وكان بعضه يكشف عن التغيير الاجتماعي في الإمارات كما في قصة " هواجس " إذ عرفنا من الحديث الذي داربين خلفان وأخيه رغبة الصغير في رؤيا الأفلام المكسيكية وإن كان لا يدرك خطرها لصغر سنه، وتغير وجبات الطعام اليومية بالأكل في المطاعم..
ولعل من أهم أدوار الحوار عرض نفسيات الشخصيات، ففي " أحزان ليل " لا حظنا الخوف الذي انتابها من تأخر عودة الخفير، ولهذا قالت:
" تأخر كثيراً.
سقطنا في الفخ.
فخ.
أجاب وهو يرتجف:
شيء مخيف.
ماذا تقصد؟
تكلم.
أتقول الحقيقة.
...................
ماذا تقول؟
...................
لا، لا يمكن أن يحدث هذا.
إنك تلعب بأعصابنا ".
فالحوار الذي دار كشف لنا ذعر الناس من صوت الإنذار، ثم من تأخر الخفير.. فشارك بذلك في إحساسنا بالخطر الذي تتعرض له البلاد، وفي تنمية الوعي ضد العدوان الخارجي.
ولكن بعض القصص خلت من الحوار كقصة " القرار الأخير " إذ جاءت بلسان السرد بلهجة الغائب، وقل حوار بعضها الآخر " كأنامل على الأسلاك ".
ويمكنني أن أقول إن الأديبة في مجموعتها الثانية كانت أقدر على استخدام الحوار أداة فنية تخدم بناء القصة، وهذا يدل على تطور في فنية القصة عند شيخة الناخي.
د - السرد والتقرير:
اتكأت الأديبة على السرد في معظم قصص مجموعتها الأولى " الرحيل " وقل في " رياح الشمال " ولكن اللغة الشاعرية فيها جعلته مقبولاً، وقد عرضت به حوادثها في اثنتي عشرة قصة، وجاء معه بعض التقرير ليحكي رأي القاصة في أمر ما من أمور مجتمعها، وذلك على نحو قولها في " الرحيل ":
" أي حياة هذه التي ستحياها؟ فمجتمعها قاس وعنيد لا يقيم وزناً للفتاة، إذاً فهي لا تملك من أمر حياتها سوى الأحلام والأوهام " (١٢٦) ، وكقولها أيضاً: " فهذا الوالد من ذاك المجتمع المتكالب على المادة، وهو يريد لابنته زوجاً ثرياً لا شاباً فقيراً كسعيد" (١٢٧) .
стр. 5672
وهذا التقرير من عيوب القصة، ذلك لأن الكاتب لا يتدخل تدخلاً مباشراً بالشرح أو بالتعليق، وإنما يوجه الحوادث لتفهم الفكرة من خلالها، إلا إن قصد الغوص إلى أعماق الشخصية، ولو أوردت القاصة الفكرة على لسان شخصية ما لكانت أفضل وأجود.
الخاتمة
وأخيراً..
فقد وجد الأدباء، ومنهم شيخة الناخي، أن القصة القصيرة مجال خصب لعرض الأفكار التي يرغبون، سياسية كانت أم اجتماعية، فاتخذوها مطية لتصوير معاناة المرأة خاصة، من زوج أهمل الأسرة والولد وشغل بلهوه مع صحبه، أو أب انصاع لزوجه الثانية..، في مجتمع لا يقدرها حق قدرها، وقد عرضت الأديبة هذه المآسي بريشة المصلحة الاجتماعية لتنير للأجيال الدرب القويم بأسلوب مشوق جذاب وهذه مهمة الأديب في الحياة، ولا سيما ممن وعي الإسلام حق وعي.
وقد ربأت القاصة عن أن تجعل المرأة من سقط المتاع، واتخذت من الأسلوب العف، واللفظ المهذب نهجها في قصصها، فأرتنا المرأة الإماراتية على حقيقتها، لا كما فعلت صاحبتها أمينة عبد الله وسلمى سيف مطر، فنبهت بذلك الأجيال إلى الأخطاء والهفوات في طهر ونقاء.. وحققت بذلك ما يهفو إليه الجيل من قصص هادف، يرتقي بالبلاد حضارياً واجتماعياً وثقافياً، وتلك من أهم عوامل الصدق الفني (١٢٨) ، ونحن في أمس الحاجة إلى مثل هذا اللون الأدبي الجديد.
ولا ننسى الدور الهام الذي كان لأدبها في إغناء المكتبة الخليجية بآداب رفيعة في مضمونها وشكلها – إجمالاً – وإغناء المكتبة العربية بل والإنسانية عامة. ...
الحواشي والتعليقات
стр. 5673
(١) ينظر: بوشعير: الرشيد: الشعر العربي الحديث في منطقة الخليج، ط ١٤١٨هـ / ١٩٩٧م، دار الفكر المعاصر بيروت لبنان، دار الفكر دمشق سوريا. ومجلة الرافد عدد خاص بالقصة القصيرة (ملف القصة القصيرة شهادات ورؤى) الشارقة ص ٢٢، وفيه يذكر أن نسبة القاصات في المجموعة القصصية " كلنا ٠٠كلنا ٠٠كلنا نحب البحر " كانت ٣٥ % من مجموع القصاص المشاركين.
(٢) ينظر: ملكاوي: ثابت: الرواية والقصة القصيرة في الإمارات نشأة وتطور منشورات المجمع الثقافي في أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة ص ٢٧.
(٣) ينظر عبد الملك: بدر: القصة القصيرة والصوت النسائي في دولة الإمارات العربية المتحدة ١٩٩٥م منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات – الشارقة –ص ٥.
(٤) ينظر: مريدن: عزيزة: القصة الشعرية الحديثة في العصر الحديث ١٤٠٤هـ/١٩٩٨م دار الفكر دمشق سوريا.
(٥) ... مجلة الرافد عدد خاص بالقصة القصيرة /١٥٠
(٦) بوشعير: الرشيد: مدخل إلى القصة القصيرة الإماراتية ١٩٩٨ ن ويرى المؤلف أن هذا هو سبب حرقها ومنعها لا هجومه على الإنكليز كما ورد في كتاب ثابت الملكاوي الرواية والقصة القصيرة في الإمارات ص ١١٨ ن لأن الاستعمار كان قد خرج من الإمارات وأبيحت إدانته.
ينظر مجلة الرافد ع خاص ص ١٩
ينظر: عبد الملك: بدر: القصة القصيرة والصوت النسائي/ ٣٠-٣٧.
نفسه / ٤٠-٥٨
стр. 5674
بوشعير: الرشيد: مدخل إلى القصة القصيرة ص/٨، وفيه أن عبد الله صقر نشر قصته "قلوب لاترحم" في نادي النصر الرياضي في أواخر الستينات، ولكنه لم ينشر هذه القصة في مجموعته الأولى التي صدرت في ١٩٧٥م، وهذا يعني أنها كانت أشبه بمقالة قصصية لم يعترف بها بعد، أما قصصه في مجموعته الأولى (الخشبة) فقد أرخت بين (١٩٧٤-١٩٧٥) على حين كتبت شيخة الناخي أولى قصصها ١٩٧٠ كما ذكر في مجموعة (كلنا ٠٠كلنا٠٠٠كلنا نحب البحر) التي صدرت عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، كما أنها شاركت بها في المسابقة الأدبية التي نظمتها وزارة الشباب بالإمارات ١٩٧٢م، وفازت بالجائزة الأولى فيها.
ينظر رشدي: رشاد: فن القصة القصيرة ١٩٨٢م دار العودة بيروت ط٢: ويعرف من خلال عرضه لعناصر القصة في ص / ٢٩،٥٠،٨٢،٩٧.
الناخي: شيخة: الرحيل مجموعة قصصية ١٩٩٢م، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ص ١١.
تحار الأديبة بين خاتمتين للقصة، فقد ظهرت في طبعتها الأولى ١٩٧٠م تتحدث عن انتحار البطلة تحت عجلات سيارة مسرعة، وفي طبعة ١٩٩٢م أنهتها بالدهشة فحسب، ينظر لذلك في: بوشعير: الرشيد: مدخل إلى القصة القصيرة الإماراتية /١٩-٢٠.
الناخي: شيخة: من المجموعة القصصية الرحيل / ٥١
نفسه / ١٩
نفسه / ٤٣
نفسه / ٢٥
نفسه / ٥٩
الناخي: شيخة: من المجموعة القصصية رياح الشمال ١٩٩٢ منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات /٧٥
بوشعير: الرشيد: مدخل إلى القصة القصيرة الإماراتية /١٥، وقد عايشت هذه الظروف السياسية التي مرت على البلاد، واطلعت على ما كتب في الصحف من أخطار ما تطلبه الأمم المتحدة من تجنيس، وعلى وقفة الإماراتيين الحميدة والقوية أمام هذا الخطر الداهم على بلادهم.
الناخي: شيخة: رياح الشمال / ٨٣
نفسه / ٨٤
نفسه / ٧٨
نفسه / ٧٧
نفسه / ٦٧
نفسه / ٥٣
نفسه / ٦٥
في الحديث الذي أجريته معها في ٣١/١٠/٢٠٠٠م
стр. 5675
كما رأيتها من خلال الحديث المذكور معها، أو من خلال قرائن تشير إلى ذلك.
الناخي: رياح الشمال /٣٧
نفسه / ٤٥
إذ لم تصرح الأديبة بذلك على عادتها في تعمية العدو وزمانه ومكانه لتكون دلالة القصة عامة تصلح لكل زمان ومكان.
