وقد اختلف العلماء في حكم نفقة وسكنى المبتوتة كاختلاف الصحابة ﵃ إلى ثلاثة أقوال (١) :
الأول: - ليس لها سكنى ولا نفقة. وبه قال الحسن وعطاء بن أبي رباح والشعبي وأحمد وإسحاق.
الثاني: - لها السكنى والنفقة. وبه قال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
الثالث: - لها السكنى ولا نفقة لها. وبه قال مالك بن أنس والليث بن سعد والشافعي.
وبعد هذا الاستعراض الموجز للروايات الواردة في المسألة وأقوال الصحابة والعلماء فيها تبين أن ترك بعض العلماء لرواية فاطمة بنت قيس إنما هو لتعارض روايتها مع رواية عمر بن الخطاب، ولاختلاف ألفاظ حديث فاطمة في ذكر النفقة والسكنى؛ فسبب اختلاف العلماء هو تعارض الروايات والسنن، لاكما يصوره متأخرو الحنفية من أن أبا حنيفة ومن معه من الأئمة قد ردوا خبر فاطمة ﵂ لكونه مخالفاً لكتاب الله.
يوضح ذلك أنه لو كان حديث فاطمة ﵂ باطلاً لمخالفته كتاب الله لما احتج به الأئمة كلهم في غير هذه المسألة.
قال ابن القيم (٢) : (ولا يعلم أحد من الفقهاء ﵏ إلا وقد احتج بحديث فاطمة بنت قيس هذا وأخذ به في بعض الأحكام كمالك والشافعي وجمهور الأمة يحتجون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلاً.
والشافعي نفسه احتج به: على جواز جمع الثلاث؛ لأن في بعض ألفاظه (فطلقني ثلاثاً) ، وقد بينا أنه إنما طلقها آخر ثلاث كما أخبرت به عن نفسها.
واحتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال.
واحتج به الأئمة كلهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول.
стр. 6792
واحتجوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه أو يعامله أو يسافر معه وأن ذلك ليس بغيبة.
واحتجوا به على جواز نكاح القرشية من غير القرشي.
واحتجوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر وأنه لا يشترط حضوره ومواجهته به.
واحتجوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن.
وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها وصدق حديثها فاستنبطتها الأمة منها وعملت بها فما بال روايتها ترد في حكمٍ واحدٍ من أحكام هذا الحديث وتقبل فيما عداه فإن كانت حفظته قبلت في جميعه وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يقبل في شيء من أحكامه وبالله التوفيق) .
٣- القضاء بالشاهد واليمين:-
قال السرخسي: (وكذلك لم يقبل خبر القضاء بالشاهد واليمين؛ لأنه مخالف للكتاب من أوجه:-
فإن الله تعالى قال:- (واستشهدوا شهيدين من رجالكم ( ﴿البقرة ٢٨٢﴾ الآية
وقوله (واستشهدوا (أمر بفعل هو مجمل فيما يرجع إلى عدد الشهود كقول القائل: كُلْ. يكون مجملاً فيما يرجع إلى بيان المأكول، فيكون ما بعده تفسيراً لذلك المجمل وبياناً لجميع ما هو المراد بالأمر وهو استشهاد رجلين فإن لم يكونا فرجل وامرأتان، كقول القائل: كُلْ طعام كذا فإن لم يكن كذا فكذا، أو أذنت لك أن تعامل فلاناً فإن لم يكن ففلاناً، يكون ذلك بياناً لجميع ما هو المراد بالأمر والإذن.
وإذا ثبت أن جميع ما هو المذكور في الآية كان خبر القضاء بالشاهد واليمين زائداً عليه والزيادة على النص كالنسخ عندنا.
يقرره قوله تعالى:- (وأدنى ألا ترتابوا ( ﴿البقرة ٢٨٢﴾ فقد نص على أن أدنى ما تنتفي به الريبة شهادة شاهدين بهذه الصفة وليس دون الأدنى شيء آخر تنتفي به الريبة.
стр. 6793
ولأنه نقل الحكم من استشهاد الرجل الثاني بعد شهادة الشاهد الواحد إلى استشهاد امرأتين مع أن حضور النساء مجالس القضاء لأداء الشهادة خلاف العادة وقد أُمِرْن بالقرار في البيوت شرعاً، فلو كان يمين المدعي مع الشاهد الواحد حجة لما نقل الحكم إلى استشهاد امرأتين وهو خلاف المعتاد مع تمكن المدعي من اتمام حجته بيمينه ...) .
ويمكن الجواب عما سبق في النقاط التالية: -
١-الحديث الذي ردوه هو حديث رواه جمع من الصحابة كأبي هريرة وابن عباس وجابر ﵃ بلفظ (أن النبي (قضى بيمينٍ وشاهدٍ) (١) .
قال ابن عبد البر (٢) : (وفي اليمين مع الشاهد آثار متواترة حسان ثابتة متصلة أصحها إسناداً وأحسنها حديث ابن عباس وهو حديث لا مطعن لأحد في إسناده ولا خلاف بين أهل المعرفة بالحديث في أن رجاله ثقات) .
وحق له حكاية ذلك، فقد قال الإمام مالك (٣) : (إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو عامل على الكوفة: أن اقض باليمين مع الشاهد.
وقال: إن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار سئلا هل يقضى باليمين مع الشاهد؟ فقالا: نعم.
قال مالك: مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد) .
стр. 6794
وروى النسائي (١) (أن شريحاً قضى باليمين مع الشاهد الواحد في مسجد الكوفة. وأن عمر بن عبد العزيز قضى باليمين مع الشاهد) .
وقد قضى باليمين مع الشاهد قبل هؤلاء جميعاً رسول الله (وصحابته الكرام: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وعبد الله بن عمر، ولم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر القضاء باليمين مع الشاهد، وإلىهذا القول ذهب جمهور التابعين:سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد وعروة وسالم وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وعلي بن حسين وأبو جعفر محمد بن علي وأبو الزناد وغيرهم، ومن الأئمة: مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم واسحاق بن راهوية وأبو عبيد وأبو ثور وداود بن علي، وجماعة أهل الأثر. ذكر ذلك ابن عبد البر (٢) ، ثم قال (٣) : هو الذي لا يجوز عندي خلافه لتواتر الآثار به عن النبي (وعمل أهل المدينة به قرناً بعد قرن.
قال الحافظ ابن حجر (٤) : (وفي الباب – يعني القضاء بالشاهد مع اليمين – عن نحو من عشرين من الصحابة فيها الحسان والضعاف، وبدون ذلك تثبت الشهرة) .
قال ابن عبد البر (٥) : (فهؤلاء قضاة أهل العراق أيضاً يقضون باليمين مع الشاهد في زمن الصحابة وصدر الأمة، وحسبك به عملاً متوارثاً بالمدينة) .
стр. 6795
قلت: إن لم يكن القضاء باليمين مع الشاهد متواتراً تصح به الزيادة على القرآن إجماعاً فلا أقل من أن يكون حديثاً مشهوراً على رأي عيسى بن أبان (١) ومن تبعه كأبي زيد الدبوسي والسرخسي والبزدوي وغيرهم فيعمل به، وإن لم يكن عمل هؤلاء الأئمة الأعلام من الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة وغيرهم به، وروايتهم له تستدعي الشهرة فلا شهرة حينئذٍ ولا تواترله إلا إذا حكم بذلك عيسى بن أبان ومن تبعه. فما قاله أو عمل به هؤلاء المنتسبون إلى أبي حنيفة ﵀ -فهو المشهور وهو المتواتر وما لا فلا! !!
فإن قيل: قد خالف في ذلك إمام المذهب أبو حنيفة والثوري وعطاء وغيرهم (٢) فقالوا: بعدم القضاء باليمين مع الشاهد الواحد.
قلت: خالفوا لأنه لم يصح عندهم الخبر في ذلك، كيف وقد قال أبو حنيفة ﵀: (ما جاءنا عن الله وعن رسوله فعلى الرأس والعين) لا أنهم يقولون كما يقوله هؤلاء: إن الحديث قد صح عندنا ولكن لا نعمل به لمخالفته كتاب الله. أقول: معاذ الله أن يكون ذلك هو قولهم.
يوضحه قول عطاء (٣) : إن أول من قضى به عبد الملك بن مروان. فهذا دليل على أنه لم يصح عنده فيه شيء لا عن رسول الله (ولا عن صحابته أو التابعين.
وبهذا يتبين خطأ قول السرخسي ومن معه: (كان خبر القضاء بالشاهد واليمين زائداً عليه والزيادة على النص كالنسخ عندنا) .
