وقد وَجَدْتُ هذا الرَّأيَ عِنْدَ ابنِ أبي الرَّبِيعِ في المُلَخَّصِ، قالَ (١) :"وأَمّا (أَجْمَعُ) فمَعْرِفَةٌ بالعَلَمِيَّةِ؛ لأنَّه اسْمُ عَلَمٍ لِجُمْلَةٍ أَجْزَاءِ مَا تَجْرِي عَلَيْه، ولَيْسَ بنَكِرَةٍ "،وأَخَذَ بِهِ ابنُ مَالِك في التَّسْهيلِ (٢) ورَدَّه في شَرْحِ عُمْدَةِ الحَافِظِ، قالَ (٣) : "وصارَ (جُمَع) لِتَعْرِيفِه بغَيْرِ عَلامَةٍ مَلْفُوظٍ بِها كَأَنَّهُ عَلَمٌ،وليسَ عَلَماً؛ لأنَّ العَلَمَ إِمَّا شَخْصِيّ وإِمَّا جِنْسِيّ، فالشَخْصِيُّ مَخْصُوصٌ ببَعْضِ الأشْخَاصِ، والجِنْسِيُّ مَخْصُوصٌ بِبِعْضِ الأجْنَاسِ، و (جُمِع) بِخِلافِ ذلكَ فالحُكْمُ بِعَلَمِيَّتِه بَاطِلٌ ".
ويُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إليه ابنُ الباذِش أَنَّ هذِه الألْفَاظِ تَأتي تَأكِيداً للمَعَارِفِ،فهي مَعَارِفُ، ويُضافُ إلى ذلكَ دَلالَتُها الثابِتَةُ عَلى مَجْمُوعَةِ المُؤَكَّدِ،كَمَا يُؤَيِّدُ رَأيَه أَنَّ (أَجْمَعُ) يُجْمَعُ بالواوِ والنونِ، وهذا الجَمْعُ خَاصّ بالصِّفاتِ والأعْلامِ، و (أَجْمَعُ) وأَخَواتُها لَيْسَت بِصِفَاتٍ، فلمْ يَبْقَ إلا العَلَمِيَّةُ.
هل يجوز التعليق فيما لم يجز فيه الإلغاء؟
تَابَعَ أبو الحَسَن بنُ الباذِش ابنَ السَّرَّاجِ وأبا عَليٍّ الفَارِسِيّ في أَنَّه لا يَجُوزُ التَّعْليقُ في مِثْلِ قَوْلِكَ: (عَرَفْتَ أيُّهُم زَيْدٌ) ، وقَوْلِ الشاعرِ (٤) :
حُزُقٌّ إذا ما القومُ أَبْدَوْا فُكَاهَةً تفكّرَ آإيّاه يَعْنونَ أم قِرْدا
стр. 5505
فابنُ الباذِش يَرى أَنَّه لا يَكُونُ التّعْلِيقُ إلاّ فيمَا جازَ إلغاؤُه،وهذِه الأفْعَالُ لمْ يَرِدْ الإلغَاءُ فيها،وأَجَازَ هو وجَمَاعَةٌ مِنْ النُّحَاةِ أَنْ تُحْمَلَ هذِه الأفعالُ عَلى غَيْرِها ممّا جَازَ فيها التَّعْليقُ، وبِناءً عَلى هذا الرَّأيِ يَكونُ (تَفَكَّرَ) و (عَرَفَ) فِعْلَيْن يَتَضَمَّنانِ مَعْنى مَا يَتَعَدَّى إلى اثنين،وقد سَدَّت الجُمْلةُ مَسَدَّ المَفْعُولين (١) .
وذَهَبَ السِّيْرَافِيّ وجَمَاعَةٌ إلى أَنَّه يَجُوزُ التّعْليقُ في أَفْعَالِ القُلوبِ مُطلقاً سَواءً كَانَ ممّا يُلغَى أو ممّا لا يُلغَى (٢) .
والذي أَرَاه أَنَّ أَمْرَ الإلغَاءِ والتَّعْلِيقِ جَائِزٌ في كُلِّ فِعْلٍ يَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ، فإِذا جَازَ الإلغَاءُ والتَّعْلِيقُ في نَواسِخِ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ جَازَ في غَيْرِها مِنْ الأفْعَالِ التي تُحْمَلُ عَلَيها في دُخُولِها عَلى المُبْتَدأ والخَبَرِ، وإذا كَانَتْ فِكْرَةُ التَّعْلِيقِ جَائِزَةٌ في الأفْعَالِ النَّواسِخِ والمَحْمُولَةِ عَلَيْها فلا أَرَى ضَيْراً مِنْ تَعْلِيقِ الأفْعَالِ التي لمْ يَرِدْ فيها الإلْغَاءُ، وذلك بِحَمْلِها عَلى غَيْرِها مِنْ الأفْعَالِ، ومَا ذَهَبَ إليه السِّيْرَافِيُّ دَعَامَةٌ لِرَأيِ أبي الحَسَن بنِ البَاذشِ.
الأصل في واو المَفْعُول معه
стр. 5506
ذَهَبَ الزَّجَّاجِيُّ في الجُمَلِ إلى مَنْعِ رَفْعِ ما بَعْدَ الواوِ في قولك: (اسْتَوى الماءُ والخَشَبَةَ) فأَوْجَبَ النَّصْبَ (١) ، وخَالفَهُ أبو الحَسَنِ بنِ الباذِش الغرناطي فهو يَرى أَنَّ أَصْلَ الواوِ في هذا المَوْضعِ هو العَطْفُ، ونَقَلَ إِجْمَاعَ النُّحَاةِ على هذا الأصْلِ (٢) ، ويَرى أنّه لا يَكونُ النصبُ على المَفْعُوليَّةِ إلاّ في بَعضِ المَعْطوفِ، وكَأنَّ ابنَ الباذِش لَمَحَ في كَلامِ الزَّجَّاجيِّ عَدَمَ إِقْرارِه بأَنَّ أَصْلَ الواوِ العَطْفُ.
وقد نَقَلَ أبو حيَّانَ في التَّذييلِ نَصَّ رَدِّ ابنِ الباذِش على الزَّجّاجيِّ فقال (٣) : " وقد ادَّعَى الإجْمَاعَ على ذلك أبو الحَسَنِ بنُ الباذِش، قال: ويَمْتَنِعُ بإِجْماعٍ أَنْ يَكونَ المَفْعُولُ مَعَه غَيرَ مَنْقولٍ من العَطْفِ،فلا يكونُ فيه إلاّ النَّصيبُ في شيءٍ مِنْ الأفْعَالِ كَمَا زَعَمَ أبو القاسم يَعْني الزَّجّاجيَّ في قولهم: (اسْتَوى الماءُ والخَشَبَةَ) أنّه لا يَجوزُ فيهِ إلاّ النَّصْبَ؛ لأنَّ المَعْنى: ساوى الماءُ الخَشَبَةَ، وهذا خِلافُ ما البابُ عَليه مِنْ أنَّ بَعضَ المَعْطوفِ هو الذي يَجوزُ فيه النَّصْبُ. انتهى ".
стр. 5507
وأُقِرُّ مَع ابن الباذِشِ أنَّ الأصْلَ في هذه الواو هو العطفُ،ولكنَّها في هذا البابِ تحملُ مدلولاً آخرَ يَخْتلِفُ عَنْ مَدْلولِها في العَطْفِ،كما أُ قِرُّ معَه أنَّه لا يَجُوزُ النَّصْبُ على المَفْعُوليَّةِ إِلاّ في القَليلِ مِنْ الأفعالِ،أمّا قوله: (اسْتَوى الماءُ والخَشَبَةَ) ففيه أَمْران: إِنْ قصَدَ المتَكَلِّمُ أنَّ (اسْتَوى) بمَعْنى:ارْتَفَعَ أو اسْتَقامَ،فلا يَجُوزُ إلاّ النَّصْبُ على المَعِيَّةِ، وإنْ أَرادَ أنّ (اسْتَوى) بمَعْنى: تَسَاوَى جَازَ العَطفُ،فالأوّلُ ما أَرادَه الزّجّاجيُّ،والثاني ما قَصَدَه ابنَ الباذِشِ.
ثانياً: العامل النحوي
العامل في المَفْعُول معه
تَابَعَ ابنُ الباذِش سِيْبَوَيْه وجُمْهُورَ البَصْرِيِّين في العَامِلِ في المَفْعُولِ مَعَه، فهو يَرى أَنَّ العَامِلَ فيه الفِعْلُ بِتَوَسُّطِ الواوِ، ويُشَبِّهُ ابنُ الباذِش هذا العَمَلَ بعَمَلِ الفِعْلِ في المُسْتَثْنى بواسِطةِ أَداةِ الاسْتِثناءِ، ويَرى أَيْضاً أَنَّه لا يَعْمَلُ في المَفْعُولِ مَعَه إلاّ الفِعْلُ، وعَزا ذلك إلى سِيْبَوَيْه (١) .
