← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وعنِ الفرَاءِ: خثُرَ - بالضمِّ - لغةٌ قليلةٌ في كلامِهم (١) . وسَمِعَ الكسائيُّ: خثِرَ - بالكسرِ (٢) -. وسُمِعَ اسمُ الفاعلِ منه بزنتِه، فإذا قالَ: خثُرَ فهو خاثِرٌ فإنّما هو على تداخلِ اللغتينِ؛ إذا أُخِذَ الماضي من “ فَعُلَ ” وأُخِذَ اسمُ الفاعلِ مِن لغةِ مَن قالَ “ فَعَلَ ” خَثَرَ. قالَ ابنُ جنّيٍّ: وكذلكَ القولُ فيمن قالَ: خثُرَ فهو خاثرٌ، إنّما هوَ على نحوٍ من هذا، وذلكَ أنّه يقالُ: خثُرَ وخثَرَ فجاءَ خاثِرٌ على خثَرَ، ثم استُغنِيَ ب“ فاعلٍ ” عن “ فعيلٍ ”، وهوَ في أنفسِهم وعلى بالٍ من تصورِهم (٣) . من صُوَرِ التَّداخُلِ في كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مرَّ سلفًا نماذجُ للتداخلِ بينَ لغتينِ في كلمتينِ منفصلتينِ؛ بأن تُؤخذَ إحداهما من لغةٍ والأخرى من اللغةِ الثانيةِ وسوفَ نقفُ في هذا المبحثِ على تداخلٍ من نوعٍ آحرَ، إذ يُؤخَذُ حرفٌ من حروفِ الكلمةِ الواحدةِ من لغةٍ وحرفٌ آخرُ من حروفِ الكلمةِ ذاتِها من لغةٍ أخرى، بحيثُ تجتمعُ في الكلمةِ المفردةِ لغتانِ. والقولُ بتركبِ لغتينِ واجتماعِهما في كلمةٍ واحدةٍ أثبتَه قومٌ وأنكرَه آخرونَ، فممّن أثبتَه ابنُ جنّيٍّ وغيرُه، وممّن أنكرَه أبو عليٍّ الفارسيُّ. وعلى القولِ بوجودِه؛ فله صورٌ، منها: الجمعُ بينَ بناءينِ في كلمةٍ واحدةٍ، مثلُ: = (الحِبُك) جمعٌ بينَ (فِعِلٍ وفُعُلٍ) الجمعُ بينَ الهمزِ والتسهيلِ، مثلُ: = (سِألتم) جمعَ بينَ كسرِ فاءِ المعتلِ (المُسَهَّلِ) وهمزِ عين المهموزِ. = (سآيلتهم) جمعٌ بينَ الهمزةِ والياءِ التي هيَ تسهيلُها.

стр. 772

١ - “ الحِبُك ”: الحُبُكُ: جمعُ حِبَاكٍ كمثالٍ ومُثُلٍ، وهو تكسُّرُ كلِّ شيءٍ، كالرملِ إذا مرت به الريحُ الساكنةُ، والماءُ القائمُ إذا مرت به الريحُ (١) . وممّا حُمِلَ على التداخلِ قراءةُ أبي مالكٍ الغفاريِّ والحسنِ وغيرِهما: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الحِبُكِ﴾ (٢) - بكسرِ الحاءِ وضمِّ الباءِ - ومعلومٌ أنَّ “ فِعُلاً ” بناءٌ لم يردْ في العربيةِ؛ لأنّ أبنيةَ الاسمِ الثلاثيِّ المجردّ المتفق عليها عشرةٌ فحسب، وهيَ: فَعْلٌ فَعَلٌ فَعِلٌ فَعُلٌ فِعْلٌ فِعَلٌ فِعِلٌ فُعْلٌ فُعَلٌ فُعُلٌ (٣) . وإن كانتِ القسمةُ العقليةُ تقتضي اثني عشرَ بناءً، لكن أُهْمِلَ اثنانِ منها؛ وهيَ:

стр. 773

“ فِعُلَ ” و “ فُعِلَ ”؛ لاستثقالِ الجمعِ بينَ حركتينِ ثقيلتينِ متتاليتينِ، والثقلُ في “ فِعُلَ ” أشدُّ؛ لأنّ فيه انتقالاً من ثقيلٍ إلى أثقل (١) . وحسبما نعلمُ لم يردْ من الكلماتِ على هذا البناءِ إلاّ ما جاءَ في هذهِ القراءةِ المعدودةِ في الشواذِّ. وقد اختُلِفَ في توجيهِها على قولينِ اثنينِ: - فمن قائلٍ بأنّها من بابِ تداخلِ اللغاتِ، إذ وردَ فيها لغتانِ: - فصيحةٌ، وهيَ بضمّتينِ، كقراءةِ الجمهورِ. - وأخرى بكسرتينِ. والقارئُ بالكسرِ فالضمِّ تداخلَت عليه اللغتانِ، فكسرَ الحاءَ مريدًا القراءةَ ب“ الحِبِكِ ”، ثم تداركَ الضمَّ للقراءةِ ب“ الحُبُكِ ” كما تستوجبُه اللغةُ الفصيحةُ والقراءةُ الصحيحةُ، فجمعَ بينَ أوّلِ اللفظِ على لغةٍ وآخرِه على لغةٍ أخرى، وهذا ما ارتآهُ ابنُ جنّيٍّ بعدَ أن حملَه على السهوِ (٢) ، وتبعَه في ذلكَ ابنُ عطيّةَ بعدَ أن قالَ بأنّها ((لغةٌ شاذةٌ غيرُ متوجهةٍ)) (٣) والقرطبيُّ بعدَ حملِها على الشذوذِ (٤) ، وغيرُهم (٥) ، وذكرَ أبو حيانَ والألوسيُّ بأنّ مخرجَها عندَ النّحاةِ على تداخلِ اللغتينِ (٦) .

стр. 774

- ومِن قائلٍ بأنّه ممّا أُتْبِعَ فيه حركةُ الحاءِ لحركةِ التاءِ في “ ذاتِ ” وهيَ الكسرةُ، ولم يعتدَّ باللامِ الساكنةِ؛ لأنّ الساكنَ حاجزٌ غيرُ حصينٍ، وهوَ رأيُ أبي حيانَ (١) ، وتبعَه الرُّعينيُّ، قالَ: ((وما استحسَنَه الشيخُ حسنٌ، فما زالَ يوضِّحُ المشكلاتِ ويفكُّ المعضلاتِ)) (٢) . - ومنهم منِ اكتفى بحملِ هذهِ القراءةِ على الشذوذِ فحسب (٣) . قالَ ابنُ جماعةَ: ((فالأحسنُ الجوابُ بأنَّ كسرَ الحاءِ معَ ضمِّ الباءِ شاذٌّ)) (٤) . واعتُرضَ على قولِ ابنِ جنّيٍّ في التداخلِ بوجوهٍ: - قالَ الرضيُّ: ((وفي تركيبِ “ حِبُك ” منَ اللغتينِ - إن ثبتَ - نظرٌ؛ لأنَّ “ الحُبُك ” جمعُ الحباكِ، وهوَ الطريقةُ في الرملِ ونحوِه، و “ الحِبِك ” بكسرتينِ - إن ثبتَ - فهوَ مفردٌ، معَ بعدِه؛ لأنّ فِعِلاً قليلٌ، حتى إنّ سيبويهِ قالَ: لم يجئْ منه إلاّ إبِلٌ (٥) ، ويبعدُ تركيبُ اسمٍ من مفردٍ وجمعٍ)) (٦) . - أنّ التركيبَ إنّما يكونُ في كلمتينِ، وادّعاءُ التداخلِ هاهنا في كلمةٍ واحدةٍ، وهو مستبعدٌ؛ قالَه الفارسيُّ (٧) .

стр. 775

- قالَ ابنُ مالكٍ: ((وهذا التوجيهُ لو اعترفَ به من عُزِيَتِ القراءةُ إليه لدلَّ على عدمِ الضبطِ ورداءةِ التلاوةِ، ومَن هذا شأنُه لم يُعْتَمَدْ على ما يُسمَعُ منه؛ لإمكانِ عروضِ أمثالِ ذلكَ منه)) (١) . - وقالَ ابنُ جماعةَ في الردِّ على قولِ أبي حيّانَ: ((وفيه عندي نظرٌ؛ لأنّ أداةَ التعريفِ كلمةٌ منفصلةٌ، ومن ثمّ امتنعَ القراءُ من ضمِّ أولِ الساكنينِ إتباعاً لضمِّ ثالثِه في نحوِ ﴿إِنِ الحُكْمُ﴾ (٢) و ﴿قُلِ الرُّوحُ﴾ (٣) و ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٤) ولم يلحقوها ب ﴿قُلِ انظُرُوا﴾ (٥) و ﴿إن الحُكْمُ﴾ (٦) ونحوِهما، فالساكنُ المذكورُ حاجزٌ حصينٌ لما ذُكِرَ، على أنّه لا تجري في غير الآيةِ ونحوِها)) (٧) . ٢ - سِأَلْتُمْ: في قولِه تعالى: ﴿فإنّ لَكُمْ مَا سَألْتُمْ﴾ (٨) قراءتانِ؛ قراءةُ الجمهورِ بتحقيقِ الهمزةِ وفتحِ السينِ من ﴿سأَلْتُم﴾ ، وقرأ إبراهيمُ النخعيُّ ويحيى بنُ وثابٍ مثلَه بكسرِ السينِ: ﴿سِأَلتم﴾ (٩) .