٢-وأما قوله: (فإن الله تعالى قال:- (واستشهدوا شهيدين من رجالكم ( ﴿البقرة ٢٨٢﴾ الآية
وقوله (واستشهدوا (أمر بفعل هو مجمل فيما يرجع إلى عدد الشهود ... ، فيكون ما بعده تفسيراً لذلك المجمل وبياناً لجميع ما هو المراد بالأمر وهو استشهاد رجلين فإن لم يكونا فرجل وامرأتان ...
стр. 6796
وإذا ثبت أن جميع ما هو المذكور في الآية كان خبر القضاء بالشاهد واليمين زائداً عليه والزيادة على النص كالنسخ عندنا.
يقرره قوله تعالى:- (وأدنى ألا ترتابوا ( ﴿البقرة ٢٨٢﴾ فقد نص على أن أدنى ما تنتفي به الريبة شهادة شاهدين بهذه الصفة وليس دون الأدنى شيء آخر تنتفي به الريبة) .
فالجواب عن ذلك بأمور منها:
أولاً: - إنه ليس في جعل اليمين والشاهد حجةً دليلٌ على النسخ في هذه الآية؛ لأن الآية ما تعرضت بنفي ولا إثبات، وهذا لأن التخيير بين الشيئين لا يتعرض لما عداهما بتحريم ولا إيجاب، فانتفاء الثالث ليس بحكم الآية بل بحكم أن الأصل فيه الانتفاء. والنقل من الأصل لا يكون نسخاً (١) .
ثانياً: - إن طرق الحكم شيء وطرق حفظ الحقوق شيء آخر وليس بينهما تلازم فتحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم مما يعلم صاحب الحق أنه يحفظ به حقه ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه ولا خطر على باله من نكول ورد يمين وغير ذلك. قاله ابن القيم (٢) ثم قال: (قال الشافعي: واليمين مع الشاهد لا تخالف من ظاهر القرآن شيئا لأنا نحكم بشاهدين وشاهد وامرأتين فإذا كان شاهد واحد حكمنا بشاهد ويمين وليس ذا يخالف القرآن لأنه لم يحرم أن يكون أقل مما نص عليه في كتابه. ورسول الله (أعلم بما أراد الله وقد أمرنا الله أن نأخذ ما آتانا
стр. 6797
قلت- القائل ابن القيم -: وليس في القرآن ما يقتضي أنه لا يحكم إلا بشاهدين أو شاهد وامرأتين فإن الله سبحانه إنما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به فضلاً عن أن يكون قد أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك ولهذا يحكم الحاكم بالنكول واليمين المردودة والمرأة الواحدة والنساء المنفردات لا رجل معهن وبمعاقد القمط ووجوه الآجر وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن فإن كان الحكم بالشاهد واليمين مخالفاً لكتاب الله فهذه أشد مخالفةً لكتاب الله منه وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفةً للقرآن فالحكم بالشاهد واليمين أولى ألا يكون مخالفاً للقرآن ...
والقضاء بالشاهد واليمين مما أراه الله تعالى لنبيه (فإنه سبحانه قال: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ( ﴿النساء ١٠٥﴾ .
وقد حكم بالشاهد واليمين وهو مما أراه الله إياه قطعاً) .
المطلب الثاني: في رد خبر الواحد لكونه مخالفاً للسنة المشهورة
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في أدلة القائلين بها ومناقشتها.
لم يتطرق القائلون بهذه القاعدة إلى أدلتها بخصوصها اكتفاءً بما ذكروه من أدلة في المطلب الأول وهو انقطاع خبر الواحد لمخالفته لكتاب الله تعالى فالأدلة، والمناقشات هي هي، إلا أنهم قد ذكروا وجهاً آخر لرد خبر الواحد لمخالفته السنة المشهورة –باصطلاحهم-فقالوا: إن (خبر الواحد إذا خالف السنة المشهورة فهو منقطع في حكم العمل به؛ لأن ما يكون متواتراً من السنة أو مستفيضاً أو مجمعاً عليه فهو بمنزلة الكتاب في ثبوت علم اليقين به وما فيه شبهة فهو: مردود في مقابلة اليقين، وكذلك المشهور من السنة، فإنه أقوى من الغريب لكونه أبعد عن موضع الشبهة ولهذا جاز النسخ بالمشهور دون الغريب فالضعيف لا يظهر في مقابلة القوي) .
стр. 6798
ويمكن أن يقال: بأنه ليس هناك تعارض البتة بين الكتاب وصحيح السنة، وقد سبق التنبيه على مثل هذا فليرجع إليه، وأما قولهم إن المشهور من السنة أقوى من الغريب (السنة الآحادية الصحيحة) فهذه القوة لا تمنع من العمل بالخبر الصحيح لا سيما إذا كانت دلالة خبر الواحد قطعية ودلالة المشهور محتملة كأن تكون عامة أو مطلقة أو مجملة.
وقولهم إن الضعيف لا ينسخ القوي فهذا غير مسلم فإن النسخ متعلق بالدلالة لا بالسند فالناسخ صحيح السند –وهذا لابد منه - رافع لدلالة المنسوخ ومبطل لها.
قال الشيخ الشنقيطي (١) ﵀: (التحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه والدليل الوقوع.
أما قولهم إن المتواتر أقوى من الآحاد والأقوى لا يرفع بما هو دونه فإنهم قد غطلوا فيه غلطاً عظيماً مع كثرتهم وعلمهم، وإيضاح ذلك أنه لا تعارض البتة بين خبرين مختلفي التاريخ لإمكان صدق كل منهما في وقته، وقد أجمع جميع النظار أنه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما، أما إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتهما، فلو قلت: النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس، وقلت أيضاً: لم يصل إلى بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما قبل النسخ، وبالثانية ما بعده لكانت كل منهما صادقة في وقتها.
стр. 6799
ومثال نسخ القرآن بأخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه نسخ إباحة الحمر الأهلية - مثلاً -المنصوص عليها بالحصر الصريح في آية (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً ... ( ﴿الأنعام ١٤٥﴾ الآية، بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه لأن الآية من سورة الأنعام وهي مكية أي نازلة قبل الهجرة بلا خلاف، وتحريم الحمر الأهلية بالسنة واقع بعد ذلك في خيبر ولا منافاة البتة بين آية الأنعام المذكورة وأحاديث تحريم الحمر الأهلية لاختلاف زمنهما، فالآية وقت نزولها لم يكن محرماً إلا الأربعة المنصوصة فيها، وتحريم الحمر الأهلية طارئ بعد ذلك، والطروء ليس منافياً لما قبله، وإنما تحصل المنافاة بينهما لو كان في الآية ما يدل على نفي تحريم شيء في المستقبل غير الأربعة المذكورة في الآية، وهذا لم تتعرض له الآية بل الصيغة فيها مختصة بالماضي لقوله: (قل لا أجد فيما أوحي إلي ( ﴿الأنعام ١٤٥﴾ بصيغة الماضي، ولم يقل فيما سيوحى إلي في المستقبل، وهو واضح كما ترى، والله أعلم) .
المسألة الثانية: في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها.
لقد ترتب على القول بهذه القاعدة الموهومة مسائل فقهية كثيرة منها:-
١- القضاء بالشاهد واليمين.
قال السرخسي (١) : (لم يعمل بخبر القضاء بالشاهد واليمين لأنه مخالف للسنة المشهورة، وهو قوله ﵇:- (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (٢)
стр. 6800
من وجهين:-
أحدهما:- أن في هذا الحديث بيان أن اليمين في جانب المنكر دون المدعي.
والثاني:- أن فيه بيان أنه لا يجمع بين اليمين والبينة فلا تصلح اليمين متممة للبينة بحال) .
الجواب: لقد سبق أن بينت أن السنة الصحيحة لا تعارض بينها وبين كتاب الله إذ الجميع وحي من عند الله العليم الحكيم، وذكرت الأدلة على عدم وقوع ذلك. كما نقلت أقوال العلماء بل إجماعهم على عدم وقوع التعارض والتضاد بين الكتاب والسنة الآحادية الصحيحة. وحينئذٍ فلا حاجة بنا للإعادة بل تنظر في موطنها.
وما ذكروه في هذا الوجه من عدم أخذهم بحديث النبي (من أنه قضى باليمين مع الشاهد ما هو إلا إمعان في رد السنة الصحيحة الصريحة عن رسول الله وصحبه الكرام والأئمة الأعلام بقواعد موهومة مزعومة، فالحديث – عندهم – لا محالة مردود - مع كونه متواتراً عند أهل العلم والاختصاص - إما لمخالفته الكتاب –كما سبق - أو لمخالفته السنة المشهورة.
ومن العجيب حقاً قصرهم الشهرة في حديث (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) دون حديث القضاء بشاهد مع يمين المدعي، مما يدل دلالة لا لبس فيها أن الشهرة معيارها هو: موافقة الحديث لمذهبهم. فما وافق مذهبهم فهو مشهور ولو كان ضعيفاً وربما موضوعاً وما خالف مذهبهم فهو ضعيف أو خبر آحاد لا تقوم به حجة ولو كان في الصحيحين وبقية كتب السنة كحديث القضاء باليمين مع الشاهد.
