← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

صفتها: ترتفع عن الأرض قرابة المتر والنصف، وتتفرع إلى فروع كثيرة، تنشطر هذه الفروع من الساق. تبدأ في النمو على شكل سيقان خضراء اللون مجتمعة، تحمل الفروع أوراقاً كثيرة، خضراء قانية كبيرة، في طول ورقة التين إلا أنها أقل عرضاً، وأغلب أوراقها يتخللها ثقوب. أما ثمارها: فهي كروية الشكل حمراء، تكون داخل أقماع خضراء في بداية النمو ثم تميل إلى الصفرة وهو ما يسمى بالكأس. هذا الثمر الأحمر على شكل حبوب أكبر قليلاً من حب البُنّ مستديرة، وبعض حبوبها تكون صغيرة نتيجة لقرب النبتة من الماء وبعدها، وبداخل الحبة الحمراء حبوب صفراء صغيرة طعمها مُرّ، وداخلها كالطماطم. قال عنه أبو حنيفة: ((والعبب ضرب من النبات، زعم أبو حنيفة أنه من الأغلاث تشبه الحرمل، إلا أنه أطول في السماء تخرج خيطاناً، ولها سنفة مثل سنفة الحرمل، وقد تقضم المعزى من ورقها.. وقال أعرابي: إن العبب هو حبُّ أحمر كأنه خرز العقيق أصغر من النبق وأكبر من حب العنب في أخبية في كل خباء واحدة.. وورقه كثيف واسع وخطيانه عبلة طوال وهي إلى الغبرة، والتثقب إليه سريع)) (١) . وهذا التسمية مازالت مستخدمة إلى الآن. وبعض أهل المنطقة يقولون (عُبعُب) ، ولعل هذا من باب التخفيف المتمثل في التقاء المثلين وتوالي المتحركات. عسلوج عُثرُب اسم النبتة: عُثْرُب. أماكن وجودها: تنتشر في جميع مناطق جبال السراة، وتكثر في الوديان والأماكن القريبة من الماء.

стр. 807

وصفها: نبات كثير الانتشار في أودية وجبال السراة عامة. وهو من النباتات التي يبيد الشتاء فرعه ويبقى أصله، إلا أن أوج ازدهاره في فصل الربيع، يرتفع عن الأرض في المناطق الجبلية قرابة المتر أو يزيد قليلاً أما في الأودية ومناطق توفر الماء، فيزيد ارتفاعه إلى أن يصل إلى أكثر من مترين. تتفرع سيقانه إلى عدة فروع يجمعها أصل واحد. لون سيقانها خضراء مخططة بخطوط حمراء. أما أوراقها فصغيرة تنمو على الساق وفروعه، خضراء اللون طعمها حامض وثمرتها حمراء ناعمة الملمس حامضة الطعم أيضاً. يخرج بجانب الفروع الكبيرة وأسفل الجذع براعم صغيرة مليئة بالماء تُقشّر وتؤكل، وطعمها أقل حموضة من الأوراق والثمار. تؤكل هذه البراعم أو العساليج - كما وصفها القدماء - عندما يصاب الإنسان بالضرَّس (١) وبعد أكلها يذهب وهذا مُجَرَّب. وصف جلّ القدماء هذا النبت الشجري، ومن بين ماذكروه قول أبي حنيفة: ((والعُثْرُب، واحدته: عُثْرُبة، شجرة نحو شجر الرُّمان في القدر، ورقة أحمر مثل ورق الحُمَّاض، وكذلك ثمره وهو حامض عفص مرعى جيد تدق عليه بطون الماشية أول شيء وله عساليج حمر تُقَشَّر وتؤكل، وله حب كحب الحماض مُرَّة خشينة)) (٢) . وقول أبي حنيفة إن ورقه أحمر فلعله يعني الثمرة أما الورق فأخضر اللون، كما أنّ طعم الأوراق حامض وليس مُراً. وما زالت هذه التسمية تطلق على هذا النوع من النبات إلى عصرنا عند من يسكن جبال السراة سواء كانوا من أهل المنطقة أو غيرهم من القبائل الأخرى. بداية نموها عَرْفج اكتمال نموها اسم النبتة: عَرْفج، وحُلْبة.

стр. 808

أماكن وجودها: تنبت على قمم جبال السراة وسفوحها، والسهول والوديان، وقد رأيته في أكثر مواطن الجزيرة. وصفها: عبارة عن نبتة لايتجاوز ارتفاعها نصف المتر لها جذع يخرج منه مجموعة من العيدان الخضراء في بداية نموها تتفرع إلى عدة فروع هشة، يعلو كل عود منها ثمرة صفراء ناعمة الملمس. ليس لها أوراق، ولكن يخرج على جنبات الساق براعم ريشيه صغيرة. رائحتها طيبة، وإن كان طعم العود والثمر مرّاً، يبدأ نموها في أوائل فصل الربيع وتشيخ في أواخر فصل الصيف إلاّ أنه يبقى أصله وفرعه طول العام. كان الناس يستخدمون هذه النبتة - ومازال بعضهم - لعدّة أغراض منها حَوْق (١) البيت وتسمى المِحْوقَة (٢) وذلك بعد أن تُجزّ عيدانها وتربط من أسفلها برباط. كما يستخدمونها في إشعال النار لاتقادها. ذكر هذه النبتة كثير من علماء العربية ومما دونوه قول بعضهم: ((والعَرْفج والعِرفْج نبت وقيل: هو ضرب من النبات سهلي سريع الاتقاد. العرفج واحدته عرفجة.. وقيل هو من شجر الصَّيف، وهو لين، أغبر، له ثمرة خشناء كالحسك.. عن أبي زياد العرفج طيب الريح أغبر إلى الخضرة، وله زهرة صفراء، وليس له حب ولا شوك..)) (٣) . وقال أبو عبيد: ((إذا مُطِر العرفج ولان عوده ثَقَب عوده، فإذا اسوَدَ قيل: قد أقمل: لأنه يُشبَّه ماخرج منه بالقمل..)) (٤) . وهذه التسمية إلى الآن تُطلق على هذا النبت وبنفس الصيغة الفصيحة. أما مسمى (حُلْبة) فقد جاء في اللسان قوله: ((والحلبة: العَرْفج)) (٥) وهذه التسمية لايعرفها أهل هذه المنطقة. عَصْبَه

стр. 809

اسم النبتة: عَصْبة وتُسمّى: لَبْلاب (١) ، وعَطْفَة. أماكن وجودها: تكثر في الوديان بين الأشجار والنباتات الصغيرة. وصفها: نبتة صغيرة لها سوق دقيقة، تخرج منها براعم كبراعم الحَبَل (٢) تلتفّ على النباتات والأشجار التي حولها يتخلل الساق أوراق خضراء متفرقة بحجم ورق العبب، إلا أنها ملساء ناعمة ضعيفة، يخرج في بعض عناقيدها ثمرة ورديّة اللون مع بياض بداخلها. لا رائحة لها، تمتد على الأرض أو الشجر إلى أكثر من أربعة أمتار. تأكلها المواشي وخاصة الأغنام. قال عنها كراع النمل: ((والعصبة نبتة تلتوي على الشجر)) (٣) . قال أبو حنيفة: ((والعَصْبة والعَصَبة والعُصْبة.. كل ذلك شجرة تلتوي على الشجر وتكون بينها ولها ورق ضعيف، والجمع عصب قال: إن سلُيمى علقت فؤادي ... تنشُّب العصب فروع الوادي وقال مَّرَّة: العصبة: ماتعلق بالشجر فرقي فيه وعصب به. قال: وسمعت بعض العرب يقول: العصبة هي اللبلاب، وهي العطِفة والعَطفة)) (٤) . هذا الاسم ((عصبة)) عَرَفه كل من لاقيت من ناس هذه المنطقة وينطقونها بنفس الصيغة، أما بقية المسميات الخاصة بهذه النبتة فلم يعرفوها فربما تكون لغة قبائل أخر إذ إن هذه النبتة واسعة الانتشار في السراة وتهامة ونجد. وقول أبي حنيفة بأن العصبة شجر فهذا من قبيل التجوز كما سبق بيانه. عُقَّار اسم النبتة: عُقَّار، حُرَّاق. أماكن وجودها: من النباتات قليلة الانتشار، حيث يوجد في الوديان وحول المنازل والمزارع، وليس له وجود في الجبال وسفوحها. وصفها: نبت ينمو على ساق واحدة، ولا فروع له يرتفع عن الأرض قرابة