رياح الشمال /٢٧
نفسه /٨٧
نفسه /٦٣
رشدي: رشاد: فن القصة القصيرة / ١٥ وما بعدها
نفسه / ١٥ وما بعدها
نفسه / ١٥
الأدب الإسلامي يهتم بقضايا الأمة ويواجه مشكلاتها بطريقة جادة يلتزم فيها نظرة الإسلام إلى الحياة، ويعرض بالكلمة الطيبة المعبرة والمؤثرة ما يراه ويوجه نحو ما يجب أن يكون برؤية إسلامية أيضا: ينظر لذلك: د. قصاب: وليد: في الأدب الإسلامي ١٤١٩هـ ١٩٨٨م دار القلم دبي ص/ ٩١، و: د. القاعود: حلمي محمد: الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني ١٩٩٦ دار البشير عمان الأردن ص / ١٣١، والقبسي: عودة الله منيع: تجارب في النقد الأدبي التطبيقي ١٤٠٥هـ /١٩٨٥م دار البشير عمان الأردن ص ٩٤
الناخي: مجموعة الرحيل /٩
نفسه / ٥٩
ينظر لذلك الصفحات الآتية من: الرحيل٩،٣٣،٩٥، ومن رياح الشمال ٧ و ٥١
رياح الشمال / ٢٥ ويشبهها في ذلك قصتا أحزان ليل، ولا تكن جلادا في مجموعة رياح الشمال ص ١٧و٤٣
و (٤٥) الرحيل / ١٩و٥٣
(٤٦) ينظر لذلك: نجم: محمد يوسف: ١٩٩٦ دار صادر بيروت، ودار الشروق عمان – الأردن / ٥٠
(٤٧) الرحيل / ١٤-١٥ ومثلها في قصة " وكان ذلك اليوم " في المرجع نفسه /٣٥
(٤٨) رياح الشمال / ١٤-١٥
(٤٩) هي حسب تسلسل صفحات ورودها في الرحيل / ٩ و ٤١ ورياح الشمال / ٢٥
(٥٠) الرحيل ٧٥
(٥١) رياح الشمال / ١٧
(٥٢) الرحيل/٤٩
(٥٣) نفسه /٦٥
(٥٤) رياح الشمال / ٢٨-٢٩، وينظر لمثلها في المجموعة نفسها في قصتي حطام المخاوف / ٥١، ولا تكن جلادا / ٤٣، وفي: أنامل على الأسلاك في مجموعة الرحيل / ٢٧.
(٥٥) الرحيل / ٤١
(٥٦) نفسه / ٦٥
(٥٧) رياح الشمال / ٧٣
(٥٨) نفسه / ٤٥
(٥٩) الرحيل / ٥٩
стр. 5676
(٦٠) نفسه / ٣١، وينظر لمثلها في المجموعة نفسها في قصتي " وكان ذلك اليوم " /٣٣، و" القرار الأخير " ص ٥٩، وفي مجموعة رياح الشمال في قصتي إعصار / ٢٥، وأحزان ليل ص ١٧
(٦١) كما في قصص مجموعتها الرحيل: أنامل على الأسلاك / ٢٥، وكان ذلك اليوم /٣٣ والقرار الأخير ص ٥٩
(٦٢) من مجموعة رياح الشمال / ١٦
(٦٣) نفسه/٥٠
(٦٤) نفسه / ٨٤
(٦٥) يعرف د. محمد يوسف نجم العنصر السائد في القصة بأنه الأثر الذي تخلفه في نفوس القراء، وينتج عن سيادة الحدث أو الشخصبة أو البيئة أو الفكرة، ينظر لذلك فن القصة /١٣
(٦٦) ينظر أمين: أحمد: النقد الأدبي جزءان ١٩٧٢منشر مكتبة النهضة المصرية ط٤/ ١٢٣
(٦٧) الرحيل وبالتتابع /٩،٢٧،٢٥،٤٣
(٦٨) رياح الشمال / ٣٩
(٦٩) نفسه ٤٦-٤٧
(٧٠) جريدة الخليج، الإمارات العربية المتحدة ع ٧٦٩٥ تاريخ ١٣/٧/٢٠٠٠م
(٧١) ينظر له: الحوراني: رامز: نشوء النقد الأدبي وتطوره، جزءان ١٩٩٦م جامعة سبها الإدارة العامة للمكتبات الدار العربية للنشر والتوزيع القاهرة مصر ج٢/٨٣
(٧٢) نفسه ٢/٧٨
(٧٣) نفسه / ٨٥
(٧٤) رياح الشمال / ٥٩
(٧٥) الرحيل / ٢٥
(٧٦) رياح الشمال / ٢٥
(٧٧) الرحيل/١٧
(٧٨) نفسه / ٤٩
(٧٩) نفسه/٢٥
(٨٠) الشخصية المستديرة هي التي تتغير سلوكياتها وتدهشنا في أعمالها، وتستطيع أن توقظ فينا المشاعر، ينظر لذلك في فورستر: أركان القصة /٩٠
(٨١) كما في مجموعة الرحيل: قصة حصار / ٤٩
(٨٢) مجموعة الرحيل / ١٧
(٨٣) نفسه: قصة رحلة الضياع / ٤٩
(٨٤) نفسه / ٩
(٨٥) نفسه /٤١
(٨٦) من مجموعة رياح الشمال / ٤٣
(٨٧) الرحيل/٩
(٨٨) نفسه/١٧
(٨٩) نفسه ٤٩
(٩٠) نفسه/ ٥٩
(٩١) نفسه / ٤١
(٩٢) نفسه /١٧
(٩٣) رياح الشمال /٣٥
(٩٤) نفسه/٤٣
(٩٥) نفسه ٦١
(٩٦) نفسه/ ٢٥
(٩٧) رشدي: رشاد: فن القصة القصيرة / ١٠٠-١٠٣
(٩٨) هلال: محمد غنيمي: النقد الأدبي الحديث ١٩٨٧ بيروت / ٦١٤-٦٢٧
(٩٩) مجموعة الرحيل /٣٣
(١٠٠) نفسه / ٧٧
стр. 5677
(١٠١) رياح الشمال / ٧٣
(١٠٢) نفسه / ٢٧-٢٨
(١٠٣) الحروف الانفجارية هي (ب-ت-د-ط- ض- ق- ك) ينظر لذلك:د. نور الهدى لوشن: علم الدلالة دراسة وتطبيق ١٩٩٥م، منشورات جامعة قار يونس – بنغازي- ليبيا / ٧٣و٧٦، ومن الحروف الجزلة: الجيم والميم.
(١٠٤) رياح الشمال /٢١-٢٢
(١٠٥) ينظر إلى هذا الرمز في كتاب فضل: صلاح: نظرية البنائية في النقد الأدبي ١٤١٩هـ١٩٩٨م، دالا الشروق، القاهرة ص ٢٥٤
(١٠٦) في حديثي معها في ٣١/١٠/٢٠٠٠م
(١٠٧) رياح الشمال / ٦٥
(١٠٨) دلالات الألفاظ لها علاقات مع بعضها بعضا منها علاقات التضاد والتماثل والترادف والتنافر و٠٠٠: ينظر لذلك في: د. لوشن: نور الهدى علم الدلالة / ١١٧-١١٩م
(١٠٩) علم الدلالة ١٠١
(١١٠) رياح الشمال / ٤٥-٤٦
(١١١) نفسه/ ٦٧و٨٥
(١١٢) نفسه / ٢٢ وهو مقتبس من قوله تعالى (تكاد تميز من الغيظ) : (تبارك /٨)
(١١٣) نفسه / ١٩ " " " " " (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لايحطمنكم سليمان وجنوده: (النمل/ ١٨)
(١١٤) نفسه / ٢٠ وهو مقتبس من قوله تعالى:" وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا " (الكهف / ١٩)
(١١٥) ينظر لصحة هذه المعلومات في ابن منظور: لسان العرب، ومغني اللبيب وجامع الدروس العربية للرافعي /٢٦
(١١٦) رشدي: رشاد: فن القصة القصيرة ١١٥
(١١٧) رياح الشمال /٧ ٥
(١١٨) الرحيل / ٤٤
(١١٩) نفسه ٥٥-٥٦
(١٢٠) رياح الشمال / ٥٤
(١٢١) الرحيل / ٧١
(١٢٢) ينظر رياح الشمال / ٧٦-٧٧
(١٢٣) نفسه/٣٧
(١٢٤) نفسه /٧
(١٢٥) الرحيل/ ٦٩-٧٠
(١٢٦) و (١٢٧) نفسه / ١٢و ١٥
(١٢٨) ينظر: مريدن: عزيزة: القصة القصيرة في العصر الحديث / ١٩، ولوي كابانس: جان: النقد الأدبي والعلوم الإنسانية، ترجمة فهد عكام ١٤٠٢هـ ١٩٨٢م دار الفكر دمشق.
стр. 5678
مؤتمر الأوقاف الأول
في المملكة العربية السعودية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فبفضل من الله وتوفيقه ثم برعاية من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام.
افتتح صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة مؤتمر الأوقاف الأول في المملكة العربية السعودية الذي عقد في رحاب جامعة أم القرى بالتعاون مع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المدة من الرابع من شهر شعبان ١٤٢٢هـ وحتى السابع منه.
وقد تضمن حفل الافتتاح كلمة راعي الحفل ألقاها نيابة عنه صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة.
واشتملت على بيان أهمية الوقف عند المسلمين والخدمات الجليلة التي تقوم بها الأوقاف في النهوض بالمجتمعات دينياً ودنيوياً، والترحيب بالمشاركين والدعاء لهم بالتوفيق.
وتمت ناقشة البحوث المقدمة ضمن المحاور الآتية:
المحور الأول: الوقف ومفهومه وفضله وأنواعه.
المحور الثاني: قضايا الوقف المعاصرة.
المحور الثالث: واقع الوقف عبر التاريخ الإسلامي وجهود الدولة السعودية في الأوقاف ورعايتها.
المحور الرابع: نماذج وتطبيقات معاصرة في مجال الوقف.
المحور الخامس: تنظيم أعمال الوقف وتنمية موارده.
المحور السادس: الإعلام والوقف.
المحور السابع: أثر الوقف في تنمية المجتمع.
المحور الثامن: الوقف والدعوة إلى الله.
وقد شارك في جلسات المؤتمر نخبة من أهل العلم والاختصاص والدراية بأمور الأوقاف ... وقدمت فيه أبحاث وأوراق عمل قيمة تجلي فيها العمق والإفادة وكانت هناك مناقشات ومداخلات مثمرة نتج عن ذلك أراء بناءة ومقترحات سديدة.
