسحاق بن إبراهيم، فجعلهما الخلال من الجماعة، وهما لا يدخلان عند من حصرهم بأولئك الرواة (٣) .
٣ روى يعقوب بن بختان عن أحمد في الجزية، هل للإمام التخفيف عن الكفار منها؟ فقال: لا.
ونقل أبو بكر الأثرم، وأبو طالب، وأحمد بن القاسم (٤) ، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم في الجزية أن للإمام أن يزيد وينقص فيها، وليس لمن دونه ذلك (٥) .
стр. 5195
قال أبو بكر الخلال (١) : «والذي عليه العمل من قول أبي عبد الله أنه للإمام أن يزيد في ذلك وينقص، وليس لمن دونه أن يفعل ذلك، وقد روى يعقوب بن بختان خاصة عن أبي عبد الله أنه لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك، ثم روى عن أبي عبد الله أصحابه في عشرة مواضع أنه لابأس بذلك، ولعل أبا عبد الله تكلم بهذا في وقت العمل من قوله على ما رواه الجماعة، بأنه لابأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص ... » ا. هـ.
٤ ذكر الخلال (٢) أن الجماعة نقلوا عن أحمد كراهية (٣)
стр. 5196
التزويج بإماء أهل الكتاب، وممن نقل ذلك أبو داود (١) ، وأبو طالب، والمَرُّوذِي، وإسحاق بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم (٢) ،وصالح (٣) ،والميموني (٤) ، وغيرهم.
ونقل أحمد بن القاسم عن أحمد قوله: «إن الكراهية في ذلك ليست بالقوية ... » (٥) .
وفي رواية الأثرم أجاب بذكر الاختلاف (٦) ، ثم قال الخلال (٧) : «لم ينفذ لأبي عبد الله قول يعمل عليه في هذا، وإنما حكى قلة تقوية ذلك عنده، والعمل على ما روى عنه الجماعة من كراهيته ذلك. وبالله التوفيق» ا. هـ.
٥ جاء في باب (الرجل يتبع قرابته المشرك) . يعني جنازته، وبعد أن ساق الروايات فيه قال الخلال (٨) : «قال أبو بكر الخلال: كأن أبو عبد الله لايعجبه ذلك في مسألة محمد بن موسى (٩) ، ثم روى هؤلاء الجماعة أنه لا بأس ... » .
ومن الجماعة المشار إليهم بقوله: «هؤلاء الجماعة» ممن ساق روايتهم في ذلك: محمد بن الحسن بن هارون (١٠)
стр. 5197
، وأبو طالب، وحنبل، وإسحاق بن منصور، وصالح (١) .
٦ جاء في باب (أم ولد النصراني تسلم) ، وبعد أن ذكر الروايات في الباب قال (٢) : «قلت: الذي أذهب إليه من قول أبي عبد الله بعد ما روى عنه الجماعة التوقف، والاحتجاج في الأقاويل ما حكى عنه إسحاق ابن منصور، والمشكاني (٣) أنه ممنوع من وطئها وبيعها ... وإذا مات فهي حرة» .
فقوله: «بعد ما روى عنه الجماعة التوقف» . يعني بالجماعة أولئك الرواة الذين ذكر رواياتهم في هذا الباب، وهم: أبو بكر المَرُّوذِي، والفضل بن زياد (٤) ، وأبو طالب، ويوسف بن موسى (٥) ، وحرب، وهذه الروايات تفيد توقف الإمام أحمد (٦) .
стр. 5198
ومما تقدم من النقول الستة يلاحظ أن هذا المصطلح (رواه الجماعة) لم يضبط بعدد أو معدود لدى الخلال، بل نرى أن عدداً من الرواة قلة أو كثرة يتفاوتون حين النص على هذا المصطلح، مما يدل على عدم تحديدهم واختلاف أعيانهم، وهذا مخالف لتحديد بعض المتأخرين.
وقد سار سير الخلال في عدم التحديد بعدد أو معدود جمع من الأصحاب من المتوسطين والمتأخرين، وهذه بعض النصوص الدالة على هذا:
١ جاء في كتاب الروايتين والوجهين، لأبي يعلى (١) في مواطن كثيرة تدل على ما تقرر آنفاً، منها:
أ) قال القاضي في مسألة العدد المشترط في تطهير نجاسة الكلب والخنزير (٢) : «فنقل الجماعة: صالح، وعبد الله، وابن منصور، أنه يجب غسلها سبعاً إحداها بالتراب» .
ب) وقال في المسألة التي تليها (٣) : «فنقل الجماعة، منهم: أبو الحارث ... » .
وأبو الحارث هو: أحمد بن محمد الصائغ (٤)
стр. 5199
، وهو ممن لا يشمله المصطلح عند من حدده.
