Полный текст (6 828 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
ويدعم حجته بالاستشهاد ببعض آراء المفكرين الغربيين وأعلامهم حيث يقول: (وقال (شامفور) : إن أكثر ميلنا الى النساء جنسي، أما التوافق الروحي والعقلي فضعيف جداً، وشكا (روزفلت) أحد رؤساء أمريكا السابقين من عرض النساء أنفسهن لمزاولة الأعمال العامة بأجور أقل لانهن يقفلن بذلك الباب أمام الرجال الذين هم أحوج منهن الى المال، وقال: إن واجب المرأة المتزوجة أن تنهض بأعباء البيت، وتنظم شئون الأسرة، وعلى الفتاة أن تتزوج وتعيش من كدح زوجها ليتسنى لنا أن نربح من جهود المرأة في دائرة البيت أضعاف ما نربحه من جهودها في الاعمال الأخرى) (٣٤) .
ولا يفوت المؤلف قبل تفصيل القول في مكانة المرأة في الشريعة الإسلامية، أن يعرج على عقد مقارنة سريعة، لتبيان موقف العقائد والمجتمعات الأخرى من المرأة، وأساليب تعاملهم معها حيث يقول:
(لا تعرف مكانة المرأة في التشريع الإسلامي، على حقيقتها، إلا بعد معرفة النظرة التي كان ينظر بها إلى المرأة في الحضارات والتشريعات السابقة، وإلا بعد إدراك المعاملة التي كانت تعامل بها قبل الإسلام، فقد كانت المرأة:
- عند الإغريق والفرس متاعا للبيع والشراء، وكان الرجل صاحب سلطة عليها سواء كان أبا أو زوجا.. إذ لا أهلية فيها للتصرف.
- وفي الهند كان حق الحياة أو حقها في الحياة ينتهي بوفاة زوجها، فتحرق على جثته، وإن سلمت من عملية الحرق عاشت ملعونة منبوذة طوال حياتها.
- وفي الجاهلة العربية كانوا يئدون البنات، وكان الابن يرث زوجة أبيه بعد وفاته كما يرث متاعه، ويتحكم في تصرفاتها وفي حياتها. وعندما جاء الإسلام حرم هذه الشرعة الجاهلية: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها....) (٣٥) .
- وعند قدماء المصريين المرأة هي علة الخطيئة، وسبب المصائب والنكبات.
- وفي القانون الروماني: كانت المرأة قاصرا لا تستقل بحقوق منفصلة عن زوجها ولا تتصرف في أموالها إلا بإذنه.
стр. 947
- وفي ظل التصور الرهباني المسيحي ... كانت المرأة منبع المعاصي والفجور، وهي للرجل باب من أبواب جهنم، من حيث هي سبب تحريكه وحثه على الإثارة، وجمالها سلاح إبليس لا يوازيه سلاح من أسلحته المتنوعة الأخرى.
- وفي أوربا المسيحية - بصفة عامة - إلى ما قبل قرون تعتبر المرأة مصدر الشرور والآثام، وخليفة الشيطان وليس لها حق التصرف في أموالها، وتنسلخ من رابطة أسرتها ونسبها إلى رابطة زوجها ونسبه، وكان الفلاسفة ورجال الكنيسة يطيلون الجدل حول كون المرأة شيئا أم شخصا؟ وهل لها روح إنسانية كالرجال؟ وهل تستحق مثله الحياة الأخرى؟ .
- وانتهى المؤتمر الذي ناقش قضية المرأة في فرنسا عام ٥٨٦ إلى قرار: أن المرأة خلقت لخدمة الرجل، دون أن تشارك في أوامره ونواهيه برأي أو مشورة.
- وحتى سنة ١٨٠٥ كان القانون في بريطانيا يعطي الزوج الحق في بيع زوجته لرجل آخر بسبب الكراهية أو الحاجة المادية. ثم صدر بعد ذلك قانون التحريم والمرأة الحديثة في الغرب - الذي يزعم أنه حر ومتحضر ومتقدم علميا - ماذا يرى الزائر هناك عنها؟ يرى المظاهرات التي تطالب فيها المرأة بالحرية.. وتصرخ من ظلم الحضارة الغربية للمرأة.. إن المرأة هناك تذهب إلى العمل وتعود منه لتبقى في غرفتها... وهي تعمل كالرجال ولكنها تعطى أجراً أقل. وهي حرة في أن تنام مع من تشاء ولكنها وحدها تتحمل الثمن، فإما أن تدفع ١٥٠ جنيها أجرة عملية الإجهاض، أو أن تعيش أماً غير متزوجة لترعى طفلها غير الشرعي.
والمرأة الفرنسية - بحكم القانون - تابعة لزوجها شخصيا واسميا، حيث تتسمى باسم أسرته، ونظام الإرث الإنجليزي يسمح للزوج بالوصية بكل ماله لمن يشاء، حتى الكلاب والقطط. باسم الحرية الشخصية. وبهذا تحرم المرأة من حقها في مال زوجها.