وقد انتهى المؤتمر إلى التوصيات الآتية:
стр. 5679
اعتبار كلمة سمو راعي الحفل وثيقة من وثائق المؤتمر للإفادة مما ورد فيها من توجيهات سديدة.
تبصير الأمة بمشروعية وبيان ما فيه من الثواب العظيم، وحث الموسرين عليه وترغيبهم فيه عبر منابر التوجيه المعتبرة ذات التأثير الواسع كخطب الجمعة ودروس المساجد ووسائل الإعلام المؤثرة كالصحافة الإذاعية والتلفزة إنهاضاً لعزائمهم وبعثاً لنوازع الخير الكامنة في نفوسهم.
التوعية المبكرة بأهمية الوقف عن طريق المناهج الدراسية المناسبة في مراحل التعليم المختلفة.
إصدار مجلة علمية متخصصة تعني بشؤون الأوقاف لإثراء الساحة بقضايا الأوقاف.
تأسيس منظمة دولية إسلامية تعني بشؤؤن الأوقاف الإسلامية في العالم تجمع في عضويتها جميع وزارات الأوقاف والمؤسسات والصناديق الوقفية.
دعوة الشركات والمؤسسات إلى وقف شيء من أموالها في وجوه البر المختلفة.
تبصير الأمة بتنوع وجوه البر التي يمكن الوقف عليها لتشمل كل ما يحتاجه المسلمون في دينهم ودنياهم وعدم التركيز على وجه معين منها دون الوجوه الأخرى التي تمس الحاجة إليها.
حث الجهات ذات العلاقة على إعداد دراسات تتناول أوجه البر المختلفة التي يمكن الوقف عليها وتصنيفها حسب الأهمية.
إعداد نماذج صيغ وقفية تراعى فيها الأحكام الشرعية والأنظمة المرعية.
تشجيع البحث العلمي في الوقف من جميع جوانبه مع الاهتمام بالمسائل المستجدة وما يعرض له من مشكلات وإنشاء موسوعة للأوقاف تتناول كل ما يتعلق بها من أحكام.
استمرار عقد الندوات والمؤتمرات لبحث قضايا الأوقاف المتنوعة مع الاهتمام بالمسائل المستجدة ومنها توحيد الأوقاف المتنوعة في وقف واحد والأوقاف التي جرى تحكيرها وما يتعلق بالوقف على الذرية وغيرها من المسائل.
عدم ترك الأموال الموقوفة مجمدة في المصارف لا تؤدي وظيفة استثمارية مشروعة في المجتمع.
стр. 5680
التعاون مع المؤسسات والهيئات الاستثمارية والإفادة من إمكاناتها المشروعة في مجال تمويل الأوقاف واستثمارها لزيادة عوائدها.
التأكيد على أن يكون استثمار الأوقاف وتنمية مواردها خاضعاً للقواعد والأحكام الشرعية.
إنشاء مؤسسات وقفية تعني بالدعوة إلى الإسلام ومواجهة التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية ودعوة الموسرين للإسهام فيها وتمويلها.
وضع خطة شاملة للحفاظ على الأوقاف الإسلامية في البلاد التي يعيش فيها أقلية مسلمة.
إنشاء أوقاف في البلاد الإسلامية يخصص ريعها لاحتياجات الأقليات الإسلامية من مساجد ومدارس ومستشفيات ونحوها.
العمل على حماية الأوقاف الإسلامية في بلاد غير المسلمين عن طريق المنظمات والهيئات كرابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
حث المسلمين على تخصيص أوقاف ينفق ريعها على المسجد الأقصى.
إبراز أثر الأوقاف عبر التاريخ الإسلامي في نشر العلم والنهوض بالمجتمعات وسد حاجاتها المتنوعة.
إنشاء مركز للدراسات الوقفية وحصر الوثائق المتعلقة بالأوقاف وجمعها من مظانها.
إقامة دورات تدريبية للمعنيين بشؤون الأوقاف من نظار وإداريين للرفع من مستواهم العلمي والإداري.
الإفادة من الصيغ الاستثمارية المعاصرة في مجال استثمار الأوقاف وتنمية مواردها والتي تحقق عائدً أفضل من الوفاء بشرط الواقف.
مخاطبة المؤسسات الإعلامية في الدول العربية والإسلامية من أجل إعداد حملة إعلامية موسعة لدعم سنة الوقف في الدول الإسلامية تستهدف زيادة الوعي العام والمعرفة بأهمية الوقف من الناحية الشرعية والتنموية والاجتماعية.
عقد سلسلة من الدورات التدريبية المتخصصة لعدد من الإعلاميين المسلمين لمزيد تعريفهم بالوقف وأهمية وكيفية توظيف وسائل الإعلام في دعم الوقف.
стр. 5681
إنشاء مركز إعلامي عبر الإنترنت لتبادل المعلومات عن الوقف في الدول الإسلامية وإمداده بشكل دوري بالإحصاءات والبيانات الدقيقة عن الوقف وجوانبه الشرعية والواقعية ومجالات استثماره في المجتمعات المعنية.
التوجه في الرسائل الإعلامية إلى الفئات الفاعلة في المجتمع من قادة الرأي والمفكرين والعلماء والقضاة والخبراء ورجال الأعمال والمؤسسات الكبرى وتخصيص رسائل لكل فئة على حدة لإقناعهم بضرورة الإسهام في مناقشة أثر الإعلام في دعم الوقف وتفعيله.
إعداد مجموعة من المطبوعات والدوريات بالتعاون مع الجامعات والمؤسسات التعليمية المتعلقة بالوقف وأهميته.
إنشاء مؤسسة إعلامية وقفية إسلامية ضمن الضوابط الشرعية لدعم الإعلام الإسلامي وتصيره في مرحلة تتعرض فيها الأمة إلى حملات إعلامية تشوه قيمها ومنجزاتها الحضارية.
تشكيل لجنة من جامعة أم القرى ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد لمتابعة تفعيل توصيات المؤتمر.
وفي الختام يرفع المشاركون وافر الشكر والامتنان إلى مقام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني وفقهم الله على اهتمامهم بأمور الأوقاف والعناية بها والتوجيه بعقد المؤتمرات والندوات واللقاءات المتعلقة بها ودعمها مادياً ومعنوياً ويوصون برفع برقيات بذلك.
ويقدرون لسمو النائب الثاني رعايته للمؤتمر، ويشكر لسمو أمير منطقة مكة المكرمة افتتاحه للمؤتمر.
ويثمنون لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ولجامعة أم القرى مبادرتهما إلى إقامة هذا المؤتمر ويشكرون اللجان العاملة فيه على حسن الإعداد وجودة التنظيم، وجميل العناية بالمشاركين والحضور. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وقد تناولت الأبحاث وأوراق العمل المحاور السابق ذكرها فكانت على النحو التالي:
محور الوقف ومفهومه وفضله وأنواعه:
الوقف ومفهومه وفضله – د. إبراهيم بن عبد العزيز الغصن.
стр. 5682
الوقف مفهومه وفضله وشروطه وأنواعه – د. إسماعيل بن إبراهيم البدوي.
الوقف مفهومه وشروطه وأنواعه – د. العياشي الصادق فداد.
الوقف فقهه وأنواعه – د. علي بن محمد يوسف المحمدي.
الوقف مفهومه، شرعيته، وأنواعه وحكمه، وشروطه – د. محمد بن عبد الرحيم سلطان العلماء.
الوقف مفهومه، شرعيته، وأنواعه وحكمه، وشروطه – د. محمود بن أحمد أبو ليل.
شروط الوقف في الإسلام – د. محمد بن نبيل غنايم.
الوقف: مفهومه، فضله، أركانه وشروطه وأنواعه – د. محمود بن عبد الرحمن عبد المنعم.
محور قضايا الوقف المعاصرة:
توحيد الأوقاف المتنوعة في وقف واحد – د. خالد بن علي المشيقح.
من قضايا الأوقاف المعاصرة والآثار المترتبة على الوقف- د. صالح بن حسن المبعوث.
عقد الحكر والآثار المترتبة على زال الأنقاض فيه – أ. صالح بن سليمان الحويس.
توحيد الأوقاف المتنوعة في وقف واحد – د. عبد الله بن محمد نوري.
الوقف وحكم بيعه واستبداله (ورقة عمل) - الشيخ/ فهد بن محمد الداود.
أحكام الأوقاف التي جرى تحكيرها (ورقة عمل) – د. ناصر بن إبراهيم المحيميد.
محور واقع الوقف عبر التاريخ الإسلامي وجهود الدولة السعودية في الأوقاف ورعايتها:
الوقف الإسلامي وواقعه في الحبشة (أثيوبيا) – د. جيلان بن خضر غمدا.
أحباس المغاربة في الحرمين الشريفين – د. حسن بن عبد الكريم الوركلي.
المدارس الوقفية في المدينة المنورة – د. طارق بن عبد الله الحجاز.
أوقاف عبين زبيدة في عهد الملك عبد العزيز– د. عادل بن محمد نور غباشي.
الأوقاف العامة في بريدة – د. عبد العزيز بن سليمان المقبل.
العوامل التي أدت إلى تدهور الوقف عبر التاريخ الإسلامي – د. عبد القهار بن داود العاني.
ازدهار الأوقاف في عصر المماليك – د. محمد بن حمد أمين.
الأوقاف على الحرمين (ورقة عمل) – الشيخ/عبد الرحمن عبد القادر فقيه.
محور نماذج وتطبيقات معاصرة في مجال الوقف:
стр. 5683
مؤسسة الملك فيصل الخيرية (مؤسسة خاصة) - الأمير بندر بن سعود بن خالد.
الأمانة العامة للأوقاف بالكويت (مؤسسة حكومية) - د. محمد بن عبد الغفار الشريف.
البنك الإسلامي للتنمية (مؤسسة دولية) – د. أحمد بن محمد خليل الإسلمبولي.