стр. 776

قالَ ابنُ جنّيٍّ: ((فيه نظرٌ؛ وذلكَ أنّ هذهِ الكسرةَ إنّما تكونُ في أوّلِ ما عينُه معتلةٌ كبِعت وخِفت، أو في أولِ فِعْلٍ إذا كانت عينُه معتلةً أيضاً كقِيل وبِيع وحِلَّ وبِلَّ؛ أي: حُلَّ وبُلَّ، وصِعْق الرجلُ نحوُه، إلاّ أنه لا تُكْسَرُ الفاءُ في هذا البابِ إلا والعينُ ساكنةٌ أو مكسورةٌ كنِعمَ وبئسَ وصعقَ، فأمّا أن تُكسرَ الفاءُ والعينُ مفتوحةٌ في الفعلِ فلا)) (١) . ووجّهَ العلماءُ ذلكَ على تداخلِ اللغاتِ، إذ في فعلِ المسألة لغتانِ: سَأَلَ يَسأَلُ كسَبَحَ يسبحُ بالهمزِ، وسَالَ يَسالُ كخافَ يخافُ (٢) ، ومن شواهدِه قولُ حسانٍ ﵁ : سَالتْ هذيلُ رسولَ اللهِ فاحشةً ضَلَّتْ هُذَيلٌ بما سالَتْ ولَم تُصِبِ (٣) وقد قيلَ في هذا الشاهِد: تخفيفُ الهمزةِ ضرورةٌ لا لغةٌ (٤) . وقالَ المبردُ: ((وأمّا قولُ حسانَ ... فليسَ من لغتِه سِلْتُ أسالُ، مثلُ خِفتُ أخافُ، وهما يتساو لان، هذا من لغةِ غيرِه)) (٥) . وعلى هذه اللغةِ جاءَ قولُ الشاعِر: وَمُرْهَقٍ سَالَ إِمتَاعًا بِأُصْدَتِهِ لَمْ يَسْتَعِنْ وَحَوَامِي الموتِ تَغْشَاهُ (٦)

стр. 777

وعندَ إسنادِ فعلِ هذهِ اللغةِ “ سال ” إلى ضميرٍ من ضمائرِ الرفعِ المتحركةِ يُقالُ: سِلْتُ كخِفتُ، وهوَ من ذواتِ الواوِ بدليلِ ما حَكَاه أبو زيدٍ من قولِهم: هما يتساولانِ، كما تقولُ: يتجاوبانِ ويتقاولانِ ويتقاومانِ (١) . وقراءةُ ﴿سِأَلتم﴾ بكسرِ السينِ وتحقيقِ الهمزِ جمعٌ بينَ اللغتينِ، إذ كسرَ القارئُ فاءَ الكلمةِ على لغةِ من يقولُ سِلْتُم كخِفتُم، ثم تنبّهَ بعدَ ذلكَ إلى الهمزةِ فهمزَ العينَ بعدما سبقَ الكسرُ في الفاءِ، فقالَ ((سِألتم)) (٢) . ٣ - “ سَآيَلْتَهُمْ ”: ومن صورِ التداخلِ بينَ اللغاتِ في كلمةٍ واحدةٍ ما أنشدَه ثعلبٌ لبلالِ بنِ جريرٍ جدِّ عُمارةَ: إذَا ضِفْتَهُمْ أوْ سَآيَلْتَهُمْ وَجَدْتَ بِهِمْ عِلَّةً حَاضِرَة (٣) فقالَ: سآيلتهم، وفيه مآخذُ؛ تقديمُ الهمزةِ وهيَ العينُ على الألفِ، والإتيانُ بما هو بدلٌ منها؛ وهيَ الياءُ التي هيَ تسهيلٌ للهمزةِ في الحقيقةِ. وللعلماءِ في تخريجِه أقوالٌ؛ منها:

стр. 778

- أن يكونَ الشاعرُ زادَ الياءَ وغيَّرَ الصورةَ، فصارَ مثالُه “ فَعَايَلْتَهُم ” (١) - أنّه أرادَ: ساءلتهم، بزنةِ “ فَاعَلْتَهم ”، إلاّ أنَّه زادَ الهمزةَ الأولى، فصارَ تقديرُه سآءلتهم بوزنِ: “ فَعَاءلتهم ” (٢) ، فجفَا عليه التقاءُ الهمزتينِ ليسَ بينهما إلاّ الألفُ، وهيَ حاجزٌ غيرُ حصينٍ، فأبدلَ الثانيةَ ياءً تخفيفاً (٣) . - أن يكونَ الشاعرُ قد أرادَ: سَاءَلتهم “ فَاعَلْتَهُم ” من السؤالِ، ثمَ عَنَّ له إبدالُ الياءِ من الهمزةِ؛ أي: سَايَلتهم تسهيلاً على لغةٍ، فاضطربَ عليه الموضعُ، فجمعَ بينَ المعوِّضِ والمعوَّضِ منه؛ الهمزةُ والياءُ، على تَلَفُّتِهِ إلى اللغتينِ فلم يمكنْه أن يجمعَ بينَهما في موضعٍ واحدٍ؛ لأنّه لا يكونُ حرفانِ واقعينِ في موضعٍ واحدٍ عينينِ كانَا أو غيرَهما، فأجاءَه الوزنُ إلى تقديمِ الهمزةِ التي هيَ العينُ قبلَ ألفِ “ فَاعَلْتُ ”، ثم جاءَ بالياءِ التي هيَ بدلٌ منها بعدَها، فصار: سآيلتهم بزنةِ “ فَعَاعَلْتَهُم ” (٤) . قالَ ثعلبٌ: ((وهذا جمعٌ بينَ اللغتينِ؛ الهمزةِ والياءِ)) (٥) . وقالَ الزبيديُّ: ((وهذا مثالٌ لا نظيرَ يُعْرَفُ له في اللغةِ)) (٦) . الجَمْعُ بَيْنَ اللغتين

стр. 779

والنّماذجُ اللاحقةُ صورٌ للجمعِ بينَ اللغتينِ؛ ترتبطُ معَ تداخلِ اللغاتِ برابطٍ، ولذلكَ أدخلتها ضمنَ هذا البحثِ، وإن كانَتْ لا توافقُه كلَّ الموافقةِ؛ ذلكَ أنّ التداخلَ في الحقيقةِ هوَ جمعٌ بينَ لغتينِ، فتُسْتَعْمَلُ كلمةٌ أو حرفٌ من لغةٍ معَ مكملِها منَ الكلمةِ أو الحرفِ من لغةٍ أخرى، فيستعملانِ جميعاً في لسانٍ واحدٍ، أمّا الجمعُ فإنّما هوَ النطقُ بالكلمةِ الواحدةِ بوجهينِ يوافقُ أحدُهما لغةً ما والآخرُ الللغةَ الأخرى، ولذا يمكنني القولُ هاهنا بأنّ الجمعَ أعمُّ من التداخلِ، فكلُّ تداخلٍ جمعٌ، وليسَ كلُّ جمعٍ تداخلاً. وقد أفردتُ هذا النوعَ بعنوانٍ مستقلٍ اتباعًا لمنهجِ أبي الفتحِ، إذ ذكرَ هذهِ الأصنافَ المندرجةَ تحتَ الجمعِ في بابٍ مستقلٍ مفردٍ عن بابِ تركّبِ اللغاتِ، ترجمَه ب“ بابٌ في الفصيحِ يجتمعُ في كلامِه لغتانِ فصاعدًا ” (١) ولكنني وضعتُه أيضًا ضمنَ مفرداتِ هذا البحثِ؛ لأنّ السيوطيَّ (٢) والقنوجيَّ (٣) قد أدرجاه ضمنَ حديثِهم عن تداخلِ اللغاتِ، بل صدّرا البابَ بشاهدٍ من شواهدِ الجمعِ. وللجمعِ بينَ اللغتين؛ الذي هوَ استعمالُ الكلمةِ الواحدةِ بوجهينِ على لغتينِ مختلفتينِ؛ صورُه أيضاً، ومنها: - الجمعُ بينَ فَعَلَ وأَفْعَلَ. - الجمعُ بينَ المدِّ والقصرِ. - الجمعُ بينَ الإشباعِ والإسكانِ. الجَمْعُ بَيْنَ “ فَعَلَ و “ أَفْعَل ” كثرَ التصنيفُ في الأفعالِ الواردةِ بصيغةِ الثلاثيِّ المجردِ والمزيدِ بالهمزةِ، والآتيةِ على بنائي “ فَعَلَ ” و “ أَفْعَلَ ” سواءٌ أكانا بمعنًى واحدٍ أم مختلفٍ، وسنتطرقُ في حديثِنا عنِ الجمعِ لما جاءَ باللفظينِ بمعنى، وأحدهما لغةٌ لقبيلةٍ والثاني لأخرى.

стр. 780

سَقى وَأَسْقَى: يرى سيبويهِ أنّ الهمزةَ مزيدةٌ لإفادةِ التعريضِ؛ قالَ: ((وتجيءُ أفعلته على تُعَرِّضَهُ لأمرٍ، وذلكَ قولُك: أقتلته؛ أي: عَرْضته للقتلِ ... وتقولُ: سقيتُه فشربَ، وأسقيتُه؛ جعلتُ له ماءً وسُقيا، ألا ترى أنّك تقولُ: أسقيته نهرًا. وقالَ الخليلُ: سقيته وأسقيته أي جعلت له ماءً وسقيا، نسقيه مثلُ كسوته، وأسقيته مثلُ ألبسته)) (١) . وقالَ الراغبُ: ((السقي والسقيا أن يعطيَه ما يشربُ، والإسقاءُ أن يجعلَ له ذلكَ حتى يتناولَه كيفَ شاءَ، فالإسقاءُ أبلغُ من السقيِ؛ لأنّ الإسقاءَ هوَ أن تجعلَ له ما يُسقى منه ويشربُ، تقولُ: أسقيته نهرًا)) (٢) . وقيلَ: سقى وأسقى لغتانِ بمعنى؛ أي أن المزيدَ استُعمِلَ بمعنى المجردِ في بعضِ اللغاتِ (٣) . وقيلَ: السقيُ مجردًا يُرَادُ به أنّه سقاه لشفتِه، وناوله الماءَ ليشربَ، والإسقاءُ لما كانَ في بطونِ الإنعامِ أو منَ السماءِ أو الأنهارِ، قاله الفراءُ وغيرُه (٤) . وقد عدَّ ابنُ جنيٍّ اجتماعَهما في لفظِ العربيِّ تداخلاً، ومما وردَ فيهما قولُ لبيدٍ: سَقَى قَوْمِي بني مَجْدٍ وأسقى نميرًا والقبائلَ من هلالِ (٥) دِرَاسَةٌ قُرْآنِيَةٌ: جاءَ الفعلُ الماضي “ سقى ” مجردًا مبنيًا للفاعِل في ثلاثِ آياتٍ هيَ: ١ - ﴿فَسَقَى لَهَمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ ٢٤ / القصص. ٢ - ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ ٢١ / الإنسان. ٣ - ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ ٢٥ / القصص.

