Полный текст (6 828 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
أما ابن مقبل فلم يتعمق الإسلام نفسه ربما الجاهلة ولذلك لم يجد حرجاً في أن يوجه شعره في الإسلام ليمجد به عادات الجاهلية وتقاليدها ويجعلها دائماً حاضرة في ذهنه. ولا يهتم بالإسلام ويتحدث عنه إلا فيما ندر. وقد وجد في البادية ملجأ يلوذ به، ويفلت به من أعين الرقباء.
وإذا تجاوزنا هؤلاء الشعراء إلى الأسماء الأخرى نجد أن الحطيئة قد ارتد بعد إسلامه وشارك بشعره في حركة الردة وأعان به المرتدين ضد أبي بكر ﵁، ثم أدركته التوبة مرة أخرى. ومع ذلك ظل حتى آخر حياته موثراً لحياة الجاهلية، ونافراً من الحياة الإسلامية. واللحظات الأخيرة في حياته تصور مجونه واستهتاره، وتظهره رجلاً رقيق الدين. يسخر وهو على فراش الموت من فرائض الدين، ولا يعتد بما أمر الله به. وتدل كل إجابة في وصيته – إن صحت نسبتها إليه – على معنى مخالف للإسلام. فوصيته بماله للذكور دون الإناث تخالف صريح ما نصت عليه آية الميراث في سورة النساء (٧٨) وحينما راجعوه وقالوا له: إن الله لم يأمر بهذا! أجاب لكني آمر به (٧٩) وإلى جانب ذلك ظل الحطيئة حتى آخر حياته كلفاً بالشر، فقد تغير كل شيء من حوله في ظل الإسلام إلا نفسه، فقد نفرت من الحياة الإسلامية وآثرت عليها حياة الجاهلية لما فيها من لهو وحرية. ولهذا لم يجد حرجاً من مخالفته لأوامر الدين، وعدم التزامه بأحكامه وتعاليمه. وتطورت الأحداث السياسية منذ مقتل عثمان ﵁، ووجد بعض الشعراء متنفساً لهم في تلك الفتنة التي مرت بالجماعة الإسلامية، فانحرفوا عن جادة الدين والخلق. فالنجاشي الحارثي لا يلقى بالاً بحد من حدود الله، ولا يشعر بذنب أو خطيئة وهو يقبل على الخمرة ويحتسيها في رمضان. بل يمضي في تهتكه واستهتاره بالإسلام وقيمه. ويمثل في شعره سقوطاً آخر، يتجاوز فيه كل الحدود التي رسمها الإسلام للشعر. فالهجاء الذي كان يلقى معارضة شديدة من الخلفاء لأسباب دينيه،
стр. 912
يجد فيه قيس بن عمرو متنفساً له يخص به أتقياء الكوفة وقراءها. ويصور ذلك في هجاء مقذع يحتقر فيه أولئك الذين كانوا يكثرون من الصوم والصلاة وقراءة القرآن.
أما ضابئ بن الحارث البرجمي، فقد قاده فحشه وشره إلى السجن وإقامة الحد، ثم انتهى به أخيراً إلى القتل.
وهكذا تبين لنا من سيرة هؤلاء الشعراء الذين تقدم ذكرهم. أنهم مطبوعون على الشر، يغلب على أشعارهم الهجاء. فطائفة منهم لا تبالي في الوقوع في أعراض الناس، وأخرى يظهر من سلوكهم أنهم لا يحترمون تعاليم الإسلام وفرائضه. وقد برهنوا من خلال تلك الروايات والأشعار التي تقدمت الإشارة إليها من قبل، أنهم جميعاً يتصفون برقة الدين وقلة المروءة.
وفي نهاية هذا البحث بقيت لي كلمة لا بد من الإفصاح عنها وهي:
أدرك أن الخوض في أمور تمس العقائد والسلوك الاجتماعي، أمر شائك وصعب، فيه مزالق كثيرة، يجد المسلم نفسه في غنى عن الخوض فيها وفي تتبعها. وتزداد الأمور صعوبة وتعقيداً حينما تكون تلك الشخصيات قد عاشت في عصر مفضل، ومنهم من هو في عداد الصحابة رضوان الله عليهم – مثل – (أبو الطمحان القيني حنظلة بن شرقي) الذي ترجم له الحافظ بن حجر في (الإصابة ٢/١٨٣) وعدد من الصحابة الذين أدركوا النبي (ولم يروه.
стр. 913
وهذه الدراسة لا تسعى إلى إثبات التهم التي تناقلها الرواة عن الشعراء أو رفعها عنهم، بل هي إلمامة إخبارية. قصد من حصرها وإيرادها عرضها وإخضاعها للدراسة من خلال الموازنة بينها وبين ما نسب إلى هؤلاء الشعراء من نصوص لا تخلو من صور انحراف في السلوك والأخلاق تتنافى مع طبيعة المسلم وفطرته. صحيح أن الذي وصلنا من هذه النصوص قليل، وبذلك تظل الصورة غير كاملة، ولهذا فلا بد أن نحذر من الانسياق وراء تلك الروايات التي لم تمحص من قبل. فمهما تناقل الرواة ومهما كان في شعر هؤلاء الشعراء من إسراف أو خروج على تعاليم الإسلام فإن هذا لا يحملنا على عدم الإنصاف في الحكم بسبب تلك الروايات أو تلك الأشعار التي تصور قلق الشعراء واضطرابهم وخروجهم على حدود الأخلاق والدين.
الحواشي والتعليقات
الطَّمَحان بفتح الطاء والميم بعدها حاء مهملة. فَعَلان من طمح بأنفه وبصره إذا تكبر والقين:
الحداد، وكل صانع قَيْنٌ، والقين أيضاً موضع القيد من البعير. محمد بن يزيد المعروف بالمبرد، الكامل في اللغة والأدب ط ليبيسك، (بيروت، مكتبة المعارف، د. ت) ، ج ١ ص ٣٠.
عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الشعر والشعراء، تحقيق أحمد محمد شاكر (القاهرة. دار المعارف، ١٩٦٦م) ج١، ص ٣٨٨. وانظر: عبد القادر بن عمر البغدادي، خزانة الأدب، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون (القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٤٠٠هـ ١٩٨١م) ج ٨، ص ص ٩٤ – ٩٦.
стр. 914
أبو الفرج بن علي بن الحسين الأصفهاني، كتاب الأغاني، (القاهرة، مصورة عن طبعة دار الكتب، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، د. ت) ج ١٣، ص ٣. الخارب: سارق الإبل خاصة، ثم نقل إلى غيره اتساعاً قال الجوهري: خرب فلان بإبل فلان يَخْرُب خِرَابَة مثل كتب يكتب كتابة أي سرقها، وخرب فلان: صار لصاً. إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، ط٢، (بيروت دار العلم للملايين ١٣٩٩هـ ١٩٧٩م) ج ١، ص ١١٩.
عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري، سمْط اللالى في شرح أمالي القالي، تحقيق عبد العزيز الميمني، ط٢ (بيروت، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤٠٤هـ، ١٩٨٤م) ج١، ص ٣٣٢.
أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق علي محمد البجاوي (القاهرة، دار النهضة مصر للطبع والنشر، د. ت) ج٢، ص ١٨٣.
ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج١، ص ٠٣٨٨، الأصفهاني، كتاب الأغاني، ج ١٣، ص ٧، البغدادي، خزانة الأدب ج ٨، ص ٩٤.
أبو هلال العسكري، ديوان المعاني (بيروت، عالم الكتب، د، ت) ج٢ ص ١٦١، الشريف المرتضى علي بن الحسين، أمالي المرتضى، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط٢، (بيروت، دار الكتاب العربي، ١٣٨٧هـ ١٩٦٧م) ج١ ص ٢٥٧. ابن حجر العسقلاني، الإصابة، ج٢، ص ١٨٤، أشعار اللصوص وأخبارهم، جمع وتحقيق عبد المعين الملوحي، ط٢ (بيروت، دار الحضارة الجديدة، ١٩٩٣م) ص ص ٦٤، ٧٧.
стр. 915
الأصفهاني، كتاب الأغاني، ج ١٣، ص ١٢، أحمد بن محمد الحسين المرزوقي، ديوان الحماسة، نشرة أحمد أمين وعبد السلام هارون، ط٢ (القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ١٣٨٨هـ ١٩٨٣م) ج٣، ص ١٢٦٦. علي بن حسن البصري، الحماسة البصرية، تحقيق مختار الدين أحمد، ط٣، (بيروت، عالم الكتب، ١٤٠٣هـ – ١٩٨٣م) ج ١، ص ٢٨١، أشعار اللصوص وأخبارهم، ص ص ٧٣، ٧٦.
الشريف المرتضى، أمالي المرتضى، ج١، ص ٢٦٠، أشعار اللصوص وأخبارهم، ص ٧٨.
عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الشعر والشعراء، ج١، ص ٤٥٢.
محمد بن الحسن بن دريد، الاشتقاق، تحقيق عبد السلام محمد هارون، (القاهرة، مطبعة السنة المحمدية ١٣٧٨هـ ١٩٥٨م) ص ٢٣٢.
محمد بن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر (القاهرة، مطبعة المدني، ١٣٩٤هـ ١٩٧٤م) ج ١، ص ١٥٠.
تميم بن أبي بن مقبل، ديوان ابن مقبل، تحقيق الدكتور عزة حسن (دمشق، مطبوعات مديرية إحياء التراث القديم ١٣٨١هـ ١٩٦٢م) ص ١٣٢.
ديوان ابن مقبل، ص ص ١٣٧، ١٣٨.
ديوان ابن مقبل، ص ص ١٤٠، ١٤١.
ديوان ابن مقبل، المقدمة، ص ص ١٢، ١٣.
ديوان ابن مقبل، المقدمة، ص ص ١٣، ١٤.
ديوان ابن مقبل، ق ٣، ص ص ١١ – ٢١.
ديوان ابن مقبل، ق ٤٢، ص ص ٣٣٥ - ٣٤٦.
الحسن بن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد (القاهرة مطبعة السعادة، ١٣٧٤هـ ١٩٥٥) ج٢، ص ١٥٢، ج٢ ص ٨١٤ (تحقيق محمد قَرْقزان) .
ديوان ابن مقبل، ص ١٤.
ديوان ابن مقبل، ص ١٧.
ديوان ابن مقبل، ص ٣٤٦.
ديوان ابن مقبل، ص ص ٢٤، ٢٥.
ديوان ابن مقبل، ص ص ٧٢، ٧٦.
ديوان ابن مقبل، ص ص ٢٦٧، ٢٧٢، ٢٧٣.
الأصفهاني، كتاب الأغاني، ج١، ص ١٥٧.
ابن سلام، طبقات فحول الشعراء، ج١، ص ١١٠.
стр. 916
ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج ١ ص ص ٣٢٥، ٣٢٦، الإصابة ج٢، ص ص ١٧٧، ١٧٨.
ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج ١، ص ٣٢٢.
دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي، ترجمها عن الألمانية والإنجليزية والفرنسية عبد الرحمن بدوي، ط١ (بيروت دار العلم للملايين، ١٩٧٩ م) ص ١٦١.
ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج ٢، ص ١٧٦، الأصفهاني، الأغاني، ج ٢، ص ١٥٧.
الأصفهاني، الأغاني، ج ٢، ص ١٥٧، ابن حجر، الإصابة، ج ٢، ص ١٧٦، البغدادي، خزانة الأدب ج ٢، ص ٤٠٧.
ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج ١، ص ٣٢٢.
الأصفهاني، الأغاني، ج ٢، ص ١٦٣، وانظر الخبر أيضاً في الخزانة، ج٢، ص ٤٠٨.