ج) وقال أيضاً في مسألة طهارة جلود الميتة بالدباغ (١) : «فنقل الجماعة، منهم: صالح، وعبد الله، والأثرم، وحنبل، وابن منصور، وأبو الصقر (٢) أنها لا تطهر بالدباغ ... » .
د) وقال في مسألة وجوب المضمضة في الطهارة الصغرى (٣) : «فنقل الجماعة، منهم: إبراهيم بن هانئ (٤) أنها واجبة ... » .
هـ) وقال في مسالة تنشيف الأعضاء من ماء الوضوء (٥) : «فنقل جماعة منهم: أبو داود، ويعقوب بن بختان، وصالح أنه غير مكروه ...» .
و) وقال في مسألة بطلان التيمم بخروج الوقت (٦) : «فنقل الجماعة، ومنهم: أبو طالب، والمَرُّوذِي، وأبو داود، ويوسف بن موسى أنه يبطل بخروج الوقت ... » .
ز) وقال في مسألة ابتداء مدة المسح (٧) : «فنقل الجماعة: بكر بن محمد (٨) ، والفضل، وأبو الحارث، وصالح من وقت الحدث بعد لبس الخف» .
стр. 5200
ح) وفي المسألة التي تليها (١) قال: «فنقل الجماعة: صالح، وحنبل، وأبو داود، ويوسف بن موسى، يستأنف الوضوء» .
ط) وقال في مسألة ما يجب بوطء الحائض مع العلم بالتحريم (٢) : «فنقل الجماعة، منهم: المَرُّوذِي، وإسماعيل بن سعيد (٣) يتصدق بدينار أو بنصف دينار» .
ي) وقال في مسألة أكثر الحيض (٤) : «فنقل الجماعة، منهم: أبو داود، والفضل بن زياد، والميموني، وإسحاق بن إبراهيم» .
ك) وقال في مسألة قراءة الفاتحة هل تتعين في الصلاة؟ (٥) : «فنقل الجماعة، منهم: إسحاق بن إبراهيم، وأبو الحارث، وعلي بن سعيد أنها تتعين» .
ل) وقال في مسألة البسملة هل هي من فاتحة الكتاب؟ (٦) : «فنقل الجماعة، منهم: عبد الله، ومهنا (٧) ،وإسحاق بن إبراهيم، وابن مشيش (٨) ، وحنبل، وأبو طالب أن قراءتها تستحب في الصلاة، وإن سها أن يقرأها أجزأته صلاته، وهذا يدل على أنها ليست آية من الفاتحة ... » .
стр. 5201
م) وقال في مسألة صفة الدية المغلظة (١) : «فنقل الجماعة: أبو الحارث، وبكر بن محمد، وحرب، وابن منصور أنها أرباع ... » .
ن) وقال في مسألة إلحاق الطفل المسبي مع أحد أبويه لأحدهما في الدين (٢) : «نقل الجماعة، منهم: صالح، والميموني، وابن إبراهيم إذا سبي مع أحد أبويه فهو مسلم. فظاهر هذا أنه تابع للسابي في الدين ... قال أبو بكر: ما رواه الكوسج قول أول، والعمل على ما رواه الجماعة أنه مسلم» .
س) قال في مسألة إذا خير زوجته فاختارت زوجها فهل يقع الطلاق؟ (٣) : «فنقل الجماعة، منهم: أبو الحارث، وأبو طالب، والمشكاني (٤) : لا يقع الطلاق. ونقل ابن منصور أنها طلقة رجعية. قال أبو بكر: العمل على مارواه الجماعة» .
فهذه النقول الكثيرة (٥) تدل دلالة واضحة لا لبس فيها على أن مصطلح (رواه الجماعة) غير محدد بعدد، أو معين بذوات كما قرره بعض متأخري الأصحاب.
٢ جاء في كتاب التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة، لأبي يعلى (٦) ، في مواطن منه تؤيد ما سبق تقريره، منها:
стр. 5202
أ) قال أبو يعلى في مسألة نكاح المحرم لنفسه ولغيره باطل (١) : «نص عليه في رواية الجماعة: الميموني، وابن منصور، وأحمد بن أبي عبدة (٢) ، وغير ذلك» .
ب) وقال في مسالة من دفع من مزدلفة قبل نصف الليل، أو لم يبت بها لغير عذر (٣) : « ... ونقل الجماعة عنه: الأثرم، وابن إبراهيم، وأبو طالب، والمَرُّوذِي إذا ترك ليالي منى لا دم عليه، فَيُخَرَّج في ليلة مزدلفة كذلك» .