стр. 781

ومبنياً لما لم يسمَّ فاعلُه في واحدةٍ هيَ: ١ - ﴿وَسُقُوا مَاءًا حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُم﴾ ١٥ / محمّد. وجاءَ الفعلُ المضارعُ منه في خمسِ آياتٍ هيَ: ١ - ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيْرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الحَرْثَ﴾ ٧١ / البقرة. ٢ - ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ ٢٣ / القصص. ٣ - ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ ٢٣ / القصص. ٤ - ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ ٤١ / يوسف. ٥ - ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ٧٨ / الشعراء. وجاءَ الماضي مزيدًا بالهمزةِ في ثلاثِ آياتٍ هيَ: ١ - ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ ٢٧ / المرسلات. ٢ - ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيّنَاكُمُوهُ﴾ ٢٢ / الحجر. ٣ - ﴿وَأَلَّوُا اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَة لأَسْقَيْنَاهُم مَاءً غَدَقًا﴾ ١٦ / الجن. وجاءَ مضارعًا في ثلاثِ آياتٍ أيضاً: ١ - ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ ٦٦ / النّحل. ٢ - ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا في بُطُونِهَا﴾ ٢١ / المؤمنون. ٣ - ﴿وَنُسْقِيْهِ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِرًا﴾ ٤٩ / الفرقان. وجاءَ المضارعُ مبنيًا لما لم يسمَّ فاعلُه مجرَدًا أو مزيداً بالهمزةِ، فالصورةُ واحدةٌ فيهما؛ في خمسِ آياتٍ هيَ: ١ - ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحدٍ﴾ ٤ / الرعد. ٢ - ﴿وَيُسْقَى مِن مَاءٍ صَدِيْدٍ﴾ ١٦ / إبراهيم. ٣ - ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيْلاً﴾ ١٧ / الإنسان. ٤ - ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ٢٥ / المطففين. ٥ - ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ٥ / الغاشية. نخلصُ ممّا سبقَ عرضُه إلى أنَّ القرآنَ الكريمَ قد جمعَ في آياتِه بينَ اللغتينِ؛ “ سقى ” و “ أسقى ” وَفَى وَأوْفَى: وردَ فعلُ الوفاءِ ثلاثيًا مجرَدَا ومزيدًا بالهمزةِ.

стр. 782

فقيلَ: هما لغتانِ (١) . قالَ المبردُ: ((وأوفى أحسنُ اللغتينِ)) (٢) . وقالَ ابنُ جنّيٍّ: هما ((لغتانِ قويتانِ)) (٣) . وقالَ ابنُ سيده: ((وفيتُ بالعهدِ ... وأوفيتُ، فأمّا في الكيلِ فبالألفِ لا غيرَ)) (٤) . وممّا جاءَ بالجمعِ بينَهما قولُ طفيلٍ الغنويِّ: أمَّا ابن طَوْقٍ فقد أَوْفَى بِذِمّتِه كَمَا وَفَى بقلاص النَّجمِ حاديها (٥) وعدَّه ابنُ جنّيٍّ منَ الجمعِ بِينَ اللغتينِ (٦) . دِرَاسَةٌ قُرْآنِيَّةٌ: لم يجئِ الفعلُ الثلاثيُّ المجرّدُ “ وفى ” بأزمانِه الثلاثةِ في القرآنِ الكريمِ، وجاءَ المزيدُ ماضياً ومضارعاً وأمرًا، فوردَ الماضي المزيدُ بالهمزةِ في موضعينِ فحسب هما: ١ - ﴿بَلَ مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى ... ﴾ ٧٦ / آل عمران. ٢ - ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ الله ... ﴾ ١٠ / الفتح. وجاءَ المضارعُ غيرَ متصلٍ بضميرٍ مرفوعاً في آيةٍ ومجزوماً في أخرى: ١ - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ٤٠ / البقرة. ٢ - ﴿أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوْفِي الكَيْلَ﴾ ٥٩ / يوسف. ومسندًا إلى واوِ الجماعةِ مرفوعاً في آيتينِ ومجزومًا في واحدةٍ: ١ - ﴿الَّذِينَ يُوْفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ... ﴾ ٢٠ / الرعد. ٢ - يُوْفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ٧ / الإنسان.

стр. 783

٣ - ﴿وَليُوفُوا نُذُورَهُمْ وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ ٢٩ / الحج. وجاءَ الأمرُ غيرَ متصلٍ بضميرٍ في آيةٍ واحدةٍ هي: ١ - ﴿فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ﴾ ٨٨ / يوسف. ومسندًا إلى واوِ الجماعةِ في أربعِ آياتٍ: ١ - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ٤٠ / البقرة. ٢ - ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ ١ / المائدة. ٣ - ﴿وَبِعَهْدِ الله أَوْفُوا﴾ ١٥٢ / الأنعام. ٤ - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُم﴾ ٩١ / النحل. ومن خلالِ هذا الاستقراءِ نلحظُ أنَّ القرآنَ الكريمَ استعملَ الفعلَ المزيدَ فحسب؛ اكتفاءً بأحسنِ اللغتينِ كما قالَ المبردُ. الجَمْعُ بَيْنَ المَقْصُورِ والمَمْدُودِ: قد يردُ الاسمُ مقصورًا في لغةٍ ممدودًا في أخرى وهما بمعنًى، ومن ذلكَ: البُكَاءُ والبُكَى: يُمدُّ ويُقصرُ؛ فالقصرُ على “ فُعَلٍ ”، والمدُّ على “ فُعَالٍ ”؛ قالَه الفرّاءُ وغيرُه (١) . قيلَ: المدُّ مخرجٌ مخرجَ الضغاءِ والرغاءِ، يرادُ به الصوتُ الذي يكونُ معَ البكاءِ، والقصرُ مخرجٌ مخرجَ الأنّةِ والضّنى؛ يرادُ به الدموعُ وخروجُها؛ قالَه ابنُ دريدٍ (٢) وغيرُه (٣) . وقيلَ: هما لغتانِ صحيحتانِ، لا فرقَ بينَهما (٤) . وقد جَمَع حسانُ بينَ اللغتينِ بقولِه:

стр. 784

بَكَتْ عَيْني وحُق لَهَا بُكاها وما يُغْنِي البُكَاءُ وَلاَ العَوِيلُ (١) الجَمْعُ بَيْنَ إِشْبَاعِ حَرَكَةِ الضَّمِيرِ وَإسكانِهِ: اللغةُ الفصيحةُ أنّكَ إذا أتيتَ بضميرِ الغائبِ “ الهاءِ ”؛ حرّكتَه بالضمِّ أوِ الكسرِ بحسبِ ما قبلَه، وتحذفُ هذهِ الحركَة في ضرورة الشعرِ. وممّا وردَ فيهما جميعاً؛ أعني الإشباعَ والتسكينَ قولُ يعلى بنِ الأحولِ الأزديّ يصفُ برقًا: أَرِقْتُ لبرقٍ دُونَهُ شَدَوانِ يمانٍ وأَهْوَى البَرْقَ كلّ يَمَانِ فظلتُ لدى البَيتِ العَتِيقِ أُخِيْلُهُو ومِطوَاي مُشْتَاقَان لَهْ أَرِقانِ (٢) فالشاعرُ أثبتَ الواوَ في (أُخِيْلُهُ) ، وسكّنَ “ الهاءَ ” في “ لَهْ ”، وقد قيلَ في تخريجِه: - إِنّ الشاعرَ سكّنَ الضميرَ في “ لَهْ ” لمّا حذفَ الصلةَ للضرورةِ؛ حتى يكونَ قد أُجْرِيَ مجرى الوقفِ إجراءً كاملاً (٣) .

стр. 785

- وقيلَ: إسكانُ الهاءِ في “ لَهْ ” لغةٌ لأزدِ السراةِ، وهو قولُ أبي الحسنِ فيما حُكِيَ عنه (١) . قلتُ: ويؤيدُه أنّ قائلَه أزديٌ، ولا يسَعُنا أن نحمِلَ التسكينَ في كلامِه على الضرورةِ وهي لغتُه. وعليه حملَه ابنُ جنّيٍّ على الجمعِ بينَ اللغتينِ؛ وهما إثباتُ الواوِ في الأولِ، وتسكينُ الهاءِ في الثاني (٢) . قالَ: ((فهما لغتانِ، وليسَ إسكانُ الهاءِ في “ له ” عن حذفٍ لحقَ بالصنعةِ الكلمةَ، لكنَّ ذاك لغةٌ)) (٣) . وجعلَه ابنُ السراجِ من قبيلِ الضرورةِ عندَهم (٤) . - وقيلَ: إسكانُه جائزٌ عندَ بني عقيلٍ وبني كلابٍ (٥) . ومثلُه كذلكَ ما رَوى قطربُ من قولِ الشاعرِ: وأشْرَبُ المَاءَ ما بِي نَحْوَ هُو عَطَشٌ إلاّ لأنَّ عُيونَهُ سَيلُ وَادِيها (٦)