طه حسين، حديث الأربعاء، ط ٨، (القاهرة، دار المعارف، د. ت) ج ١، ص ١٣٤. وانظر شوقي ضيف العصر الإسلامي (القاهرة، دار المعارف د. ت) ص ٩٩. وانظر مقدمة ديوان الحطيئة، تحقيق نعمان أمين طه، ط١ (القاهرة، مصطفى البابي الحلبي، ١٣٧٨هـ ١٩٥٨م) ص ٥١.
شوقي ضيف، العصر الإسلامي، ص ص ٩٥، ٩٦.
طه حسين، حديث الأربعاء، ج ١، ص ص ١٣١، ١٣٤.
الحطيئة، جرول بن أوس، ديوان الحطيئة، تحقيق نعمان أمين طه، ط ١، (القاهرة، مصطفى البابي الحلبي، ١٣٧٨هـ ١٩٥٨م) ص ٣٢٩، محمد بن يزيد المبرد، الكامل، تحقيق محمد أحمد الدالي، ط١ (بيروت، مؤسسة الرسالة ١٤٠٦هـ ١٩٨٦م) ج ٢، ص ص ٥٠٩، ٥١٠.
ديوان الحطيئة، ص ٤٧.
ديوان الحطيئة، ص ص ٥١ – ٥٢.
ينظر في هذا أخباره مع أشراف أهل المدينة، ومع عتبة بن النهاس العجلي، وحينما نزل ببني مقلد ابن يربوع، الأغاني ج٢، ص ص ١٦٤، ١٦٧، ١٧٨، وانظر أحمد بن محمد بن عبد ربه، العقد الفريد، تحقيق أحمد أمين وآخرين، ط ٣ (القاهرة، لجنة التأليف والترجمة، ١٣٨٤هـ ١٩٦٥م) ج١، ص ص ٢٨٣، ٢٨٤ وديوان الحطيئة، ص ص ٦٦، ٣٢٩.
ديوان الحطيئة، ص ص ٢٣٣، ٢٣٧، ٣٥٥، ٣٥٨.
стр. 917
حديث الأربعاء، ج ١، ص ١٢٩.
درويش الجندي، الحطيئة البدوي المحترف، ط١، (القاهرة، مكتبة نهضة مصر، ١٣٨٢هـ ١٩٦٢م) ، ص ٦٦.
يحي الجبوري، شعر المخضرمين وأثر الإسلام فيه، (بغداد، مكتبة النهضة، د. ت ص ٢٤٤) .
دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي، ص ١٩٢، نالينو، تاريخ الآداب العربية من الجاهلية حتى عصر بني أمية، ط٢، (القاهرة، دار المعارف، ١٩٧٠م) ، ص ١١٠، بلاشير، تاريخ الأدب العربي، ترجمة إبراهيم الكيلاني، ط٢، (دمشق، دار الفكر، ١٤٠٤هـ ١٩٨٤م) ج٢، ص ٣٦١.
شوقي ضيف، العصر الإسلامي، ص ص ٩٩، ٩٧، ١٠٠.
الأصفهاني، الأغاني، ج ٢، ص ١٦٣.
الأصفهاني، الأغاني، ج ٢، ص ١٥٨.
المبرد، الكامل، ج ٢، ص ٧١٥، الأغاني، ج ٢، ص ١٧١.
ديوان الحطيئة، ص ٣٩٣.
الأصفهاني، كتاب الأغاني، ج ٢، ص ١٧٧.
ديوان الحطيئة، ص ٨٦. [الطويل]
من مبلغ الحسناء أن حليلها
بميسان يسقي في زجاج وحنتم
إذ شئت غنتني دهاقين قرية
وصناجة تجذو على كل منسم
لعل أمير المؤمنين يسوؤه
تنادمنا بالجوسق المتهدم
إذا كنت ندماني فبالأكبر أسقني
ولا تسقني بالأصغر المتثلم
فلما بلغ عمر (رضي الله تعالى عنه) ، قال: والله إنه ليسوءني تنادمهم، فمن لقيه فليعلمه أني قد عزلته. وكتب في عزله فلما قدم عليه، قال: والله يا أمير المؤمنين، ما صنعت شيئاً مما ذكرت، ولكني أمرؤ شاعر، أصبت فضلاً من قوله فقلته فقال عمر: ((والله لا تعمل لي عملاً أبداً)) .
أحمد بن يحيى البلاذري، أنساب الأشراف، تحقيق محمد حميد الله، (القاهرة، معهد المخطوطات بالاشتراك مع دار المعارف ١٩٥٩م) ج ١، ص ١٢٧.
قال ابن عبد البر في خبر له، قال: حدثنا محمد بن فضالة النحوي، قال: تقدم عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشعراء ألا يشبب رجل بامرأة إلا جُلِد، فقال حميد بن ثور: [الطويل]
أبي الله إلا أن سرحة مالك
стр. 918
على كل أفنان العِضَاة تروق
فهل أنا إن عللت نفسي بسرحة
من السرح موجود على طريق
يوسف بن عبد الله بن محمد عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق على محمد البجاوي (القاهرة، مطبعة نهضة مصر، د. ت) ج١، ص ٣٧٨.
يقال سمعه عمر بن الخطاب ينشد [الكامل]
ولقد تحدر من كريمة بعضهم
عرق على جنب الفراش وطيب
فقال له إنك مقتول. ويقال إنه أنشد عمر القصيدة اليائية وفيها: [الطويل]
توسدني كفاً وتثني بمعصم
عليَّ وتحنو رجلها من ورائيا
فقال عمر: إنك ويلك مقتول.
ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج ١، ٤٠٩.
إذا مت فادفني إلى جنت كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنَني بالفلاة فإنني
أخاف إذا ما مِت أن لا أذوقها
ابن عبد البر، الاستيعاب، ج ٤، ص ١٧٤٦، ابن حجر، الإصابة، ج ٧، ص ٢٦٣.
ديوان الحطيئة، ص ٢٠٦.
ابن عبد البر، الاستيعاب، ج ١، ص ٣٤٥.
ابن عبد البر، الاستيعاب، ج ١، ص ٣٤٥.
ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج١، ص ٣٢٩، سمط اللالى، ص ٨٩٠، ابن حجر، الإصابة، ج٦، ٤٩٣ البغدادي، خزانة الأدب، ج٤، ص ٧٦.
ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج ١، ص ص ٣٢٩، ٣٣٠، البكري، سمط اللالى، ص ٨٩٠، ابن حجر، الإصابة ج ٦، ص ٤٩٢، البغدادي، خزانة الأدب، ج ٤، ص ٧٦.
ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج ١، ص ٣٣٠.
ابن رشيق، العمده، ج ١، ص ٥٢.
ابن سلام، طبقات فحول الشعراء، ج ١، ص ١٥٠.
الزبير بن بكار، الأخبار الموفقيات، تحقيق سامي محمد العاني، ط٢، (بيروت، عالم الكتب ١٤١٦هـ، ١٩٩٦م) ص ص ١٩٨، ٢٠١، ٢٠٦، ٢٠٨.
الزبير بن بكار، الأخبار الموفقيات، ص ١٩٩، وابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج ١، ص ص ٣٣٢، ٣٣٣.
نصر بن مزاحم، وقعة صفين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط٣ (القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٤٠١هـ ١٩٨١م) ص ص ٥٨ – ٥٩، ٣٠٧، ٣٧٢، ٥٢٤ – ٥٢٦.
стр. 919
ابن سلام، طبقات فحول الشعراء، ج ١، ص ١٧٢.
محمد بن يزيد المبرد، الكامل، تحقيق محمد أحمد الدالي، ج ١ (بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٦هـ ١٩٨٦م) ج ٢، ص ٥٠٢.
معمر بن المثنى، نقائض جرير والفرزدق، تحقيق أ. بيفان من منشورات كيمبرج ١٩٠٥م واعتمدت على نسخة مصورة عن هذه الطبعة قامت بتصويرها دار الكتاب العربي، بيروت، دون تاريخ ج ١، ص ٢٣٠، وانظر البغدادي، خزانة الأدب ج ٩، ص ٣٢٦.
معمر بن المثنى، نقائض جرير والفرزدق، ج ١، ص ص ٢١٩، ٢٢٢ ابن سلام طبقات فحول الشعراء، ج١ ص ص ١٧١ – ١٧٥، المبرد، الكامل، ج ٢ ص ص ٥٠٢، ٥٠٣ البغدادي، خزانة الأدب، ج ٩، ص ص ٣٢٤، ٣٢٧
معمر بن المثنى، نقائض جرير والفرزدق، ج ١، ص ٢٢٠.
الأصفهاني، كتاب الأغاني، ج ٤، ص ص ١٣٨، ١٣٧.
معمر بن المثنى، نقائض جرير والفرزدق، ج ١، ص ٢٢٠.
معمر بن المثني، نقائض جرير والفرزدق، ج ١، ص ٢٢١.
سورة النساء، آية ١١.
ديوان الحطيئة، ص ٣٥٦.
стр. 920
المسافة بين
الشعر............................ والفكر
((أحمد جمال نموذجاً))
د. جميل محمود هاشم مغربي
الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية - كلية الآداب
جامعة الملك عبد العزيز
ملخص البحث
يتجلى الفرق بين طبيعة الشعر، كتجربة إبداعية، وطبيعة النثر، كعملية عقلية، بصورة أكثر وضوحاً، لدى أولئك الأدباء الذين استهلوا حياتهم بالدخول إلى الأدب عبر بوابة الشعر، ثم قيّض الله لهم الانتقال إلى عالم الفكر، وما يستتبعه من ممارسة عقلية، تنأى به عن عالم الشعر، وما يكتنفه من خيال وتجنيح، إلى عالم الفكر وما يقتضيه من وضوح ومباشرة، وجدلية تتطلع إلي الإقناع عبر الحجة والدليل.
ولم يكن اختيار اجمد جمال باعتباره المثال الوحيد في بابه، ولكن باعتباره نموذجاً واضحاً بين الأدباء السعوديين لحالة الشروع في قرض الشعر، على نية الاستمرار فيه من خلال إطلاق اسم (الطلائع) على ديوانه الأول والوحيد، ثم إغلاق الباب على موهبة الشعر، والانتقال الى ميدان الفكر، والعكوف على الدراسات المتشعبة عنه.
واقتضى ذلك مواكبة مرحلة التكوين والإرهاصات الشعرية الأولى لأحمد جمال، إلى ان استوت تلك الموهبة على سوقها، وتبلورت مرحلة الشعر في حياته.
وتعين قبل الوصول الى عالم الفكر، ان نعبر الجسر الفاصل بين الحقلين، فوقف الباحث أمام قضية نقدية هامة لمناقشة طبيعة الشعر، وطبيعة النثر، وإيراد آراء وأقوال النقاد، من قدماء ومعاصرين، حول مظاهر الاختلاف بين الشعر والنثر وخصائص لغة كل منهما، وتوظيف الخيال في الشعر، والركون إلى الحقائق والأدلة في النثر.
ثم حاول البحث تلمس بواعث انتقال أحمد جمال من الشعر إلى النثر، دون ان يغفل التمثيل على هذا الانتقال بنموذجين بارزين سبقا أحمد جمال إلى نفس المسار، وهما الأستاذ مصطفى صادق الرافعى، والأستاذ سيد قطب، ﵏ جميعا.
стр. 921
ثم أفضى البحث الى حقبة الفكر في حياة أحمد جمال، وهى المرحلة التي كرّس لها قدراً كبيراً من جهده، ومنحها جلّ وقته واهتمامه، فانتج فيها عدداً من المؤلفات في ميادين الثقافة الإسلامية، وقضايا الفكر الإسلامي، وشئون المسلمين.
