وما ترك من القراءات له أصل في الشرع، وإلا كانت الأمة آثمة بعدم أدائه، وهذا الأصل هو قول الرسول ﷺ في حديث الأحرف السبعة: " فاقرؤوا ما تيسر منه " (١) ، حيث دلّ الحديث على أن نقل جميع حروف القراءات ليس نقل فرض وإيجاب، وإنما كان أمر إباحة وترخيص (٢) ، وبذلك يظهر وجه علّة الأوجه والروايات التي كان يقرأ بها في الأمصار عن الأئمة السبعة أو العشرة ثم اندثرت، مثال ذلك قول الحافظ أبي العلاء (ت ٥٦٩ هـ) في مقدمة غايته: " فإن هذه تذكرة في اختلاف القراء العشرة الذين اقتدى الناس بقراءتهم، وتمسكوا فيها بمذاهبهم من أهل الحجاز والشام والعراق " (٣) ، ثم ذكر بعد ذلك رواتهم ومنهم شجاع ابن أبي نصر (١٩٠ هـ) وأبو زيد الأنصاري (ت ٢١٥ هـ) عن أبي عمرو البصري (ت ١٥٤ هـ) ، وقتيبة ابن مِهْران (ت بعد ٢٠٠ هـ) عن الكسائي (ت١٨٩ هـ) وغيرهم، في حين أن روايات هؤلاء وأمثالهم لا يقرأ بها الآن (٤) .
стр. 5707
وأما ما يذكر في كتب القراءات على وجه القراءة مع مخالفته للرسم فقد حمله أكثر العلماء على وجه التعليم فحسب، وذلك من أجل الاستفادة في الأحكام الشرعية والأدبية (١) .
مراتب القراءات
تختلف مراتب أوجه القراءات على أنواع شتى، فمن أوجهها المتواتر والمشهور والآحاد والضعيف، ومنها المسند على وجه الأداء والتلاوة، والمسند على وجه الرواية دون تلاوة، ومنه المذكور في كتب أهل العلم دون إسناد ومنها ما لا أصل له ... ، غير أنها كلها تؤول إلى نوعين، وهما:
النوع الأول: القراءة المتواترة.
النوع الثاني: القراءة الشاذة.
أولا القراءة المتواترة:
وهي القراءات التي اشتملت على شروط صحة القراءة المشهورة، وهي السند والرسم والعربية.
стр. 5708
والمقصود بالسند: ثبوت الوجه من القراءة بالنقل الصحيح عن الثقات (١) ، وهو غير معدود عندهم من الغلط أو مما شذ به بعضهم (٢) ، وقد اختلفت تعبيرات العلماء في ذلك اختلافا يوهم التناقض، فمنهم من نص على الآحاد (٣) ، ومنهم من قيده بالشهرة والاستفاضة (٤) ، ومنهم من صرح بالتواتر وهم الأكثرون (٥) ، وقد استبان بعد النظر في أقوالهم أن الخلاف صوري، فمن نظر إلى أسانيد القراء من جهة نظرية على ما هو مذكور في أسانيد مصنفاتهم وجد كثيرا من أوجه الاختلاف تشتمل على أسانيد آحادية أو مشهورة، ومن نظر إليها من جهة الوقوع عدها متواترة وأجاب بأن انحصار الأسانيد ولو كانت آحادية في طائفة معينة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم إذ مع كل واحد منهم في طبقته ما يبلغها حد التواتر، لأن القرآن قد تلقاه من أهل كل بلد الجم الغفير طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل، ولو انفرد أحد بوجه دون أهل تلك البلد لم يوافقه على ذلك أحد (٦) "، ومما يدل على هذا ما قاله ابن مجاهد: قال لي قُنبل: قال لي القوّاس: في سنة سبع وثلاثين ومائتين الق هذا الرجل يعني البَزِّي فقل له: هذا الحرف ليس من قراءتنا،يعني (وما هو بميت ((٧) مخففاً، وإنما يخفف من الميت من قد مات، ومن لم يمت فهو مشدد، فلقيت البَزِّي فأخبرته فقال: قد رجعت عنه " (٨) .
стр. 5709
وحيث إن القراءات العشر المقروء بها في هذا العصر على هذا النحو فإنها هي المتواترة، وما عداها فهو الشاذّ، إذ انقطاع الإسناد من جهة المشافهة لأي وجه من القراء مسقط له، ولو تواتر الإسناد نظريا في الكتب، وذلك أن في القراءات وجوها لا تحكمها إلا المشافهة، بله إذا صح إسناده ولم يتصل مشافهة.
والتواتر المذكور يختص بأوجه القراءات بصفة عامة، وليس كل ما كان من قبيل الأداء متواتر، بل منه الصحيح المستفاض المتلقى بالقبول، كمقادير المد الزائدة على القدر المشترك بين أهل الأداء، غير أنه ملحق بالمتواترة حكما لأنه من القرآن المقطوع به، قال الحافظ ابن الجزري (ت٨٣٣ هـ) : " ونحن ما ندعي التواتر في كل فرْدٍ مما انفرد به بعض الرواة أو اختص ببعض الطرق، لا يدّعي ذلك إلا جاهل لا يعرف ما التواتر؟ وإنما المقروء به عن القراء العشرة على قسمين: متواتر، وصحيح مستفاض متلقى بالقبول، والقطع حاصل بهما " (١) .
وقال أيضا: " فإنه إذا ثبت أن شيئا من القراءات من قبيل الأداء لم يكن متواترا عن النبي ﷺ ، كتقسيم وقف حمزة وهشام وأنواع تسهيله، فإنه وإن تواتر تخفيف الهمز في الوقف عن النبي ﷺ فلم يتواتر أنه وقف على موضع بخمسين وجها ولا بعشرين وجها، ولا بنحو ذلك، وإنما إن صح شيء منها فوجه، والباقي لاشك أنه من قبيل الأداء " (٢) .
ولعل هذا النوع من الأوجه المختلف فيها بين القراء هو الذي جعل بعض العلماء لا يشترط التواتر.
والمقصود بموافقة الرسم:
стр. 5710
أن تكون القراءة موافقة لأحد المصاحف العثمانية المشهورة، سواء كانت تحقيقا وهي الموافقة الصريحة، أو كانت الموافقة تقديرية وهي الاحتمالية، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع كثيرة إجماعا نحو: " الصلوة "و" الزكوة "، وبذلك وردت بعض القراءات نحو قراءة " مالك " في سورة الفاتحة بالألف مع أنها مرسومة بدون ألف، فاحتمل أن تكون مرادة كما حذفت من "الرحمن" و " إسحق " (١) .
والمقصود بموافقة العربية:
أن تكون القراءة على سنن كلام العرب ولهجاتها التي وافقت الأحرف السبعة، وإن لم تكون مشهورة لدى النحويين، قال الإمام الداني (ت ٤٤٤ هـ) : " وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية، إذا ثبتت لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها " (٢) .
وأي وجه من القراءات توفرت فيه تلك الشروط فهو من القرآن الذي يجب الإيمان به، ويكفر من جحده (٣) .
وجمهور العلماء على جواز الاختيار بين تلك القراءات، واختياراتهم في ذلك مشهورة، " وأكثر اختياراتهم إنما هو في الحرف إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء: قوة وجهه في العربية وموافقته للمصحف واجتماع العامّة عليه " (٤) ، إلا أنه ينبغي التنبيه على شيء، وهو أنه قد تُرجّح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحاً يؤدي إلى إسقاط القراءة الأخرى أو إنكارها، وهذا غير مرضي، لأن كلتيهما متواترة (٥) .
стр. 5711
وأما تفضيل ما يعزى إلى القراء السبعة على ماعداهم من القراء العشرة في القراءات المتواترة فهو من حيث الشهرة فحسب، أما من حيث التواتر فالقراءات السبع والعشر سواء (١) .
ثانيا القراءة الشاذة:
وهي القراءة التي فقدت أحد الأركان الثلاثة لصحة القراءة، وقد لخص ابن الجزري ذلك بقوله:
وحيثما يختل ركن أثبتِ شذوذه لو أنه في السبعةِ (٢)
وقوله ﵀: " لو أنه في السبعة " يشير إلى أن الاعتماد في صحة أي وجه من وجوه القراءات على ما استجمع تلك الأوصاف، وليست العبرة بمن تنسب إليهم، فالقراء السبعة أو العشرة مع شهرتهم رُوي عنهم ما خرج عن أوصاف القراءة الصحيحة، وحينئذ ينبغي أن يحكم على ما كان كذلك بالشذوذ (٣) ، ولذلك قال أبو العباس الكوَاشي (ت ٦٨٠ هـ) : " ... فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات عن سبعة كانوا أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط من هذه الثلاثة فهو شاذّ" (٤) .