стр. 786

فقالَ: ((نَحْوَ هُو)) بالواوِ مُشبعاً، وقالَ ((عيونَهُ)) بإسكانِ الهاءِ، وفي تخريجِه منَ الأقوالِ مثلُ ما في سابقِه؛ فهوَ على الضرورةِ عندَ قومٍ (١) ، ولغةٌ عندَ آخرينَ (٢) ، فجمعَ الشاعرُ بينَ لغتينِ في بيتِه هذا (٣) ، وصرّحَ بعضُهم بلفظِ التداخلِ الواقعِ في الشاهدِ (٤) . وقالَ السيوطيُّ: ((فينبغي أن يُتَأمّلَ حالُ كلامِه؛ فإن كانتِ اللفظتانِ في كلامِه متساويتينِ في الاستعمالِ وكثرتُهما واحدةٌ فأَخْلَقُ الأمرِ به أن تكونَ قبيلتُه تواضعت في ذلكَ المعنى على ذَيْنِكَ اللفظينِ؛ لأنّ العربَ قد تفعلُ ذلكَ للحاجةِ إليه في أوزانِ أشعارِها، وسعةِ تصرّفِ أقوالِها، ويجوزُ أن تكونَ لغتُه في الأصلِ إحداهما، ثمّ إنّه استفادَ الأخرى من قبيلةٍ أخرى، وطالَ بها عهدُه، وكثُر استعمالُه لها، فلحقت لطول المدّة واتساعِ الاستعمالِ بلغتِه الأولى، وإن كانت إحدى اللفظتينِ أكثرَ في كلامِه منَ الأخرى؛ فأَخلقُ الأمرِ به أن تكونَ القليلةُ الاستعمالِ هيَ الطارئةَ عليه، والكثيرةُ هيَ الأولى الأصليةَ، ويجوزُ أن تكونا مخالفتينِ له ولقبيلتِه، وإنّما قَلَّتْ إحداهما في استعمالِه لضعْفِها في نفسِه وشذوذِها عن قياسِه)) (٥)

стр. 787

• • • خلاصة البحث: - الحديث عن تداخل اللغات موضوع نحوي صرفي لغوي، وهو يعني أخذ متكلم بلغة ما من لغة غيره، بحيث ينطق باللغتين معاً. - التداخل بين اللغات أمر راجع إلى الاستعمال. - اختلف في حكم التداخل، فأجازه قوم، وقيده آخرون بما لم يؤدِّ إلى استعمال لفظ مهمل. - للتداخل صور متعددة، منها ما كان في كلمتين، مما استعمل في أبنية الأفعال، بحيث يؤخذ الماضي من لغة والمضارع من لغة أخرى، أو ما يتعلق باسم الفاعل بزنته من (فَعُلَ) ومنها ما كان في كلمة واحدة، وقد مثلنا لكل بما وقفنا عليه مدعماً بالشواهد وأقوال العلماء. - الجمع بين اللغتين يرتبط مع التداخل بوجه ويخالفه بآخر، وقد ذكرنا بعض أمثلته. - التداخل بين اللغتين له وجوده في القرآن أيضاً، ولذا جعلنا هذا البحث دراسة لغوية قرآنية. والله أسأل أن يجعلني ممن عمل عملاً فحسنه وأتقنه، وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين الهوامش والتعليقات

стр. 788

من النباتات الطبيعية في سراة غامد دراسة لغوية وصفية د. إبراهيم عبد الله الغامدي الأستاذ المساعد بقسم اللغة والنحو والصرف - جامعة أم القرى ملخص البحث عُني هذا البحث بدراسة بعض النباتات التي تنمو في جنوب المملكة العربية السعودية، وتحديداً بمنطقة سراة غامد الشهيرة بوفرة النباتات الطبيعية التي تزدان بها أرض السراة في فصل الربيع وحتى أوائل فصل الصيف. ويهدف البحث إلى دراسة تلك النباتات دراسة لغوية وصفية، موضحة بالصورة أجزاء النبتة. ولما كان هذا البحث معنياً برصد ما اعترى بعض تسميات تلك النباتات من تطور صوتي أو دلالي أثناء رحلة الكلمة كان لابد لنا من الرجوع إلى مؤلفات علماء العربية القدماء اللغوية عامة والنباتية خاصة، بغية تأصيل هذه التسميات التي ينطقها أهل هذه المنطقة. ويمثل هذا البحث الحلقة الأولى من مجموعة النباتات في المنطقة، وسوف تتبعه مجموعات أخرى بحوله تعالى. • • • مقدمة: الحمد لله الذي ريَّن الأرض بالنبات، كما زيَّن السماء بالكواكب النيرات، وجعل من هذه النباتات دواءً وقوتاً للإنسان وأصلي وأسلم على أشرف خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وبعد: فقد تعددت الدراسات قديماً وحديثاً بتعدد ميادين الدرس، ومن بين هذه الدراسات دراسة النبات، ومن المعلوم أن الدرس النباتي نشأ مبكراً وتشعب إلى عدة شعب، بيَّن العلماء كل ما يتعلق بالموضوعات النباتية، سواء كانوا من علماء العربية القدماء، أو من الأمم الأخرى؛ لقناعتهم بأهمية هذه الدراسة المتمثلة في حاجتهم إلى النباتات كغذاء أو دواء. فمن العلماء من عرض لهذا الموضوع من وجهة نظر طبيَّة، ومنهم من تناوله من ناحية تشريحية علمية، بينوا فيها وظائف كل جزء من النبتة. ومنهم من عرض له من ناحية لغوية، وهذا الجانب هو ما تدور هذه الدراسة حوله.

стр. 789

تنبه علماء العربية القدماء لهذا الجانب وخصوه بمؤلفات مستقلة، بينوا فيها أسماء النباتات، وأوصافها، وأماكن وجودها، واستشهدوا على ذلك بفصيح كلام العرب، إلا أنهم كانوا يصفون النبات وصفاً مجملاً قد يشترك مع غيره من النباتات. بل كانوا يتجوزون في التعبير عن النبات بالشجر أو العكس. وسار المحدثون على منهج القدماء إلا أنهم فصلَّوا ما أجمله القدماء وبينَّوا ما أبهم عليهم واستدركوا ما فاتهم، ولكل باحث منهجه الذي سار عليه. أما هذا البحث فسأعرض فيه لبعض النباتات الطبيعية (١) التي تُزين أرض سراة غامد (٢) في فصل الربيع حتى أوائل فصل الصيف. وهذه الفترة الزمنية هي وقت نمو النباتات الطبيعية وازدهارها، فما أن ينتهي فصل الشتاء، حتى تكون الأرض مُشبعة بالأمطار، وبعد أن يهل فصل الربيع، تورق الأشجار، وتكثر الأزهار، وتخضر الأرض وتبدأ في ارتداء أبهى حللها حتى تصبح حديقة غنّاء، وجنّة خضراء، عندها يستطيع الباحث أن يصف النباتات وصفاً دقيقاً، قارناً ذلك بالصورة التي كان البحث النباتي بشكل عام واللغوي بشكل خاص يفتقدها، لعدم توفرها. والمتأمل في تعدد النباتات واختلاف ألوانها وأشكالها وأحجامها وتباين روائحها، يدرك قدرة الخالق في إحكام صنعه الذي أحكم كل شيء صنعاً. وقد كنت مدركاً صعوبة البحث في مثل هذه الموضوعات قبل البدء، ولكني رُمت إلى المحصلة النهائية المتمثلة في الإضافة الجديدة إلى الحقل اللغوي، وهذا ما ينشده جميع الباحثين.

стр. 790

كما أن هذا العمل يعالج مشكلة معجمية تتمثل في اكتفاء المعجميين حيث يشرحون ألفاظاً كألفاظ النبات بقولهم: (معروف) ، ويصفونه وصفاً مجملاً يشترك مع غيره. ولاشك أن الغاية المنشودة من هذا البحث هي الوقوف على أسماء النباتات وصفاً وصورة ومن ثم رصد حركة التطور الذي اعترى بعض التسميات من خلال رحلة الكلمة التي صحبتها تغيرات صوتية أو دلالية. بدأت البحث بجمع مادته العلمية المقرونة بالصورة التي راعيت فيها زمن اكتمال نمو النبتة وقبيل أن تشيخ، متحرياً الدقة في التصوير، وذلك من خلال إبراز أغلب أجزاء النبتة. كما استعنت بسؤال كبار السِّن من أبناء هذه المنطقة في معرفة تسميات هذه النباتات واستخداماتها. وما هذا البحث إلا نواة لكثير مما جمعته من المادة العلمية النباتية، سينشر بإذن الله تباعاً. أما المنهج الذي سلكته في إعداد هذا البحث فكان منهجاً وصفياً تمثل في النقاط التالية: ١ - جمع الأسماء النباتية وذلك من واقع لهجة أهل هذه المنطقة قارناً ذلك بالصورة الموضحة للنبات، مقدماً الاسم الفصيح للنبتة. ولاشك أن الوسيلة الإيضاحية مهمة في العمل المعجمي الذي لا يقتصر على الوصف المجرد، بل يسند ذلك الصورة التي تمكن القاريء من الوقوف على بيان الشيء المراد وصفه، وهذه الوسيلة يتحتم وجودها في مثل هذا النوع من الأبحاث. ٢ - عرض هذا المجموع على الكتب اللغوية القديمة والنباتية خاصة بغية تأصيل هذه التسميات. ٣ - الوصف اللغوي لأجزاء النبتة من واقع المشاهدة لها في طبيعتها. ٤ - ذكر ما أورده علماء العربية القدماء عن وصف النبتة. ٥ - المقارنة بين ما ذكره أهالي المنطقة من وصف للنبات مع ما ورد في مؤلفات علماء العربية القدماء. ٦ - بيان أماكن وجود النبات، وذكر مناطق انتشارها، مع تحديد زمن نموها وذبولها.