وقد نَقلَ أبُو حَيَّانَ قولَ ابنِ الباذِش في التذييلِ فقال (٢) : " وقال أبو الحَسَن بنُ الباذِش: المَفْعُولُ مَعَه يَعْمَلُ فيه الفِعْلُ بِتَوَسُّطِ الواوِ بِمَنْزِلَةِ حَرْفِ الاسْتثناءِ، إلاّ أَنَّ حَرْفَ الاسْتِثناءِ يُسَلّطُ الفِعْلُ ومعنى الفِعْلِ، ولا يُسَلّطُ الواوَ بمَعْنى مَع إلاّ الفِعْلُ عِنْدَ سِيْبَوَيْه، فهي مَتْروكَةٌ على العَطفِ أَبَداً إِلاّ في الفِعْلِ فإِنَّها تُنْقَلُ مِنْ العَطفِ إلى التّعْدِيَةِ وتَسَلُّطِ الفِعْلِ.انتهى ".
стр. 5508
وهذا هو رَأيُ سِيْبَوَيْه، قال (١) : " والواوُ لمْ تُغَيِّرْ المَعْنى، ولكنَّها تُعْمِلُ في الاسْمِ ما قَبْلها "، ولا يُجِيزُ سِيْبَوَيْه عَمَلَ المَعْنى، وصَرَّحَ بذلكَ في قوله (٢) : " وزَعَمُوا أَنَّ ناساً يَقولون: كَيْفَ أَنْتَ وزَيْداً، ومَا أَنْتَ وزَيْداً، وهو قَليلٌ في كَلامِ العَرَبِ، ولمْ يَحْمِلُوا الكَلامَ عَلى (مَا) ولا (كَيْفَ) ولكِنَّهُم حَمَلُوه عَلى الفِعْلِ، عَلى شيءٍ لو ظَهَرَ حَتّى يَلْفِظوا بِه لمْ يَنْقُضْ مَا أَرَادُوا مِنْ المَعْنى "، فأَضْمَرَ سِيْبَوَيْه فِعْلاً، فكَأَنَّكَ قلتَ: ما كُنْتَ وزَيْداً.هذا هو رَأيُ سِيْبَوَيْه، وتابَعَه فيه ابنُ الباذِش، وأَخَذَ بِهِ كَثيرٌ مِنْ النُّحَاةِ مِنْهُم ابنُ بابْشاذ (٣) والصَّيْمَريّ (٤) وابنُ مالك (٥) .
أمّا الفَارِسِيُّ فالمَنْسُوبُ إليه جَوازُ عَمَلِ المَعْنى (٦) ، مُحْتَجّاً بقولِ الشاعِرِ:
لا تَحْبِسَنَّكَ أَثْوَابِي فَقَدْ جُمِعَتْ هذا رِدَاِئي مَطْوِيّاً وسِرْبَالا (٧)
стр. 5509
وفي هذه المَسْأَلَةِ آراءٌ أُخْرى، مِنْها رَأيُ الكُوفَيّين، فهُمْ يَرَونَ أَنَّ العَامِلَ مَعْنَويٌّ، وهو الخِلافُ أو الصَّرْفُ (١) ، ومِنْها رَأيُ الأخْفَشِ الأوْسَطِ حَيْثُ ذَهَبَ إِلى أَنَّ مَا بَعْدَ الواوِ يَنْتَصِبُ انْتِصَابَ (مَعْ) ، فهو مَنْصُوبٌ عَلى الظرْفِيَّةِ (٢) ، ومِنْها مَا نُسِبَ إلى الزَّجَّاجِ وهو أَنَّ المَفْعُولَ مَعَه مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَ الواوِ،تَقْدِيرُه: (لابَسَ) (٣) ،وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في جُمَلِه وعَوامِلِه إلى أنَّه مَنْصُوبٌ بالواوِ نَفْسِها (٤) ، ونُسِبَ للصَّيْمَرِيّ أنَّه يَنْتَصِبُ عَنْ تَمَامِ الكَلامِ كَما في التَّمْييزِ (٥) ،ولمْ أَجِدْ هذا الرأيَ في كِتابِه،وممّا نُسِبَ إلى الخَليلِ أَنَّ الاسمَ بَعْدَ الواوِ انْتَصَبَ بنَزْعِ الخَافِضِ،وهو (مَعْ) (٦) ، وآخِرُ هذه الآراءِ مَا ذَهَبَ إليه الخَوارِزْمِيُّ في التَّخْمِيرِ فقد صَرَّحَ فيه أَنَّ هذه الواوَ هي واوُ الحالِ، وأَنَّ ما بَعْدَها مَنْصُوبٌ على الحَالِ (٧) .
стр. 5510
هذه هي آراءُ النُّحَاةِ في هذه المَسْأَلَةِ،وهي -كَمَا يُلاحَظُ - كَثيرةٌ، وكُلُّها آراءٌ مُحْتَمِلَةٌ للصَّوابِ،وأَخُصُّ مِنْ هذه الآراءِ رَأيُ صَاحِبِ التَّخْميرِ، فالمَعْنى يُرْشِدُ إلى الحَالِ، فقولُكَ: (جَاءَ البَرْدُ والطَّيَالِسَةَ) مَعْناهُ:جَاءَ البَرْدُ مَقْرُوناً مَعْ الطَّيَالِسَةِ، كَمَا أَنَّ الحَالَ جَاءَتْ في القُرآنِ الكَريمَ في مَعْنى المَفْعُولِ مَعَه، وذلك قَوْلُه تَعالى: " فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِين " ﴿المدثر ٤٩﴾ فالمَعْنى: مَا لَهُم والإعْراضِ عَنْ التَّذْكِرَةِ،ومَعْ كَثْرَةِ الإشاراتِ التي تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ رَأْيِهِ إلاّ أنَّ المَنْطِقَ الُّلغويَّ يَرْفُضُهُ؛ فالقَوْلُ بأَنَّ الواوَ واوُ الحَالِ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ بَعْدَها جُمْلةٌ اسْمِيَّةٌ صَدْرُها مُبْتدأ مَرْفُوعٌ، والظاهَرُ أَمَامَنا أَنَّ مَا بَعْدَها مَنْصُوبٌ، ولذلكَ أَرى أَنَّ أَقْوى الآراءِ وأَقْرَبَها إلى الصَّوابِ مَا ذَهَبَ إليه الفَارِسِيُّ مِنْ جَوازِ عَمَلِ المَعْنى مُضَافاً إلى عَمَل الفِعْلِ بِتَوَسُّطِ الواوِ.
عامل النصب في المُسْتَثْنى
стр. 5511
للنُّحاةِ في هذه المَسْأَلَةِ آراء كَثيرَةٌ (١) ،ففي ناصبِ المُسْتَثْنى ثمانِيَةُ آراءٍ،نُسِبَ أَرْبَعَةٌ مِنْها لِسِيْبَوَيْه،وقد كانَ لِعَبارَةِ سِيْبَوَيْه مُتَعَدِّدَةِ الوُجُوهِ دَوْرٌ رَئيسٌ في هذا الخِلافِ وتَعَدُّدِ الآراءِ، وكَانَ أبُو الحَسَنِ بنُ الباذِش أَحَدَ العُلَماءِ الذين حَاوَلوا فهمَ عِبارَةِ سِيْبَوَيْه وأَمْعَنوا النَّظَرَ فيها.
أمّا الآراءُ التي نُسِبَت إلى سِيْبَوَيْه وفُهِمَت مِنْ عِبارَتِه فأَوُّلُها: النَّصْبُ عَنْ تَمَامِ الكَلامِ،وهو اخْتِيارُ ابنِ عُصْفُور (٢) ،وهذا يُفْهَمُ من قَوْلِ سِيْبَوَيْه (٣) : "عَامِلاً فيه ما قَبْلَه كَما تَعْمَلُ عِشْرونَ فيما بَعْدَها إذا قُلْتَ: عِشْرونَ دِرْهَما " فعَامِلُ النَّصْبِ في التَّمْييزِ عندَه هو (عِشْرونَ) ؛ لأنَّ الدِّرْهَمَ مِنْ تَتِمَّتِه، وقد شَبَّه سِيْبَوَيْه انْتِصَابَ التَّمْييزِ في هذا المَوْضِعِ بالمَنْصوبِ في قولِك: (هو أَحْسَنُ مِنْك وَجْهاً) ،فالوَجْهُ مِنْ تَتِمَّةِ (أَحْسَنَ) كَما أَنَّ الدِّرْهَمَ كَذلِك (٤) ،وإذا كانَ الدِّرْهَمُ يَنْتَصِبُ بِهذا الشَّكْلِ فالمُسْتَثْنى كذلك.