وقال أبو شامة (ت ٦٦٥ هـ) : " كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها وموافقتها خط المصحف ولم تنكر من جهة العربية فهي القراءة المعتمد عليها، وما عدا ذلك فهو داخل في حيز الشاذّ والضعيف، وبعض ذلك أقوى من بعض " (٥) .
ويتضح مما سبق أن مصطلح الشذوذ عند القراء مصطلح خاص، يقصد به ما خرج من أوجه القراءات عن أركان القراءة المتواترة.
وكما أن القراءات المتواترة على مراتب فكذلك القراءات الشاذة تتفاضل أيضا بحسب إسنادها قوة وضعفا، وبحسب رسمها مخالفة وموافقة، وبحسب عربيتها فصاحة ونحوا وتصريفا (٦) .
стр. 5712
ويندرج في القراءات الشاذة ما لم يصح سنده من المنكر والغريب والموضوع (١) .
وامتنع بعض المحققين من إطلاق الشاذ على ما لم ينقل أصلا وإن صح لغة ورسما، وسموه مكذوبا (٢) .
واعتبر بعض القراء وطوائف من أهل الكلام أن جميع ما روي من القراءات الخارجة عن المصاحف العثمانية محمولة على وجه التفسير وذلك بناء على أن تلك المصاحف اشتملت على جميع الأحرف السبعة، فما خرج منها فهو ليس من الأحرف السبعة أصلا،وهذا النوع على هذا المذهب أشبه بأنواع المدرج في علم الحديث.
وذهب أئمة السلف وأكثر العلماء إلى أن المصاحف العثمانية لم تشتمل على جميع الأحرف السبعة، وإنما اشتملت على جزء منها، وأن الجمع العثماني منع من القراءة مالا يحتمله خطه، وعليه فإن ما كان كذلك فهو من القراءات الشاذة وليس من التفسير، ولكن حكمه حكم التفسير بل أقوى (٣) .
ومذهب السلف هو الأسلم والأولى، وهو الموافق لتاريخ القراءات، وبه لا تنخرم إحدى القواعد المعتبرة التي اعتمدها أهل السنة والجماعة في تصحيح القراءة أو تشذيذها، وهي السند والرسم والعربية، وذلك يقتضي أن كل قراءة خرجت عن رسم المصاحف العثمانية قراءة شاذة وليست تفسيرا.
стр. 5713
وينبغي التنبه هنا على أن المقصود باشتراط العربية ذا بُعد يرجع إلى نزول القرآن على لسان العرب، وإلى أن أحرفه السبعة لا تخرج عن لهجات العرب، وحينئذ فإن الوجه إذا ثبت نقله واستقام رسمه فلا يحكم عليه بالشذوذ لمجرد طعن بعض النحاة ومن تبعهم، بل القراءة هي الحاكمة والحجة، فكيف إذا كان مقروءا بها في الأمصار والمحاريب، ويرحم الله الإمام ابن مالك (ت٦٧٢ هـ) إذ انتصر لأحد الوجوه التي أنكرت في قوله:
وعمدتي قراءةُ ابن عامرِ * وكم لها من عاضد وناصري (١) .
وأغلب ما وصف بالشذوذ من القراءات كان بسبب مخالفة الرسم العثماني أو بسبب عدم توافر النقل، وليس من أجل مخالفة العربية، إلا في النادر، مما نقله ثقة ولا وجه له في العربية، ولا يصدر مثل هذا إلا سهوا بشريا، وقد نبه عليه المحققون والقراء الضابطون (٢) .
الفصل الثالث: الخطوات العلمية للحكم على القراءات،
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: الحكم على القراءة عن طريق مصادرها.
المبحث الثاني: الحكم على القراءة من خلال دراستها.
الخطوات العلمية للحكم على القراءات
الخطوات الرئيسة في الحكم على أي قراءة، تكون من خلال ما يلي:
الحكم على القراءة عن طريق مصادرها.
الحكم على القراءة من خلال دراستها.
فإنه من خلال استقراء نصوص أئمة القراء في الحكم على القراءات استبان أن محاور أحكامهم تعتمد على هذين المحورين، فأول ما يُرجع إليه مصدرها، وهو الذي من خلاله يعرف ما إذا كانت القراءة مقروءاً بها عند أهل الأداء
стр. 5714
أو لا، فإن كانت من القراءات المقروء بها فهي قراءة متواترة يجب الإيمان بها والعمل بها، وإن لم تكن كذلك درست في ضوء أقوال العلماء فيها للوقوف على درجتها صحة وضعفا. ولا يخفى ما بين هذين المحورين من ترابط يثري المادة العلمية وإن كان لكل قراءة طبيعتها التي تستدعي الأخذ بهما أو بأحدهما.
الحكم على القراءة عن طريق مصادرها
يمكن تصنيف الكتب التي يستمد منها الحكم على القراءات وهي كتب القراءات المسندة إلى أربعة أنواع:
المصادر التي تضمنت القراءات المتواترة المقروء بها إلى وقتنا الحاضر.
المصادر التي تضمنت القراءات التي توفرت فيها شروط الصحة، إلا أنه انقطع إسنادها من جهة المشافهة بها، في بعض وجوه القراءات.
المصادر التي تضمنت القراءات دون مراعاة لشروط الصحة.
المصادر التي تضمنت القراءات الشاذة.
أما المصادر التي تضمنت القراءات المتواترة إلى وقتنا الحاضر فإن أئمة القراء في الوقت الحاضر يجعلونها على قسمين:
القسم الأول:
مصادر القراءات العشر الصغرى، وهي حرز الأماني ووجه التهاني المعروفة بالشاطبية في القراءات السبع للإمام القاسم بن فِيرُّه الشاطبي (ت ٥٩٠ هـ) وتحبير التيسير في القراءات العشر للحافظ أبي الخير محمد ابن الجزري (ت٨٣٣ هـ) وسُميت بالعشر الصغرى لأنها أخذت عن كل راو طريقاً واحداً فقط، وينضوي تحت تلك المصادر كل من وافقها من الكتب أو أَسند إليها، ومن أشهرها غيث النفع في القراءات السبع من طريق الشاطبية للصفاقسي (ت ١١١٨ هـ) والدرّة المضيّة في القراءات الثلاث للحافظ ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) والبدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريق الشاطبية والدرّة للشيخ عبد الفتاح القاضي (ت ١٤٠٣ هـ) .
القسم الثاني:
стр. 5715
مصادر القراءات العشر الكبرى، وهي التي اعتمدت عن كل راو ثمانية طرق أصلية، ولذلك أُطلق عليها العشر الكبرى، وهي في النشر في القراءات العشر وتقريب النشر وطيبة النشر، كلاها للحافظ ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) ، وكذلك من وافقه كما في إتحاف فضلاء البشر للبنا الدمياطي (ت ١١١٧ هـ) فيما يرويه عن القُرَّاء العشرة.
وهنا أمران ينبغي التنبيه لهما، وهما:
الأمر الأول:
أن الأوجه التي في القراءات العشر الصغرى قد تضمنتها القراءات العشر الكبرى إلا أربع كلمات زادت فيها الدرة وجها آخر لابن وردان ليس في الطيبة، وهي (لايخرج ((١) بضم الياء وكسر الراء، (فيغرقكم ((٢) بالتأنيث وتشديد الراء، (سقاية (و (عمارة ((٣) بضم أولهما وحذف الياء من (سقاية (وحذف الألف من (عمارة (.
الأمر الثاني:
حيث إنه ربما يشق على غير المتخصصين الرجوع إلى جميع المصادر المذكورة في هذا النوع من القراءات، وهي القراءات المتواترة التي عليها الاعتماد عند علماء العصر الحاضر، فإنه يمكن للباحث الرجوع إلى كتاب إتحاف فضلاء البشر للبنا الدمياطي (ت ١١١٧ هـ) فيما يرويه عن القراء العشرة، فإن هذا الكتاب قد اشتمل على المتواتر عن هؤلاء العشرة، لأنه تضمن النشر وطيبته وتقريبه وشروحها وما يدور في فلكها (٤) .