واقتضت معالجتنا وتحليلنا لهذه المرحلة إيراد بعض النصوص من مؤلفاته كاملة دون ابتسار، خشية الإخلال بالإطار العام، وحرصاً على ان يقف القارئ الذي لم تتح له فرصة الاطلاع على مؤلفات الأستاذ أحمد جمال الوقوف على تلك النصوص كاملة، إذ لا يكفى الحكم مع غياب النص. وإيراده كاملاً وإن طال أجدى من ابتسار النص والإخلال بالقصد وحفزنا على ذلك القناعة بان هيكلية كل بحث تنبع من داخله وخطته يرسمها مدلول البحث نفسه.
وانتهى البحث إلى عقد موازنة بين أحمد جمال ومن شاركه في انتهاج النهج نفسه، وهما المرحومان الرافعى وسيد قطب، كشفت عن اتساع مساحة الاهتمام والإسهام الفكري لأحمد جمال حيث شملت التفسير وعلوم الحديث والدراسات الفكرية والاجتماعية وقضايا الأقليات المسلمة، وغير ذلك. بينما انحصرت جهود سيد قطب في نطاق التفسير البياني والدراسات البيانية، وتصدى الرافعى لمهمة الدفاع عن القضايا التي تمس العقيدة، ومكونات الفكر الإسلامي، مع استمرار إسهامه في القضايا الأدبية.
وهى موازنة لا تقدح في جهودهما، ولا تمسّ المكانة السامية التي ظل يحظى بها ولا يزال كل منهما، في الجانب الأدبي، أو في إسهاماتهما في الدراسات الإسلامية كعلمين مميزين في كل منهما.
ثم رست سفينة البحث على مرفأ النتائج.
• • •
المقدمة:
تناقش هذه الدراسة ظاهرة انتقال الأدباء من دوحة الشعر التي استهلّوا بها حياتهم الأدبية إلى دوحة النثر وما يتفرّع عنها من دراسات دينية وفكرية واجتماعية وتربوية.
стр. 922
وانتقت الدراسة الأستاذ أحمد جمال، ﵀، كنموذج يتمحور حوله البحث، لما يمثّله نتاجه من سمات تجسد بعض ملامح هذه الظاهرة، حيث استهلّ حياته الأدبية شاعراً في ديوانه الطّلائع، ثم عزف عن قول الشعر، وعكف على الدراسات الدينية وما يتشعّب منها من اتجاهات، كالتفسير، والسيرة، النبوية (على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم) ، والقضايا الفكرية، والتربوية، والاجتماعية، والاقتصادية، وتعيّن تبعاً لذلك استعراض البواعث التي حدت بالشعراء للانتقال من الشعر، ليتحولوا إلى عالم الفكر والدراسات، دون عودة إلى نبع الشعر. كما اقتضى ذلك وقفة خاصة، لاستعراض طبيعة الشعر، وتبيان خصائصه المميزة كعملية خلق لغوي ترتكز على الخيال كعنصر فعّال في توليد الصور، وبلورة الأحاسيس، والمشاعر، وتحديد الفوارق بينه وبين النثر الذي يقوم على الوضوح، والمباشرة، ومحاولة الوصول إلى الفكرة، بعيداً عن الغموض، والاستغراق في الخيال، معتمدين في ذلك على آراء وأقوال أبرز النقاد من مختلف العصور الأدبية، قديمها وحديثها، انتهاء بآراء النقاد المعاصرين.
وإذا كان احمد جمال نفسه يذهب في تعليله لهجر الشعر، إلي عالم النثر، بعدم طاقته على الانحباس لنظم بيت من الشعر، بسبب ازدحام الحياة بأسباب هذا الانصراف عن نظم القوافي، وتصيد كلمات القافية الواحدة، ومراقبة الوزن ... بما يشبه المخاض كما سيتضح فيما بعد، فان البحث يتجاوز هذا التعليل دون ان يغفله إلى رؤية نقدية تشمل المباينة بين لغة الشعر ولغة النثر والفوارق الوظيفية والتاثيرية لكل منهما بما يستدعي توظيف الخيال في الأول والحرص على المباشرة والوضوح في الثاني.
стр. 923
وقد استحضرت هذه الدراسة نموذجين بارزين سبقا أحمد جمال في الانتقال من عالم الشعر إلى عالم النثر، ونجحا في الجنسين الأدبيين، وهما الأستاذ سيّد قطب، والأستاذ مصطفى صادق الرافعي، رحمهما الله، مع الاستشهاد بعمل من أعمالهما في كلّ من الشعر والنثر، ليتسنى الوقوف على الخصائص الأسلوبية، والملامح الفنية، والاتجاهات الفكرية لكل شخصية، بما يتيح تشكيل صورة كاملة، ووضع تصور واف، بما يخدم الموازنة من جانب، ويقتضي الاقتضاب بما يتواءم مع طبيعة البحث. ثم أردفت ذلك باستعراض التوجّهات الفكرية التي أبحر قلم الأستاذ أحمد جمال في عبابها، لتبيان المساحة الفكرية التي ساحت فيها يراعته، وتقديم صورة كلية لتوجهاته الفكرية، بما يكشف عن غزارة إنتاجه، وتنوع الموضوعات التي طرقها، من تفسير وسيرة وتربية وفكر واقتصاد، وإبراز السمات والخصائص الأسلوبية لكل فرع طرقه، ليفضي بنا ذلك إلى تحديد النتائج بعد الموازنة.
ويتعيّن أن أشير إلى أن سمة الوضوح التي يتصف به فكر أحمد جمال، اقتضت النزوع نحو الاستشهاد، وإيراد النصوص كاملة، وعدم ابتسارها، لتقديم صورة كلّية واضحة تفصح عن ملامح فكره، وتوجهه الأسلوبي، باعتباره من الشخصيات الأدبية التي تحبذ الوضوح والجلاء في تناول القضايا الفكرية التي تشرئب نحو الإقناع والتأثير، وهو بذلك يريح الباحث من خلال تقديم نفسه واضحاً وجلياً، فلا يعوز الباحث سوى قليل من الجهد عند الاستنباط، وإعمال الفكر، للوصول إلى المرامي والأهداف.
стр. 924
وذلك يتجانس مع طبيعة البحث القائم على الموازنة وإبراز الخصائص ويخالف رغبة الباحث الراغب في أن يظل صوته متصلاً دون خفوت. لذلك لم يتجانس هذا التوجه مع رغبتي في البحث، ولكنه تساوق مع مقتضيات المنهج العلمي، خاصة في الجانب الفكري من نتاج أحمد جمال، إذ خفت صوتي فيه كثيراً، وعولت فيه على الاستشهاد بأقوال الشخصية. ومرد ذلك هو طبيعة المنهج العلمي، الذي اختطّه أحمد جمال لنفسه، بانتقاله من واحة الشعر الوارفة الظلال والأخيلة، إلى عالم الفكر المتوهج والمشرق، بما لا يستدعي تدخّل الباحث بالتحليل والاستنباط إلا باليسير من الجهد والاستنتاج إذ أسهم الأستاذ جمال في تقديم رؤاه وأفكاره، واضحة جلية، خاصة وأنه يغمس يراعته في بحوث في مجالات الفكر، والدراسات الإسلامية بما يقتضي الوضوح والائتلاق للوصول إلى الإقناع والتأثير. وحرص البحث على مناقشة كل موضوع وجزئية بتجرد وحيدة سائلاً الله أن يلهمنا الصواب في القول والعمل، مستمطراً إياه شآبيب الرحمة والمغفرة، على أرواح وأر ماس هؤلاء الأعلام،وأن يجعل ما قدموه في موازين أعمالهم، وقد حلوا بساحة أكرم الأكرمين.
التكوين والإرهاصات:
يتسنم الكاتب والمفكر الإسلامي أحمد محمد جمال ذروة إعجاب متنام،كمحصّلة للاهتمام الذي كان يحفه من قارئيه ومحبيه، ويتبوأ منزلة فريدة، قلّ أن يحظى بها مضارعوه من أرباب اليراع، ليس لأنه مفكر نذر نفسه وفكره وقلمه لقضايا عقيدته، مناقشة ودفاعاً وتحليلاً فحسب، بل لأنه إضافة إلى ذلك، استهل حياته منذ يفاعته، منتهجاً سبل التوجه الإسلامي قولا وعملا ومبدأ، متجافياً عمّا يخدش هذا المسار، ويمسه بشائنة، أو ظن، مقتنعاً بأن القدوة هي أنجع السبل للاقناع والتوجيه، محققا بذلك التضامن الرائع، بين المنهج والسلوك كوسيلة مثلى تغري الآخرين بالمحاكاة والاحتذاء.
стр. 925
وللتدليل على ذلك من حياة أحمد جمال، فلقد قيض له أن يمنى بداء الربو مع صداع شديد في العقد الثاني من حياته، وأخذ يلتمس الدواء ليبلّ من مرضه، فعرض نفسه على الأطباء، فنصحه أحدهم بأن يتجرع شيئا من الخمر، ليبرأ من دائه، فاندهش أحمد جمال لذلك، وتحركت شاعريته بقصيدة حول مرضه، منها قوله في الرد على وصفة الطبيب
المحرّمة، حيث قال:
زعم الطبيب بأن بالصهباء
تشتدّ أعصابي ويحسم دائي
فرفضتها وأنا المريض ولم أكن
لأريد بالخمر الحلال دوائي
آمنت أن الله لم يجعل لنا
فيما نهانا عنه أيّ شفاء
آمنت أن الله سوف يقيمني
من علّتي فبه عقدت رجائي
وبحرمة الله التي عظّمتها
تشتدّ أعصابي ويبرأ دائى (١)
وعزوفاً عن اليسير، وحرصاً على التحدي والإصرار، يدلف أحمد جمال إلى عالم الأدب عبر بوابة الشعر، متنكباً عن بوابة النثر التي عُرف بها فيما بعد، ويذكر الاستاذ محمد على الجفرى على لسان الاستاذ احمد جمال، في ترجمته لحياته في كتابة (الاديب المكى) : إن ديوان الشاعر العراقي معروف الرصافي هو أول كتاب قرأه وحفظ منه القصيدة التالية:
يا قوم لا تتكلّموا
إنّ الكلام محرّم
ناموا ولا تستيقظوا
ما فاز إلا النوّم
ودعوا التفهُّم جانباً
فالخير أن لا تفهموا
وتثثبّتوا في جهلكم
فالشرُّ أن تتعلموا
أما السياسة فاتركوا
أبدا وإلاّ تندموا
لا يستحقّ كرامة
إلاّ الأصم الأبكم
وإذا ظُلمتم فأضحكوا
طربا ولا تتظلّموا (٢)
ولعلّ ديوان الرصافي كان من المحفّزات التي قادته إلى أن يستهلّ حياته بكتابة الشعر، كما بدأها بقراءة الشعر.
كما كان للمناخ الذي عاشه أحمد جمال دورٌ وتأثيرٌ في اتجاه بوصلته الأدبية صوب الشعر، فلقد سأل خدنه وصديقه على امتداد مراحل العمر، عبد العزيز الرفاعي ﵀ حينما جمعتهما مقاعد الدراسة، عن قراءته (فقال: عبث الوليد قال أحمد جمال: وما عبث الوليد؟
قال الرفاعي: أحد مصنفات فليسوف العربية الكبير.
стр. 926
قال جمال: ومن هو؟
قال الرفاعي: أبو العلاء المعري طبعا.
قال جمال: وما موضوعه؟
قال الرفاعي: كتاب يتحدث عن البحتري الشاعر.
قال جمال: وأنت تقرأ كتابا كهذا؟! .
قال الرفاعي: أصارحك القول، إنني حاولت أن أفهم ماذا يريد أن يقول أبو العلاء، فاستعصى على فهمه. فقد كانت لغته ومحتواه فوق مستواي، ولكني أكابر نفسي بأنني قرأت أبا العلاء المعري) (٣) .