أما قولهم إن هذا الحديث بيان أن اليمين في جانب المنكر دون المدعي، فلا يسلم لهم القصر وحصر اليمين في جانب المدعى عليه، -وأيضاً -هذا القول مبني على حجية مفهوم المخالفة، والحنفية لا يقولون بحجيته أبداً.
وقد أجاد ابن القيم ﵀ في رد هذه الدعوى ولحسن جوابه وقوته فقد قمت بنقله بتمامه.
قال ابن القيم الجوزية (١) : - (فصل: منزلة السنة من الكتاب)
والذين ردوا هذه المسألة لهم طرق:-
стр. 6801
الطريق الأول: أنها خلاف كتاب الله فلا تقبل وقد بين الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وغيرهم أن كتاب الله لا يخالفها بوجه وإنها لموافقة لكتاب الله وأنكر الإمام أحمد والشافعي على من رد أحاديث رسول الله (لزعمه أنها تخالف ظاهر القرآن وللإمام أحمد في ذلك كتاب مفرد سماه كتاب طاعة الرسول
والذي يجب على كل مسلم اعتقاده أنه ليس في سنن رسول الله (الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل:-
المنزلة الأولى:- سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل.
المنزلة الثانية:- سنة تفسر الكتاب وتبين مراد الله منه وتقيد مطلقه.
المنزلة الثالثة:- سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه بياناً مبتدأً.
ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة
وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة.
الطريق الثاني:- أن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه فلا تشرع في جانب المدعي.
قالوا: ويدل على ذلك قوله (: (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) فجعل اليمين من جانب المنكر.
وهذه الطريقة ضعيفة جداً من وجوه:-
أحدها:- أن أحاديث القضاء بالشاهدين واليمين أصح وأصرح وأشهر وهذا الحديث لم يروه أحد من أهل الكتب الستة.
الثاني:- أنه لو قاومها في الصحة والشهرة لوجب تقديمها عليه لخصوصها وعمومه.
стр. 6802
الثالث:- أن اليمين إنما كانت في جانب المدعى عليه حيث لم يترجح جانب المدعي بشيء غير الدعوى فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين لقوته بأصل براءة الذمة فكان هو أقوى المدعيين باستصحاب الأصل فكانت اليمين من جهته فإذا ترجح المدعي بلوث أو نكول أو شاهد كان أولى باليمين لقوة جانبه بذلك فاليمين مشروعة في جانب أقوى المتداعيين فأيهما قوي جانبه شرعت اليمين في حقه بقوته وتأكيده ولهذا لما قوي جانب المدعين باللوث شرعت الأيمان في جانبهم ولما قوي جانب المدعي بنكول المدعى عليه ردت اليمين عليه كما حكم به الصحابة، وصوبه الإمام أحمد وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ. ولما قوي جانب المدعى عليه بالبراءة الأصلية كانت اليمين في حقه وكذلك الأمناء كالمودع والمستأجر والوكيل والوصي القول قولهم ويحلفون لقوة جانبهم بالأيمان فهذه قاعدة الشريعة المستمرة
فإذا أقام المدعي شاهداً واحداً قوي جانبه فترجح على جانب المدعى عليه الذي ليس معه إلا مجرد استصحاب الأصل وهو دليل ضعيف يدفع بكل دليل يخالفه ولهذا يدفع بالنكول واليمين المردودة واللوث والقرائن الظاهرة فدفع بقول الشاهد الواحد وقويت شهادته بيمين المدعي فأي قياس أحسن من هذا وأوضح مع موافقته للنصوص والآثار التي لا تدفع) انتهى كلامه.
٢- بيع الرطب بالتمر:-
قال السرخسي (١) : (لم يعمل أبو حنيفة بخبر سعد بن أبي وقاص ﵁ في بيع الرطب بالتمر أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: (أينتقص إذا جف) قالوا: نعم.قال:- (فلا إذاً) ، لأنه مخالف للسنة المشهورة وهو قوله ﵇: (التمر بالتمر مثل بمثل) (٢) .
من وجهين:-
أحدهما:- أن فيها اشتراط المماثلة في الكيل مطلقاً لجواز العقد. فالتقييد باشتراط المماثلة في أعدل الأحوال وهو بعد الجفوف يكون زيادة.
стр. 6803
والثاني:- أنه جعل فضلاً يظهر بالكيل هو الحرام في السنة المشهورة.
فجعل فضل يظهر عند فوات وصف مرغوب فيه رباً حراماً يكون مخالفاً لذلك الحكم) انتهى كلامه.
قلت: روى سعد بن أبي وقاص قال: تبايع رجلان على عهد رسول الله (بتمر ورطب. فقال النبي (: (هل ينقص الرطب إذا يبس؟) فقالوا: نعم. فقال النبي (: فلا إذاً) .
وهذا الحديث رواه مالك (١) ،وبدالرزاق (٢) ،وأحمد (٣) ،وأبو داود (٤) ، وابن ماجة (٥) ، والترمذي (٦) ، والنسائي (٧) ، وأبو يعلى (٨) ، وابن حبان (٩) ، والدارقطني (١٠) والحاكم (١١) ، والبيهقي (١٢) .
وقال الحاكم (١٣) : هذا حديث صحيح، والشيخان لم يخرجاه لما خشياه من جهالة زيد أبي عياش.
وأما الحديث الآخر وهو حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله (: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) . فحديث رواه الشيخان (١٤) وغيرهما.
وأما الجواب عما ذكره السرخسي وغيره من وجود تعارض بين الحديثين فنقول: ليس هناك تعارض بين أحاديث رسول الله (متواترها ومشهورها الثابتة وآحادها الصحيحة فالكل من عند الله العليم الحكيم وقد سبق التنبيه على هذا مراراً وتكراراً فليرجع إليه.
стр. 6804
وعلى فرض وجود التعارض بينهما فإن أمكن الجمع تعين كأن يقال: إن حديث النهي عن بيع التمر بالتمر إلا مثلاً بمثل عام، وحديث سعد خاص بالنهي عن بيع الرطب بالتمر فيجعل مخصصاً لعموم حديث عبادة بن الصامت السابق فلا يكون حينئذٍ أي تعارض فكأن النبي (قال: يجوز بيع البدلين رَطْبَيْن أو يابسين إذا وجدت المساواة ولا يجوز بيعهما إذا كان أحدهما رَطْبَاً والآخر يابساً ولو وجدت المساواة.
فالرسول (لما سئل عن بيع التمر بالرطب أرشدهم إلى أن العلة في التحريم عدم المماثلة؛ لأن مآلهما عدم المساواة إذا يبس الآخر.
قال ابن القيم (١) : (كانوا إذا سألوه عن الحكم نبههم على علته وحكمته كما سألوه عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا جف قالوا: نعم قال: فلا إذن. ولم يكن يخفى عليه (نقصان الرطب بجفافه ولكن نبههم على علة الحكم) .
وقد أوضح ذلك الإمام ابن عبد البر بقوله (٢) : ( ... للعلماء فيه قولان:-
أحدهما: وهو أضعفهما أنه استفهام، استفهم عنه أهل النخيل والمعرفة بالتمور والرطب ورد الأمر إليهم في علم نقصان الرطب إذا يبس.
والقول الآخر: وهو أصحهما أن رسول الله لم يستفهم عن ذلك ولكنه قرر أصحابه على صحة نقصان الرطب إذا يبس ليبين لهم المعنى الذي منه منع.
فقال لهم: أينقص الرطب: أي أليس ينقص الرطب إذا يبس وقد نهيتكم عن بيع التمر بالتمر إلا مثلاً بمثل.
فهذا تقرير منه وتوبيخ وليس باستفهام في الحقيقة لأن مثل هذا لا يجوز جهله على النبي (، والاستفهام في كلام العرب قد يأتي بمعنى التقرير كثيراً وبمعنى التوبيخ، كما قال الله : (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ءآنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ( ﴿المائدة ١١٦﴾ فهذا استفهام: معناه التقرير وليس معناه أنه استفهام عما جهل جل الله وتعالى عن ذلك.
стр. 6805
ومن التقرير- أيضاً- بلفظ الاستفهام قوله : (ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون ( ﴿يونس ٥٩﴾
وقوله: (ءآلله خير أم ما يشركون ( ﴿النمل ٥٩﴾ .
وقوله: (وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي ( ﴿طه ١٨﴾ وهذا كثير.
وقوله (في هذا الحديث أينقص الرطب إذا يبس نحو قوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة ففيم يأخذ أحدكم مال أخيه) فإنه قد قال أليس الرطب إذا يبس نقص فكيف تبيعونه بالتمر، والتمر لا يجوز بالتمر إلا مثلاً بمثل، والمماثلة معروفة في مثل هذا فلا تبيعوا التمر بالرطب بحال.