стр. 810

(٥٠) سم أو أكثر قليلاً وتجتمع مع بعضها أحياناً، يتخلل الساق أوراق كأوراق النعناع، إلا أنها خشنة، يتخللها بعض الأشواك الشعرية الصغيرة التي تنتشر على جميع أجزاء الورقة ولونها أخضر شديد الخضرة، إذا مَرَّ الإنسان بجواره، ووقع على جسمه آلمه ألماً شديداً؛ لأن له لسعاً كلسع النار، وتبقى حرارته بضع ساعات، وربما ظهر مكانها بقع حمراء على الجلد. يبدأ النبت هذا في النمو في فصل الربيع، ويذبل في أوائل الصيف. وهو من النباتات التي تحجم عنها جميع الحيوانات ولا تأكلها. الاسم الفصيح الذي أورده القدماء هو (العٌقَّار) وبعض أبناء هذه المنطقة يطلقون عليه هذا الاسم الفصيح، وبنفس الصيغة. أما تسميتهم له ب (الحُرَّاق) : فلأنه يحرق كما تحرق النار، فاشتقوا له هذا الاسم من أَثَرِه وقد بحثت في أغلب الكتب القديمة فلم أجد أحداً من العلماء وسمه بهذا الاسم. بداية النمو العَكَش اكتمال النمو اسم النبتة: العَكَش، العَقَش. أماكن وجودها: يكثر وجودها في الوديان، على أطراف المزارع، وحواف الآبار. وقد رأيتها منتشرة في أغلب وديان جبال السراة. صفتها: نبات يرتفع عن سطح الأرض قرابة أربعة أمتار أو تزيد بالتفاف سوقه وأعضائه على بعضه أو على ما يجاوره من شجر، وتنمو على شكل سوق خضراء لايتجاوز سمكها (٢) سم، يتخلل الساق أشواك معقفة حادة مثلثة الشكل، يميل لونها إلى الحمرة، خاصة الجزء الحادّ منها. يتفرع من الساق عدة فروع يتخللها مجموعة من الأوراق العريضة الناعمة الملمس، شديدة الخضرة في بداية نموها، ثم تميل إلى الاصفرار، عند اكتهال النبات، وجزء الورقة السفلي محاط بالأشواك

стр. 811

يثمر هذا النبات في فصل الصيف، وثمرته عبارة عن عنقود، يتفرع إلى عدة فروع، يعلو كل فرع في البداية ثمرة بيضاء داخلها زهرة وردية اللون، يخرج مكانها بعد فترة زمنية قليلة حبوب خضراء اللون كل حبة منها عبارة عن مجموعة من الحبوب طعمها حامض في بداية نموها ثمّ تحمر شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح لونها خمرياً، حلو المذاق، وهذه الثمرة أشبه ماتكون بثمرة التوت، يحف هذه الثمرة مجموعة من الشوك. وإذا مر الإنسان أو الحيوان بالقرب من النبت لِزَمهُ شوكه، ولعل هذا هو سبب تسميته في لهجة أهل هذه المنطقة العقش ومنه المثل الدارج عندهم: (فلان كالعقشة) أي يمسك بمن يأتيه. شبه في ذلك بهذا النبت. وربما سُمي عكشاً لالتوائه على الأشجار، أو لكثرة فروع هذا النوع. قال ابن منظور: ((وشجرة عكشة: كثيرة الفروع.. والعَكشِة شجرة تلتوي بالشجر ... )) (١) . والغريب أن أبا حنيفة لم يعرض لهذا النبات في كتابه مع كثرة انتشاره. إلاّ أن ابن سيده ذكر أن ((العقَش نبت ينبت في الثمام والمرخ، وهو يتلوى مثل العَصْبة على فرع الثمام، وله ثمر خمرَّية إلى الحمرة)) (٢) . يُطلق أهالي هذه المنطقة على هذا النوع مُسمى (العَقَش) بفتحتين، والفصيح بفتح وسكون، ولعل سبب فتح الكلمة لمكان حرف الحلق (العين) وهذا خلاف ما يقررونه من مراعاة حرف الحلق إذا كان عيناً لا لاماً ولا فاءً، وربما حركوا القاف بالفتح لقرب مخرج القاف من مخارج حروف الحلق. القُرَّاص قراص الحمير اسم النبتة: القُرَّاص. أماكن وجودها: تنبت في السهول، والقيعان، وبطون الأودية، وحول المنازل، والمسارب المؤدية إليها، وهو من النباتات كثيرة الانتشار.

стр. 812

وصفها: القراص نوعان: الأول يطلق عليه أهل هذه المنطقة: (قراص الحمير) وهذا النوع يرتفع عن الأرض قرابة (٥٠) سم أو تزيد قليلاً، وهو عبارة عن مجموعة من السوق، يتخللها فروع دقيقة خضراء، وأوراق مسننة الرأس، ليست عريضة، متطاولة، طعمها مُرُّ، ونورتها صفراء، تقع في الجزء العلوي من النبتة، وبعضها يكون داخل النبتة. أما النوع الآخر: فهو نبت يشبه الجرجير إلى درجة كبيرة، أوراقه طويلة ومشرّمة، يتوسطها خط أبيض وتكون أوراقه مجتمعة، ترتبط بجذر أصفر اللون، يمتد داخل الأرض إلى قرابة (٢٠) سم. يعلو هذا النوع نورة صفراء كنورة النبت السابق، ناعمة الملمس يجرسها النحل كثيراً، وهذا النوع كان أهل المنطقة يطبخونه كاللفت والسبانخ وغيرهما. عرض علماء العربية القدماء لهذا النوع من النبات وذكروا أنواعه ومن بين ماورد في مصنفاتهم قول أبي حنيفة: ((أخبرني أعرابي من أزد السراة قال: القُراص قراصان أحدهما: العُقّار.. والآخر ينبت نبات الجرجير يطول ويسمو. وله زهر أصفر تجرسه النحل. وله حرارة كحرارة الجرجير، وحب صغار أحمر، والسوام تحبه وتحبط عنه كثيراً لحرارته حتى تنقد بطونها ... والناس يحذرونه مادام غضاً، فإذا ولّى ذهب ذلك عنه.. وقال أبو زياد: من العشب القراص وهو عشبة صفراء وزهرتها صفراء. ولا يأكلها شيء من المال إلا هُريق فمه ماء ومنابته القيعان..)) (١) . فوصف القدماء لهذا النوع من النبات كان دقيقاً، إلاّ أن قول أبي حنيفة وغيره، (له حب صغار أحمر) استوقفني إذ إن هذا النبت بنوعيه ليس له حب أحمر لا في زهرته ولا في بقية أجزائه. فربما يكون نباتاً آخر أو وهم من الراوي في وصف النبات.

стр. 813

ومازال هذا الاستخدام اللغوي يطلق على هذا النوع من النبات، إلاّ أن الاختلاف في تسمية القدماء له ب (العقار) والعقار سبق بيانه وصفته ولا تشابه بينهما البتة. المرحلة الأولى المُرَار المرحلة الثانية (بداية النمو) (ظهور الشوك) اسم النبتة: مُرَار. أماكن وجودها: تنبت في السهول والجبال وتكثر في الأودية وخاصَّة بين الزرع. وقد رأيته في أماكن متفرقة سواء في السراة أو في تهامة. وصفها: تنبت على شكل سيقان خضراء قانية، يتفرع من الساق عدّة فروع، يتخللها أوراق خضراء قانية طويلة يصل طولها في بداية النمو إلى (٢٠) سم مشرّمة كأوراق الجرجير تفترش الأرض يتوسطها مجموعة من الشعب المنتهية بالزهرة الصفراء الشوكة يميل إلى الغبرة عند اكتهال النبات. يعلو السيقان زهرة صفراء ناعمة محاطة بشوك أصفر قوي حاد، إذا داسه من ليس في رجليه نعل آلمه، ويستمر الألم لبعض الوقت، ولا يوجد الشوك إلا حول الزهرة. أما طعم ورقها وعودها فشديد المرارة، وأكثر الحيوانات التي تأكل هذه النبتة الإبل. يبدأ نموه في أوائل الربيع ويذبل في آخر الصيف ويجف تماماً، ثم يعاود نموه في بداية فصل الربيع وذلك من أصل جذورها الذي يبقى حياً طوال العام. قال أبو حنيفة عنها عن أبي زياد: ((من العشب: المرار، وهو أفضل العشب وأضخمه ولونه إلى السواد، وزهرته صفراء، فإذا دنا منه اليُبس، شوَّك في أعاليه وذلك مع موضع الزهرة حيث كانت، وللمرارة شعب ذات عدد، وأصلها واحد. وربما ربضت الإبل.. وإذا أكلتها الإبل قلصت مشافرها فبدت أسنانها.. وأخبرني أعرابي من أعراب السراة، قال: المرار: شوك له ورق طوال عراض يلزم الأرض، ثم تشعب له شعب. ويخرج في رأس كل شعبة كرة كبيرة شَوكة جداً، فيها حب مثل حب العصفر. المرحلة الثالثة المُرَار المرحلة الرابعة أوج النمو اكتمال النمو

стр. 814

وهي عشبةٌ مُرَّة جداً، ومنابتها القيعان وأجواف الزرع.. وقال بعض الرواة: منابت المرار السهول. وعن الأعراب القدم: المرار: بقلة تعود في القيظ شجرة..)) (١)

