← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

في هذِه الآيَةِ قِرَاءاتٌ عِدَّةٌ، واضْطَرَبَتْ أقوالُ النُّحَاةِ في تَوْجِيهِ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وأَنْكَرَ قِرَاءَتَهُ جَمْهَرَةٌ مِنْ النُّحَاةِ حَتّى عَدَّها أبو حَاتِم لحْناً (١) ، قالَ النَّحَّاسُ (٢) : " وتَابَعَه عَلى ذلكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ ". أَمَّا قِرَاءَتُه فهي: "ولا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُوا " بالخِطَابِ وفَتْحِ البَاءِ والسِّين (٣) ، قالَ الأزْهَرِيُّ (٤) : " ومَنْ قَرَأ (ولا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُوا (لمْ يَجُزْ عِنْدَ البَصْرِيِّين إلاّ كَسْرَ أَلِفِ (إِنَّ) المَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُوا إمْلاؤُنا خَيْرٌ لَهُم، ودَخَلَتْ (إِنَّ) مُؤَكّدةً، وإذا فَتَحْتَ صَارَ المَعْنَى:ولا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَروا إِمْلاءَنا ". هذا هو رَأيُ البَصْرِيِّين، فهُم لا يُجِيزُونَ في قِرَاءَةِ حَمْزَةَ إلا كَسْرَ هَمْزَةِ (إَنَّ) ، قالَ الفَارِسِيّ (٥) : " قَوْلُه (الَّذينَ كَفَرُوا) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بأَنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ،والمَفْعُولُ الثانِي في هذا البابِ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ في المَعْنى، فلا يَجُوزُ فَتْحِ (إِنَّ) ".

стр. 5532

وذَهَبَ كَثيرٌ مِنْ النُّحَاةِ إلى جَوازِ فَتْحِ (أَنَّ) ،ومِنْهُم ابنُ الباذِش (١) ،فهو يَرى أَنَّ قَوْلَهُ (أَنَّمَا نُمْلِي لَهُم خَيْرٌ لأنْفُسِهِم) بَدَلٌ مِنْ (الَّذينَ) ،والمَفْعُولُ الثانِي عِنْدَه مَحْذُوفٌ،قالَ (٢) : "ويَكُونُ المَفْعُولُ الثانِي حُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَليه، ويَكُونُ التَّقْديرُ: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ كَفَروا خَيْرِيَّةُ إِمْلائِنا لَهُم كَائِنَةٌ أو واقِعَةٌ ". وقد رُدَّ هذا الرَّأيُ بأَنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ الثانِي في هذِه الأفْعَالِ لا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدً، قالَ السَّمينُ (٣) : " وهذا الرَّدُّ ليسَ بِشَيءٍ". إعراب قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلونَ أنفُسَكُمْ ( ﴿البقرة ٨٥﴾ للعُلَمَاءِ في إعْرابِ هذِه الآيَةِ آراءٌ عِدَّةٌ (٤) ،مِنْها رَأيٌ لأبي الحَسَن بنِ البَاذِش نَقَلَهُ عَنْه تِلْمِيذُه ابنُ عَطِيَّةَ الأندلسي،قال (٥) : "قالَ الأسْتاذُ الأجَلُّ أبو الحَسَن بنُ أحْمَدَ شَيْخُنا: (هؤُلاءِ) رَفْعٌ بالابْتِداءِ، و (أَنْتُم) خَبَرٌ مُقَدَّم، و (تَقْتُلُونَ) حَالٌ بِها تَمَّ المَعْنى،وهي كَانَتْ المَقْصُودَةَ،فهي غَيْرُ مُسْتَغْنى عَنْها،وإنّما جَاءَتْ بَعْدَ أَنْ تَمَّ الكَلامُ في المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليه كَما تَقُولُ: (هذا زَيْدٌ مُنْطَلِقاً) ، وأنتَ قد قَصَدْتَ الإخْبَارَ بانْطِلاقِه لا الإخْبَارَ بأَنَّ هذا هو زَيْدٌ ".

стр. 5533

وقد خَالَفَ ابنُ الباذِش في هذا الرَّأيِ سِيْبَوَيْه وغَيْرَه مِنْ نُحَاةِ البَصْرَة حَيْثُ يَذْهَبُ سِيْبَوَيْه إلى أنّ (أَنْتُم) مُبْتَدأ و (هؤُلاءِ) خَبَرٌ و (تَقْتُلُونَ) في مَوْضِعِ الحَالِ (١) . ويَتَعَجَّبُ أَبُو حَيَّانَ مِنْ رَأيِ ابنِ الباذِش فيقولُ (٢) : " ولا أَدْري مَا العِلَّةُ في عُدُولِه عَنْ جَعْلِ (أَنْتُم) مُبْتَدأ و (هؤلاءِ) الخَبَرَ إلى عَكْسِه "، ولَعَلَّ في رَأْيِ ابنِ الباذِش شَيْئاً مِنْ الصَّوابِ إِذ لَمِ يُرِدْ اللهُ الإشَارَةَ إِلَيْهِم، إِنَّما أَرَادَ الإخْبَارَ عَن مَاهِيَّتِهِم وتَصَرُّفَاتِهِم مِنْ قَتْلِ النّفْسْ وسَفْكِ الدِّمَاءِ وغَيرِ ذلك،فالمَعْنى المُرَادُ مِنْ الآيَةِ: أَنْتُم تَقْتُلُونَ أَنْفَسَكم وتَسْفِكُون دِمَاءَكُم،ولِتَوضِيحِ المَعْنى نُفَرِّقُ في المَعْنى بَيْنَ (هؤلاءِ أَنْتُم) و (أَنْتُم هؤلاءِ) ، ففي الجُمْلَةِ الأولى الإخْبَارُ عَنْ اسْمِ الإشَارَةِ، أيْ:الإخْبَارُ عن المُشَارِ إليه بضَمِيرِه، أي:بِذَاتِهِ، ولَيْسَ هذا هو المُرَادُ في الآيَةِ، وإِنَّمَا المُرادُ الإخْبَارُ عَنْ ذَاتِهم أنَّهُم يَفْعَلُونَ كَذا وكَذا، كَقَولي لَكَ: أَنْتَ هذا تَأكُلُ وتَشْرَبُ، والمَعْنى يُوحِي أَنَّ اسْمَ الإشَارَةِ تَوْكيدٌ للضَّميرِ، وهذا المَعْنى هو الّذي دَفَعَ ابنَ الباذِش إلى القولِ بهذا الرَّأيِ، وأَرَاه صَواباً، والله أعلم.

стр. 5534

ويَرى بَعْضُ الكُوفِيّين أَنَّ (هؤلاءِ) مُنادى حُذِفَ مِنْه الأداةُ،وقد نَسَبَ الرَّضِيُّ هذا الرَّأيَ لَهُم مُعَلِّلِينَ بأَنَّ اسْمَ الإشَارَةِ مَعْرِفَةٌ قَبْلَ النِّداءِ، فلِذلكَ جَازَ حَذْفُ الأدَاةِ قبلَ اسْمِ الإشَارَةِ (١) ، وبَعْضُهُم يُجِيزُ أَنْ تَكُونَ أَسْمَاءُ الإشَارَةِ بمَعْنى الأسْمَاءِ المَوْصُولةِ، فيُصْبِحُ مَعْنى الآيَةِ:أَنْتُم الذين تَقْتُلونَ (٢) . وقيلَ في الآيَةِ: إِنَّ (هؤلاءِ) مَنْصوبٌ عَلى الاخْتِصَاصِ (٣) . وقيلَ: (تَقْتُلونَ) جُمْلَةٌ مُسْتَأنَفَةٌ (٤) . وقيلَ: (هؤلاءِ) خَبَرٌ، ولكن بتَأويلِ حَذْفِ المُضَافِ، أي: مِثلَ هؤلاءِ (٥) . توجيه قوله تعالى: " تِلْكَ عشرةٌ كاملةٌ " ﴿البقرة ١٩٦﴾ نَقلَ لنا أبُو حَيَّانَ في تَفْسِيرِه رَأياً لابنِ الباذِش في تَوجيهِ قولِه تعالى: "تِلْكَ عَشْرَةٌ كَامِلَةٌ " فقالَ (٦) : " فقالَ الأستاذُ أبُو الحَسَن عَليّ بنُ أحمدَ الباذِش مَا مَعْناه: أَتَى بِعَشْرَةٍ تَوْطِئةً للخَبَرِ بَعْدَها، لا أنّها هي الخَبَرُ المُسْتَقِلّ به فَائِدَةَ الإسْنَادِ، فجِيءَ بِهَا للتوكِيدِ كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ رَجُلٌ صَالِحٌ " يَعْني في هذا الكَلامِ أَنَّ المَقْصُودَ هو الإخْبَارُ بالصَّلاحِ، وجِيءَ بِرَجُلٍ تَوْطِئةً،إذْ عُلِمَ أنَّه رَجُلٌ، وفي هذِه الآيَةِ عُلِمَ أَنَّها عَشْرَةٌ حَيْثُ قالَ: " فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذا رَجِعْتمُ "، فهو لمْ يُرِدْ الإخْبَارَ أنَّها عَشْرةُ أيَّامٍ،إِنَّمَا أَرَادَ الإخْبَارَ بكَمَالِها.