стр. 5512
وثانيها: ما ذَهَبَ إليه ابنُ خَرُوف، قالَ في شَرْحِ الجُمَلِ (١) : " والعَامِل في الاسْمِ المَنْصُوبِ في الصَّحِيحِ مِنْ الأقْوالِ وهو قولُ سِيْبَوَيْه الفِعْلُ الأوَّلُ "،وهذا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ سِيْبَوَيْه (٢) : " عامِلاً فيهِ ما قَبْلَه " وأَبْرَزُ العَوامِلِ المَوْجُودَةِ قَبْلَه هو الفِعْلُ.
وثالثها: اخْتِيارُ ابنِ مَالك (٣) ،فالعَامِلُ عندَه هو (إلاّ) ، ونَسَبَه في شَرْحِ التسْهيلِ لسِيْبَوَيْه والمُبَرّدِ والجُرْجانيِّ،ويُمْكِنُ أنْ يُفْهَمَ هذا مِنْ عِبارَةِ سِيْبَوَيْه السَّابِقَةِ، واحْتَجَّ ابنُ مالك بأَنَّ (إلاّ) مُخْتَصَّةٌ بِدُخولِها على الاسْمِ ولَيْسَت جُزءاً منه، فعَمِلَت فيه ك (إن) ولا التَّبْرِئَةِ.
стр. 5513
ورابعها: اخْتِيارُ ابنِ الباذِش (١) ، والعَامِل عنْدَه هو الفِعْلُ المُتَقَدِّمُ بواسِطةِ (إلاّ) ، وهو الرأيُ الذي أَخَذَ بِه الجُمْهورُ، ونُسِبَ إلى سِيْبَوَيْه (٢) والسِّيْرَافِيِّ والفَارِسِيِّ وابنِ بابْشَاذ وابنِ الضَّائِعِ والرُّنْديِّ وغيرِهم مِنْ النُّحَاة (٣) ، واسْتَدَلَّ النُّحَاةُ على ذلك بِعِدَّةِ أُمُورٍ مِنْها (٤) : ١ القِياسُ عَلى المَفْعُول مَعَه، فالنَّاصِبُ لَه الفِعْلُ بِتَقْوِيَةِ الواوِ. ٢ التَّشْبِيهُ بالمَفْعُولِ، فقد جَاءَ المُسْتَثْنى بَعْدَ تَمَامِ الكَلامِ كَمَا يَأتِي المَفْعُولُ بَعْدَ تَمَامِ الكَلامِ. ٣ العَمَلُ بالأصَالةِ للأفْعَالِ، فإذا وُجِدَ الفِعْلُ كانَ العَمَلُ مُضَافاً إليه، وها هُنا وُجِدَ الفِعْلُ أو ما يُشَابِهُهُ، ولكنَّهُ لمَّا كانَ لا يَتَعَدَّى قُوِّيَ بإلاّ.
هذه هي آراءُ النُّحَاةِ التي يُمْكِنُ فَهْمُها مِنْ عِبَارَةِ سِيْبَوَيْه، والتي فَهِمَها النُّحَاةُ منها، وللنُّحَاةِ آراءٌ أُخْرى غيرُ هذه الأرْبَعَةِ أُوجِزُها فيمايأتي:
رأيُ المُبَرِّدِ، قالَ في المُقْتَضَبِ (٥) : "وذلك لأنّكَ لمَّا قُلتَ: (جَاءَني القومُ) وَقَعَ عِنْدَ السَّامِعِ أنَّ (زَيْداً) فيهم،فلمّا قُلتَ: (إِلاّ زَيداً) كَانَتْ (إلاّ) بَدَلاً مِنْ قولك: أَعْني زَيْداً وأَسْتَثني في مَنْ جَاءَني زَيْداً، فكانَتْ بَدَلاً مِنْ الفِعْلِ".
стр. 5514
واخْتَلَفَ النُّحَاةُ في تَفْسيرِ كَلامِ المُبَرِّدِ، فمِنْهُم مَنْ نَسَبَ إلَيْه أَنَّ العَامِل هو مَعْنَى الاسْتِثناءِ المَوْجُودُ في (إلاّ) (١) ،ومِنْهُم مَنْ نَقَلَ عَنْه أَنَّ المُسْتَثْنى مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَ (إلاّ) تَقدِيرُه: أَسْتَثني أو أَعْني (٢) ، ومِنْهُم مَنْ نَسَبَ إليه أَنَّ العَامِل هو مَعْنى (إلاّ) لِكَوْنِها بِمَعْنى أَسْتَثني (٣) ، وقد نُسِبَتْ جَميعُ هذه الآراءِ إلى الزَّجَّاجِ أَيْضاً (٤) .
رَأيُ الفَرّاءِ، يَرى أَنَّ (إِلاّ) مُرَكَّبَةٌ مِنْ (إِنْ) و (لا) ، فالنَّصْبُ ب (إنْ) والرَّفْعُ ب (لا) (٥) .
رَأيُ الكِسائِيِّ، نُسِبَ إليه أَنَّ المُسْتَثْنى مَنْصُوبٌ ب (أنَّ) مُقَدَّرَةٍ بَعْدَ (إلاّ) مَحْذُوفَةِ الخَبَرِ (٦) .
رَأيٌ آخَرُ للكِسائِيِّ، نُسِبَ إليه أَيْضاً أَنَّ العَامِلَ فيه عَامِلٌ مَعْنَويٌّ،وهو المُخَالَفَةُ (٧) ،وهذا العَامِلُ هو نفسُه مُصْطلحُ الخِلافِ أو الصَّرفِ أو الخُروجِ الذي يَسْتَعْمِلُه الكوفيون كثيراً في تَسْويغِ الحَرَكَةِ الإعْرابِيَّةِ.
نَصْبُ المُسْتَثْنى بَعْدَ الجُمْلةِ الاسْمِيَّةِ، ذَكَرَ ابنُ خَروفٍ في شَرْحِه على الجُمَلِ أَنَّ الابْتِداءَ بِتَوَسُّطِ (إلاّ) هو العَامِلُ في المُسْتَثْنى (٨) ،ويَرى ابنُ الحاجِبِ أَنَّ المُسْتَثْنى منه بِتَوَسُّطِ (إلاّ) هو العَامِلُ (٩) .
стр. 5515
هذه هي آراءُ النُّحَاةِ في العَامِلِ في المُسْتَثْنى، ولَعَلَّه يُلاحَظُ ما في هذه الآراءِ مِنْ اضْطِرابٍ،ويُلاحَظُ أيضاً أَنَّ مِنْ أَسْبابِ هذا الاضْطِرابِ العِبَارَةَ المُبْهَمَةَ لسِيْبَوَيْه أو المُبَرِّدِ وغيرِهما مِنْ النُّحَاةِ،ولو تَتَبَّعْتَ هذه الآراءَ وَجَدْتَ أنَّه قد تَمَّ الاعْتِراضُ على جَميعِها،وأَرى أَنَّ أقْرَبَ هذه الآراءِ قُبُولاً هو ما اخْتارَه ابنُ الباذِش وهو رَأيُ الجُمْهورِ.
العامل في المضاف إليه
للنُّحَاةِ في عَامِلِ الجَرِّ في المُضَافِ إليه ثلاثَةُ آراءٍ، هي:
١ المضافُ.
٢ الإضافَةُ.
٣ الحَرفُ.
أمّا الأوَّلُ فهو مَذْهَبُ سِيْبَوَيْه (١) ، ولِهذا الرَّأيِ تَوْجِيهان،أَحَدُهُما أَنَّ العَامِلَ هو الاسْمُ المُضَافُ بنَفْسِه، وهو مَا أَخَذَ به الرَّضيُّ (٢) ، والثاني أنَّ العَامِلَ هو الاسْمُ المُضَافُ بِواسِطَةِ نِيابَتِه عَنْ حَرْفِ الجَرِّ المُقَدَّرِ، وهو مِا ذَهَبَ إليه أبو الحَسَن بنُ الباذِش الغرناطيُّ حَيْثُ نُسِبَ إليه أَنَّ العَامِلَ في المُضَافِ إليه حَرْفٌ مُقَدَّرٌ نَابَ عَنْه المُضَافُ (٣) .