стр. 5716
وهذا الكتاب بمثابة النثر للطيبة والتهذيب للنشر، وذلك أن ابن الجزري لم يذكر في طيبته مما أورده في النشر إلا ما كان معمولا به عند علماء الأداء، ولا يخفى ما في النشر من كثرة طرقه وتشعبها وما في الطيبة من صعوبة من جهة نظمها ورموزها، فالخلاصة أن إتحاف فضلاء البشر من أيسر مصادر هذا النوع وأحسنها عرضاً وترتيباً، وهو من الكتب الأساسية في الحكم على القراءات، ومعرفة ما يقرأ به منها، فهو كما قيل:" كل الصيد في جوف الفَرا " (١) .
أما المصادر التي تضمنت القراءات التي توفرت فيها شروط الصحة إلا أنه انقطع إسنادها من جهة المشافهة بها فهي كثيرة، ولا يقرأ بشيء منها الآن إلا فيما اتصل إسناده على وجه المشافهة مما تضمنته المصادر السابقة وعلى رأسها كتاب النشر في القراءات العشر الذي حوى زهاء سبعين مصدرا من أمهات كتب القراءات (٢) .
وأشهر المصادر التي في هذا النوع السبعة للإمام ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) فهذا الكتاب مع شهرته إلا أنه قد انقطع العمل ببعض رواياته وأوجه قراءاته مشافهة (٣) ، وأمثاله كثير (٤) .
فما وجد من أوجه القراءات في هذه الكتب وثبت أنه لا يُقْرأ به الآن فإنه يحكم عليه بالشذوذ لفقده شرط اتصال السند مشافهة، وهو قليل، لأن الغالب من تلك المصادر قد تضمنه كتاب النشر في القراءات العشر أو وافقه.
стр. 5717
وأما المصادر التي تضمنت القراءات دون مراعاة لشروط الصحة، فقد نص عليها ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) في قوله ﵀: " ومنهم من ذكر ما وصل إليه من القراءات، كسبط الخياط، وأبي معشر في الجامع، وأبي القاسم الهُذلي، وأبي الكرم الشَّهْرزوري، وأبي علي المالكي، وابن فارس، وأبي علي الأهوازي، وغيرهم، فهؤلاء وأمثالهم لم يشترطوا شيئاً، وإنما ذكروا ما وصل إليهم، فيرجع إلى كتاب مقتدى ومقرئ مقلد" (١) .
وهذا النص يشير إلى أن المصادر من هذا النوع اشتملت على المتواتر والشاذ، فما وافق المصادر المعتبرة المقروء بها كان متواترا، وما خرج عنها حكم عليها بالشذوذ.
وعبارة ابن الجزري: " أو مقرئ مقلّد " تشير إلى أن الاقتصار في الحكم على كتاب " مقتدى" غير كاف، بل لابد أن ينضم إليه ما عليه العمل عند قراء كل عصر.
وأما المصادر التي تضمنت القراءات الشاذة فكمختصر شواذّ ابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ) والمحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لابن جني (ت ٣٩٢ هـ) والتقريب والبيان في معرفة شواذّ القرآن للصفراوي (ت ٦٣٦ هـ) وشواذ القرآن واختلاف المصاحف للكرماني، وغيرها، فهذه الكتب وأمثالها أصل مادتها القراءات الشاذة، فما حوته من القراءات حكم عليها بالشذوذ، إلا أن يكون الوجه من القراءة مستعملا في القراءات المتواتر (٢) ، فما كان كذلك فهو معدود في المتواتر، وإن نسب في تلك المصادر إلى غير القراء العشرة المشهورين، لأن العبرة باستيفاء الشروط وليس بمن تنسب إليهم القراءة، على أنها عند الاستقراء لا تخرج عن الأئمة العشرة كما سبق بيانه.
الحكم على القراءة من خلال دراستها
стр. 5718
لقد حظيت حروف القرآن العظيم على اختلاف قراءاته بنقل العلماء، ولكن إن فات شيء فهو نزر يسير، وأما أكثره وجملته فمنقول محكي عنهم، فجزاهم الله عن حفظهم الحروف والسنة أفضل الجزاء وأكرمه (١) .
وهذه الحروف منثورة في كتب القراءات المتخصصة وغيرها، أما كتب القراءات فقد سبق الحديث عنها آنفا، وأما الكتب الأخرى فلا شك أن ما اشتملت عليه مما خرج عن القراءات المتواترة أنه من الشاذّ.
وإذا تأصّل أنه لا تبنى الأحكام الفقهية والمعاني التفسيرية إلا على ما ثبت فلا جرم أن معرفة درجتها من الأهمية بمكان، وذلك أن الشذوذ في القراءات لا يقتضي الضعف، وإنما يمنع من القراءة بها فحسب.
وتقوم دراسة تلك القراءات على الاعتبار بأقوال أئمة القراء والعلماء في أسانيد الطرق والروايات ووجوه القراءات، وتشكل هذه الأقوال والنصوص مادة غنية تساعد الباحث على معرفة درجة القراءة، وينبغي عند الحاجة إلى الرجوع إليها أن يراعى ما يلي:
أن بحث الحكم لا يحتاج إليه إلا في القراءات التي انقطع إسنادها، فلا يقرأ بها في العصر الحاضر، لأن القراءة إذا كان مقروءا بها فذلك يكفي دليلا على تواترها، ولا حاجة للبحث عنها أصلا بل يجب الإيمان بها والعمل بها مطلقا، لأنه مقطوع بصحتها.
وما جاء عن بعض العلماء مما يوهم تضعيف بعض القراءة المتواترة أو ردها فهو إما أن يكون صادرا عن غير ذوي الاختصاص فهذا مردود عليه، كما هو مشهور عند بعض النحاة، وقد تصدى علماء القراءات للردّ عليهم بما لا مزيد عليه.
وإما أن يكون صادرا عن بعض ذوي الاختصاص، فهذا ينبغي أن يرجع فيه إلى أقوال العلماء الآخرين، لحمل تلك الأقوال على محمل حسن أو ردها على صاحبها، فكل يؤخذ منه ويرد إلا نصوص الشرع المطهر، وكفى بتواتر القراءة ردا على من تكلم فيها أو طعن فيها.
стр. 5719
ولعلّ الذين تكلموا في بعض القراءات الثابتة كان بسبب أنها لم تصل إليهم، فهذا الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) كره قراءة حمزة، فلما تبين له تواترها رجع عن كراهيته تلك (١) ، على أن هذه الكراهية يمكن أن تحمل على الكراهية النفسية وليست الشرعية، والكراهية النفسية بمثابة الاختيار، وهو جائز عند العلماء ما لم يؤدّ إلى إسقاط الروايات الأخرى وإنكارها كما سبق بيانه (٢) .
وهذا ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ثبت ما يدل أنه لم يكن يقصد باختياراته رد القراءات الصحيحة، حيث قال: " كل ما صح عندنا من القراءات أنه علّمه رسول الله ﷺ لأمته من الأحرف السبعة التي أذن الله له ولهم أن يقرؤوا بها القرآن فليس لنا اليوم أن نخطئ من قرأ به إذا كان ذلك موافقا لخط المصحف، فإذا كان مخالفا لخط المصحف لم نقرأ به ووقفنا عنه وعن الكلام فيه ".
المعوّل عليه في الحكم على نقد القراء ما تضمنته طبقات القراء، ومن أشهرها معرفة القراء الكبار للحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) وغاية النهاية للحافظ ابن الجزري (ت ٨٣٣هـ) .
كما يمكن الاعتبار بكتب الطبقات الأخرى، مع التأكد أن ما وصف به أحد القراء فيها من ضبط أو جرح يختص بالقراءات، قال الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في ترجمة أبي عمر الدُّوري (ت ٢٤٦ هـ) : " وقول الدّارقطني: ضعيف، يريد في ضبط الآثار، أما في القراءات فثبت إمام، وكذلك جماعة من القراء أثبات في القراءة دون الحديث، كنافع والكسائي وحفص، فإنهم نهضوا بأعباء الحروف وحرروها، ولم يصنعوا ذلك في الحديث، كما أن طائفة من الحفاظ أتقنوا الحديث، ولم يحكموا القراءة، وكذا شأن كل من برّز في فن ولم يعتن بما عداه " (٣) .