стр. 815

من خلال النص السابق يتضح لنا وصف القدماء الدقيق لجميع أجزاء هذا النوع من النبات إلاَّ أن قوله عن العرب إن المرار بقلة وفي الصيف تكون شجرة فهذا من باب التجوز. وقول أبي حنيفة: ((إذا دنا منه اليُبس شوك في أعاليه)) لعله يعني اشتداد عود الشوك. أما الشوك فيبدأ نموه مع نمو الزهرة الصفراء إلا أنه يكون ليناً في بداية نموه ويبدأ الشوك في اليبس من أعلى الشوكة إلى أسفلها ودليل ذلك إحمرار رأس الشوكة. يطلق أهل هذه المنطقة على هذا النبت التسمية الفصيحة، مع اختلاف في حركة الميم حيث يفتحونها، والفصيح الضم ولعلهم هربوا من ضم الميم إلى الفتح، لصعوبة النطق بالضم ثم الانتقال إلى الفتح، فأتبعوا حركة الميم الراء طلباً للخِفَّة. وقد يكون لتحريك الميم بالضم أثر في الثقل فعدلوا عنه إلى الفتح. • • • خاتمة: وفي الختام فإن الدرس اللغوي النباتي يعد من الدراسات الميدانية التي تفتقر إليها المكتبات العربية في زمننا هذا إذ إن الثروة اللغوية المتعلقة بالنباتات تكاد تكون شبه مفقودة؛ لابتعاد الناس عن التعامل والتعايش مع النبات. وبعد الوصف التأصيلي لأسماء النباتات الطبيعية في هذه المنطقة اتضح للباحث ما يلي: ١- أكثر أسماء النباتات في لهجة أهالي هذه المنطقة فصيحة وإن اعترى بعضها التطور سواء في أصواتها أو بنيتها. ٢- ضياع بعض أسماء هذه النباتات لبعد أهالي هذه المنطقة عن التعامل معها كما كان سابقاً. ٣- اندثار بعض النباتات لأسباب بيئية وعمرانية. ٤- قلة المؤلفات النباتية القديمة، إذ لا نجد مؤلفاً في اللغة عرض للتفصيل في وصف النباتات وصفاً دقيقاً سوى كتاب أبي حنيفة، ومع ذلك لم يصل إلينا كاملاً. ٥- تعدد التسميات للنبتة الواحدة من قرية إلى أخرى في نفس المنطقة. ٦- كثرة النباتات الطبيعية وتشابهها التشابه الذي يصل إلى درجة اللبس. ٧- اختلاف نمو النبات من مكان إلىآخر.

стр. 816

٨- قول بعض علماء العرب القدماء بفارسية بعض أسماء النباتات كأبي هلال العسكري وغيره عند بيانه للسذاب. وبعد فما قدمته في هذا البحث لايعد سوى قليل من كثير ممّا تم جمعه ودراسته من النباتات الطبيعية في هذه المنطقة وسوف يتبع هذه المجموعة مجموعات أخرى بحوله تعالى. الهوامش والتعليقات

стр. 817

مقتضى الحال مفهومه وزواياه في ضوء أسلوب القرآن الكريم د. سميرة عدلي محمد رزق أستاذ مشارك بقسم اللغة العربية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة الملك عبد العزيز ملخص البحث دار البحث حول محورين أساسيين: أولهما: توضيح معنى "مقتضى الحال" وهو الاعتبار المناسب الذي يستدعي اشتمال الكلام على سمات وخصائص أسلوبيَّة تناسب المقام أو الحال الذي يُلقى فيه. وثانيهما: إضاءة زوايا هذا المفهوم، وتوضيحها بالشواهد القرآنية المناسبة، مع بيان ما اشتملت عليه من سمات أسلوبية خاصَّة. وتبيَّن - خلال ذلك التوضيح - أن الكلام قد يراعى فيه حال السّياق نفسه، أو حال المتكلم وإحساسه بقوَّة المعنى الذي يتحدَّث عنه، أو حال المخاطب وما يحيط به من ظروف مختلفة. والجدير بالذكر أن بعض الحديث قد يأتي مخالفاً للحال الظاهرة أمام مُلقيه - ومع ذلك - يُحكم عليه بالبلاغة لأسباب لم يغفلها البحث أيضاً من الذكر والتدعيم بالشواهد المناسبة من القرآن الكريم. ونبَّه البحث إلى ضرورة حِذق المتكلم ومهارته في إدراك ملابسات الأمور حوله ليأتي حديثه على هذه الخصوصيَّة المسمَّاة ب "مراعاة مقتضى الحال"؛ فيكون بذلك قد أدَّى الوظيفة الأساسية للفن البلاغي وهي: "مطابقة الكلام لمقتضى الحال". • • • المقدمة: الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد...فهذه قطرة نغرفها من بحر لا ينتهي عطاؤه ولا يُبلغ مداه... وكيف ينتهي ذلك العطاء وهو من المعطي الأول والأخير وهل يُبلغ منتهاه ولا يعلم ذلك إلا الله؟!

стр. 818

نعم ذلك هو أسلوب القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... وهو العطاء المتجدّد والينبوع الصَّافي العذب الذي بهر العقول وأراح النفوس وطمأن القلوب ... وكيف لا يكون كذلك وقد راعى الأحوال وقدَّر الظروف وسبر أغوار النفوس ... ؟! فجاء - رغم كلّ ذلك - مقتضياً للحال مُغنياً في كل مقام عن أي مقال ومقال! هذا وقد تناول البحث في هذه القطرة اليسيرة: (مقتضى الحال - مفهومه وزواياه في ضوء أسلوب القرآن الكريم) وذلك وفق المنهج الآتي: تمهيد- ويشمل الإشارة إلى بعض النصوص التي وردت فيها معنى "مقتضى الحال"، ثم كان: المحور الأول: ويشمل: شرح العبارة وبيان أن المقصود بمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب المستدعي للسمات والخصائص التي يأتي عليها أسلوب المتكلم ليوافق حديثه المقام أو الحال الذي أنشأ له كلامه، وقد دُعّم هذا التوضيح - لمفهوم مقتضى الحال - بنصوص ذكرها بعض العلماء والنقاد والدارسين في اللغة والأدب والبلاغة سواء منهم المحدثين أو القدماء من أمثال د. إبراهيم أنيس والدكتور بدوي طبانة والدكتور إبراهيم السَّمرائي والدكتور محمد أبو موسى والعقاد والدكتور علي عبد الواحد وافي والشيخ عبد القاهر الجرجاني وابن رشيق والقاضي الجرجاني وابن خلدون وغيرهم، ولم يُراعَ في ذكر هذا النصوص. التسلسل الزمني لقائليها؛ وإنما روعي حاجة السّياق في البحث إلى كل نص منها، ليكون ذلك تطبيقًا عمليًّا لموضوع البحث في البحث الذي بين يدي القاريء. وخُتم هذا الباب ببيان أن القرآن الكريم هو خير ما يمكن أن يستشهد به في بيان صحة مفهوم هذه العبارة، لأنه خير الأقوال التي جاءت مطابقة للحال ومقتضية له. أما المحور الثاني فكان مخصَّصًا لتحديد زوايا مفهوم "مقتضى الحال" ثم إضاءتها على ذلك في ضوء أسلوب القرآن الكريم، وهذه الزوايا هي: أ- حال السياق ب- حال المتكلم ج- حال المخاطب

стр. 819

وقد ركز البحث على ذكر أمثلة وشواهد من القرآن الكريم على كل زاوية من الزوايا السابقة وتوضيح الطريقة الأسلوبية المتبعة في كل مثال منها لبيان قُدرة القرآن الكريم - ذلك الكتاب الفذ - على التعبير عن كل الأحوال ومراعاة جميع الظروف والملابسات التي تحيط بالمقام الذي جاءت فيه الآية الكريمة... الأمر الذي يدعو دائمًا إلى الاعتراف بإعجازه البياني والذي أذهل - من قبل - فُصحاء العرب وجلة شعرائهم وأدبائهم. كما لم يغفل البحث خلال هذه الشواهد ذكر شواهد أخرى من القرآن الكريم نفسه لم يراعِ فيها السّياق مقتضى الظاهر ومع ذلك جاء الأسلوب بليغًا مصيبًا للهدف الذي سيق من أجله. ثم كان التعقيب في نهاية البحث، أشير فيه إلى أن ما لم يذكره البحث أغنى عنه ما ذُكر، سواء كان ذلك في نقطة خروج الكلام على مقتضى الظاهر أو ما كان على خلاف مقتضى الظاهر، وما ذاك إلا لأن الأحوال كثيرة ومقتضياتها مثلها ومجال نشر البحث لا يسمح بأكثر مما ذُكر، ولولا الإيمان بالمقولة القائلة: "ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه" ما كانت الجُرأة على أخذ هذه القطرة اليسيرة من ذلك الخضم الهائل الذي غرف منه علماء البلاغة من أساتذتنا ومعلمينا جزاهم الله عنا خير الجزاء. ولعل من أسباب اختيار هذا الموضوع هو: الرغبة في إيضاح عبارة "مقتضى الحال" بكل أبعادها، نظرًا لما لا حظته أثناء تدريسي في الجامعة لمادة البلاغة، ومن تخبط الطالبات في تحديد هذا المفهوم - واقتصارهن في فهمه على زاوية واحدة فقط وهي حال المخاطب-، ولما جنيته من نتيجة - أحمد الله عليها - عند إيضاحه لهن - كما ينبغي -. من هنا كان الدافع قويًّا إلى تخصيص هذا العمل المتواضع لإلقاء الضوء على زوايا هذا المفهوم، وتحديدها تحديدًا يساعد طلبة العلم وطالباته على الفهم الصحيح لها.