ويُفْتَرَضُ هنا أَنْ يَدُلَّ المُضَافُ عَلى الحَرْفِ المُقَدَّرِ حَتّى يَنُوبَ عَنْه، فلا يُمْكِنُ للاسْمِ أنْ يَنُوبَ عَنْ الحَرْفِ العَامِلِ إلاّ إذا تَضَمَّنَ هذا الاسْمُ مَعْنى الحَرْفِ وهو الإضَافَةُ، والذي أراه أنَّ المُضَافَ لا يَدُلُّ عَلى الحَرْفِ المُقَدَّرِ، فمَعْنى اللامِ أو (مِنْ) لمْ يَحْدُثْ مِنْ المُضَافِ، وإنَّما مِنْ النِّسْبَةِ المَوْجُودَةِ بينَ المُضَافِ والمُضافِ إليه.
стр. 5516
واحْتَجَّ الإمامُ يَحْيى بنُ حَمْزَةَ لهذا الرأي فقال (١) : " والحَقُّ عندَنا في هذه المَسْألَةِ أَنَّ العَامِلَ في المُضَافِ إليه ليسَ الحَرْفُ نفْسُه،ولا الاسْمُ نَفْسُه؛لأنّه يَلزَمُ مَا ذَكَرُوه، وإنّما العَمَلُ يَكُونُ للاسْمِ بِواسِطَةِ نِيَابَتِه عَنْ الحَرْفِ، فعَلى هذا لا يَلْزَمُ إعْمَالُ الاسْمِ؛لأنّه ليسَ عَامِلاً بنَفْسِه، ولا يَلزَمُ عَليه إعْمَالُ الحَرْفِ وهو مُضْمَرٌ،فإنَّ الاسْمَ قد نَابَ عَنْه، ولا يَلزَمُ عليه أنْ يَكُونَ العَامِلُ مَعْنَويّاً؛ فإنَّ الاسْمَ ها هنا لَفْظِيٌّ،فهذا هو الذي يَجْمَعُ المَذاهِبَ ولا يَلزَمُ منه فَسادٌ ".
أمّا الرأيُ الثاني فهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ (٢) والسُّهَيْليِّ (٣) وأبي حيَّانَ (٤) ، واحْتَجُّوا لِهذا الرَّأيِ بأنَّ النِّسْبَةَ المَوْجُودَةَ بَينَ المُضَافِ والمُضَافِ إليه هي المُعَرِّفَةُ للمُضَافِ، فهو لا يَقومُ بعَمَلِ التَّعْريفِ كَمَا أَنَّ الحَرْفَ المُقَدَّرَ لا يَقومُ بذلك (٥) .
وأمّا الرأيُ الثالثُ فهو مَذْهَبُ الزَّجَّاجِ (٦) ،واخْتَلفُوا في العِبارَةِ، فقيلَ: حَرْفٌ مُقَدَّرٌ، وحَرْفٌ مَنْوِيٌّ، وحَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإضَافَةِ، ومَعْنى الحَرْفِ،ووَجْهُ هذا الرأيِ هو المَعْنى، فلا يَخْلو في كُلِّ إِضَافَةٍ حَقيقِيَّةٍ مِنْ تَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مُناسِبٍ، والمَعْروفُ عندَ النُّحَاةِ أنّه يُقَدَّرُ أحَدُ ثلاثةِ حُروفٍ، هي: اللامُ و (مِنْ) و (في) (٧) .
стр. 5517
والذي يَراهُ البَاحِثُ أنَّ وَظيفَةَ المُضَافِ إليهِ هي تَحْديدُ وتَخْصيصُ الاسْمِ الذي قَبْلَه،كَمَا أنَّ بينَ الاسْمَينِ علاقَةً تَلازُمِيَّةً بحَيثُ يَرْتَبِطُ المُضَافُ إليه بالمُضافِ مِنْ حَيْثُ المَعْنى، فلا يُفْهَمُ مِنْ وُجُودِ المُضَافِ إليه شيئاً إلاّ بارتِبَاطِه مَعْ الاسْمِ الذي خَصَّصَه، وهذا يَدْفَعُني إلى تَرْجيحِ رَأيِ الأخْفَشِ، فالعَامِلُ فيه هو الإضافَةُ، وهو المَعْنى المُسْتَفادُ مِنْ النِّسْبَةِ بينَ المُضَافِ والمُضَاف إليه.
العامل في (بَيْنَا) و (إذْ) الفجائية
ذَهَبَ سِيْبَوَيْه إِلى أَنَّ (إذْ) في قَوْلِكَ: (بَيْنا زَيْدٌ قَائِمٌ إذْ جَاءَ عَمْرو) و (بَيْنَمَا زَيْدٌ قَائِمٌ إذْ جَاءَ عَمْروٌ) للمُفَاجَأَةِ (١) ، واخْتَلَفَ النُّحَاةُ في (إِذْ) ، فرَأى ابنُ جِنِّي أنَّها ظَرْفِيَّةٌ زَمَانِيَّةٌ (٢) ، ونَسَبَ الرَّضيُّ هذا الرأيَ للزَّجَّاجِ (٣) ، وأَخَذَ ابنُ الباذِش الغَرناطيُّ بِهِ (٤) .
وهناك تَأْويلاتٌ عِدَّةٌ للجُمْلَةِ، فَقَدَّروها: جَاءَ عَمْروٌ في زَمَنِ بَيْنَ أَوْقاتِ قِيامِي (٥) ،وعَلى هذا التَّقْديرِ تَكُونُ الجُمْلَةُ فِعْلِيَّةً، والعَامِلُ في (إِذْ) هو الفِعْلُ الذي يَليها، أمّا العَامِلُ في (بَيْنَ) فَفِعْلٌ يُفَسِّرُه الفِعْلُ المَذْكُورُ، وهذا هو رَأيُ ابنُ جِنِّي وابنِ الباذِش (٦) .
стр. 5518
وقَدَّروا الجُمْلَةَ أَيْضاً: وَقْتُ مَجيءِ عَمْروٍ حَاصِلٌ بَيْنَ أَوْقاتِ قِيامِي،أو بَيْنَ أَوْقاتِ قِيامِي مَجيءُ زَيْدٍ، وعَلى هذا التَّقْديرِ تَكُونُ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً، والعَامِلُ في (إِذْ) و (بَيْنا) هو الابْتِداءُ (١) .
ويَذْهَبُ أبو عليٍّ الشلوبين إلى أَنَّ العَامِلَ في (بَيْنا) ما يُفْهَمُ مِنْ مَعْنى الكَلامِ، و (إِذْ) بَدَلٌ مِنْ (بَيْنَ) (٢) ، والتَّقديرُ:حِينَ زَيْدٌ قَائِمٌ حِينَ جَاءَ عَمْروٌ (٣) ، فلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ العَامِلُ في (إِذْ) هو الفِعْلُ عِندَ الشلوبين.
وفي العَامِلِ في (إِذْ) و (بَيْنا) آراءٌ أُخْرى لا تَخْرُجُ عَمَّا ذَكَرْتُه (٤) ، كَمَا أَنَّ في (إِذْ) آراءٌ أخْرى، فمِنْهُم مَنْ يَرى أَنَّها للظرفِيَّةِ المَكَانِيَّةِ كالمُبَرِّدِ (٥) ،ومِنْهُم مَنْ يَرى أَنَّها حَرْفُ مُفاجَأَةٍ، وهو رأيُ ابنِ برّي (٦) ،ويَرى بَعْضُهم أنّها زائِدَةٌ (٧) .