стр. 5720
٣- لا يقتضي حكم أحد الأئمة على قراءة بأنها صحيحة جواز القراءة بها اليوم، لأن الحكم ربما يقتضي الصحة التي لا ترقى إلى التواتر القرآني، وربما تكون متواترة عند من حكم بها في عصره أو بلده فحسب، ثم انقطع إسنادها من قِبل المشافهة (١) .
وثمة وجوه من القراءات رويت أو ذكرت ولم يعثر على نص إمام معتبر فيها أو فيمن نسبت إليه، والغالب فيما كان كذلك أن يكون موغلا في الشذوذ، فهو في أدنى درجاته، ولا طائل من البحث وراءه.
الفصل الرابع: الدراسة التطبيقية على الحكم على الدراسة التطبيقية على الحكم على القراءات
ستعنى هذه الدراسة بما سبق في الدراسة النظرية، ولذا اقتضى البحث أن يشتمل، كل مثال على المسائل التالية:
أ- نص القراءة المراد دراستها.
ب- مصادر القراءة والقراء الذين قرؤوا بها.
ج- الحكم على القراءة.
د- تعليل الحكم.
هـ- أهم النتائج.
* * *
المثال الأول:
أ- (غِشاوة ((٢) : بكسر الغين ونصب التاء
ب- رواتها ومصادرها:
رويت هذه القراءة في جميع أنواع مصادر القراءات عدا المصادر التي تضمنت القراءات المتواترة المقروء بها.
وفيما يلي ذكر المصادر التي وردت فيها والقراء الذين قرؤوا بها:
١- المصادر التي تضمنت القراءات التي توفرت فيها شروط الصحة إلا أنه انقطع إسنادها من جهة المشافهة بها، وعزتها إلى المُفضَّل الضَّبّي (ت ١٦٨ هـ) عن عاصم بن أبي النَّجود (ت ١٢٧ هـ) (٣) .
стр. 5721
٢- المصادر التي تضمنت القراءات دون مراعاة لشروط الصحة، وعزتها إلى المُفضَّل، (ت ١٦٨ هـ) وأبَان بن يزيد عن عاصم، وحفص (ت ١٨٠ هـ) وشعبة (ت ١٩٣ هـ) من بعض طرقهما عن عاصم أيضا، وأبي حيوة شريح بن يزيد (ت ٢٣٠ هـ) وإبراهيم بن أبي عبلة (ت ١٥١ هـ) .
٣- المصادر التي تضمنت القراءات الشاذة، وعزتها إلى المفَّضل وابن أبي عبلة المذكورين في المصادر السابقة، وإلى الحارث بن نبهان عن عاصم ابن أبي النجود، وشعبة من طريق يحيى بن آدم (ت ٢٠٣ هـ) وغيره عن عاصم (١) .
ج- الحكم على القرآءة:
قراءة (غشاوةً ((٢) نصباً شاذّة.
د- التعليل: وقع حكم الشذوذ على هذه القراءة من جهة إسنادها، وذلك من عدة وجوه:
انقطاع إسنادها على وجه المشافهة.
تفرّد المفضَّل الضبِّي بروايتها في المصادر التي اشترطت الصحة، وما تفرّد به عن عاصم فهو شاذّ (٣) . لأنه ضعيف في القراءات (٤) ، قال ابن الجزري: "تلوت بروايته القرآن من كتابي المستنير لابن سِوار والكفاية لأبي العزّ وغيرهما مع شذوذ فيها " (٥) .
ورودها في غير مصدر من كتب الشواذّ.
أما من حيث الرسم والعربية فهي موافقة لهما، ووجهها في اللغة العربية على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة (٦) .
هـ- أهم النتائج:
ليس كل ما يروى عن القراء السبعة أو العشرة أو عن أحد من رواتهم يكون متواتراً، فهذا عاصم وراوياه: شعبة وحفص رويت عنهم هذه القراءة وهي شاذة، لكن ثبت عنهما الوجه المتواتر في المصادر التي اشتملت على المتواتر.
стр. 5722
اشتمال الكتب التي اشترطت الصحة على قراءات لا يقرأ بها اليوم، ومنها السبعة لابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) (١) .
المثال الثاني:
أ- (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج ((٢) بزيادة " في مواسم الحج ".
ب- رواتها ومصادرها:
وردت هذه القراءة عن بعض الصحابة والتابعين في عدد من مصادر القراءات والحديث والتفسير، وغيرها، وفيما يلي ذكرها:
مصادر القراءات: وردت في بعض الكتب المختصة بالشاذة، وعزتها إلى ابن عباس (ت ٦٨هـ) ﵁ وعكرمة (ت ١٠٦ هـ) وعمرو بن عبيد (ت ١٤٤ هـ) (٣) .
وخلت منها كتب القراءات الأخرى فيما بين يدي من المصادر.
المصادر الأخرى المسندة: وروتها عن ابن عباس ﵁ وعكرمة أيضاً (٤) .
المصادر الأخرى غير المسندة: ذكرتها عن ابن مسعود (ت ٣٢ هـ) وابن الزبير (ت ٧٣ هـ) وابن عباس ﵃ (٥) .
ج- الحكم على القراءة:
زيادة " في مواسم الحج " بعد قوله تعالى - (فضلا من ربكم (قراءة شاذة، وإسنادها صحيح.
" وحكمها عند الأئمة حكم التفسير " (٦) .
د- التعليل:
стр. 5723
هذه القراءة مخالفة لرسم المصحف، ولذلك حكم بشذوذها، وإن كانت قد وردت بأسانيد صحيحة (١) .
وهي من القراءات التي كان مأذونا بها قبل العرضة الأخيرة أو الرسم العثماني المجمع عليه، ثم نسخت تلاوته (٢) .
هـ- أهم النتائج:
أن القراءة إذا خالفت الرسم العثماني فهي شاذة وإن ثبتت بالأحاديث الصحيحة.
المثال الثالث:
أ - (الم ((٣) بفتح الميم من غير همز بعدها. فتكون ألِفْ لَام مِّيمَ حسِب.
ب - رواتها ومصادرها:
ثبتت هذه القراءة في جلّ مصادر القراءات عن ورش وغيره، وفيما يلي تفصيلها:
المصادر التي روت القراءات المتواترة المقروء بها وروتها عن ورش (ت١٩٧ هـ) عن نافع (ت١٦٩ هـ) ، وعن حمزة (ت١٥٦ هـ) بخلف عنه وقفا على (حسب (، ويجوز لمن قرأ بالنقل القصر والطول في ميم (٤) .
وأورد ابن الجزري (ت٨٣٣ هـ) عن أبي جعفر (ت١٣٠ هـ) أصل النقل عنه ولم يعتمده (٥) .
المصادر التي اشترطت الصحة، ولكنها لم تتصل جميع أوجهها على وجه المشافهة، وروتها عن ورش وحمزة (٦) .
المصادر التي لم تشترط الصحة، وروتها عن ورش وأبي جعفر وحمزة بِخُلْف عنه (٧) .
стр. 5724
المصادر المختصّة بالشواذ، وروتها عن ورش وأبي جعفر (١) .
ج- الحكم على القراءة:
فتح سكون الميم حالة وصلها ب (أحسب (قراءة متواترة، وعليها العمل عن ورش، وعن حمزة حالة الوقف على (أحسب (دون وصلها بما بعدها.
د - التعليل:
انبثق الحكم على هذا الوجه من خلال مصادر القراءات المقروء بها، وهو مستوف للشروط المعتبرة عند علماء القراءات، إسناداً ورسماً وعربية، أما الإسناد فهو يتصل بقارئين من الأئمة السبعة، وهما نافع من رواية ورش، وحمزة، ورويت عن أبي جعفر كما سبق،وأما الرسم فهو في غاية الظهور، (وأما وجههه في العربية فعلى نقل حركة الساكن إلى قبلها، وهو لغة مشهورة لبعض العرب سواء أكان وصلاً أم وقفاً (٢) .
ولا وجه لمن ضعف وجه النقل في هذا الحرف لغة (٣) ، فإن القراءة إذا ثبتت لا يضرها تضعيف النحاة أو غيرهم لها.
هـ- أهم النتائج:
إذا وردت القراءة في المصادر المقروء بها وغيرها، فالمعول على ما تضمنته المصادر التي عليها العمل.