стр. 5535

وفي هذِه الآيَةِ آراءٌ أخْرى (١) ، فمِنْهُم مَنْ ذَهَبَ إلى أَنَّ المَقْصُودَ بِقَولِه (كَامِلَةٌ) إِزَالَةُ التَّوَهُّمِ ورَفْعِ الَّلبْسِ،إذْ قد يَظُنُّ القارِىءُ أَنَّ الواوَ في (وسَبْعَةٍ) للتَخْييرِ، فَأَزَالَ هذا الاحْتِمَالَ، وهذا رَأيُ الزَّجَّاجِ (٢) . وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أَنَّ (كَامِلة) جِيءَ بِها للتوكِيدِ (٣) ، وأَخَذَ بهذا ابنُ جِنِّي في خَاطِرِيّاتِه (٤) . ويُلاحَظُ في رَأيِ ابن الباذِشِ في هذه الآيَةِ ومَا سَبَقَهَا بالمَعْنى، فتَوْجِيهُه للآيَةِ كَانَ مُعْتَمِداً عَلى فَهْمِه للآيَةِ بِكَمَالِهَا لا نَظْرَةً مُقْتَصِرَةً عَلى التَّرْكِيبِ، فإِعْرَابُه لِهذا التَّرْكِيبِ كَانَ ضِمْنَ نَصٍّ كَامِلٍ، فاللهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُخْبِرَهُم أَنَّها عَشْرةُ أَيَّامٍ، فهُم يَعْرِفُونَ أَنَّها عَشْرَةُ أَيَّامٍ، ولا حَاجَةَ لإخْبَارِهِم عَنْها، وإِنَّما أَرَادَ أَنْ يُخْبِرَهُم عَنْ كَمَالِها،فلا أَرَى رَأياً مِنْ هذِه الآراءِ أَقْرَبَ إلى المَعْنى مِنْ رَأيِ أبي الحَسَن بنِ الباذِش. الفصل الثالث: خلافه مع ابن الطراوة خِلافُه مَعْ ابنِ الطَّراوةِ

стр. 5536

قيلَ: إنَّ لابنِ الطَّراوَةِ مُؤَلَّفاً خَصّه بمَسْألةِ نَحويّةٍ جَرَتْ بينَه وبَينَ ابنِ الباذِش (١) ، ولا نعلمُ حَقيقةَ هذِه المَسْألةِ، فلَمْ يُشر إلى فَحْواها مَنْ ترجَمَ لابنِ الطَّراوَةِ أو لابنِ الباذِش، ويَبدو أنَّ بَينَ العَالِمَيْن خِلافاً لا يقفُ عندَ حدودِ مَسالةٍ نَحويَّةٍ. ويُمْكِنُ أَنْ نَتِعَرَّفَ عَلى أَبْرزِ نُقاطِ الاخْتِلافِ بينَ الشَّخْصِيَّتَين مِنْ خِلالِ نَهْجِ الحَياةِ العِلميَّةِ في ذلك العصرِ،فقد كَانَ اهتِمامُ نُحاةِ الأندلسِ بجُمْلةٍ مِنْ كتبِ أهلِ المَشْرقِ، منها كتابُ سِيْبَوَيْه والمقتضَبُ للمبَرّدِ وأُصولُ ابنِ السَّراجِ وجُمَل الزجّاجِيّ الذي زادَت شروحه الأندلسية عن خَمسين شرحاً، كما ذاعتْ كُتُب الفَارِسِيّ كالإيضاحِ وكتبُ ابنِ جنِّي كاللُّمَعِ الذي اهتِمامَ علماءِ الأندلسِ، ومِنْ الكتبِ التي نَالتْ اهتِمامَ العلماءِ كتاب الكافي لأبي جعفر النَّحاس. أَمَّا الخِلافُ بينَ العَالِمَين فيُمْكنُ تَبَيُّنُهُ مِنْ خِلالِ مَوْقِفِهِما مِنْ هذِه الكتبِ، فابنُ الباذِش عَالِمٌ مُلتَزِمٌ بعِلمِ القدَمَاءِ،مُعْجَبٌ بجُهُودِهم، ولا يُحاولُ الخُروجَ عَنْ النَّهْجِ الذي رَسَموه، فهو يُتابِعُ سِيْبَوَيْه في كُلِّ مَسألةٍ،وقد قيلَ عنه (٢) : " كانَ مِنْ أحفظِ النّاسِ لِكِتابِ سِيْبَوَيْه وأَرْفَقِهم به "، وكَانَ ابنُ الباذِش أَكثرَ النّاسِ إعْجاباً بالفَارِسِيّ وإيضاحِه حَتَّى قالَ فيه: أَضِعْ الكَرى لِتَحَفُّظِ الإيضاحِ وصِلْ الغُدُوَّ لفَهْمِه برَواحِ

стр. 5537

ومَنْ كَانَ مُعْجَباً بالفَارِسِيّ وكتبِه أُعْجِبَ بابنِ جِنِّي وكتبِه، فلابنِ الباذِش شرحٌ لأحَدِ كُتبِهِ، وهو المُقتَضَبُ مِنْ كلامِ العربِ، وهو كتابٌ صَغيرٌ مختصرٌ في اسْمِ المَفْعُولِ مُعْتلِّ العين،كما شَرَحَ ابنُ الباذِش جُمَل الزَّجّاجِيّ،ولَمَسْتُ في هذا الشَّرْحِ عِدَّةَ انتِقاداتٍ لآراءِ الزَّجّاحِيّ،أمّا مَوقفُ ابنِ الباذِش مِنْ كتابِ الكافي لأبِي جعفر النحاس فهو مُخْتلفٌ عن مَوقفِه مِنْ بَقِيَّةِ الكُتُبِ، فلابنِ الباذِش نَقدٌ على هذا الكتابِ يُبَيّنُ فيه وَهْمَ أبي جعفر النحاس في أكْثَرِ مِنْ مئةِ موضعٍ. أَمّا ابنُ الطَّرَاوَةِ فقد اخْتَلفَ في نَهْجِه عنْ نَهْجِ ابنِ الباذِش، فقامَ بنَقدِ كِتابِ سِيْبَوَيْه الذي يَعُدُّه ابنُ الباذِش حُجَّةً، وذلكَ مِنْ خِلالِ كتابِه "المُقَدِّمَات" فقد حَفلَ هذا الكتابُ " وبصورَةٍ واضِحَةٍ بنَقدِ سِيْبَوَيْه، فَأثارَتْ هذِه الصورةُ مُعَاصِريه عليه" (١) . أمّا كتبُ أبي عَليّ الفَارِسِيّ وابنِ جِنِّي فهو يَرى أَنَّها " كتبٌ لا تَتَضَمَّنُ جَديداً، وأَنَّها لا تعدو أَنْ تكونَ أسْماءً خاليَة مِنْ المَضْمونِ، وأنّ الأجْدَرَ صَرْفُ هِمَمِ الناشِئينَ إلى كتابِ سِيْبَوَيْه والجُملِ للزَّجّاجِيّ والكافي لابن النحاس، فهذِه كَمَا يقولُ تواليفُ مُسْنَدةٌ ذاتُ قوانينَ مُقيَّدةٍ، وأمّا هذا السيلُ الجَارِفُ المنسوبُ إلى الفَارِسِيّ وابنِ جِنِّي فهو إلى أنَّه لا يُفيدُ جديداً قد خلا مِنْ شَرْطِ النقلِ عن الثقةِ " (٢) .

стр. 5538

ويَبدو واضِحاً أَنَّ بينَ العَالِمَيْن ندّيّةٌ شَديدةٌ، فابنُ الباذِش يؤلّفُ كتاباً يَنْتَقدُ فيه كتابَ الكافي، ويُخطّىءُ النَّحَّاسَ في نحو مئةِ مَسألةٍ، وابنُ الطَّراوَةِ مُعْجَبٌ بكتابِ الكافي،ونَجِدُه يؤلفُ كتاباً يَنْتقدُ فيه كتابَ الإيضاحِ الذي يُدافِعُ عنه ابنُ الباذِش، والسَّبَبُ في تأليفِ ابنِ الطَّرَاوَةِ لكِتَابِهِ " الإفصاح " هو في الحقيقةِ مَا ظهرَ في عَصْرِه من إعجابٍ بهذا الكتابِ والمَقصودُ مِنْ ذلكَ كلِّه أبو الحَسَن بنُ الباذِش، يقولُ ابنُ الطَّراوَةِ في الإفْصاحِ (١) : "وكَانَ الذي حَدا إلى النَّظرِ في هذا الكتابِ تهافتاً في تفضيلِه عَلى غَيْرِه منْ المُخْتصَراتِ المَرْوِيَّةِ، وتظاهُرَ المُصَحِّفين لتقديمِه على التواليفِ المُسندَةِ خُروجاً مِنْ شَرطِ النقلِ عَن أهلِ الثقَةِ والإسْنادِ إلى الأئِمَّةِ ". ويقولُ في موضعٍ آخرَ مفضِّلاً كتابَ سِيْبَوَيْه والجُمَل والكافي ومُعرّضاً بكتبِ الفَارِسِيّ وابنِ جِنِّي (٢) : " وغَبُنَ رأيُه مَنْ عدلَ عن التواليفِ المُسندةِ والقوانينِ المُقيَّدةِ كالجُمَلِ والكافي وكتابِ سِيْبَوَيْه الشافي، وفَرَغَ للإيضاحِ والشيرازياتِ والخصائصِ والحلبياتِ، ترجَمَةٌ تَروقُ بلا مَعنى، واسْمٌ يهولُ بلا جسمٍ إلا تَشدُّقاً بالكتبِ وإحَالةٍ على الصُّحُفِ، وإنَّ هذا لهو الخسرانُ المبينُ " وهذا هو التنافسُ والنِّدِّيَّةُ.

стр. 5539

وخُلاصةُ القولِ في الخِلافِ النَّحْوي بَيْنَهُما أنَّ ابنَ الباذِش لا يَرى في كتابِ الكافي للنحاس شيئا يمكنُ أنْ يقدِّمَه على كتابِ الإيضاحِ،والأمْرُ ضِدَّ هذا عندَ ابنِ الطَّرَاوَةِ،أمّا كتابُ سِيْبَوَيْه فالذي أراه أنَّه خِلافٌ في فهمِ عِبارَةِ الكتابِ لا في تقديرِ الكتابِ نفسِه، فكِلاهُما يُجِلُّ سِيْبَوَيْه ويُقَدِّرُ كتابَه. وهناكَ قضيَّةٌ أخْرى لها أكبرُ الأثرِ في الخِلافِ النَّحْويّ الذي دارَ بينَهما، وهذه القضيَّةُ تَتَعَلقُ في نَشأتِهما، فابنُ الباذِش نَشَأ في أُسْرةٍ مُتدَيِّنةٍ،وبَقِي مُحافِظاً عَلى هذا النَّهْجِ حَتَّى بَلَغَ درجَةً عاليَةً بينَ عُلماءِ الدينِ، فأصبحَ إمامَ الفَريضَةِ في جَامِعِ غَرْناطَةَ،وقد ذَكَرْتُ سابقاً أنَّ لابنِ الباذِش مُشارَكَةٌ في علومِ الحديثِ والقرآنِ، فهذِه النَّشأةُ تَجْعلُ مِنْ ابنِ الباذِش عالِماً مُلتَزِماً مُقدِّراً لجُهودِ القُدمَاءِ العلميّةِ. أمّا ابنُ الطَّرَاوَةِ فلمْ تكُنْ له أيُّ مُشارَكةٍ في المَعارِفِ الإسلاميَّةِ، وتَجَاوَزَ ابنُ الطَرَاوَةِ هذا الأمْرَ بأنْ كانَ " لا يَحولُ بينَه وبينَ أنْ يَأخُذَ مِنْ الحَياةِ بشَيءٍ مِنْ المُتْعَةِ وأنْ يكونِ له مَجْلسُ شُرْبٍ وندامى، وأنْ يَحمِلَهُ الطَّربُ عَلى أنْ يقولَ الشعرَ فيمَنْ يَهوى ويُحِبُّ، وكانَ قد جَاوَزَ الشبابَ والكهولةَ" (١) . وأرى أنه لا اتفاقَ بينَهما في النَّشْأةِ،وهذا ولّدَ عندَهُما شَيئاً منْ التنافُسِ والنِّدِّيَّةِ،وقد تكونُ وَصَلتْ إلى دَرَجَةِ الكَرَاهيةِ، وهذا ظاهِرٌ مِنْ الكَلامِ الذي بَدَأ به ابنُ الطَّراوَةِ كتابَه الإفصاح، ولذلك أرى أنّ هذه النَّشأةَ كانَ لها الأثرُ الكبيرُ في الخِلافِ بينَهما. نَتائِجُ البَحثِ وخَاتمتُه