٣ جاء في الأحكام السلطانية في مواضع ما يدل على عدم التحديد، ومنها:
أ) ما جاء في حكم تارك الصلاة، وفيه ما نصه: « ... نص على ضرب عنقه في رواية الجماعة: صالح، وحنبل، وأبي الحارث» (٤) .
ب) قال القاضي: «وأما الحج ففرض عند أحمد على الفور، فيتصور تأخيره عن وقته، وقد قال أحمد في رواية الجماعة، منهم: عبد الله، وإسحاق، وإبراهيم، وأبو الحارث: من كان موسراً وليس به أمر يحبسه، فلم يحج لا تجوز شهادته» (٥) .
стр. 5203
٤ جاء في كتاب الانتصار في المسائل الكبار (١) ، لأبي الخطاب (٢) ، في مواطن منه ما يدل على عدم التحديد كما سلف، ومنها:
أ) قال أبو الخطاب (٣) : «مسألة: صوف الميتة وشعرها وريشها طاهر. نص عليه في رواية الجماعة، فقال في رواية حنبل ... وفي رواية الجرجاني (٤) ... وفي رواية الميموني ... ونحو ذلك روى غيرهم» .
ب) وقال أيضا (ً (٥) : «مسألة: سؤر الكلب نجس، ويجب غسله سبعاً إحداهن بالتراب. نص عليه في رواية الجماعة: صالح، والمَرُّوذِي، وابن منصور، وأبي داود، ومهنا ... » .
ج) وقال أيضا (ً (٦) : « ... ونقل الجماعة: حرب، وأبو داود، وأبو طالب، وأحمد بن أبي عبدة، والحسن بن أحمد (٧)
стр. 5204
..» .
٥ جاء في المغني، لابن قدامة في مواطن ما يؤكد ذلك، ومنها:
أ) قال في مسألة دفع الزكاة للقريب الوارث كالأخوين اللَّذين يرث أحدهما الآخر (١) : «ففيه روايتان: أحدهما: يجوز لكل واحد منهما دفع زكاته إلى الآخر، وهي الظاهرة عنه، رواها عنه الجماعة، وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور ... » .
ب) وقال في مسألة الرجل يطلق امرأته ويختلفان في المتاع (٢) : «قال أحمد في رواية الجماعة، منهم: يعقوب بن بختان ... » .
٦ جاء في شرح العمدة، لابن تيمية ذكر هذا المصطلح في مواطن دون تحديد كما سلف، ومنها:
أ) قال ابن تيمية (٣) : «وإن كان هناك حائل يمنع رؤيته، وهو أن يكون دون مطلعه ومنظره سحاب أو قتر، يجوز أن يكون الهلال تحته قد حال دون رؤيته؛ فالمشهور عن أبي عبد الله ﵀ أنه يصام من رمضان، ويجزئ إذا تبين أنه من رمضان، ولا يجب قضاؤه. نقله عنه الجماعة، منهم: ابناه، والمَرُّوذِي، والأثرم، وأبو داود، ومهنا، والفضل ابن زياد» .
ب وقال في مسألة تبييت النية في صوم رمضان (٤) : «قال في رواية الجماعة: صالح، وعبد الله، وإبراهيم، وابن منصور يحتاج في شهر رمضان أن يجمع في كل يوم على الصوم» .
٧ جاء في أحكام أهل الذمة، لابن القيم (٥) ما نصه: «وقد ذهب بعضهم إلى أنه يرث المسلم الكافر بالموالاة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، نص عليه في رواية الجماعة: حنبل، وأبي طالب والمَرُّوذِي، والفضل بن زياد ... » .
стр. 5205
٨ جاء في الآداب الشرعية (١) نقلاً عن القاضي ما نصه: «وقال القاضي: هل يكره فصد العروق أم لا؟ على روايتين: إحداهما لا يكره؛ نص عليها في رواية الجماعة، منهم: صالح، وجعفر (٢) ... » .
٩ جاء في النكت والفوائد السنية (٣) ذكر هذا المصطلح من غير تحديد أيضاً في مواضع منها:
أ) قال ابن مفلح (٤) : «قوله: ولاحيض مع الحمل. نص عليه في رواية الجماعة: الأثرم، وإبراهيم الحربي، وأبي داود، وحمدان بن علي (٥) وغيرهم ... » .
ب) وقال أيضا (ً (٦) : «قال القاضي: نقل الجماعة: بكر بن محمد، ومهنا، وأبو طالب، وأحمد بن الحسن بن حسان (٧) ، وصالح ... » .
стр. 5206
ج) وقال أيضاً (١) : «نقل الجماعة: المَرُّوذِي، وأبو داود، وحرب، والميموني، لا تجوز شهادة بعضهم على بعض ... » . يعني أهل الذمة.