أن كتاب المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات قد اشتمل على بعض القراءات المتواترة كغيره من كتب القراءات المختصة بالشواذ، وكذلك العكس، فربما ورد في المصادر التي اشترطت الصحة شيء من الشواذ، والتحقق من معرفة ذلك بالمقارنة بين جميع تلك المصادر والتعويل على التلقي واستمرار المشافهة.
أن الحكم بالتواتر والشذوذ يصدق على أصول القراءات كما يصدق على فرشها، خلافا لمن فرّق بينهما (٤) ، إذ الخلاف بين القراء في هذا الحرف معدود من قبل الأصول.
стр. 5725
أنه ربما رُوي عن بعض السبعة أو العشرة وجوه غير معمول بها عنهم، وإن عمل بها عند غيرهم، فهذا أبو جعفر قد روي عنه النقل، لكن لا (يقرأ به عنه.
اختار بعض العلماء التحقيق فيما يجوز فيه النقل كما في هذا الحرف (١) ، وذلك يدل على جواز الاختيار حتى وإن كان الوجه الذي لم يقع عليه الاختيار مقروءاً به، كما يدل على التفاضل بين وجوه القراءات وتفاوت مراتبها من حيث الدراية.
المثال الرابع:
أ- (ثلثي ((٢) : بإسكان اللام.
ب- رواتها ومصادرها:
وردت هذه القراءة في جميع أنواع مصادر القراءات، وهي:
المصادر التي حوت القراءة المتواترة المقروء بها، وعزتها إلى هشام بن عمّار (ت ٢٤٥ هـ) عن ابن عامر (ت ١١٨ هـ) من جميع الطرق (٣) .
المصادر التي تضمنت القراءات الصحيحة إلا أنه انقطع إسنادها من جهة المشافهة، وعزتها إلى هشام عن ابن عامر من أكثر طرقه (٤) ، ولذلك أهملتها بعض المصادر كما في غاية ابن مهران (ت ٣٨١ هـ) وإرشاد أبي العز القلانسي (ت ٢٩١ هـ) .
المصادر التي لم تشترط الصحة، وروتها من أشهر الطرق عن هشام عن ابن عامر (٥) ، ورويت عن قنبل (ت ١٢٠ هـ) ، وآخرين (٦) .
стр. 5726
المصادر المختصة بالقراءات الشاذة، وعزتها إلى ابن عامر وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج (ت١١٧) والحسن البصري (ت١١٠ هـ) (١)
ج- الحكم على القراءة:
إسكان ضم اللام من (ثلثي (قراءة متواترة.
د- التعليل:
اجتمع في هذه القراءة الأركان الثلاثة، إذ هي من القراءات المتواترة، واستمرار العمل بها إلى وقتنا الحاضر أقوى الأدلة على تواترها، وهي ثابتة في مصادر القراءات العشر الصغرى والكبرى، ومما يشهد لهذا التواتر روايتها عن قراء آخرين غير هشام عن ابن عامر.
فالقراءة مستقيمة من حيث الإسناد والرسم، ومن حيث العربية أيضاً، لأن الإسكان جائز إما تخفيفاً وإما لغة (٢) .
هـ- أهم النتائج:
اشتمال كتب الشواذ على بعض القراءات المتواترة، ولذلك ينبغي الحيطة من الاستعجال في إطلاق الشذوذ على القراءة لمجرد وجودها في كتب الشواذ، بل لابد من الرجوع إلى مصادر القراءات الأخرى للتثبت من عدم ورودها فيها.
إن تتبع القراءة في أكثر مصادرها يساعد على الكشف عن قراء آخرين، مما يدفع القول بعدم تواتر بعض القراءات المقروء بها، ففي هذا المثال لم يتفرّد هشام بالإسكان، بل شاركه عدد من الرواة والقراء يصدق عليهم حد التواتر.
خلوّ بعض المصادر الصحيحة من بعض أوجه القراءات المعتبرة لا يخدش في ثبوتها في المصادر الأخرى، لأن المعتمد في كتب القراءات الرواية والمشافهة، فالأصل أن المصنف لا يثبت إلى ما رواه أو شافهه به، وغاية ما يدل عليه اختلاف المصادر عن أحد القراء أو الرواة أن الوجهين المذكور والمتروك وردا عنه حسب الطرق التي أدت تلك الروايات والقراءات إلى تلك المصادر.
المثال الخامس:
стр. 5727
أ - (فلا يخاف عقباها ((١) بالفاء مكان الواو في " ولا ". ب – رواتها ومصادرها:
رواها ابن عامر الشامي (ت ١١٨ هـ) وأبو جعفر المدني (ت ١٣٠ هـ) ونافع المدني (ت ١٦٩ هـ) وقد تضمنتها جميع مصادر أنواع القراءات (٢) ، عدا المصادر الشاذة.
ج - الحكم:
... القراءة بالفاء مكان الواو قراءة متواترة.
د – التعليل:
... توافر لهذا الوجه أركان صحة القراءة، فمن حيث السند روتها المصادر غير الشاذة، ومن حيث الرسم كونها في مصاحف أهل المدينة والشام رسمت كذلك (٣) ، ومن حيث العربية الفاء عطف على قوله: (فكذبوه فعقروها ((٤) .
هـ- أهم النتائج:
... أن المصاحف العثمانية اختلفت في رسم بعض المواضع (٥) ، وجميعها معتبر به في القراءات، وليس ذلك مثل الذي في المثال الثاني من هذه الدراسة، لأن ما جاء على نحو هذا المثال (فلا (، (ولا (فهو من المثبت بين اللوحين (٦)
стр. 5728
* * *
الخاتمة:
... بعون من الله تعالى وتوفيقه تيسرت دراسة معالم منهج الحكم على القراءات، وذلك من خلال إيضاح مفهوم الحكم على القراءات وبيان أصالته التاريخية وأهميته العلمية في الجوانب العقدية والفقهية، وتحديد أنواع القراءات ومراتبها، وفق الشروط التي اعتمدها أهل السنة والجماعة في قبول القراءة أوردها، وهي نقل الثقات، وموافقة الرسم تحقيقا أو احتمالا، وكونها غير خارجة عن لسان العربية.
وقد عني البحث بالخطوات العلمية للحكم على القراءات، وذلك عن طريق استقراء مصادرها، ودراستها في ضوء أقوال العلماء فيها للوقوف على درجة كل قراءة صحة وضعفاً.
... كما عني بالجانب التطبيقي، حيث تضمن دراسة نماذج متنوعة من القراءات المتواترة والشاذة حسب المعايير المعتبرة في الحكم على القراءات.
ومن ثم انتهى هذا البحث إلى نتائج متعددة، ومن أهمها:
إن القراءات تقع على قسمين أساسين، وهما:
القراءات المتواترة، وهي القراءات العشر التي عليها عمل القراء إلى وقتنا الحاضر.
القراءات الشاذة، وهي ما عدا تلك القراءات العشر.
شروط قبول القراءات الثلاث يرجع أصلا إلى العرْضة الأخيرة، وهي مستقاة مما تواتر نقله عن الرسول ﷺ .
القراءات المقروء بها اليوم هي القراءات العشر، وكلها متواترة، وما كان منها صحيح مستفاض مما هو من قبيل الأداء فهو ملحق بالمتواتر حكما، لأنه من القرآن المقطوع به.
ليس كل ما يعزى إلى القراء السبعة أو العشرة تجوز القراءة به، بل لا بد من اتصال المشافهة والتلقي.
ليس كل ما حكم بصحته تجوز القراءة به، إذ لا بد من استمرار النقل على وجه المشافهة.
كتاب إتحاف فضلاء البشر من أيسر الكتب وأجمعها لمعرفة ما يقرأ به في الوقت الحاضر، وذلك عن القراء العشرة.
стр. 5729
ربما وقع في الكتب التي اشترطت الصحة قراءات شاذة ككتاب السبعة، وكذلك العكس، فربما وقع في الكتب المختصة بالشاذ قراءات متواترة ككتاب المحتسب.
كل ما وافق القراءات السبع أو العشر المتواترة لا يجوز الحكم عليه بالشذوذ، لأن العبرة بوجه القراءة لا بمن نسبت إليه.
لا يجوز رد القراءات المتواترة أو الطعن فيها، وما ورد عن بعض الأئمة في ذلك فإنه يحمل على وجه الاختيار.
إذا ثبتت القراءة فلا يضرها تضعيف النحاة أو غيرهم لها.