стр. 5519
والحَقُّ الذي أَرَاهُ أَنَّ هذه التَأويلاتِ لا تَدُلُّ عَلى وَاقِعِ المَعْنى، وَلا تَخْدمُه، فجُمْلَةُ (بَيْنَما زَيْدٌ قَائِمٌ إِذْ جَاءَ عَمْرو) لا يُعَادِلُها في المَعْنى تَأويلُ ابنُ جِنِّي وابنُ الباذِشِ الغَرْناطيِّ الذي هو (جَاءَ عَمْروٌ في زَمَنِ أَوْقاتِ قِيامِي) ،ولا يُعَادِلُها أَيْضاً تَقْديرُ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ: (وَقْتُ مَجيءِ عَمْرٍو حَاصِلٌ بَيْنَ أَوْقاتِ قِيامِي) ، ولا تَقْديرُ الشلوبين: (حِينَ زَيْدٌ قائِمٌ حِينَ جَاءَ عَمْروٌ) ،وأَرى أَنَّ الجُمْلَةَ لا تَحْتاجُ لِكُلِّ هذه التَّأويلاتِ، فالمَعْنى: (جَاءَ عَمْروٌ بَيْنَما زَيْدٌ قائِمٌ) فالجُمْلَةُ فِعْلِيَّةٌ، كَمَا أَرَى أَنَّ الزَّمَانَ الذي رَآهُ ابنُ جِنّي وابنُ الباذِشِ الغَرْناطِيِّ في (إِذْ) الفُجَائِيَّةِ يُفْهَمُ مِنْ (بَيْنَما) والتي هي في هذا المَوْضِعِ تَدُلُّ عَلى الزَّمَانِ،أَمَّا (إِذْ) الفُجَائِيَّةُ فرَأيُ المُبَرِّدِ فيها هو الصَّحيحُ،فالمُفَاجَأَةُ تَكونُ في المَكَان -غالباً- لا في الزّمَانِ، سَواءٌ كَانَتْ في (إِذْ) أو (إِذا) ، فالمَعْنى إذَنْ هو: في الوَقْتِ الذي كَانَ فيه زَيْدٌ قائِمٌ فاجَأَهُ مَجيءُ عَمْروٍ في المَكَانِ المَوْجودِ فيه،وهذا الرَّأيُ مَوْجُودٌ في (إذا) الفُجَائِيَّةِ عِنْدَ كَثيرٍ مِنْ النُّحَاةِ، مِنْهُم الخَوارِزمِيُّ، فهو يَرى أَنَّها مَكَانِيَّةٌ، والتقديرُ عِنْدَه: خَرَجْتُ فبِالحَضْرَةِ السَّبْعُ (١) .
ثالثاً:العلَّة النحوية في بعض المسائل
علّة بناء (ما) ونحوها
стр. 5520
من المعروفِ عندَ النُّحَاة أنَّ علّةَ بناءِ (مَنْ) و (ما) ونَحْوِهِما مشابهةُ الحرفِ (١) ، وقد جَزَمَ بِذلكَ ابنُ مالك (٢) ، أمّا ابنُ الباذِش فيَرى أنّ (ما) كبعضِ الاسمِ، وبعضُ الاسمِ مبنيٌّ؛ لأنّ الإعرابَ لا يكونُ إلاّ في أواخِرِ الأسماءِ، ولكون (ما) بعضَ الاسمِ أو جزءاً منه وَجَبَ بِناؤُها (٣) .
وهذه العلةُ التي ذكرَها ابنُ الباذِش أشارَ إليها غيرُه من النُّحَاة، قال الوَرّاقُ في الحديثِ عن (ما) (٤) :" وفي الخبرِ بمنزلةِ (الذي) فقد صارت كبَعْضِ اسمٍ، فوجَبَ بناؤها في جميعِ المَواضعِ ".
علة امتناع نعت المَعْرِفَة بالنَّكِرَة والنَّكِرَة بالمَعْرِفَة
يَرى ابنُ الباذِش أنَّ سببَ امتناعِ نعتِ النَّكِرَة بالمَعْرِفَة هو أنَّ من حَقِّ المَعْرِفَة التقديمَ على النَّكِرَةِ، وحَقُّ النَّعْتِ التَّأخُّرُ عن المنعوتِ فهُما مُتَدافِعان، أمّا امتناعُ نَعْتِ المَعْرِفَةِ بالنَّكِرَةِ فلأنّ نعتَ المَعْرِفَةِ لإزالةِ التَّنْكيرِ العارضِ فيها، والنَّكِرَةُ يلزَمُها التَّنْكيرُ، فلا تُزيلُ النَّكِرَةُ عن غيرِها ما لا يجوزُ أنْ يزولَ عنها (٥) .
والظاهِرُ أنَّ ابنَ الباذِشِ تابَعَ الرّبعيّ في هذه العلَّة، وقد نقلَ ابنُ برهان كَلامَ الربعي فقالَ (٦) : " وقال علي بن عيسى:لا تُوصَفُ المَعْرِفَةُ إلا بمَعْرِفَةٍ؛ لأنَّ صِفَةَ المَعْرِفَةِ لإزالةِ الاشْتِراكِ العَارِضِ عَلى المَعْرِفَةِ، والنَّكِرَةُ لا تُزيلُ الاشْتِراكَ العَارِضَ. وحُكْمُ النَّكِرَةِ ألاّ توصَفَ إلاّ بِنَكِرَةٍ لأنَّ المَعْرِفَةَ أَحَقُّ بالتقديمِ".
стр. 5521
أمّا الجَرْمِي فيَرَى أَنَّ المَعْرِفةَ وُصِفَتْ بالمَعْرِفةِ، والنَّكِرَةُ وُصِفتْ بالنَّكِرَةِ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما جِنْسٌ على حِيالِهِ (١) ،وهذا مَا أخَذَ بهِ الفارِسِيُّ في الإيضاحِ والمَسائِلِ المَنْثورَةِ (٢) ، قالَ في المَسَائِلِ المَنثورةِ (٣) : " وإنَّما امْتَنَعَ ذلكَ لأنَّ الوَصْفَ هو المَوْصُوفُ في الحَقيقةِ، ولَمَّا كَانَتْ النكرةُ تَقَعُ عَلى أشْخَاصٍ كَثيرَةٍ، فتدُلُّ على جنسٍ، وهو قولكَ: (مَا جَاءَني أَحَدٌ) و (مَا رَأيتُ أحَداً) ، فلو وَصَفْناه بمَعْرِفَةٍ لكُنّا قد جَعَلنا الذي هو جَمْعٌ واحِداً، وكَذلكَ لو وَصَفنا المَعْرِفَةَ بالنَّكِرَةِ لكُنّا قد جَعَلنا مَا هو واحِدٌ جَمْعاً، وهذا مُتَناقِضٌ"،وسَار على هذا النهجِ في التَّعْليلِ كَثيرٌ مِنْ النحاةِ (٤) .
ورَدَّ ابنُ خَروف هذا التَعْلِيلَ بأنّه يَلزَمُهُم ألاّ يُبْدَلَ أَحَدُهُما مِنْ الآخَرِ بَدَلَ الشيءِ مِنْ الشَّيءِ وهما لشيءٍ واحِدٍ؛ مِنْ حيثُ لا يَكُونُ الواحِدُ جَمْعاً،ولا فَرْقَ في هذا بينَ النَّعْتِ والبدَلِ (٥) .
