ولم يكن أحد أكثر حباً لسنة المصطفى والعمل بها والحض عليها والتمسك بها والتحذير من مخالفتها من الصحابة ﵃ فقد أشتهر عنهم ذلك شهرةً لا تخفى على أحدٍ، وتواتر عنهم تواتراً لا يُدفع في مواقف كثيرة جداً فاقت العد والحصر.
ولكثرة ما تواتر عنهم في هذا المجال فإني سأكتفي بإيراد بعض الأمثلة التي تفي بالمراد، فمن ذلك:-
١- قول أبي بكر الصديق (١) –﵁: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله (يعمل به، إلا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ.
٢-قول عمر بن الخطاب (٢) – ﵁ – في تقبيله للحجر الأسود: إنك حجر لا تنفع ولا تضر؛ ولولا أني رأيت رسول الله (يقبلك ما قبلتك.
٣-قول علي (٣) ﵁:- إلا إني لست بنبي، ولا يوحى إلي؛ ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد (ما استطعت (٤) .
المسألة الثانية:- في منزلة السنة عند التابعين.
стр. 6757
لقد ربى الصحابة ﵃ التابعين على حب السنة والعمل بها ظاهراً وباطناً سراً وعلانيةً ونشرها بين الناس ودعوتهم للعمل بها والتحذير من مخالفتها ومجانبتها فنقل عن التابعين من الآثار الدالة على ذلك كما نقل عن أساتذتهم ﵃ أجمعين. فمن ذلك:-
١-قول قتادة بن دعامة (ت ١١٧هـ) (١) :- والله ما رغب أحد عن سنة نبيه (إلا هلك. فعليكم بالسنة وإياكم والبدعة.
٢-قول محمد بن مسلم الزهري (ت ١٢٤هـ) (٢) :- كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض سريعاً (٣) .
المسألة الثالثة:- في منزلة السنة عند أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وفيها فقرتان: -
الفقرة الأولى:- في منزلة السنة عند الأئمة الأربعة على وجه الخصوص:-
стр. 6758
لقد سار أعلام الهدى من علماء الأمة من بعد صحابة رسول الله ﷺ وتابعيهم بإحسان على طريق سلفهم الصالح من الاحتجاج بالسنة وتقديرها وتوقيرها والرجوع إليها في كل صغيرٍ وكبيرٍ والتحذير عن مجانبتها أو مخالفتها أو تركها أو التقدم عليها وبين يديها، وقد أُثر عنهم كما أُثر عن سلفهم من الأقوال الدالة على ذلك - وهي كثيرة جداً - إلا أني سأقتصر على بعضها مبتدئياً بذكر أقوال الأئمة الأربعة؛ لإمامتهم، وشهرتهم، ومكانتهم عند عامة الأمة، ثم أذكر أقوال بعض العلماء من عصرهم ومن غيره - من غير استقراء- للدلالة على أن هذا الموقف هو موقف أهل العلم جيلاً بعد جيل.
فمما جاء عن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى ما يأتي:-
أولاً:- أقوال الإمام أبي حنيفة (ت١٥٠هـ) ﵀ في ذلك:-
١-إذا صح الحديث فهو مذهبي (١) .
٢-دخل عليه مرة رجل من أهل الكوفة، والحديث يقرأ عنده، فقال الرجل: دعونا من هذه الأحاديث. فزجره أبو حنيفة أشد الزجر، وقال له: لولا السنة ما فهم أحد منا القرآن (٢) .
ثانياً:-أقوال الإمام مالك (ت ١٧٩هـ) ﵀ في ذلك: -
ما من أحدٍ إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله ((٣) .
ثالثاً:-أقوال الإمام الشافعي (ت ٢٠٤هـ) رحمه الله تعالى في ذلك:-
١-ليس في سنه الرسول الله (إلا اتباعها (٤) .
стр. 6759
٢-كل حديث عن النبي (فهو قولي وإن لم تسمعوه مني (١) .
رابعاً:-أقوال الإمام أحمد (ت ٢٤١هـ) ﵀ في ذلك:-
من رد حديث رسول الله (فهو على شفا هلكة (٢) .
الفقرة الثانية:- في منزلة السنة عند سائر علماء الأمة:-
لقد سبق حكاية الإجماع على حجية السنة، وأن العلماء سلفاً وخلفاً متفقون على وجوب الاحتجاج بالسنة وتوقيرها واحترامها والذب عنها والاجتهاد في نشرها وتعليمها للعامة والخاصة، وأنها صنو القرآن في التشريع؛ لأنها وحي من عند الله ، وفي هذه الفقرة سأذكر بعض النقول عن بعض الأئمة-لعدم إمكانية الحصر، ولأن المراد التمثيل - للدلالة على منزلة السنة ومكانتها عند سائر علماء الأمة فمن ذلك:-
стр. 6760
قول الحسن بن علي البربهاري (ت ٣٢٩هـ) :- إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها، أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله (فاتهمه على الإسلام، فإنه رديء المذهب والقول .... القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن (١) .
المبحث الثالث: في إفادة خبر الواحد العلم
تبين من النقول السابقة عن الصحابة والتابعين وتابع التابعين والأئمة المرضيين احتجاجهم بالسنة مطلقاً وعدم التمييز بينها، وعدم تقسيمها - كما أُحْدِث فيما بعد – إلى: متواتر وآحاد.
حيث إن الجميع عند أئمة الهدى والتقى سنةٌ واجب اتباعها وقبولها مع ضرورة الانقياد لها لكونها وحياً من الله وما كان كذلك وجب قبوله واعتقاده والعمل به سواء كان في العلميات أو العمليات.
ويكفي العاقل المنصف أن يقنع بما ذُكِر من النقول عن علماء الأمة على قبولها والعمل بها والانقياد لها، وبما نقله العلماء الربانيون من اتفاق السلف وأئمة الدنيا على العمل بالسنة متواترها وآحادها لا فرق في ذلك بين العقائد والعبادات.
قال الإمام الشافعي (٢) –﵀:- (وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث، يكفي بعض هذا منها. ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل. وقد حكي لنا عمن حكي لنا عنه من أهل العلم بالبلدان ....
стр. 6761
ومحدِّثي الناس وأعلامهم بالأمصار: كلهم يحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله، والانتهاء إليه، والإفتاء به. ويقبله كل واحد منهم عن من فوقه، ويقبله عنه من تحته.
ولو جاز لأحدٍ من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه، بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي) انتهى باختصار.
وقال (١) –أيضاً-: (لم أسمع أحداً -نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم– يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله (،والتسليم لحكمه. بأن الله لم يجعل لأحدٍ بعده إلا اتباعه. وأنه لا يلزم قولٌ بكل حالٍ إلا بكتاب الله أو سنة رسوله (. وأن ما سواهما تبع لهما. وأن فرض الله علينا وعلى الناس من بعدنا وقبلنا، في قبول الخبر عن رسول الله (: واحدٌ. لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله (إلا فرقةٌ، سأصف قولها إن شاء الله تعالى) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) : (وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه ولم يتواتر لفظه ولا معناه لكن تلقته الأمة بالقبول عملا به وتصديقا له،....، فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد من الأولين والآخرين، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع)
المبحث الرابع: في المشهور عند الحنفية
قسم الحنفية الأخبار إلى متواتر ومشهور وآحاد. وجعلوا المشهور في رتبة بين المتواتر والآحاد، وخصوه بأحكام تُلْحِقُهُ في الاحتجاج به بالمتواتر. وفي هذا المبحث سأتكلم باختصار عن المشهور عند الحنفية خاصة لتعلقه بالمسألة المبحوثة، ولأن المشهور عند الجمهور من قبيل الآحاد.
فالمشهور لغة (٣) :- اسم مفعول من شهرت الأمر إذا أظهرته وأعلنته.
стр. 6762
واصطلاحاً عرفوه بقولهم (١) :- هو ما كان من الآحاد في الأصل، ثم انتشر حتى نقله قوم ثقات لا يتهمون ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب، وهم القرن الثاني من بعد الصحابة، ومن بعدهم.
والمشهور هذا يفيد علم الطمأنينة عندهم حتى أنه تجوز الزيادة به على الكتاب ويضلل جاحده ولا يكفر (٢) .
المبحث الخامس: في تحرير موطن النزاع
وذلك ببيان ما المراد بالانقطاع الباطن، وذكر أقسامه وأنواع كل قسم:
يقسم الحنفية الانقطاع الذي يلحق الخبر إلى نوعين رئيسين:- انقطاع صورة، وانقطاع معنى.
أما انقطاع الصورة ففي المراسيل من الأخبار: مراسيل الصحابة ﵃، ومراسيل من بعدهم من القرن الثاني والثالث.