فهذا أصل في مراعاة المآل في ذلك وهذا تقرير قوله (عند من نزهه ونفى عنه أن يكون جهل أن الرطب ينقص إذا يبس وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى وبه التوفيق) انتهى كلامه.
وأما ما نُسِبَ إلى أبي حنيفة ﵀ من عدم الأخذ بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ لأنه مخالف للسنة المشهورة وهو قوله ﵇:- (التمر بالتمر مثل بمثل) (١) ، فكذب محض فإنه لم يتركه لهذه القاعدة الباطلة وإنما تركه لعدم صحته عنده فقد سئل عن هذه المسألة حينما دخل بغداد فاحتج بحديث النهي عن بيع التمر بالتمر، فأورد عليه حديث سعد فقال (٢) : هذا الحديث دار على زيد أبي عياش وهو ممن لا يقبل حديثه.
يؤيد ذلك قول الحاكم في المستدرك عن حديث سعد: هذا حديث صحيح، والشيخان لم يخرجاه لما خشياه من جهالة زيد أبي عياش.
وأما صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن فقد خالفاه في المسألة فقالا بالحديث الذي رواه سعد لصحته عندهما.
стр. 6806
وبهذا يتبين فساد ما نُسب (١) إلى الإمام وصاحبيه من أنهم قد تركوا حديث سعد لكونه مخالفاً للحديث المشهور.
ولما أعترض على هذه الدعوى بأن الصاحبين قد عملا بحديث سعد وهو مخالف للحديث المشهور، قالوا: إنما عملا به، بناء على أن لفظ المشهور تناول التمر فقط، والرطب ليس بتمر عادةً وعُرْفاً. بدليل أن من حلف لا يأكل تمراً فأكل رطباً أو حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله بعدما صار تمراً لم يحنث،لا أنهما لا يقولان بأن الحديث يرد لمخالفته السنة المشهورة.
فهؤلاء الذين قَوَّلُوا الأئمة مالم يقولوه قد ارتكبوا جناياتٍ لا حصر لها أعظمها نسبة القول إليهم بأنهم قد ردوا سنن المصطفى الصحيحة بأهوائهم، وهذا لا يقوله جاهل فضلاً عمن ينسب نفسه إلى العلم.
المطلب الثالث: في رد خبر الواحد لكونه حديثاً شاذاً لم يشتهر
فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته
وفيه مسألتان:-
المسألة الأولى: في أدلة القائلين بهذه القاعدة ومناقشتها.
إن خبر الواحد الذي صح سنده إذا ورد موجباً للعمل فيما يعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته للعمل به لا يقبل، عند عيسى بن أبان وأبي زيد الدبوسي والسرخسي والبزدوي وعبد العزيز البخاري وغيرهم ممن تبعهم ممن ينتسب لمذهب أبي حنيفة ﵀ محتجين على ما ادعوه بما يأتي:-
قالوا (٢) : (إن صاحب الشرع كان مأموراً بأن يُبَيِّن للناس ما يحتاجون إليه وقد أمرهم بأن ينقلوا عنه ما يحتاج إليه من بعدهم.
стр. 6807
فإذا كانت الحادثة مما تعم به البلوى فالظاهر أن صاحب الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة وتعليمهم. وأنهم لم يتركوا نقله على وجه الاستفاضة، فحين لم يشتهر النقل عنهم عرفنا أنه سهو أو منسوخ، ألا ترى أن المتأخرين لما نقلوه اشتهر فيهم فلو كان ثابتاً في المتقدمين لاشتهر أيضاً وما تفرد الواحد بنقله مع حاجة العامة إلى معرفته) انتهى.
والجواب عن هذا الدليل بأن يقال (١) : (إنما يجب ذلك لو لزم المكلفين العمل به على كل حال، فأما إذا لزمهم العمل بشرط أن يبلغهم الخبر فليس في ذلك تكليف ما لا طريق إليه، ولو وجب ما ذكروه فيما تعم به البلوى لوجب فيما لا تعم به البلوى أيضاً؛ لأنه وإن كانت البلوى لا تعم به لكنه يجوز وقوعه لكل واحد من آحاد الناس، فيجب في حكمه إشاعة حكمه خوفاً من أن لا يصل إلى من يُبتلى به فيضيع فرض عليه.
جواب آخر: أن الحكم وإن عم به البلوى، فليس هو بشيء وقعت واقعته في الحال لكلّ أحد في نفسه وذاته، بل غاية ما في الباب: توهم وقوعه. وإذا لم يكن إلا محض التوهم، فإذا وقع يمكن الوصول إلى موجب الحكم؛ لأن حكمه وإن نقله الواحد والاثنان فالتمكن من الوصول إليه موجود. فيكفي ذلك؛ لأنه إذا أمكنه الوصول فليس يضيع الحكم) .
فالنبي (مبلغ عن الله وقد يبلغ الكافة وقد يبلغ العديد القليل وأحياناً الفرد والفردين، فقوله (: (نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها) (٢) والحديث لم يشترط ما شرطه هؤلاء بل أطلق لكل من سمع مقالته أن يبلغها سواء كانوا جماعة أو أفرادا أو حتى فرداً واحداً أن يبلغ ما سمع فالواجب أنه متى ما صح عن رسول الله صلى الله من خبر وجب قبوله وعدم رده، وقد سبق بيان وجوب قبول خبر الواحد العدل فليرجع إليه.
стр. 6808
وأما قولهم: (ولهذا لم تقبل شهادة الواحد من أهل المصر على رؤية هلال رمضان إذا لم يكن بالسماء علة.
ولم يقبل قول الوصي فيما يدعي من إنفاق مال عظيم على اليتيم في مدة يسيرة، وإن كان ذلك محتملاً؛ لأن الظاهر يكذبه في ذلك) .
فيقال: هذا غير مسلم؛ لأنه قياس مع الفارق فكم من مواقف لرسول الله (بيَّن فيها بياناً عاماً ونقلت من طريق الآحاد كحجه وخطب الجمع ورجم ماعز وغير ذلك، ولهذا فإن المطلوب نقل حديث رسول الله (، وقد يترك بعض الصحابة الرواية اكتفاءً بنقل غيره.
كما أنا لا نسلم عدم قبول شهادة العدل الواحد على رؤية هلال رمضان وإن شاركه غيره الرؤية ولم يروه.
قال ابن عباس (١) : تمارى الناس في رؤية هلال رمضان، فقال بعضهم: اليوم، وقال بعضهم: غداً فجاء أعرابي إلى النبي (فذكر أنه رآه، فقال النبي (: (أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) قال نعم: فأمر النبي (بلالاً فنادى في الناس: صوموا، ثم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً ثم صوموا ولا تصوموا قبله يوماً)
قال ابن القيم (٢) : (فأي فرق بين أن يشهد العدل الواحد على أمر رآه وعاينه يتعلق بمشهود له وعليه وبين أن يخبر بما رآه وعاينه مما يتعلق بالعموم وقد أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد وهو شهادة منه بدخول الوقت وخبر عنه يتعلق بالمخبر وغيره وكذلك أجمعوا على قبول فتوى المفتي الواحد وهي خبر عن حكم شرعي يعم المستفتي وغيره) .
المسألة الثانية: في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها.
لقد ترتب على القول بهذه القاعدة مسائل فقهية كثيرة أهمها ما يأتي: -
١-الوضوء من مس الذكر:-
قال السرخسي: (وعلى هذا الأصل لم نعمل بحديث الوضوء من مس الذكر؛ لأن بسرة تفردت بروايته مع عموم الحاجة لهم إلى معرفته.
стр. 6809
فالقول بأن النبي ﵇ خصها بتعليم هذا الحكم مع أنها لا تحتاج إليه ولم يعلم سائر الصحابة مع شدة حاجتهم إليه شبه المحال) .
أقول: قد سبق مناقشة هذه المسألة في القاعدة السابقة وهي مخالفة خبر الواحد للكتاب فلا حاجة للإعادة.
٢- الوضوء مما مسته النار:
أقول:ورد عن رسول الله (أنه قال كما في حديث زيد بن ثابت: (الوضوء مما مست النار) .
وقوله ﵇ كما في حديث أبي هريرة: (توضأوا مما مست النار) .
وقوله ﵇ كما في حديث عائشة: (توضأوا مما مست النار) .
وكل هذه الأحاديث في صحيح مسلم (١) .
وورد فيه من حديث ابن عباس (٢) : أن رسول الله (أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ.
وورد من حديث ميمونة (٣) : أن النبي (أكل عندها كتفاً ثم صلى ولم يتوضأ.
وعن جابر بن عبد الله قال (٤) : آخر الأمرين من رسول الله (ترك الوضوء مما مست النار.