стр. 5540

يَتَّضِحُ مِنْ عنوانِ هذا البحثِ (أبو الحَسَن بنِ الباذِشِ الغرناطي وأثرُه النَّحْويّ) أنّ الباحِث يَهْدِفُ إلى التعرُّفِ على شَخصيَّةِ هذا العَالِمِ مِنْ خِلالِ دِراسَةِ آرائِه واخْتِياراتِه النَّحْويّة، فتحدّثَ في البدايةِ عن عصرِ هذه الشَّخْصيَّةِ والحَياةِ التي عاشَتها،ثمّ تناولَ ما نُسِبَ إليه مِنْ آراء واختياراتٍ وتوجيهاتٍ نَحْويةٍ،وتحدّثت في الختام عن خلافِ ابن الباذش معْ ابنِ الطَّراوَةِ. ويودُّ الباحثُ هنا أنْ يُشيرَ إلى ما اسْتطاعَ التوصُّلَ إليه مِنْ نَتائِجَ يَجْدرُ به أنْ يُوجزَ أهمُّها: أوّلاً: لا يَتّفقُ واقِعُ الحَياةِ السياسيّةِ في الأنْدَلُسِ في القَرْنِ الخامسِ وبدايَةِ القرنِ السادِسِ الهجري مَعْ مَا شَهِدَته البِلادُ مِنْ ازدِهارٍ في الحَياةِ العِلميَّةِ،فالأنْدَلسُ كانَت تُعاني مِنْ فوضى واضطِرابٍ سِياسِيّ،وهذا الواقعُ السياسي لا يَسْمحُ بالتفرّغِ لطلبِ العِلمِ، فهناك نقيضان:اضطرابٌ سياسي متمثِّلٌ بتمزّقِ الأندلس،وازدهارٌ علمي. ثانياً: عاشَ ابنُ الباذِشِ في أسْرَةٍ مُحبَّةٍ للعلم، والظاهر أنّ لقبَ الباذِشِ لقَبٌ للأسْرَةِ لا لهذا العالم وحده،فالأصل في اسمه:"أبو الحسَن علي بن أحمد بن خلف الباذِش"، وعُرِفَ ابن الباذِشِ بورعه وحبّه للعلم، فأخَذَ من العلوم كافة، ويشهد على ذلك شيوخُه وتلامِيذه، وعُرفَ منها بعلمي النحو والقراءات، أمّا علمُ القِراءاتِ فأخَذَه عنه ولدُه أبو جعفر، وصَنّفَ كتابَ الإقناعِ في القراءاتِ السبع فكانَ مِنِْ أحسنِ الكتبِ في هذا العلمِ كما يقول أبو حيان في تفسيره،وفي هذا الكتاب وضع أبو جعفر جميع ما أخذه عن والده، فعرضه عليه واستنار برأيه،كما ذكره في هذا الكتاب ما يزيد على خمسين مرّة.

стр. 5541

ثالثاً: أمّا علمُه في النحو فكانَ له الجُهدُ الكبيرُ فيه،فقد نُسب إليه جملة من الشروح، منها شرح كتاب سيبويه والأصول وإيضاح الفارسي وجمل الزجّاجي وغيرها،ولم يصلنا شيء من هذه الكتب، وعُرِفَ بحبه لإيضاح الفارسي الذي امتدحه بأبيات عِدّة. رابعاً:كانت مَنْزِلةُ أبي الحَسَن بنِ الباذِش عندَ النَّاسِ منزلةً رَفيعَة؛ وذلك بسببِ وَرَعِه وزُهْدِه، فكانَ إمامَ الفريضةِ بجامعِ غَرناطة،ومِنْ حُبّ النّاس له ازدحامُهم عندَ وفاتِه حتّى كسروا النعشَ،وكانت وفاته سَنَة ثمانٍ وعشرين وخمسمائة هجرية، ومولدُه سنة أربع وأربعين وأربعمائة. خامساً: مَنْهَجُه النَّحْويّ: مِنْ الصعبِ تَحْديدُ وتَبَيُّنُ جَميعِ عَناصِرِ المَنْهَجِ النَّحويّ لشَخْصِيَةٍ نَحْويةٍ مِنْ خِلالِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ آرائِهِ القليلةِ، فلا يُمكنُ الحُكمُ عَلى مَوقِفِه مِنْ القِياسِ أو السَّمَاعِ أو العِلَلِ وغيرِها بدِقَّةٍ، وأحاولُ في هذا الموضع تَلَمُّسَ بعض عناصِرِ هذا المنهج، فاتَّضَحت بعضُ المَعَالِمِ مِنْ مَنْهَجِ ابنِ الباذِش أورِدُها فيما يأتي:

стр. 5542

١ إِنَّ مِنْ أهَمِّ المَلامِحِ التي وَضُحَتْ في مَنْهَج ابنِ الباذِش مَوْقفَه مِنْ بعضِ النُّحَاةِ، فقد ظهرَ جَليّاً أنَّ ابنَ الباذِش يَسيرُ عَلى خُطى سيبويه لا يَتجَاوزُه إلى غيرِه من العلماءِ، ولمْ أجدْ في هذه الآراءِ مَا يُخَالفُ فيه سِيْبَوَيْه،فتابَعَه في كلِّ مَسألةٍ، ولم يَقفْ الحَدُّ عندَ مُتابَعَتِه لآراءِ سِيْبَوَيْه بل تَجاوَزَ الأمْرُ إلى تَلمُّسِ تفسيرٍ وفهمٍ خاصٍّ لعبارَةِ سِيْبَوَيْه المبهمةِ، وقد وَضُحَ ذلكَ مِنْ خِلالِ حَديثِه حول العِلَّةِ الرَّافِعَةِ للاسْمِ وإيضاحِ مَعْنى المُضَارَعة والقولِ في عَلاماتِ الإعرابِ، وغيرها من المَواضِعِ، ويُحاوِلُ دَوْماً إيجادَ تسويغٍ لحُكمِ سِيْبَوَيْه النَّحويِّ، ويُكْثرُ ابنُ الباذِش مِنْ نَقلِ آرائِهِ والأخْذِ بِها، وهذا الأمْرُ نَجِدْه مَنْثوراً فيما نَقَلَهُ أبُو حيَّانَ مِنْ شَرْحِ ابنِ الباذِش للجُمَلِ في تَذْكِرتِه. ٢ خَالفَ ابنُ الباذِش الفَارِسِيَّ في عِدَّةِ مَواضِعَ، ولا يَعْني مدحُ ابنِ الباذِش للفارِسِيِّ وكِتابِهِ مُتابَعَتُه له في كُلِّ آرائِه، والظاهِرُ لي أنَّ الفَارِسِيّ لمْ يَصِلْ إلى مرتبةِ سِيْبَوَيْه عندَ ابن الباذِش، فلا شكَّ أنَّه مُعجبٌ بالإيضَاحِ، وقد عَبَّرِ عَنْ هذا الإعجابِ في القصيدَةِ السابقةِ،وانتقدَ ابنُ الباذِش الزَّجّاجِيَّ في شَرحِه للجُمَلِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وهذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هذِه الشخصيَّةَ لها تَمَيُّزُها واسْتِقلاليتُها، أمّا مَا لَمَسْناه مِنْ مُتابَعَتِه لسِيْبَوَيْه فهو في الحَقيقةِ إضافةُ فَهْمٍ جَديدٍ ونَظْرةٍ مستقلةٍ جديدةٍ لعبارةِ سِيْبَوَيْه.

стр. 5543

٣ يَتَّضِحُ ممّا سبَقَ أنَّ ابنَ الباذِش بَصْرِيُّ المذهبِ، ولمْ أجِدْ للكُوفِيّين نَصِيباً كبيراً في تَفْكيرِ ابنِ الباذِش النَّحويِّ، ومَعْ ذلكَ وَجَدْتُه يَعْرضُ كَثيراً مِنْ آرائِهم دونَ نقدٍ أو تَعليقٍ،فها هو يَعْرضُ آراءَهم في الحُروفِ التي تَنْصِبُ المُضارِعَ، ولا أَجِدُه يُصَرِّحُ في مُتابَعَتهِ لرَأيٍّ مِنْ آرائِهم، ولعلَّ هذه القضيَّةَ مِنْ قضايا الخِلافِ بَيْنَه وبَينَ ابنِ الطراوَةِ الذي تابَعَ الكوفيين في مَجموعَةٍ كبيرةٍ مِنْ آرائِهم. ٤ لمْ يَتَّضحْ موقفَ ابنِ الباذِش مِنْ السَّماعِ أو القِياسِ، ولكن هُناكَ إشاراتٌ تَدُلُّ على أنَّه كانَ يَأخُذُ بمَرْوِيّاتِ الكُوفيين (١)