стр. 820

أما كون شواهد البحث مستمدة من القرآن الكريم فما ذاك إلا لكون القرآن الكريم - وهو أمر لايخفى على دارسي اللغة وعلمائها - هو المورد الأصيل والمثال النادر لكل درس لغوي أو بلاغي - بلا جدال- فضلاً عن الرغبة الأكيدة في خدمة كتاب الله العزيز قبل أي شيء آخر، ثم في قضاء سويعات ممتعات في تأمل آيات الله الكريمات ودراستها... لتستريح بهذه الدراسة النفس، ويطمئن لها الفؤاد، ويقوَّم بها اللسان. وبعد... فهذا جهد المقل والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم... خادمًا لقرآنه العظيم... مضيئًا لطلاب العلم بعض السبيل... إنه على كل شيء قدير. التمهيد: قبل التعرُّض لمقتضى الحال ومفهومه ينبغي الإشارة أولاً إلى الموضع أو المناسبة التي وُجِد فيها هذا التعبير "مقتضى الحال" ومنها تدرك أهميته... يصادف القاريء هذا التعبير عند قراءته لتعريف بلاغة الكلام لدى القزويني في قوله: "والبلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته" (١) كما نلمح هذا التعبير أيضًا في التعريف بعلم المعاني، فيُقال: "هو علم يُعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال" (٢) ولست بصدد التعريف بعلم البلاغة بصفة عامَّة ولا بعلم المعاني بصفة خاصَّة - هنا - فقد اكتظَّت المؤلَّفات البلاغية بذلك ولكن هدف هذا العمل هو توضيح هذا المفهوم من خلال وضع النقاط على الحروف، أو بالأحرى إضاءة بعض الزوايا التي تحتاج إلى إضاءة في هذا المفهوم، مع ذكر بعض الأمثلة والشواهد القرآنيَّة المدعّمة لذلك.

стр. 821

توضيح معنى "مقتضى الحال"، ومفهومه لدى الدَّارسين: المقتضى هو الاعتبار المعين الذي يستدعي مجيء الكلام على صفة مخصوصة مناسبة للحال، كالتأكيد في حال الإنكار أو التردد مثلاً (١) . ولا شكَّ أنَّ هذا المقتضى يتغيَّر بتغيّر المناسبة أو المقام، فاعتبار الكلام اللائق بمقام ما يختلف عن الاعتبار اللائق بآخر (٢) . وقد يتوهم السامع أن الحال شيء متعلق بورود الكلام على خصوصية معينة في زمن معين. وأن المقام هو المكان الذي قيل فيه، ولكن الحقيقة غير ذلك إذ إن الحال والمقام شيء واحد (٣) ، والاختلاف يكون في الاستعمال. "فالمقام يستعمل مضافًا للمقتضيات فيقال: مقام التأكيد مثلاً والحال يستعمل كثيرًا مضافًا للمقتضى فيقال حال الإنكار فالإضافة بيانية" (٤) . ويشرح مؤلف معجم البلاغة العربية ذلك قائلاً: "والحال هو الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدي به أصل المراد خصوصية ما، وتلك الخصوصية هي مقتضى الحال" (٥) أي أن يؤدَّى الكلام بسمات معيَّنة مناسبة للمقام أو الحال الذي يلقى فيه ذلك الكلام. ولا شك أن مقتضى الحال يتفاوت بتفاوت المقامات والأحوال. فقد يقتضي الأمر إلى تنكير المسند أو تقديمه على المسند إليه، وقد يدعو الحال إلى تعريفه أو حذفه لدلالة القرائن عليه، وقد يباين مقام الوصل مقام الفصل (٦) .

стр. 822

ولإصابة المفصل في هذه الأمور جميعاً وتلك الأغراض، لا بدَّ من حِذق المتكلّم ومهارته في إدراك ما حوله من ملابسات الأحوال أو ظروف السامعين ومستوى ثقافتهم وسبر نفسياتهم وإلا أخطأ الهدف وضلَّ الطريق. لذا اعتبر القرآن الكريم هو أعلى درجات الكلام بلاغة وأكثرها مطابقاً للأحوال، وكيف لا يكون كذلك وهو من لدن عليم خبير بدقائق الأمور ومقتضياتها، وصدق في قوله (١) : ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ فالتعبير المطابق لمقتضى الحال لا بدَّ وأن يشتمل على خصائص في الصّياغة وأوضاع في التراكيب تدلُّ دلالة واضحة على معان يكون بها الكلام تاماً وافياً بالغرض مطابقًاً لمتطلبات الموقف الذي سيق من أجله (٢) . فإذا أريد - مثلاً - التعبير عن رجل له صفات الرجولة والأخلاق المحمودة بكلام مطابق لمقتضى الحال قيل: "هو الرجل" بإثبات "أل التعريف" للمسند، فوقع الكلام - كما هو ملاحظ - مشتملاً على خصوصيَّة معيَّنة اقتضاها المقام النَّفسي تجاه هذا الرجل الممدوح وهو الاحترام له ولصفاته الحسنة. يقول د. أبو موسى: "المطابقة إذاً تعني الصِّدق والوفاء بما في النفس" أو كما قال العلوي: (هي وصول الإنسان بعبارته كنه ما في قلبه...) (٣) .

стр. 823

ولكن السؤال هنا، كيف تصل العبارة إلى السامع وصولاً صحيحاً؟ فليس المقصود قطعاً مجرَّد التعبير عن ما في النَّفس وإنّما لا بدَّ من اعتبار حال السامع ومطابقتها من جوانب مختلفة أهمُّها، حالته النَّفسية ومستواه الثقافي وحسّه الفنّي ولهجته وإلا أصبح الكلام غير مطابق لمقتضى الحال، وبالتالي لا يفي بما أريد منه. يقول د. إبراهيم أنيس - وهو بصدد الحديث عن الحركات الإعرابية وعدم ضرورة وجودها لتمييز الفاعل عن المفعول -: "...... هذا إلى ما نعهده من أن لكل كلام ظروفاً ومناسبات ويعرف المتكلم كما يعرف السَّامع ما تتطلبه هذه الأمور من تعابير لغوية فليست اللغات مفردات ترِدُ في المعاجم، ولا جملاً منفصلة تدوَّن في الصُّحف، وإنَّما الأصل في كل لغة أن تكون في صورة كلام يتَّصل اتصالاً وثيقاً بالمتكلّمين والسامعين، فهم أعرف بمواضعه وملابساته ولا يشقُّ عليهم تمييز الفاعل من المفعول في أي كلام على ضوء تلك الظروف والملابسات" (١) . كما يوضّح ذلك عبد القاهر الجرجاني وهو بصدد الحديث عن الاستعارة والتخييل بقوله: "وهذا موضع لطيف جدًّا لا تنصف منه باستعانة الطَّبع عليه، ولا يمكن توفيه الكشف فيه حقه بالعبارة لدقة مسلكه" (٢) ويدخل في دقة المسلك هذه العناصر التي يستمدُّ الخيال منها صوره والمعين الذي يمده بذلك ...؛ فعند اختيار صورة ما لا بدَّ لمنشئها أن يضع اعتبارات مختلفة أمامه عند إنشائه لها تختلف هذه الاعتبارات باختلاف البيئات والأمم والعصور. وهذا ما تجده في كتب الأدب وتاريخه، فكل بيئة متأثرة في صورها بمقوّماتها الطبيعية والاجتماعية وما تشتمل عليه من شؤون وتوحي بها من اتجاهات.

стр. 824

وفي كل أمة بنظمها الخاصَّة، وأساليب حياتها وما وصلت إليه في سلَّم الارتقاء المادّي والمعنوي وفي كل عصر بنزعاته العامَّة ودرجة حضارته وما جرى فيه من أحداث (١) . يقول د. إبراهيم السّمرائي في هذا: "وقد تكون في الفصيحة مجازات غير معروفة في الألسنة الدَّارجة ذلك أن المجاز يتأثر بالبيئة التي تدرج فيها المجموعة البشرية فأصحاب الحرف والأصناف يقذفون بمجازاتهم المألوفة المعروفة متأثرين ببيئتهم الضيّقة، وهكذا تتعدَّد ألوان القول في المجتمع الواحد" (٢) . وقد تتغير مدلولات الألفاظ تبعاً لتغير طبيعة الشيء الذي تدلُّ عليه أو لتغير ملابساته وظروفه، فلفظ الرّيشة - مثلاً - مدلوله السابق هو آلة الكتابة التي كانت تُتخذ من ريش الطيور، أما الآن فأصبح يدلُّ على تلك القطعة المعدنية في القلم وهكذا...... (٣) وقد أشار د. إبراهيم أنيس إلى أن هذا الاختلاف في المدلول اللفظي بين الأشخاص أو المجتمعات قد يكون سبباً في الجدل والنقاش حيناً أو إلى النزاع والشجار أحياناً أخرى. لذا لا بد للمتكلّم من مراعاة فهم السَّامع حتى يصل بهذا الكلام إلى قلبه ومنها إلى الحكم على ذلك الكلام بالبلاغة (٤) . فانظر - مثلاً - إلى العصر الجاهلي كيف طغت البيئة وعناصرها على شعرائه في أي غرض من أغراضه، وليكن قول أمريء القيس التالي مثالاً على ذلك: "وكشحٍ لطيفٍ كالجديل مخصَّرٍ وساقٍ كأنبوب السَّقيّ المذلَّلِ

стр. 825

وتعطو برَخصٍ (١) غير شثنٍ (٢) كأنه أساريعُ (٣) ظبيٍ أو مساويك إسحل (٤) تضيء الظلام بالعشاء كأنها منارة مُمْسى راهبٍ متبتّلِ (٥) " فانظر الى الألفاظ (جديل، أساريع، ظبي، ماسويك، إسحل) فهي من عناصر التشبيه المستمدَّة من خبرات الشاعر البيئية ومشاهداته اليوميَّة، وقس على ذلك بقيَّة الشعر في كلّ العصور، فالأديب الذي لا يكون أدبه صورة صادقة عن نفسه أو عصره أو مجتمعه وبيئته لا يُعتد بما كتبه أو قاله إذا ما قيس بغيره ممَّن اهتموا بهذا الجانب. يقول العقاد في ذلك: "والشاعر هو الذي يعبّر عن النفوس الإنسانية فإذا كان القائل لا يصف حياته وطبيعته في قوله فهو بالعجز عن وصف حياة الآخرين وطبائعهم أولى وهو إذاً ليس بالشاعر الذي يستحق أن يتلقى منه الناس رسالة حياة وصورة ضمير" (٦) .