وأما انقطاع المعنى فيقسمونه – أيضاً – إلى قسمين:- انقطاع لدليل معارض، وانقطاع لنقصان في حال الراوي.
ويقسمون القسم الأول - وهو ثبوت الانقطاع في خبر الواحد بدليل معارض - إلى أربعة أوجه:-
الأول:- أن يكون خبر الواحد مخالفاً لكتاب الله تعالى أو للسنة المتواترة أو للإجماع.
الثاني:- أن يكون خبر الواحد مخالفاً لسنة مشهورة عن رسول الله.
الثالث:- أن يكون خبر الواحد حديثا شاذاً لم يشتهر فيما تعم به البلوى
ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته.
стр. 6763
الرابع:- أن يكون خبر الواحد حديثاً قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول بأن ظهر منهم الاختلاف في تلك الحادثة ولم تجر بينهم المحاجة بذلك الحديث.
وأما القسم الثاني:- وهو الانقطاع لنقصان في حال الراوي فيبحثون فيه خبر المستور، والفاسق، والكافر، والصبي، والمعتوه، والمغفل، والمتساهل، وصاحب الهوى.
والذي يهمنا هنا والذي هو مثار البحث هو القسم الأول من الانقطاع لمعني أي ثبوت الانقطاع في خبر الواحد بدليل معارض بأوجهه الأربعة.
ومما ينبغي التَنبيهُ عليه أن الخبر المردود هنا للمعنى المذكور:- هو الخبر الذي صح سنده إلى رسول الله (.
المبحث السادس: في أوجه ثبوت الانقطاع في خبر الواحد لمعنى لدليل معارض وفيه أربعة مطالب:-
المطلب الأول:- في رد الخبر الصحيح المسند لمخالفته كتاب الله أو السنة المتواترة أو للإجماع. وفيه مسألتان:-
المسألة الأولى: في أدلة القائلين بالانقطاع في هذه المسألة ومناقشتها.
قال عيسى بن أبان البصري وأبو زيد الدبوسي والسرخسي والبزدوي والنسفي وعبد العزيز البخاري وغيرهم من المنتسبين لأبي حنيفة رحمه الله تعالى:- إن الخبر الصحيح إذا جاء مخالفاً لكتاب الله أو للسنة المتواترة أو للإجماع فإنه لا يكون مقبولاً ولا حجةً للعمل به، سواء خالف الخبر الكتاب من أصله أو عمومه أو ظاهره، مستدلين على ذلك بالأدلة التالية (١) :-
الدليل الأول:-قوله ﵇:- (... فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرطٍ فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق) (٢) .
стр. 6764
وقد بَيَّن السرخسي وجه الدلالة منه بقوله (١) : (والمراد كل شرط هو مخالف لكتاب الله تعالى لا أن يكون المراد ما لا يوجد عينه في كتاب الله تعالى فإن عين هذا الحديث لا يوجد في كتاب الله تعالى.
وبالإجماع من الأحكام ما هو ثابت بخبر الواحد والقياس وإن كان لا يوجد ذلك في كتاب الله تعالى.
فعرفنا أن المراد ما يكون مخالفا لكتاب الله تعالى وذلك تنصيص على أن كل حديث هو مخالف لكتاب الله تعالى فهو مردود) .
ويمكن مناقشة هذا الرأي على النحو التالي:-
أولاً:- بأن يقال هل سبقكم أحد من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم أو واحد من الأئمة الأربعة إلى هذا الفهم؟
فإن قالوا: لا. قلنا: إذن لا حاجة لنا بهذا القول المخترع.
وإن قالوا: نعم. قلنا: سموا لنا من قال بهذا ممن سبق من أهل العلم. ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً. ذلك أن الحديث لا يشك في ثبوته أحد، فهو في الصحيحين، وإذا كان ذلك كذلك فإنه مما قد تعبد به الصحابة ﵃ ربهم وتقربوا إليه بالعمل بمدلوله ومفهومه فيجب حينئذٍ الرجوع إلى أقوالهم وأفعالهم وفهمهم له وإلا لزم من القول بما ذكره هؤلاء لوازم خطيرة وسيئة، من ذلك: نسبة الجهل إلي السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المتبوعين، وعملهم بالباطل لخفاء الحق عليهم حتى فهمه متأخرو الحنفية، وهذا لا يقول به جاهل فضلاً عمن ينسب نفسه إلى العلم.
وحين الرجوع إلى كتب أهل العلم الذين نقلوا عن سلفنا وجدنا أن المراد ب (كتاب الله) في قوله: (ما كان من شرط ليس في كتاب الله) : أي حكمه كقوله تعالى:- (كتاب الله عليكم ((النساء ٢٤) وقول النبي (:- (كتاب الله القصاص) (٢) في كسر السن.
فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وحكمه الذي حكم به على لسان رسوله.
стр. 6765
وليس المراد به القرآن قطعاً؛ فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن بل علمت من السنة فعلم أن المراد ب (كتاب الله) : حكمه.
ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له، فيكون باطلاً (١) .
قال السمعاني في قواطع الأدلة (٢) :- (فالمراد من كتاب الله: هو حكم الله تعالى وتقدس) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) –رحمه الله تعالى -: (فكل شرط ليس في القرآن ولا في الحديث ولا في الإجماع فليس في كتاب الله بخلاف ما كان في السنة أو في الإجماع فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة والإجماع) .
وقال (٤) –أيضاً-: (يدل على ذلك أن الشرط الذي بينا جوازه بسنة أو إجماع صحيح بالاتفاق فيجب أن يكون في كتاب الله وقد لا يكون في كتاب الله بخصوصه لكن في كتاب الله الأمر باتباع السنة واتباع سبيل المؤمنين فيكون في كتاب الله بهذا الاعتبار؛ لأن جامع الجامع جامع، ودليل الدليل دليل بهذا الاعتبار) .
ثانياً:- أن قولهم هذا مبني على أن هناك تعارضاً بين الكتاب والسنة الصحيحة وهذا غير صحيح.
стр. 6766
قال ابن حزم (١) : (ويبين صحة ما قلنا من أنه لا تعارض بين شيء من نصوص القرآن ونصوص كلام النبي (وما نقل من أفعاله، قول الله مخبراً عن رسوله ﵇: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ((النجم ٣) وقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ((الأحزاب ٢١) وقال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ((النساء ٨٢) فأخبر أن كلام نبيه (وحي من عنده، كالقرآن في أنه وحي، وفي أنه كل من عند الله ، وأخبرنا تعالى أنه راض عن أفعال نبيه (، وأنه موفق لمراد ربه تعالى فيها لترغيبه في الإئتساء به ﵇، فلما صح أن كل ذلك من عند الله تعالى، ووجدناه تعالى قد أخبرنا أنه لا اختلاف فيما كان من عنده تعالى صح أن لا تعارض ولا اختلاف في شيء من القرآن والحديث الصحيح، وأنه كله متفق كما قلنا ضرورة، وبطل مذهب من أراد ضرب الحديث بعضه ببعض، أو ضرب الحديث بالقرآن، وصح أن ليس شيء من كل ذلك مخالفاً لسائره) .
والقول بعدم وقوع التعارض بين الأدلة الشرعية مطلقاً في نفس الأمر هو قول أئمة السلف والأئمة الأربعة وكثير من علماء الأصول (٢) .
ثالثاً:-قولهم هذا مبني على أن خبر الواحد لا يفيد العلم، وقد سبق في المباحث السابقة بيان إفادته العلم عند سلفنا الصالح والأئمة ومنهم إمام المذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
ومما يزيد الأمر وضوحاً في كون خبر الواحد مما يحتج به في العقيدة، وأنه يفيد العلم عند أهل العلم:-
стр. 6767
١-قول أبي حنيفة (١) ﵀: (وخبر المعراج حق، فمن رده فهو ضال مبتدع) .
٢-وقوله (٢) –أيضاً -: (وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ﵇ من السماء، وسائر علامات يوم القيامة، على ما وردت به الأخبار الصحيحة حق كائن) .
٣-أن أهل العلم من أهل السنة والجماعة قد قاموا بذكر عقائدهم المبنية على الكتاب وصحيح السنة في مؤلفاتهم التي ألفوها للرد على المبتدعة، أو لبيان عقيدتهم ابتداءً (٣) .
فلو لم يفد خبر الواحد العلم لما احتجوا به ولما اعتقدوا ما فيه؟ !!
فمن القسم الأول ما يأتي:-
أ-كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤هـ) .
ب-كتاب الرد على الجهمية لعبد الله بن أحمد بن عبد الله الجعفي (ت٢٢٩هـ) .
ج-كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) .