ولقد بدا من تأثير صداقة الرفاعي لأحمد جمال، وكذلك ارتباطه الحميم بشقيقه الذي يكبره سناً صالح أنهم كانوا يرتادون المجالس الأدبية، فنما نتيجة لذلك تطلّع أحمد جمال في أن يصبح شاعرا تنصت لشعره الأسماع، وترحل به الركبان، مثل شوقي وحافظ إبراهيم (٤) (رحمهما الله) ، ولعل صدى ذلك الإعجاب بشوقي والاهتمام المبكر بشعره يتجلّى في قيامه بتشطير بيت له وهو:
(أكذب نفسي عنك في كل ما أرى)
وأهزأ بالواشي إذا جاء يوقع
أصمّ لدى لغو العواذل مسمعي
(وأسمع أذني فيك ما ليس تسمع) (٥)
ومن المعروف لدى المتخصصين من الباحثين والدارسين ان الأدب العربي عرف ظاهرة الجمع بين الشعر والنثر لدى جمهرة من الأدباء كالمعري الذي تعاطي الشعر في ديوانيه (سقط الزند) في مرحلة الصبا و (اللزوميات) في مرحلة النضج وضم إليهما أعماله النثرية (رسالة الغفران) و (رسالة الصاهل والشاحج) و (رسالة الملائكة) و (الفصول والغايات) (٦) .
وليس آخر هؤلاء الأدباء العقاد الذي جمع بين الشعر والنثر، لكن المفارقة تكمن في الأدب الحجازي، والذي دأب أدباؤه على الجمع بين الشعر والنثر في الأغلب والأعم، إذ استهلّ أحد أكثر شعرائه شهرة أعماله بكتاب نثري، وهو الأستاذ محمد حسن عواد في (خواطر مصرحة) (٧) ، واستهلّ أحد أشهر كتابه ولغوييه ومفكريه، وهو الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار حياته الأدبية بإصدار ديوان شعري هو (الهوى والشباب) (٨) .
حقبة الشّعر:
стр. 927
ويتجانس مع هذا التوجه ما حدث من انتقال في حياة الأستاذ أحمد جمال الذي عُرف بالأعمال الفكرية العديدة والدراسات الدينية المتعاقبة فقد استهلّ حياته الأدبية والفكرية شاعراً، إلى جانب إسهاماته في الأجناس الأدبية الأخرى.
فلقد أصدر في مطلع شبابه ديواناً ضمّ العديد من القصائد والمقطوعات الشعرية، التي نشرت من قبل في صحف المملكة ومصر وغيرهما، وسمّاه (الطلائع) (٩) واسم الديوان ينطوي على مفارقة تكمن في أن هذه الطلائع لم يردفها الشاعر بتوابع تلحق بها، فقد انقضّت الطلائع على مدلولها واستحالت كما قال الشاعر نفسه إلى (الخواتيم) إذ لم يتسن للشاعر - بإرادته - أن ينشر، ولعله لم ينظم بعدها شعراً، يدلّل على استمرار اهتمامه بهذا الجنس الأدبي، لا لضمور في المقدرة الشعرية أو نضوب في معينها الممدّ والمتدفق، بل لسبب جلي وواضح، يسهل عزوه إلى عكوف أديبنا على قضايا الإسلام والأمة الإسلامية.
ولذلك حينما قام نادي مكة الأدبي بإعادة نشر هذا الديوان، عمد إلى نشره تحت مسمى جديد، وهو (وداعا أيها الشعر) ، في إشارة من الشاعر إلى تغيير مساره الفكري والثقافي، حيث يبين بواعث هذا التغيير بقوله: (أما أنا فهذا بعض شعري الذي قلته منذ صباي ثم شبابي، وقد سميت الطبعة الأولى من ديواني (الطلائع) لأني كنت أحسب أني سأظل شاعراً، وأقول الشعر في مختلف مجالات الحياة وأحداثها ومسالكها. ولكن الله أراد غير ذلك، فوجّهني إلى أدب الدراسات الإسلامية، فكتبت فيها المقالات، وألّفت الكتب، وألقيت المحاضرات ودرستها لطلاب الجامعة، في مكة المكرمة وجدة، وفي المؤتمرات الداخلية والخارجية.
وبذلك التوجيه الذي أراده الله لي، كانت (الطلائع) (الخواتيم) ولكنها ذكريات عزيزة (١٠) .
стр. 928
والأمر يمثل ظاهرة تضاهي المنافسة المعروفة -بشد الحبل- ويكون الخاسر فيها في الأغلب والأعم هو الشعر فلقد دلف من بوابة الشعر الأستاذ مصطفى صادق الرافعي والأستاذ سيد قطب ثم عادا ادراجهما ليلجا بوابة الدراسات الإسلامية.
والمرء يكمن قدره فيه، ويتوارى بين طيّات نفسه، حتى يتزامن مع أوان حينه، لينبلج على أديم الواقع متجسداً وملموساً، ومن يقرأ شعر أحمد جمال بعين ناقدة نافذة، ورؤى مستقبلية تتخطى تلال الزمان، وتستشرف غده، ليستطيع القطع بأن الشاعر سيتوقف عند مرحلة محددة، وسيسلم العصا -على غرار إبطال سباق التتابع- للكاتب والمفكر الإسلامي.
فالتوجه الديني والخلقي سمة تلتمع بين ثنايا شعر يمثل صبا الشاعر ويفاعته، وهي فترة تمثل فورة التمرّد والجموح لدى أقرانه من الشعراء، وخير ما يمثل الشاعر في هذه الحقبة، قصيدته التي يرد بها على شاعر رمز لنفسه ح، س ولعله الشاعر الأستاذ حسين سرحان، الذي نظم قصيدة في خمسة عشر بيتا جاء فيها.
ذكرتك والسحر الغريب مرفرف
على شفتيك الّلعس أو خدك الدامي
ومنها:
مضى لك يوم في صباك محجّل
ويا ربّ يوم في الغرام كأعوام
ويا ربّ عطف لان منك على يد
منزّرة النعمى مكثّرة الذّام
ومنها:
وفي كلّ نفس من غرورك بضعة
تلوح وتخفى في جلاء وإبهام
فأنشأ الأستاذ أحمد جمال قصيدته المعنونة ب (إفك مدفوع) وهو عنوان له دلالته المتجذّرة في الثقافة الإسلامية ويقول فيها:
رميت أخاك العفّ في عرضه السامي
فوا بؤس مرمي، ويا بئس من رام
زعمت خلاف العقل والنقل أنني
فتى مثل اترابي أسام لمستام
وما ظفرت بالوصل مني خشارة
ولا سقيت في الحب من فيضي الطامي
ولا لان عطفي - وهو صعب- على يد
منزّرة النعمى مكثّرة الذّام
وأصوب ما أحجوه أنك ناضح
بما فيك.. هل ما فيك نبعة إجرام
فلو جئت تستفتي صحائف حاضري
وغابرتي، أعظمتني أيّ إعظام
حبست صباي الغض للدرس، أستقي
من المنهل الأقصى لا ملأ أيامي
стр. 929
فأي فتى لا يملأ الجدُ يومه
يلم بأرجاس الصبا أيّ إلمام
وكم أقدمت صوبي (ظباء) فمسّني
هواها مساس النور ... لامس إظلام
فأكرب أن تقتادني سورة الهوى
إلى نيل ما يبذلن بغية إكرامي
فأذكر نفس وهي أمّالة العلا
فارتد طوع النفس عن زور آرامي
عناق. وتقبيل. وشكوى. ومعتب
مشاغل أدريها عن المطمح السامي
ستضحك عياباً علىّ حصانتي
وترجم آمالي بخبل والآمي
فأنت غريب اللب إلا عن الهوى
هوى العيش تبغيه لذاذة آثام
رويدك ما الدنيا علالة بائس
وليست كما تحجو علالة مجرام
لباس هي الدنيا لجان ومحسن
سيجزيهما بالعدل أحكم علاّم
فمن كان عريان الحجى في معاشه
سيكسى بأخراه غلالة إضرام
وما أنا لولا أن أتيت بظنّة
مسوّأة - مدّاح نفسي لأفدام
عفا الله عما نلت مني بفاحش
من الشعر واستبقي عن السوء إحجامي (١١)
وبعض عناوين القصائد يكرّس ما ذهبنا إليه، ويشي بهذا البرق الذي سيعقبه مطر هتّان من الدراسات الإسلامية، فهي تتراوح بين ذكر (ثور) ، أي الجبل، (عام بأية سلم جئت يا عام) ، والقصيدتان ارتبطتا بمسمى اتحد في إطار (من وحي الهجرة) ثم العنوان التالي لقصيدة كان حقها السبق وهي (الحجُ أسمح فرصة) ثم (لم نبن دنيا ولا دينا حميناه) وهو عنوان مستقى من آخر أبيات القصيدة، ثم تقفوها مجموعة من القصائد والمقطّعات ك (بكاء ودعاء) و (ابتهال في الحرب) و (تضرعات) و (صلاة) و (شكوى) . ينتظمها فصل من الديوان سماه الشاعر (صلوات وتسابيح) ، وبحسب القارىء هذه الأسماء والمضامين صوى وإشارات، تدلّ على المنحى الإسلامي بين دفتي الديوان.
على أن هناك بعض العناوين ذوات الصيغ الدينية وإن تجافت القصائد مضموناً عن تحقيق توجهات مسمياتها، مثل (الجبرية في الحب) و (مصير الرياض المغفلات) و (معدلة الأقدار) و (زجر) و (مذهبي) و (انتقام) و (صبر على جبر) .
стр. 930
ورغم ما نمّت عليه من توجهات دينية والتزام خلقي دلالات هذه العناوين ومسميات هذه القصائد والمقطّعات إلاّ أن الشاعر استطاع تحقيق المعادلة التي توخاها والمرمى الذى استهدفه فطافت شاعريته رياض الشعر المخضوضرة وجابت آفاقه المتوردة كقوله:
قسماً ما استطبت بعدك حبا
يا حبيبا قد طاب بعدا وقربا
ذكرياتي وذكرياتك ذخري
من هناء الشباب قبلا وغبّا (١٢)
دون أن يفقد الشاعر سمات الالتزام الذي ضربه على شاعريته، ودون أن يندّ عن المسار الذي اختطّه لنفسه، كما في قوله في قصيدته هجر بهجر:
أذكر فما زلت مذكارا لسالفنا
أيام ألفتنا ... ساعات نجوانا
أيام كنت توافيني على شغف
فنختلي وعفاف الحب طيعانا (١٣)
إلا أن هذا العقال لم يكن ليتواءم مع انطلاقة الشعر النافرة، فأفضى الى ما جسده طرفة في قوله:
لكالطّول المرخى وثنياه باليد بيد أن أخطر القضايا التي ينطوي عليها شعر أحمد جمال، وتستوجب التأمّل والدراسة - في نظري- تتصل بمعجمه اللغوي الثري والمتنامي، وقدرته الفذة على التوليد والاشتقاق، بما يرتقي به إلى معارج التسمية بالشاعر الخلاق، فاللغة لديه لم تكن أسيرة القوالب النمطية، والصيغ المحكية، والعبارات التقليدية، رغم أنها سمة تفشت في تلك الفترة، ولم يفلت من زمامها إلا قلّة من الشعراء المبدعين، وبوسعك أن تلحظ بعض الصيغ والمفردات فيما قرأته من نماذج شعره، كقوله: (أسام) (لمستام) (منزرة) (ما أحجوه) (غابرتي) (فأكرب) (أمالة) (أدريها) (تحجوه) (مجرام) (مسوّأة) (طيعانا) لتتحقق من أن الشعر واللغة خسرتا بانحسار شاعرية الشاعر وجزرها عن الامتداد إلى عوالم أرحب تثري من خلالها المحتوى اللغوي، وتضيف إلى المعجم الكثير من الدلالات والتراكيب المخصبة والمتوالدة في نماء وازدهار، شأن الشعراء الذين كان يتبعهم اللغويون ليتلقفوا ما ابتكروه وأبدعوه من دلالات وصيغ.