стр. 826

وقد ذكر صاحب العمدة من قبل ضرورة معرفة علم مقاصد القول واختيار الأسلوب المناسب للموقف المناسب، وأن يعرف أغراض المخاطب كائناً من كان حتى يدخل إليه من بابه ويداخله في ثيابه ...... (١) إلا أنه ينبغي الإشارة هنا إلى ما ذكره صاحب الوساطة بين المتنبي وخصومه من أن بعض الشعر يأتي رقيقًا سهلاً وبعضه يكون عكس ذلك، ويرجع ذلك إلى طبع القائل وما جُبل عليه...... (٢) فإذا كان ذلك يعود إلى طبع القائل وروحه فكيف به إذا صادف مخاطباً مخالفاً له في الطبع والجبلة؟! لا شك أن كلامه سيكون غير واقع من نفس مخاطبه موقعاً حسناً وبالتالي فلن يُحمد قوله ولن يكون مطابقاً لمقتضى الحال.

стр. 827

وتجدر الإشارة هنا إلى مانقله د. علي العمَّاري عن بن خلدون في مقدّمته عند تفسيره لمفهوم مقتضى الحال؛ فقد ذكر أن المطابقة - في نظره - موجودة سواء كان الرفع دالاً على الفاعل، والنصب دالاً على المفعول أو بالعكس. "ويدافع عن أشعار العرب وأهل الأمصار لعصره، مع أن أهل الأمصار نشأت فيهم لغة مخالفة للغة سلفهم من مضر في الإعراب جملة وفي كثير من الموضوعات اللغوية، وبناء الكلمات، ولكن الشعر موجود بالطبع في أهل كل لسان" (١) وللعرب من أهل جيله في أشعارهم بلاغة فائقة وفيهم الفحول والمتأخرون، ومع ذلك فقد رفض بعض علماء عصره هذه الفنون التي اعتمدت على غير الفصحى مثل الزَّجل، وعروض البلد، ثم المزدوج والكازي والملعبة والغزل، والمواليا، وكان كان...... إلى آخر هذه الفنون التي كان يستعذبها أهلها وعشاقها ويجدون قمَّة البلاغة فيها لا في غيرها لأنَّها جاءت مطابقة للهجاتهم (٢) . هذا وقد علَّق ابن خلدون على ذلك بقوله: "واعلم أن الأذواق كلها في معرفة البلاغة إنما تحصل لمن خالط تلك اللغة وكثرة استعماله لها ومخاطبته بين أجيالها، حتى يُحصّل ملكتها كما قلناه في اللغة العربية، فلا يشعر الأندلسي بالبلاغة التي في شعر أهل المغرب ولا المغربي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمشرق، ولا المشرقي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمغرب" (٣) . ويعقّب على ذلك بتعليل مقنع وافقه فيه بعض علماء اللغة المحدثين، هذا التعليل هو:

стр. 828

إن المتذوّق لأي شعر لا يرى البلاغة إلا في شعر لغته لأن ملكته اللغوية تربَّت على تلك اللغة ومحاسنها فليس من الممكن أن يستعذب سواها (١) . وهذا رأي صحيح بل لا يحتمل النقاش، فإدراك البلاغة في لغة أو لهجة ما لا يكون إلا بعد التمكن من ناصية تلك اللغة وأسرارها. ولعلَّ النقطة التي تحتاج إلى تعقيب هنا - وقد لا يلتفت إليها بعض الناس - هي ظنهم أن بلاغة القول لا تكمن إلا في فصاحته، ويريدون هنا اللغة العربية الفصحى متناسين أي اعتبار آخر. لذا ينبغي التأكيد على أن البلاغة هي مازالت عند تعريفها الأصيل والتزامها بهذا التعريف قلباً وقالباً، وهي مطابقة الكلام لمقتضى الحال. وقد يكون حال السامع أكثر أهميَّة من حال المتكلم حتى يحكم على القول بالبلاغة أو عدمها. يقول الزَّيات: "...... فالبلاغة إذاً توجّه إلى العقل أو إلى القلب إو إليهما معاً لما تقتضيه حالات المخاطبين من مقاومة الجهل والرأي والهوى منفردة أو مجتمعة، فإذا كان غرض البليغ نفي جهالة أو توضيح فكرة أو تقرير رأي أجزأه في وفاء غرضه الصّحة والوضوح والمناسبة، فإذا أراد التعليم أو الإقناع وكان قوام الموضوع طائفة من الفكر والأدلة وجب عليه أن ينسقها ويسلسلها على مقتضى الأصول المقرَّرة في المنهج العلمي الحديث" (٢) والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي اهتم بخطاب العقل والقلب معًا، ولا يخفى على علماء العربية وجهابذة اللغة مدى بلاغته ومراعاته لمقتضى الأحوال، وكيف يخفى عليهم ذلك وهو معينهم الأول ورافدهم الأصيل؟!

стр. 829

نعم قد أعجز القرآن الكريم بقوة بيانه فصحاء قريش وكل من اشتهروا بالبلاغة فيهم. وما زال كذلك وسيظلُّ رغم اختلاف الثقافات وزيادة القدرات اللغوية وتباين اللهجات، لذا سيكون القرآن نفسه هو رافدنا في هذا البحث ومعيننا الذي لا ينضب في إضاءة الزوايا الخاصة بمفهوم مقتضى الحال، والتي بفضل من الله وتوفيق تمكن هذا العمل من الوصول إلى توضيحها من خلال الاستشهاد بأسلوب القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. بيان زوايا المفهوم وإضاءتها في ضوء أسلوب القرآن الكريم تحديد زوايا مفهوم مقتضى الحال أ-حال السياق: لعل مما جاء به القرآن الكريم مراعياً حال السياق ومفهومه مثل قوله تعالى (١) : ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام﴾ فالضمير في قوله "عليها" ليس له عائد سابق يوضحه ولكنه يُفهم من سياق الآيات قبله (٢) ؛ فالسورة الكريمة من بدايتها تحدَّثت عن خلق الإنسان والسماوات والأرض وما بينهما وما تحتويانه من نعم كثيرة (٣) ، فالمناسب أن يذكر السياق الكريم أن كل من عليها فان وأن البقاء لله فلا يجد السامع في تحديد المقصود من هذا الضمير صعوبة لفهمه من سياق الآيات الكريمات. وقد يكون حال السياق ومفهومه سبباً في تنكير بعض الألفاظ التي تدل في مكانها على معان خاصَّة لا يتوصّل إليها إلا ضمن ذلك السياق كما جاء في شأن الكفَّار في قوله تعالى (٤) : ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم﴾

стр. 830

فالذي يستنبط - من خلال دراسة السياق - في تنكير لفظ (غشاوة) دلالة على النوعية - كما ذهب الزمخشري - (١) أي نوع خاص من الغشاوة المناسبة لكفرهم، وذهب آخرون إلى أنَّها غشاوة عظيمة، وما في هذا الرأي بُعد عن قول الزمخشري؛ فالنوعية لفظ عام يحتمل الغشاوة العظيمة أو غيرها. وقد لا يكون التنكير دالاًّ على النوعية فقط في سياق القرآن فقد يقتضي الحال أن يكون التنكير موحياً بغير ذلك، فاستمع إلى قوله تعالى (٢) : ﴿وعَدَ اللهُ المؤمنينَ والمؤمناتِ جنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكنَ طيبة في جنَّات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾ فالحال في الآية الكريمة يوحي أن المراد من التنكير هنا هو التقليل بمعنى أن أي "رضوان" من المولى مهما قلَّ هو أعزُّ على العبد المؤمن من كل ما ذُكر في الآية الكريمة قبله؛ لأنه سبب في دخول الجنة وأي سبب؟! ولا أدل على ذلك من ما جاء بعدها وهو قوله تعالى: ﴿ذلك هو الفوز العظيم﴾ كما يمكن أن يقصد من التنكير رضوان الله وتقديسه (٣) ، وقد يؤدي حال السّياق إلى أن تقتضي الجملة الأولى سؤالاً يفهم بمعونة القرائن وسياق الأحوال، يُقدّر هذا السؤال السامع، فتأتي الجملة الثانية أو الآية الثانية إجابة عن هذا السؤال المُقدَّر (٤) كما جاء في قوله تعالى (٥) : ﴿قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾

стр. 831

فلأن السياق في الآية الأولى تضمَّن حُكماً غريباً، إذ المخاطب هو نوح ﵇ والحديث عن ابنه، ومع ذلك قيل له ليس من أهلك؟ فكيف يكون ذلك؟! هذا هو السؤال المقدَّر والذي يتبادر إلى ذهن السامع مباشرة، فما كان من السياق الكريم إلا أن راعى هذا الاعتبار وذلك الإنكار - المقدَّر - فجاءت الإجابة بأسلوب توكيدي ﴿إنه عمل غير صالح﴾ كما قد يقتضي حال السياق أيضًا أن تشتمل الجملة الأولى على استفهام تقريري يثير التعجب مثل قوله تعالى (١) : ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل﴾ وقوله عز من قائل (٢) : ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ فالإجابة في الجملة الثانية من كل آية من الآيتين السابقتين هو مقتضى حال السياق وضرورة مطلوبة ليتم الكلام ويأتي على أبلغ وجه وأكمله؛ فتقدير السؤال المحذوف هو: (ماشأنهم؟) . ب-حال المتكلم: أما الزاوية الثانية من مراعاة مقتضى الحال؛ فهي مراعاة حال المتكلم وبيان ماتنطوي عليه سريرته فانظر - مثلاً - إلى قوله تعالى (٣) : ﴿هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مُزّقتم كل ممزَّق إنكم لفي خلق جديد﴾ فجاءت لفظة (رجل) نكرة رغم معرفة المشركين لرسول الله (والتنكير لم يقصد به القرآن الكريم قطعاً الحط من قدره (وإنما نقل - بهذه الطريقة - مشاعرهم الحاقدة تجاه خير الأنام ﵊. ويراعي القرآن الكريم أيضًا حال المتكلم عندما قال (٤) : ﴿ربي إني وضعتها أنثى﴾ فالآية تنقل لنا إحساسها بالحزن والحسرة، بدليل ماجاء بعدها مباشرة وهو قوله تعالى (٥) : ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ كذا في قوله تعالى (٦) :

стр. 832

﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظنَّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ فليس المقصود من التأكيد هنا إلا حال المتكلم وحسه بالمعنى وأنه متقرّر في نفسه مؤكَّد في ضميره، وتجد هذا في توكيد الخبر ب (إنَّ) (١) في قوله: ﴿إني كنت من الظالمين﴾ كذلك في قوله تعالى (٢) : ﴿ربي إني أسكنت من ذُريَّتي بوادٍ غير ذي زرع﴾ وفي قوله (٣) : ﴿ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان﴾ وشبه ذلك كثير، وكله يحمل على اعتبار حال المتكلم وقوة إحساسه بالمعنى (٤) . ج- حال المخاطب: والمقصود هنا مراعاة حال المخاطب في أي زمان ومكان من حيث عدم علمه بالخبر وخلو ذهنه منه، أو إعلامه أن المتكلّم لديه علم بما يخفيه عنه ذلك المخاطب أو مخاطبته بالطريقة التي تليق به إن كان مُنكرًا للخبر أو مُتردّداً في صدقه. فإذا كان المخاطب لا يعلم عن الأمر المُلقى إليه شيئًا أُلقي إليه الكلام مجرّداً من أي مؤكّد لفظي؛ لأن حال جهله بالخبر تقتضي ذلك (٥) ، مثال قوله تعالى (٦) : ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم﴾ فهذه الدعوة الحميمة من المولى لم تكن في خُلد السامعين وليس لديهم علم بها، لذا جاء الخطاب في أبسط تركيب وأسهله وهو ما يسمى ب"فائدة الخبر"، وكل ماجاء كذلك؛ فهو من هذا الباب مادام المخاطب ليس لديه علم مسبق عن هذا الخبر.

стр. 833

والحالة الثانية التي يمكن أن يكون عليها المخاطب وينبغي أن يكون الكلام مطابقاً لها؛ هي علمه بذلك الأمر ورغبة المتكلم في إخباره أنه يعلم بالموضوع كأن يقول شخص لآخر: رأيتك تُنصت إلى قراءة القرآن، أو: علمت بسفرك أمس. ومنها قوله تعالى (١) : ﴿...... ماكان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغيًا﴾ فالمخاطبة أكثر الناس علماً بأبيها وأمها، فقد كانا من بيت يُعلم شرفه ومكانته في القوم (٢) وهذا ما يسمى بلازم الفائدة لذا جاء خالياً من أدوات التوكيد (٣) . ومنه قوله تعالى عن المنافقين (٤) : ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون﴾ فالمخاطب بالقرآن والمنزل عليه الوحي هو رسول الله (كما هو معلوم - والمستمعون بعد لهذه الآيات فهم المؤمنون ومنهم المنافقون (٥) ، فيعرّفهم السياق الكريم بهذه الأمور التي قد يظنون خفاءها عن غيرهم، ولأن الأمر معلوم ومسلَّم به لديهم ولدى الرسول الكريم (فقد اقتضت الحال أن يأتي الكلام خالياً من أي مؤكّد من المؤكّدات. أما عند الإخبار عن فسقهم فيؤكد الخبر بأكثر من مؤكّد (٦) ، وذلك لإنكار المنافقين وعدم اعترافهم بفسقهم. أما قوله تعالى (٧) : ﴿وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير﴾

стр. 834

فالمخاطب هنا يعلم بهذه الحقيقة ولكنه يحتاج إلى شدة التنبيه والتأكيد على ضرورة عدم الحزن من القوم وحالة إعراضهم عنه وكأن حاله ﵊ قد وصلت إلى حد من يعتقد أنه يملك مع الإنذار القدرة على هدايتهم وهيهات أن يكون له ذلك (١) . وقد تقتضي حال المخاطب أن يؤكَّد له الكلام بأحد المؤكّدات، كأن يكون ظاناً في الأمر أو شاكاً أو متردّداً أو منكراً تماماً لذلك الخبر (٢) . وهنا لا بد من قرينة حاليَّة أو مقاليَّة يلاحظها المتكلم أو يقرؤها حتى يعلم إلى أي من هؤلاء ينتمي مخاطبه؛ ليلقي إليه كلامه موافقاً ومطابقاً لتلك الحال، وهذا ما يُعرف بخروج الكلام على مقتضى الظاهر (٣) ؛ فإذا كان المخاطب متردّداً أو شاكاً في ثبوت ما يقال له؛ فمقتضى هذه الحال أن يُلقى إليه الكلام مؤكَّداً بإحدى المؤكّدات كما جاء في قوله تعالى (٤) : ﴿... سيجعل الله بعد عسر يسرًا﴾ فالآية موجهة إلى الرجل المطلّق الذي ليس لديه سعة من المال والذي تطالبه الشريعة - رغم ذلك - بالإنفاق قدر استطاعته على زوجه الحاضنة لابنه، فالمخاطب هنا قد يكون لديه شك أو تردُّد في أن تعوَّض له هذه النفقة من الله (٥) فكان من مقتضى الحال أن يثبت له القرآن الكريم ذلك ويؤكّده بأحد المؤكّدات - وهي السين - حتى يزيل عنه ذلك الشك أو التَّردّد. كذلك في قوله تعالى (٦) : ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ماشاء الله......﴾ الآية

стр. 835

فالآية تخاطب قوماً يرون في الرسول الكريم (القدرة على أن يملك لنفسه الضر والنفع ويعلم الغيب (١) ؛ فناسب حالة الشك هذه أن يقترن الأسلوب بالنفي والاستثناء - وهي طريقة من طرق التأكيد - وما ذاك إلا لإزالة الشك من نفوس المخاطبين (٢) . أما عند مخاطبة المنكر للأمر؛ فلا بدَّ من سبر أغوار نفسه ومعرفة مدى قوة ذلك الإنكار حتى يأتي الخطاب مقروناً بمؤكدات كافية تناسب ذلك وحتى يكون الكلام مطابقاً للحال. وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن الكريم؛ فاستمع - مثلاً - إلى قوله تعالى (٣) : ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ فالآية الكريمة ينقل لنا حالتهم وعلمهم بعدم تصديق السامع لهم؛ فدعاهم ذلك إلى تأكيد حديثهم ب (إنَّما) ويأتي الرَّدُ مناسباً لإنكارهم تلك الحقيقة والمداراة منهم. لذا جاء الكلام مؤكّداً بأكثر من مؤكّد وذلك حسب قوَّة إنكارهم (٤) . ومثله ماجاء في قوله تعالى (٥) : ﴿واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززننا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون﴾ ثم قالوا في المرة الثانية (٦) : ﴿ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون﴾ فمقتضى ماهم عليه من حال الإنكار في المرة الأولى أن يأتي كلام المرسلين مؤكَّداً بأحد المؤكدات وهي (إنَّ) - فقط - في قوله (٧) : ﴿إنا إليكم مرسلون﴾