стр. 5544

،وهو يأخُذُ بالقِرَاءاتِ الشاذَّةِ،ويَعْتَدُّ بها،فيجْعَلُ منها أصْلاً في السماع، وذلكَ كَمَا في قِراءَةِ "قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرِينَ "، فَأَجَازَ بهذِه القِراءَةِ نَصْبَ التابِعِ في النداءِ حَمْلاً عَلى المَوْضِعِ، وهو رَأيُ المَازني. ٥ يَهْتمُّ ابنُ الباذِش بالعِللِ الأولى، ولا يأخُذُ بالثواني ومَا يَليها مِنْ عِلَلٍ، فهو كَبَقِيّةِ النُّحَاةِ في الأخْذِ بالعِلةِ،وقد ذَكَرْتُ له جُمْلةً مِنْ العِللِ، مِنْها عِللٌ خَاصَّةٌ بابنِ الباذِش كعِلَّةِ مَجيءِ (أيّ) المَوصولةِ بَعدَ المُستقبلِ، فالكِسائِي تَرَكَ الأمْرُ دونَ تَعْليلٍ وتَصَدّى لتعليلِها ابنُ الباذِش مُحاولاً إيجَادَ تفسيرٍ لهذا الحُكمِ أو ذاك،ومِنْها عِللٌ قديمةٌ بثوبٍ جَديدٍ، وهي ضِمْنَ المُحاوَلاتِ لفَهمِ أو تفسيرِ الأحْكامِ المَوْجودَةِ في كتابِ سِيْبَوَيْه، ومن ذلكَ العِلَّةُ الرَّافِعَة للاسْمِ وغيرها، ومنها ما هو مُتَابَعَةٌ لغيرِه في التعليلِ. ٦ وجدتُ ابنَ الباذِشِ يَتفردُ في بَعضِ الأحْكامِ النَّحْويَّةِ، ويقوم بترجيحِ الرأي المناسب معتمداً على الأصولِ النحوية وقوّة البرهان، وأذكُرُ في هذا المَوضعِ بعض الأحكام التي تفرّد بها ابن الباذش: تَوْجيهُ رأيِ سيبويه في العِلَّةِ الرَّافِعَةِ للاسْمِ. عِلَّة مَجيء (أيّ) الموصولة بعد المستقبل. العامل في المضاف إليه. تَعلّقُ لام المستغاثِ له. جواز التنازع إذا كان المتنازع فيه سببياً مرفوعاً. تأويله لإفراد كاف الخطاب عند خطاب الجماعة. دلالة ربّ. جواز (هما يفعلان) للمؤنُّث. علمية جُمَع وكُتَع.

стр. 5545

سادساً: هناك خِلافٌ بينَ ابن الباذِشِ وابنِ الطراوَةِ يتَمَثّلُ في أنّ ابنَ الباذِشِ معْجبٌ بالفارسيِّ وإيضاحِه وكتبه الأخرى، وينقدُ كِتابَ الكافي للنحّاسِ،أمَّا ابنُ الطّراوَةِ فهو مُعْجَبٌ بكُلِّ الكتبِ النَّحْويّةِ، وقامَ بمَدْحِ كتابِ سيبويه والمقتضبِ والأصولِ والجُمَلِ والكافي في كِتابِه الإفصاح، وذَمَّ كتبَ الفارِسِيِّ وابنِ جِنِّي، هذا هو الخِلافُ النَّحْويُّ الظاهري المَوجودُ بينَ الشَّخْصِيَّتَيْن،والذي أَرَاهُ أنَّ الخِلافَ بينَهما في النَّشأةِ،فابنُ الباذِشِ كانَ عالماً وَرِعاً مُلتزِماً،وكانَ إمامَ الفَرِيضةِ في جَامِع غرناطةَ، أَمَّا ابنُ الطَّراوَةِ فلمْ يَنْشأ هذه النَّشْأةَ التي نَشَأها ابنُ الباذِشِ،والذي يُروَى عنه أنَّه كَانَ له مَجْلسُ شربٍ، وكانَ يقولُ الشعرَ فيمن يهوى، وهذه النشأةُ ولّدَتْ عندَهما شيئاً مِنْ التنافُسِ والنِّدِّيَّةِ، وأرى أنّ لها الأثرَ الكَبيرَ في الخِلافِ بينهما. الحواشي والتعليقات

стр. 5546

التنغيم في التراث العربي د. عليان بن محمد الحازمي الأستاذ المشارك بقسم اللغة والنحو والصرف كلية اللغة العربية جامعة أم القرى ملخص البحث تهدف هذه الدراسة إلى بيان التنغيم ووظيفته. وتوضح أن التنغيم ليس محصوراً في اختلاف درجات الصوت التي ينشأ عنها ارتفاع النغمة أو هبوطها. ولكن ترى أن التنغيم يحدث من كل ما يحيط بالنطق من وقف، وسكت، وعلو صوت، ونبر. واتباع سنن أهل اللغة في أدائها. لذا يرى البحث أن للتنغيم وظيفتين: ١ - وظيفة أدائية، بها يتم نطق اللغة حسب النظام المتعارف عليه عند أهلها، من حيث الالتزام بطرق أدائها، لأنه لو لم يلتزم بها يصبح نطقه وكلامه غير واضح ولبدا غريباً عند أهلها. ٢ - وظيفة دلالية وهو أن التنغيم له تأثير على بيان وتوضيح الدلالات المختلفة ومقاصد الكلام. كما بينت هذه الدراسة إلى تنبه علماء العربية إلى أهمية التنغيم وأشارت إلى الحاجة إلى دراسة طرق الأداء المختلفة عند القراء من وقف، وسكت، ووصل، ومد حيث أنها تحمل عند النطق بها تنغيمات مختلفة. وأوضحت الدراسة أن النحاة عند استنباطهم لقواعد اللغة لم يهملوا دلالة التنغيم فقد اعتمدوا على مشافهة الفصحاء والسماع منهم وعلى ضوء سماع نطقهم وضعوا القواعد. وكان نطقهم يحمل تنغيماً معيناً. كما في كم الخبرية وكم الاستفهامية، والاستفهام والتعجب والإغراء والتحذير. *** التنغيم واللغة العربية مقدمة إن الاهتمام بالأداء والنطق من أهم الجوانب التي أكد عليها ((علم اللسانيات)) . فدراسة الأصوات، ومعرفة أقسامها، وصفاتها، وما يعرض لها من تأثير، هي البداية الأولى لمعرفة وإتقان أي لغة من لغات البشر، والأساس الذي تنطلق منه أي دراسة لغوية.

стр. 5547

والأداء الصحيح للغة، ونطقها له أسس ومعايير، دوّنها العلماء، ينبغي أن تلقن وتعرف. فالانحراف عن النطق المتعارف عليه عند أصحاب اللغة، يؤدي غالباً إلى اختلاف المعاني وتباين المقاصد. ناهيك عن عدم وضوح المعنى. فمعرفة طرق الأداء والنطق الصحيح، لا يقل في أهميته عن معرفة علم النحو. وللسانيات قدم راسخة في دراسة أساليب الأداء في اللغات، كان من ثمراتها استحداث واستنباط مصطلحات علمية في مجال دراسة الأصوات كالمماثلة، والنبر، والتزمين والتنغيم إلى غير ذلك. والأصل في اللغة أن تكون منطوقة، ((يعبر بها كل قوم عن أغراضهم)) (١) . والكتابة ما هي إلا صدى ومحاولة لنقل وتصوير المنطوق؛ لذا ابتكرت اللغات من الوسائل ما يجعل المكتوب مقارباً للمنطوق. استعانت أحياناً بوضع علامات ورموز سنتحدث عنها يما عد تعين على توضيح المراد وبيان لمطلوب. التنغيم ((Intonation)) أحد المصطلحات التي ترد في علم الأصوات. ويهتم به معلمو اللغات. ويلقنونه الدارسين عند تعلمهم اللغات. ويحاولون أن يجعلوه سجية، وملكة في طبائعهم؛ لأن أي انحراف عنه قد يؤدي إلى عدم وضوح المعنى، وتعثر في فهم كلام المتحدث.

стр. 5548

وهذه الدراسة تحاول أن تكشف عن أهمية التنغيم في أداء اللغة، ومدى تنبه علماء العربية له. وتوضح في الوقت نفسه بأن كثيراً من معطيات اللسانيات لم تكن بعيدة عن تصور أذهان لغويينا. فليست عقول القوم بأذكى وأقوم من عقول سلفنا. فلقد أثبت كثير من المنصفين (١) بما لا يدع مجالاً للشك بنجابة فهم اللغويين العرب لظواهر اللغة وحسن تعليلهم. إن قراءة التراث العظيم الذي خلفه علماؤنا بتمعن ليقفنا على مدى مالهم من وقفات تعكس براعتهم في التحليل والتفسير والاستنباط. كما أنه يتعين علينا أن ننبذ الحساسية التي ترى أن ((اللسانيات)) علم بعيد عن تراثنا، وأنه تنفس في أجواء غريبة. فاللسانيات وإن كانت نتاجاً غير عربي، فإنه لا يستبعد أن تكون قد هبت عليها رياح من نتاج الأمم الأخرى فتأثرت به. فلقد كان لعلماء الساميات أثر في تقديم قواعد اللغة العربية لأممهم، كما أن لدارسي الإسلام والعربية من المستشرقين أياً كانت توجهاتهم نصيباً في إعطاء ملامح عن التفكير العربي في مختلف الميادين. [فهذا حمزة قبلان المزيني يتلقى رسالة من نعوم تشومسكي رائد المدرسة اللغوية التحويلية رداً على استفسارات بعث له بها اعترف فيها أنه اطلع واستفاد من التراث اللغوي العربي] . كما أن فيرث رائد المدرسة اللغوية الانجليزية استفاد أيضاً من اطلاعه على اللغات الشرقية حيث أن تحليله الذي اهتم فيه بالأصوات ((البروسودي Prosodies)) (٢) استقاه من الهنود عندما كان أستاذاً في جامعة البنجاب. لذا يتحتم علينا أن نؤصل ما جاء في تراثنا ونقدمه بما يتوافق

стр. 5549

وحس العصر مع الاهتمام بما يفيد لغتنا في حاضرها ومستقبلها. من هنا جاءت مصادر هذا البحث متعددة ومتنوعة. فقد أفاد من كتب التراث العربي، ومن الدراسات اللغوية المحدثة التي كتبها اللغويون العرب الذين اطلعوا على اللسانيات، كما اعتمد على آراء في مصادرها الأصلية. معنى التنغيم: يعد إبراهيم أنيس أول من أدخل مصطلح التنغيم في الدراسات اللغوية العربية المعاصرة، وسماه ((موسيقى الكلام)) ، حيث ذكر ((أن الإنسان حين ينطق بلغته لا يتبع درجة صوتية واحدة في النطق بجميع الأصوات، فالأصوات التي يتكون منها المقطع الواحد، تختلف في درجة الصوت وكذلك الكلمات قد تختلف فيها.... ويمكن أن نسمي نظام توالي درجات الصوت بالنغمة الموسيقية)) (١) . فالتنغيم مصطلح لساني يقابل لفظ ((Intonation)) يقول روبنز معرفاً التنغيم: ((تتابعات مطردة من الدرجات الصوتية المختلفة)) . ويقول دانيال جونز: ((التنغيم ربما يُعَرّفُ بأنه التغيرات التي تحدث في درجة نغمة الصوت في الكلام والحديث المتواصل، هذا الاختلاف في النغمة يحدث نتيجة لتذبذب الأوتار الصوتية)) (٢) ،فالتنغيم مرتبط بالاهتزازات التي تحدثها الأوتار