قال الحافظ ابن حجر (٥) : (قال النووي: كان الخلاف فيه معروفاً بين الصحابة والتابعين، ثم استقر الإجماع على أنه لا وضوء مما مست النار إلا ما تقدم استثناؤه من لحوم الإبل.
وجمع الخطابي بوجه آخر وهو أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب) .
قال ابن عبد البر (٦) : (وقوله (توضئوا مما مست النار أمر منه بالوضوء المعهود للصلاة لمن أكل طعاماً مسته النار، وذلك عند أكثر العلماء، وعند جماعة أئمة الفقهاء منسوخ بأكله (طعاماً مسته النار وصلاته بعد ذلك دون أن يحدث وضوءاً.
فاستدل العلماء بذلك على أن أمره بالوضوء مما مست النار منسوخ.
стр. 6810
وأشكل ذلك على طائفة كثيرة من أهل العلم بالمدينة والبصرة ولم يقفوا على الناسخ في ذلك من المنسوخ أو لم يعرفوا منه غير الوجه الواحد فكانوا يوجبون الوضوء مما مست النار ويتوضأون من ذلك، وممن روى عنه ذلك زيد بن ثابت وابن عمرو، وأبو موسى وأبو هريرة وعائشة وأم حبيبة أما المؤمنين، واختلف فيه عن أبي طلحة الأنصاري وعن ابن عمر وأنس بن مالك وبه قال خارجة بن زيد بن ثابت وأبو بكر بن عبد الرحمن وابنه عبد الملك ومحمد ابن المنكدر وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب الزهري فهؤلاء كلهم مدنيون، وقال به من أهل العراق أبو قلابة وأبو مخلد والحسن البصري ويحيى بن يعمر وهؤلاء كلهم بصريون.
وكان ابن شهاب ﵀ قد عرف الوجهين جميعاً في ذلك وروى الحديثين المتعارضين في هذا الباب وكان يذهب إلى أن قوله (توضأوا مما غيرت النار ناسخ لفعله المذكور في حديث ابن عباس هذا ومثله وهذا مما غلط فيه الزهري مع سعة علمه وقد ناظره أصحابه في ذلك فقالوا كيف يذهب الناسخ على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء الراشدون فأجابهم بأن قال: أعيى الفقهاء أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله (من منسوخه) .
قلت: مما سبق ذكره من بعض الأحاديث والآثار في المسألة وأقوال العلماء اتضح أنها معدودة من باب تعارض الأدلة من الأحاديث والآثار المروية فيها فمن رجح أحد الطرفين قال به ومن جمع قال بما توصل إليه في نظره ولم يذكر أحد من العلماء الذين ذُكِروا أنه ترك حديث توضأوا مما مست النار لكونه حديثاً روي فيما تعم به البلوى فلا يعمل به.
٣-تغسيل الجنازة وحملها:
لم يعمل القائلون بهذه القاعدة بخبر الوضوء والغسل من حمل الجنازة أو تغسيلها، لكون الخبر المروي في المسألة خبر آحاد فيما يعم به البلوى فلا يقبل.
стр. 6811
قلت: الحديث المشار إليه هو حديث رواه المغيرة (١) وحذيقة (٢) وأبو هريرة (٣) وابن عباس (٤) قالوا: قال رسول الله (: (من غسل ميتاً فليغتسل) .
وزاد أبو هريرة (٥) في حديثه: (ومن حمله فليتوضأ) .
وفي لفظ (٦) : (من حمل جنازةً فليتوضأ) .
وفي لفظ (٧) : (ِمنْ غُسْلِه الغُسْلُ، ومِنْ حَمْلِه الوضوء) .
وقد اختلف العلماء في تصحيحه، فقال الترمذي (٨) : (حديث حسن، وقد روي عن أبي هريرة موقوفاً) .
وقال الإمام أحمد وعلي بن المديني (٩) : لا يصح في هذا الباب شيء.
وقال محمد بن يحيى (١٠) : لا أعلم من غسل ميتاً فليغتسل حديثاً ثابتاً ولو ثبت لزمنا استعماله.
قال ابن حجر (١١) : (وذكر البيهقي له طرقاً وضعفها،ثم قال: والصحيح أنه موقوف.
وقال البخاري: الأشبه موقوف.
وقد حسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وله طريق أخرى من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رفعه: مَنْ غَسَّل مَيْتَاً فليغتسل. ذكره الدارقطني وقال: فيه نظر. قال الحافظ: رواته موثقون) انتهى كلامه باختصار.
стр. 6812
وقد جاء ما يعارض الأحاديث السابقة مثل قوله ﵇ فيما رواه الحاكم (١) عن ابن عباس قال: قال رسول الله (: (ليس عليكم في غُسْلِ ميتكم غُسْلٌ إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم)
قال الحاكم (٢) : (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.
وفيه رفض لحديث مختلف فيه على محمد بن عمرو بأسانيد (من غسل ميتاً فليغتسل)) .
قلت: ولهذا اختلفت طرائق العلماء في العمل بهذه الأحاديث، فبعضهم رفضها لضعفها عنده، وبعضهم قال: إن الغسل من تغسيل الميت منسوخ كما ذهب إليه أبوداود (٣) ، وأيده الحافظ ابن حجر في كتابه تلخيص الحبير (٤) محتجاً بالحديث الأخير.
وقال: وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث والله أعلم.
وبعضهم جمع بين الأحاديث فقال: يحمل الأمر في الغسل على الندب أو المراد بالغسل غسل الأيدي كما صرح به في الحديث الأخير، يؤيده ما روي عن ابن عمر قال (٥) : كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل.
قال البيهقي (٦) : (أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد ثنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا عبد الكريم بن الهيثم ثنا أبو اليمان أخبرني شعيب بن أبي حمزة قال: وقال نافع:كنا نغسل الميت فيتوضأ بعضنا ويغتسل بعض ثم يعود فنكفنه ثم نحنطه ونصلي عليه ولا نعيد الوضوء.
وبإسناده قال: أخبرني شعيب قال: قال نافع: قد رأيت عبد الله بن عمر حنط سعيد بن زيد وحمله فيمن حمله ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ) .
قال الخطابي (٧) : (لا أعلم أحداً من الفقهاء يوجب الاغتسال على من غسل الميت ولا الوضوء من حمله، ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب) .
стр. 6813
أقول: تبين من استعراض الأحاديث والآثار الواردة في المسألة وأقوال العلماء فيها أنه لا صلة لأقوالهم بهذه القاعدة المزعومة فمن صحح الأحاديث جمع أو قال بالنسخ ومن ضعف رجع إلى البراءة الأصلية وأنه لا تكليف إلا بدليل صحيح.
٤-رفع الأيدي عند الركوع وعند رفع الرأس منه:
ذهب القائلون بهذه القاعدة إلى عدم العمل بالأحاديث الواردة في الحض على رفع الأيدي عند الركوع وعند الرفع منه لكون هذه الأحاديث أخبار آحاد مروية فيما يعم به البلوى فلا تقبل.
والأحاديث المشار إليها أحاديث كثيرة وآثار متنوعة عن الصحابة والتابعين وغيرهم، فمن تلك الأحاديث:-
١-مارواه البخاري ومسلم في صحيحيهما (١) من حديث مالك بن الحويرث قال: إن رسول الله (كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه. وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه. وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال (سمع الله لمن حمده) فعل مثل ذلك.
٢- مارواه الشيخان في صحيحيهما (٢) عن ابن عمر ﵁ أنه قال: كان رسول الله (إذا قام للصلاة، رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه. ثم كبر. فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك.وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك.
أقول: لقد روى كثير من علماء الحديث هذا الحديث في دواوينهم عن هذين الصحابيين وعن غيرهما، وممن روى ذلك: ابن أبي شيبة (٣) ، والدارمي (٤) ، وأبوداود (٥) ، ابن ماجة (٦) ، والترمذي (٧) ، والنسائي (٨) ، وابن خزيمة (٩) ، والدارقطني (١٠) ، والبيهقي (١١) ، وغيرهم.
стр. 6814
قال الترمذي (١) : (وفي الباب عن عمر وعلي ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث وأنس وأبي هريرة وأبي حميد وأبي أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة وأبي قتادة وأبي موسى الأشعري وجابر وعمير الليثي) .
قال الحسن البصري (٢) :كان أصحاب رسول الله (يرفعون أيديهم إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع كأنما أيديهم مراوح.
وروى البخاري في (جزء رفع اليدين) (٣) عن مالك: أن ابن عمر كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى.
ونقل البخاري عن شيخه علي بن المديني قوله (٤) : رفع اليدين حق على المسلمين بما رواه الزهري عن سالم عن أبيه.