стр. 791

٧ - بيان الفروق الصوتية والصرفية والدلالية بين التسمية الفصيحة وما يُنطق في لهجة أهالي المنطقة موطن الدراسة إن وُجدت. ٨ - الإشارة في هامش البحث إلى بعض الاستعمالات الطبية للنبات أو الإحالة إليها. ٩ - رُتَّبتُ النباتات في هذه المجموعة وفق الترتيب الهجائي. وقد استعنت في الدراسة بالعديد من المصادر والمراجع التي لها صلة بالموضوع، ككتب النبات القديمة منها والحديثة وكذلك المعاجم اللغوية. كما أفدت من كبار السن ومن هم على دراية بأسماء النباتات كوالدي والوالد علي أحمد الغامدي وجمعان يعن الله الغامدي وسالم عبد الله الغامدي وجار الله الغامدي وغيرهم مِمّن قابلت فجزاهم الله خير الجزاء وجعل ما قدموه لي في موازين حسناتهم. وفي الختام فإنني ألتمس العذر لما قد يكون في هذا البحث من خلل أو نقص، وحسبي أنني بذلت الجهد في سبيل إخراجه تمهيد: النبات مملكة كبيرة، وعلم واسع، عرض له العلماء قديماً وحديثاً، ودرسوه دراسة وافية من كافة جوانبه، إلا أن الدراسة القديمة للنباتات كانت تدور في مجملها حول الأعشاب الطبية، وهذا المنحى هو الأساس في البحث النباتي. والمنحى اللغوي من بين هذه الدراسات التي تناولها علماء العربية القدماء وخصوها بمؤلفات مستقلة وضحوا فيها أقسام النبات وأنواعه وصفاته. قال أبو حنيفة: ((النبات كله ثلاثة أصناف: شيء باق على الشتاء أصله وفرعه، وشيء آخر يبيد الشتاء فرعه ويبقى أصله، فيكون نباته في أرومته تلك الباقية، وشيء ثالث يبيد الشتاء فرعه وأصله فيكون نباته مما ينتشر من بزوره)) (١) .

стр. 792

وقد كانت السمة الغالبة على هذه المؤلفات هي التعميم، يتضح ذلك من خلال عناوينها مثل كتاب “ النبات والشجر للأصمعي ” (١) ، وما خصه النضر بن شميل في كتابه “ الصفات ” (٢) من حديث عن الزرع والكرم والبقول والأشجار)) .. وغيرهما من العلماء إلاّ أن هذا الحكم لا ينسحب على كل من ألف في النبات. فقد خُصت بعض الأشجار بمؤلفات مستقلة ككتاب “ النخل ” (٣) لأبي حاتم السجستاني وكتاب “ النخل ” (٤) للأصمعي، “ والشجر ” (٥) لابن خالويه، وغيرها من المصنفات التي احتوت مجالاً دلالياً واحداً. تلا ذلك مرحلة تتمثل في جمع ما تفرق من رسائل لغوية في النبات وغيره في مؤلفات ضمت مجموعة من الحقول كالغريب المصنف (٦) لأبي عبيد القاسم بن سلام، والألفاظ لابن السكيت (٧) ، والمخصص (٨) لابن سيده، وغيرها. إلا أن هذه الرسائل اللغوية في النبات والشجر كان الهدف منها التدوين اللغوي بدليل اكتفاء علماء العربية القدماء - أحياناً - بذكر اسم النبتة دونما وصف لها.

стр. 793

وما أن يطالعنا القرن الثالث الهجري حتى نجد أبا حنيفة قد ألف لنا ((موسوعة نباتية في حوالي ستة أجزاء أربعة منها في موضوع النبات عامة واثنان في أسماء النباتات مرتبة على حروف المعجم..)) (١) . وقد أجاد أبو حنيفة في وصف النباتات وكذلك في ترتيب الأسماء النباتية وفق الحروف الهجائية غير أن هذا الكتاب لم يصل إلينا كاملاً. وقد بين بعض الباحثين جهود علماء العربية القدماء في هذا الجانب بما يغني عن إعادته (٢) . ولاشك أن الدراسات اللغوية الميدانية لها مردودها الإيجابي على اللغة إذ إن تتبع الأسماء النباتية أو المفردات العربية في لهجة من اللهجات العربية وتأصيل هذه المفردات أو التسميات من واقع ما ورد عن العرب الفصحاء فيه ثراء للبحث اللغوي خاصة في هذا الزمن الذي بَعُدت فيه أكثر اللهجات العربية عن اللغة الأم (الفصحى) . وقد قفوت كتب النبات وجل الكتب اللغوية القديمة كالمعاجم وماله علاقة بالبحث متتبعاً التسميات الواردة في لهجة أهالي المنطقة ومؤصلاً لها من مؤلفات علماء العربية القدماء وذلك من خلال وصفهم الدقيق للنبات ذاكراً الفروق الصوتية والصرفية والدلالية إن وجدت. الحَدَق اسم النبتة: الحَدَق، الحَدَج. أماكن وجودها: تنتشر في مناطق السراة انتشاراً واسعاً ويكثر وجودها على حواف الأودية ومجاري السيول، ويقل وجودها على سفوح الجبال.

стр. 794

وصفها: نبتة شجرية ترتفع عن الأرض قرابة المتر وتتدلى فروعها حتى تلامس الأرض ومَرَدَ ذلك لثقل ثمرتها وضعف عودها. لها أشواك حادة وبارزة على جانبي الساق وفروعه، وكذلك على العِرق المنصّف للورقة والورقة عريضة بيضاوية أما ثمرتها فأول ما تبدأ خضراء ثم تَصْفرّ شيئاً فشيئاً حتى يكتمل صفارها وشكلها كروي كالطماطم، بداخلها عدد كبير من البذور الصغيرة ذات المذاق المُر بل يعد هذا النبت من أشد النباتات مرارة. لم يرد في مؤلفات اللغويين القدماء وصفٌ دقيق لهذا النوع من النبات كوصفهم لغيره فجاء في اللسان: ((ووجدنا بخط علي بن حمزة: الحذق: الباذنجان بالذال المنقوطة، ولا أعرفها. الأزهري عن ابن الأعرابي: يقال للباذنجان الحَدَق والمغد ... )) (١) . وجاء في المعتمد عن ابن البيطار: ((اسم لنوع من الباذنجان بريّ وثمره يكون أخضر، ثم أصفر، وقدره على قدر الجوز وشكله شكل الباذنجان سواء، وورقه وثمره وأغصانه وسماه بعضهم: شوك العقرب..)) (٢) . وقول صاحب المعتمد إن ثمرة الحدق وثمرة الباذنجان سواء فيه نظر إذ إن ثمرة الحدق دائرية الشكل كالطماطم الدائرية على حين أن ثمرة الباذنجان أسطوانية الشكل هذا جانب، والآخر هو الحجم فالباذنجان أكبر حجماً من الحدق في هذه المنطقة بعض أبناء هذه المنطقة ومناطق أخرى يطلقون عليه اسم “ الحَدَج ” إلا أن القدماء ذكروا أن الحدج لغة في الحنظل ولم يُبينوا الفرق بين النبتين (٣) .

стр. 795

يطلق بعض أهل السراة على هذا النوع من النبت “ الحَدَق ” بفتح أوله وثانيه. والبعض الآخر يقولون: “ حَدَج ” بالجيم مكان القاف ونطقهم لصوت الجيم قريب من القاف. وقد أشار علماء العربية القدماء لهذا النطق الذي بين الجيم والكاف والقاف وبينوا التقسيمات النطقية لكل منها (١) . بداية النمو حُلّب اكتمال النمو اسم النبتة: خبيزا، حُلَّيبا، حُلَّب، مُرّه، الغزالة. أماكن وجودها: تنتشر في الوديان والمزارع، وحول المنازل، وسفوح الجبال، ويقل وجودها في أعالي الجبال. وصفها: نبتة تفترش الأرض، أوراقها طويلة بدون عرض، يخرج من بين أوراقها المتمايلة على بعضها سيقان متفرقة قليلة، تنتهي بوردة لونها وردي مع زرقة بداخلها. أما جذرها فوتدي، يحتوي على مادة سائلة بيضاء متى ما قطع الجذر أو أي جزء من البقلة سالت منه هذه المادة الشديدة المرارة. يستخدم النساء هذه المادة بوضعها على الثدي، بغية إفطام الرضيع عن أمه. قال عنها علماء العربية القدماء: ((والحلب: نبات ينبت في القيظ بالقيعان وشطآن الأودية، ويلزق بالأرض حتى يكاد يسوخ ولا تأكله الإبل إنما تأكله الشاء والظباء وهي مغزرة مسمنة وتحتبل عليها الظباء يقال: تيس حلب.. وهي بقلة جعدة غبراء في خضرة تنبسط على الأرض يسيل منها اللبن إذا قطع منها شيء ... )) (٢) .

стр. 796

أهل هذه المنطقة يطلقون جميع التسميات السابقة عدا اسم الغزالة، فيقولون الخُبيزا؛ لأنها تشبه في استدارتها الخبزة التي هي الطُلمة، وأما تسميتهم لها بالحليبا فلم أجد لهذه التسمية ذكراً عند القدماء ولعل مرد ذلك للمادة التي تسيل منها والتي تشبه الحليب. أما إطلاقهم عليها اسم: مُرَّة فلأن المادة التي تحتويها هذه النبتة طعمها مُرّ، ولعلها تسمية صحيحة فقد جاء في اللسان: ((هذه البقلة من أمرار البقول والمرّ الواحد)) (١) . وبعض قرى هذه المنطقة تنطق بالاسم الفصيح للنبتة وهو الحُلَّب وبنفس الصيغة. فلعل تعدد التسميات لها مشتق من صفات هذا النبت كأهل نجد الذين يطلقون عليها اسم: الغزالة؛ لأن الظباء تحتبل عليها. بداية النمو حُمَّاض اكتمال النمو اسم النبتة: حُمَّاض، (حُمَّيْضا) . أماكن وجودها: سفوح الجبال، وبين الصخور، وكذلك في الشعاب. وصفها: نبتة ترتفع عن الأرض إلى قرابة نصف المتر، جذرها أصفر اللون، يتفرع منه مجموعة من الفروع الصغيرة يتخلل السوق أوراق ملساء، خضراء اللون، متوسطة الحجم، تشبه إلى درجة كبيرة أوراق العُثْرب، وكذلك السوق وما تفرع عنها، إلا أن أوراق هذه النبتة أصغر حجماً من أوراق العثرب وأسْمَك. أما الثمرة فذات لون أحمر، يتخللها خطوط حمراء قانية، بداخلها حبة خضراء. وطعم جميع أجزاء هذا النبات شديد الحموضة، ولعل سبب تسميته بهذا الاسم لهذه العلة.