د-كتاب الرد على الجهمية لأمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ) .
هـ-كتاب خلق أفعال العباد للبخاري.
وكتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية المشبهة لعبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦هـ) .
ز-كتاب الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي (ت ٢٨٠ هـ) .
ح-كتاب الرد على بشر المريسي للدارمي.
ط-كتاب الإبانة عن أصول الديانة للإمام أبي الحسن الأشعري (ت ٣٢٤هـ) .
ي-كتاب الرد على الجهمية لعبد الرحمن بن أبي حاتم (ت ٣٢٧هـ) .
وأما القسم الثاني فمنه:-
١-كتاب السنة للإمام أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) .
٢-كتاب السنة لأبي بكر الأثرم (ت ٢٦٠هـ) .
٣-كتاب السنة لابن أبي عاصم (ت ٢٧٧هـ) .
٤-كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل (ت ٢٩٠هـ) .
٥-كتاب السنة لمحمد بن نصر المروزي (ت ٢٩٤هـ) .
стр. 6768
٦-كتاب السنة لأحمد بن محمد هارون الخلال (ت ٣١١هـ) .
٧-كتاب التوحيد لابن خزيمة (ت ٣١١هـ) .
٨-كتاب الشريعة لأبي بكر الآجري (ت ٣٦٠هـ) .
٩-كتاب العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (ت ٣٦٩ هـ) .
١٠-كتاب الصفات، وكتاب رؤية الله ﷻ لأبي الحسن الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) .
١١-كتاب الإبانة لعبيد الله بن محمد بن بطة (ت ٣٨٧هـ) .
١٢-كتاب التوحيد لمحمد بن اسحاق بن مندة (ت ٣٩٥هـ) .
١٣-كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لهبة الله اللآلكائي (ت ٤١٨هـ) .
١٤-كتاب ذم الكلام وأهله لعبد الله بن محمد الهروي (ت ٤٨١هـ) .
فهؤلاء أئمة الدنيا في وقتهم قد احتجوا بأخبار الآحاد في عقائدهم وردودهم على المبتدعة، فهل يصح أن يتواطأ هؤلاء على العمل بالباطل والدعوة إليه والمنافحة عنه؟
من له مسكة من عقل وذرة من إيمان لا يقول إلا: لا.
رابعاً:-قولهم هذا مبني -أيضاً - على أن خبر الواحد قد يكون بخلاف الواقع وهذا غير صحيح لعصمة أمة محمد ﷺ من أن تجتمع على ضلالة. وقد سبق بيان ذلك في مبحث إفادة خبر الواحد العلم فليرجع إليه.
الدليل الثاني:- قوله ﵇:- (تكثر الأحاديث لكم بعدي فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه فاقبلوه واعلموا أنه مني وما خالفه فردوه واعلموا أني منه بريء) .
والجواب عن هذا الدليل بأن يقال:-
أولاً:- هذا الحديث نقده النقاد أهل الحديث والأثر فقالوا: إنه لا يصح عن رسول الله (، وقد روي بألفاظ مختلفة فها هي محكوماً عليها من قبلهم:-
١- (سئلت اليهود عن موسى فأكثروا فيه وزادوا ونقصوا حتى كفروا، وسئلت النصارى عن عيسى فأكثروا فيه وزادوا ونقصوا حتى كفروا، وأنه ستفشو عني أحاديث فما أتاكم من حديثي فاقرؤوا كتاب الله واعتبروا فما وافق كتاب الله فأنا قلته ومالم يوافق كتاب الله فلم أقله) (١) . (عن ابن عمر) .
стр. 6769
قال السخاوي (١) : قال الحافظ ابن حجر عنه: إنه جاء من طرق لا تخلو عن مقال.
وقال الهيثمي (٢) : وفيه أبو حاضر عبد الملك بن عبد ربه وهو منكر الحديث.
قال العلامة الألباني (٣) ﵀: ضعيف.
٢- (إذا رويتم – ويروى- إذا حدثتم عني حديثاً فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فاقبلوه وإن خالف فردوه) .
قال الصغاني (٤) : موضوع.
٣- (إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني) (٥) . (عن ابن عباس) .
٤- (ما من نبي إلا وقد كذب عليه من بعده ألا وسيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فهو عني وما خالفه فليس عني) (٦) . (جابر بن زيد) .
٥- (إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه وإن لم يوافقه فردوه) (عن أبي هريرة) .
قال الخطابي (٧) : حديث باطل لا أصل له.
وقال يحيى بن معين (٨) : هذا حديث وضعته الزنادقة.
٦- (إذا سمعتم عني حديثاً فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه) .
قال العجلوني (٩) : هذا الحديث من أوضع الموضوعات ... بل صح خلافه.
٧- (ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله) . (عن أبي هريرة) .
قال ابن معين في تاريخه (١٠) :- سمعت يحيى يقول: كان يحيى بن آدم يحدث بحديث بن أبي ذئب عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي (. وغير يحيى بن آدم يرسله.
стр. 6770
٨- (ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فأنا قلته وما خالفه فلم أقله)
قال الشافعي (١) : ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر.
٩- (ألا إن رحا الإسلام دائرة قال كيف نصنع يا رسول الله قال أعرضوا حديثي على الكتاب فما وافقه فهو مني وأنا قلته) (٢) . (عن ثوبان) .
قال الهيثمي (٣) : وفيه يزيد بن ربيعة وهو متروك منكر الحديث.
١٠- (إنها تكون بعدي رواة يروون عني الحديث فأعرضوا حديثهم على القرآن فما وافق القرآن فخذوا به وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به) . (عن علي بن أبي طالب) .
وقد أعله الدارقطني (٤) بقوله: هذا وهم، والصواب عن عاصم بن زيد عن علي بن الحسين مرسلاً عن النبي (.
وقال الشيخ الألباني ﵀ (٥) : ضعيف.
١١- (ستبلغكم عني أحاديث، فاعرضوها على القرآن، فما وافق القرآن فالزموه، وما خالف القرآن فارفضوه) (٦) (عن الحسن البصري) .
قال العلامة الألباني (٧) ﵀: ضعيف جداً.
وخلاصة القول في هذه الأحاديث ما ذكره ابن عبد البر وغيره من أهل العلم.
قال ابن عبد البر (٨) : (وهذه الألفاظ لا تصح عنه (عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه) .
وقال الدكتور عبد الغني عبد الخالق في كتابه حجية السنة (٩) : (أما عن أحاديث العرض على كتاب الله: فكلها ضعيفة، لا يصح التمسك بها.
فمنها: ما هو منقطع. ومنها: ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول. ومنها: ما جمع بينهما) .
стр. 6771
فائدة: من غريب ما ذكره عبد العزيز البخاري الحنفي في كتابه كشف الأسرار حينما أراد الرد على من طعن في ثبوت بعض الروايات السابقة والرد على قدح يحيى بن معين فيها بقوله: هذا حديث وضعته الزنادقة.
قال عبد العزيز البخاري (١) : (والجواب أن الإمام أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري أورد هذا الحديث في كتابه، وهو الطود المنيع في هذا الفن وإمام هذه الصنعة فكفى بإيراده دليلاً على صحته ولم يلتف إلى طعن غيره بعد ... ) .
قلت:- هذا الكلام يوهم أن البخاري أورده في صحيحه إذ كتابه إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى صحيحه.
وبعد البحث تبيَّن أنه يشير إلى ما ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٢) حيث قال: (سعيد بن أبي سعيد المقبري أبو سعد قال: ابن أبي أويس ينسب إلى مقبرة، وقال غيره: أبو سعيد مكاتب لامرأة من بني ليث مدني.
وقال ابن طهمان: عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن النبي (: " ما سمعتم عني من حديث تعرفونه فصدقوه "
وقال يحيى: عن أبي هريرة. وهو وهم. ليس فيه أبو هريرة هو سعيد بن كيسان) .
فالبخاري رحمه تعالى يشير إلى أن هذا المروي لا يصح لكونه مرسلاً لا أنه كما أوهم عبد العزيز البخاري بكلامه أن الحديث مروي في الصحيح أو أن البخاري صححه في كتابه التاريخ الكبير أو في غيره.
ثانياً:-لقد عارض هذه الأحاديث قوم من أهل العلم، وقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك، قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفاً لكتاب الله؛ لأنا لم نجد في كتاب الله ألا يقبل من حديث رسول الله (إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به والأمر بطاعته، ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال (٣) .
стр. 6772
ثالثاً:-لا يمكن القول بأن معنى تلك المرويات: أن ما صدر عن رسول الله (على نوعين:-
- نوع وافق الكتاب، وهذا يعمل به.