стр. 5550

الصوتية، فكلما زادت عدد الاهتزازات وكانت ذات سرعة كان عدد التغيرات في التنغيمات أوضح. والملاحظ أن إبراهيم أنيس أخذ مصطلح التنغيم من اللسانيات التي ترى التنغيم هو أحد سمات الأداء الذي لابد من وجوده في أي لغة. فاختلاف نغمات الكلام شيء طبيعي في اللغة التي لابد أن تحتوي على ((موسيقى نغمات)) تتألف منها ألفاظها. يقول تمام حسان ((التنغيم ارتفاع الصوت وانخفاضه أثناء الكلام)) (١) . ويقول ((إن الكلام لا يجري على طبيعة صوتية واحدة بل يرتفع الصوت عند بعض مقاطع الكلام أكثر مما يرتفع عند غيره وذلك ما يعرف باسم التنغيم)) (٢) . لذا فإن كل جملة أو كلمة ينطق بها لابد أن تشتمل على درجات مختلفة من درجة الصوت، ما بين عالية، ومنخفضة، ومستوية، ومنحدرة تتناسق وتتناغم لتُؤَدّي الكلمة والجملة. فاختلاف درجة الصوت في الكلمة وتباينها من مقطع إلى مقطع آخر قاعدة عامة تخضع له جميع اللغات. إذ أنه من المستحيل أن نجد لغة تستعمل نغمة واحدة في الكلمة أو الجملة وتجعلها سائدة في كل أجزاء الجملة، فلابد أن تكون هنالك عدة نغمات متآلفة متناسبة في الكلمة. وقد أشار العلماء إلى أنواع النغمات ما بين هابطة إلى أسفل وصاعدة إلى أعلى وثابتة مستوية (٣) ، كما حددوا الوظيفة الأصواتية للتنغيم بأنها ((النسق الأصواتي الذي يستنبط التنغيم منه)) (٤) .

стр. 5551

فاختلاف التنغيم وتغير النغمة في اللفظ أو الجملة المنطوقة شيء طبيعي ويمكن أن نطلق عليه ((التنغيم الطبيعي)) وهذا يوجد في كل اللغات إذ به ينسجم الأداء المطلوب، وليست له أي وظيفة دلالية. ولكن المتحدث باللغة، أي لغة كانت، لابد له من إتقان هذا النوع، لأنه إذا لم يستعمله أصبح نطقه متنافراً لا يتفق مع طبيعة اللغة وقياسيتها عند أهلها. فعدم إتقانه يجعل المتحدث يبدو غريباً عند أهل اللغة. وربما وقع في خطأ وبدا حديثه غير مفهوم، والسبب يرجع إلى عدم التزامه بمقياسية نغمات ألفاظ اللغة. التنغيم واللغات: قسم العلماء اللغات إلى نوعين: ١ - لغات نغمية ((Tone Languages)) وهي لغات يتحدد معنى الكلمة فيها عن طريق النغمة، حيث أن الاختلاف في درجة الصوت على الكلمة المنطوقة هو المسؤول عن تحديد معناها. ويظهر هذا في اللغة الصينية، فاللفظ ينطق بنغمات مختلفة وبها يتحدد المعنى. يقول أحمد مختار عمر ((إن اختلاف درجة الصوت في هذه اللغات يساعد على تمييز كلمة من أخرى)) (١) . ٢ - لغات تنغيمية ((Intonation Languages)) وتمثلها اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية إذ ان الجملة تتعدد دلالاتها باختلاف التنغيمات التي تنطق. فطرق الأداء التي بها يتم نطق الجملة له أثر كبير في المعاني المراد إبلاغها. يقول أحمد مختار عمر ((ونوع يسمى بالتنغيم وهنا تقوم درجات الصوت المختلفة بدورها المميز على مستوى الجملة أو العبارة أو مجموعة الكلمات)) (٢) . وهذا ما جعل اللغويين الإنجليز أتباع مدرسة فيرث يهتمون اهتماماً كبيراً بإرساء قواعد التنغيم. يقول روبنز ((لا تجد لغة من اللغات إلا وتستخدم درجات مختلفة من الصوت ((Pitch)) (٣) إنها المسؤولة عن التنغيم.

стр. 5552

واختلاف درجة الصوت موجود في جميع اللغات إلا أن الوظيفة التي تؤديها يختلف من لغة إلى أخرى كما أن الأشخاص يختلفون أيضاً فيها ولكن مع هذا يوجد نوع عام للتنغيم يميز نطق كل لغة. وهذا ما جعل أتباع المدرسة اللغوية الانجليزية يؤكدون على دراسة الأصوات وما يتعلق بها من نبر وتزمين. فبعض المقاطع تكون أكثر جهارة ووضوحاً؛ لأن المقطع المنبور يحمل نغمات أكثر من المقطع غير المنبور. يقول روبنز ((المقطع المنبور تكون نغمته أعلى من المقطع المتوسط أو غير المنبور)) (١) . فالدراسة الأصواتية وما اصطلحت عليه مدرسة فيرث بالتحليل البروسودي ما هو إلا وسيلة يتوصل به إلى معرفة المعنى. فالمعنى أهم ما تسعى إليه الدراسة اللغوية. يقول تمام حسان ((لأن كل دراسة لغوية - لا في الفصحى فقط بل في كل لغة من لغات العالم - لابد أن يكون موضوعها الأول والأخير هو المعنى وكيفية ارتباطه بأشكال التعبير المختلفة)) (٢) . وظيفة التنغيم: لاشك أن للتنغيم وظائف يقوم بها، منها: ١ - وظيفة أدائية بها يتم نطق الجملة في اللغة حسب نظم الأداء فيها وحسب ما يقتضيه العرف عند أهل اللغة. ٢ - وظيفة دلالية بها يتم معرفة المعاني المختلفة ورغم أن هاتين وظيفتان مختلفتان إلا أنه لا يمكن أن نفصل الوظيفة الأدائية عن الدلالية. فهما متلازمتان ومتكاملتان. لذا فإن إيجاد قواعد عامة توضح التنغيم، وأهمية ما يسمى بدرجة الصوت ((Pitch)) وتتابعها إنما هو على سبيل المقاربة. فالتنغيم - في رأينا - مجموعة معقدة من الأداء الصوتي بما يحمل من نبرات، وفواصل صوتية، وتتابع مطرد للسكنات والحركات، التي بها يحدث الكلام وتتميز دلالاته.

стр. 5553

وهذا ما دعا ديفيد كريستال إلى القول ((ليس التنغيم نظاماً متفرداً من المناسيب يأتي في نهاية الجملة ولكن خصائص معقدة من مختلف الأنظمة البروسودية)) تشمل النغمة، درجة الصوت، المدى، علو الصوت، التزمين. هذه الأمور كلها مجتمعة تأتي متناغمة ذات إيقاع)) (١) . ((ولقد ظل الدارسون مترددين في حصر التنغيم فقط في حركة درجة الصوت ((Pitch)) بيد أنه عندما يسأل ما أثر التنغيم في توجيه المعنى حينئذ معايير أخرى غير درجة الصوت يشار إليها على أنها جزء مهم وأساس في التأثير على المعنى)) (٢) . فالتنغيم أوسع من أن يحصر في ما يسمى بهبوط النغمة، أو صعودها، ولكن كل ما يحيط بالنطق من طرق الأداء. هذه الطرق تشمل الوقف، والسكت، علو الصوت، نبر المقاطع، وطول الصوت وغير ذلك، ثم أن التنغيم يقتصر على التراكيب المسموعة دون التراكيب المقروءة. فالأداء وما يحمل من نبرات، وتنغيمات، وفواصل له أثر كبير في نفوس السامعين، ومتابعتهم، وحسن إصغائهم، وفهم المراد. ولقد تناول سليمان بن إبراهيم العايد ذلك في مقال ((القراءة الجهرية بين الواقع وما نتطلع إليه)) يقول: ((فأنت حين تقول ((اُخرج!)) وأنت تأمر أمراً عادياً لك أداء يختلف عنه حين تقولها وأنت تنهر شخصاً وتطرده. ومثلها ((قم!)) في الحالين، وكذلك حين تأتي باستفهام تريد به مجرد الاستفهام، أو تريد به الإنكار، أو التعجب، أو التقرير)) (٣) .