١٠ جاء في شرح الزركشي (٢) عند مسألة التيمم لكل صلاة ما نصه: «هذا هو المذهب المشهور، المعمول به عند الأصحاب من الروايات. مع أن القاضي في التعليق لم يحك به نصاً، وإنما قال: أطلق أحمد القول في رواية الجماعة: أبي طالب، والمَرُّوذِي، وأبي داود، ويوسف بن موسى أنه يتيمم لكل صلاة، ومعناه: لوقت كل صلاة ... » .
١١ ما جاء في القواعد والفوائد الأصولية (٣) في مسألة طلاق الصبي: « ... عن أحمد ﵀ في ذلك روايتان. إحداهما لا يقع حتى يبلغ. نقل أبو طالب: لا يجوز طلاقه حتى يحتلم. والأصحاب على وقوع طلاقه. وهو المنصوص عن الإمام في رواية الجماعة. منهم صالح، وعبد الله، وابن منصور، والحسن بن ثواب (٤) ، والأثرم، وإسحاق بن هانئ، والفضل بن زياد، وحرب، والميموني» .
١٢ جاء في الإنصاف (٥) ، حين ذكر رواية من ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب فهو غني قال: «ونقلها الجماعة عن أحمد، قلت: نقلها الأثرم، وابن منصور، وإسحاق بن إبراهيم، وأحمد بن هاشم الأنطاكي (٦)
، وبكر بن محمد، وأبو جعفر بن الحكم (١) ، وجعفر بن محمد (٢) ، وحنبل، وحرب، والحسن بن محمد (٣) ، وأبو حامد ابن أبي حسان (٤) ، وحمدان الوراق، وأبو طالب، وابناه: صالح وعبد الله، والمَرُّوذِي، والميموني، ومحمد ابن داود (٥) ، ومحمد بن موسى، ومحمد بن يحيى (٦) ، وأبو محمد مسعود ((٧) ، ويوسف بن موسى، والفضل بن زياد» .
стр. 5209
وبعد، فأنت أيها القارئ الكريم، تلحظ من خلال النصوص الآنفة، تظافرها في الدلالة على أن هذا المصطلح (رواه الجماعة) لا يراد به التحديد بعدد مقدر ومعدود معين لا يختلف عنهما بحال، وهي من الوضوح والبيان بمكان لا يتطرق إليه شك أو احتمال في الجملة، وهذا أمر لا يحتاج إلى تطويل ومزيد تقرير، وبخاصة أن الأصحاب اعتمدوا كتب الخلال مصدراً لعلوم أحمد وفقهه، وساروا كما ظهر أثناء النقول المتقدمة سيره في التعبير به وفق منهجه الذي سبق بيانه.
قال ابن الجوزي عن الخلال وكتبه (١) : «كل من تبع هذا المذهب يأخذ من كتبه» .
وقال ابن بدران (٢) في المدخل (٣) : « ... ومن ثم كان جامع الخلال هو الأصل لمذهب أحمد، فنظر الأصحاب فيه، وألّفوا كتب الفقه منه» .
الفصل الخامس: فائدة التعبير به.
يظهر والله أعلم أن الخلال أراد أن يجعله من الدلائل التي يستفاد منها معرفة مذهب الإمام أحمد ﵀ في المسألة.
يقول أبو بكر الخلال (٤) : « ... ولأن بعض من يظهر أنه يقلد مذهب أبي عبد الله ربما كنا معهم في مؤنة عظيمة من توهمهم للشيء من مذهب أبي عبد الله، أو تعلقهم بقول واحد، ولا يعلمون قول أبي عبد الله من قبل غير ذلك الواحد، وأبو عبد الله يحتاج من يقلد مذهبه أن يعرفه من رواية جماعة ... » .
стр. 5210
ومما لا شك فيه أن معرفة مذهب الإمام أحمد ورأيه في المسألة يحتاج إلى سبر لما رواه تلاميذه عنه فيها، فلا يعول على رواية دون الاطلاع على سائر الروايات عنه، ومن ثم يجزم بأنها مذهبه.
ومما يعرف به مذهب الإمام كثرة من نقل الرواية عنه وهو ما يسمى (بالجماعة) ، قال ابن تيمية (١) : «وما انفرد به بعض الرواة عن الإمام وقوي دليله فهو مذهبه، وقيل: لا، بل ما رواه جماعة بخلافه» .