стр. 931
وفي الديوان الكثير من النماذج والشواهد على بنى الألفاظ التي منحها الشاعر دفقة الحياة بإعادتها للاستخدام، ووهبها القدرة على الحركة، بعد أن كانت مواتا متوارية في المعاجم وكتب اللغة.
وبوسعنا أن نقرر مطمئنين، أن السدّ الذي بناه الأستاذ أحمد جمال ليحول دون استمرارية تيار شاعريته وتدفقه، كان أمراً حتمياً، رغم قدرته على استمرار جريانه وتدفقه إلى جانب بقية التيارات، التي حفل بها قلمه ورعاها فكره.
ولكن المتأمّل يتبيّن له تعذّر الجمع بين التيار الشعري وتوجه الفكر الإسلامي، فالشعر يتمحور حول الخلق اللغوي ويستلزم ضربا من التهويم والتحليق في عوالم الخيال وغابات الألفاظ، ومن أخص سماته أنه يستدعى قدرا من الغموض الذي تمليه طبيعته كما يستنتج ذلك أشهر دارس للغموض وليم أمبسون (William Empson) في كتابه المشهور (Seven Types of Ambiguity) . حيث يقول: (ان الغموض ليس مطلباً لذاته، ولا يعتد به كخدعة نسعى الى ايجادها ولكنه يتولد من الحالة الخاصة التى تبرر وجوده) (١٤) .
لكي تتاح للقارىء فرصة إعمال الفكر والإسهام في خلق نصّه الخاص به والمتشكّل من خلال قراءته، وفق المنهج المعروف نقديا بمعاودة القراءة (Re-Reading) ، ولن ننأى عن ذلك بعيدا في الاستشهاد والتمثيل، اذ سنورد قصيدة لشاعرنا يفوق عنوانها مضمونها غموضا، وهي قصيدة (مؤوف) ، ويقول فيها:
جمالك يغري العقل بالسبح في الهوى
فبادرة الوجدان أعذر في السبح
جمالك يوحي بالثناء لماهر
أجادك تذكارا على بارىء سمح
ولكن سراً فيك.. ينهش علمه
فؤادي ويمتاح المدامع للسفح
إذا الوردة الفيحاء سيم صيانها
بكف أثيم الكف تعجل للصوح
وتأنف أنف الطيبين شميمها
ويرتدّ عنها الطرف يبخل باللمح
أخي-وندائي ها هنا عطف اّسف-
على بلبل يستبدل الطين بالدوح
لهاتك بالذكر الأجلّ شجية
محبّبة الترتيل بالسّنح والبرح
وصوتك رقّاص الترانيم موفز
عواطف مروىّ العواطف للنضح
стр. 932
ووجهك ومّاض التقاسيم يطّبي
تغزّل مكبوح التغزّل للجمح
فليتك من حسن بخلقك بائن
وخلقك- للحسن المروئي تستوحي
أخي-وهتافي ليس توليف آبد-
فما ائتلف البحران: عذب إلى ملح
ولكنني - من حيرتي فيك - ابتغي
لديك بيانا سوف اطويه في جنحي
ترى الزين لا يؤتى الكمال؟ أم العلا
محال على نبت الجرافات في السفح
أم الزارع السهران أغفى بربوة
فئيفت قطوف الباغ بالفلح والقدح
أم الجذر معلول اللقاح فسارب
إلى الفرع؟ أم ماذا؟ وويحك أم ويحي (١٥)
بينما عالم الفكر الإسلامي الذي نذر أحمد جمال له نفسه يتسم بالوضوح والجلاء، فألق أفكاره، وسُطوع حججه مسألتان تستلزمهما اللغة وظيفيا لتبيان الخصائص والمزايا، ولمقارعة الحجة بالحجة، بل وحتى في مسائل التوعية وقضايا التنوير، يستدعي الأمر أن يصل ألق الفكرة عبر شعاع اللفظ مؤتلقاً جلياً، لا لبس فيه ولا غموض، إلى فئات تتباين ثقافتها ويتدرج وعيها، وتتفاوت درجة تقبلها، لتتضح الرؤية، وتستبين المسائل المتفاوتة غموضا ووضوحا.
طبيعية الشعر وطبيعة النثر:
عكف بعض الباحثين من النقاد على دراسة طبيعة الشعر وطبيعة النثر، وأما الشعر، فهو كما وصفه الناقد محمد مندور بقوله: (وأما الشعر فإنه بمجرد أن اهتدى إليه الإنسان أصبح فناً جميلاً، لا يُستخدم لأغراض الحياة العادية، بل ينظم بطريقة خاصة ولأهداف خاصة) (١٦) .
ويعمّق هذا المفهوم باللجوء إلى الموازنة بين طبيعة الشعر وطبيعة النثر الدكتور عز الدين إسماعيل، حينما ينسب بتحفظ الانفعالات إلى الشعر، والأفكار إلى النثر، في قوله: (فالشعر هو الصورة التعبيرية الأدبية الأولى التي ظهرت في حياة الإنسان منذ العصور الأولى. وهذه الأقدمية ترجع إلى أنه كان في تلك العصور ضرورة حيوية بيلوجية.
стр. 933
إنه الطريقة الوحيدة التي اهتدى إليها الإنسان بحكم تكوينه البيلوجي والنفسي للتعبير والتنفيس عن انفعالاته. ومنذ ذلك الوقت تحددت لذلك الفن خصائص، استطعنا أن نتبينها في وضوح عندما ظهر أسلوب آخر للتعبير واستخدام اللغة هو النثر، فقد لوحظ أن الإنسان قد اهتدى إلى هذا الأسلوب، عندما أراد أن يعبر عن أفكاره، ومن هنا ارتبطت (الانفعالات) بالشعر، و (الأفكار) بالنثر. ولكن الخطأ في الفهم يأتي عادة من النظر إلى (الانفعالات) و (الأفكار) على أنها أشياء متعارضة أو متناقضة. وهذا من شأنه أن يجر إلى أخطاء كثيرة في فهم الشعر والنثر على السواء. وليس هناك تعارض، بل هو مجرد اختلاف) (١٧) .
وهذا التقسيم بين ميداني الشعر والنثر، وربط الشعر بالانفعال والنثر بالأفكار، جال بأذهان بعض الباحثين، لارتباطه بنشاط المبدع وقدراته في التأثير على المتلقي، وتولد معه التساؤل: (إذا كانت أهمية الشعر نابعة من طريقته الخاصة في تقديم المعنى، وتأثيره في المتلقى، فهل ينحصر دوره في إحداث نوع من المتعة الشكلية الذهنية الخالصة، فيعجب المتلقى -مثلا- ببراعة الشاعر، ومهارته في الدلالة على معانيه فحسب؟ أم أن دور الشعر يتجاوز حدود هذه المتعة، ليصل إلى إثارة انفعالات المتلقي، إثارة خاصة تفضي به إلى اتخاذ وقفة سلوكية محددة؟ إن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة تساهم - بلا شك - في معرفة تصور الناقد القديم لحقيقة الدور الذي يمكن أن يقوم به الشعر في المجتمع الإنساني، وتكشف في نفس الوقت عن تعدد الأدوار التي تعطي للشعر أهميته كنشاط إنساني متميز) (١٨) .
وكأن تأثير الشعر في المتلقي ها هنا يشكل انعكاساً وامتداداً للمفهوم المتوارث حول أثر الشعر في متلقيه عند القدماء.
وكما يصوره ابن طباطبا بقوله:
стр. 934
(فإذا ورد عليك الشعر اللطيف المعنى، الحلو اللفظ، التام البيان، المعتدل الوزن، مازج الروح ولاءم الفهم، وكان أنفذ من نفث السحر، وأخفى دبيباً من الرقى، وأشد إطرابا من الغناء فسلّ السخائم، وحلل العقد، وسخّى الشحيح، وشجّع الجبان وكان كالخمر في لطف دبيبه وإلهائه، وهزّه واثارته، وقد قال النبي (: (إن من البيان لسحرا) (١٩) .
ونقطة الالتقاء بين المبدع والمتلقي، تكمن في جوهرها في ميدان النص، والمتشكل من النسيج اللغوي، وما يلونه من أخيلة وصور، ولذلك ينبه في الفصل بين لغة الشعر ولغة النثر الدكتور مصطفي ناصف، حتى في المواطن التي تستدعي المناداة بقيم أخلاقية، بقوله: (وما ينبغي أن نخلط التعبير المباشر عن القيم الخلقية بالتعبير الفني، إن الشاعر لا يصف الفضائل ولكنه يعانيها، وقد اتسع ديوان الشعر العربي لتعبيره المتواتر، بتلك الطريقة، عن الآداب والاخلاق، ثم نضبت الصورة الشعرية في كثير من النماذج لأن وصف الفضائل والآداب غاية لا تتصل في كثير بالمعاناة والتجربة التي يلح عليها المحدثون في التفرقة بين الشعر والنص الخلقي والعلمي والفلسفي) (٢٠) .
وهو ما يكرّسه بإيضاح الدكتور عز الدين إسماعيل، ملخصا آراء الناقد الأمريكي المعاصر دونالد استوفر، حيث يقول:
(اللغة في الشعر هي أول ظاهرة تحتاج إلى النظرة. وواضح أن لغة الشعر تختلف عن لغة العلم والفلسفة، فالعلم والفلسفة في حاجة إلى لغة تصل إلى الهدف مباشرة أو توصل إليه. ولا بأس في الاستغناء عن اللغة المألوفة إذا وجدت اللغة التي تؤدي إلى هذا الهدف من أقرب طريق كما هو الشأن في لغة الجبر (أ+ ب = ج مثلا) .
стр. 935
أما اللغة في الشعر فلها شأن آخر، إن لها شخصية كاملة تتأثر وتؤثر وهي تنقل الأثر من المبدع إلى المتلقي نقلا أميناً. وليست المسألة مجرد نقل أمين فحسب، ولكنه النقل الأمين عن المبدع عندما يفكر أولاً وقبل كل شيء باعتباره فرداَ. لذلك كانت لغة الشعر ممتلئة بالمحتوى الذي تنقله نقلا أميناً. وهي بعد لغة فردية في مقابل اللغة العامة التي يستخدمها العلم. وهذه الفردية هي السبب في أن ألفاظ الشعر أكثر حيوية من التحديدات التي يضمها المعجم. والألفاظ الشعرية تعين على بعث الجو بأصواتها. فالعلاقة بين الأصوات في الشعر - كالموسيقا تماما - يمكن أن تثير متعة تذوق الانسجام الحي، سواء بالأجزاء المكررة أو المنوعة أو المتناسبة.
والكلمة الشعرية لذلك يجب أن تكون أحسن كلمة تتوافر فيها عناصر ثلاثة: المحتوى العقلي، والإيحاء عن طريق المخيلة، والصوت الخالص، ويجب أن يكون اتصالها بالكلمات الأخرى اتصالا إيقاعيا يؤدي هذا التلوين الإيقاعي إلى الغاية المطلوبة) (٢١) .