стр. 836

واقتضت حال الإنكار الثانية وهي أشدُّ من الأولى أن يأتي السياق الكريم بأكثر من مؤكّد (١) ؛ لإثبات ماجاءوا به ولإزالة تكذيب المخاطبين وإنكارهم للدعوة الراشدة، فجاء في سياق الآية الكريمة (إنَّ، ولام الابتداء) التي اقترن بها الخبر، مع ما يشعر بالقسم في قوله ﴿ربُّنا يعلم﴾ . ومن مقتضى الحال أيضًا أن يؤكّد القرآن الكريم أمرًا حقيقيّاً لا جدال في وقوعه، وذلك لأن المخاطب أصابته الغفلة عن إدراك تلك الحقيقة أو مجرَّد التفكير في المصير. فقال تعالى (٢) : ﴿ثُمَّ إنكم بعد ذلك لميتون ثُمَّ إنَّكم يوم القيامة تبعثون﴾ فالموت والبعث - لدى المؤمن - أمران لايحتاجان إلى تأكيد، أما الكافر فقد اقتضت حاله أن يؤكَّد له ذلك بأكثر من مؤكّد تلك هي الأحوال التي يراعي فيها المتكلّم حال المخاطب الظاهرة...... (٣) مطابقة الحال مع مخالفة الظاهر وهنا قد تتطلَّب الظروف أن يتغاضى البليغ عن حال ظاهرة؛ فيخالف القواعد المذكورة ويأتي حديثه - رغم ذلك - بليغاً لأنه طابق فيه الحال. فلو طُلب - مثلاً - من مسلمٍ عدم الإهمال في صلاته رغم علمه بوجوب ذلك فيقال له: صلواتك الخمس حافظ عليها ولا تترك واحدة منها. فلا بُدَّ أن حالة إهماله في صلاته كلها أو في بعضها اقتضت أن يُحدَّث بالطريقة التي يحدَّث بها الجاهل بالخبر وذلك لعدم عمله بموجب ذلك العلم (٤) . كذا إذا خوطب غير المُنكر للخبر أو للحُكْم مخاطبة المُنكر كما جاء في قوله تعالى (٥) : ﴿إنك لا تهدي من أحببت ......﴾ الآية فالمخاطب هو رسول الله (وهو غير

стр. 837

مُنكر لذلك، ويعلم تماماً أن الهداية من الله وحده وبإرادته ولكن لفرط حرصه ﵊ ولاهتمامه بتبليغ الدعوة كان مشقّاً على نفسه في محاولة هداية من أحبَّ من قومه وكل من حوله من أهله، فكان من مقتضى هذه الحال أن يخاطب مخاطبة المنكر للخبر لأن تصرفه ﵊ وحرصه الشديد اقتضيا ذلك الأسلوب في الخطاب (١) وهو التأكيد ب (إنَّ) في قوله: ﴿إنك لاتهدي من أحببت......﴾ الآية. كذا قد يخاطب المُنكِر مخاطبة غير المُنكِر؛ فلا يؤكد له الكلام بأي مؤكد لوجود الأدلة الواضحة على صدق ما يقال له كما جاء في قوله تعالى (٢) : ﴿ألم ذلك الكتابُ لاريبَ فيه هُدى للمتقين﴾ فرغم أن القران الكريم نزل على محمد (وخاطب به المشركين المنكرين له، إلاَّ أن الآية - وأمثالها كثير (٣) - خلت من أدوات التوكيد، لأن السامعين يشهدون شهادة لايدانيها شك في فصاحته وبلاغته التي أعجزتهم (٤) . وقد يخاطب غير السائل مخاطبة السائل المستشرف للحقيقة، كما يقال لشخص - مثلاً -: لاتجادل في الحق، فالحق أحق أن يُتَّبع فحال السامع هنا اقتضت هذا الخطاب الذي قُدّر قبله سؤال محذوف بعد نهاية الجملة الأولى مباشرة، وهو (لِمَ لا أجادل في الحق؟) (٥) . ومن هذا الباب قوله تعالى (٦) : ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾

стр. 838

فلمَّا أمر السّياق الكريم بتقوى الله وحذر من عقابه تطلَّعت نفس السامع إلى معرفة السبب مع الشك في العقاب، فجاءت الإجابة مطابقة للحال أو مقتضية لذلك الشك إذ اقترن الأسلوب ب (إنَّ) المؤكدة للخبر المذكور في الآية الكريمة. كما قد تقتضي حال المخاطب - الذي يعتقد بشيء مخالف للواقع - أن تقلب عليه ذلك الاعتقاد كقولك - مثلا -: ما فاز إلا محمد (لمن ظنَّ أن غيره هو الفائز) . ومثلها من القرآن قوله تعالى (١) : ﴿واتبعوا ماتتلو الشياطين على مُلك سليمان وما كفر سليمان ولكنَّ الشياطين كفروا...﴾ الآية. كذا في حال ظن السامع اشتراك شخصين أو شيئين في حكم واحد فالحال تقتضي أن تأتي بخصائص أسلوبية تُفرد له شيئاً أو شخصاً واحداً في ذلك الحكم، فنقول لمن ظنَّ أن زيداً ومحمداً قادمان: إنَّما القادم زيدٌ. ومنها قوله تعالى (٢) : ﴿قل هو الله أحد الله الصمد......﴾ الآيات يخاطب بها من ظن أن الله يشترك مع غيره في هذه الصفات، فكل آية من السورة تفرد له صفة لا يمكن أن يشاركه فيها غيره (٣) سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. ومنها قوله تعالى (٤) : ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ يخاطب بها كل من ظن أو أشرك مع الله أحدًا في معرفة الغيب (٥) . وساعد على ذلك أسلوب القصر في قوله: ﴿لا يعلمها إلا هو﴾ تعقيب ماقيل في مراعاة مقتضى الحال في المجالات السابقة يمكن أن يقاس عليه كل ما لم يُذكر هنا.

стр. 839

وما الاكتفاء بذكر بعض من كل في الأمثلة إلا لأن الأحوال كثيرة، ومقتضياتها مثلها، سواء كان ذلك في مجال مراعاة الظاهر أو مخالفته لضرورة بلاغية - كما أشرنا -، وسواء كان ذلك في الحذف أو الذكر أو التقديم أو التأخير أو الفصل أو الوصل أو الإيجاز - حيناً - أو الإطناب آخر أو عند الحاجة إلى التمثيل أو التصوير أو استعمال الكناية أو التعريض في بعض المواقف ...... وما إلى ذلك من أساليب يرى البليغ ضرورة استخدامها لمراعاة حال السياق، أو المتكلم نفسه أو المخاطب وما يحيط بذلك المخاطب من ظروف بيئية وثقافية واجتماعية يصعب حصرها هنا، الأمر الذي يتطلب حذق المتكلم ومهارته مع استعداده الفطري واللغوي فضلاً عن ثقافته البلاغية ولباقته المطلوبة لبلورة حديثه وتشكيله وصياغته وفق الغرض الذي يريد، والمقام الذي يلقي فيه حديثه، ليأتي ذلك الحديث مطابقاً للحال مناسباً للمقام مصيباً للهدف واقعاً من نفس السامع أحسن موقع. يقول الجاحظ ﵀: (ومدار الأمر على إفهام كل قوم بمقدار طاقتهم، والحمل عليهم على أقدار منازلهم) (١) . لذا كان القرآن الكريم خير حديث وأوقع كلام في نفوس سامعيه، فيه لذات العقول والأرواح ومعه تكون الطمأنينة وراحة الوجدان (٢) ، لا يصل إلى مرتبته البيانية بشر من الفصحاء ولا أديب من الأدباء - وإن عاون بعضهم بعضاً -. قال تعالى (٣)

стр. 840

: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ • • • الهوامش والتعليقات

стр. 841

ملامح تأثير الثقافة الإسلامية فى بلاد الملايو روسني بن سامح محاضر بقسم اللغة العربية وآدابها الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا ملخص البحث كان للإسلام والعرب دور بارز فى تغيير مجرى حياة الشعب الملايوى وافتتح عهد جديد للشعب بوصول الإسلام إليه وحدثت حركة تأثير فكرى واسعة المدى خطيرة النتائج حتى انتشرت الثقافة العربية الإسلامية فيه. وأحدث الإسلام تغيرات جذرية فى مجال حياة الشعب دينيا وسياسيا واجتماعيا وعلميا وثقافيا ولغويا وأدبيا. ومن أعظم مساهمة الثقافة الإسلامية: - وصول الحروف العربية للكتابة الملايوية التى لم تكن لها حروف إلا إشارات ورموز. - دخول الألفاظ العربية إلى اللغة الملايوية وأكثرها فيما يتعلق بتعاليم الإسلام حيث لم تكن للغة الملايوية كلمة تدل على معنى خاص ولذلك استخدمت الكلمة العربية للدلالة على ذلك المعنى ومن هذا المنطلق كثر دخول الكلمات والمصطلحات الدينية إليها. ومن حق هذا الكلمات المستعارة أنها تقبل النظام الصوتى الملايوى فيلحق بها اللواحق والسوابق. - تغيير مجرى القصة الملايوية ووصول القصة العربية الإسلامية. وقبل العصر الإسلامى كثر دخول القصة الهندية إلى الأدب الملايوى وتداولت على ألسنة الشعب ثم بدأ الدعاة فى تغيير مجراها ومقاصدها إلى المجرى الإسلامى وإدخال العناصر الإيمانية وكذا بدلوا الألفاظ والتعبيرات فيها إلى الألفاظ العربية الإسلامية وتعبيراتها وأحلوا أسماء أمجاد الإسلام والأنبياء والملائكة وأسماء الله محل أسماء الأبطال الهندية وأسماء الآلهة الهندية.