стр. 5211
وقال المرداوي (١) : «وما انفرد به بعض الرواة وقوي دليله، فهو مذهبه» (٢) . وصحَّح هذا القول فقال (٣) : «وهو الصحيح قدمه في الرعايتين وآداب المفتي، والشيخ تقي الدين في المسودة، واختاره ابن حامد (٤) ، وقال: يجب تقديمها على سائر الروايات؛ لأن الزيادة من الثقة مقبولة في الحديث عند الإمام أحمد، فكيف والراوي عنه ثقة خبير بما رواه. قلت: وهو الصواب (٥)
стр. 5212
والوجه الثاني: لا يكون مذهبه، بل ما رواه الجماعة بخلافه أولى. اختاره الخلال وصاحبه؛ لأن نسبة الخطأ إلى الواحد أولى من نسبته إلى جماعة، والأصل اتحاد المجلس.
قلت: وهذا ضعيف، ولا يلزم من تقديم ذلك خطأ الجماعة، وانفراده بذلك يدل على تعدد المجلس، وكونهما في مجلسين أولى للجمع وعدم الخطأ، ويحتمل أن يتحد المجلس ويحصل ذهول أو غفلة والله أعلم» ا. هـ.
ومما تقدم يظهر أن المذهب لدى الخلال وصاحبه وغيرهما هو ما اتفق على نقله الجماعة عن الإمام أحمد (١)
стр. 5213
خاتمة
لعل أبرز نتائج البحث في فصوله الخمسة يمكن تدوينها على النحو الآتي:
١ أن صيغ هذا المصطلح متعددة، منها:
أ) رواه الجماعة.
ب) نقله الجماعة.
ج) رواه جماعة.
د) نقله جماعة.
٢ أن هذا المصطلح نشأ منذ بدايات تدوين فقه الإمام أحمد ﵀ فقد وجد هذا المصطلح في أعظم مدونات المذهب وأهمها كتاب (الجامع) لمؤلفه: أبو بكر الخلال (ت٣١١هـ) ، ومن ثم تناقله الأصحاب متقدهم ومتأخرهم عنه في مصنفاتهم.
٣ أن واضع هذا المصطلح هو أحمد بن محمد الخلال، يشهد له كتابه العظيم (الجامع) ففيه ذكر لهذا المصطلح، كما أن الأصحاب نقلوه منسوباً إليه.
٤ أن المراد بمصطلح (رواه الجماعة) : جمع من رواة المسائل عن الإمام أحمد ﵀ من تلاميذه، بحيث يصدق عليهم وصف الجماعة من غير تحديد بعدد مقدر ومعدود معين.
٥ أن فائدة التعبير بهذا المصطلح تتجلى في كونه مما يعرف به المذهب عند المتقدمين كالخلال، فما رواه الجماعة من الدلائل التي يعرف بها المذهب.
هذا ما ظهر لي أثناء البحث، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 5214
منهج مالك بن أنس في العمل السياسي
د. الدكتور أحمد العوضي
أستاذ مشارك بقسم الفقه واصوله- كلية الشريعة
جامعة مؤتة -الكرك -الأردن
ملخص البحث
يمثل هذا البحث محاولة للكشف عن منهج مالك بن أنس في العمل السياسي. بدأته بتعريف موجز بشخصية مالك، وعرفت بأشهر شيوخه لبيان مدى استقلاله عنهم وعدم تأثره بهم أو تقليده لهم في منهجه السياسي، وإن توافق معهم في بعض جوانب منهجه، فإنما هو توافق ناشيء عن نظر واجتهاد وليس عن تأثر وتقليد، وتعرضت لمنهجه في سلوكه السياسي وخطابه السياسي مع السلطة الحاكمة، ثم أوضحت منهجه في المشاركة السياسية ومنهجه في موقفه من المعارضة المسلحة (الخروج المسلح) . وتكلمت في الجانب السياسي لأصل فكرة تأليف كتابه "الموطأ"، وأوضحت أثر المصلحة باعتبارها أصلا من أصول الفقه عنده في منهجه السياسي، وختمته بسرد أبرز استنتاجاتي فيه.
مقدمة
الحمد لله.. والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد:
... فإن مالك بن أنس إمام مدرسة كبرى في الفكر الاجتهادي في الفقه وأصوله، وواحد من كبار أئمة مدرسة أهل السنة والجماعة في الفكر العقدي.
ونشأت لدي رغبة في التعرف على منهجه في العمل السياسي، وأقصد بذلك، منهجه في سلوكه وخطابه السياسيين، ومنهجه في المشاركة السياسية، أي تولي وظائف الحكم والإدارة، ومنهجه في موقف من الخروج على السلطة السياسية، والجانب السياسي وراء محنته، وموقفه من الجانب السياسي في طلب تأليف الموطأ ودور المصلحة في منهجه في تلك القضايا السياسية.