تتبع القراءة في أكثر مصادرها يساعد على الكشف عن قراء آخرين، مما يدفع تفردها عن أحد من القراء أو الرواة أو الطرق أو الكتب.
خلو بعض المصادر من بعض أوجه القراءات لا يخدش فيما ذكر من القراءات الثابتة في نظائرها من المصادر الأخرى، وإنما يدل على ورود الوجهين المذكور والمتروك عن القارئ حسب الطرق التي أدت تلك الروايات والقراءات إلى تلك المصادر.
مذهب السلف أن كل قراءة خالفت الرسم فهي شاذة وليست تفسيراً، ولكن حكمها حكم التفسير.
مصطلح الشاذ عند القراء ما افتقد منه أحد أركان صحة القراءة الثلاثة المشهورة.
أن وصف الشذوذ في القراءة لا يقتضي الضعف في الشاذ جميعه، وإنما يقضي بمنع القراءة بها.
ولقد تأكد من خلال هذا البحث أمران مهمان للغاية يجب العناية بهما، وهما:
أولاً: المحافظة على تلقي القراءات العشر المتواترة واستمرار المشافهة بها، وتلقينها للناشئة جيلاً إثر جيل.
ثانياً: نشر مصادر القراءات المتواترة والشاذة.
فهذان أمران بإذن الله تعالى يضمنان الحفاظ على القراءات ويحميانها من الاندثار، ويبرزان محاسنها للعالمين.
وبعد: فإن هذا البحث لا يعدو إلا أن يكون إسهاما ضئيلاً ومحاولة لإيضاح ملامح الحكم عند علماء القراءات، ولعلّ الباحثين في هذا العلم يبرزون تلك الملامح في دراسات واسعة ومتنوعة.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خاتم المرسلين،
стр. 5730
من محتويات سورة هود على الدعوة إلى الله
الدكتور محمد ولد سيدي ولد حبيب
الأستاذ المساعد بقسم الدعوة- كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
ملخص البحث
تعرضت في هذا البحث لأصول دعوة الأنبياء لاشتمال سورة هود على الكثير من ذلك فذكرت عرضاً عن قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين وسلم، كما ذكرت من شأن هذه السورة أنها هي وأخواتها: عم يتساءلون، إذا الشمس كورت، والمرسلات شيبت رسول الله (وذكرت في البحث مكانة الاستقامة وعظم أمرها حيث أمر بها رسول الله (وموسى وهارون وبينت أن هذه السورة بدئت بالهدف المقصود من العباد وهو إفراد الله وحده بالعبادة، واختتمت به، كما بينت أن الغيب لا يعلمه إلا الله وإن الملائكة لا يعلمون منه إلا ما علمهم الله، كما أوضحت أن إرسال الرسل وإنزال الكتب إنما هو من أجل إقامة توحيد الله في أرضه.
* * *
مقدمة:
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله وسلّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيّنا محمَّد وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
أمّا بعد:
فإِنَّه لمّا كانت الرسل عليهم صلوات الله وسلامه هم مصدر الدعوة إلى الله، وكانوا الأسوة الحسنة، والقدوة المتّبعة في شئون الدعوة؛ كان لزامًا على الدعاة أن يقفوا على دعواتهم ويقتدوا بهم في كلّ مراتب دعواتهم ليتعلّموا طريق الدعوة وأساليبها ومناهجها ووسائلها من خلال قصصهم في القرآن الكريم، لأنّ الله ما قصّ علينا قصصهم في كتابه إِلاَّ لنقتفي أثرهم ونعتبر بحالهم فنصبر كما صبروا، وندعو كما دعوا، ونتسلى بما أصابهم.
ولمّا كانت سورة هود (من السور الَّتي ذكر الله فيها جزءًا كبيرًا من قصص الرسل، وكيف صبروا على أذى المدعوين وسخريتهم، وكيف كانت عاقبة مكذّبيهم؛ جعلتها موضوعًا لهذا البحث المتواضع.
стр. 5731
فسورة هود تعرّضت لقصص الأنبياء بالتفصيل، فقد تعرّضت لدعوة نوح وهود وصالح وشعيب وموسى عليهم وعلى نبيّنا أتمّ الصلاة والتسليم، وبدأت بقصة نوح (لأَنَّه الأب الثَّاني للبشر من بعد الطوفان، قال تعالى:
(وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ((١) ، وهو أطول الأنبياء عمرًا، وأكثرهم بلاءً وصبرًا، فقد صبر على الدعوة ألف سنة إِلاَّ خمسين عامًا وهو يدعوهم إلى الله، ولم يؤمن به في هذه المدّة إِلاَّ القليل، كما قال تعالى: (وَمَاءَامَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ ((٢) . ثُمَّ ثنّت بذكر قصّة نبي الله هود، ثُمَّ قصّة صالح، ثُمَّ شعيب، ثُمَّ موسى، وختمت بتوجيه الخطاب لخاتم الرسل محمَّد (بالاستقامة والصبر والثبات على الدعوة إلى الله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ((٣) . وأعقبت ذلك ببيان الحكمة من ذكر قصص الأنبياء ليثبت قلب النَّبي (أمام الصعوبات الَّتي يلاقيها أثناء دعوته: (وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ((٤) . فهي بدأت بتقرير أصول الدين، وإقامة الأدلة والبراهين على وجود الله ووحدانيته، وردّ الشبه الَّتي كان أعداء الإسلام يثيرونها حول القرآن والرسالة المحمّدية، حيث تعرّضت لعناصر الدعوة الَّتي هي: التوحيد، والرسالة، والدعوة، وفرّقت بين الأعمى عن دعوة الحقّ وبين من بصّره الله فأنار بصيرته فاستجاب لها، ثُمَّ شرعت تسرد قصص الرسل حتَّى ختمت بما بدأت به من التوحيد: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا
стр. 5732
تَعْمَلُونَ ((١) .
وكانت هذه السورة من أعظم السور وأشدّها على رسول الله (هي وأخوات لها من سور القرآن، فقد ورد عنه من طرق متعدّدة أَنَّه شيّبته هود وأخواتها، أخرج الحاكم في المستدرك بسنده إلى ابن عبّاس قال: قال أبو بكر الصدّيق (لرسول الله (: أراك قد شبت، قال: ((شيّبتني هود، والواقعة، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كوّرت)) ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاريّ، ولم يخرجاه (٢) ، وسكت عليه الذَّهبيّ في التلخيص، وأخرجه التِّرمذيّ في تفسير سورة الواقعة، وزاد: والمرسلات، وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث ابن عبّاس إِلاَّ من هذا الوجه (٣) ، وذكره العجلوني في كشف الخفاء بعدّة روايات وطرق عن ابن مردويه والبزار وغيرهما، فانظره (٤) .
هذا وقد قسّمت الكلام في هذا الموضوع إلى: مقدّمة وتمهيد ومباحث عدّة.
أمّا المقدّمة فقد ذكرت فيها محتويات سورة هود عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام على الدعوة عن طريق الإجمال.
وأمّا التمهيد فذكرت فيه تعريف الدعوة لغة واصطلاحًا.
وأمّا المباحث فهي بحسب ما ذكر في السورة الكريمة مما له تعلّق بالدعوة تعلّقًا واضحًا. وقد وصلت إلى ثمان مباحث.
***
التمهيد: تعريف الدعوة لغة
стр. 5733
الدعوة: المرّة الواحدة من الدعاء، واسم الفاعل منها: داعٍ، تقول: دعاه يدعوه؛ فهو داع له، وقوله تعالى: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ( [الأحزاب/٤٦] معناه: داعيًا إلى توحيد الله وما يقرّب منه، وجمع الداعي: دعاة وداعون، كقضاة وقاضون، والدعاة: قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، واحدهم داع، ورجل داعية إذا كان يدعو النّاس إلى بدعة أو دين، والهاء للمبالغة، والنبي (داعي الله تعالى، وفي تهذيب اللغة: المؤذّن داعي الله، والنبي داعي الأمّة إلى توحيد الله وطاعته، قال تعالى في شأن الجنّ: (يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ (
[الأحقاف/٣١] ، ودعوة الحق شهادة أن لا إله إِلاَّ الله، والدعاء إلى الشيء: الحثّ على قصده، ومنه قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ( [يوسف/٣٣] (١) .