وإدراك أحمد جمال للتفريق بين وظيفة الشعر ووظيفة النثر لكي يحدد المنهج الذي يسلكه، لم يكن عسيراً، لتغلغل التفريق بين ماهية الشعر، وما هية النثر، في عمق تربتنا الثقافية، فلقد ناقش حازم القرطاجني في (المنهاج) الفوارق بين الماهيتين، متكئاً على آراء الفارابى وابن سينا، مبيناً ورود الكذب في الشعر، والذي يفسره بالخيال في قوله:
(فلذلك كان الرأي الصحيح في الشعر أن مقدماته تكون صادقة وتكون كاذبة، وليس يعدَّ بعد شعراً من حيث هو صدق ولا من حيث هو كذب بل من حيث هو كلام مخيّل) (٢٢) .
стр. 936
ويستفيض في إيضاح هذة النقطة الدكتور محمد جابر عصفور بقوله: (تخاطب الفلسفة - شأنها في ذلك شأن العلم - الجانب العقلي الخالص من المتلقي بلغتها المجردة، وبقضاياها أو بحججها الصحيحة التي تعتمد - أكثر ما تعتمد - على البرهان. أما الشعر فإنه يخاطب بمخيلاته - وقد تكون صادقة أو كاذبة، موجودة أو ممكنة أو ممتنعة - الجانب الذاتي من المتلقي.
وإذا كانت الفلسفة تخاطب الجانب العقلي الخالص من المتلقي، فلا بد أن تقترن لغتها بالوضوح البالغ والتحديد الصارم الذي لا يترك مجالاً للاختلاف أو الإبهام أو اللبس، أما الشعر، فلأنه يخاطب الجانب الذاتي من المتلقي لا يتحقق فيه الوضوح أو التحديد على نحو ما يتحققان في المستويات الفلسفية. بل ربما كان الغموض مطلوباً في الشعر، ما دام يؤدى وظيفة داخل سياق القصيدة) (٢٣) .
وباختصار فإن الفكر عالم عقلاني، والشعر عالم خيالي، والفكر يصور أو يعالج الواقع القائم والمتجسد، بينما يستهدف الشعر تحسين الواقع وتزيينه، من خلال عملية خلق لغوى، أو تقديم تجربة لغوية، وهذا ما يفسّر أو يفسّر به موقف أفلاطون في جمهوريته، حينما اصطفى من الشعر ما يؤدي وظيفة تربوية، أو بعبارة أكثر دقة، اصطفى من الشعراء من لا تؤدى أساطيرهم إلى إفساد النشء (٢٤) .
بواعث الانتقال من الشعر إلى النثر:
وهذا ما يفسر أيضاً انتقال الكثير من الشعراء ذوى النزعة الدينية العميقة، والعاطفة العقدية الكامنة، إلى الضفة الأخرى من النهر، مع أول بارقة تلوح وتحاول المساس بالعقيدة ومكوناتها أو بالمجتمع الإسلامي وأعرافه وقيمه، كسرب الظباء حينما يستوفز ويتحفز مع بارقة الخطر التي تلوح في أفق عالمه الساكن الوديع، كي يعود إلى الموقع الآمن بمنأى عن الخطر، ويترقب ويراقب من يتربصون للإيقاع به في شراكهم.
стр. 937
فكأن مرحلة الشّعر تمثل الهدوء الذي يسبق العاصفة، أو هي بتصوير آخر مرحلة الاسترخاء والاستجمام، المقصود به التهيؤ لخوض عمار معركة، أو الاشتراك في منازلة، أو منافسة رياضية.
وإن شئت من منظور آخر، فهي مرحلة تسخين، كما ينتهجها الرياضي استعداداً للنزال والتنافس، ليحظى بالتفوق في مباراته.
أو هي فترة التدريب، ليتسنى للكاتب أن يحقق ارتفاع منسوب اللغة في معجمه، وتوسيع مقدرته اللغوية، من خلال الاستفادة من المرحلة الشّعرية بالتوليد والاشتقاق.
فالشاعر أقدر على خلق اللغة من الناثر، وتحوير استخدام اللغة بما تتيحه أنظمتها من اشتقاق ونحت وتركيب.
فحاجة الشاعر للّغة تفوق حاجة الناثر، فهو يحاول خلق لغة مطواعة، يهيمن عليها في مواجهة قيود الشعر الفنية وتخطى حواجزها الموسيقية.
فالشعر يحتاج إلى لغة خاصة تتجانس مع إيقاعيته، وتغطي مختلف موضوعاته ومناسباته المختلفة، التي نعني بها مناخ القصيدة من عاطفة في الرثاء والحب، إلى النبرة الخطابية في الحماسة والتحفيز، أو الجزالة والفخامة في الفخر.
فاللغة في الشّعر تتجانس مع مناخ القصيدة ومضمونها، وعنصر الخيال يظل الجذوة التي يقتبس منها الشاعر لإيقاد فكرته.
واللغة في الشعر إشاريّة تعتمد على الاختزال والرمز والإيماء والإيحاء، وتتباين في ذلك عن لغة النثر، المتميزة بالشفافية والوضوح والمباشرة في الوصول إلى الهدف المتوخى.
ولما كانت هذه اللغة، أعني لغة الفكر الإسلامي، والقضايا الإسلامية، لغة حسم ووضوح، فإنها تتفاوت وظيفياً صراحة ورقّة، بحسب مقتضيات الدور الذي ينيطه الكاتب بنفسه، وبحسب مناخ الخطر الذي يكتنف الكاتب، وبعبارة أدق وأشمل، يكتنف معتقده وقيمه.
стр. 938
وأحمد جمال من حيث الحدة والصرامة الأسلوبية ورقتها وشاعريتها كمعيار، يتبوأ منزلة وسطى بين شاعرين انتقلا إلى مخيم الفكر الإسلامي، هما الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، والأستاذ سيد قطب (رحمهما الله) .
رحلة الرافعي من الشعر إلى النثر:
من المفارقة العجيبة أن الرافعي الذي غرق واستغرق أدبه وفنه في رومانسية مغرقة في التراخي والحلم الحزين وهموم الذات، إن لم يكن باعثها حبه وهيامه بمي زيادة، كما اتهم بذلك (٢٥) ، فتأجّج الولوع بالمدرسة الرومانسية ربما كان يكمن خلف ذلك، فقد كانت تشهد أوج ازدهارها في مناخنا الأدبي، وانعكست على صفحة شعره كما في قوله (٢٦) :
نرى النهر ينساب عن شاطىء
ليجريه الشاطىء المستقر
كذا يتدافع بحر الحياة
فإنّ له رحمة الله بر
لآمنت يا ربُّ مثل الصغير
وراء الوجود أبوه الأبر
نفرّ من الهمّ في زعمنا
ولكنه هو منّا يفر
ومنذ رأى في السماء الغيوم
تقيم بها أبداً لا تمر؟
وهل في الوجود سوى سائر
تدافع: شيء لشيء يجر
فمن عرف الكون عرفانه
ففي كل حال له ما يسر
تعيش على الأرض جرذانها
فكيف تعيش وفي الأرض هر؟
لعمرك ما تستقرّ الهموم
تقيم بها أبداً لا تمر
ومنذ رأى في السماء الغيوم
على مؤمن روحه فيه حر
وفي الدهر يسر وفي الدهر عسر
وفي العمر حلو وفي العمر مر
ولكنها حركات الحيا
ة منها الحياة لنا تستمر
ويأتي الشتا أغبراً كالحاً
لأن الربيع به مستسر
فلا دام في نفعه نافع
ولا دام في ضرّه ما يضر
ومنذ رأى في السماء الغيوم
تقيم بها أبدا لا تمر
فكن مرحاً لا تقر الأسى
فعادة كلّ أمرىء ما يقر
وما سر حظّك إلا لديك
بلى!! فرح القلب للقلب سر
تعود الحياة هلاكا لمن
أراد الحياة على ما يصر
فخذها حصى إن تكن من حصى
ودرّا إذا كان في الحّظ در
ومنذ رأى في السماء الغيوم
تقيم بها أبداً لا تمر؟
ولا تزد الشر في وهمه
بوهمك.. ذانك شرّ وشر
خفاف السحاب تطير البروق
وترمى الصواعق إذ تكفهر
стр. 939
وهذي الهموم كمثل النساء
يضاعفهن خيالُُ يغُر
حصاة.. يثقّل بالقلب من
توهمها جبل مشمخر
ومنذُ رأى في السماء الغيوم
تقيم بها أبدا لا تمر؟
وهي قصيدة رومانسية، تشف عن نزعة إيمانية كامنة، لا يعسر الاهتداء إليها، وتتبع خطوطها بين ثنايا القصيدة وبين غيوم المناخ الرومانسي. فكأنها الغلاف الذي يشفّ عما تحته، كما تشي بتلك الرومانسية بل وتوحي بها عناوين كتبه.
ومن أراد أن يرسم لوحة لأدب الرافعي يتعيّن أن يحتضن إطارها مسارين مميزين يحكمان مسيرة الرافعي الأدبية:
١- الاتجاه العاطفي ويتجلى في الرومانسية التي انطوت عليها كتبه مثل (أوراق الورد) و (حديث القمر) و (السحاب الأحمر) الذي يقول فيه:
(رأيت وجه فتاة عرفتها قديما في ربوة من لبنان ينتهي الوصف إلى جمالها ثم يقف، كنت أرى الشمس كأنما تجرى في شعرها ذهبا، وتتوقد في خدها ياقوتاً، وتسطع في ثغرها لؤلؤة، وكنت أرى الورد الذي يزرعه الناس في رياضهم، فإذا تأمّلت شفتيها، رأيت وردتين من الورد، الذي يزرعه الله في جنته، وكانت لها حينا خفّة العصفور، وحينا كبرياء الطاووس، ودائما وداعة الحمامة المستأنسة، وكانت روحها عطرة، تنضح نفح المسك إذا تشامت الأرواح العزلة بالحاسة الشعرية التي فيها. وكنت إذا رأيتها بجملة النظر من بعيد، صور لها قلبي من الحسن، والهوى ما يموت فيه موتةً ثم يحيا، فإذا جالستها وأمعنت النظر فيها رأيتها في التفصيل شيئا بعد شىء، كما أنظر نجما بعد نجم بعد نجم: كلها شعاع وكلها نور وكلها حسن.
стр. 940
وما نظرت مرة إلى النساء حولها إلا وجدت من الفرق بينها وبينهن ما يتضاعف من جهتها عالياً عالياً، ويتضاعف منهن نازلاً نازلاً، كأنه ليس في الأمر إلا أنها أخذت من السماء ووضعت بينهن. هي كالفتنة المحتومة تنبعث إلى آخرها فليس منها شيء إلا هو يحسّن شيئا ويشوق إلى شيء، وبعضها يزين بعضها. لقد تراخى الزمن بي وبها! فلو عدت لأحصيت مائة وخمسين قمرا منذ فارقتها، وما أحسب الأرض إلا انصدعت بيننا عن اقيانوس عظيم من الزمن، تملؤه الأيام والليالي فلا يخاض ولا يعبر ولا ينظر فيه أهل ساحل أهل ساحل غيره.
وعلى أن هذا الزمن قد محا في قلبي من بعدها واثبت، فلا تزال تنشقّ لها زفرة من صدري كلما عرضت ذكراها، كأن القلب يسألني بلغته. أين هي؟
والقلب الكريم لا ينسى شيئا أحبه ولا شيئا ألفه، إذ الحياة فيه إنما هي الشعور، والشعور يتصل بالمعدوم اتصاله بالموجود على قياس واحد، فكأن القلب يحمل فيما يحمل من المعجزات بعض السّر الأزلي الذي يحيط بالأبعاد كلها إحاطة واحدة، لأنها كلها كائنة فيه، فليس بينك وبين أبعد ما مر من حياتك إلا خطوة من الفكر. هي للماضي اقصر من التفاتة العين للحاضر.