وبعد البحث تشكلت لدي هذه الدراسة، فعزمت على تقديمها تحت عنوان "منهج مالك بن أنس في العمل السياسي".
كذلك، حرصت على إضفاء طابع التحليل والاستنتاج على هذه الدراسة وربطها بواقعنا المعاصر. فمنهجي فيها منهج الجمع والتحليل والاستنتاج وتوظيف الجانب النظري للاستفادة منه في الواقع العملي
стр. 5215
هذا، وإن من يتصدى للعمل الإسلامي أحوج ما يكونفي نظري -لمثل هذه الدراسات، ليعتمد فقه الأئمة ومناهجهم في في الخطاب السياسي والعمل السياسي.
وقد جعلت هذه الدراسة في النقاط الآتية:-
اولاً:- ... ترجمة مختصرة للإمام مالك.
ثانياً:- ... الحياة السياسية في عصر مالك.
ثالثاً:- ... منهجه في خطابه وسلوكه السياسيين.
رابعاً:- ... الجانب السياسي في محنة مالك.
خامساً:- ... منهجه في المشاركة السياسية (تولي وظائف الحكم والإدارة) .
سادساً:- ... منهجه في موقفه من الخروج على السلطة السياسية.
سابعاً:- ... موقفه من الجانب السياسي في تأليف الموطأ.
ثامناً:- ... أثر أصل المصلحة" في منهجه السياسي.
تاسعاً:- ... مدى استقلاله عن شيوخه في منهج العمل السياسي.
الخاتمة، وضمنتها أبرز الاستنتاجات في هذه الدراسة.
أولا: ترجمة مختصرة للأمام مالك:
هو مالك بن أنس مالك بن أبي عامر الأصبحي القحطاني اليمني (١) . واسم أمة العالية بنت شريك الأزدية (٢) ، فهي من قبيلة عربية مشهورة. فمالك عربي الأبوين، لم يجر عليه ولاء ولا رق، وفي ذلك قال أبو سهيل بن مالك "نحن قوم من ذي أصبح، ليس لأحد علينا عقد ولا عهد". (٣)
قدم جده مالك من اليمن متظلما من بعض الولاة، واستقر مقامه قريبا من المدينة المنورة، وكان مالك هذا أحد أربعة حملوا عثمان بن عفان ليلا إلى قبره في البقيع. (٤)
ولد مالك بن أنس سنة ثلاث وتسعين هجرية على أشهر الروايات (٥) وقدم أبوه به إلى المدينة، فنشأ وعاش فيها، ولم يستوطن غيرها، ولم يخرج منها إلا لحج أو عمرة، ومات فيها سنة تسع وسبعين ومائة (٩٧١ هجرية (٦) .
وجلس مالك لتدريس العلم وهو ابن سبع عشرة سنة وأشياح متوافرون (٧) .
стр. 5216
وكان ﵀ على درجة عالية من العقل والذكاء والهيبة والوقار، قد شهد العلماء الأئمة له بذلك، وأنهت إلينا كتب المناقب والتاريخ الكثير في هذا الجانب، فمن أمثلة ذلك: (٨) . قال سفيان بن عينية. إن بالمدينة من بورك له في عقله، يعني مالك.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: دخلت المدينة سنة أربع وأربعين ومائة، ومالك أسود الرأس واللحية، والناس حواليه سكوت لا يتكلم أحد منهم هيبة له، ولا يفتي أحد في مسجد رسول الله غيره، فجلست بين يديه فسألته فحدثني، فاستزدته فزادني، ثم غمزني بعض أصحابه فسكت.
وقال: ما رأيت أثبت عقلا من مالك. وقال: ما أدركت أحدا من علماء الحجاز إلا معظما لمالك. وإن الله لا يجمع أمة محمد في حرمه وحرم نبيه إلا على هدى.
وكان شيخه ربيعه إذا رآه قال: قد جاء العاقل.
وقد شهد لمالك أنه بلغ رتبة الإمامة في العلم، وذكر أثره في حفظ العلم، لا سيما الحديث والفقه من الضياع، فمن ذلك:
قال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحدا ممن كتب عنه علم رسول الله أهيب في نفسي من مالك ولا أشد إعظاما لحديث رسول الله من مالك، ولا أشح على دينه من مالك، ولو قيل: اختر للأمة إماما لاخترت لهم مالكا.
وقال رجل لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد، رجل أراد أن يسأل عن مسألة رجلا من أهل العلم ليكون حجة بينه وبين الله، فقال سفيان: مالك ممن يجعله الرجل حجة بينه وبين الله.
وقال النسائي: "وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك بن أنس ولا أجل، ولا آمن على الحديث منه (٩) ".
... وقال يحيى بن سعيد القطان "كان مالك أماما في الحديث، وقال سفيان بن عينية: " كان مالك إماما في الحديث (١٠) .