نموذج مقترح (باحث) – د. محمد بن عبد الحليم عمر.
محور تنظيم أعمال الوقف وتنمية موارده:
تنمية موارد الوقف والمحافظة عليه – د. العياشي الصادق فدا.
تنظيم أعمال الوقف وتنمية موارده – د. سلطان بن محمد حسين الملا.
تنمية موارد الوقف والمحافظة عليه – د. صالح بن عبد الله المالك.
إدارة الأوقاف الإسلامية والتجربة السعودية – د. عبد الرحمن بن إبراهيم الضحيان.
تنظيم أعمال الوقف وتنمية موارده (ورقة عمل) .
محور الإعلام والوقف:
أثر التسويق والإعلام في تنمية الوقف – د. أحمد بن سند يوسف.
التكامل بين الوقف والإعلام: رؤية تحليلية – د. أنور بن ماجد عشقي.
استثمار الإعلام لخدمة الوقف – د. طالب بن عيد الأحمدي.
علاقة الإعلام بالوقف: تأصيل نظري – د. عدلي سيد محمد رضا.
الإعلام الإسلامي وإحياء سنة الوقف – أ. محمد صلاح الدين.
كيفية توظيف وسائل الإعلام لخدمة الوقف – د. محمود حسن طربية.
علاقة الوقف بالإعلام: تأصيل من الناحية الشرعية – د. محمود السيد الدغيم.
محور أثر الوقف في تنمية المجتمع:
الوقف وأثره في نشر العلم في الأحساء – د. عبد الحميد آل الشيخ مبارك.
أثر الوقف في التنمية الاقتصادية – د. عبد اللطيف بن عبد الله العبد اللطيف.
الوقف والتنمية الاقتصادية – د. عبد الله بن سليمان الباحوث.
دور الوقف في دعم الجوانب التربوية والدينية والعلمية – د. عبد الله بن محمد أحمد حريري.
دور الوقف في بناء الحياة الاجتماعية وتماسكها – د. عبد الله بن ناصر السدحان.
أثر الوقف في التنمية الاقتصادية – د. محمد إبراهيم الخطيب.
أثر الوقف في نشر التعليم والثقافة – د. ياسين بن ناصر الخطيب.
стр. 5684
الوقف وأثره في تطوير المجتمع (ورقة عمل) - د. محمد إرشاد الباري عبد الرشيد.
محور الوقف والدعوة إلى الله:
صور من علاقة الوقف بالدعوة إلى الله تعالى (مقارنة بين الماضي والحاضر) .
الوقف وأثره في نشر الدعوة – د. عبد الرحيم بن محمد المغذوي.
مجالات الوقف المؤثرة في الدعوة إلى الله – د. مقتدي بن حسن ياسين.
مجالات الوقف المؤثرة في الدعوة إلى الله – د. مقتدى بن حسن ياسين.
الوقف وأثره في الدعوة الإسلامية في إندونيسيا (ورقة عمل) – د. محمد راضي الحافظ.
стр. 5685
توصيات ندوة المجتمع والأمن
المنعقدة بكلية الملك فهد الأمنية
١٣-١٥ صفر ١٤٢٢هـ
الموافق ٧-٩ مايو ٢٠٠١م
تحت رعاية صاحب السمو الملكي
الأمير/محمد بن نايف بن عبد العزيز
مساعد وزير الداخلية للشئون الأمنية
تشرفت الكلية خلال الفترة من ١٣-١٥ صفر ١٤٢٢هـ، برعاية صاحب السمو الملكي الأمير/محمد بن نايف بن عبد العزيز لفعاليات ندوة المجتمع والأمن والتي عقدت في رحاب الكلية. ويأتي عقد هذه الندوة وما سبقها وما يليها من ندوات إنفاذاً للتوجيهات الكريمة بضرورة توظيف الجهود العلمية البحثية في مجال الأمن وتحسين أداء مؤسساته. وإدراكاً من إدارة الكلية لأهمية البحث العلمي، فقد قام مركز البحوث بتنظيم الندوة ودعوة الباحثين للمشاركة بالرأي والكتابة في محاور الندوة ضمن منظومة الأمن الشامل الذي تتبناه أجهزة وزارة الداخلية وكافة المؤسسات الحكومية ضمن خطط التنمية الطموحة التي تعيشها بلادنا. وقد حددت الأهداف المتوخاة من ندوة المجتمع والأمن بهدف تسليط الضوء على بعض المشكلات الأمنية التي تواجه المجتمع، وكذلك تحليل المشكلات الأمنية والاجتماعية تحليلاً علمياً بغية الخروج بحلول عملية. كما استهدفت محاور الندوة التركيز على أهمية توعية المجتمع بمخاطر الجريمة وتنمية الحس الأمني لدى المواطن وذلك ضمن تكامل العمل الأمني مع الحاجات الأساسية للمجتمع مع تأكيد أهمية توثيق العلاقة بين الأجهزة الأمنية والجمهور.
جلسات الندوة:
الجلسة الأولى – علاقة الأجهزة الأمنية بالجمهور وتشمل:
العلاقة المتبادلة بين المواطن ورجل الأمن.
العلاقات الإنسانية وأثرها في رفع الأداء الوظيفي لرجل الأمن.
الرأي العام وتأثيره على أداء رجل الأمن.
الجلسة الثانية – الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وعلاقتها ببعض المشكلات الأمنية وشملت المواضيع التالية:
البطالة والسلوك المنحرف.
توطين العمالة وأثره في الحد من الجريمة.
стр. 5686
الجلسة الثالثة – انعكاس المشكلات المرورية على أمن المجتمع وشملت المواضيع التالية:
حوادث المرور وأثرها على الاقتصاد الوطني.
الجذور الاجتماعية للمخالفات المرورية.
الحملة الوطنية الشاملة للتوعية المرورية.
الجلسة الرابعة – المسجد ودوره الأمني في المجتمع.
الجلسة الخامسة – الدور الأمني للمدرسة وشملت المواضيع التالية:
الدور الأمني للمدرسة في المجتمع السعودي.
الأنشطة المدرسية ودورها في وقاية الشباب من الانحراف.
تحديات العولمة للهوية الثقافية وانعكاساتها على أمن المجتمع.
وبفضل من الله استقطبت الندوة اهتمام الرأي العام المحلي وحظيت فعاليتها بتغطية واسعة في وسائل الإعلام، كما نشرت بعض أوراق العمل في الصحف المحلية. ومما حققته الندوة أنها هيأت فرص التقاء الباحثين وتعارفهم وولدت العديد من مشاريع البحوث المشتركة. كما تسلمت إدارة الندوة العديد من الاقتراحات البناءة التي ستساهم بشكل كبير في مشاريع الندوات العلمية القادمة.
... توصيات الندوة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد فقد خلصت لجنة التوصيات إلى مجموعة من التوصيات حسب محاور الندوة نوردها فيما يلي:
المحور الأول: علاقة الأجهزة الأمنية بالجمهور:
١- التركيز على معايير اختيار رجل الأمن وتأهيله وإعداده لمواجهة الجمهور، ورفع مستوى تعامله وتخاطبه مع فئات المجتمع المختلفة من مواطنين ومقيمين، وتأصيل مبدأ المساواة والعدالة بين الجميع من مواطنين ومقيمين، عن طريق وسائل منها:
أ- وضع معايير دقيقة لاختيار رجل الأمن، يركز فيها على الاستقامة وحسن الخلق.
ب- تضمين برامج التأهيل التعليمية لإعداد رجال الأمن على مختلف تخصصاتهم، مناهج علمية تتعلق بفن التعامل والتخاطب مع الجماهير، وكيفية مواجهتها، وتأصيل مبدأ العدالة من دون النظر إلى جنس أو عنصر أو وطن، وفق ضوابط الأخلاق في الإسلام.
стр. 5687
ج- تشكيل لجنة إرشادية توعوية في كل قطاع يوضع لها برنامج دقيق لإلقاء محاضرات توعوية خاصة للمراكز الأمنية ذات العلاقة بالجمهور بكون مرورها بالمراكز دورياً.
٢- تنمية العلاقة التكاملية بين الأجهزة الأمنية المختلفة ومؤسسات المجتمع التعليمية والتربوية والإعلامية وغيرها عن طريق وسائل منها:
أ – إنشاء قسم لعلاقات المجتمع في المراكز الأمنية وبخاصة ذات الطبيعة الجماهيرية.
ب- تبادل الزيارات بشكل مستمر بين المراكز الأمنية في المدارس ومساجد الحي والمراكز الاجتماعية والرياضية.
٣- إنشاء هيئة إعلامية وطنية للتوعية المستمرة، تمنح نسبة من المساحات الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة بهدف استخدامها في رفع مستوى الوعي الأمني وغيره تكون أولوياتها حسب ما تقتضيه المصلحة.
٤- إنشاء وتفعيل أقسام البحث العلمي والتطوير الإداري في كل قطاع أمني لتطوير آلية العمل ولتحقيق أهداف القطاع ومتابعة وسائل تنفيذها ومعرفة المعوقات والسلبيات والعمل على تلافيها، لتحسين أداء القطاع بشكل عام والذي ينعكس بدوره على علاقة الجهاز الأمني بجمهوره.
٥- تسهيل مهمة المتعاونين مع أجهزة الأمن لرفع درجة تفاعل أفراد المجتمع مع الأجهزة الأمنية وصولاً إلى تحقيق أمن شامل.
المحور الثاني: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وعلاقتها ببعض المشكلات الأمنية:
الإسراع في تنفيذ برامج السعودة حيث أثبتت الدراسات العلمية ارتباط الجريمة بالبطالة.
التأكيد في برامج التوعية على المفهوم الإسلامي لقيمة العمل والحض على قبول العمل الشريف بصرف النظر عن طبيعته.
حث مراكز البحوث المعنية على إجراء دراسات ميدانية شاملة عن الأبعاد الاجتماعية الوطنية ومدى علاقتها ببعض المشكلات الأمنية، واستخلاص سبل علاج.