стр. 797

يطلق بعض أهالي المنطقة على هذا النوع تسمية (الحُمَّيْضَا) . ولم أجد هذه التسمية في مؤلفات القدماء، أما بعضهم الآخر فينطق الاسم الفصيح الحُمّاض. قال الأزهري: ((والحُماض بقلة برية تنبت أيام الربيع في مسايل الماء ولها ثمرة حمراء، وهي من ذكور البقول وقال رؤبة (١) : كثمر الحُماض من هَفْت العلق ومنابت الحماض: الشُّعيبات وملاجيء الأودية، وفيها حموضة..)) (٢) . إلا أن أبا حنيفة قال: ((الحُماض من العُشب، وهو يطول طولاً شديداً وله ورقة عظيمة، وزهرة حمراء، وإذا دنا يُبْسُه ابيضّت زهرته، والناس يأكلونه..)) (٣) . ولعل أبا حنيفة يعني بالحُمَّاض هنا ما يطلق عليه (العُثْرُب) فهذه النبتة تتمثل جميع هذه الأوصاف إلاّ أن العثرب شيء والحماض شيء آخر. خِرْوَع اسم النبتة: خِرْوَع. أماكن وجودها: توجد في أغلب أودية جبال السِّراة بيد أن كثرتها تكون بالقرب من المساكن وفي المسارب المؤدية إليها وعلى حواف الأراضي الزراعية والأماكن القريبة من الماء، ولم أجدها في أعالي الجبال أو سفوحها. صفتها: نبتة طبيعية رخوة، تنمو في أوائل فصل الربيع، وتذبل في فصل الصيف، ترتفع عن الأرض قرابة المتر ويزيد ارتفاعها في الأماكن التي تكثر فيها المياه، يبدأ نموها بسوق خضراء، تتفرع من أصل الجذر الوتدي، مُجوفة من داخلها يتخللها أوراق عريضة وطويلة، شديدة الخضرة، ناعمة الملمس، ينصفها عرق أخضر كبير، وخطوط شعرية على امتداد الورقة. أما ثمرتها فتكون على شكل كعابر صغيرة، خضراء في بداية نموها، تحمل حباً صغيراً بحجم الحبة السوداء، فإذا شاخت النبتة وصارت إلى الذبول، انقلب لون هذه الكعابر مع السوق إلى اللون البُني، وتناثرت حبوبها على جنبات النبتة الأصلية، ولهذا السبب نجد كثرة هذا النبات في بقعة دون أخرى.

стр. 798

أما النبات الذي عرض له الدكتور حسن مصطفى في كتابه (١) ووسمه بالخروع فلا يعرفه أهالي هذه المنطقة ولم يشر إليه القدماء في مؤلفاتهم ولا أظن أن هذه النبتة هي المرادة في بيت عنترة. تأكل الماشية من هذه النبتة كعابرها، وما يعلو النبتة من فروع، ويقال إنّ الماشية تسمن عليها. قال عنها ابن منظور: (( ... ومنه قيل لهذه الشجرة: الخروع؛ لرخاوته وهي شجرة تحمل حباً كأنه بيض العصافير يسمى: السمسم الهندي..)) (٢) . ولا تزال هذه التسمية تطلق على هذا النوع من النبات عند أهل هذه المنطقة إلا أنهم استبدلوا فتحة الواو بكسرة فيقولون: ((الخِروِع)) . ولعل هذا من باب الإتباع إتباع حركة الواو لحركة الخاء. زَقُّوم اسم النبتة: الزَّقُّوم. أماكن وجودها: تنتشر في أودية جبال السراة، وحول المنازل والمسارب المؤدية إليها. وصفها: تنبت على شكل أسْوق غبراء اللون، كأسوق العرفج، إلا أنها أسمك، يتخللها ورق أخضر في بداية النمو، ثم تكسوه غبرة عند الكبر، شكلها شبه دائري. ينمو على جوانب كل ساق كعابر مستديرة شوكية، إذا قَرُب الإنسان أو الحيوان منها علقت به. عودها وورقها شديد المرارة، وشكلها قبيح، بل تُعَدّ من أقبح النباتات شكلاً. وقد وصفها أبو حنيفة بقوله: ((أخبرني أعرابي من أزد السراة قال: الزَّقُّوم شجرة غبراء صغيرة الورق مدروتها، لا شوك لها، ذَفِرة مُرَّة لها كعابر في سوقها كثيرة، ولها وريد ضعيف جداً يجرسه النحل، ونورتها بيضاء، ورأس ورقها خبيث جداً)) (٣) . وقد أحسن الأعرابي في وصف هذه النبتة. ومازال هذا النوع موجوداً وبنفس التسمية القديمة عند ناس هذه المنطقة.

стр. 799

أما استعمال هذا النبات فلم يذكر لي أهالي السراة أي استعمال له حتى الحيوانات لا تأكله. السَّخْبر اسم النبتة: السَّخْبر. أماكن وجودها: يوجد في أعالي الجبال وسفوحها. ولم أجده في الوديان أو ما جاورها. وصفها: عُشبة ترتفع عن الأرض إلى قرابة نصف المتر، يخرج من أطرافها العليا زهر بني يشبه جزء السبلة. عوده دقيق أصفر اللون يغطي بعض أجزائه قشرة خضراء خشنة الملمس له رائحة عطرية جميلة، خاصة إذا ما وضع على الشاي كالحبق وغيره من ذوات الروائح العطرية. قال أبو حنيفة عن أبي زياد: ((ومن الشجر: السَّخْبر، وهو الغَرز، مشبهان، ينبتان نبت الإذخر على طوله وعرضه وريحه وأخبرني بعض الأعراب أن منابت السخبر: الجلد، والأقبال (١) الغليظة، لا ينبت في السهل ولا في وادي مَيَّه (٢) وقال بعض الرواة: السخبر شجر يشبه الثُمام له جرثومة وعيدانه كالكراث في الكثرة، كأن ثمره مكاسح القصب أو أرق منها ذا طال تدلت رؤوسه وانحنت وفيه حرارة وذَفَر طيب..)) (٣) . من النص السابق يتضح لنا وسم أبي حنيفة لهذا النوع من النبات بالشجر وليس كذلك كما هو واضح في الصورة ولعل القدماء كانوا يتجوزون في التعبير عن النبات بالشجر أو العكس وهذا دليل على ذلك إذ إن السخبر نبت صغير من أنواع الحشائش كما سبق وصفه وما زالت هذه التسمية وبنفس الصيغة موجودة عند أهالي هذه المنطقة. سُذاب اسم النبتة: سَذاب، فَيْجَن، حَزاء، فيجل، الخُفْت. أماكن وجودها: ينتشر في معظم مناطق السراة، إذ ينبت في الجبال، والأودية، وقرب المنازل، وعلى جنبات الطرق.

стр. 800

وصفها: نبات أخضر اللون يميل إلى الزّرقة، يصل ارتفاعه إلى المتر، يتكون من مجموعة من السيقان، يتخللها فروع جانبية، وأوراق صغيرة خضراء اللون، يعلوه زهرة صفراء لها رائحة قوية عطرية، تكتمل هذه الزهرة في آخر فصل الصيف، يتوسط الزهرة حبة خضراء كحبة البُنّ إلا أنها مستديرة. لهذا النوع فوائد طبية كثيرة (١) . لم يوضح لنا علماء العربية القدماء وصف هذا النبات كتوضيحهم لغيره إلا أنهم أشاروا إليه في مصنفاتهم ومما ورد عنهم قول أبي حنيفة: ((السذاب: الفيجن، السذاب: فارسي معرب، قد جرى في كلام العرب، وسذاب البر هذا الذي يقال له: الحَزَاء وهو نبت)) (٢) . وقال أبو هلال العسكري: ((والفيجن: السذاب)) (٣) . ويقول ابن دريد: ((والفيجن الذي يسمى السذاب لغة شاميّة. قال أبو بكر: لا أعرف للسذاب اسماً في لغة أهل نجد إلا أن أهل اليمن يسمونه الخُفْت)) (٤) . وقال ابن منظور: ((الحزا والحزاء جميعاً نبت يشبه الكَرَفْس، وهو من أحرار البقول ولريحه خَمْطَة تزعم الأعراب أن الجن لا تدخل بيتاً يكون فيه الحزاء..)) (٥) . وقد أكد آدي شير فارسية الكلمة فقال: ((السداب والسذاب نبات يقارب شجر الرمان، ورقه كالصعتر، وزهره أصفر ورائحته بجملته مكروهة تعريب سِدَاب ومنه التركي سداف)) (٦) .

стр. 801

ومما سبق نلحظ قول علماء العربية القدماء بفارسية الكلمة وأنها ليست عربية، إلا أن وصف آدي شير لهذا النوع من النبات ليس دقيقاً. فهذا النبات لا يصل إلى ارتفاع شجر الرمان، كما أن رائحته ليست كريهة، وأوراقه ليست كأوراق الصعتر. فلعل ما ذكره نبت آخر غير الذي نحن بصدده. أما قول ابن منظور إن الجن لا تدخل بيتاً يكون فيه الحزاء فلازال هذا الزعم إلى اليوم. وهذه التسمية مازالت تطلق على هذا النوع من النبات إلى عصرنا عند أهالي هذه المنطقة وعند غيرهم ممن يقطنون السراة، ويجمعون عليها دونما خلاف حتى في نطقهم لها إلا أنهم استبدلوا فتحة السين بضمة فيقولون: (السُّذاب) أما بقية أسماء هذه النبتة فلا يعرفها أهل هذه المنطقة. السَّنُّوت اسم النبتة: السَّنُّوت. أماكن وجودها: الوديان، وبالقرب من المنازل، والمسارب المؤدية إليها. وصفها: نبات حولي يبدأ نموه مع أوائل فصل الربيع، وهو عبارة عن مجموعة من السيقان الخضراء القانية المخططة بخطوط دقيقة، تتفرع إلى عدّة فروع، وكل فرع يعلوه خيوط خضراء دقيقة ناعمة وهي كالأوراق في بقية النباتات، تتحول هذه الخيوط بعد أن يشيخ النبات إلى اللون الأصفر، وكذلك السوق. أما الزهرة فخضراء على شكل مظلة دائرية، وذلك في بداية تكونها، تحمل حبوباً صغيرة خضراء. وتتفرع الزهرة إلى مجموعات، كل مجموعة تحمل كماً من الحبوب، وفي أواخر فصل الصيف تبدأ في الاصفرار، وتكبر الحبوب التي تحملها مع الاحتفاظ بلونها الأول، وهذه الحبوب مضلعة الشكل لها رائحة جميلة وحجمها كحجم حبوب الشَّمَر. أما طول هذا النبات وقصره فيتوقف على البيئة التي ينمو فيها، فإن كانت التربة جيدة والماء كثير فيرتفع إلى أكثر من مترين وإن كانت الأرض غير جيدة والماء قليل فيصل ارتفاعه إلى المتر أو يزيد قليلاً. له رائحة جميلة، وأهل المنطقة يستخدمون فروعه للسواك لأنه يطيب الفم.