- ونوع خالف الكتاب، وهذا لا يعمل به.
والنوع الأخير لا يمكن القول به عند الجميع لأن الرسول (معصوم بالاتفاق عن أن يصدر عنه ما يخالف القرآن ويضاده؛ لأن الله قال فيه: (قل إنّما اتبع ما يوحى إليّ من ربي ((الأعراف ٢٠٣) .
وقال –أيضاً -: (إن اتبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذير مبين ((الأحقاف٩) وقال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ((النجم ٣)
وقال: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن اتبع إلا ما يوحى إليّ ((يونس ١٥) .
فكلٌ يعتقد أن ما صدر عن الرسول (لا يخالف القرآن (١) .
قال الشافعي (٢) ﵀: (إن الله وضع نبيه (من كتابه ودينه بالموضع الذي أبان في كتابه.
فالفرض على خلقه أن يكونوا عالمين بأنه لا يقبل فيما أنزل الله عليه إلا بما أنزل عليه، وأنه لا يخالف كتاب الله، وأنه بيّن عن الله عزَّ وعلا معنى ما أراد الله.
وبيان ذلك في كتاب الله : قال الله ﵎: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا إئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن اتبع إلا ما يوحى إلي ((يونس ١٥) .
وقال الله لنبيه (: (اتبع ما أوحي إليك من ربك ((الأنعام ١٠٦) . وقال مثل هذا في غير آية.
وقال : (من يطع الرسول فقد أطاع الله ((النساء ٨٠) .
وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ((النساء ٦٥) .
ثم قال: ولا تكون سنةٌ أبداً تخالف القرآن) انتهى كلامه باختصار.
стр. 6773
والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه بينها ابن القيم – ﵀ – أحسن بيان فقال (١) :-
(أحدها:- أن تكون موافقةً له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها.
الثاني:- أن تكون بياناً لما أريد بالقرآن وتفسيراً له.
الثالث:- أن تكون موجبةً لحكم سكت القرآن عن ايجابه أو محرمةً لما سكت عن تحريمه.
ولا تخرج عن هذه الأقسام، فلا تعارض القرآن بوجهٍ ما، فما كان منها زائداً على القرآن فهو تشريعٌ مبتدأٌ من النبي (تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته وليس هذا تقديماً لها على كتاب الله بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله، ولو كان رسول الله (لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به وقد قال الله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ((النساء ٨٠) .
وكيف يكمن أحداً من أهل العلم أن لا يقبل حديثاً زائداً على كتاب الله، فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب، ولا حديث خيار الشرط، ولا أحاديث الشفعة، ولا حديث الرهن في الحضر، مع أنه زائد على ما في القرآن، ولا حديث ميراث الجدة، ولا حديث تخيير الأمة إذا أعتقت تحت زوجها، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة، ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان، ولا أحاديث إحداد المتوفي عنها زوجها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة) .
رابعاً:-هذه المرويات التي استدلوا بها معارضة بمرويات أخرى من جنسها، وأخرى صحيحة.
стр. 6774
فأما التي من جنسها فما رواه الدارقطني في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (: (سيأتيكم عني أحاديث مختلفة فما جاءكم موافقاً لكتاب الله ولسنتي فهو مني وما جاءكم مخالفاً لكتاب الله ولسنتي فليس مني) (١) .
قال البيهقي (٢) : (تفرد به صالح بن موسى الطلحي وهو ضعيف لا يحتج بحديثه) .
فهذا الحديث يأمر بعرض ما يرد علينا مما لا نطمئن إليه ولا نعلم أهو من شرع الله أم لا على كتاب الله وسنة رسوله (، فتبين أن المراد من أحاديث العرض التي ذكرها المخالف: هو الرجوع إلى الكتاب والسنة لمعرفة مراد الله ومراد رسوله مما قد يشكل علينا لا أن المراد من ذلك ما ادعاه المخالف من عرض السنة الأحادية الصحيحة -والتي قد تكون نصاً صريحاً أو ظاهراً واضحاً – على كتاب الله فإن وافقته وإلا ردت.
وأما الروايات الصحيحة التي عارضت ما عليه تلك السقيمة فمنها:-
١-حديث المقدام بن معدي كرب – ﵁ – قال: قال رسول الله (: (يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله (مثل حرم الله) (٣) .
قال الترمذي (٤) : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقال الألباني (٥) : صحيح.
стр. 6775
٢-حديث أبي رافع قال: قال رسول الله (: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله أتبعناه) (١) .
قال أبو عيسى (٢) : هذا حديث حسن صحيح.
وقال الحاكم (٣) : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال الألباني (٤) : صحيح.
٣-حديث العرباض بن سارية قال: قال رسول الله (: (أيحسب امرؤ قد شبع حتى بَطِنَ وهو متكئ على أريكته لا يظن أن الله حرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله حرمت وأمرت ووعظت بأشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر ألا وإنه لا يحل لكم من السباع كل ذي ناب ولا الحمر الأهلية) (٥) .
٤-قوله (:- (إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض) (٦) .
стр. 6776
الدليل الثالث (١) :- (ولأن الكتاب متيقن به وفي اتصال الخبر الواحد برسول الله (شبهة، فعند تعذر الأخذ بهما لا بد من أن يؤخذ بالمتيقن ويترك ما فيه شبهة ... لأن المتن من الكتاب متيقن به ومتن الحديث لا ينفك عن شبهة، لاحتمال النقل بالمعنى، ثم قوام المعنى بالمتن فإنما يشتغل بالترجيح من حيث المتن أولاً إلى أن يجيء إلى المعنى ولا شك أن الكتاب يترجح باعتبار النقل المتواتر في المتن على خبر الواحد فكانت مخالفة الخبر للكتاب دليلاً ظاهراً على الزيافة فيه) .
ويمكن الجواب عن هذا الدليل بما يأتي:-
١-أما قولهم: (ولأن الكتاب متيقن به، وفي اتصال الخبر الواحد برسول الله (شبهة)
الشق الأول منه مسلم به، وأما الشق الآخر وهو وجود الشبهة في اتصال الحديث برسول الله (وأنه قد يكون في الظاهر صحيحاً وفي نفس الأمر غير صحيح، فيقال:
أ-لقد تعبدنا الله في كثير من الأحكام بالأمور الظاهرة كالقضاء بشهادة الشهود مع احتمال أن يكونوا شهود زورٍ، والمفتي يفتي بحسب سؤال السائل لا ما يتعلق بدواخله وباطنه إلى غير ذلك.
ب-قد بيَّنا فيما سبق أن أخبار الآحاد الصحيحة قد قال العلماء السابقون من الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة بقبولها في العقائد والعبادات وهي مفيدة للعلم عندهم فلا حاجة للإعادة.
ج-إن دعوى احتمال الشبهة في صحة اتصال أخبار الآحاد إلى رسول الله (هي كدعوى من يدعي أن هذا العام مخصوص ولا مخصص، أو أن هذا الدليل المطلق مقيد ولا مقيد، أو أن هذا الحكم منسوخ ولا وجود لناسخه ونحو ذلك، فما أسهل الدعاوى!!!
стр. 6777
فكلام الأصوليين القائلين بهذا القول، والقائلين بظنية حجية أخبار الآحاد متجه إلى الفرض الذهني فهم يقولون: كل أخبار الآحاد تفيد الظن، لوجود احتمال انقطاعها بأي نوع من أنواع الانقطاع ككذب الراوي أو نسيانه أو خطئه في روايته ... الخ.
بخلاف أئمة الحديث والأثر فإن حكمهم متجه إلى كل حديث وإسناده على حده فكانت أحكامهم على الأحاديث وأسانيدها – بل أحياناً على الحديث وسنده - مختلفة فقالوا: هذا حديث صحيح لذاته، وهذا صحيح لغيره، وهذا حسن لذاته، وهذا حسن لغيره، وهذا ضعيف، وآخر موضوع، وهكذا ... حسب عدالة الرواة وضبطهم واتصال السند وصحة السماع وغير ذلك مما هو معروف في علم مصطلح الحديث.
فليس كل حديث آحاد يفيد الظن، ولا كل حديث آحاد يفيد القطع بل فيه وفيه، فمن نسب إلى السلف القول بأحد الكُلِّيتين فقد أخطأ، إلا أنهم يقولون: إن خبر الواحد الصحيح يفيد العلم، والعلم هنا ليس هو العلم المراد عند المتكلمين من الأصوليين كما أن معنى الظن عند علماء السلف ليس هو بمعنى الظن عند الخلف، فلا العلم هو العلم ولا الظن هو الظن.