стр. 5688
حث وزارة العمل والشئون الاجتماعية ومراكز البحوث المعنية على إجراء دراسات ميدانية عن تجمعات العمالة الوافدة وعلاقتها ببعض المشكلات الأمنية واستخلاص الحلول المناسبة لها.
توعية أصحاب العمل بضرورة متابعة مكفوليهم في مقار سكنهم وتجمعاتهم للحيلولة دون وقوع أي إخلال بالأمن، وتبصيرهم بقوانين البلد، وإلزام أصحاب العمل بتسليم مستحقات مكفوليهم المالية أولاً بأول.
المحور الثالث: انعكاس المشكلات المرورية على أمن المجتمع
١- ضرورة إنشاء لجنة هندسية من وزارة المواصلات ووزارة البلديات والإدارة العامة للمرور واللجنة الوطنية للسلامة المرورية لمعالجة المواقع التي تكثر فيها الحوادث المرورية وتفادي سلبياتها.
٢- إنشاء مدارس خاصة لتعليم القيادة المرورية، غير مخولة بمنح رخص قيادة وإنما لتعليم النشء فنون القيادة الصحيحة.
٣- فتح باب التطوع لفئة منتقاة من شرائح المجتمع المختلفة لتسجيل المخالفات المرورية بالتنسيق مع مكتب خاص ينشأ بإدارة المرور مع وضع الضوابط المنظمة لذلك.
٤- الحزم في تطبيق الأنظمة المرورية بحق المخالفين، ومعاقبة جميع مرتكبي المخالفات دون استثناء.
٥- حث وزارتي المواصلات والشئون البلدية والقروية على إعادة النظر في المواصفات الخاصة بالطرق.
المحور الرابع: المسجد ودوره الأمني في المجتمع
وضع ضوابط لاختيار أئمة المساجد والجوامع، للقيام بمهام الإمامة وتفعيل دور المسجد على الوجه المطلوب.
تفعيل دور المسجد من خلال إنشاء مجلس إدارة من جماعة المسجد يتولى متابعة شئون الحي الأمنية والتعليمية والاجتماعية والصحية وغيرها.
التنسيق بين الجهات الأمنية وخطباء المساجد لرفع مستوى الوعي الأمني.
إعادة تصميم مكونات المساجد لتلبية رغبات أفراد الحي مثل: مكتبة عامة متعددة الأغراض، حديقة أطفال، صناديق بريد، صالة طعام، فصول لتحفيظ القران الكريم.
стр. 5689
تشجيع حلقات تحفيظ القران الكريم، والعمل على تعميمها وحث الموسرين على دعمها وإنشاء الأوقاف عليها، لما لها من دور في التنشئة الإيمانية، والقضاء على أوقات الفراغ لدى المنتسبين لها، وانعكاس ذلك على الضبط الاجتماعي والواقع الأمني.
الاهتمام بجانب المرأة من خلال فتح حلقات لتحفيظ القران الكريم ملحقة بالمساجد وإقامة الدروس والمحاضرات التوعوية، وفق تنظيم مناسب.
المحور الخامس: الدورة الأمني للمدرسة
وجوب إعادة النظر في مناهج التعليم للتبصرة بالظواهر الجديدة المتعلقة بالجريمة والوقاية من الوقوع فيها مع ربط المدرسة بالمجتمع المحلي وعدم قصر أنشطتها داخل أروقتها.
إنشاء أندية اجتماعية في المدارس موزعة على الأحياء لتعمل في الفترة المسائية تحت إشراف وزارة المعارف ,والعمل على تأهيل مشرفين متخصصين لإدارة أنشطتها.
تبادل الزيارات بين المدارس والمراكز الأمنية المختلفة للرفع من الوعي الأمني لدى الطلاب على اختلاف مستوياتهم وكسر الحاجز النفسي بين الطلبة ورجال الأمن.
إجراء دراسة ميدانية شاملة على مستوى المملكة للتعرف على حجم وقت الفراغ لدى الطلاب في المراحل التعليمية المختلفة وبما يشغلونه , واستخلاص الوسائل الكفيلة للاستفادة منه بالشكل الذي يلبي حاجاتهم وميولهم.
حث القطاع الخاص على دعم الأنشطة المدرسية مادياً وتبني مشاريع دعم معامل الحاسب الآلي ومختبرات المواد العلمية.
المحور السادس: الدور الأمني لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
العمل على وضع ضوابط دقيقة لاستقطاب الكوادر المؤهلة للعمل في الهيئات.
فتح معمل متخصص لإعداد رجال الحسبة وتأهيلهم في مجال كيفية التعامل مع مختلف فئات المجتمع.
تعزيز التنسيق بين مراكز الهيئات والمراكز الأمنية لمنع الازدواجية في الأداء مع دعم مراكز الهيئات بأعداد كافية من رجال الأمن لتسهيل مهامها.
стр. 5690
حث إدارات المراكز التجارية على تخصيص مكتب للهيئة داخل المراكز لتسهيل مهام الهيئات.
توعية أفراد المجتمع بدور الهيئة الأمني في خدمة المجتمع , من خلال المحاضرات ووسائل الأعلام المختلفة.
مواصلة دعم الهيئات بما تحتاجه من معدات وتجهيزات تمكنها من القيام بمهامها على الوجه المطلوب.
стр. 5691
مجلة جامعة أم القرى
لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها
العدد ٢٤
ربيع الأول ١٤٢٣هـ/مايو (آيار) ٢٠٠٢م
محتويات العدد
أولاً: القسم العربي:
أ- دراسات في الشريعة وأصول الدين:
١- المنهاج في الحكم على القراءات
د. إبراهيم بن سعيد الدوسري
٢- من منهج إبراهيم ﵇ في الدعوة كما عرضه القرآن الكريم
د. محمد منظور بن محمد رمضان
٣- من منهج الدعوة إلى الله في سورة هود
د. محمد ولد سيدي ولد حبيب
٤- الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر: رواية ودراية
د. محمد بن عمر بازمول
٥- التوبة وشروطها
د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
٦- الأوقاف في العصر الحديث: كيف نوجهها لدعم الجامعات وتنمية مواردها
د. خالد بن علي المشيقح
٧- من أحكام مس القرآن الكريم: دراسة فقهية مقارنة
د. عمر بن محمد السبيل
٨- التوكيل في الخصومة في الفقه الإسلامي
د. محمد بن إبراهيم الغامدي
٩- رد الخبر الواحد بما يسمى ب " الانقطاع الباطن" حقيقته، وحكمه
وأثره في الفقه الإسلامي.
د. ترحيب بن ربيعان الدوسير
١٠- منهاج الإمام مالك في التعامل مع الأخبار المتعارضة
د. محمد سيد منصور
ب - الدراسات التاريخية والحضارية:
١١- مسائل في منهج دراسة السيرة النبوية
د. محمد بن صامل السلمي
١٢- موقف الإمام الذهبي من الدولة العبيدية نسباً ومعتقداً
د. سعد بن موسى الموسى
стр. 5692
ج - اللغة العربية وآدابها:
١٣- صوت الهاء في العربية
د. إبراهيم كايد محمود
١٤- منهاج الإمام مالك في التعامل مع الأخبار المتعارضة
د. محمد سيد منصور
١٥- بعض آراء بن سيده النحوية من خلال شرحه لمشكل شعر المتنبي
د. فائزة بنت عمر المؤيد
١٦- وقفات في جزم المضارع في جواب الطلب وأثر المعنى على الحركة
الإعرابية في الجواب
د. سلوى بنت محمد عرب
١٧- مسائل بلاغية ونقدية في شرح السهيلي لسيرة ابن هشام
د. محمد رفعت زنجير
١٨- الفلسفة الجمالية عند حمزة شحاته
د. صالح بن سعيد الزهراني
د - تحقيق النصوص:
١٩- أحكام لاسيما وما يتعلق بها للشيخ أحمد بن أحمد السجاعي
(ت ١١٩٧هـ) تحقيق ودراسة
د. حسَّان بن عبد الله الغنيمان
ثانياً: القسم الإنجليزي
ملخصات البحوث الإنجليزية
стр. 5693
المنهاج في الحكم على القراءات
د. إبراهيم بن سعيد الدوسري
الأستاذ المشارك بقسم القرآن وعلومه- كلية أصول الدين
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
مخلص البحث
يعنى هذا البحث بإيضاح مفهوم الحكم على القراءات وبيان أصالته التاريخية وأهميته (العلمية، وتحديد أنواع القراءات ومراتبها، وفق الشروط التي اعتمدها أهل السنة والجماعة في قبول القراءة أوردها، وهي نقل الثقات، وموافقة الرسم تحقيقاً أو احتمالا، وكونها غبر خارجة عن اللغة العربية.
كما عني بالخطوات العلمية للحكم على القراءات، وذلك عن طريق استقراء مصادرها، ودراستها في ضوء أقوال العلماء فيها للوقوف على درجة كل قراءة صحة وضعفاً.
وقد تضمن دراسة تطبيقية على نماذج متنوعة من القراءات المتواتر والشاذة حسب المعايير المعتبرة في الحكم على القراءات.
ومن ثم انتهى هذا البحث إلى نتائج متعددة، ومن أهمها:
أن القراءات تقع على قسمين أساسين، وهما:
أالقراءات المتواترة، وهي القراءات العشر التي عليها عمل القراء إلى وقتنا الحاضر.
ب القراءات الشاذة، وهي ما عدا تلك القراءات العشر.
أن وصف الشذوذ في القراءة لا يقتضي الضعف في الشاذ جميعه، وإنما يقضي بمنع القراءة بها.
والله ولي التوفيق
المقدمة:
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فإن الله تعالى قد فضّل القرآن الكريم على سائر الكتب، إذ جعله مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، ومن وجوه تفضيله ومزاياه ما اختُص به من إنزاله على وجوه القراءات، وتكفل الله بحفظه وترتيله، فجاء مُصرَّفا على أوسع اللغات، وظلّ محروسا من الزيادة والنقصان والتبديل على مر الزمان وتقلّب الأحوال، وما ذاك إلا دلالة من دلائل إعجازه وبدائع نظمه.