ليس بجمال إلا ذلك الروح الذي يرفع النفس إلى أفق الحقيقة الجميلة، ثم ينفخ فيها مثل القوة التي يطير بها الطير ويدعها بعد ذلك تترامى بين أفق إلى أفق، فإما انتهى المحب إلى حيث يصير هو في نفسه حقيقة من الحقائق، وإما انكفأ من أعاليه وبه ما بالطيارة الهاوية: دفعت راكبها إلى حيث ترمى به ميتا أو كالمغشي عليه من مس الموت) (٢٧) .
стр. 941
وجوهر المفارقة يكمن في أنّ الرافعي مزّق غلالة الرومانسية التي كان يتوشّح بها، لينبري فجأة كالفارس الكميّ الشاكي السلاح، ليجرّد حسام اللغة، ويقوّم سنان حروفه، في مواجهة الدكتور طه حسين حينما ألف في عام ١٩٢٦م كتابه (في الشعر الجاهلي) ، والذي أصدره في العام الذي يليه بعنوان (في الأدب الجاهلي) وتبنّى فيه نظرية (رينيه ديكارت) في الشك المفضي الى اليقين، وإن كان طه حسين قد ضخّم في حقيقة الأمر ما تبناه وطرحه المستشرق مرجليوت الأستاذ في مدرسة الألسن التي أسسها رفاعة رافع الطهطاوي بمصر في بحثه المسمى ب (أصول الشعر العربي) (٢٨) .
فألّف الرافعي (المعركة بين القديم والجديد) و (تحت راية القرآن) ليصب فيهما جام لغته وغضبه على الدكتور طه حسين بمفردات نيزكية حادة وحارقة، كقوله: (لم ينفرد الأستاذ طه حسين بانتحال الجديد والتجديد، ولا هو أول من زعم ذلك أو حامى عنه أو كابر عليه، فقد سبقه آخرون لكنه أول من اجترأ على الأدب العربي بالمسخ والتكلّف وقال فيه بالرأي الأحمق) (٢٩) .
وقوله في الموضع نفسه: (وإنّ من عجز عن أن يعلو لا يعجزه أن يسفل، بيد أنا لم نجد ولم نعرف غير هذا الأستاذ أحداً يرضى لنفسه أن يُمتدح بالعيب ويتحسّن بالقبح) (٣٠) .
وهول صدمة الرافعي في ثقافة أمته ومكونات نتاجها الأدبي المسحوق تحت سنابك (الشك) والنفي، هي ما يبرر استهلاله كتابه على جلالة مسماه (تحت راية القرآن) ليقول في مقدمته:
(وإنّ طائفة من الذباب لو أصابت حامياً مدافعاً من النسور، فجاءت تطنّ لتلوذ به وتنضوي إليه، ثم قصف النسر قصفة بجناحيه لأهلكها، أو بعثرها، وشردها) (٣١) .
стр. 942
بينما يمثل (وحي القلم) أحد أشهر أعمال الرافعي التي تحتضن جملة من المقالات التي نشرتها الصحف، ويعكس المحصّلة الثقافية الرصينة التي تمتع بها الرافعي، وجملة من الخصائص الأسلوبية التي عرف بها، كما يضم بين جنباته بعضاً من معاركة الأدبية والثقافية بشكل عام تمثل امتداداً لما عرفه المتلقي في (تحت راية القرآن) وتجسد ثباته على موقفه الفكري في التحاور والدفاع عن الثقافة، من منطلق ديني، دون أن يضعف أو يحيد عن الثوابت.
رحلة سيّد قطب من الشعر إلى النثر:
وشاعر آخر اقتنص فرصة هدوء التيار الشعري، ليسبح إلى الضفة الأخرى، والتي كان ينتظره على مرفئها مجد جديد ضمن أحضان التفسير البياني، والدراسات التصويرية والبيانية للقرآن، وأعني به الأستاذ سيد قطب، والذي ينسحب عليه ما ينسحب على خدينه من كمون النزعة الإيمانية المتوارية بين ثنايا أبياته، وتطل بين نسيج شعره العاطفي، حيث يقول:
الآن والايام مد برة
تولول بالنواح
والأفق مخضوب الأديم
، وقد تأذّن بالرواح
أقبلت ويحك تبسمين
، فأين كنت لدى الصباح
وجه الخريف يطلّ فاس
تمعي لإعوال الرياح
* * * *
بعثرت أيام الشّباب
، فويح أيام الشباب
لا نستقي إلا على
رنق، وأنفسنا غضاب
لم تصف كاس حياتنا
يوما، ولا لذّ الشراب
والآن تنطلقين في
لهف إليّ وفي ارتقاب
* * * *
عيناك والهتان
لاهفتان كلهما دعاء
وحنين ملهوف تطلّ
ع في قنوت للسماء
ويحي فأين أنا؟ وأي
ن حنين أيامي الظّماء
صمت الخريف يلفني
وعليه شارات المساء
ذهب الزمان هناك بالأ
سحار، فامض أنت عني
ما عاد يوقظني ندا
ؤك خلسة، من بعد وهن
ماتت مناي جميعها
فعلام يخدعني التمنّي
فرق الزمان طريقنا
فامض، وحسبك ذاك مني
* * * *
هذي خطاي على الطري
ق وتلك - واجفة - خطاك
الريح تطمسها فلا
خطو ولا أثر هناك
شبحان ... قد عبرا فلم
نشعر بهذا، أو بذاك
تتلوهما الأشباح والأ
يّام ماضية دراك (٣٢)
стр. 943
فإذا كان المقطع الثاني من القصيدة عبرّ عن الشباب ونزقه، فإن المقطع الثالث أتى ليمسح صورة ذلك الشباب المبعثر بتلك المشاعر التي تشع من عينين والهتين تضجّان باللهفة والدعاء والتطلع الخاشع في قنوت للسماء، وكلها ومضات إيمانية، تلتمع خلف مشاعر عاطفية وتومض بين حنايا قصيدة غزلية، ولذلك كان من الميسور لشاعر مثل سيد قطب أن تحتضنه، أو يولع ببيان القرآن، فهو التوجه المتجانس مع الشفافية الروحية، والتطلع الإيماني لديه، فاصطبغت أعماله بألوان الاهتمام البياني، كما في تفسيره في ظلال القرآن أو دراسته (التصوير الفني في القرآن) ورديفتها (مشاهد القيامة في القرآن) مستثنين من ذلك عمله الفكري مثل (معالم في الطريق) . ولنسترح ونستروح بتلك المشاهد التي يستعرضها سيد قطب حينما يقول: (والآن فلنعرض شطراً من قصص حقيقية، بعدما عرضنا قصص الأمثال.
١ - لنعرض مشهداً من قصة إبراهيم، وهو يبني الكعبة مع ابنه اسماعيل، وكأنما نحن نشهدهما يبنيان ويدعوان الآن، لا قبل اليوم بأجيال وأزمان.
﴿وإذ يرفع ابراهيمُ القواعدَ من البيت وإسماعيل. ربنّا تقبّل منّا إنّك أنت السميعُ العليم. ربّنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمةّ مسلمة لك، وارنا مناسكنا، وتب علينا، إنّك أنت التوّاب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة، ويزكّيهم. إنك أنت العزيز الحكيم﴾ .
لقد انتهى الدعاء، وانتهى المشهد، وسدل الستار.
هنا حركة عجيبة في الانتقال من الخبر إلى الدعاء، هي التي أحيت المشهد وردته حاضرا، فالخبر: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) كان كأنما هو الإشارة برفع السّتار ليظهر المشهد: البيت، وإبراهيم وإسماعيل، يدعوان هذا الدعاء الطويل.
стр. 944
وكم في الانتقال من الحكاية إلى الدعاء من إعجاز فني بارز، يزيد وضوحا لو فرضت استمرار الحكاية، ورأيت كم كانت الصورة تنقص لو قيل: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان: ربنا.....الخ.
إنها في هذه الصورة حكاية، وفي الصورة القرآنية حياة. وهذا هو الفارق الكبير. إن الحياة في النص لتثب متحركة حاضرة. وسّر الحركة كلّه في حذف لفظة واحدة. وذلك هو الإعجاز.
٢- ثم لنعرض مشهداً من قصة الطوفان: (وهي تجري بهم في موج كالجبال) . وفي هذه اللحظة الرهيبة، تتنبه في نوح عاطفة الأبوة، فإنّ هناك ابنا له لم يؤمن، وإنه ليعلم أنه مغرق مع المغرقين. ولكن ها هو ذا الموج يطغى فيتغلب (الإنسان) في نفس نوح على (النبي) ، ويروح في لهفة وضراعة ينادي ابنه جاهراً: (ونادي نوح ابنه - وكان في معزل - يابنيّ اركب معنا، ولا تكن مع الكافرين) ولكنّ البنوّة العاقة لا تحفل هذه الضراعة اللاهفة، والفتوة العاتية لا ترى الخلاص إلا في فتوتها الخاصة:
(قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) . ثم ها هي ذى الأبوّة الملهوفة ترسل النداء الأخير: (قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) . وفي لحظة تتغير صفحة الموقف، فها هي الموجة العاتية تبتلع كل شيء: (وحال بينهما الموج فكان من المُغرقين) .
إن السامع ليمسك أنفاسه في هذه اللحظات القصار، (وهي تجري بهم في موج كالجبال) ونوح الوالد الملهوف يبعث النداء، وابنه الفتى المغرور، يأبى إجابة الدعاء، والموجة القوية العاتية، تحسم الموقف في لحظة سريعة وخاطفة.
وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية - بين الوالد والمولود - كما يقاس بمداه في الطبيعة - حيث يطغى الموج على الذرى والوديان. وإنهما لمتكافئان، في الطبيعة الصامتة، وفي نفس الإنسان) (٣٢) .
حقبة الفكر:
стр. 945
بيد أن الأستاذ أحمد جمال قد احتذى الوسطية، في توجهه الأسلوبي، أو لنقل إن المناخ العام قد هيمن على توجهه الأسلوبي، تبعا للموضوعات والطروحات التي يناقشها ويخوض غمارها، فهي تتوزع بين قضايا فقهية وفكرية وما يتصل بروايات وأحداث السيرة النبوية، إضافة إلى ما يتصل بمشكلات العالم الإسلامي والمسلمين في شتى بقاعهم ومختلف اصقاعهم.
أو تبعا للموضع أو الموضوع، كما يتجسد في القضايا الاجتماعية التي تناولها في الصحف والمجلات، وهي طروحات تتسم بخصائص أسلوبية تجنح إلى البساطة والوضوح، ليتسنى للسّواد الأعظم من القراء استيعاب مضامينها والتفاعل مع طروحاتها.
ولذلك فإن نبرة الخطاب لدى الأستاذ جمال تتباين حسب الموضع والموضوع وقد قيّض الله له أن عاش في بلد لم تطأه قدم مستعمر، ولم يترك على ثراها أثرا من فتنه ومحنه وموبقاته، والمستثيرة لغضبة ونقمة الغيارى من كتّاب وسواهم، لذا لا يبدو محتداً إلا حينما تنتهك المحرّمات، أو يتحايل على حلّها، وتسويغها، كما هو الشأن في قناعته بأن دعوى تحرير المرأة تستهدف التغرير بها للخروج والانحلال بدعوى التطور، والمشاركة والاستجابة لمتطلبات العصر ومسلتزمات الحضارة فأطلق زأرته المشهورة في كتابه المعروف (مكانك تحمدي) وهو عنوان ينطوي على مفارقة لطيفة إذ يعيد المفكر في حالة تلبسه بالغضب، حميّة للعقيدة، وغيرة على الحرمات، إلى جذوره الشعرية، كما يكشف عن بعض مصادره الأدبية فقد استقاه من أبيات الشاعر عمرو بن الإطنابة الحماسية التي يقول فيها:
أبت لي عفتي وأبى بلائي
وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإقدامي على المكروه نفسي
وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت
مكانك تحمدى أو تستريحي
لأكسبها مآثر صالحات
وأحمي بعد عن عرض صحيح
بذي شطب كمثل الملح صاف
ونفس ما تقر على القبيح (٣٣)
стр. 946
ويدعم حجته بالاستشهاد ببعض آراء المفكرين الغربيين وأعلامهم حيث يقول: (وقال (شامفور) : إن أكثر ميلنا الى النساء جنسي، أما التوافق الروحي والعقلي فضعيف جداً، وشكا (روزفلت) أحد رؤساء أمريكا السابقين من عرض النساء أنفسهن لمزاولة الأعمال العامة بأجور أقل لانهن يقفلن بذلك الباب أمام الرجال الذين هم أحوج منهن الى المال، وقال: إن واجب المرأة المتزوجة أن تنهض بأعباء البيت، وتنظم شئون الأسرة، وعلى الفتاة أن تتزوج وتعيش من كدح زوجها ليتسنى لنا أن نربح من جهود المرأة في دائرة البيت أضعاف ما نربحه من جهودها في الاعمال الأخرى) (٣٤) .