لأن ما ثبت بالدليل الشرعي فهو علم، وقد يكون العلم مقطوعاً به إذا كان الدليل المثبت له قطعي الدلالة، قطعي الثبوت، وقد يكون ظناً غالباً أو راجحاً إذا كان الدليل المثبت له دون ذلك. وهو قول العلماء السابقين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين والأئمة المرضيين.
وأما الخلف فالعلم عندهم مقصور على اليقين الثابت بالعقل - هذا هو الأصل -، وقد يثبتون اليقين بالدليل النقلي.
والظن في إطلاقهم هو: الشك أو التخمين أو الخرص أو الوهم – والظن بهذا المعنى لا يطلقه السلف على ما ثبت بالدليل العقلي أو النقلي – ويستدل الخلف على دعواهم تلك بالآيات التي نزلت منكرة على الكفار عبادتهم لآلهتهم الباطلة نحو قوله تعالى: (إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ((الأنعام ١١٧) .
стр. 6778
وقوله: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ((الأنعام ١٤٩) .
وقوله: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا ((يونس ٣٦) .
وقوله: (إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين ((الجاثية ٣١) .
وقوله: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ((النجم ٢٣) .
فالظن المذكور في الآيات السابقات معناه: الشك أو الوهم أو الخرص أو التخمين.
وهذا هو الظن المذموم الذي لا يجوز لأحد العمل به في العقائد أو العبادات.
وأما الظن الذي عمل به السلف فهو المذكور في قوله تعالى: (إني ظننت أني ملاق حسابيه ((الحاقة ٢٠) وقوله: (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ((التوبة ١١٩) وقوله تعالى: (فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ((البقرة ٢٣٠) .
وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ((الحجرات ١٢) .
وقوله: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ((يوقف ٤٢) .
فالظن في هذه الآيات ونحوها المراد منه: العلم واليقين، أو الظن الراجح والغالب.
وهذا الظن يجب العمل به في العقائد والعبادات على حد سواء إذ هو علم والعلم يجب العمل به.
ولهذا نظير في الأمور الحسية فنظيره الميزان الذي توزن به الأشيئاء، فإن الميزان الصحيح ما استوت كفتاه وهذه الحالة بمثابة الشك، فإذا وُضِع في إحدى كفتيه أي شيء ما -مهما بلغ في الخفة - فإن الكفة التي فيها ذلك الشيء ستبدأ تدريجياً بالانخفاض والميلان إلى أسفل، وهذه الحالة أشبه بالظن الغالب أو الراجح أي رجحان شيء على شيء آخر، وكلما زِيْدَ في هذه الكفة من الأوزان فإنها ستزداد في الميلان والانخفاض إلى درجةٍ لا يمكن بعدها نزول هذه الكفة أكثر مما نزلت إليه، وهذه المرحلة أشبه بمرحلة اليقين والقطع.
стр. 6779
كذا سائر العلوم أو الأشيئاء المطلوب معرفتها فإنها تبدأ بالوضوح شيئاً فشيئاً حتى تصبح يقينية لا يمكن الشك فيها بوجه من الوجوه. فكما أن الناظر إلى ذلك الميزان لا يمكنه دفع رجحان إحدى الكفتين على الأخرى، كذا الناظر في خبر الواحد الذي درس سنده فلم يجد ما يقدح في صحته؛ فإنه لا يستطيع حينئذٍ دفع ما يجده في صدوره من اعتقاد صحته ورجحان ثبوته إلا بالهوى والتشهي.
د-إن أخبار الآحاد المضافة إلى الشارع ليست كسائر الأخبار المضافة إلى غيره؛ لأن أخبار الشارع محفوظة عن الضياع أو الاشتباه بالأخبار المكذوبة عليه، بخلاف أخبار الآحاد عن غيره فإنها قد تضيع وقد تشتبه بالمكذوبة ولا تعلم إلى قيام الساعة.
قال ابن حزم (١) : قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ((الحجر ٩) .
وقال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ((النحل ٤٤) .
فصح أن كلام رسول الله (كله في الدين وحي من عند الله لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل. فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يُحَرَّف منه شيء أبداً تحريفاً لا يأتي البيان ببطلانه إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذباً وضمانه خائساً وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل، فوجب أن الذي أتانا به محمد (محفوظ بتولي الله تعالى حفظه، مبلغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبداً إلى انقضاء الدنيا.
قال تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ((الأنعام ١٩) .
стр. 6780
فإذ ذلك كذلك فبالضرورة نعلم أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شيء مما قاله رسول الله (في الدين ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطاً لا يتميز لأحد من الناس بيقين إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ ولكان قول الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ((الحجر ٩) كذباً ووعداً مخلفاً وهذا لا يقوله مسلم) .
هـ-ومما يزيد الأمر وضوحاً في أن الله حافظ لوحيه إلى قيام الساعة أنه جل وعلا نصب أئمةً أعلاماً جهابذةً حفاظاً أثباتاً نقاداً للحديث يَمِيزُون الطيب من الخبيث، والصحيح من السقيم، والحق من الباطل. قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة. قال: يعيش لها الجهابذة (١) .
فمن هؤلاء الجهابذة:- عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت١٥٧هـ) ، وشعبه بن الحجاج (ت ١٦٠هـ) ، وسفيان الثوري (ت١٦١هـ) ، ومالك بن أنس (ت١٧٩ هـ) ، وحماد بن زيد (ت١٧٩هـ) ، وعبد الله بن المبارك (ت١٨١هـ) ، ووكيع بن الجراح (ت١٩٦هـ) ، وسفيان بن عيينة (ت ١٩٨هـ) ، ويحيى بن سعيد القطان (ت١٩٨هـ) ، وعبد الرحمن بن مهدي (ت١٩٨هـ) ، ويحيى بن معين (ت٢٣٣هـ) ، وعلي بن المديني (ت٢٣٤هـ) ، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه (ت٢٣٨هـ) ، وأحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) ، وأبو محمد عبد الله الدارمي (ت٢٥٥هـ) ، ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ) ، ومسلم بن الحجاج القشيري (ت٢٦١هـ) ، وعبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي (ت٢٦٤هـ) ، وأبو داود السجستاني (ت٢٧٥هـ) ، وأبو حاتم الرازي محمد بن إدريس الحنظلي (ت٢٧٧هـ) .
فهؤلاء الذين لا يختلف فيهم ويعتمد على جرحهم وتعديلهم ويحتج بحديثهم وكلامهم في الرجال والحديث قبولاً أو رداً ....
стр. 6781
لاتفاق أهل العلم على الشهادة لهم بذلك. كما أن الله لم ينزلهم هذه المنزلة إذ انطق ألسنة أهل العلم لهم بذلك إلا وقد جعلهم أعلاماً لدينه، ومناراً لاستقامة طريقه وألبسهم لباس أعمالهم.
فما قبله هؤلاء فهو المقبول وما ردوه فهو المردود (١) . لا سيما وقد قال رسول الله (في حديث عبادة بن الصامت في مبايعتهم الرسول (: بايعنا رسول الله صلى عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر ...وعلى أن لا ننازع الأمر أهله (٢) ...الحديث.
فالقول بترك الحديث الذي قبلوه وأخذ ما تركوه هو من منازعة الأمر أهله.
ويلزم هؤلاء على القول بهذه القاعدة المزعومة رد ما يسمونه عندهم مشهوراً لكونه آحاد الأصل، وقد يكون ضعيفاً أو موضوعاً، إذ لا يلزم من كونه مشهوراً أن يكون صحيحاً، فما يدعونه في قبول هذا هو بعينه ما سيدعيه الآخرون في قبولهم لخبر الواحد صحيح السند، فليس قول أولى من قول، بل القول الأخير أولى بالقبول وأحرى.
ز-قولهم: إن في اتصال الخبر الواحد برسول الله (شبهة.
يقال لهم: ليس البحث في أخبار الآحاد مطلقاً، ولا من حيث الناحية النظرية فهذا لا قيمة له.
وإنما البحث في إفادة الخبر الصحيح المسند المروي من طريق الآحاد والذي دُوِّن في دواوين أهل العلم كالصحيحين وسنن ابن ماجة وأبي داود والترمذي والنسائي وموطأ مالك ومسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم والسنن الكبرى للبيهقي ومصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ... الخ.
فما اتُفِقَ على صحته من قبل هؤلاء العلماء الأعلام –الذين سبق ذكرهم – ما حكمه؟ بمعنى، هل يقال بعد ذلك إن في اتصال الخبر الواحد برسول الله (شبهة؟!!. اللهم: لا، إلا من مكابر. وهذا مما ينزه عنه أهل العلم.