стр. 5694
إن القرآن الكريم وقراءاته روح حياة الأمة الإسلامية ومشكاة حضارتها الفكرية، فلذلك كان حقا على المتخصصين من أبناء الأمة في كل عصر أن يعنوا بمحاسن هذا الدين العالمي من خلال كتابه المبين، وأن ينبروا لإظهار الحق وإبرازه بلغة تناسب عصورهم ومعطياتها.
ويأتي هذا البحث القرآني ليعنى بدراسة قضية أخذت حيزا من اهتمام علماء القراءات، غير أنها لم تفرد بمؤلَّف يُسهّل على الباحثين تقريب مباحثها، فجاء هذا البحث ليلمّ ما تشعّب من مسائلها، ويكشف اللثام عن تاريخها وأصولها، في دراسة موضوعية تطبيقية.
ومن الله تعالى أستمد العون، ومنه سبحانه أستلهم الرشاد.
أهمية الموضوع:
يمثل هذا الموضوع دعامة مهمة في الحكم على القراءات وفق المنهج الأمثل الذي اعتمد عليه حذاق القراء ومحرريهم.
وهو ذو أهمية ضرورية، إذ به يعرف ما يقبل من القراءات وما يُبنى عليها من أحكام شرعية وتعبدية وما لا يُقرأ به منها وما لا يعمل به أيضا.
وتشمل هذه الدعامة الجوانب اللغوية وجميع المسائل التي تنبني على هذا العلم في التفسير وغيره.
والحق أن هذا الموضوع يُعمل الفكر ويذكي جذوته في البحث عن ضبط حروف القرآن الكريم وقراءاته، وفي ذلك فوائد جليلة، وإليها أشار الحافظ ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) بقوله:
فليحرص السعيد في تحصيله * ولا يَملّ قط من ترتيله
وليجتهد فيه وفي تصحيحه * على الذي نُقل من صحيحه (١)
وحاجة الباحثين في الدراسات القرآنية وما يتصل بها إلى هذا الموضوع أكثر من غيرهم، إذ تستدعي دراستهم معرفة المنهج الذي يتم على ضوئه الحكم علي القراءات بناء على الأسس والمعايير العلمية.
стр. 5695
وقد لُحظ أن عددا من الباحثين إذا وجد القراءة في كتاب السبعة لابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) حكم بتواترها، ومنهم من إذا وجدها في مختصر شواذ القرآن لابن خالويه (ت٣٧٠ هـ) أو المحتسب لابن جني (ت ٣٩٢ هـ) حكم بشذوذها، وذلك منهج غير صحيح، كما سيتضح من خلال هذه الدراسة إن شاء الله تعالى، ولا شك أن بيان المنهج الصحيح والحالة هذه أمسى ضرورة ملحّة، ولا سيما أن المصادر التي تثري هذا الموضوع توفرت في هذا الوقت أكثر من ذي قبل، حيث نشطت حركت تحقيق كتب القراءات وطبعها، كما تيسرت ولله الحمد سبل الاطلاع على المخطوطات واستجلابها، وذلك يلقي بظلاله على المهتمين بعلم القراءات دراسة هذا الموضوع وأمثاله على نحو أعمق.
ولا تقتصر أهمية الموضوع على الباحثين فحسب، فالموضوع يتصل بكلام الله جل وعلا وشرعة هذه الأمة ومنهاجها، والأعداء يتربصون بالأمة الإسلامية وكتابها أشد التربّص، لنفث سمومهم ونشر شبهاتهم للطعن في القرآن الكريم من خلال اختلاف قراءاته.
ولئن كان مثار الجدل حول اختلاف أوجه القراءات مقصورا على فئات معينة فإنه في هذا العصر أصبح أكثر اتساعا بواسطة وسائل الإعلام والاتصال المتعددة التي لم يسبق لها مثيل.
فهذا الموضوع وأشباهه من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يتجرد لها أهل الاختصاص لحماية هذه الثغرة والحفاظ على ميراثنا الرباني المجيد، ويأتي في مقدمة تلك الموضوعات ما يُعنى بالأسس والمناهج التي إذا أُبرزت بالصورة الصحيحة أسهمت في الكشف عن مظهر حضاري لهذا الدين العظيم، ألا وهو سلامة مناهجه، وثبات مقاييسه، وصدقية أحكامه.
هدف البحث:
يستهدف هذا البحث دراسة الكلمات القرآنية التي قرئت على أكثر من وجه، وذلك بالكشف عن الأسس والضوابط المعتبرة التي عوّل عليها القراء في الحكم علي القراءات، مع دراسة تطبيقية ترسخ ذلك المنهج لدا الباحثين نظريا وعمليا.
خطة البحث:
стр. 5696
تتكون خطة هذا البحث من مقدمة وأربعة فصول وخاتمة،وذلك على النحو التالي:
المقدمة: وتتضمن أهمية البحث وهدفه وخطته، كما تقدم بيانه.
الفصل الأول: تاريخ الحكم على القراءات وأهميته، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: تاريخ الحكم على القراءات.
المبحث الثاني: أهمية الحكم على القراءات.
الفصل الثاني: أنواع القراءات ومراتبها، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: ما يُقرأ به وما لا يُقرأ به.
المبحث الثاني: مراتب القراءات.
الفصل الثالث: الخطوات العلمية للحكم على القراءات، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: الحكم على القراءة عن طريق مصادرها.
المبحث الثاني: الحكم على القراءة من خلال دراستها.
الفصل الرابع: الدراسة التطبيقية على الحكم على القراءات.
الخاتمة: وتتضمن أهم نتائج البحث.
***
الفصل الأول: تاريخ الحكم على القراءات وأهميته ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: تاريخ الحكم على القراءات.
المبحث الثاني: أهمية الحكم على القراءات.
تاريخ الحكم على القراءات:
يرجع تاريخ الحكم على القراءات إلى بداية الإذن بالقراءة على سبعة أحرف، فكان الحُكم عند اختلاف الصحابة في القراءات إلى الرسول ﷺ ، ففي حادثة عمر (ت ٢٣ هـ) ﵁ مع هشام بن حكيم (ت بعد ١٥ هـ) ﵁ لما استقرأهما الرسول ﷺ صوّب قراءة كل واحد منهما) (١) ، كما وجّه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إلى أن يقرؤوا كما عُلّموا (٢) .
стр. 5697
فلا يقبل من القراءات إلا ما كان منقولا عن الرسول ﷺ ، وعلى هذا النهج جمَع أبو بكر الصديق (ت ١٣ هـ) ﵁ القرآن الكريم، إذ كان من شروطه أن لا يثبتوا بين اللوحين إلا ما ثبت سماعه من الرسول ﷺ وتُلقي عنه (١) ،ومما يدل على ذلك قول عمر بن الخطاب (ت ٢٣ هـ) ﵁: " من كان تلقى من رسول الله شيئا من القرآن فليأتنا به " (٢) ، فالتلقي شرط معتبر في القرآن الكريم وقراءاته.
وقد لزم جميع الصحابة رضوان الله عنهم هذا النهج القويم، حيث كانوا يقرؤون بما تعلموا، ولا ينكر أحد على أحد قراءته، ثم أن انتشروا في البلاد يعلمون الناس القرآن والدين، " فعلّم كل واحد منهم أهل مصره على ما كان يقرأ على عهد النبي ﷺ ، فاختلفت قراءة أهل الأمصار على نحو ما اختلفت قراءة الصحابة الذين علموهم " (٣) .
وبعد سنة واحدة من خلافة عثمان بن عفان (ت ٣٥ هـ) ﵁، أي في حدود سنة خمس وعشرين (٤) شهد حذيفة بن اليمَان (ت ٣٥ هـ) ﵁ فتح أَرْمينية وأَذربيجان فوجد الناس مختلفين في القرآن، " ويقول أحدهم للآخر: قراءتي أصح من قراءتك، فأفزعه ذلك (٥) " فركب حذيفة إلى أمير المؤمنين ﵄، فقال: " يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى" (٦) .
стр. 5698
فقام عثمان بن عفان الخليفة الراشد بكتابة المصاحف على اللفظ الذي استقر عليه العمل في العرضة الأخيرة عن النبي ﷺ بمشورة الصحابة ﵃ واتفاق منهم، فأخذ المسلمون بها وتركوا ما خالفها (١) .
ومن هنا ظهر العمل بالمقياس القرّائي الذي يعتبر شرطا أساسا في الحكم على القراءة، وهو موافقة الرسم العثماني، وكل قراءة خالفت هذا الرسم عند جمهور العلماء لا تُعدّ متواترة عن النبي ﷺ ، وإن ثبتت فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة (٢) .
فلا تصح القراءة بما خالف الرسم العثماني من أوجه القراءة وإن صح نقلها، وهذا هو أحد الأركان الثلاثة لصحة القراءة، والركنان الآخران هما: ثبوت القراءة بالنقل الصحيح، وموافقتها للغة العربية.
أما شرط النقل فقد تقدم آنفا، وأما شرط العربية فمنشؤه من إنزال القرآن على لسان العربية، قال الله تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين ((٣) .
ومقياس العربية أشبه بالوصف، لأن القراءة إذا صحت نقلا لزم أن تصح عربية.
وبعد: فيمكننا القول: إن شروط قبول القراءات التي اعتمدها أهل السنة والجماعة (٤) كانت أصولها منذ زمن الرسول ﷺ ، واكتملت بالتحديد بعد العرضة الأخيرة، حيث لا تجوز القراءة إلا بما أقرأ به الرسول ﷺ من أوجه القراءات واتصل به، ووافق ما رسم عليه المصحف على مقتضى العرضة الأخيرة، ووافق لغة القرآن، فلا جرم أن تلك الأركان مستقاة مما تواتر نقله عن الرسول ﷺ على هذا النحو.