стр. 948
أما المرأة الروسية فهي تعمل ايضا، ولكن بقسوة أكثر.. لا أنوثة تبدو عليها، ولا مساحيق على وجهها. تمسك بالمنجل والجرافة والمكنسة وتعمل في البناء وكنس
الشوارع. وقد تشققت يداها من خشونة العمل. بل أدهى من ذلك تعمل الروسية في درس الحبوب في المزارع بدلا من الآلات الدارسة. بل بدلا من الثور، كما هي الحال في البلدان المتخلفة. وتعيب الكاتبة الأمريكية مريم جميلة (٣٥) على (النسائيين) - أي دعاة تحرير المرأة المسلمة في العالم الإسلامي - تعيب عليهم فهمهم الخاطئ لمعنى (التحرير) ، على أنه الإباحية المطلقة للنساء في الاختلاط بالرجل حيث شئن وأنى ذهبن، دون قيد ولا شرط، وفي اختيار الأزياء غير المحتشمة وفي توظيفها خارج البيت. في الأسواق والمسارح ودور السينما، وفي مساهمتها في الحياة العامة، مهما تمزقت أوصال الأسرة، وانتهكت حرمات العفة والإباء. هذا ما تقوله (الكاتبة الأمريكية) التي ولدت وعاشت حياة حرة طليقة من كل قيد. حيث السفور والاختلاط، وعمل المرأة إلى جانب الرجل في كل مكان، وانطلاق الفتاة من تقاليد الأسرة وآدابها، ومصادقتها للفتيان، والذهاب معهم إلى ابعد حدود الحرية والانطلاق - تقول ذلك الكاتبة الأمريكية والغربية المتحررة، وتدعو بإخلاص بعد اعتناقها للإسلام ومعرفتها أحكامه وآدابه - إلى أن يعرف النساء المسلمات نعمة الله عليهن بهذا الدين الذي جاءت أحكامه وآدابه صائنة لحرمتهن، راعية لكرامتهن، محافظة على عفافهن وحيائهن من الانتهاك والضياع.
ويؤيد هذا الرأي (رو برت ولزلي) وهو إنجليزي فيقول: (إن اكتساب المسلمين للثقافة الغربية، والعادات الأجنبية البذيئة كتقصير النساء لملابسهن حتى تتكشف أفخاذهن.. ليس من الإسلام، لأنه غاية الفساد) (٣٦) .
стр. 949
والباعث على تأليف هذا الكتاب (مكانك تحمدي) يفسر الوضوح والمباشرة في أسلوب التناول، حيث يمثل موقفا مناهضا لدعوة نجمت في المجتمع الإسلامي، تحض على مشاركة المرأة في العمل وبناء المجتمع، فاقتضت مقارعة الحجج أن يلوذ الكتاب بالوضوح والتلقائية، وإيراد الشواهد والأقوال، وتحليلها في يسر وسهولة، ولكي يتحقق من منظور آخر تأثير أفكار الكتاب في أكبر عدد من المتلقين، على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم، وبازاء قضية خلافية انقسم حولها المجتمع. وينسحب الحكم نفسه على كتاب (نحو تربية إسلامية) ، إذ يستشهد فيه بقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عن علاقة المدرس بطلابه: (إنها علاقة مدرس بتلاميذه، وإن ساعة الدرس ليست إلا وسيلة لتوطيد التعارف بينه وبينهم، وليست البحوث التي يلقيها عليهم إلا طريقا لاكتشاف مشكلاتهم، ومحاولة إيجاد حلول لها) (٣٧) .
وكما هو دأب الأستاذ أحمد جمال، فإن المفاهيم التربوية مستقاة من تعاليم الإسلام، ويؤكد على الرجوع إلى التعاليم الإسلامية، لاستنباط الأسس التربوية، لتعويد الناشئة على احتذائها، والالتزام بقيمها، كما في قوله: (إذا كان الخبراء النفسيون العصريون يقررون أن كثيرا من الأمراض النفسية والعصبية.. مرجعها ما وقعت عليه أنظار هؤلاء المرضى وهم أطفال، من مشاهد جنسية لآبائهم وأمهاتهم. فقد سبق علم النفس الإسلامي إلى تحذيرات وقائيه، تمنع حدوث هذه الأمراض النفسية والعصبية مستقبلا، يقول الله ﵎:
(يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانهم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات، من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم) (٣٨) .
стр. 950
فالأطفال ممنوعون - في منهج علم النفس الإسلامي - أن يقتحموا على آبائهم وأمهاتهم خلواتهم الثلاث: قبل الفجر وبعد الظهر، وبعد العشاء، فهي ساعات راحة ونوم، وتحرر من الثياب الساترة، ومباشرة لما أحل الله لهم (٣٩) .