فتحصّل أن الدعوة إلى الله هي دعوة الحقّ، ودعوة الحق هي شهادة أن لا إله إِلاَّ الله، وأنها تطلق على الدعوة إلى هدى أو ضلالة، وتطلق على الدعاء إلى الشيء والحثّ على قصده.
أمّا في الاصطلاح:
فقد عرّفها بعض المتأخرين مثل محمَّد الرَّاوي في كتابه ((الدعوة إلى الإسلام دعوة عالمية)) بتعريفين:
الأَوَّل، قال: الدعوة الإسلامية هي: دين الله الَّذي بُعث به الأنبياء جميعًا، تجدّد على يد محمَّد (خاتم النبيين كاملاً وافيًا لصلاح الدنيا والآخرة.
وقال أَيضًا: الدعوة الإسلامية: تبليغ رسالة النَّبي ((٢) .
стр. 5734
وعرّفها الدكتور أبو بكر زكرى فقال: الدعوة هي: قيام من له أهلية النصح والتوجيه السديد من المسلمين في كلّ زمان ومكان بترغيب النّاس في الإسلام اعتقادًا ومنهجًا، وتحذيرهم من غيره بطرق مخصوصة (١) .
وعرّفها الأستاذ محمَّد الغزالي فقال: هي برنامج كامل يضمّ في أطوائه جميع المعارف الَّتي يحتاج إليها النّاس ليُبصروا الغاية من محياهم، وليستكشفوا معالم الطريق الَّتي يجمعهم راشدين (٢) .
وعرّفها آخرون بتعاريف أعرضنا عن ذكرها؛ ففي ما ذكرنا كفاية. وأشمله في رأيي تعريف الغزالي.
المبحث الأَوَّل: حكم الدعوة إلى الله، واختلاف العلماء في ذلك، وسببه
стр. 5735
إنّ الله (أمر نبيّه محمَّدًا (في غير ما آية من كتابه بالدعوة، كما أمر هذه الأمّة المحمّدية بالدعوة إلى الله، وأخبر تعالى أنّ فضل هذه الأمّة على الأمم السابقة إِنَّما هو بسبب أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، وذمّ بني إسرائيل لعدم تناهيهم عن المنكر، وأخبر عن نفسه أَنَّه يدعو إلى الحقّ وأنّ له دعوة الحقّ، وأَنَّه يدعو إلى دار السلام، وأمر النَّبي (أصحابه أن يبلّغوا عنه ولو آية، كما أمرهم أن يبلّغ الشاهد منهم الغائب، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك موضّحًا، فبان مما ذكر أن للدعوة إلى الله أهميّة بالغة، وأجمعت الأمّة على وجوبها، إِلاَّ أن العلماء اختلفوا هل هذا الوجوب المتّفق عليه على الأعيان بحيث يكون القيام بالدعوة واجبًا على كلّ فرد من أفراد الأمّة الإسلامية، وكلّ من تركه يأثم؟ أم هو وجوب كفاية يكفي في الخروج من عهدة الأمر به قيام بعض الأمّة به دون النظر إلى فاعله، فكل طائفة من المسلمين قامت به سقط الوجوب عن باقي المسلمين؟ وسأذكر كلام العلماء في ذلك إن شاء الله بعد سرد الآيات الَّتي فيها الأمر للنبي (وللأمّة بالدعوة، والآيات الَّتي أخبر فيها أَنَّه يدعو إلى الجنّة ونحو ذلك اهـ.
أمره (بالدعوة هو وأمّته
قال تعالى مخاطبًا له ﵊: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ((١) .
يلاحظ أَنَّه جمع الأمر له ولأمّته في هذه الآية، وإن كان الأمر له أمرًا لها لأنّ أمر القدوة أمر للأتباع، وقال تعالى: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ ((٢) ، وقال تعالى: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ
стр. 5736
الْمُشْرِكِينَ ((١) ، وقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ((٢) ، وقال تعالى معمّمًا ومخبرًا أَنَّه لا أحد أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إِنَّه من المسلمين فقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ((٣) ، وقال تعالى آمرًا هذه الأمّة بالدعوة إلى الله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ((٤) ، وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ ((٥) ، وقال تعالى ذامًّا لبني إسرائيل: (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ((٦) ، وقال تعالى: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ((٧) .
دعوة الله عبادَه إلى الخير
стр. 5737
قال تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ ((١) . يعني الجنّة، وقال تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ((٢) ، وقال تعالى: (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ((٣) .
أمره (الأمّة بالدعوة
أخرج البخاريّ في صحيحه بسنده إلى أَبي بكرة أن النَّبي (قال في حجّة الوداع يوم النحر ... ((أيّ يوم هذا؟ إلى أن قال: ليبلّغ الشاهد الغائب، فإِنَّ الشاهد عسى أن يبلّغ من هو أوعى منه)) (٤) ، وقال (: ((بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمّدًا فليتبوأ مقعده من النار)) (٥) .
المبحث الثاني: في اختلاف العلماء في حكم الدعوة، وسببه
اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في حكم الدعوة إلى الله تعالى، هل هي فرض عين أو فرض كفاية؟ وقد قدّمنا سرد الآيات الَّتي فيها الأمر الصريح للنبي (وللأمّة بالدعوة.
стр. 5738
والمقرّر في علم الأصول والَّذي كان عليه القرون المفضّلة أن الأمر للوجوب إِلاَّ إذا وجدت قرينة تصرف عن ذلك الوجوب وهي هنا معدومة، فحصل الاتفاق على الوجوب، إِلاَّ أن الكثير من العلماء يقول: هي فرض كفاية يسقط بفعل البعض (١) لأنّ الشارع ينظر إلى الفعل دون النظر إلى فاعله في فرض الكفاية، بخلاف فرض العين فإِنَّ الشارع ينظر فيه إلى كلّ عين من أفراد المكلّفين، كالصلاة والصوم والزكاة مثلاً، أمّا إنقاذ الغريق مثلاً فهو فرض كفاية، وأي فرد من أفراد الأمّة أنقذه سقط الإثم عن الباقين، ولو تركوا إنقاذه أثموا جميعًا وهلم جرًّا.
سبب الخلاف
إنّ سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة اختلافهم في فهم المراد ب (مِن) من قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ((٢) .
قالوا: إنّ الدعوة إلى الخير تشمل مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدها من باب ذكر الخاص بعد العام إيذانًا بفضلهما، أو المراد ذكر الدعاء إلى الخير مفصّلاً بعد الدعاء إليه مجملاً فلزمت دعوة الأمّة لهذا الخير العظيم الَّذي يشمل مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، ثُمَّ قال بعضهم: إن هذا التبليغ يصحّ من بعضهم دون الجميع، وقال بعضهم: إِنَّه يلزم جميع أفراد المكلّفين أن يكونوا دعاة إلى الله حسب استطاعتهم.
стр. 5739
فالذين قالوا إِنَّها فرض كفاية قالوا: إن (مِن) من قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ ... (للتبعيض، وقالوا: إنّ الآمِرين يجب أن يكونوا علماءَ وليس كلّ النّاس علماءَ، والذين قالوا إِنَّها فرض عين قالوا: إن (مِن) لبيان الجنس، وأن المعنى: لتكونوا كلّكم دعاة إلى الخير، والقول الأَوَّل نصره القرطبي في مواضع من تفسيره، وقد قال بعد نقله كلام العلماء في المسألة ما نصّه: قلت: القول الأَوَّل أصح فإِنَّه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عيّنهم الله تعالى بقوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ((١) ، وليس كلّ النّاس مُكّنوا (٢) .
وقال الآلوسي في روح المعاني: (مِن) هنا قيل: للتبعيض، وقيل: للتبيين وهي تجريدية كما يقال: لفلان من أولاده جند، وللأمير من غلمانه عسكر، يريد بذلك جميع الأولاد، ومنشأ الخلاف أن العلماء اتفقوا على أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، ولم يخالف في ذلك إِلاَّ النزر ... قالوا إِنَّه من فروض الأعيان (٣) .
стр. 5740
ثُمَّ إن الَّذين قالوا بالكفاية اختلفوا هل واجب الكفاية واجب على جميع المكلّفين ويسقط عنهم بفعل بعضهم، أو هو واجب على البعض؟ ذهب الإمام الرازي وأتباعه إلى الثَّاني للاكتفاء بحصوله من البعض، ولو وجب على الكلّ لم يكتف فيه بفعل البعض إذ يستبعد سقوط الواجب على المكلّف بفعل غيره، وذهب إلى الأَوَّل الجمهور، وهو ظاهر نصّ الإمام الشَّافعيّ في الأمّ، واستدلوا على ذلك بإثم الجميع بتركه، ولو لم يكن واجبًا عليهم كلّهم لما أثموا بتركه، وأجيب من جهة الفريقين بأجوبة يطول ذكرها (١) .