стр. 5699
وما كان لهذه الشروط أن يرتكز عليها أهل السنة والجماعة لولا اعتمادها على نصوص الشريعة وأصولها، ولاسيما أن الأمر يختص بالقرآن الكريم، فما خالف هذه الشروط من أوجه القراءات فهو منسوخ أو باطل أو شاذ (١) ، ولا يمكن اعتقاد ذلك والحكم به إلا بدليل من القرآن والسنة، " إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي، وما نُسخ بالإجماع، فالإجماع يدل على ناسخ قد سبق في نزول الوحي من كتاب أو سنة" (٢) ، وما يقال في النسخ يقال فيما شابهه من الأحكام المذكورة آنفا القاضية ببطلان ما خرج عن تلك الأصول، ولهذا قال العلماء:" القراءة سنة" (٣) ، قال إسماعيل القاضي: (ت ٢٨٢ هـ) في معنى ذلك:" أحسبه يعني هذه القراءة التي جُمعت في المصحف (٤) ".
وقد عمل القراء بهذا الميزان إقراء وتأليفا في الحكم على القراءات، كما جاءت الإشارة إليه في أوائل مصنفاتهم، فقال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ) - وهو أول إمام معتبر جمع القراءات (٥) بعد أن ناقش أحد أوجه القراءات علل حكمه بأنه اجتمعت له الشروط الثلاثة المذكورة، حيث قال: " اجتمعت له المعاني الثلاثة من أن يكون مصيبا في العربية وموافقا للخط وغير خارج عن قراءة القراء" (٦) .
وعلى هذا الأساس اعتمد مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧ هـ) ما يقبل من القراءات وما لا يقبل (٧) .
стр. 5700
وقد ظل هذا المعيار هو الحكم الذي يُحتكم إليه عند اختلاف أوجه القراءات، ولا سيما بعد أن كثر الاختلاف فيما يحتمله الرسم، وكثر أهل البدع الذين قرؤوا بما لا تحل تلاوته (١) .
وكلما تقادم الزمن كثر القراء وانتشروا، وخلفهم أجيال بعد أجيال في طبقات متتابعة، فمنهم المجوّد للتلاوة المشهور بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف، وكثر بسبب ذلك الاختلاف، وكاد يختلط المتواتر بالشاذّ، فانبرى جهابذة العلماء فميزوا ذلك وحرروه وضبطوه في مؤلفاتهم (٢) .
قال الحافظ ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) :"وإذا كان صحة السند من أركان القراءة كما تقدم تعين أن يعرف حال رجال القراءات كما يعرف أحوال رجال الحديث، لا جرم اعتنى الناس بذلك قديما، وحرص الأئمة على ضبطه عظيما، وأفضل من علمناه تعاطى ذلك وحققه، وقيد شوارده ومطلقه، إماما الغرب والشرق الحافظ الكبير الثقة أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني مؤلف التيسير وجامع البيان وتاريخ القراء وغير ذلك ومن انتهى إليه تحقيق هذا العلم وضبطه وإتقانه ببلاد الأندلس والقطر الغربي، والحافظ الكبير أبو العلاء الحسن بن أحمد العطار الهمداني مؤلف الغاية في القراءات العشر وطبقات القراء وغير ذلك ومن انتهى إليه معرفة أحوال النقلة وتراجمهم ببلاد العراق والقطر الشرقي.
ومن أراد الإحاطة بذلك فعليه بكتابنا غاية النهاية في أسماء رجال القراءات أويى الرواية والدراية" (٣) .
стр. 5701
ثم إن الحافظ ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) جمع ما انتهى إليه من سبقه في مصنفاته المنيفة، ويأتي في مقدمتها الكتاب المذكور غاية النهاية وكتابه النشر في القراءات العشر ومنظومته طيبة النشر، ومن ثم عكف الشيوخ عليها تأليفا وإقراء، فاشتهر علم التحريرات الذي يعنى بعزو أوجه القراءات إلى طرقها ومصنفاتها، في دقة متناهية مع بيان الجائز منها والممنوع حال الإقراء، وآخر ما انتهى إليه هذا العلم تحقيقا وتأليفا وإقراء هو الإمام محمد بن أحمد المتولي (ت ١٣ ١٣هـ) الملقب بابن الجزري الصغير، إذ عليه مدار الإقراء وبه تلتقي جل أسانيد القراء، فهو بجدارة إمام مدرسة القراءات في العصر الحديث (١) .
ولئن استمر العمل في تحرير القراءات والحكم عليها بعد ابن الجزري فإنه لن ينقطع بالمتولي، وهو مجال رحب للقراء والباحثين.
أهمية الحكم على القراءات
القراءات ميراث خالد اختصت به هذه الأمة من بين سائر الأمم، وعلم القراءات علم جليل، له من الرواية ذروة سنامها، ومن الدراية صافي دررها، وإحكام مبانيها والتبحر في مقاصدها والغوص في معانيها بحر لا ساحل له وغور لا قاع له.
وعلم القراءات ليس له حد ينتهي إليه، فمجالاته عديدة وفروعه متشعبة، وطرق أسانيده لا تكاد تستقصى، ومعاني وجوه القراءات لا تكاد تنقضي، فكلما أنعم الباحث النظر في تصاريفها تجددت معانيها في حلل أبهى.
وتجيء مكانة الحكم على القراءات في أولويات القيم العلمية لهذا النوع من العلوم الشرعية.
стр. 5702
قال الحافظ ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) في سياق تعداد فوائد علم القراءات:" ومنها بيان فضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم، من حيث تلقيهم لكتاب ربهم هذا التلقي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال، والبحث عن لفظةٍٍ لفظةٍ، والكشف عن صِيغةٍ صِيغةٍ، وبيان صوابه، وبيان تصحيحه، وإتقان تجويده حتى حموه من خلل التحريف، وحفظوه من الطغيان والتطفيف، فلم يهملوا تحريكا ولا تسكينا، ولا تفخيما ولا ترقيقا، حتى ضبطوا مقادير المدات وتفاوت الإمالات وميزوا بين الحروف بالصفات، مما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم، ولا يُوصل إليه إلا بإلهام بارئ النسم " (١) .
وتشتمل الأهمية العلمية للحكم على القراءات على الجوانب العقدية والفقهية.
أما الجانب العقدي:
فإن ما قُطع على صحته يكفر من جحده لأنه من القرآن، وكل قراءة ثبتت على هذا النحو فهي مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية، كلاهما حق يجب الإيمان بهما والعمل بهما، وسواء كانتا قراءتين أم أكثر، وأما ما لم يقطع على صحته فإنه لا يكفر من جحده، لأن ذلك من موارد الاجتهاد التي لا يلحق النافي ولا المثبت فيها تكفير ولا فسق، والأولى أن لا يُقدم على الجزم بردّ قرآنيته، وأما ما لم يثبت نقله ألبته أو جاء من غير ثقة فلا يقبل أصلا (٢) .
وأما الجانب الفقهي:
فهو منبثق من الجانب العقدي، إذ ما قطع عليه من القراءات بكونه قرآنا جازت القراءة به في الصلاة وخارجها، وما لم يقطع بصحته فقد اختُلف فيه (٣) .
стр. 5703
والقراءة الصحيحة المقروء بها لا خلاف في الاحتجاج بها، والأظهر أن الشاذ من القراءات إذا صح نقله فإنه يحتج به في الأحكام وإذا لم يصح نقله فلا يجوز الاستدلال به في الأحكام (١) .
وينبغي أن يحمل ذلك على ما جاء في التفسير واللغة أيضا، فلا يُستند فيها إلا على قراءة صحيحة ولو كانت منقولة نقلا آحادا، كما أن القراءة إذا ثبتت وجب قبولها وعدم ردها ولو أباها بعض النحويين (٢) .
حقا فدراسة القراءات والحكم عليها ذات أهمية فائقة، وتبرز هذه الأهمية في سائر فروع القراءات ومجالاتها النقلية والعقلية، ولا سيما في معايير قبول القراءات واختيارها، وفي مقدمتها أركان قبول القراءة السالفة الذكر.
ولا تزال القيمة العلمية في ذلك ذات أهمية فائقة، وبخاصة في القراءات التي لا يقرأ بها الآن، وأكثرها يذكر في الكتب غير معزو بَلْهْ بيان نوعها ودرجتها، وربما أُخذ بها في الأحكام الفقهية والمعاني التفسيرية والقواعد اللغوية وغيرها، وإذا اتضح أن ما كان كذلك من القراءات لا يحتج به إلا إذا كان بنقل صحيح فإن البحث فيها من أولى المهمات.
الفصل الثاني: أنواع القراءات ومراتبها، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: ما يُقرأ به وما لا يُقرأ به.
المبحث الثاني: مراتب القراءات.
أنواع القراءات ومراتبها
كان لأحوال القراءات التاريخية أثر بين في تنوعها، وتعتبر العرضة الأخيرة المرحلة التي عليها الاعتماد، ولا سيما بعد الجمع العثماني (٣) ، ومن ثم فإن ما خالف الرسم أقل رتبه مما وافقه أو احتمله.
كما أن لنقل القراءات والمشافهة بها أثرا في تفاوت القراءات وتفاضلها، إذ تتنوع بحسب رواتها كثرة وقلة وقوة وضعفا.
стр. 5704
وثمة اعتبارات أخرى تعطي القراءات مجالا أوسع في تعداد أنواعها، وسيتناول هذا المبحث منها ما يخص الحكم منها، حيث ستتم دراسة القراءات من جهة المقروء به وغير المقروء به، ومراتب كل منهما.
ما يُقرأ به وما لا يُقرأ به
ليس كل ما يُروى من القراءات تجوز القراءة به الآن، وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يُعوّل عليه في ذلك؟ أهو ما جاء عن القراء السبعة أو عن العشرة؟ أو ما توفرت فيه أركان صحة القراءة وإن كان عن غير السبعة والعشرة؟ أو أن المعتمد عليه في ذلك ما ورد في كتب القراءات أو كتب معينة منها ككتاب السبعة والشاطبية والنشر؟
والحق أن الذي يجب أن يعول عليه ما نقل متواترا مشافهة، واستمرّ على هذا النحو، حيث ورد عن غير واحد من الصحابة والتابعين أن القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول (١) ، وعن علي بن أبي طالب (ت ٤٠ هـ) ﵁ أنه قال:" إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل كما عُلّم " (٢) .