... وقال الشافعي:"لولا مالك وسفيان-ابن عينية- ذهب علم الحجاز (١١) . وقال:"إذا جاء الأثر فمالك النجم" وفي لفظ آخر: "إذا ذكر العلماء فمالك النجم (١٢) ".
... وقال الشافعي:"العلم -يعني الحديث -يدور على ثلاث: مالك بن أنس وسفيان بن عينية، والليث بن سعد (١٣) .
стр. 5217
.. وقال النسائي: "أمناء الله- -على علم رسول الله: شعبة ابن الحجاج، ومالك بن أنس، وسفيان بن عينية، ويحيى بن سعيد القطان، والثوري إمام إلا أنه كان يروي عن الضعفاء (١٤) .
... وسئل أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، رجل يريد أن يحفظ حديث رجل بعينه، فقال أحمد:يحفظ حديث مالك (١٥) .
... وقال وهيب بن خالد: أتينا الحجاز فما سمعنا حديثا إلا نعرف وننكر إلا حديث مالك (١٦) .
وقال علي بن المديني: لم يكن بالمدينة أعلم بمذاهب تابعيهم من مالك (١٧) .
وقال يحيى بن معين: مالك أمير المؤمنين في الحديث (١٨) .
... وكان ﵀ يكره الجدل والخصومة والنزاع، سواء في ميدان الفكر والعلم النظري وفي الميدان السياسي، وسوف يأتي بحث الجانب السياسي، أما في جانب الفكر والعلم النظري فجاءت روايات نذكر بعضها:
قال الشافعي: كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما أنا فإني على بينة من دينه، وأما أنت فشاك، إذهب إلى شاك مثلك فخاصمه. (١٩)
وروي أنه قال: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ (٢٠) .
وقال له الرشيد يوما: ناظر أبا يوسف- صاحب أبي حنيفة -فقال مالك: إن العلم ليس كالتحريش بين البهائم والديكة (٢١) .
... وقيل له: الرجل عالم بالسنة، أيجاد عنها، قال: لا، ولكن ليخبر بالسنة، فإن قبل منه والإ سكت.
فكان مالك يرى الجدل مفسدا للدين، ومبعدا للناس عن الوحي، فلم يكن من منهجه في العلم الخوض في الجدل والخصومة، فانسجم منهجه في العلم مع منهجه في السياسة وهو عدم الميل إلى الصراع والعنف، وحب الأمن والاستقرار، وهو ما سيأتي بيانه-إن شاء الله.
стр. 5218
.. وقد استوعى مالك السنة واستوعب الفقه وأصوله، واستجمع فتاوى الصحابة، حتى شهد له سبعون من أكابر فقهاء المدينة بالكفاية للتدريس والإفتاء فقد روي عنه قوله: "ماجلست حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أن لي موضع لذلك". وقوله: "قل رجل كنت أتعلم منه ما مات حت n يجيئني ويستفتيني" (٢٢) . وكان إماما في العقيدة وعلوم الشريعة، وصاحب منهج متميز في الاجتهاد. ونشأت على أساس من منهجه مدرسة متميزة في الفكر الاجتهادي في الفقه وأصوله نسبت إليه وأطلق عليها "المذهب المالكي".
ثانيا: الحياة السياسية في عصر مالك (٢٣) :
... كان من مشايخ مالك وأهله من شاهد كثيرا من الأحداث السياسية في القرن الأول الهجري أو سمع من أنبائها، لاسيما أنباء الخروجات والثورات، فسمع مالك من تلك الأنباء، وشاهد بنفسه أحداثا سياسية وقعت في المدينة، وسمع أنباء أحداث وقعت في عصره ضد بني أمية، وعاصر خروج العباسيين على الأمويين واستيلاء العباسيين على الخلافة، وانتهاء أمر الأمويين في المشرق الإسلامي.
... ولعل مالكا أدرك أن الخروج والثورة كان هو الطابع الغالب على الحياة السياسية منذ أن حاصر الأحزاب المدينة وقتلوا عثمان سنة خمس وثلاثين للهجرة، وكان مالك بن أبي عامر جد الإمام مالك أحد أربعة حملوا عثمان بعد قتله- ﵁-إلى قبره بالبقيع. (٢٤)
... وعلم مالك بوقعة الجمل بين جيش علي وجيش عائشة وطلحة وابن الزبير، ثم الفتنة بين علي ومعاوية، ووقعة صفين، وخروج الخوارج على علي وقتله سنه أربعين، وتنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية والصلح بين الأمة على يد الحسن ﵁،وأثر ذلك على الأمن والاستقرار في الدولة، وثمرات ذلك على الدين والدعوة والفتوح الاسلامية في عهد معاوية.