أَمَّا إِذا أَرَدْنا أَنْ نَذْهَبَ إلى الأصولِ فهي تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ بَعْضِ مَا ذَهَبَ إليه الرّبْعي وابنُ الباذِش،فالأصولُ النَّحْويَّةُ تقولُ: إنّ الأصْلَ في المَعَارِفِ ألاّ تُوصَفَ مُطلقاً؛ لأنَّها مَوْضُوعَةٌ عَلى التَّخْصيصِ،لكنَّ طَبيعَةَ وَضْعِها ككَلِمَةٍ مَوْصُوفَةٍ جَعَلها تَحْتَاجُ إلى الصِّفَةِ،وهذه الطَّبيعَةُ هي أَنَّ هذِه المَعْرِفَةَ المُخَصَّصَةَ صَارَتْ تَحْتَاجُ إلى تَخْصِيصٍ جديدٍ،فأَشْبَهَتْ النَّكرةَ مِنْ هذا الوَجْه، فوُصِفَتْ بمَعْرِفةٍ، والأصْلُ في النَّكِرَةِ أَنْ تُوصَفَ لِكَونِها غيرَ مُخَصّصةٍ،والمَقصودُ مِنْ هذا الكَلامِ أَنَّ المَعْرِفةَ لا تُوصَفُ إلا لإزالةِ عَارِضٍ أَثَّرَ على تَخْصِيصِها السابقِ،أو تَنْعَتُها ثانياً وثالثاً لِتُؤكِّدَ تَخْصيصها، والنَّكِرةُ لا تُزيلُ العَارِضَ المَوجودَ، فلمْ تَنْعَتْ بها المَعْرِفَةَ، فقولك: (زيدٌ المُجتهدُ غائبٌ) مَيّزْتَ بالمُجتهدِ زيداً عن غيرِه من الزُّيودِ، فأَزَلْتَ الاشْتِراكَ،وإذا أَخَذْنا برَأْيِ الفارِسِيِّ وهو أنَّ المَوْصوفَ هو الصِّفَةُ في المَعْنى لقلنا: إنّ زيدأ هو المُجتهدُ،والمُجْتهدُ هو زيدٌ،وهذا غيرُ دقيقٍ،ويَرِدُ عليه بالإضَافَةِ إلى رَدّ ابنِ خَروفٍ أنّه لو كَانَ كَذلكَ لَمَا كانَ مِنْ الصِّفَةِ فائِدَةٌ، فهما واحدٌ،ولَمَا حَدَثَ تَبيينٌ وتَخْصيصٌ، وقد تحدث النحاة كثيرأ عن الخصوص والعموم بين النعت والمنعوت،فالأصل في "النعت أن يكون تعرِيفُهُ أنقصَ تعريفاً مِنْ المنعوت، ولا يجوز أن تنعت الاسم بالأخصّ " (١) ولِهذا كُلّه أَرى أَنَّ مَا ذَهَبَ إليه الرّبْعيُ وابنُ الباذِشِ صواباً، وهو رَأيُ جُمْلةٍ مِنْ النُّحَاةِ، مِنْهُم الوَرّاقُ (٢) وابنُ خَروفٍ (٣) والقَوّاسُ (٤)
стр. 5524
العلة الرافعة للاسم
استعملَ النُّحَاة للدَّلالَةِ على عَمَلِ الفِعْل في الفاعلِ عباراتٍ عِدَّةً، فابنُ السَّرّاجِ يَسْتعملُ مُصْطلحَ (البناءِ) ،ويَرى أنَّ الفاعِلَ مَبْنيٌّ على الفِعْل، وأنّ هذا البناءَ هو العلَّةُ الرافِعَةُ للفاعِلِ،ويُوَضِّحُ ابنُ السَّرّاجِ مُرَادَه بهذه العِلَّةِ فيَقولُ (١) : " ومَعْنى قَوْلي: بَنَيْتُه على الفِعْل الذي بُنِي للفاعِلِ، أيْ: ذَكَرْتُ الفِعْل قبلَ الاسمِ؛ لأنّك لو أتيتَ بالفِعْل بعدَ الاسمِ لارتفَعَ الاسمُ بالابتداء " فظاهرُ عبارَتِهِ يَدُلُّ على أنّ الرفعَ في الفاعِلِ حَصَلَ من الفِعْل لكَوْنِه قد أتى بعده، ويَدُلُّ كلامُه عَلى أنّه ليسَ للمَعْنى دورٌ في الرَّفْعِ، فالبناءُ عندَه تركيبُ ألفاظٍ مُرَتَّبَةٍ بطريقةٍ مُعيَّنةٍ، فإذا انتَقَضَ هذا الترتيبُ بَطُلَ الرفعُ بعِلَّةِ البناءِ، فالعلّةُ في رفعِ الاسمِ في: (حَضَرَ مُحَمَّد) ليست هي العلّةَ في رفعِ الاسمِ في: (مُحَمَّد حَضَرَ) ،وهذا الرأيُ على خِلاف ما يَقْتَضيه المَعْنى.
واستعملَ الفَارِسِيّ وغيرُه مُصْطلحَ (الإسنادِ) ، فالفاعِلُ مرفوعٌ لكون الفِعْل مسنداً إليه، قال (٢) : " وصِفَتُه أنْ يُسْنَدَ الفِعْل إليه مُقدّماً عليه، ومثاله: (جَرَى الفرسُ) و (غَنِمَ الجيشُ) و (يَطيبُ الخَبَرُ) و (يَخْرُجُ عبدُ الله) وبهذا المَعْنى الذي ذَكَرْتُ ارتَفَعَ الفاعِلُ لا بأنّه أحْدثَ شيئاً على الحقيقةِ "، والظاهرُ أنّ مُصطلحَ البناءِ كَما استعمَله ابنُ السَّرّاجِ يَخْتَلِفُ عن مُصْطَلحِ الإسنادِ عندَ الفَارِسِيّ،فالترتيبُ عندَ ابنِ السَّرّاجِ يَتَعَلّقُ بعمليةِ البناءِ،بينما قد يَكونُ الإسنادُ صحيحاً من غيرِ ترتيبٍ،وإنّما يَكونُ التَّقديمُ شرطاً في عَمَلِ الفِعْل في الفاعِلِ.
стр. 5525
ويَرفُضُ ابنُ الباذِش هذين التَّفْسيرين لِعَمَلِ الفِعْل في الفاعِلِ، فهو يَرى أنّ استِحْقاقَ الفاعِلِ للرَّفْعِ بسبَبِ تَفَرُّغِ الفِعْل له، وأنَّ المَعْنى الذي يَنْتَصِبُ به المَفْعُول هو اشتغالُ الفِعْل عنه بالفاعِلِ قبلَ وُصولِه إليه، قال (١) :" فبِالتَّفرُّغِ والاشتِغالِ يكونُ الرفعُ والنصبُ لجَميعِ الأفعالِ لا بإسْنادِ الفِعْل لِما يَعْمل فيه ولا بِبِنائِه له ولا لأنّه وَقَعَ مَوْقِعَ الفِعْل من الاسم أو رُفِعَ به " وعَزا هذا الرأي إلى الخليل وسِيْبَوَيْه، قال (٢) : "هذا مذهبُ الخَليلِ وسِيْبَوَيْه ".
والظاهرُ أنَّ مُصْطلحَ التفرُّغِ والاشتِغالِ يَرْتَبِطُ بالمَعْنى أكْثَرَ من ارتِباطِه بتَركيبِ الألفاظِ وتَرتيبِها،فابنُ الباذِش يرى أنّ تَقَدّمَ المَفْعُول على الفاعِلِ لا يُخْرِجُ الفِعْل عن أن يكونَ مُفرّغاً للفاعِلِ، فالتَقدّمُ لفظيٌّ، والأصلُ تقديمُ الفاعِلِ وتَأخيرُ المَفْعُول.
ويَسْتَدلُّ ابنُ الباذِش على ذلك برَفعِ الاسمِ ونَصْبِه في بابِ ما لم يُسَمّ فاعلُه نحو: (أُعْطِي مُحَمَّد ثوباً) ،فكلاهما مَبْنيٌّ له الفِعْل، كما اسْتدَلَّ في باب كانَ وأخواتِها،فالمَرْفوعُ والمَنصوبُ في قولك: (كانَ زيدٌ مجتهداً) لم يَتَعَلقا بالفِعْل من خلال عَمَليَّةِ الإسنادِ أو البناءِ، فالإسنادُ موجودٌ بينَ الاسمين (اسم كان وخبرها) وليس بينَ الاسمِ والفِعْل،لكنَّ تفرّغَ الفِعْل لهذا الاسمِ هو الذي رَفَعَه كما أنَّ اشتِغالَ الفِعْل بهذا المَرْفوعِ أدّى إلى نَصْبِ المَفْعُول (٣) .
стр. 5526
ويَرى ابنُ الباذِش أنّ مَنْ قالَ: إنَّ العِلَّةَ الرَّافِعَةَ لذلك بناءُ الفِعْلِ للاسمِ ليسَ بمصيبٍ، قالَ (١) : "لأنّا إذا قلنا: (أُعْطِيَ زيدٌ درهماً) فإنّ هذا البناءَ صالِحٌ لكُلِّ واحِدٍ من الاسْمَيْن، فإذا كانَ الأمرُ كذلك فالفِعْلُ في ذلك مَبْنيٌّ للدِّرْهَمِ،وهو لم يَرْفَعْه، فدَلَّ ذلك على أنّ بِناءَ الفِعْلِ للاسمِ ليسَ رافِعاً له، وإنّما الرّافِعُ له الاشتِغالُ والتَّفْريغُ لا البناءُ ".
ورَدَّ الشَّلوبين رأيَ أبي الحَسَنِ بنِ الباذِش فقالَ (٢) : "ولكنَّ هذا الذي قالَه أبو الحَسَن ليسَ بصَحيحٍ؛ لأنّه ليسَ صَلاحِيَّةُ الاسمِ أنْ يكونَ الفِعْلُ مَبْنِياً له هو بناءُ الفِعْلِ له، بل بناءُ الفِعْلِ للاسمِ أمرٌ آخَرُ غيرُ صَلاحِيَّتِه لأنْ يُبْنى الفِعْلُ له، فإذا قلنا: (أُعْطِي زيدٌ دِرْهَماً) وإنْ كانَ كلُّ واحِدٍ من الاسْمَين صالِحاً أنْ يُبْنى له (أُعْطِي) فإنّه لم يُبْنَ مِنْهُما إلا لِزيدٍ، والدَّرْهَمُ داخِلٌ في حَديثِه كَما أنّا إذا قلنا: (أُعْطِي زيداً دِرْهَمٌ) فإنّه لم يُبْنَ مِنْهُما إلاّ للدَّرْهَمِ،وزيدٌ داخَلٌ في حَديثِه، فبَطُلَ بذلك قولُه: إنَّ الفِعْلَ مَبْنيٌّ لكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما، ولم يَرْفَعْ إلاّ أحَدَهُما، وإنّما غَلطُه في ذلك صَلاحِيَّةُ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُما لِبناءِ الفِعْلِ له ".