стр. 802

جميع أجزاء هذا النبات يستفاد منها حيث تطبخ الخيوط الشعرية وكذلك الفروع الرطبة وتؤكل وذلك في بداية نمو هذا النبات. كما يصفون الثمرة للعديد من الأمراض، كالأمراض الباطنية، والغثيان، والقيء وغيرها وهو مُجَرَّب (١) . عرض لهذا النبات جلّ علماء العربية القدماء، وكذلك بعض الباحثين المحدثين، بغية الوصول إلى تحديد هذا النوع من النبات لما ذُكر من فوائده في أحاديث المصطفى (التي من بينها قوله: ((لو كان شيء ينجي من الموت لكان السَّنا والسنوت)) (٢) علاوة على ما ورد في الأثر والتراث العربي عنه. أما ما ذكره بعض اللغويين عن هذا النبات فقول أبي حنيفة: ((أخبرني أعرابي من أعراب عمان قال: السنوت عندنا الكمون. وقال: وليس من بلادنا ولكن يأتينا من كِرمان. وقال لي غيره من الأعراب: هو الرازيانج ونحن نزرعه، وهو عندنا كثير. وقال: هو رازيانجكم هذا بعينه قال الشاعر: هم السمن بالسنوت لا ألس فيهم ... وهم يمنعون جارهم أن يقردا وقد أكثر الناس فيه، فقال بعض الرواة: السنوت هاهنا الشمر، وقيل: الرّب. وقيل: العسل، وقيل: الكمون. وقال ابن الأعرابي: هو حب يشبه الكمون وليس به)) (٣) . وقال أبو حنيفة في موضع آخر (٤) إنه السِّبت، أي الشِّبت.

стр. 803

ومما سبق يتضح لنا خلاف العلماء حول تحديد هذا النوع من النبات. والراجح أن قول ابن الأعرابي هو الصحيح؛ لأنَّ غالبية من يقطنون السراة يجمعون على هذه التسمية، وهو كما قال ابن الأعرابي يشبه الكمون لدرجة اللبس، ولكن المدقق في النباتين يلحظ الفرق بينهما. فنبتة الكمون تتقارب سوقه وتتفرع، وثمرته مجتمعة مع بعضها، أما السنوت فكل ساق ينبت على حدة من أصل الجذر، وثمرته دائرية، ولكنها متفرقة. كما أن حبوب ثمرة الكمون، تختلف عن حبوب السنوت، فالأولى بنية اللون، والثانية خضراء. وقد قارنت بين النباتين مقارنة عملية، بغية التعرف على الفروق الدقيقة بين النبتتين، فوقفت على الفروق السابقة. أما ما ورد في بيت الحصين بين القعقاع، فالراجح أنّ المقصود به العسل، وليس النبات؛ لأن العرب دائماً يقرنون بين السمن والعسل. وعلى هذا فتكون كلمة السنوت من كلمات المشترك اللفظي (١) ويكون الفيصل في تحديد دلالتها السياق الواردة فيه الكلمة. ومازال أهل هذه المنطقة بل أهالي السراة يُجمعون على أن هذه التسمية تطلق على هذا النوع من النبات. أما نطقهم للكلمة فبفتح السين وضم النون مع تشديدها وهي لغة فصيحة قال ابن الأثير: ((ويروى بضم السين والفتح أفصح..)) (٢) . ضُرَم اسم النبتة: ضُرَم. أماكن وجودها: توجد بكثرة في أعالي الجبال، وبين الصخور، وحول شجر العرعر، وكذلك على جنبات السفوح والوديان. وصفها: نبتة ترتفع عن الأرض قرابة المتر أو أكثر قليلاً، سوقها ناعم، وكل ساق على حدة وذلك من أصل الجذر يتخللها أوراق خضراء قانية كأوراق الشِّيح، على شكل الرقم ثمانية وهذا اللون للأوراق في أوج نموها، ثمّ ينقلب لونها بعد أن تكبر النبتة نحو الغبرة. يبدأ نموها في أوائل فصل الربيع، وتبدأ في الذبول في أواخر الصيف.

стр. 804

أما ثمرتها فذات لون وردي، يخالطها سواد لمن رآها عن بعد، وبياض يميل إلى الاصفرار، لها رائحة عطرية ذكية. يضعها بعض أبناء المنطقة على اللبن ليذكي طعمه. قال عنها أبو حنيفة: ((شجر طيب الريح، وكذلك دخانه طيب)) وقال: ((الضُرَم واحدته ضُرْمة شجر نحو القامة، أغبر الورق، شبيه بورق الشيح أو أجل قليلاً، وله ثمر أشباه البلوط حُمْر إلى السواد تأكله الغنم ... وله ورد أبيض صغير كثير العسل.. ولعسله فضل في الجودة، وله حطب لاجمر له وهو طيب الرائحة)) (١) . ووصْف أبي حنيفة للنبتة كان دقيقاً إلا أن هذا النوع لايصل ارتفاعه - كما ذكر - إلى القامة، إلاّ أن يكون ذلك في أماكن أُخر. وهذا الاسم للنبتة مازال مستخدماً بمعناهُ ولفظه لم يمسسه تغيير عند أهل هذه المنطقة. طُبّاق جبلي طُبّاق اسم النبتة: طُبّاق. أنواعها: نوعان: النوع الأول: ينبت هذا النوع في أعرقة الركبان وأخصّ منها ما كان في الوديان أو قريباً منها. وصفها: نبتة صغيرة تُعد من النباتات المتسلقة ساقها أخضر ناعم مَليء بالماء، وأوراقها دائرية شفافة ناعمة خضراء ما أن يضغط عليها الإنسان حتى تتصبب ماء. أما ثمرتها فشبيهة بثمرة العثرب حمراء اللون، يبدأ نموها في فصل الشتاء وتموت قبل بداية الخريف. تأكلها الحيوانات وخاصة الأغنام. النوع الآخر: الطُبَّاق الجبلي. هذا النوع لا يشبه النوع الأول، وليس بينهما تقارب في الشكل. ويوجد في أعالي الجبال وسفوحها، ولم أجده في الوديان، وأكثر مايكون بين شجر العرعر التي تشتهر بها هذه المنطقة.

стр. 805

وصفها: نبتة متعددة الفروع يصل ارتفاعها إلى قرابة السبعين سنتيمتراً تقريباً. يتفرع كل فرع إلى فروع أُخر يتخلل سوقه أوراق كثيرة مزدحمة وطويلة مع الدقة مَشَرَّمة الأطراف ولونها أخضر فاتحة اللون، تميل إلى الصفرة لناظرها عن بعد ولا تكاد تجد منه نبتة منفردة، بل يكون مجتمعاً عزيراً. من ميزات هذا النبات: أن أوراقه تحوي مادة لزجة كأنها الصمغ، إذا أمسك بها الإنسان بشدة لصقت بيده، ولعل هذا السبب الرئيس الذي جعل العرب القدماء يستخدمون هذا النبت في علاج الكسور. وما زال إلى اليوم. قال عنه أبو حنيفة: ((الطُبَّاق بالضم والتشديد شجر، وقال الدينوري: أخبرني بعض أزد السراة قال: الطُبّاق شجر نحو القامة ينبت متجاوراً لاتكاد ترى منه واحدة منفردة، وله ورق رقاق خضر تترنج (١) إذا غُمِزت. يُضمد بها الكسر فتلزمه فتجبر، وله نور أصفر مجتمع. ومنابته الصخر مع العَرْعَر)) (٢) . أما النوع الأول من هذا النبت فلم أجد له ذكراً في مؤلفات القدماء، ولعل مردّ ذلك إلى عدم انتشاره وكثرته، ولصغر النبتة واختفائها في الموضع المشار إليه سابقاً. أما النوع الثاني فما زال موجوداً ويكثر في أعالي الجبال ويطلق عليه الناس في هذه المنطقة نفس المسمى الفصيح ويستعملونه لنفس الغرض. بداية نموها عُبُب اكتمال نموها اسم النبتة: عُبُب. أماكن وجودها: تنتشر في أكثر مناطق السراة: الجبال، الوديان، وعلى جوانب الطرقات، وتكثر في الأماكن القريبة من المياه.