стр. 6782
وهل يقال –أيضاً -: هي أخبار آحاد لا تفيد إلا الظن؟!! اللهم: لا؛ لأن في ذلك طعناً في الإجماع المتيقن من حفظ الله لدينه فلا يمكن أن تكون تلك الأحاديث التي تداولها العلماء –بعد فحصها ومحصها- بالحفظ والنقل والشرح والتدريس والوعظ والإرشاد معتقدين صحتها وصحة ما دلت عليه جيلاً بعد جيلٍ لا يمكن تكون غير صحيحة في نفس الأمر، هذا من المحال عقلاً وشرعاً. كما أن ما أجمع أولئك الجهابذة على تضعيفه لا يكون صحيحاً في نفس الأمر، أما ما اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه فهذا مما يقال إنه في مجال الأخذ والرد والبحث والمناقشة وحينئذٍ لا تثريب على من عمل بما صح عنده أولم يعمل به لعدم صحته عنده، وهذا كنظير اختلاف الصحابة على قولين، فإنه لا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث. بل لا يتصور ها هنا إلا أحد قولين الصحة أو عدمها.
قال شيخ الإسلام (١) : (فإن العصمة ثبتت بالنسبة الإجماعية، كما أن خبر التواتر يجوز الخطأ والكذب على واحدٍ واحد من المخبرين بمفرده ولا يجوز على المجموع، والأمة معصومة من الخطأ في روايتها ورأيها ورؤياها ... ) .
فإن قالوا: نحن من الأمة وقد خالفنا في حجية خبر الواحد أو صحته.
قلنا: أنتم مسبوقون بإجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المرضيين على الاحتجاج بما كان هذا سبيله.
لذا وجب التنبيه على أن طرح قضية حجية خبر الواحد ينبغي أن تكون في هذا الإطار، أعني أخبار الآحاد الصحيحة المنقولة في دواوين أئمة الإسلام، أما تعميمها في كل خبر وفي كل وقت ففيه تعمية للحق ومدعاة لاعتقاد الباطل وخروج عن نطاق البحث العلمي الصحيح.
ح-وإما قولهم: (فعند تعذر الأخذ بهما لا بد من أن يؤخذ بالمتيقن ويترك ما فيه شبهة) .
стр. 6783
فالجواب:لقد بُيِّن أن خبر الواحد الذي صح سنده وعمل به وتلقي بالقبول من قبل علماء الحديث والأثر أنه متيقن وليس فيه شبهة أبداً.
وأما قولهم: إن تعذر الأخذ بهما. فهذه دعوى مجردة عن الدليل، وقد سبق –أيضاً – ذكر البيان الساطع في أنه لا تعارض البتة بين الأدلة الشرعية إلا في حالة النسخ، والعمل بالناسخ هو المتعين.
ط- وأما قولهم: (لأن المتن من الكتاب متيقن به ومتن الحديث لا ينفك عن شبهة، لاحتمال النقل بالمعنى، ثم قوام المعنى بالمتن فإنما يشتغل بالترجيح من حيث المتن أولاً إلى أن يجيء إلى المعنى ولا شك أن الكتاب يترجح باعتبار النقل المتواتر في المتن على خبر الواحد فكانت مخالفة الخبر للكتاب دليلاً ظاهراً على الزيافة فيه) .
قلت: لا خلاف بين أحد من المسلمين في صدق الشق الأول وهو قولهم إن متن الكتاب متيقن، كما أنه لا خلاف بين الأئمة الأربعة وجمهور العلماء في جواز نقل الحديث بالمعنى بما لا يحيل المعنى أو يغيره تغييراً يؤثر على صحة الاستدلال به مما لم نُتَعَبد بلفظه كألفاظ الأذان والإقامة والأذكار والأدعية (١) ، وحينئذٍ فليس هناك كبير فائدة من قولهم لاحتمال النقل بالمعنى؛ لأن الأصل عدم نقله بالمعنى، ولو فُرِضَ -أيضاً - نقله بالمعنى فلا يخلو من أن يكون النقل بالمعنى هو عين المعنى المستفاد من اللفظ النبوي أو لا، فإن كان هو هو سقطت الدعوى، وإن كانت الأخرى فلا يخلو من أن يتكشف خطأ ناقل الحديث إلى معناه الجديد أو لا فإن كُشف الخطأ سقطت الدعوى أيضاً ولزم العمل بالدليل المُبَيِّن، وإن كانت الأخرى فهذا لا يصح فرض وقوعه لما سبق من حكاية الإجماع على أن الله قد تكفل بحفظ دينه وأنه لا يمكن أن تجمع أمة محمدٍ ﷺ على ضلالة.
стр. 6784
ونقول –أيضاً - إن المسألة إنما هي مفروضة في حديث صحيح ثابت منقول إلينا نقل آحاد مروي بلفظه عن رسول الله (، فإذا كان ذلك كذلك فيجب قبوله لصحته ولعدم وجود ما يقدح فيه.
علماً بأنا قد بينا أن الأخبار المعنية هي الأخبار الصحيحة التي رواها أئمة الحديث والسنة في مصنفاتهم التي سبق ذكرها، لا مطلق الأخبار. وما ذكروه من احتمالات لعدم العمل بها قد سبق بيان وجه بطلانها.
فالواجب أن تفرض المسألة في تعارض خبر آحاد صحيح مروي بلفظه مع كتاب الله، فهل يقبل أو يرفض لمعارضته الظاهرة للكتاب؟!!
والقول بوجوب قبوله هو المتعين لما سبق من أدلة كثيرة على حجية السنة عموماً وأخبار الآحاد على وجه الخصوص. ولأنه يلزمهم في ردهم لأخبار الآحاد حين معارضتها لظاهر الكتاب رد ما ادعوه من قبيل المشهور للعله نفسها. وما يذكرونه من حجج لقبول أحاديثهم المشهورة هي بعينها الحجج الداعية إلى قبول أخبار الآحاد الصحيحة.
قال أبو المظفر السمعاني (١) : (إنا نظن أن النبي (قال الذي قال في خبر الواحد، وقام لنا الدليل القطعي على العمل بما يغلب على ظننا من ذلك. فكل هذا علم؛لأنا نعلم أنه غلب على ظننا صدق الراوي، ونعلم قيام الدليل على وجوب العمل بما ظنناه، فثبتت مساواة الطريق إلى العلم بحكم الخبر طريقنا إلى العلم بعموم الكتاب) .
المسألة الثانية:- في الآثار الفقهية المترتبة على القول بهذا النوع من الانقطاع:
لقد تبين من استعراض أدلة القائلين برد خبر الواحد الذي صح سنده لمخالفته ظاهر الكتاب أنها لم تكن صائبة، ومع هذا كله ترتب على القول بها مسائل فقهيةٍ كثيرةٍ – خلا المسائل العقدية –.
وفي هذا الموطن سأتطرق –إن شاء الله – إلى بعض المسائل المهمة المبنية على هذه القاعدة ذاكراً لها على سبيل المثال تاركاً ذكر أدلة كلٍ والمناقشات التي دارت فيها خشية الخروج عن أصل الموضوع فمن تلك المسائل:-
стр. 6785
١- نقض الوضوء بمس الذكر (١) .
قال السرخسي: (ولهذا لم يقبل علماؤنا خبر الوضوء من مس الذكر؛ لأنه مخالف للكتاب فإن الله تعالى قال:- (فيه رجال يحبون أن يتطهروا ((التوبة ١٠٨) يعني الاستنجاء بالماء فقد مدحهم بذلك وسمى فعلهم تطهراً.
ومعلوم أن الاستنجاء بالماء لا يكون إلا بمس الذكر. فالحديث الذي يجعل مسه حدثاً بمنزلة البول، يكون مخالفاً لما في الكتاب؛ لأن الفعل الذي هو حدث لا يكون تطهراً)
المناقشة:- يمكن مناقشة ما ذكره السرخسي على النحو التالي:-
أولاً: الحديث الذي أشار إليه السرخسي هو (من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ) (٢) قد ورد بألفاظ متقاربة ومن طرق مختلفة بعضها حسنة وبعضها صحيحة (٣) .
стр. 6786
وأما الحديث الذي عارض حديث بسرة فهو حديث طلق بن علي قال: خرجنا إلى نبي الله (وفداً حتى قدمنا عليه فبايعناه وصلينا معه فجاء رجل كأنه بدوي فقال يا رسول الله: ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ. فقال: (وهل هو إلا بضعة أو مضغة منك) (١)
قال الترمذي (٢) : هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب.
وقد ذهب جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة إلى إيجاب الوضوء من مس الذكر (٣) .
وذهب بعض الصحابة والتابعين وبعض الفقهاء كأبي حنيفة والثوري وغيرهما إلى عدم نقض الوضوء بمس الذكر (٤) .