стр. 842

وبجانب هذه الجهود اجتهدوا فى تعريف الشعب بالقصة الإسلامية من القرآن الكريم والتاريخ الإسلامى وقصص الأبطال قبل الإسلام ومن أثر هذه الجهود كثر دخول القصة العربية الإسلامية إلى الأدب الملايوى مما له أصل دينىبما فيه من القصص عن النبى محمد وأصحابه والأنبياء وما له أصل صوفى وما له أصل بطولى وما له أصل أسطورى وما له أصل رمزى. - تأثر الشعراء الملايويين بالشعر الصوفى. وظهر ذلك وضوحا على يد حمزة الفنصورى الذى بدأ فى اختراع الشعر الملايوى الصوفى ويرجع فضله إلى تأثره بالصوفيين من خلال قراءة مؤلفاتهم ومنهم ابن عربى والبسطامى وجيلى والحلاج وذى النون المصرى. وهو أول من نظم الشعر الملايوى الصوفى من أثره رباعيات حمزة الفنصورى. وكذا تأثر الأدب الملايوى بالنظم والوغزل والمثنوى والقطعة وامتاز تيار هذه الأنواع بالنزعة الصوفية التى تتحدث عن العلاقة بين العبد وربه وعن الأخلاق والنصيحة. ويظهر من خلال هذا البحث المتواضع أن الإسلام لعب دوره البارز فى تغيير مجرى حياة الشعب الملايوى كما لعب دوره فى تغيير مجرى حياة العرب فى عهده الأول وما زال هذا الأثر يتزايد يومت فيوما حتى العصر الحديث. • • • مقدمة: لعب الإسلام دوره البارز فى تغيير مجرى حياة العرب وكان أثره يظهر جليا فى حياتهم الدينية والاجتماعية والسياسية والعقلية كما يتجلى أثره الكبير فى اللغة العربية من وحدة اللغة وانتشارها وذيوعها واتساع أغراضها وارتقاء معانيها وتهذيب ألفاظها والتوسع فى دلالتها. ويتجلى أيضا فى حياتهم الأدبية. ومن البديهى أن نعلم أن التغيير الذى حدث فى الآداب العربية منذ ظهور الإسلام لم يكن يرجع إلى شيء إلا إلى الإسلام وحده وكان المصدر الأول لهذا التغيير القرآن الكريم الذى كان وحده مصدر ثقافة المسلمين الدينية والعقلية والاجتماعية والأدبية. وكان هذا التغيير لم يحدث فجأة ولم يتم مرة واحدة وإنما حدث قليلا وظهر شيئا فشيئا.

стр. 843

وكذا شأن الإسلام عندما وصل إلى أرخبيل الملايو حيث لعب دوره كما لعبه فى منبعه الأصلى. ومن هنا يحاول هذا البحث الكشف على ملامح تأثير الثقافة الإسلامية فى بلاد الملايو ويقتصر حديثه فى العصر القديم منذ وصول الإسلام إليه ولم يجاوز ملامحه فى العصر الحديث وإن ورد فيه ذكر الأماكن المعاصرة. ويتناول موضوعات تمهيدية عامة من أثر الإسلام فى الحياة الملايوية الدينية والسياسية والاجتماعية والعلمية والثقافية وما فيها من التعريف بأرخبيل الملايو ودور حركة التجارة فى نشر الإسلام فيه ووصوله وعوامل انتشاره. ثم يتناول الموضوع الأساسى من أثر الإسلام واللغة العربية فى اللغة الملايوية من حروف الكتابة إلى الكلمات والأدب بما فيه من القصة والشعر. التعريف بأرخبيل الملايو: ينبغى قبل الشروع فى الحديث عن تأثير الإسلام وثقافته على أرخبيل الملايو التعريف بأرخبيل الملايو وموقعه الجغرافى والمعروف أن أرخبيل الملايو هو مصطلح جغرافى القديم يطلق على مجموعة ضخمة من الجزر وشبه الجزر التى تقع فى منطقة جنوب شرقى آسيا من القارة الآسيوية. ويعطينا التكوين الجيولوجى لتلك الجزر نفسها فكرة دقيقة عنها وهى تتكون من الجزر العديدة المبعثرة التى تمتد من أقصى الطرف الجنوبى الشرقى للقارة الآسيوية المتاخمة لجنوب بلاد التايلاند -THAILAND - شمالا حتى شمال القارة الأسترالية جنوبا بينما يحدها شرقا بحر الصين الجنوبى ويحدها غربا المحيط الهندى. ويتكون من ثلاث مجموعات رئيسية: اتحاد ماليزيا - FEDERATION OF MALAYSIA وجمهورية إندونيسيا - REPUBLIC OF INDONESIA وجمهورية الفلبين - REPUBLIC OF PHILIPPINES. ولهذه المجموعات الثلاث لغتها الخاصة الموحدة فضلا عن اللهجات المحلية وهى اللغة الملايوية التى يتكلم بها أهلها فى حياتهم اليومية وفى معاملاتهم الرسمية ويكتبون بها مؤلفاتهم الأدبية والعلمية.

стр. 844

حياة الملايويين قبل وصول الإسلام (١) : كان الملايويون فى تاريخهم الأول يعتقدون أنواعا من المعتقدات القديمة كما هو الواقع فى أنحاء العالم فكانوا يعتقدون بأن كل شيء فى هذا العالم له روح وقوة فالأشجار والجبال والأنهار والأحجار لها أرواح يخضع لها الناس ويجب عليهم أن يحترموها ويعبدوها لكيلا تغضب عليهم أو تنزل عليهم البلايا. ومن ثم ظهرت عبادة الطبيعة لديهم وبعد مرور الزمن وقعوا تحت التأثير الهندى منذ أن كثر الاختلاط بالقادمين إليهم من الهند بقصد التجارة طوال القرون المسيحية الأولى فظهر أثر ذلك عميقا فى أفكارهم وعباداتهم وعاداتهم وثقافتهم وآدابهم. وكانت العلاقات بين الهند وأرخبيل الملايو عريقة قديمة. وبواسطتها تسرب إليه أثر الثقافة الهندية وأدبها وكان ذلك عظيما وعميقا للغاية. وبذلك تأثرت فى أول الأمر الكتابة الملايوية بالحروف الهندية وهى معروفة بحروف كاوى - KAWI - التى ظهرت فى فترة ما بين عام أربعمائة وسبعمائة وخمسين للميلاد من أثر قدوم الثقافة الهندية إليه. وكذا تأثرت بالحروف الهندية المعروفة بحروف جاوة القديمة التى كانت أصلا من حروف ونجى التى نشأت لدى أفراد بالاوا المقيمين فى بلدة كورومنديل جنوب الهند. وبصفة عامة تأثرت اللغة الملايوية باللغة السنسكريتية لغة الهند القديمة نتيجة انتشار الهندوكية والبوذية الديانتين السائدتين فيه قبل انتشار الإسلام (٢) .

стр. 845

وكان الأدب الملايوى فى ذلك العصر أدبا لسانيا لم يكن فى متناول قرائه لأن حروف الكتابة كانت غير منتشرة إلا ما عرف من الحروف الهندية والإشارة والرموز. وكانت القصة قبل انتشار الإسلام مملوءة بالتأثير الهندى من كتاب بانجاتنترا ورامايانا ومهابراتا وغيرها من الكتب الهندية المشهورة. ويرى وينستد (١) WINSTEDT أن معظم الحكايات الملايوية القديمة مقتبسة من الحكايات الهندية القديمة أو بإعادة صياغتها الجديدة خاصة من حكايتى مهابراتا ورامايانا المشهورتين. كما عثر على الآثار الهندية فى قصص الحيوان وقصص التسلية والفكاهة وأعظم محتويات هذه القصص من كتاب بنجاتنترا ثم صيغت بصبغة ملايوية لتكون ملائمة لمتطلبات روح الشعب الملايوى. ولم يقتصر التأثير الهندى فى القصة الملايوية على الشخصيات أو الأحداث أو حبكة الحكاية بل تعدى ذلك إلى الألفاظ إذ وجدت فى القصة الملايوية بعض الألفاظ المستعارة من الألفاظ السنسكريتية فمثلا فى حكاية هانج تواه - HANG TUAH - الملايوية وجد لقب لقسمان - LAKSEMANA - وهذا اللقب هندى وهو مذكور فى حكاية رامايانا وسرى راما (٢) . وكذا لا ينحصر التأثير الهندى فى الألفاظ فى القصة بل تجاوز ألفاظ الحياة اليومية. أثر التجارة فى نشر الإسلام وثقافته فى بلاد الملايو:
следующие страницы →