قال البخاري في (جزء رفع اليدين) (٥) : من زعم أن رفع الأيدي بدعة فقد طعن في أصحاب رسول الله ﷺ والسلف من بعدهم وأهل الحجاز وأهل المدينة وأهل مكة وعدة من أهل العراق وأهل الشام وأهل اليمن وعلماء أهل خراسان منهم ابن المبارك حتى شيوخنا عيسى بن موسى وأبو أحمد وكعب بن سعيد .....ولم يثبت عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه لا يرفع يديه) .
وذكر أنه رواه سبعة عشر رجلاً من الصحابة (٦) .
وذكر الحاكم وأبو القاسم بن منده ممن رواه: العشرة المبشرة بالجنة (٧) .
قال الحافظ ابن حجر (٨) :وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلاً.
قلت: إذا كان هذا الحديث وما في معناه قد بلغ عدد رواة أصله من الصحابة خمسين صحابياً أفلا يكون هذا الحديث من قبيل المتواتر؟!
стр. 6815
-وأيضاً - أولم يتحقق فيه أن (صاحب الشرع كان مأموراً بأن يُبَيِّن للناس ما يحتاجون إليه وقد أمرهم بأن ينقلوا عنه ما يحتاج إليه من بعدهم. فإذا كانت الحادثة مما تعم به البلوى فالظاهر أن صاحب الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة وتعليمهم) .
أقول: فهل ترك صاحب الشرع بيان هذه السنة لكافة أصحابه وتعليمهم إياها مع أن عدد رواتها قد بلغوا خمسين رواياً؟!!
وبعد: فإنه لا يصح أن يقال: لا يجوز العمل بهذه السنة؛ لأنه لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام إلى معرفتها؛ لأن هذا القول يكون حينئذٍ مكابرة مع ما ذكر من عدد رواتها وصحة طرقها وعدم وجود دليل صحيح يعارضها أو يدفعها.
فائدة:-
قال النووي ﵀ (١) : (والأحاديث الصحيحة في الباب كثيرةٌ غَيْرُ منحصرة ... )
قلت: بهذه النقول وغيرها تَبَيَّنَ أن قول الجصاص (٢) : (حديث رفع اليدين في الركوع، لو كان ثابتاً لنقل نقلاً متواتراً) قولٌ عارٍ عن التحقيق والتدقيق والبحث العلمي الرصين المتجرد للدليل لا للتعصب المقيت؛ لأنه قد سبق –وسيأتي إن شاء الله- النقل عن أئمة الحديث والأثر روايتهم له من طرق بلغت حد التواتر عند أهل العلم والمعرفة بالحديث وطرقه، وإلا فإن الجصاص ومن قال بقوله إنما هم مخبرون عن حالهم ومبلغ علمهم، وهم صادقون فيما أخبروا به عن أنفسهم مخطئون في حكمهم على أئمة الدنيا من أهل الحديث والأثر ومخطئون-أيضاً - في حكمهم على الحديث نفسه، كما أن القول بما ادعاه الجصاص ومن وافقه فيه فتح باب عظيم من أبواب الشر والفساد لرد سنة سيد المرسلين إذ لا يُعْجِزُ أي شخص لا يريد العمل بالسنة أن يدعي ما ادعوه.
стр. 6816
- وأيضاً - مخالف الجصاص ومن معه لا يُعْجِزُهُ أن يقول فيما ادعاه الجصاص ومن معه من تواتر بعض الأحاديث أو اشتهارها بأنها لم تثبت لأنها لو كانت ثابتة لنقلت نقلاً متواتراً، فما كان جوابهم عنها فهو بعينه جواب مخالفيهم.
فائدة أخرى:
قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي ﵀ (١) : (لا نعلم مصراً من الأمصار ينسب إلى أهله العلم قديماً تركوا بإجماعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة إلا أهل الكوفة.
والسبب في ذلك تعلقهم بما روي عن ابن مسعود عن النبي (: أنه كان لا يرفع يديه في الصلاة إلا مرة في أول شيء) انتهى.
قال ابن عبد البر (٢) : (هو حديث انفرد به عاصم بن كليب واختلف عليه في ألفاظه وقد ضعف الحديث أحمد بن حنبل وعلله ورمى به) .
وقد احتج بعض متأخري الكوفة بحديث مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله (: (مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة) (٣) .
قال ابن عبد البر (٤) : (وهذا لا حجة فيه لأن الذي نهاهم عنه رسول الله (غير الذي كان يفعله لأنه محال أن ينهاهم عما سن لهم وإنما رأى أقواماً يعبثون بأيديهم ويرفعونها في غير مواضع الرفع فنهاهم عن ذلك.
وكان في العرب القادمين والأعراب من لا يعرف حدود دينه في الصلاة وغيرها وبعث (معلماً فلما رآهم يعبثون بأيديهم في الصلاة نهاهم وأمرهم بالسكون فيها وليس هذا من هذا الباب في شيء والله أعلم) انتهى.
قلت: لم يعمل أبو حنيفة وسفيان الثوري والحسن بن حي وفقهاء الكوفة بأحاديث رفع اليدين في الركوع والرفع منه؛ لأنها لم تصح عندهم، مع تمسكهم بما روي عن ابن مسعود ﵁ من عدم رفعه ليديه في تلك المواطن.
стр. 6817
والدليل على عدم صحة هذه السنة عند أبي حنيفة ﵀ ما رواه البيهقي في السنن الكبرى (١) حيث قال: (قال: وكيع صليت في مسجد الكوفة فإذا أبو حنيفة قائم يصلي وابن المبارك إلى جنبه يصلي فإذا عبد الله يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع وأبوحنيفة لا يرفع فلما فرغوا من الصلاة.
قال أبو حنيفة لعبد الله: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تكثر رفع اليدين أردت أن تطير.
قال له عبد الله: يا أبا حنيفة قد رأيتك ترفع يديك حين افتتحت الصلاة فأردت أن تطير.
فسكت أبو حنيفه.
قال وكيع: فما رأيت جواباً أحضر من جواب عبد الله لأبي حنيفة) .
قلت: من المعلوم من الدين بالضرورة أن الاستهزاء بشيء من السنة الصحيحة الثابتة هو استهزاء بالنبي ﷺ وبشرعه، والاستهزاء بالنبي ﷺ أو بشرعه كفر مخرج من الملة.
فإن قيل بثبوت هذه السنة عند أبي حنيفة ومن ثَمَّ صدر عنه ما صدر فهذا كفر بالله ينزه عنه أبو حنيفة ﵀ فلزم حينئذٍ القول بأن هذه السنة لم تثبت عنده، بدليل أنه كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، بما ظن صحته عن ابن مسعود ﵁ من عدم الرفع في غير تكبيرة الإحرام، ولم يقل لابن المبارك ما قال له في الرفع عند الركوع والرفع منه لكونها سنة في نظره.
فالمسألة إذن ليست كما صورها السرخسي ومن قال بقوله من أنها من باب خبر الواحد إذا روى خبراً فيما يعم به البلوى لا يقبل، بل هي من قبيل عمل كل إمام بما بلغه من سنة المصطفى ﷺ .
المطلب الرابع: في رد خبر الواحد لكونه حديثاً قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول وهو ما لم تجر المحاجة بخبر الواحد بين الصحابة مع ظهور الاختلاف بينهم في الحكم
وفيه مسألتان:-
стр. 6818
المسألة الأولى: في أدلة القائلين بهذه القاعدة (١) :
استدل القائلون بصحة هذه القاعدة: بأن الخبر الذي هذه صفته لا يقبل؛ لأنه زيف؛ ذلك أن الصحابة هم الأصول في نقل الدين ولا يتهمون بالكتمان ولا بترك الاحتجاج بما هو الحجة والاشتغال بما ليس بحجة.
فإذا ظهر منهم الاختلاف في الحكم وجرت المحاجة بينهم فيه بالرأي -والرأي ليس بحجة- مع ثبوت الخبر فلوكان الخبر صحيحاً لاحتج به بعضهم على بعض حتى يرتفع به الخلاف الثابت بينهم بناءً على الرأي فكان إعراض الكل عن الاحتجاج به دليلاً ظاهراً على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو هو منسوخ.