أقول: من هذا العرض الموجز لأقوال العلماء في تصحيح الحديثين أو تضعيفهما أو تصحيح أحدهما دون الآخر ومن ثم اختلافهم في القول بأيهما، تبين أن سبب الخلاف هو هذا لا ما ذكره متأخرو الحنفية من أن سببه هو مخالفة الحديث لظاهر القرآن.
ومما يؤيد أن هذا هو السبب -وهو تصحيح الحديثين أو تضعيفهما أوأحدهما دون الآخر- أن بعض أهل العلم قد جمع بينهما فقال: يحمل ذكر الوضوء في حديث بسرة على غسل اليدين لا الوضوء الشرعي.
قال ابن قتيبة (٥) : (أما عَلِمَ أن كثيراً من أهل الفقه قد ذهبوا إلى أن الوضوء يجب من مس الفرج في المنام واليقظة بهذا الحديث وبالحديث الآخر من مس فرجه فليتوضأ وإن كنا نحن لا نذهب إلى ذلك ونرى أن الوضوء الذي أمر به من مس فرجه غسل اليد لأن الفروج مخارج الحدث والنجاسات ... ) .
стр. 6787
ثانياً: وأما قولهم: (فإن الله تعالى قال:- (فيه رجال يحبون أن يتطهروا ((التوبة ١٠٨) يعني الاستنجاء بالماء فقد مدحهم بذلك وسمى فعلهم تطهراً.
ومعلوم أن الاستنجاء بالماء لا يكون إلا بمس الذكر. فالحديث الذي يجعل مسه حدثاً بمنزلة البول، يكون مخالفاً لما في الكتاب؛ لأن الفعل الذي هو حدث لا يكون تطهراً)
فيقال: نعم امتدح الله أهل قباء بذلك. قال الشعبي (١) : هم أهل مسجد قباء أنزل الله فيهم هذا.
قال رسول الله (: (يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا؟ قالوا: يا رسول الله نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. فقال رسول الله (: فهل مع ذلك من غيره؟ فقالوا: لا غير إلا أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء.
قال: هو ذاك فعليكموه) (٢) .
قال الحاكم (٣) : حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
فالآية امتدحتهم لتطهرهم أي لإزالتهم النجاسة الحقيقية من الفرجين بالماء فهو كتطهير الثياب والأماكن من النجاسات الحسية، لا أن المراد بالتطهر الطهارة عن الحدث فهذا كل الصحابة ﵃ فيه سواء. وتلك الطهارة لا تزول عن الشخص كما لو أرعف أو خرجت منه ريح بعد استنجائه وحينئذٍ ليس هناك مخالفة بين الحديث والآية.وبهذا يتضح خطأ قولهم: (فالحديث الذي يجعل مسه حدثاً بمنزلة البول، يكون مخالفاً لما في الكتاب؛ لأن الفعل الذي هو حدث لا يكون تطهراً) .
فإن قالوا: إن الله تعالى جعل الاستنجاء تطهراً مطلقاً فينبغي أن يكون تطهراً حقيقة وحكماً، فلو جعل المس حدثاً لا يكون تطهراً من كل وجه.
стр. 6788
قيل: هذا قول ضعيف لأنه يلزم منه أن من أزال النجاسة عن السبيلين أصبح متطهراً أي متوضأ حكماً وهذا لا قائل به أبداً.
٢- المبتوتة نفقتها وسكناها:-
قال السرخسي: (وكذلك لم يقبل حديث فاطمة بنت قيس في أن لا نفقة للمبتوتة؛ لأنه مخالف للكتاب وهو قوله تعالى:- (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ((الطلاق ٦) .
ولا خلاف أن المراد وأنفقوا عليهن من وجدكم، فالمراد الحائل؛ فإنه عطف عليه قوله تعالى:- (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ((الطلاق ٦) .
قلت: ورد في هذه المسألة حديث فاطمة بنت قيس ﵂ المشار إليه آنفاً، وحديث آخر عن عمر بن الخطاب مما جعل العلماء يختلفون في حكم نفقة وسكنى المبتوتة.
وسيكون بحث المسألة في فقرات على النحو التالي:
١-روى مسلم في صحيحه (١) حديث فاطمة بنت قيس أنهاقالت: إن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء. فجاءت رسول الله (فذكرت ذلك له، فقال: (ليس لك عليه نفقة) .
٢-روى الدارقطني في سننه (٢) قال: قالت فاطمة بنت قيس: قال رسول الله (: (المطلقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة إنما السكنى والنفقة لمن يملك الرجعة) .
وروى الدارقطني (٣) عن: (عمر بن الخطاب أنه لما بلغه قول فاطمة بنت قيس قال: لا ندع كتاب الله لقول امرأة لعلها نسيت) .
стр. 6789
وروى الدارقطني (١) – أيضاً – أن عمر ﵁ قال: (لا نترك كتاب الله وسنة نبينا (لقول امرأة لا ندري حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة قال الله تعالى: (لا تخرجوهن من بيوتهن ( ﴿الطلاق ١﴾ الآية
قال ابن القيم (٢) : (قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصح عنه أبداً. قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر) .
وروى الدارقطني (٣) عن عمر ﵁ أنه قال لفاطمة ﵂: (إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله (وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة (لا تخرجوهن من بيوتهن ( ﴿الطلاق ١﴾ الآية.
قال الدارقطني: ولم يقل فيه وسنة نبينا.
وروى الدارقطني عن الحسن بن عمارة عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن الخليل الحضرمي قال ذكر لعمر بن الخطاب قول فاطمة بنت قيس أن رسول الله (لم يجعل لها السكنى ولا النفقة فقال عمر لا ندع كتاب الله وسنة نبيه لقول امرأة.
قال الدارقطني: الحسن بن عمارة متروك.
وفي سنن الدارقطني (٤) أن: (عمر قال: لا ندع كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة المطلقة ثلاثاً لها السكنى والنفقة)
قال الدارقطني: أشعث بن سوار ضعيف الحديث ورواه الأعمش عن إبراهيم عن الأسود ولم يقل وسنة نبينا وقد كتبناه قبل هذا والأعمش أثبت من أشعث وأحفظ منه.
٣-روى البخاري في صحيحه (٥) عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما لفاطمة،ألا تتقي الله؟ يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة.
وفي صحيحه (٦) - أيضاً - عنها: قالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي (.
٤-قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٧) : (وادعى بعض الحنفية أن في بعض طرق حديث عمر: للمطلقة ثلاثاً السكنى والنفقة) .
стр. 6790
٥-قال الطحاوي (١) : (خالفت فاطمة سنة رسول الله (؛ لأن عمر روى خلاف ماروت ...)
٦-قال حماد بن أبي سليمان: أخبرت إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس، فقال لي إبراهيم: إن عمر أخبر بقولها فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله تعالى، وقول النبي (لقول امرأة لعلها أوهمت. سمعت النبي (يقول: لها السكنى والنفقة (٢) .
٧-قال ابن القيم (٣) : (وأما حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن عمر ﵁ سمعت رسول الله (يقول: (لها السكنى والنفقة) .
فنحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذب على عمر ﵁ وكذب على رسول الله (وينبغي أن لا يحمل الإنسان فرط الإنتصار للمذاهب والتعصب لها على معارضة سنن رسول الله (الصحيحة الصريحة بالكذب البحت فلو يكون هذا عند عمر ﵁ عن النبي (لخرست فاطمة وذووها ولم ينبسوا بكلمة ولا دعت فاطمة إلى المناظرة ولا احتيج إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام المنتصرين للسنن فقط لا لمذهب ولا لرجل.
هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم ولو قدر وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لانقطع نخاعه فإن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر ﵁ بسنين) .
٨-قال ابن عبد البر (٤) : (أحاديث فاطمة كلها لم يختلف في أنها لا نفقة لها؛ وإنما اختلف في ذكر السكنى، فمنهم من ذكرها، ومنهم من لم يذكرها..
وأما الصحابة، فقد اختلفوا ...
منهم من يقول: لها السكني والنفقة. منهم: عمر، وابن مسعود.
ومنهم من يقول: لها السكنى ولا نفقة. منهم: ابن عمر، وعائشة.
ومنهم يقول: لا سكنى لها ولا نفقة. وممن قال بذلك: علي، وابن عباس، وجابر) .
стр. 6791
وقد اختلف العلماء في حكم نفقة وسكنى المبتوتة كاختلاف الصحابة ﵃ إلى ثلاثة أقوال (١) :
الأول: - ليس لها سكنى ولا نفقة. وبه قال الحسن وعطاء بن أبي رباح والشعبي وأحمد وإسحاق.