стр. 806

صفتها: ترتفع عن الأرض قرابة المتر والنصف، وتتفرع إلى فروع كثيرة، تنشطر هذه الفروع من الساق. تبدأ في النمو على شكل سيقان خضراء اللون مجتمعة، تحمل الفروع أوراقاً كثيرة، خضراء قانية كبيرة، في طول ورقة التين إلا أنها أقل عرضاً، وأغلب أوراقها يتخللها ثقوب. أما ثمارها: فهي كروية الشكل حمراء، تكون داخل أقماع خضراء في بداية النمو ثم تميل إلى الصفرة وهو ما يسمى بالكأس. هذا الثمر الأحمر على شكل حبوب أكبر قليلاً من حب البُنّ مستديرة، وبعض حبوبها تكون صغيرة نتيجة لقرب النبتة من الماء وبعدها، وبداخل الحبة الحمراء حبوب صفراء صغيرة طعمها مُرّ، وداخلها كالطماطم. قال عنه أبو حنيفة: ((والعبب ضرب من النبات، زعم أبو حنيفة أنه من الأغلاث تشبه الحرمل، إلا أنه أطول في السماء تخرج خيطاناً، ولها سنفة مثل سنفة الحرمل، وقد تقضم المعزى من ورقها.. وقال أعرابي: إن العبب هو حبُّ أحمر كأنه خرز العقيق أصغر من النبق وأكبر من حب العنب في أخبية في كل خباء واحدة.. وورقه كثيف واسع وخطيانه عبلة طوال وهي إلى الغبرة، والتثقب إليه سريع)) (١) . وهذا التسمية مازالت مستخدمة إلى الآن. وبعض أهل المنطقة يقولون (عُبعُب) ، ولعل هذا من باب التخفيف المتمثل في التقاء المثلين وتوالي المتحركات. عسلوج عُثرُب اسم النبتة: عُثْرُب. أماكن وجودها: تنتشر في جميع مناطق جبال السراة، وتكثر في الوديان والأماكن القريبة من الماء.

стр. 807

وصفها: نبات كثير الانتشار في أودية وجبال السراة عامة. وهو من النباتات التي يبيد الشتاء فرعه ويبقى أصله، إلا أن أوج ازدهاره في فصل الربيع، يرتفع عن الأرض في المناطق الجبلية قرابة المتر أو يزيد قليلاً أما في الأودية ومناطق توفر الماء، فيزيد ارتفاعه إلى أن يصل إلى أكثر من مترين. تتفرع سيقانه إلى عدة فروع يجمعها أصل واحد. لون سيقانها خضراء مخططة بخطوط حمراء. أما أوراقها فصغيرة تنمو على الساق وفروعه، خضراء اللون طعمها حامض وثمرتها حمراء ناعمة الملمس حامضة الطعم أيضاً. يخرج بجانب الفروع الكبيرة وأسفل الجذع براعم صغيرة مليئة بالماء تُقشّر وتؤكل، وطعمها أقل حموضة من الأوراق والثمار. تؤكل هذه البراعم أو العساليج - كما وصفها القدماء - عندما يصاب الإنسان بالضرَّس (١) وبعد أكلها يذهب وهذا مُجَرَّب. وصف جلّ القدماء هذا النبت الشجري، ومن بين ماذكروه قول أبي حنيفة: ((والعُثْرُب، واحدته: عُثْرُبة، شجرة نحو شجر الرُّمان في القدر، ورقة أحمر مثل ورق الحُمَّاض، وكذلك ثمره وهو حامض عفص مرعى جيد تدق عليه بطون الماشية أول شيء وله عساليج حمر تُقَشَّر وتؤكل، وله حب كحب الحماض مُرَّة خشينة)) (٢) . وقول أبي حنيفة إن ورقه أحمر فلعله يعني الثمرة أما الورق فأخضر اللون، كما أنّ طعم الأوراق حامض وليس مُراً. وما زالت هذه التسمية تطلق على هذا النوع من النبات إلى عصرنا عند من يسكن جبال السراة سواء كانوا من أهل المنطقة أو غيرهم من القبائل الأخرى. بداية نموها عَرْفج اكتمال نموها اسم النبتة: عَرْفج، وحُلْبة.

стр. 808

أماكن وجودها: تنبت على قمم جبال السراة وسفوحها، والسهول والوديان، وقد رأيته في أكثر مواطن الجزيرة. وصفها: عبارة عن نبتة لايتجاوز ارتفاعها نصف المتر لها جذع يخرج منه مجموعة من العيدان الخضراء في بداية نموها تتفرع إلى عدة فروع هشة، يعلو كل عود منها ثمرة صفراء ناعمة الملمس. ليس لها أوراق، ولكن يخرج على جنبات الساق براعم ريشيه صغيرة. رائحتها طيبة، وإن كان طعم العود والثمر مرّاً، يبدأ نموها في أوائل فصل الربيع وتشيخ في أواخر فصل الصيف إلاّ أنه يبقى أصله وفرعه طول العام. كان الناس يستخدمون هذه النبتة - ومازال بعضهم - لعدّة أغراض منها حَوْق (١) البيت وتسمى المِحْوقَة (٢) وذلك بعد أن تُجزّ عيدانها وتربط من أسفلها برباط. كما يستخدمونها في إشعال النار لاتقادها. ذكر هذه النبتة كثير من علماء العربية ومما دونوه قول بعضهم: ((والعَرْفج والعِرفْج نبت وقيل: هو ضرب من النبات سهلي سريع الاتقاد. العرفج واحدته عرفجة.. وقيل هو من شجر الصَّيف، وهو لين، أغبر، له ثمرة خشناء كالحسك.. عن أبي زياد العرفج طيب الريح أغبر إلى الخضرة، وله زهرة صفراء، وليس له حب ولا شوك..)) (٣) . وقال أبو عبيد: ((إذا مُطِر العرفج ولان عوده ثَقَب عوده، فإذا اسوَدَ قيل: قد أقمل: لأنه يُشبَّه ماخرج منه بالقمل..)) (٤) . وهذه التسمية إلى الآن تُطلق على هذا النبت وبنفس الصيغة الفصيحة. أما مسمى (حُلْبة) فقد جاء في اللسان قوله: ((والحلبة: العَرْفج)) (٥) وهذه التسمية لايعرفها أهل هذه المنطقة. عَصْبَه

стр. 809

اسم النبتة: عَصْبة وتُسمّى: لَبْلاب (١) ، وعَطْفَة. أماكن وجودها: تكثر في الوديان بين الأشجار والنباتات الصغيرة. وصفها: نبتة صغيرة لها سوق دقيقة، تخرج منها براعم كبراعم الحَبَل (٢) تلتفّ على النباتات والأشجار التي حولها يتخلل الساق أوراق خضراء متفرقة بحجم ورق العبب، إلا أنها ملساء ناعمة ضعيفة، يخرج في بعض عناقيدها ثمرة ورديّة اللون مع بياض بداخلها. لا رائحة لها، تمتد على الأرض أو الشجر إلى أكثر من أربعة أمتار. تأكلها المواشي وخاصة الأغنام. قال عنها كراع النمل: ((والعصبة نبتة تلتوي على الشجر)) (٣) . قال أبو حنيفة: ((والعَصْبة والعَصَبة والعُصْبة.. كل ذلك شجرة تلتوي على الشجر وتكون بينها ولها ورق ضعيف، والجمع عصب قال: إن سلُيمى علقت فؤادي ... تنشُّب العصب فروع الوادي وقال مَّرَّة: العصبة: ماتعلق بالشجر فرقي فيه وعصب به. قال: وسمعت بعض العرب يقول: العصبة هي اللبلاب، وهي العطِفة والعَطفة)) (٤) . هذا الاسم ((عصبة)) عَرَفه كل من لاقيت من ناس هذه المنطقة وينطقونها بنفس الصيغة، أما بقية المسميات الخاصة بهذه النبتة فلم يعرفوها فربما تكون لغة قبائل أخر إذ إن هذه النبتة واسعة الانتشار في السراة وتهامة ونجد. وقول أبي حنيفة بأن العصبة شجر فهذا من قبيل التجوز كما سبق بيانه. عُقَّار اسم النبتة: عُقَّار، حُرَّاق. أماكن وجودها: من النباتات قليلة الانتشار، حيث يوجد في الوديان وحول المنازل والمزارع، وليس له وجود في الجبال وسفوحها. وصفها: نبت ينمو على ساق واحدة، ولا فروع له يرتفع عن الأرض قرابة

стр. 810

(٥٠) سم أو أكثر قليلاً وتجتمع مع بعضها أحياناً، يتخلل الساق أوراق كأوراق النعناع، إلا أنها خشنة، يتخللها بعض الأشواك الشعرية الصغيرة التي تنتشر على جميع أجزاء الورقة ولونها أخضر شديد الخضرة، إذا مَرَّ الإنسان بجواره، ووقع على جسمه آلمه ألماً شديداً؛ لأن له لسعاً كلسع النار، وتبقى حرارته بضع ساعات، وربما ظهر مكانها بقع حمراء على الجلد. يبدأ النبت هذا في النمو في فصل الربيع، ويذبل في أوائل الصيف. وهو من النباتات التي تحجم عنها جميع الحيوانات ولا تأكلها. الاسم الفصيح الذي أورده القدماء هو (العٌقَّار) وبعض أبناء هذه المنطقة يطلقون عليه هذا الاسم الفصيح، وبنفس الصيغة. أما تسميتهم له ب (الحُرَّاق) : فلأنه يحرق كما تحرق النار، فاشتقوا له هذا الاسم من أَثَرِه وقد بحثت في أغلب الكتب القديمة فلم أجد أحداً من العلماء وسمه بهذا الاسم. بداية النمو العَكَش اكتمال النمو اسم النبتة: العَكَش، العَقَش. أماكن وجودها: يكثر وجودها في الوديان، على أطراف المزارع، وحواف الآبار. وقد رأيتها منتشرة في أغلب وديان جبال السراة. صفتها: نبات يرتفع عن سطح الأرض قرابة أربعة أمتار أو تزيد بالتفاف سوقه وأعضائه على بعضه أو على ما يجاوره من شجر، وتنمو على شكل سوق خضراء لايتجاوز سمكها (٢) سم، يتخلل الساق أشواك معقفة حادة مثلثة الشكل، يميل لونها إلى الحمرة، خاصة الجزء الحادّ منها. يتفرع من الساق عدة فروع يتخللها مجموعة من الأوراق العريضة الناعمة الملمس، شديدة الخضرة في بداية نموها، ثم تميل إلى الاصفرار، عند اكتهال النبات، وجزء الورقة السفلي محاط بالأشواك
следующие страницы →