(قلت) جمهور علماء الأمّة على أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية يأثم جميع المكلّفين بترك ذلك، ويسقط عنهم الإثم إذا قام البعض بذلك، ولهذا عدَّ الأصوليون هذا النوع من فروض الكفاية، قال صاحب مراقي السعود:
فروضه القضا كنهيٍ أمرِ
(
ردِّ السلام وجهادِ الكفرِ
стр. 5741
كنهي أمر يعني بذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قلت: هكذا قرّر الجمهور، لكن مذهبهم يعكر عليه ما ثبت في السنّة الصحيحة مما ظاهره وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كلّ مكلّف، ففي صحيح مسلم في باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان من حديث ابن أَبي شيبة ما نصّه: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: الصَّلاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (يَقُولُ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)) ، وفيه أَيضًا من حديث عبد الله بن مسعود (أن رسول الله (قال: ((مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ؛ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ)) (١) .
стр. 5742
وقد حكى ابن عبد البرِّ الإجماع على وجوب تغيير المنكر على كلّ من قدر عليه، وأَنَّه إذا لم يلحقه بتغييره إِلاَّ اللوم الَّذي لا يتعدى إلى الأذى فإِنَّ ذلك لا يمنعه من تغييره (١) .
وقال ابن العربيّ: إنّ من رجا زوال المنكر وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرجّح زواله فأي فائدة عنده؟ ثُمَّ قال: والَّذي عندي أن النيّة إذا خلصت فليقتحم كيفما كان ولا يبالي (٢) . وقد قال قبل كلامه هذا بأسطر: قال بعض علمائنا: هذه الآية دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنْ أدّى ذلك إلى قتل الآمر به (٣) .
والمراد بالآية الَّتي ذكر قوله تعالى في آل عمران: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ((٤) .
(قلت) هذا التصريح من النَّبي (بالأمر الصريح الصحيح بصيغته الصريحة الَّتي هي الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (فليغيره) مرتّبًا ذلك على ما في وسع المكلّف وإخباره أن ترك ذلك ما وراءه شيء من الإيمان، وتعبيره ﵊ بمَن الدالة على العموم الشامل لجميع أفراد المكلّفين كل هذا يدل على لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين هما أساس الدعوة إلى الله لزومًا عينيًا بالإضافة إلى ما ذكره ابن عبد البر من الإجماع على أنّ تغيير المنكر واجب على كلّ من قدر عليه، ومع هذا فإِنَّ مذهب الجمهور مخالف
стр. 5743
لهذا، ولفظ الآية على أن (مِن) فيه للتبعيض يؤيّد مذهب الجمهور كما يؤيده الفرق الَّذي جعله علماء الأصول بين فرض العين وفرض الكفاية، وهو أن فرض الكفاية يتميّز عن فرض العين بأنه لا تتكرّر مصلحته إذا فعل، فمثلاً يقولون: إنقاذ الغريق واجب كفاية؛ فإذا غرق غريق ووجد من ينقذه من البحر، فلو غمس المنقذ مرّة أخرى في البحر لم يُحصّل فائدة، بخلاف فرض العين فإِنَّ المصلحة تتكرر من فعله دائمًا كما في تكرير الصلوات الخمس من الخشوع والانكسار أمام الخالق فإِنَّ هذه المصلحة تتكرّر بتكرّر الصلاة.
وإلى هذه المسألة أشار صاحب مراقي السعود بقوله:
مزه من العيني بأن قد حظلا
(
تكريرُ مصلحته إن فُعلا
وعلى هذا فيتعذّر كون النهي عن منكر بعينه فرض عين لأنّ ذلك المنكر إذا غيّره أحد وتغيّر بالفعل لم يبق هناك شيء مطالب به ذلك المغيِّر مرّة أخرى ولا غير مطالب به أَيضًا، وعلى هذا فلا بد من تلمّس جمع بين القولين لأنّ إعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما وإلغاء الآخر، والجمع واجب بين الأدلة متى أمكن.
الجمع بين القولين:
الَّذي يظهر لي والله تعالى أعلم أَنَّه يتعيّن الجمع بين القولين المتقدّمين، ووجه الجمع عندي أنّ الأمر بالمعروف الَّذي هو الدعاء إلى الخير والنهي عن المنكر الَّذي هو الزجر عن الشر وهذا أمران أساسيان للدعوة إلى الله ولاسيما في زمننا هذا ينقسمان إلى قسمين: عام وخاص.
стр. 5744
فالقسم الخاص هو الَّذي يعنيه القائلون بوجوبهما وجوبًا عينيًا، وبيان ذلك أن كلّ إنسان راع ومسئول عن رعيّته مثل الرَّجل في بيته مع أولاده وزوجاته وجيرانه وزملائه في التّعليم والعمل والسفر فيجب على كلّ مكلّف أن يأمر أهله وجيرته وزملاءه بالخير وينهاهم عن الشر امتثالاً لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ ... ((١) ، وتطبيقًا للأحاديث الكثيرة الَّتي ورد فيها التوكيد على الأمّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكلّ فرد لم يتّصف بهاتين الصفتين لم توجد فيه صفة الإيمان الَّتي وصف الله بها المؤمنين في قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... ((٢) بل اتصف بصفات المنافقين الَّتي وصفهم الله بها في قوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ... ((٣) ، ودخل في الذمّ الَّذي ذمّ الله به بني إسرائيل في قوله: (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ((٤) ، وفي قوله فيهم أَيضًا: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ((٥) . ولا ريب أن الغالب من المسلمين لا يجهلون وجوب الصلاة والصيام والزكاة ومعنى الشهادتين ومعنى الإسلام في الجملة وذلك كان في القيام بالدعوة على هذا النحو؛ وهو يشمل العالم والمثقّف والعامل والصانع
стр. 5745
ومن دونهم ثقافة وعلمًا، فالمدار على معرفة الداعي ما يدعو إليه، ومن هنا تكون الدعوة إلى الله فرض عين، ويؤيّد ذلك ظاهر قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... ((١) ، فإذا حملنا هذه الآيات الَّتي فيها التوكيد بالأمر بالمعروف والنهْي عن المنكر على خصوص أفراد في خصوص جماعات وأوقات وأماكن كما ذكرنا وأوجبنا عليهم أن يكونوا في جميع حالاتهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر إيجابًا عينيًا في هذه الأوقات وهذه المجتمعات الخاصة بكلّ فرد وجعلنا (مِن) في الآية معناها التبعيض كان المعنى أَنَّه لا بُدّ لمن يلي أمر المسلمين أن يخصص جماعة من علماء الأمّة يعرفون ما يأمرون به ويأتونه، ويعرفون ما ينهون عنه ويبتعدون منه، وأن يجعل في كلّ قطر من الأقطار جماعة بهذا الشكل يدعون إلى دين الله وتوحيده وعبادته والاستقامة على ذلك يعرفون الحلال والحرام ويتخصصون في رسم السبل الَّتي تعيد للأمّة قوّتها ومجدها وللإسلام مكانته في قيادة النّاس إلى الخير، فإذا قامت هذه الطائفة بالدعوة إلى الله كان مَن سواهم من الأمّة غير آثم بتركه هذه المهمة لأَنَّها قام بها من هو أهل لها، لكنَّ بقيّة الأمّة مطالبون بالدعوة في حقّ أهليهم وجيرانهم كما تقدّم، ولا يقول عاقل إن من رأى منكرًا يُرتكب في بيته أو في مقرّ عمله أو في جيرانه يقول لا عليّ لأنّ هناك جماعة ذهبت إلى أوربا وأمريكا دعاة فننتظر قدوم هذه الجماعة ليغيّروا هذا المنكر؛ هذا لا يقوله عاقل، وإن لم يفعل ذلك من يقوم بأمر المسلمين أثم وأثمت الأمّة بسكوتهم على ذلك، إذا فعلنا ما ذكر نكون جمعنا بين القولين، والجمع واجب إذا أمكن، والله تعالى أعلم.
المبحث الثالث: في بيان الهدف من الدعوة إلى الله