وذلك أن القراءات لا تضبط إلا بالتلقي والسماع من الشيوخ ومشافهتهم بها كما أخذوها عمن قبلهم هكذا إلى النبي ﷺ ، وهذا يمثل الشرط الأول في أركان القراءة، وهو صحة النقل، والشرطان الآخران وهما الرسم والعربية لازِمان لهذا النوع من القراءات المقروء بها (٣) .
стр. 5705
وليس كل ما شُوِفهَ به يُقرأ به اليوم، بل لابد من اتصاله بأهل العصر، ولذلك فإن كثيرا من القراءات كان يقرأ بها (١) ، بيد أن انقطاع إسنادها مشافهة لقصور الهمم أدى إلى إهمالها ومن ثم لم تتصل، وعليه فلا تجوز القراءة بها الآن.
والذي عليه قراءة هذا العصر هو ما اتصل بالقراء العشرة، وهم:
ابن عامر الشامي (ت ١١٨ هـ) وابن كثير المكي (ت ١٢٠ هـ) وعاصم بن أبي النَّجود (١٢٧ هـ) وأبو عَمرو البصري (ت ١٥٤ هـ) وحمزة الزيات (ت ١٥٦ هـ) ونافع المدني (ت ١٦٩ هـ) والكسائي (ت ١٨٩ هـ) والثلاثة الذين يكتمل بهم العشرة، وهم أبو جعفر المدني (١٣٠ هـ) ويعقوب الحضرمي (ت ٢٠٥ هـ) وخلف البزار (ت ٢٢٩ هـ) .
وليس كل ما يُعزى إلى هؤلاء يُقرأ به، بل لا يقرأ إلا بما ثبت عنهم على وجه المشافهة دون انقطاع (٢) .
وليس لأحد أن يقرأ بأوجه القراءات المقروء بها عن الأئمة العشرة إلا إذا شافهه بها، لأن القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول كما تقدم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) : " ولم ينكر أحد من العلماء قراءة العشرة، ولكن من لم يكن عالما بها أو لم تثبت عنده ... فليس له أن يقرأ بما لا يعلمه" (٣) .
والذي لا يقرأ به أكثر مما يقرأ به، فإن في سورة الفاتحة ما يناهز خمسين اختلافا من غير المقروء به، وفي سورة الفرقان نحو مائة وثلاثين موضعا (٤) .
стр. 5706
وما ترك من القراءات له أصل في الشرع، وإلا كانت الأمة آثمة بعدم أدائه، وهذا الأصل هو قول الرسول ﷺ في حديث الأحرف السبعة: " فاقرؤوا ما تيسر منه " (١) ، حيث دلّ الحديث على أن نقل جميع حروف القراءات ليس نقل فرض وإيجاب، وإنما كان أمر إباحة وترخيص (٢) ، وبذلك يظهر وجه علّة الأوجه والروايات التي كان يقرأ بها في الأمصار عن الأئمة السبعة أو العشرة ثم اندثرت، مثال ذلك قول الحافظ أبي العلاء (ت ٥٦٩ هـ) في مقدمة غايته: " فإن هذه تذكرة في اختلاف القراء العشرة الذين اقتدى الناس بقراءتهم، وتمسكوا فيها بمذاهبهم من أهل الحجاز والشام والعراق " (٣) ، ثم ذكر بعد ذلك رواتهم ومنهم شجاع ابن أبي نصر (١٩٠ هـ) وأبو زيد الأنصاري (ت ٢١٥ هـ) عن أبي عمرو البصري (ت ١٥٤ هـ) ، وقتيبة ابن مِهْران (ت بعد ٢٠٠ هـ) عن الكسائي (ت١٨٩ هـ) وغيرهم، في حين أن روايات هؤلاء وأمثالهم لا يقرأ بها الآن (٤) .
стр. 5707
وأما ما يذكر في كتب القراءات على وجه القراءة مع مخالفته للرسم فقد حمله أكثر العلماء على وجه التعليم فحسب، وذلك من أجل الاستفادة في الأحكام الشرعية والأدبية (١) .
مراتب القراءات
تختلف مراتب أوجه القراءات على أنواع شتى، فمن أوجهها المتواتر والمشهور والآحاد والضعيف، ومنها المسند على وجه الأداء والتلاوة، والمسند على وجه الرواية دون تلاوة، ومنه المذكور في كتب أهل العلم دون إسناد ومنها ما لا أصل له ... ، غير أنها كلها تؤول إلى نوعين، وهما:
النوع الأول: القراءة المتواترة.
النوع الثاني: القراءة الشاذة.
أولا القراءة المتواترة:
وهي القراءات التي اشتملت على شروط صحة القراءة المشهورة، وهي السند والرسم والعربية.
стр. 5708
والمقصود بالسند: ثبوت الوجه من القراءة بالنقل الصحيح عن الثقات (١) ، وهو غير معدود عندهم من الغلط أو مما شذ به بعضهم (٢) ، وقد اختلفت تعبيرات العلماء في ذلك اختلافا يوهم التناقض، فمنهم من نص على الآحاد (٣) ، ومنهم من قيده بالشهرة والاستفاضة (٤) ، ومنهم من صرح بالتواتر وهم الأكثرون (٥) ، وقد استبان بعد النظر في أقوالهم أن الخلاف صوري، فمن نظر إلى أسانيد القراء من جهة نظرية على ما هو مذكور في أسانيد مصنفاتهم وجد كثيرا من أوجه الاختلاف تشتمل على أسانيد آحادية أو مشهورة، ومن نظر إليها من جهة الوقوع عدها متواترة وأجاب بأن انحصار الأسانيد ولو كانت آحادية في طائفة معينة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم إذ مع كل واحد منهم في طبقته ما يبلغها حد التواتر، لأن القرآن قد تلقاه من أهل كل بلد الجم الغفير طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل، ولو انفرد أحد بوجه دون أهل تلك البلد لم يوافقه على ذلك أحد (٦) "، ومما يدل على هذا ما قاله ابن مجاهد: قال لي قُنبل: قال لي القوّاس: في سنة سبع وثلاثين ومائتين الق هذا الرجل يعني البَزِّي فقل له: هذا الحرف ليس من قراءتنا،يعني (وما هو بميت ((٧) مخففاً، وإنما يخفف من الميت من قد مات، ومن لم يمت فهو مشدد، فلقيت البَزِّي فأخبرته فقال: قد رجعت عنه " (٨) .
стр. 5709
وحيث إن القراءات العشر المقروء بها في هذا العصر على هذا النحو فإنها هي المتواترة، وما عداها فهو الشاذّ، إذ انقطاع الإسناد من جهة المشافهة لأي وجه من القراء مسقط له، ولو تواتر الإسناد نظريا في الكتب، وذلك أن في القراءات وجوها لا تحكمها إلا المشافهة، بله إذا صح إسناده ولم يتصل مشافهة.
والتواتر المذكور يختص بأوجه القراءات بصفة عامة، وليس كل ما كان من قبيل الأداء متواتر، بل منه الصحيح المستفاض المتلقى بالقبول، كمقادير المد الزائدة على القدر المشترك بين أهل الأداء، غير أنه ملحق بالمتواترة حكما لأنه من القرآن المقطوع به، قال الحافظ ابن الجزري (ت٨٣٣ هـ) : " ونحن ما ندعي التواتر في كل فرْدٍ مما انفرد به بعض الرواة أو اختص ببعض الطرق، لا يدّعي ذلك إلا جاهل لا يعرف ما التواتر؟ وإنما المقروء به عن القراء العشرة على قسمين: متواتر، وصحيح مستفاض متلقى بالقبول، والقطع حاصل بهما " (١) .
وقال أيضا: " فإنه إذا ثبت أن شيئا من القراءات من قبيل الأداء لم يكن متواترا عن النبي ﷺ ، كتقسيم وقف حمزة وهشام وأنواع تسهيله، فإنه وإن تواتر تخفيف الهمز في الوقف عن النبي ﷺ فلم يتواتر أنه وقف على موضع بخمسين وجها ولا بعشرين وجها، ولا بنحو ذلك، وإنما إن صح شيء منها فوجه، والباقي لاشك أنه من قبيل الأداء " (٢) .
ولعل هذا النوع من الأوجه المختلف فيها بين القراء هو الذي جعل بعض العلماء لا يشترط التواتر.
والمقصود بموافقة الرسم:
стр. 5710
أن تكون القراءة موافقة لأحد المصاحف العثمانية المشهورة، سواء كانت تحقيقا وهي الموافقة الصريحة، أو كانت الموافقة تقديرية وهي الاحتمالية، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع كثيرة إجماعا نحو: " الصلوة "و" الزكوة "، وبذلك وردت بعض القراءات نحو قراءة " مالك " في سورة الفاتحة بالألف مع أنها مرسومة بدون ألف، فاحتمل أن تكون مرادة كما حذفت من "الرحمن" و " إسحق " (١) .
والمقصود بموافقة العربية:
أن تكون القراءة على سنن كلام العرب ولهجاتها التي وافقت الأحرف السبعة، وإن لم تكون مشهورة لدى النحويين، قال الإمام الداني (ت ٤٤٤ هـ) : " وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية، إذا ثبتت لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها " (٢) .
وأي وجه من القراءات توفرت فيه تلك الشروط فهو من القرآن الذي يجب الإيمان به، ويكفر من جحده (٣) .
وجمهور العلماء على جواز الاختيار بين تلك القراءات، واختياراتهم في ذلك مشهورة، " وأكثر اختياراتهم إنما هو في الحرف إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء: قوة وجهه في العربية وموافقته للمصحف واجتماع العامّة عليه " (٤) ، إلا أنه ينبغي التنبيه على شيء، وهو أنه قد تُرجّح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحاً يؤدي إلى إسقاط القراءة الأخرى أو إنكارها، وهذا غير مرضي، لأن كلتيهما متواترة (٥) .