стр. 5554

والتركيز على حسن الأداء جزء من دراسة الأصوات وطرق أدائها فإبراهيم أنيس يرى ((لطول الصوت أهمية خاصة في النطق باللغة نطقاً صحيحاً، فالإسراع بنطق الصوت أو الإبطاء به يترك في لهجة المتكلم أثراً أجنبياً عن اللغة ينفر منه أبناؤها)) . ويقول: ((فالصوت المنبور أطول منه حين يكون غير منبور وانسجام الكلام في نغماته يتطلب طول بعض الأصوات وقصر البعض الآخر)) (١) . إن وضوح المعاني يتطلب أموراً كثيرة: منها أحكام بناء الجملة، فالإعراب الذي يظهر على أواخر الكلم هو من صميم الأداء يقول محمد إبراهيم البنا: ((الإعراب بيانات أدائية تحقق الوضوح لأبنية التركيب)) (٢) . فالتنغيم عنصر مهم من عناصر الأداء، وعدم إتقانه يؤدي إلى عدم الوضوح كما أشرنا (ص ٧) . وقد يحدث أن يتحدث إليك من لا يتقن اللغة ولا يجيد أداءها فلا تعرف ما يريد أن يقوله، والسبب في ذلك يعود إلى أنه لا ينطقها بما هو متعارف عليه من التنغيم. إن حسن الأداء لا يتأتى إلا باتباع سنن أهل اللغة في النطق، والاهتمام بالجانب التطبيقي، والتعود على مجاراة الفصحاء، والسماع للقراء المجودين. فالقراءات التي نسمعها من القراء من وقف، ومد، وسكت، ومدود مختلفة هي التنغيم. هذه الجوانب المشرقة في تراثنا، يجب أن نضع أيدينا عليها، لأن حسن الأداء ووضوح المعاني من أهم ما سعى إليه علماء العربية. التنغيم ودلالاته:

стр. 5555

للتنغيم وظيفة أصواتية وتتمثل في انسجام الأصوات، حيث تكتمل فيه النغمات وتتآزر مؤدية المعاني والمقاصد. وقد أشرنا (ص ٩) إلى أن التنغيم أوسع من أن يحصر. ((فالوظيفة الدلالية يمكن رؤيتها لا في اختلاف علو الصوت وانخفاضه فحسب ولكن في اختلاف الترتيب العام لنغمات المقاطع)) (١) . فإذا قلت جاءَ محمدٌ قد تكون إثباتاً وقد تكون تأكيداً لمن قام بالحدث. والمعول عليه هنا النطق واختلاف طرق الأداء. وقد أكد تمام حسان هذا بقوله عندما تحدث عن التنغيم ((وربما كان له وظيفة نحوية هي تحديد الإثبات والنفي في جملة لم تستعمل فيها أداة الاستفهام فتقول لمن يكلمك ولا تراه: أنتَ محمدٌ، مقرراً ذلك ومستفهماً عنه وتختلف طريقة رفع الصوت وخفضه في الإثبات عنها في الاستفهام)) (٢) . فدلالة التنغيم تظهر في الجمل المنطوقة ((فكم)) تكون استفهامية، وتكون خبرية، والذي يحدد ذلك هو النغمات الصوتية التي يتم بها الأداء. وبيت الشاعر الفرزدق خير مثال على ذلك: كم عمةًٍ لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت عليّ عشاري إن الفرق بين دلالة الاستفهام والخبر تتضح في النغمة المرتفعة في الاستفهام والمستوية في الخبرية. كم عمةٍ كم عمةً مستوية مرتفعة خبرية استفهامية يقول سلمان العاني ((إن الفرق الرئيسي بين هاتين الأداتين يوجد في المعنى الذي هو الفرق بين الاستفهام للعلم بما يجهله المتكلم ويعلمه السامع المخاطب، والإخبار الذي يعلمه المتكلم علم اليقين ويجهله السامع أو المخاطب ويوجد كذلك في المبنى وهذا ماثل في الحركة الإعرابية ... وفي النغمة الصوتية التي هي في الإخبار نغمة صوتية مستوية بينما هي ذات نغمة صوتية صاعدة في معنى الاستفهام)) (٣) .

стр. 5556

فمن مظاهر التنغيم أنه يزيل اللبس عن معنى الجملة وبه يدرك الفرق بين المعاني. وهذا يتأتى بإتقان مجموعة طرق الأداء في النطق تتمثل في النبر، والوقف، والسكت والإيقاع، ووصل بعض الكلام، واختلاس بعض الأصوات والاستغناء عن بعضها ومد بعضها لتكون واضحة. هذه الأمور هي علامات بارزة وهي ما يكوّن التنغيم. فالمتكلم قد يهدف بحديثه وتتابع نغمات كلامه العتابَ، أو الاستحثاثَ، أو لفتَ النظرِ، أو الامتعاضَ إلى غير ذلك. التنغيم وعلماء العربية: ذكرنا فيما سبق أهمية التنغيم ودوره في تعيين الدلالة. وأوضحنا أن مفهوم التنغيم لا يمكن حصره في درجة الصوت فقط ((Pitch)) ولكنه مجموعة من الاتحادات الصوتية بها يتم تحقيق الأداء الصحيح. كالنبر، والسكت، والوصل ومد بعض الأصوات، واختلاس بعضها التي بها يتم الانسجام ويتحقق التنغيم. وقد فطن إبراهيم أنيس إلى الآثار التي يتركها طول الصوت وقصره وتحقيقه عندما قال ((وانسجام الكلام في نغماته يتطلب طول بعض الأصوات وقصر البعض الآخر)) (١) . هذه الأمور مجتمعة هي التنغيم. لذا اهتم العلماء بطرق الأداء. ولعلماء القراءات إسهامات متميزة في هذا المجال، فاللحون التي نسمعها من القراء المجودين لقراءات القرآن الكريم هي التنغيم. فالإشبتاع مثل إشباع الفتحة في آخر الآيات الكريمات الآتية: (وتظنون بالله الظنونا ((٢) . (يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ((٣) . (فأصلونا السبيلا ((٤) .

стр. 5557

نوع من التنغيم يؤدي إلى البيان والوضوح والتأكيد على تأصل الكفر. بل إن هاء السكت التي تلحق الكلمات المنتهية بياء المتكلم كتابيه، حسابيه، سلطانيه هي نوع من التنغيم الذي يشير إلى استراحة النفس وذلك بالوقف على هاء السكت ومن ثم يعدل عن الإعراب وبيانه. كما أن القسم لاشك له دلالة التأثير لكن يصاحب القسم نغمة يؤدي بها هذه النغمة، وإن كانت أغفلت لوضوح أن القسم له دلالته، فإن هذه النغمة تكون دائماً مصاحبة للقسم. فقوله تعالى: (المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ((١) يدل على التأكيد ((وقد يساق الموصول مساق التعظيم بسبب ما يحتمله التعميم من التهويل والتضخيم والتكريم)) (٢) . إن الجوانب المشرقة التي نراها في اهتمام علماء القراءات بطرق أداء القرآن الكريم وتجويده تقفنا على كمٍّ من المصطلحات التي تحمل في جنباتها آليات التنغيم ودرجاته. فقراءة التحقيق هو ((إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد، وتحقيق الهمز، وإتمام الحركات، واعتماد الإظهار والتشديدات، وتوفية الغنات، وتفكيك الحروف وهو بيانها وإخراج بعضها من بعض بالسكت والترسل واليسر والتؤدة)) (٣) . والتجويد هو ((الإتيان بالقراءة مجودة الألفاظ بريئة من الرداءة في النطق ومعناه انتهاء الغاية في التصحيح وبلوغ النهاية في التحسين)) (٤) . لذا اهتموا بالوقف، وبيان ما يحسن منه وما يقبح؛ لأن الوقف استراحة يقوم بها القارئ، فقد يضطر أن يقف لئلا ينقطع نفسه، فما كان منهم إلا أن أشاروا وبينوا أنواع الوقف فصنفوا المطولات والمختصرات توضح مواطنه لكيلا يوقف على ما يخل بالمعنى.

стр. 5558

والذي يعنينا بيانه هنا هو أن النطق والأداء يعتمدان على النفس، والوقف استراحة يلجأ إليها المتكلم ليعاود استئناف كلامه فيما بعد. وما بين استمرار الكلام والوقف والاستئناف نغمات وتسلسل صوتي يدركها السامع وتعيها الأذن المدربة؛ لذا فرق العلماء بين الوقف والسكت، ((فالوقف قطع الصوت على الكلمة زمناً يتنفس فيه)) (١) ، وهذا ما ينشأ عنه في رأينا ما يسمى بالنغمة المنحدرة في أغلب الأحيان. بينما السكت ((قطع الصوت زمناً وهو دون زمن الوقف عادة من غير تنفس)) (٢) وهذا ما ينشأ عنه النغمة المستوية كما في قوله تعالى: (الحمد لله لاذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر ... (فالسكت الذي على ((قيّماً)) نغمة مستوية ترتفع بعد معاودة القراءة. إن أنواع الوقف تحتاج إلى دراسة تؤخذ من قراءة القراء المجودين لأن النغمات التي تنشأ عنها متباينة وتؤدي معاني مختلفة لاحظها علماء القراءات (٣) . يقول محمد الصادق قمحاوي ((به يعرف الفرق بين المعنيين المختلفين والنقيضين المتنافيين والحكمين المتغايرين)) . كذلك السكت أنواع حيث ذكر العلماء السكتة اليسيرة، والقصيرة والمختلسة من غير إشباع، والسكتة اللطيفة من غير قطع (٤) . كل هذا - في رأينا - يحدث عنه نغمات أقل ما يقال عنها أنها مختلفة في درجاتها. وقد أبان ابن الجزري المعاني التي تنشأ عن السكت عندما قال: وجه السكت في ((عِوَجا)) قصد به بيان أن قيماً بعده ليس متصلاً بما قبله في الإعراب. وفي ((مَرْقَدِنا)) بيان أن كلام الكفار قد انقضى وأن قوله ((هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن)) ليس من كلامهم (٥) .

стр. 5559

والحقيقة أن في كلتا السكتتين السابقتين نغمات مختلفة الأمر الذي لم يغفل عنه المحققون من علمائنا فوضحوه لئلا تلتبس المعاني ومن طريف ما ذكره محمود الطناحي عن أهمية الأداء وحسنه ما كان يفعله الشيخ عامر بن السيد عثمان بترويص المتعلمين لقراءة القرآن من إعطاء كل مقطع حقه من التنغيم وذلك بأن يقسم ((أضللن)) في قوله تعالى: (رب إنهن أضللن (إلى مقطعين يقول ((فكان شيخنا يقرأ أمامه ((أضللن)) على مقطعين هكذا ((أض)) ((للن)) ويكرر المقطعين منفردين ثم يقرأهما معاً حتى يخلص له الترقيق المراد. أما النبر فقد ذكر الطناحي أنه سأل الشيخ عامر عنه فأجابه بقوله: ((إن القراء لم يذكروا هذا المصطلح ولكنه بهذه الصفة يمكن أن يسمى ((التخليص)) أي تخليص مقطع من مقطع)) وذكر أمثلة سمعها من شيخه منها قوله تعالى: (فسقى لهما ثم تولى الي الظل (وقوله تعالى: (فقست قلوبهم (وقوله : (وساء لهم يوم القيامة حملاً (يقول: ((فأنت لو ضغطت على الفاء في الآية الأولى صارت من الفسق لا من السقي، وإن لم تضغط على الفاء في الثانية صارت من الفقس لا من القسوة أما في الآية الثالثة فلابد من أن تخلص ((ساء)) من ((لهم)) حتى يكون من السوء لا من المساءلة لو خطفها خطفة واحدة)) )) (١) . التنغيم وعلماء النحو:

стр. 5560

لعلماء النحو وقفات ذكية تدل على تنبههم لما يحدثه التنغيم من توضيح وبيان للإعراب. وقد اطلعت على الدراسة الجادة التي قام بها أحمد كشك في كتابه ((من وظائف الصوت اللغوي)) وكنت قبل مطالعتي كتابه القيم ألقيت في عام ١٤٠٠ هـ محاضرات في علم اللغة على طلابي بمرحلة البكالوريوس بقسم اللغة العربية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة ذكرت فيها أن ابن جني بحسه أدرك أهمية التنغيم في تفسير بعض المسائل الإعرابية عندما تعرض لقضية حذف الصفة في قولهم ((سير عليه ليل)) يقول: ((وقد حذفت الصفة ودلت الحال عليها وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: سير عليه ليل وهم يريدون ليل طويل وكأن هذا إنما حذفت فيه الصفة لما دل من الحال على موضعها. وذلك إنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله طويل ونحو ذلك)) (١) . كما أنك عندما تمدح إنساناً وتثني عليه وتقول: ((كان والله رجلاً فتزيد في قوة اللفظ ب ((الله)) هذه الكلمة وتتمكن من تمطيط اللام وإطالة الصوت بها وعليها أي رجلاً فاضلاً أو شجاعاً أو كريماً أو نحو ذلك)) (٢) . إن قول ابن جني ((فتزيد في قوة اللفظ ب ((الله)) وتتمكن في تمطيط اللام وإطالة الصوت بها وعليها)) هو نطق الكلمة منغمة. كما أن النحاة قد استخدموا مصطلح الترنم للدلالة على التنغيم. فالترنم إنما هو مد الصوت وإطالته وهو ظاهرة تنغيمية يقول ابن يعيش: ((اعلم أن المندوب مدعو ...)) ويقول: ولما كان مدعواً بحيث لا يسمع أتوا في أوله بياء أو واو لمد الصوت ولما كان يسلك في الندبة والنوح مذهب التطريب زادوا الألف آخراً للترنم (٣) .

стр. 5561

إن هذا ليدل على إدراك النحاة بأهمية التنغيم فالواو خصصت للندبة لما فيها من التفجع والحزن إذ ((المراد رفع الصوت ومده لإسماع جميع الحاضرين)) (١) إن هذه الإشارات التي ذكرها علماء العربية تدل على أنهم عرفوا لما للتنغيم من أهمية في إيضاح المعاني. فالفرق بين كم الاستفهامية وكم الخبرية، إنما تأتي أن كل واحدة منهما تحتوي على أداء معين بها تتميز. والنحاة عند استنباطهم واستخراجهم قواعد اللغة اعتمدوا على سماع كلام العرب، ففرقوا بينهما على أساس ما تشتمل عليه من نغمات. ومثل هذا نجده في صيغ التعجب وأساليبه القياسية والسماعية. فالنغمة التي في التعجب توحي بأن هنالك شيئاً خفياً حمل المتكلم على التعجب، وهو ضرب من الإيهام. وقد قال الزركشي نقلاً عن الرماني ((وأصل التعجب إنما هو للمعنى الخفي)) (٢) فصيغتا التعجب ((ما أَفْعَلَهُ)) و ((أَفعلْ بِهِ)) تشتمل الأولى على نغمة صاعدة ثم مستوية ثم منحدرة. أما أفعل به فمستوية ومنحدرة. إن التنغيم هو الذي يفرق بين الإغراء والتحذير في قولك ((الرجلَ الرجلَ)) فإذا كانت النغمة مرتفعة فإنها تحذرك من الرجل وأما إذا نطقت بنغمة مستوية فإنها تدل على الإغراء. من هنا كانت إشارات ابن جني الذكية تدل على أهمية التنغيم فقد بين أن ((.. لفظ الاستفهام إذا ضامه معنى التعجب استحال خبراً. وذلك قولك: مررت برجل أي رجل. فأنت الآن مخبر بتناهي الرجل في الفضل، ولست مستفهماً)) (٣) والذي يدل على ذلك إنما هو التنغيم الذي يجعل المتحدث يمد صوته عندما يقول أي رجل مستخدماً النغمة العالية المنتهية بالمنحدرة. ويذكر السيوطي ما حدث بين الكسائي واليزيدي حين سأل اليزيدي الكسائي بحضرة الخليفة هارون الرشيد عن بيت من الشعر أنشده وقال له هل ترى فيه من عيب:

стр. 5562

لا يكونُ العيرُ مهراً لا يكون المهرُ مهرٌ ((فقال الكسائي قد أقوى الشاعر، لابد أن ينصب المهر الثانية على أنه خبر كان، فقال اليزيدي الشعر صحيح إنما ابتدأ فقال المهر مهر)) (١) . هذه الحادثة تدل على أن المنشد قد سكت سكتة عند ((لا يكون)) الثانية ونطقها بنغمة عالية ومنتهياً بنغمة منحدرة ثم ابتدأ بقوله المهر مهر. ويظهر هذا جلياً عند التحدث والنطق وبالأخص عند إنشاد الشعر. فالأصل في اللغة أن تكون متحدثة ومنطوقة؛ لأن النطق يأتي أولاً والكتابة تمثل المرحلة الثانية، لأنها ما هي إلا صدى ومحاولة لرسم ما نطق. والكتابة غالباً ما تخفي بعض طرق النطق كالنبر والتنغيم لذا لجأ العلماء إلى وضع علامات ورموز عند الكتابة يسترشدون بها إلى النطق الصحيح. وقد دُئِبَ عند طباعة المصاحف الكريمة إلى وضع علامات ورموز اصطلاحية تعين القارئ على القراءة الصحيحة المجودة. لأن تلك الرموز والعلامات لها دور كبير في إبراز وبيان مظاهر التنغيم من سكت، ومد،

стр. 5563

ووقف، ووصل. كما أن علامات الترقيم في الكتابة العربية تقوم مقام التنغيم والأداء حيث أنها تيسر عملية الإفهام وتحدد ((مواضع الوقف، حيث ينتهي المعنى أو جزء منه، والفصل بين أجزاء الكلام، والإشارة إلى انفعال الكاتب في سياق الاستفهام، أو التعجب)) (١) . فالفاصلة تدل على أن يقف القارئ وقفة خفيفة. ولو لم يضع هذه الفاصلة لربما يلتبس المعنى. أما الفاصلة المنقوطة فإنها تتطلب أن يكون الوقف أطول وهي في رأينا تؤدي ما يقوم به التنغيم. أما علامة الاستفهام فإنها توضح ما إذا كانت الجملة استفهامية أو تعجبية مثل قولنا ((تعرف هذا وتسكت)) . وعلامة التأثر ((!)) ((تعبر عن الانفعالات النفسية، كالتعجب، والفرح، والحزن، والدعاء، والدهشة، والاستغاثة، ونحو ذلك)) (٢)

стр. 5564

وخلاصة القول: ١ - أن التنغيم ركن أساسي في الأداء لا تخلو منه أي لغة من لغات البشر. ٢ - إتقان التنغيم ومعرفته أمر بالغ الأهمية لما له من صلة بالمعنى فهناك وظيفتان للتنغيم وظيفة أدائية ووظيفة دلالية. ٣ - لعلماء العربية إشارات ذكية تدل على تنبههم لما للتنغيم من أهمية في تفسير وتوضيح المعاني والإعراب. ٤ - التنغيم ليس محصوراً فقط في درجة الصوت وإنما هو مجموعة معقدة من الأداء الصوتي بما يحمل من نبرات، وفواصل، وتتابع مطرد للسكنات والحركات التي يتم بها الكلام. ٥ - التنغيم يقتصر على التراكيب المسموعة أما التراكيب المقروءة فقد استعاضت عنه ببعض رموز وعلامات الترقيم لتدل بها على الاستفهام والتعجب والاستغاثة والدهشة وغير ذلك. ٦ - أنواع الوقف في القراءات تحتاج إلى دراسة لأن النغمات التي تنشأ عنها متباينة وتؤدي معاني مختلفة. ٧ - إن أساليب الاستفهام والنداء والإغراء والتحذير التي تناولها النحاه بالدرس والتقعيد تحمل في طياتها عند النطق بها تنغيمات مختلفة. ٨ - النحاة عند استنباطهم قواعد اللغة العربية اعتمدوا على السماع ومشافهة الفصحاء، وعلى ضوء سماعهم وضعوا القواعد، والعربي عند تحدثه كان يستعمل طرقاً معينة في أدائه ((تنغيمات)) . فالنطق بالإغراء له نمط معين وللتحذير أداء محدد وكذلك التعجب. الحواشي والتعليقات

стр. 5565

أثر الصحراء في نشأة الشعر العربي وتطوره حتى نهاية العصر العباسي الثاني د. حمد بن ناصر الدخيِّل أستاذ مشارك - قسم الأدب - كلية اللغة العربية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- الرياض ملخص بحث أثر الصحراء في نشأة الشعر العربي وتطوره حتى نهاية العصر العباسي الثاني د. حمد بن ناصر الدخيل الصحراء فضاء واسع ممتد، قَفْر، لا ماء فيها كالأنهار والجداول، قليلة الأمطار والنبات، ذات جوٍّ جاف. والصحراوات في قارات العالم كثيرة، من أشهرها صحراء العرب، وصحراء شمالي إفريقية المعروفة بالصحراء الكبرى. نشأ الشعر العربي في قلب صحراء العرب. وتدرج في نشأته وتطوره وازدهاره حتى وصل إلى مرحلة نضجه في الشعر الجاهلي.