الثاني: - لها السكنى والنفقة. وبه قال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
الثالث: - لها السكنى ولا نفقة لها. وبه قال مالك بن أنس والليث بن سعد والشافعي.
وبعد هذا الاستعراض الموجز للروايات الواردة في المسألة وأقوال الصحابة والعلماء فيها تبين أن ترك بعض العلماء لرواية فاطمة بنت قيس إنما هو لتعارض روايتها مع رواية عمر بن الخطاب، ولاختلاف ألفاظ حديث فاطمة في ذكر النفقة والسكنى؛ فسبب اختلاف العلماء هو تعارض الروايات والسنن، لاكما يصوره متأخرو الحنفية من أن أبا حنيفة ومن معه من الأئمة قد ردوا خبر فاطمة ﵂ لكونه مخالفاً لكتاب الله.
يوضح ذلك أنه لو كان حديث فاطمة ﵂ باطلاً لمخالفته كتاب الله لما احتج به الأئمة كلهم في غير هذه المسألة.
قال ابن القيم (٢) : (ولا يعلم أحد من الفقهاء ﵏ إلا وقد احتج بحديث فاطمة بنت قيس هذا وأخذ به في بعض الأحكام كمالك والشافعي وجمهور الأمة يحتجون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلاً.
والشافعي نفسه احتج به: على جواز جمع الثلاث؛ لأن في بعض ألفاظه (فطلقني ثلاثاً) ، وقد بينا أنه إنما طلقها آخر ثلاث كما أخبرت به عن نفسها.
واحتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال.
واحتج به الأئمة كلهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول.
стр. 6792
واحتجوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه أو يعامله أو يسافر معه وأن ذلك ليس بغيبة.
واحتجوا به على جواز نكاح القرشية من غير القرشي.
واحتجوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر وأنه لا يشترط حضوره ومواجهته به.
واحتجوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن.
وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها وصدق حديثها فاستنبطتها الأمة منها وعملت بها فما بال روايتها ترد في حكمٍ واحدٍ من أحكام هذا الحديث وتقبل فيما عداه فإن كانت حفظته قبلت في جميعه وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يقبل في شيء من أحكامه وبالله التوفيق) .
٣- القضاء بالشاهد واليمين:-
قال السرخسي: (وكذلك لم يقبل خبر القضاء بالشاهد واليمين؛ لأنه مخالف للكتاب من أوجه:-
فإن الله تعالى قال:- (واستشهدوا شهيدين من رجالكم ( ﴿البقرة ٢٨٢﴾ الآية
وقوله (واستشهدوا (أمر بفعل هو مجمل فيما يرجع إلى عدد الشهود كقول القائل: كُلْ. يكون مجملاً فيما يرجع إلى بيان المأكول، فيكون ما بعده تفسيراً لذلك المجمل وبياناً لجميع ما هو المراد بالأمر وهو استشهاد رجلين فإن لم يكونا فرجل وامرأتان، كقول القائل: كُلْ طعام كذا فإن لم يكن كذا فكذا، أو أذنت لك أن تعامل فلاناً فإن لم يكن ففلاناً، يكون ذلك بياناً لجميع ما هو المراد بالأمر والإذن.
وإذا ثبت أن جميع ما هو المذكور في الآية كان خبر القضاء بالشاهد واليمين زائداً عليه والزيادة على النص كالنسخ عندنا.
يقرره قوله تعالى:- (وأدنى ألا ترتابوا ( ﴿البقرة ٢٨٢﴾ فقد نص على أن أدنى ما تنتفي به الريبة شهادة شاهدين بهذه الصفة وليس دون الأدنى شيء آخر تنتفي به الريبة.
стр. 6793
ولأنه نقل الحكم من استشهاد الرجل الثاني بعد شهادة الشاهد الواحد إلى استشهاد امرأتين مع أن حضور النساء مجالس القضاء لأداء الشهادة خلاف العادة وقد أُمِرْن بالقرار في البيوت شرعاً، فلو كان يمين المدعي مع الشاهد الواحد حجة لما نقل الحكم إلى استشهاد امرأتين وهو خلاف المعتاد مع تمكن المدعي من اتمام حجته بيمينه ...) .
ويمكن الجواب عما سبق في النقاط التالية: -
١-الحديث الذي ردوه هو حديث رواه جمع من الصحابة كأبي هريرة وابن عباس وجابر ﵃ بلفظ (أن النبي (قضى بيمينٍ وشاهدٍ) (١) .
قال ابن عبد البر (٢) : (وفي اليمين مع الشاهد آثار متواترة حسان ثابتة متصلة أصحها إسناداً وأحسنها حديث ابن عباس وهو حديث لا مطعن لأحد في إسناده ولا خلاف بين أهل المعرفة بالحديث في أن رجاله ثقات) .
وحق له حكاية ذلك، فقد قال الإمام مالك (٣) : (إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو عامل على الكوفة: أن اقض باليمين مع الشاهد.
وقال: إن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار سئلا هل يقضى باليمين مع الشاهد؟ فقالا: نعم.
قال مالك: مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد) .
стр. 6794
وروى النسائي (١) (أن شريحاً قضى باليمين مع الشاهد الواحد في مسجد الكوفة. وأن عمر بن عبد العزيز قضى باليمين مع الشاهد) .
وقد قضى باليمين مع الشاهد قبل هؤلاء جميعاً رسول الله (وصحابته الكرام: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وعبد الله بن عمر، ولم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر القضاء باليمين مع الشاهد، وإلىهذا القول ذهب جمهور التابعين:سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد وعروة وسالم وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وعلي بن حسين وأبو جعفر محمد بن علي وأبو الزناد وغيرهم، ومن الأئمة: مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم واسحاق بن راهوية وأبو عبيد وأبو ثور وداود بن علي، وجماعة أهل الأثر. ذكر ذلك ابن عبد البر (٢) ، ثم قال (٣) : هو الذي لا يجوز عندي خلافه لتواتر الآثار به عن النبي (وعمل أهل المدينة به قرناً بعد قرن.
قال الحافظ ابن حجر (٤) : (وفي الباب – يعني القضاء بالشاهد مع اليمين – عن نحو من عشرين من الصحابة فيها الحسان والضعاف، وبدون ذلك تثبت الشهرة) .
قال ابن عبد البر (٥) : (فهؤلاء قضاة أهل العراق أيضاً يقضون باليمين مع الشاهد في زمن الصحابة وصدر الأمة، وحسبك به عملاً متوارثاً بالمدينة) .
стр. 6795
قلت: إن لم يكن القضاء باليمين مع الشاهد متواتراً تصح به الزيادة على القرآن إجماعاً فلا أقل من أن يكون حديثاً مشهوراً على رأي عيسى بن أبان (١) ومن تبعه كأبي زيد الدبوسي والسرخسي والبزدوي وغيرهم فيعمل به، وإن لم يكن عمل هؤلاء الأئمة الأعلام من الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة وغيرهم به، وروايتهم له تستدعي الشهرة فلا شهرة حينئذٍ ولا تواترله إلا إذا حكم بذلك عيسى بن أبان ومن تبعه. فما قاله أو عمل به هؤلاء المنتسبون إلى أبي حنيفة ﵀ -فهو المشهور وهو المتواتر وما لا فلا! !!
فإن قيل: قد خالف في ذلك إمام المذهب أبو حنيفة والثوري وعطاء وغيرهم (٢) فقالوا: بعدم القضاء باليمين مع الشاهد الواحد.
قلت: خالفوا لأنه لم يصح عندهم الخبر في ذلك، كيف وقد قال أبو حنيفة ﵀: (ما جاءنا عن الله وعن رسوله فعلى الرأس والعين) لا أنهم يقولون كما يقوله هؤلاء: إن الحديث قد صح عندنا ولكن لا نعمل به لمخالفته كتاب الله. أقول: معاذ الله أن يكون ذلك هو قولهم.
يوضحه قول عطاء (٣) : إن أول من قضى به عبد الملك بن مروان. فهذا دليل على أنه لم يصح عنده فيه شيء لا عن رسول الله (ولا عن صحابته أو التابعين.
وبهذا يتبين خطأ قول السرخسي ومن معه: (كان خبر القضاء بالشاهد واليمين زائداً عليه والزيادة على النص كالنسخ عندنا) .
٢-وأما قوله: (فإن الله تعالى قال:- (واستشهدوا شهيدين من رجالكم ( ﴿البقرة ٢٨٢﴾ الآية
وقوله (واستشهدوا (أمر بفعل هو مجمل فيما يرجع إلى عدد الشهود ... ، فيكون ما بعده تفسيراً لذلك المجمل وبياناً لجميع ما هو المراد بالأمر وهو استشهاد رجلين فإن لم يكونا فرجل وامرأتان ...