стр. 5527
وأرى أنّ جَميعَ هذه المُصْطَلحاتِ مِنْ مُصْطَلَحاتِ سِيْبَوَيْه إلاّ أنّ عَدَمَ تَحْديدِ سِيْبَوَيْه لِماهِيَّتِها سَبَّبَ هذا الخِلافَ بينَ النُّحَاة، أمّا مُصْطَلحا الإسْنادِ والبِناءِ فذَكَرَهُما في أوَّلِ كِتابِهِ، قالَ في بابِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليه (١) : " وهُما ما لا يُغْني واحِدٌ مِنْهما عن الآخَرِ، ولا يَجِدُ المُتَكَلِّمُ منه بُدّاً، فمَنْ ذلك الاسْمُ المُبْتَدأ والمَبْنِيُ عليه وهو قولك: (عبدُاللهِ أخوكَ) و (هذا أَخوكَ) ، ومثلُ ذلك: (يَذْهَبُ عبدُالله) ،فلا بُدَّ للفِعْل من الاسْمِ كَما لم يَكُن للاسْمِ الأوَّلِ بُدٌّ مِن الآخَرِ في الابْتِداءِ ".
فالمُلاحَظُ في نَصِّهِ أَنَّ الإسْنادَ والبناءَ بمَعْنىً واحِدٍ، ويَقْصِدُ بهِما ارْتِباطُ اسْمٍ بآخَرَ أو كَلِمَةٍ بأُخْرى، ولا يَسْتَغْني أَحَدُهُما عن الآخَرِ، وهذا يَنْطبِقُ على المُبْتَدأ والخبَرِ، والفِعْلِ والفاعِلِ ٠
أَمّا ما فَهِمَهُ ابنُ الباذِش فهو ما جاءَ في قولِ سِيْبَوَيْه (٢) : "هذا بابُ الفاعِلِ الذي لم يَتَعَدَّهُ فِعْلُهُ إلى مَفْعُولٍ، والمَفْعُولِ الذي لم يَتَعَدَّ إليه فِعْلُ فاعِلٍ،ولم يَتَعَدَّه فِعْلُهُ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ، والفاعِلُ والمَفْعُولُ في هذا سواءٌ، يَرْتَفِعُ المَفْعُولُ كَما يَرْتَفِعُ الفاعِلُ؛ لأنّك لم تُشْغِلْ الفِعْلَ بغَيْره، وفَرَّغْتَهُ له كَما فَعَلتَ ذلك بالفاعِلِ "،فالفاعِلُ ونائِبُهُ رُفِعا لأنّك قد فَرَّغْتَ الفِعْلَ لهُما، ونُصِبَ المَفْعُول لأنّك قد شَغَلتَ الفِعْلَ بالفاعِلِ.
стр. 5528
والمُلاحَظُ أَنَّ هناك كَثيراً مِن العُلماءِ يُفَرِّقونَ بينَ هذه المُصْطَلَحاتِ،ويَرَونَ أنّ لِكُلِّ مُصْطلحٍ مَعْنىً خاصاً به واسْتِعْمالاً مُحَدَّدا يَخْتَلِفُ عن غيرِه مِن المُصْطلحاتِ، وهناك مَنْ لم يُفَرِّقْ بَيْنَها، ومِنْهُم ابنُ أبي الرَّبيعِ فقد صَرَّحَ في البَسيطِ أنّ هذه الألفاظَ مُتَرادِفَةٌ، قالَ (١) : "فما ذَكَرْتُه مِن الإسْنادِ إليه وتَفْريغِ الفِعْلِ له وبِناءِ الفِعْلِ للإسنادِ إليه،وهذه الألفاظُ كُلُّها مُتَرادِفَةٌ لمَعْنىً واحِدٍ، وقد أتَى بِها سِيْبَوَيْه في مَواضِعَ فدَلَّ ذلك على أنّها على مَعْنىً واحِدٍ ".
وأَرى أَنَّ خِلافَ ابنِ الباذِش مَعْ غيرِهِ مِنْ النُّحَاة في هذه المَسْأَلَةِ مَرَدُّهُ إلى عبارَةِ سِيْبَوَيْه المُبْهَمَةِ، فقد ذَكَرَ سِيْبَوَيْه المُصْطلحاتِ الثلاثَةِ ولم يُحَدِّدْ مَعْنى أَيٍّ منها،ولم يَعْتَمِدْ مَفْهوماً أو مُصْطلحاً واحِداً، وهذا التَّنَوُّعُ في الاصْطِلاحِ أو التعبيرُ المُبْهَمُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبابِ الخِلافِ، وهذا ما سَنَراهُ في جُمْلَةٍ مِنْ المَسَائِلِ ٠
علة منع عمل اسم الفاعل مصغّراً
في إِعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ مُصَغَّراً أو مَوْصُوفاً خِلافٌ بَيْنَ البَصْريِّين والكُوفيِّين، فالبَصْريُّون والفَرّاءُ يَمْنَعونَ إِعْمالَهُ مُصَغَّراً أو مَوْصُوفاً،ويُجِيزُ ذلك الكِسائيُّ وجُمْهورُ الكُوفيِّين، ووافَقَهُم في إِعْمالِه النَّحَّاسُ (٢) .
ونَسَبَ الأزْهَريُّ إلى ابنِ الباذِش أَنَّ عِلَّةَ المَنْعِ كونُ التَّصْغِيرِ وَصْفاً في المَعْنى، فمَنَعُوه مِنْ العَمَلِ كَما مَنَعوا إِعْمالَه مَوْصُوفاً (٣) .
стр. 5529
والحَقُّ أنَّ هذه العِلَّةَ لمَنْ سَبَقَهُ مِنْ النُّحَاة ولَيْسَت له، قال الفَارِسِيّ في التَّكْمِلةِ (١) : " تَصْغيرُ الاسْمِ بمَنْزِلةِ وَصْفِهِ بالصِّغَرِ، فقَوْلُنا: (حُجَيرٌ) كقولنا: (حَجَرٌ صَغيرٌ) ، ويَدُلُّ على ذلك أَنَّ مَنْ أَعْمَلَ اسْمَ الفاعِلِ نَحْوَ: (هذا ضَارِبٌ زَيداً) إذا صُغِّرَ فقال: (ضُوَيْرِبٌ) لم يَسْتَحْسِنْ إِعْمالَهُ في المَفْعُولِ بِهِ كَما لا يَسْتَحْسِنُ إذا وَصَفَه فقال: هذا ضَارِبٌ ظَريفٌ زَيداً "،فالواضِحُ مِنْ هذا النَّصِّ أَنَّ الوَصْفِيّةَ عِلَّةٌ للمَنْعِ عندَ الفَارِسِيّ.
ويَبْدو لي أنَّ هذا اخْتِيارٌ لابنِ الباذِش، وليسَ رأياً له، وهو اخْتِيارُ جُمْهورِ البَصْرِيِّين في التَّعْليلِ لمَنْعِ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ مُصَغَّراً أو مَوْصُوفاً (٢) .
أمّا العِلَّةُ الثانِيَةُ وهي عِلَّةُ مَنْعِ المَوْصُوفِ أو الصِّفَةِ عن العَمَلِ فيَرى النُّحَاة أنّ الأسْماءَ العامِلةَ إذا وُصِفَت انْعَزَلت عن العَمَلِ؛ وذلك لبُعْدِها عَنْ مُشابَهَةِ الفِعْلِ (٣) ،قال الرضي (٤) : "إنّما لم يُصَغَّرْ الاسمُ العامِلُ عَمَلَ الفِعْلِ لغَلبَةِ شَبَهِ الفِعْلِ عليه، إذن فكَما لا يُصَغَّرُ الفِعْلُ لا يُصَغَّرُ مُشْبِهُهُ ".
علّة مجيء (أي) الموصولة بعد المستقبل
стр. 5530
ذَكَرَ الكِسائِيُّ أنَّ (أَيَّ) المَوْصُولَةَ لا يَجُوزُ أنْ يَكونَ عَامِلُها إلاّ مُسْتقبلاً، وقد جَرَت بَيْنَ الكِسائِيِّ ومَروانَ بنِ سَعيدٍ المُهَلَّبيِّ مُنَازَعَةً في هذه المَسْأَلَةِ (١) ،وفيها قالَ مَروانُ للكِسائِيِّ: فَكَيْفَ تَقولُ: (ضَرَبْتُ أيَّهُم في الدارِ) ؟ قالَ: لا يَجُوزُ، قال: لِمَ؟ قالَ: (أَيُّ) كَذا خُلِقَتْ. فلم يَذْكُرْ الكِسائِيُّ عَلَّةً لِوُجُوبِ كَوْنِ عامِلِ (أَيّ) مُسْتقبلاً.