وقد يعترض على هذا بأن يقال: لا يخلو حين اختلاف الصحابة في المسألة من أن يعلموا جميعاً أو يعلم بعضهم أن فيها دليلاً عن رسول الله (أو أن لا يعلموا بأجمعهم، فإن علموا بالدليل ومن ثم تركوه جميعاً قائلين بأنه لم يصح عن رسول ﷺ فيها شيء؛ فإن ذلك والقول والفعل إجماع منهم على عدم صحته وأنه مطعون فيه أو منسوخ وإجماعهم حجة، وإن علمه البعض دون البعض الآخر، فإن كان موافقاً لقولهم ولم يحتجوا به وقالوا عن الحديث بأنه لم يثبت عن رسول ﷺ فقد يقال: إنه لا يصح لاحتمال أنه إذا سمعه المخالف لهم قد يقر به عن الرسول ﵇ ويرجع عن قوله. وإن كان مخالفاً لقولهم موافقاً لقول مخالفيهم فترك من علمه العمل به لا يدل على عدم صحته لما سبق، وإن لم يعلم به الجميع فلا يخلو من أن يكون مخالفاً لقول الجميع أو لا، فإن كان مخالفاً لقول الجميع فهذا دليل على أنه غير صحيح ثم هذا لا يتصور وقوعه لعصمة الله أمة محمد (من الاجتماع على ضلالة فإن وقع فهذا دليل على بطلانه، وإن كان الحديث موافقاً لأحد القولين، فهذا متصور وقوعه ومن ثم فالراجح من القولين ما وافق الحديث.
стр. 6819
المسألة الثانية: الآثار الفقهية المترتبة على القول بهذه القاعدة:
لقد ترتب على القول بهذه القاعدة رد بعض الأحاديث الواردة في بعض المسائل الفقهية والتي منها ما يأتي: -
الحديث الأول: (الطلاق بالرجال والعدة بالنساء) .
قال السرخسي (١) : (فإن الكبار من الصحابة اختلفوا في هذا وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا الحديث أصلاً فعرفنا أنه غير ثابت أو مؤول. والمراد به أن إيقاع الطلاق إلى الرجال) .
قلت: روي هذا الحديث عن علي (٢) وابن مسعود (٣) وابن عباس (٤) وزيد بن ثابت (٥) بلفظ: (الطلاق بالرجال والعدة بالنساء) .
وروي عن بعض التابعين منهم:سعيد بن المسيب (٦) ، والشعبي (٧) ، وعكرمة (٨) ، وسليمان ابن يسار (٩) نحوه.
وروي عن علي (١٠) وعبد الله (١١) أنهما قالا: (الطلاق والعدة بالنساء) . وبه قال اثنا عشر من أصحاب رسول الله ((١٢) .
كما روي نحوه عن إبراهيم (١٣) والحسن (١٤) وغيرهما.
стр. 6820
وقد أطال العلماء البحث في هذه الآثار تصحيحاً وتضعيفاً، رفعاً ووقفاً، فلتنظر في: الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١) ، ونصب الراية (٢) ، وتلخيص الحبير (٣) ، ونيل الأوطار (٤) ، وتحفة الأحوذي (٥) ، وعون المعبود (٦) .
قال ابن الجوزي (٧) : (وقد رويت أحاديث في الطرفين كلها ضعاف) .
ومن هنا يتبين عدم صحة إدراج هذا الحديث في هذا الوجه من وجوه الانقطاع لمعنى بدليل معارض، ذلك أن هذا ليس من قبيل خبر الواحد الصحيح الذي أعرض عنه الصحابة في الاحتجاج به بل هي من قبيل اختلاف الصحابة على قولين فمن سعد بالنظر الصحيح في الدليل فهو أولى بالحق.
وقد بَيَّن المباركفوري (٨) خلاف العلماء في هذه المسألة بقول مختصر مفيد، فقال: (قال أبو حنيفة: الطلاق يتعلق بالمرأة،فإن كانت أمة يكون طلاقها اثنتين سواء كان زوجها حراً أو عبداً.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: الطلاق يتعلق بالرجل فطلاق العبد اثنتان وطلاق الحر ثلاث ولا نظر للزوجة.
وعدة الأمة على نصف عدة الحرة فيما له نصف فعدة الحرة ثلاث حيض وعدة الأمة حيضتان لأنه لا نصف للحيض
وإن كانت تعتد بالأشهر فعدة الأمة شهر ونصف وعدة الحرة ثلاثة أشهر) .
الحديث الثاني: ما يروى أن النبي (قال: (ابتغوا في أموال اليتامى خيراً كيلا تأكلها الصدقة)
قال السرخسي: (فإن الصحابة اختلفوا في وجوب الزكاة في مال الصبي وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا الحديث أصلاً فعرفنا أنه غير ثابت إذ لو كان ثابتاً لاشتهر فيهم وجرت المحاجة به بعد تحقق الحاجة إليه بظهور الاختلاف) .
стр. 6821
قلت: الحديث الذي أشار إليه السرخسي قد روي عن جماعة من الصحابة مرفوعاً وموقوفاً، فمن ذلك (١) :-
١- ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص (٢) أن رسول الله (قام فخطب الناس، فقال: من ولي يتيماً له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة.
وفي لفظ: قال (٣) : قال رسول الله (: احفظوا اليتامى في أموالهم لا تأكلها الزكاة.
وفي لفظ آخر: أن رسول الله (قال (٤) : ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر له فيه ولا يتركه تأكله الزكاة.
وفي لفظ: قال (٥) : قال رسول الله (: ابتغوا اليتامى في أموالهم لا تأكلها الزكاة.
٢-ما رواه أنس بن مالك قال (٦) :قال رسول الله (: اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة.
٣-ما رواه يوسف بن ماهك (٧) أن رسول الله (قال: ابتغوا في مال اليتيم أو في أموال اليتامى لا تذهبها أو لا تستهلكها الصدقة.
قال البيهقي (٨) : هذا مرسل.
٤- ما رواه - أيضاً - عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال (٩) : قال رسول الله (: في مال اليتيم زكاة.
وأما الآثار عن الصحابة ﵃ والتابعين والتي تدل على وجوب الزكاة في مال اليتيم فكثيرة منها:-
стр. 6822
أ-قال سعيد بن المسيب (١) : إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة.
ب-قال عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢) : إن علياً زكى أموال بني أبي رافع فلما دفعها إليهم وجدوها بنقص.
فقالوا: إنا وجدناها بنقص.
فقال علي رضي الله تعالى عنه: أترون أن يكون عندي مالٌ لا أزكيه.
ج-قال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال (٣) : كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تليني وأخاً لي يتيم في حجرها وكانت تخرج من أموالنا الزكاة.
د-قال نافع (٤) : إن ابن عمركان يستسلف أموال اليتامى عنده لأنه كان يرى أنه أحرز له من الوضع. قال: وكان يؤدي زكاته من أموالهم.
هـ-روى سالم عن أبيه (٥) : أنه كان عنده مال يتيمين فجعل يزكيه.
فقلت: يا أبتاه لا تتجر فيه ولا تضرب، ما أسرع هذه فيه.
قال: َلأُزَكِيَّنَهُ ولو لم يبق إلا درهم. قال: ثم اشترى لهما به داراً.
وحديث عبد الرزاق عن ابن جريج قال (٦) : سئل عطاء أفي مال اليتيم الصامت صدقة؟ فعجب، وقال: ماله لا يكون عليه صدقة؟ قال: نعم على مال اليتيم الصامت والحرث والماشية وغير ذلك من ماله.
ز-وقد روي الأمر بتزكية مال اليتيم عن الحسن بن علي وجابر بن عبد الله وغيرهما (٧) .
وإلى وجوب الزكاة في مال اليتيم ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم.
هذا وقد رويت بعض الآثار عن بعض الصحابة وبعض التابعين تدل على عدم القول بتزكية مال اليتيم، منها:-
стр. 6823
١-ما رواه عكرمة عن ابن عباس قال (١) : لا يجب على مال الصغير زكاة حتى تجب عليه الصلاة.
قال الدارقطني (٢) : (فيه ابن لهيعة لا يحتج به) .
٢-ما رواه مجاهد عن ابن مسعود قال (٣) : من ولي مال يتيم فَلْيُحْصِ عليه السنين فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة فإن شاء زكى وإن شاء ترك.
قال الشافعي (٤) : هذا ليس بثابت عن ابن مسعود من وجهين:
أحدهما: أنه منقطع، وأن الذي رواه: ليس بحافظ.
قال البيهقي (٥) : (قال الشيخ: وجهة انقطاعه: أن مجاهداً لم يدرك ابن مسعود. وراويه الذي ليس بحافظ: هو ليث ابن أبي سليم، وقد ضعفه أهل العلم بالحديث.
وروي عن ابن عباس إلا أنه يتفرد بإسناده ابن لهيعة، وابن لهيعة لا يحتج به والله أعلم) .
٣-ما رواه عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن يقول في زكاة مال اليتيم (٦) : ليست عليه زكاة كما ليست عليه صلاة.
٤-ما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن يونس عن الحسن قال: سألته عن مال اليتيم.
فقال (٧) : عندي مال لابن أخي فما أزكيه.
٥-ما رواه –أيضاً - عبد الرزاق عن الثوري عن جابر عن الشعبي، ومنصور عن إبراهيم قال (٨) : ليس على مال اليتيم زكاة.