стр. 5219
.. وعلم مالك بأنباء أخذ البيعة ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان بالإكراه وخروج الحسين بن علي على يزيد ومقتل الحسين سنة إحدى وستين، وفرار ابن الزبير من المدينة إلى مكة هربا من الإكراه على البيعة ليزيد، ومحاصرة جيش يزيد له في الحرم ونصب المنجنيق عليها وضربها واحتراق استارها وخشبها، وتصدع جدرانها.
وكذلك، جاءه من أنباء وقعة الحرة سنة ثلاث وستين حيث استولت جيوش يزيد بن معاوية على المدينة بسبب إعلان أهلها خلعه لما علموا من أنباء فسقه وجوره، فاستباحها قائد جيش يزيد واستباحتها، ووقع الجنود على النساء ونهبوا الأموال، قال مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة ممن حمل القرآن. (٢٥) ... وكذلك، تناهى إلى مالك خروج التوابين بقيادة سليمان بن صرد على عبيد الله بن زياد في خلافة مروان بن الحكم سنة خمس وستين ثأرا للحسين، بعد مقتل سليمان بن صرد وأصحابه، ثم خروج إبراهيم بن الاشتر النخعي بالكوفة وقتله عبيد الله بن زياد سنه سبع وستين، ثم مقتل عبد الله بن الزبير سنه ثلاثة وسبعين، بعد أن حاصرته جيوش عبد الملك بن مروان داخل الحرم وضربت الكعبة بالمنجنيق، حتى أصيب ابن الزبير وقتل.
... وسمع مالك الكثير من أبناء ثورات الخوارج في أرجاء الدولة الإسلامية، وشاهد بعضها.
... ولعل مالكا نشأ على سماع أخبار الفتن والصراعات، والقتل وسفك الدماء وإزهاق الأرواح وأدرك أثر ذلك على الأمة والدولة والدين والدعوة، وأن ذلك لم يقم حقا ولم يدفع باطلا.
... وقد رأى مالك أن العباسيين استولوا على الخلافة بطريق الخروج والثورة ولم يكن حالهم بأحسن من حال الأمويين، فقد عضوا عليها وجعلوها وراثية فيهم، وواجهوا العلويين الذين كانوا يرون أنفسهم أحق بالخلافة بالقمع والاضطهاد والتضييق والتشريد.
стр. 5220
كذلك، شاهد مالك كيف أن مدينة الرسول ﷺ تستباح حرماتها، ويقتل العباسيون فيها أبناء المهاجرين والأنصار، ويستذلونهم في سبيل إقرار الأمن لمصلحة حكمهم وولايتهم.
وشاهد مالك خروج (محمد) النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب في المدينة على أبي جعفر سنة مائة وخمسة وأربعين، وما نتج عن ذلك من تضييق على أهل المدينة جيران رسول الله- ﷺ واضطهاد لآل علي بن أبي طالب وتقييدهم وجلبهم إلى العراق.
وبعد ذلك وفي السنة نفسها خرج إبراهيم أخو النفس الزكية في البصرة على أبي جعفر وكانت نهايته وأصحابه الهزيمة والقتل.
وقبل ذلك خرج زيد بن علي بن أبي طالب، وهزم وقتل سنه ٢٢١هـ، وقتل من معه وخرج بعده ابنه يحيى وهزم وقتل من معه إلا من هرب فنجا.
وفي سنه مائة وثلاثين استولى أبو حمزة الخارجي على المدينة وقتل كثيرا من أهلها، ولعل مالكا أدرك مبكرا أن الخروج يرهق الأمه ويشتت شملها ويفرق صفها، وليس من السهل الميسور على من استولى على السلطة بالقوة أن يفرط بكرسي السلطة أو يفرط في العض عليه وتوريثه لذريته.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن الأمة ومصالحها والدعوة ومقاصدها ستضيع بين متطلع إلى السلطة مهما كان مقصده من الوصول إليها، ومستول عليها متشبث بها، ولا يدرى هل من سيصل إليها سيكون مثل المستولي عليها أو أسوأ حالا.
وإن مواقف مالك كما سيأتي لتدل على أن الواقع الذي سمع مالك بعضا من أبنائه أو شاهده قد رسخ لديه قاعدة فكرية ما أنفكت تترسخ لديه، وهي أن أول ما ينبغي أن يعنى به ويسعى إليه هو الاستقرار السياسي في الدولة، والأمن للأمة والنصح للأئمة، وذلك لما للعنف والصراعات من أثر سيء وثمر نكد على الأمة والدولة وعلى الدنيا والدعوة.