ولا يفوت المؤلف قبل تفصيل القول في مكانة المرأة في الشريعة الإسلامية، أن يعرج على عقد مقارنة سريعة، لتبيان موقف العقائد والمجتمعات الأخرى من المرأة، وأساليب تعاملهم معها حيث يقول:
(لا تعرف مكانة المرأة في التشريع الإسلامي، على حقيقتها، إلا بعد معرفة النظرة التي كان ينظر بها إلى المرأة في الحضارات والتشريعات السابقة، وإلا بعد إدراك المعاملة التي كانت تعامل بها قبل الإسلام، فقد كانت المرأة:
- عند الإغريق والفرس متاعا للبيع والشراء، وكان الرجل صاحب سلطة عليها سواء كان أبا أو زوجا.. إذ لا أهلية فيها للتصرف.
- وفي الهند كان حق الحياة أو حقها في الحياة ينتهي بوفاة زوجها، فتحرق على جثته، وإن سلمت من عملية الحرق عاشت ملعونة منبوذة طوال حياتها.
- وفي الجاهلة العربية كانوا يئدون البنات، وكان الابن يرث زوجة أبيه بعد وفاته كما يرث متاعه، ويتحكم في تصرفاتها وفي حياتها. وعندما جاء الإسلام حرم هذه الشرعة الجاهلية: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها....) (٣٥) .
- وعند قدماء المصريين المرأة هي علة الخطيئة، وسبب المصائب والنكبات.
- وفي القانون الروماني: كانت المرأة قاصرا لا تستقل بحقوق منفصلة عن زوجها ولا تتصرف في أموالها إلا بإذنه.
стр. 947
- وفي ظل التصور الرهباني المسيحي ... كانت المرأة منبع المعاصي والفجور، وهي للرجل باب من أبواب جهنم، من حيث هي سبب تحريكه وحثه على الإثارة، وجمالها سلاح إبليس لا يوازيه سلاح من أسلحته المتنوعة الأخرى.
- وفي أوربا المسيحية - بصفة عامة - إلى ما قبل قرون تعتبر المرأة مصدر الشرور والآثام، وخليفة الشيطان وليس لها حق التصرف في أموالها، وتنسلخ من رابطة أسرتها ونسبها إلى رابطة زوجها ونسبه، وكان الفلاسفة ورجال الكنيسة يطيلون الجدل حول كون المرأة شيئا أم شخصا؟ وهل لها روح إنسانية كالرجال؟ وهل تستحق مثله الحياة الأخرى؟ .
- وانتهى المؤتمر الذي ناقش قضية المرأة في فرنسا عام ٥٨٦ إلى قرار: أن المرأة خلقت لخدمة الرجل، دون أن تشارك في أوامره ونواهيه برأي أو مشورة.
- وحتى سنة ١٨٠٥ كان القانون في بريطانيا يعطي الزوج الحق في بيع زوجته لرجل آخر بسبب الكراهية أو الحاجة المادية. ثم صدر بعد ذلك قانون التحريم والمرأة الحديثة في الغرب - الذي يزعم أنه حر ومتحضر ومتقدم علميا - ماذا يرى الزائر هناك عنها؟ يرى المظاهرات التي تطالب فيها المرأة بالحرية.. وتصرخ من ظلم الحضارة الغربية للمرأة.. إن المرأة هناك تذهب إلى العمل وتعود منه لتبقى في غرفتها... وهي تعمل كالرجال ولكنها تعطى أجراً أقل. وهي حرة في أن تنام مع من تشاء ولكنها وحدها تتحمل الثمن، فإما أن تدفع ١٥٠ جنيها أجرة عملية الإجهاض، أو أن تعيش أماً غير متزوجة لترعى طفلها غير الشرعي.
والمرأة الفرنسية - بحكم القانون - تابعة لزوجها شخصيا واسميا، حيث تتسمى باسم أسرته، ونظام الإرث الإنجليزي يسمح للزوج بالوصية بكل ماله لمن يشاء، حتى الكلاب والقطط. باسم الحرية الشخصية. وبهذا تحرم المرأة من حقها في مال زوجها.
стр. 948
أما المرأة الروسية فهي تعمل ايضا، ولكن بقسوة أكثر.. لا أنوثة تبدو عليها، ولا مساحيق على وجهها. تمسك بالمنجل والجرافة والمكنسة وتعمل في البناء وكنس
الشوارع. وقد تشققت يداها من خشونة العمل. بل أدهى من ذلك تعمل الروسية في درس الحبوب في المزارع بدلا من الآلات الدارسة. بل بدلا من الثور، كما هي الحال في البلدان المتخلفة. وتعيب الكاتبة الأمريكية مريم جميلة (٣٥) على (النسائيين) - أي دعاة تحرير المرأة المسلمة في العالم الإسلامي - تعيب عليهم فهمهم الخاطئ لمعنى (التحرير) ، على أنه الإباحية المطلقة للنساء في الاختلاط بالرجل حيث شئن وأنى ذهبن، دون قيد ولا شرط، وفي اختيار الأزياء غير المحتشمة وفي توظيفها خارج البيت. في الأسواق والمسارح ودور السينما، وفي مساهمتها في الحياة العامة، مهما تمزقت أوصال الأسرة، وانتهكت حرمات العفة والإباء. هذا ما تقوله (الكاتبة الأمريكية) التي ولدت وعاشت حياة حرة طليقة من كل قيد. حيث السفور والاختلاط، وعمل المرأة إلى جانب الرجل في كل مكان، وانطلاق الفتاة من تقاليد الأسرة وآدابها، ومصادقتها للفتيان، والذهاب معهم إلى ابعد حدود الحرية والانطلاق - تقول ذلك الكاتبة الأمريكية والغربية المتحررة، وتدعو بإخلاص بعد اعتناقها للإسلام ومعرفتها أحكامه وآدابه - إلى أن يعرف النساء المسلمات نعمة الله عليهن بهذا الدين الذي جاءت أحكامه وآدابه صائنة لحرمتهن، راعية لكرامتهن، محافظة على عفافهن وحيائهن من الانتهاك والضياع.
ويؤيد هذا الرأي (رو برت ولزلي) وهو إنجليزي فيقول: (إن اكتساب المسلمين للثقافة الغربية، والعادات الأجنبية البذيئة كتقصير النساء لملابسهن حتى تتكشف أفخاذهن.. ليس من الإسلام، لأنه غاية الفساد) (٣٦) .
стр. 949
والباعث على تأليف هذا الكتاب (مكانك تحمدي) يفسر الوضوح والمباشرة في أسلوب التناول، حيث يمثل موقفا مناهضا لدعوة نجمت في المجتمع الإسلامي، تحض على مشاركة المرأة في العمل وبناء المجتمع، فاقتضت مقارعة الحجج أن يلوذ الكتاب بالوضوح والتلقائية، وإيراد الشواهد والأقوال، وتحليلها في يسر وسهولة، ولكي يتحقق من منظور آخر تأثير أفكار الكتاب في أكبر عدد من المتلقين، على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم، وبازاء قضية خلافية انقسم حولها المجتمع. وينسحب الحكم نفسه على كتاب (نحو تربية إسلامية) ، إذ يستشهد فيه بقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عن علاقة المدرس بطلابه: (إنها علاقة مدرس بتلاميذه، وإن ساعة الدرس ليست إلا وسيلة لتوطيد التعارف بينه وبينهم، وليست البحوث التي يلقيها عليهم إلا طريقا لاكتشاف مشكلاتهم، ومحاولة إيجاد حلول لها) (٣٧) .
وكما هو دأب الأستاذ أحمد جمال، فإن المفاهيم التربوية مستقاة من تعاليم الإسلام، ويؤكد على الرجوع إلى التعاليم الإسلامية، لاستنباط الأسس التربوية، لتعويد الناشئة على احتذائها، والالتزام بقيمها، كما في قوله: (إذا كان الخبراء النفسيون العصريون يقررون أن كثيرا من الأمراض النفسية والعصبية.. مرجعها ما وقعت عليه أنظار هؤلاء المرضى وهم أطفال، من مشاهد جنسية لآبائهم وأمهاتهم. فقد سبق علم النفس الإسلامي إلى تحذيرات وقائيه، تمنع حدوث هذه الأمراض النفسية والعصبية مستقبلا، يقول الله ﵎:
(يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانهم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات، من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم) (٣٨) .
стр. 950
فالأطفال ممنوعون - في منهج علم النفس الإسلامي - أن يقتحموا على آبائهم وأمهاتهم خلواتهم الثلاث: قبل الفجر وبعد الظهر، وبعد العشاء، فهي ساعات راحة ونوم، وتحرر من الثياب الساترة، ومباشرة لما أحل الله لهم (٣٩) .
ويأتي متدرجا في الترتيب التصنيفي ليقترب من نفس المدار كتيب (ماذا في الحجاز) وهو كتيب يتباين عنوانه عن موضوعه، إذ يحمل عنوانه نبرة الخطاب السياسي، ولذلك فهو يغري من يسمعه بالبحث عنه، ومعرفة محتواه، ولكن مضمونه يمثل مسحا للتطور التعليمي والتربوي في الحجاز، وما شيد به من مدارس ومعاهد أهلية وحكومية في بواكير نشأة التعليم في العهد السعودي في هذا الإقليم، مع التعريج على ذكر الأنشطة ذوات العلاقة بالحركة التعليمية، كالصحافة والطباعة، مردفة بذكر نماذج لرجال التعليم والأدب، خاتما ذلك بتقديم نماذج من الشعر الحجازي، وكأنه الشهادة على ما وصل إليه التعليم في هذا الإقليم في تلك الحقبة. ومبرر اختيار هذا العنوان يفصح عنه المؤلف بقوله:
(وليس الدافع إلى إرسال هذه الإيماءة اللافتة إلى ما في الحجاز الحديث، هو أن في الحجاز شيئاً عظيما جداً جداً! لا فبصريح الاعتراف ليس الحجاز هذا الشيء العظيم، ولكن هناك - على كل حال - شيئاً.. حرام على إخواننا العرب المسلمين، في مد أقطارهم الدانية والقاصية، أن يجهلوه أو يتجاهلوه، ويصروا - بعد التعريف والتذكير - أن يظلوا جاهلين أو متجاهلين، إنما الدافع كل الدافع ما جاء في المزاعم التوالي:
زعموا أننا نعيش كسالى
ما لنا في الجلال غير ادّكاره
زعموا أننا صنائع بر
همّنا في السؤال أو في ابتكاره
زعموا أنّنا نموت ونحيا
في هوى يومنا وفي استدباره
زعم الماكرون أشياء أخرى
لم أرد ذكرها من استحقاره
следующие страницы →