وتَابَعَ رَأيَ الكِسائِيِّ أَبُو الحَسَنِ بنِ الباذِش حَيْثُ ذَهَبَ إلى أَنَّه لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أَيُّ) هذه أَبَداً مَعْ الماضي،وإِنَّما تَكونُ بَعْدَ المُسْتَقبَلِ، وزادَ ابنُ الباذِش على ذلك بأنْ ذَكَرَ عِلَّةَ مَجيئِها بَعْدَ المُسْتَقبَلِ فقالَ (٢) : " (أَيُّ) مَوْضُوعَةٌ للإبْهامِ، والإبْهامُ لايَتَحَقَّقُ إلاّ في المُسْتَقْبَلِ الذي لا يُدْرى مَقْطَعُه ولا مَبْدَؤُه بِخِلافِ الماضي والحالِ فإِنَّهُما مَحْصُوران، فلمّا كانَ الإبْهامُ في المُسْتَقْبَلِ أَكْثَرَ مِنْه في غَيْرِه اسْتُعْمِلت مَعَه (أَيُّ) المَوْضُوعَةُ على الإبْهامِ ".
ورَدَّ الشلوبين هذه العِلَّةَ بأنْ قالَ (٣) : " وهذا لا مَعْنى له "، كَما رَدَّها الرَّضيُّ بقوله (٤) : " ولَيْسَ بشَيءٍ؛ لاخْتِلافِ الإبْهامَيْن ولا تَعَلُّقَ لأحَدِهِما بالآخر " والمَقْصُود بالإبْهامَيْن الإبْهامُ المَوجودُ في (أَيِّ) والإبْهامُ المَوجودُ في المُسْتَقبَلِ.
رابعاً:توجيهات قرآنية
توجيه قوله تعالى: (ولا يَحْسَبَنَّ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلي لَهُم ( ﴿آل عمران ١٧٨﴾
стр. 5531
في هذِه الآيَةِ قِرَاءاتٌ عِدَّةٌ، واضْطَرَبَتْ أقوالُ النُّحَاةِ في تَوْجِيهِ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وأَنْكَرَ قِرَاءَتَهُ جَمْهَرَةٌ مِنْ النُّحَاةِ حَتّى عَدَّها أبو حَاتِم لحْناً (١) ، قالَ النَّحَّاسُ (٢) : " وتَابَعَه عَلى ذلكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ ".
أَمَّا قِرَاءَتُه فهي: "ولا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُوا " بالخِطَابِ وفَتْحِ البَاءِ والسِّين (٣) ، قالَ الأزْهَرِيُّ (٤) : " ومَنْ قَرَأ (ولا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُوا (لمْ يَجُزْ عِنْدَ البَصْرِيِّين إلاّ كَسْرَ أَلِفِ (إِنَّ) المَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُوا إمْلاؤُنا خَيْرٌ لَهُم، ودَخَلَتْ (إِنَّ) مُؤَكّدةً، وإذا فَتَحْتَ صَارَ المَعْنَى:ولا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَروا إِمْلاءَنا ".
هذا هو رَأيُ البَصْرِيِّين، فهُم لا يُجِيزُونَ في قِرَاءَةِ حَمْزَةَ إلا كَسْرَ هَمْزَةِ (إَنَّ) ، قالَ الفَارِسِيّ (٥) : " قَوْلُه (الَّذينَ كَفَرُوا) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بأَنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ،والمَفْعُولُ الثانِي في هذا البابِ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ في المَعْنى، فلا يَجُوزُ فَتْحِ (إِنَّ) ".
стр. 5532
وذَهَبَ كَثيرٌ مِنْ النُّحَاةِ إلى جَوازِ فَتْحِ (أَنَّ) ،ومِنْهُم ابنُ الباذِش (١) ،فهو يَرى أَنَّ قَوْلَهُ (أَنَّمَا نُمْلِي لَهُم خَيْرٌ لأنْفُسِهِم) بَدَلٌ مِنْ (الَّذينَ) ،والمَفْعُولُ الثانِي عِنْدَه مَحْذُوفٌ،قالَ (٢) : "ويَكُونُ المَفْعُولُ الثانِي حُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَليه، ويَكُونُ التَّقْديرُ: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ كَفَروا خَيْرِيَّةُ إِمْلائِنا لَهُم كَائِنَةٌ أو واقِعَةٌ ".
وقد رُدَّ هذا الرَّأيُ بأَنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ الثانِي في هذِه الأفْعَالِ لا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدً، قالَ السَّمينُ (٣) : " وهذا الرَّدُّ ليسَ بِشَيءٍ".
إعراب قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلونَ أنفُسَكُمْ ( ﴿البقرة ٨٥﴾
للعُلَمَاءِ في إعْرابِ هذِه الآيَةِ آراءٌ عِدَّةٌ (٤) ،مِنْها رَأيٌ لأبي الحَسَن بنِ البَاذِش نَقَلَهُ عَنْه تِلْمِيذُه ابنُ عَطِيَّةَ الأندلسي،قال (٥) : "قالَ الأسْتاذُ الأجَلُّ أبو الحَسَن بنُ أحْمَدَ شَيْخُنا: (هؤُلاءِ) رَفْعٌ بالابْتِداءِ، و (أَنْتُم) خَبَرٌ مُقَدَّم، و (تَقْتُلُونَ) حَالٌ بِها تَمَّ المَعْنى،وهي كَانَتْ المَقْصُودَةَ،فهي غَيْرُ مُسْتَغْنى عَنْها،وإنّما جَاءَتْ بَعْدَ أَنْ تَمَّ الكَلامُ في المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليه كَما تَقُولُ: (هذا زَيْدٌ مُنْطَلِقاً) ، وأنتَ قد قَصَدْتَ الإخْبَارَ بانْطِلاقِه لا الإخْبَارَ بأَنَّ هذا هو زَيْدٌ ".
стр. 5533
وقد خَالَفَ ابنُ الباذِش في هذا الرَّأيِ سِيْبَوَيْه وغَيْرَه مِنْ نُحَاةِ البَصْرَة حَيْثُ يَذْهَبُ سِيْبَوَيْه إلى أنّ (أَنْتُم) مُبْتَدأ و (هؤُلاءِ) خَبَرٌ و (تَقْتُلُونَ) في مَوْضِعِ الحَالِ (١) .
ويَتَعَجَّبُ أَبُو حَيَّانَ مِنْ رَأيِ ابنِ الباذِش فيقولُ (٢) : " ولا أَدْري مَا العِلَّةُ في عُدُولِه عَنْ جَعْلِ (أَنْتُم) مُبْتَدأ و (هؤلاءِ) الخَبَرَ إلى عَكْسِه "، ولَعَلَّ في رَأْيِ ابنِ الباذِش شَيْئاً مِنْ الصَّوابِ إِذ لَمِ يُرِدْ اللهُ الإشَارَةَ إِلَيْهِم، إِنَّما أَرَادَ الإخْبَارَ عَن مَاهِيَّتِهِم وتَصَرُّفَاتِهِم مِنْ قَتْلِ النّفْسْ وسَفْكِ الدِّمَاءِ وغَيرِ ذلك،فالمَعْنى المُرَادُ مِنْ الآيَةِ: أَنْتُم تَقْتُلُونَ أَنْفَسَكم وتَسْفِكُون دِمَاءَكُم،ولِتَوضِيحِ المَعْنى نُفَرِّقُ في المَعْنى بَيْنَ (هؤلاءِ أَنْتُم) و (أَنْتُم هؤلاءِ) ، ففي الجُمْلَةِ الأولى الإخْبَارُ عَنْ اسْمِ الإشَارَةِ، أيْ:الإخْبَارُ عن المُشَارِ إليه بضَمِيرِه، أي:بِذَاتِهِ، ولَيْسَ هذا هو المُرَادُ في الآيَةِ، وإِنَّمَا المُرادُ الإخْبَارُ عَنْ ذَاتِهم أنَّهُم يَفْعَلُونَ كَذا وكَذا، كَقَولي لَكَ: أَنْتَ هذا تَأكُلُ وتَشْرَبُ، والمَعْنى يُوحِي أَنَّ اسْمَ الإشَارَةِ تَوْكيدٌ للضَّميرِ، وهذا المَعْنى هو الّذي دَفَعَ ابنَ الباذِش إلى القولِ بهذا الرَّأيِ، وأَرَاه صَواباً، والله أعلم.