وإلى عدم وجوب الزكاة في مال اليتيم ذهب الأئمة سفيان الثوري وعبد الله ابن المبارك وأبوحنيفة وأصحابه.
стр. 6824
قال ابن الهمام (١) : (وأما ما روي عن عمر وابنه وعائشة ﵃ من القول بالوجوب في مال الصبي والمجنون لا يستلزم كونه عن سماع، إذ يمكن الرأي فيه، فيجوز كونه بناء عليه فحاصله قول صحابي عن اجتهاد عارضه رأي صحابي آخر) انتهى.
قلت: ذكرت قول ابن الهمام للدلالة على أن ما قاله السرخسي ومن معه من أن هذه المسألة مبنية على أن خبر الواحد الصحيح المسند إذا روي في مسألة تنازع فيها الصحابة ﵃ ولم يلتفت أحد منهم إلى الاحتجاج به فإن ذلك يدل على زيفه أو نسخه قول مجانبه الصواب، ذلك أن الصحابة لم يثبت عنهم بالسند الصحيح الاختلاف في وجوب الزكاة في مال اليتيم (٢) ، ومنه تتضح مجازفة السرخسي ومن قال بقوله بأن الصحابة قد تركوا بأجمعهم الاحتجاج بالأحاديث السابقة، وعلى فرض تسليم اختلافهم في ذلك فمن أخبر السرخسي ومن معه بأن القائلين بوجوبها من الصحابة والتابعين لم يعولوا على الاحتجاج بها، كيف وقد نُقِل ما نُقِل، بل إن هذه الدعوى الباطلة لتفتح الباب على مصراعيه للطعن في كل حديث اختلف الصحابة في مسألة هو نص فيها إذ لا يُعْجِز المخالف أن يقول ما قاله هؤلاء، وبهذا المسلك تُبْطَلُ السُنَنُ.
* * *
الخاتمة:
بتوفيق من الله وحده لا شريك له انتهيت من هذا البحث متوصلاً إلى نتائج هامة أهمها ما يأتي:-
١-أن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن في علوم الشريعة الإسلامية إلا أنه قد شانه وأذهب بريقه وصفاءة - في بعض جوانبه - بعض ما أدخل فيه من مسائل ليس لها صلة به البتة.
ومن هذه المسائل الدخيلة على هذا الفن مسألتنا المبحوثة في هذا البحث فهي مسألة وثيقة الصلة بمحث من مباحث علم العقيدة.
стр. 6825
٢-كما توصلت إلى أنه لا خلاف بين أحد من علماء الأمة -لا سيما الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المعتبرين ومنهم الأئمة الأربعة - في وجوب الاحتجاج بالسنة، معتبرينها صنو القرآن الكريم في التشريع العلمي والعملي.
٣-أن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى يرون حجية خبر الواحد مطلقاً وأنه يفيد العلم والعمل معاً خلافاً لمن شذ عن طريقهم ممن نَسَبَ نفسه إليهم.
٤-أن تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد تقسيم اصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا لم يؤد إلى رد الأخبار سواء في باب العقيدة أو العمل.
٥-اشتهر مذهب الحنفية دون بقية المذاهب بقسم ثالث من أقسام الأخبار، وهو ما يعرف ب (المشهور) حيث جعلوه قسيماً للمتواتر والآحاد وقالوا إنه يمكن الزيادة به على النص كالمتواتر، فهو عندهم فوق الآحاد ودون المتواتر؛ لذا كانت أحكامه فيها شبه بأحكام الآحاد لكون أصله آحاداً، وفيها شبه بأحكام المتواتر لكونه قد تواتر فيما بعد.
٦-أن الطعن في خبر الواحد الصحيح بما يسمى بالانقطاع الباطن لدليل معارض قول مخترع اخترعه عيسى بن أبان ثم تبعه على ذلك أبو زيد الدبوسي وفيما بعد بقية علماء الحنفية كالبزدوي والنسفي وعبد العزيز البخاري حتى أصبح هذا القول أصلاً من أصول الحنفية.
٧- أن أبا حنيفة وصاحبيه رحمهم الله تعالى براء من هذه القواعد الموهومة، حيث لم يثبت – بعد البحث العلمي الدقيق – عنهم القول بها، وما أثر عنهم من فتاوى فقهية لم تكن مبنية عليها، وأما هذه القواعد المذكورة فهي من اختراع عيسى بن أبان حيث قام باستخلاص ما يؤيدها من بعض فتاوى الإمام أبي حنيفة والصاحبين بتعسف شديد، وتخريج أقوالهم عليها لإضفاء القبول عليها لدى
اتباع الإمام، فليست هذه القواعد قواعد أصول فقه أبي حنيفة وأصحابه وإنما هي قواعد أصول فقه عيسى بن أبان وأتباعه.
стр. 6826
قال الشيخ ابن جبرين (١) : ( ... وبهذا يعرف تقديس هؤلاء الأئمة للحديث المتواتر والآحاد.
ولما أن روي عنهم بعض المسائل التي لا تجتمع ظاهراً مع ما صح من الأحاديث، وكان قد قلدهم بعض من أتى بعدهم، واعتمد أقوالهم نصوصاً ترد لها الأحاديث الصحيحة، وكان لا بد يعتذر أتباعهم عن تلك الأحاديث الواردة عليهم، فهنالك وضعوا قواعد وأصولاً زعموا أن أئمتهم لا يقبلون ما خالفها من أخبار الآحاد، ككون الحديث فيما تعم به البلوى، أو خلاف القياس، أو لم يعمل به راوية ونحو ذلك. وإذا كان قد روي عن الأئمة شيء من تلك القواعد فلعلهم أرادوا بها معنى صحيحاً لا على الإطلاق ... )
وقال (٢)
стр. 6827
– أيضاً -: (وقد نسب إلى أبي حنيفة رد خبر الواحد إذا خالف الأصول كالاستحسان والاستصحاب، وأنا أعتقد أن أكثر تلك الروايات التي تحكي عن هؤلاء الأئمة مخالفة للقواعد الشرعية لا تصح عنهم، وإنما خرجها على مذاهبهم بعض من غلا في تقليدهم، عندما وجد لهم أقوالاً اعتمدوا فيها القياس، حيث لم تبلغهم الأحاديث فيها، أو لم تتضح لهم دلالتها، فأراد بعض أتباعهم أن يعتذر عنهم بأن تلك الأحاديث آحاد قد خالفت الأصول، ثم أضيفت تلك القواعد إلى مذاهب الأئمة لشهرتها عند أتباعهم ... )
٨-لم يَثْبُتْ بناء أي مسألة من المسائل الفقهية على تلك القواعد، كما لم يثبت عن الإمام أبي حنيفة ما يؤيد ما ذهب إليه أولئك القائلين بها.
٩-كما توصلت إلى أن كثيراً من هؤلاء – وإن كان من اتباع الإمام أبي حنيفة ﵀ حفاظ وأئمة أمثال الطحاوي وغيره – قليلة بضاعتهم بعلم الحديث ومصطلحه ومعرفة الرجال والجرح والتعديل والتمييز بين صحيح السنة وسقيمها ومتواترها وآحادها، فهم يصححون ما هو ضعيف عند أهل العلم بالحديث، ويضعفون ما هو ثابت كثبوت الجبال الراسيات عند أهله، ويحكمون بأحادية ما تواتر، وشهرة وتواتر ما ضُعِّفَ أو أُنْكِرَ عند علماء السنة والأثر.
يوضح ذلك ما يأتي:-
١-تصحيحهم لحديث (تكثر الأحاديث لكم بعدي فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه فاقبلوه واعلموا أنه مني وما خالفه فردوه واعلموا أني منه بريء) .
مع أنه لا يصح عند أهل العلم بالحديث بل قال بعضهم إنه من وضع الزنادقة.
٢-تركهم لحديث فاطمة بنت قيس مع كونه صحيحاً مخرجاً في صحيح مسلم وغيره، وأخذهم بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ من قوله: (لا نترك كتاب الله وسنة نبينا (لقول امرأة لا ندري حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة ... )
стр. 6828
مع أن أهل العلم بالحديث قالوا عنه كما قال ابن القيم: (قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصح عنه أبداً. قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر) .
٣-ردهم لما تواتر عند علماء الحديث والأثر كما في حديث قضاء النبي ﷺ باليمين مع الشاهد، ورفعه ليديه في الركوع وحين الرفع منه.
٤- قولهم بعد ذكرهم لحديث (الطلاق بالرجال والعدة بالنساء) ، وحديث (ابتغوا في أموال اليتامى خيراً كيلا تأكلها الصدقة) حديثان صحيحان أعرض الصحابة عن الاحتجاج بهما في موطن النزاع والحجاج.
وقد سبق بيان أن هذين ليسا كما ذكروا بل هما مما اختلف العلماء فيهما تصحيحاً وتضعيفاً، رفعاً ووقفاً.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.