стр. 5566

ويتناول هذا البحث أثر الصحراء في نشأة الشعر العربي، ويتكون من مقدمة، وتمهيد. تحدثت فيه عن الصحراء المكان والإنسان، أردت بالمكان صحراء العرب، وأردت بالإنسان العربي الذي عاش في الصحراء، وأمضى حياته فيها، وتأثر في نمط عيشه وسلوكه وأخلاقه وعاداته وتقاليده ببيئة الصحراء وطبيعتها، ثم تحدثت عن نشأة الشعر العربي وأوليته، وعلاقة ذلك بالصحراء التي شهدت نشأة هذا الشعر، وهي بداية لا نستطيع تحديد زمنها تحديدًا دقيقًا. وانتقلت إلى دراسة مظاهر أثر الصحراء في الشعر العربي، ومن أبرز هذه المظاهر أثر الصحراء في اللغة، الذي تمثل في تزويد المعجم اللغوي بكثير من الألفاظ والمصطلحات، وفي مقدمة ذلك الأسماء والصفات التي أطلقت على الصحراء. وعرض البحث أيضًا لأثر الصحراء في موضوعات الشعر وأغراضه، التي حملها إلينا الشعر العربي. ومن أهم ذلك وصف طبيعة الصحراء مسالكها ودروبها وجوها ورياحها وأمطارها وحيواناتها وطيورها ونباتاتها، وما يتصل ببيئتها، وأنماط العيش والحياة فيها. تلا ذلك أثر الصحراء في مضمون الشعر من معانٍ وأفكار، وأثرها في صوره الفنية، وهي صور كثيرة استمدها الشاعر العربي من بيئة الصحراء ومناظرها، ونجدها ماثلة بصفة خاصة في شعر الجاهليين والأمويين، وفي شعر كثير من شعراء العربية عبر العصور الذين تأثروا بالشعر الجاهلي والأموي. ويستطيع الباحث من خلال هذه الصور أن يستنبط خصائص الصحراء وسماتها. وختم البحث بخاتمة لخصت أهم نتائجه. ويعد هذا البحث مدخلاً لدراسات كثيرة تدرس أثر الصحراء في اللغة والأدب، وربما لدراسات تتناول أثر الاجتماعي والنفسي. ويأتي أيضًا ضمن اهتمام عدد من الباحثين والأدباء في الشرق والغرب بالصحراء ورصد ما لها من تأثيرات متعددة. مقدمة

стр. 5567

أثر الصحراء في نشأة الشعر العربي وتطوره موضوع أدبي مهم، يصلح أن يكون عُنوانًا لكتاب ضخم، يفصل فيه الدارس مؤثرات الصحراء في الشعر العربي من حيث النشأة والتطور في الموضوعات والمعاني وفي اللغة والأسلوب، والصور والأخيلة والأوزان والقوافي، حتى استقام على الطريقة الشعرية المثلى التي وصلت إلينا في شعر امرئ القيس، وأوس بن حجر، والنابغة، وزهير، وطرفة بن العبد، وعنترة، والأعشى، وغيرهم من فرسان الشعر الجاهلي. وكانت واسطة عِقْده القصائد المطولات التي عرفت في اصطلاح بعض الأدباء بالمعلقات السبع أو العشر. والدراسات والكتب التي صدرت عن الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي عامة تمثل مكتبة متكاملة؛ لأن أدب العصر الجاهلي يعد النواة الأولى لنشأة الأدب العربي ومسيرته في معارج التطور والازدهار. وكان الرواة والأدباء وعلماء اللغة الأوائل يعنون بهذا الأدب عناية خاصة – ولا سيما الشعر – ويرون فيه النموذج والمثل للشعر العربي الأصيل الذي ينبغي للشعراء أن يحتذوه وينسجوا على منواله. وأقوال الرواة في تفضيل الشعر الجاهلي على غيره كثيرة نجدها في طبقات فحول الشعراء، لمحمد بن سلام الجمحي (٠٠٠ – ٢٣١هـ) ، والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني (٢٨٤ – ٣٥٦هـ) ، والموشح للمرزباني (٢٩٦- ٣٨٤هـ) ، وسواها من مصادر الأدب. وأثر الصحراء في الشعر والأدب عامة موضوع جدير بالبحث على كثرة ما كتب عن الشعر الجاهلي من دراسات وبحوث وكتب، تناولت بيئته وجغرافيته وتاريخه وشعراءه، وما يتبع ذلك من دراسة شعرهم دراسة موضوعية وفنية. والحقيقة أن ما اطلعت عليه مما كتب عن الأدب والشعر في العصر الجاهلي ألمس فيه تأثير الصحراء، وألحظ أنها ماثلة قائمة في كل سطر من سطوره. ولكن تبقى الحقيقة المهمة الغائبة، وهي تتبع أثر الصحراء المباشر في الشعر بخاصة، وفنون النثر في الأدب الجاهلي بعامة.

стр. 5568

ولكن قبل أن يلج الدارس هذا الموضوع الأدبي الحيوي، لابد أن يمهد له بدراسة وافية عن بيئة الصحراء وطبيعتها وخصائصها، ونباتاتها وحيواناتها، وما يتصل بطبيعة الحياة فيها، واستخلاص الشعر الذي يوظف في موضوعاته ومعانيه وصوره ما تمتاز به الصحراء من دلالات ورموز، وهو شعر كثير غزير يدلنا على كثرته ما وصل إلينا منه، وهو غيض من فيض. وسوف أتناول في هذا البحث موضوع الصحراء، المكان والإنسان، ثم نشأة الشعر العربي، وأثر الصحراء في تطوره وازدهاره في الموضوعات والمعاني والصور. ويبقى الموضوع على الرغم مما كتب فيه، وما صدر عنه من بحوث ودراسات في حاجة إلى دراسات أخرى تنطلق من حيث انتهت البحوث التي بين يدينا؛ لأن أثر الصحراء في الشعر العربي سيبقى مجالاً لدراسات مجددة مبدعة، تتناول أثرها الكبير من زوايا متعددة، وطروحات مختلفة، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. تمهيد الصحراء: المكان، والإنسان للصحراء على الإنسان فضل لا ينكر في توجيه حياته وفكره وسلوكه، وهي مكان وظرف، ولكنها – على الرغم من ذلك – تركت أثرًا لا تمحوه الأيام من ذاكرة الإنسان، في تكوين حياته، وبناء مجده وحضارته، والإنسان ابن الصحراء تقلب في رحمها، وانطلق منها في تشييد حضارة الكون، وإضافة لبنات أساسية في صرح شموخها وعطائها وتوجهها، أكسبته قسوة الصحراء قوة، وبعثت فيه عزمًا لا يلين، ومنحته الذهن الثاقب والذكاء المتوقد، وخلعت عليه في اتساعها، واندياح جنباتها برود السماحة والكرم والخلق الرضي، فكان ذلك الإنسان الذي ينسب إلى الصحراء في تألقه وتفرده وامتيازه ورضاه.

стр. 5569

والصحراء مكان فضفاض، يغيب فيه البصر الحديد، ويمتد أمامه الأفق واسعًا رحبًا حتى كأنه لا نهاية له. للصحراء في العين مجتلى ومتعة، وللنفس فيها راحة وروحانية، وللفكر انبعاث وإبداع وتجديد. عرف العربيُّ الصحراءَ قبل أن يعرف البحر، ورأى أديمها قبل أن يرى زرقة الماء، ولامس أديمها جلده دون حائل، وجال في حزونها وسهولها، وسرَّح أنعامه في أفيائها، وشمَّ أريجَ نبتها وأزهارها، واستنبط الماء من جوفها لذة للشاربين، وافتن في شؤون الحياة وضروب العيش على ظهرها، وعاش – ما شاء الله له أن يعيش – وهو لا يعرف شيئًا سوى سهولها وجبالها ورمالها وأبارقها ورياضها وأوديتها ووهادها، يضرب في أكنافها سحابة نهاره، فإن جنّ الظلام أوى إلى بيته مستمتعًا بنعيم الراحة ولذة الدفء، إن كان الوقت شتاءً، ولذة الجو المعتدل والنسيم العليل إن كان الوقت صيفًا. امتزج العربيُّ بالصحراء حتى غدت قطعة من نفسه، وجزءًا من حياته، فلا يرى لغيرها بديلاً، ولا عنها متحولاً. استمد منها تجارب حياته، ونمط عيشه، وكوّن من مناظرها، وتفاعله معها ثقافته ورؤيته للحياة. عرف نسائمها ورياحها، وعانى قُرَّها وحَرَّها، وتقلبات جوها، وشارك حيواناتها وطيورها في البحث عن العيش، فكان منها المستأنس الداجن، والسبع الضاري، فعاملها بما ينسجم مع طبيعة حياته وطريقته في الإقامة والتَّرْحال، والبحث عن ما يقيم أوده ويكفيه رزقه. ولم يقنع بما يقنع به القوم ذوو الهمم الضعيفة والأفكار المحدودة، بل كان طمَّاحًا متطلعًا، يدفعه في ذلك ذكاء لمَّاح، وبديهة على اللسان حاضرة، وذهن متوقد، فهو – كما قال طرفةُ بن العبد – (١) :

стр. 5570

أنا الرجلُ الضَّرْبُ الذي تعرفونه *** خُِشَاشٌ كرأسِ الحيَّةِ المتوقِّدِ يضاف إلى ذلك عقل يجيد التكفير، ويرسم له خطوات مستقبله القريب في حدود إمكاناته ومعارفه وتجاربه؛ فكشف عن موهبته في القول والتعبير دون أن يقرأ في صحيفة، أو يخط حرفًا. وكان يملك ناصية اللغة، ويمسك بزمام الفصيح، أخذ ذلك مشافهة من بيئته، فلم يكتف بالتعبير عن حاجات يومه القائمة، بل وظف لغته القوية الغنية بمفرداتها وألفاظها في قول رفيع وبيان رائع، وتصوير يأخذ بمجامع القلوب، فاستنبط من وقع خطوات الإبل المنتظمة – وهي تقطع الصحارى والفيافى – الحُدَاء، وهو أن ينشد للإبل شعرًا موقعًا منغومًا فتطرب وتنشط، فتغذ السير إلى الغاية، ثم تحول حداؤه إلى مقطعات قصيرة موزونة، وتدرجت هذه المقطعات إلى قصائد كانت نواة للشعر الجاهلي الذي وصل إلينا منه قدر غير يسير. وأتى إلينا هذا الشعر يحمل لغة الصحراء ووصفها وصورها وطوابعها، وبرع في تصويرها وتمثيلها حتى لكأننا نراها ماثلة أمام عيوننا نقرؤها في كتاب. وتأصلت منظومة الشعر الجاهلي على أديمها، فعرفنا منها القصائد المطولات وغير المطولات التي وظفها شعراء الجاهلية في الموضوعات المتنوعة، وتضمنت آراءهم وأفكارهم ومعانيهم التي تداعب أخيلتهم وعواطفهم وعقولهم، واستمدوها من بيئة الصحراء. وهذا العطاء الشعري المتنوع الذي ولد في الصحراء، ونما في ربوعها، ووصل إلينا قويًّا سامقًا يمثل قاعدة الشعر العربي وأسسه ومقاييسه؛ فالأشعار التي قيلت في العصور التالية ترسمت خطوات الشعر الجاهلي – ولاسيما الشعر في العصر الأموي – ووظفت لغته، وكثيرًا من معانيه وصوره.
следующие страницы →