ويأتي متدرجا في الترتيب التصنيفي ليقترب من نفس المدار كتيب (ماذا في الحجاز) وهو كتيب يتباين عنوانه عن موضوعه، إذ يحمل عنوانه نبرة الخطاب السياسي، ولذلك فهو يغري من يسمعه بالبحث عنه، ومعرفة محتواه، ولكن مضمونه يمثل مسحا للتطور التعليمي والتربوي في الحجاز، وما شيد به من مدارس ومعاهد أهلية وحكومية في بواكير نشأة التعليم في العهد السعودي في هذا الإقليم، مع التعريج على ذكر الأنشطة ذوات العلاقة بالحركة التعليمية، كالصحافة والطباعة، مردفة بذكر نماذج لرجال التعليم والأدب، خاتما ذلك بتقديم نماذج من الشعر الحجازي، وكأنه الشهادة على ما وصل إليه التعليم في هذا الإقليم في تلك الحقبة. ومبرر اختيار هذا العنوان يفصح عنه المؤلف بقوله:
(وليس الدافع إلى إرسال هذه الإيماءة اللافتة إلى ما في الحجاز الحديث، هو أن في الحجاز شيئاً عظيما جداً جداً! لا فبصريح الاعتراف ليس الحجاز هذا الشيء العظيم، ولكن هناك - على كل حال - شيئاً.. حرام على إخواننا العرب المسلمين، في مد أقطارهم الدانية والقاصية، أن يجهلوه أو يتجاهلوه، ويصروا - بعد التعريف والتذكير - أن يظلوا جاهلين أو متجاهلين، إنما الدافع كل الدافع ما جاء في المزاعم التوالي:
زعموا أننا نعيش كسالى
ما لنا في الجلال غير ادّكاره
زعموا أننا صنائع بر
همّنا في السؤال أو في ابتكاره
زعموا أنّنا نموت ونحيا
في هوى يومنا وفي استدباره
زعم الماكرون أشياء أخرى
لم أرد ذكرها من استحقاره
стр. 951
لا، بل سأذكرها أنا ولا أحقرها، لأن التّهم الكواذب لا تحتقر أولا وإنّما تدحض وتنقض عروة عروة، وعلى المتهم (الصدوق!!) بعد أن يرى عروش اتهاماته (الصوادق!!) خاوية هاوية، أن يتولى احتقارها بنفسه، وإلا فمن حق المتهم البرىء المحفوظ له، أن يشنّ إغارة الاحتقار. لقد زعموا أننا في مجال المعيشة الاقتصادية الاجتماعية نتخذ من الجبال أكنانا، ومن جلود الأنعام أكسية، ليس في حجازنا قصور، ولا دور ولا حدائق ولا فنادق، وحجّتهم الداحضة، أننا نعيش بواد غير ذي زرع، عند بيت الله المحرم. وزعموا أيضا أننا - في مجال الثقافة العامة بنوعيها تعليما وأدبا - نعيش أميين جهلاء، ليس في حجازنا مدارس ولا معاهد، ولا علماء ولا أدباء، ولا آثار لهؤلاء وهؤلاء.
وزعموا ما شاء لهم الهوى أنْ يزعموا غير هذا و (أجمل!) من هذا (جمالا) يغضي القلم حياء منه فيؤثر الصمت، لأن الصمت في هذا المقام فحسب هو الذهب بعينه.
زعموا حتى دلاّهم بغرور ما زعموا، فتساءلوا - استكثارا علينا - لم نبعث الإرساليات العلمية إلى الخارج؟ ما دام الحجاز ودايا غير ذي زرع صالح، وتربة صالحة، وحق لهم أن يزعموا تلك المزاعم الجاهلة، وأن يستكثروا علينا الثقافة الاجتماعية والاقتصادية، والدينية والعلمية، والسياسية والعمرانية، فقد دلاّهم جهلهم بغرور إلى غرور.
стр. 952
ويعزينا قليلا أو كثيرا، أن حجازنا لم يكن أولى فرائس هذا الاتهام الذي تضربنا به إحدى يدينا! فمنذ عام ويزيد تألّم الأستاذ على الطنطاوي باسم الأدب السوري، لإغفال أدباء مصر لهم، وكان ذلك في خطاب مفتوح نشره في مجلة الثقافة التي تصدر في مصر العزيزة، ومنذ شهرين إلا قليلا تكررت الشكوى ولكن بقلم الأستاذ تقي الدين خليل، باسم الأدب اللبناني وكان ذلك في مجلة آخر ساعة المصرية أيضاً. أما نحن الحجازيين فقد ضاقت مجلات مصر وصحفها على أدبنا بما رحبت لأدب غيرنا، فكم طويت لنا من رسائل عتاب، وكم أهملت لنا من مقالات شعر ونثر وخطاب! قد تعتذر بأنها غثة تافهة والرد حاضر على هذا الاعتذار المظنون، ذلك أنه ما كل ما تنشره مجلات مصر وصحفها غير غث ولا تافه، فلتكن موائدها في ضيافتنا الغثاثة والتفاهة، ولها منا موعدة التواضع الجم، والتسامح الشديد) (٤٠) .
ويأتي منسجما مع المسار التربوي، ومتجانسا مع الطروحات الفكرية للاستاذ احمد جمال خاصة في كتابه (مكانك تحمدي) ، كتاب (تعليم البنات بين ظواهر الحاضر ومخاطر المستقبل) .
стр. 953
والكتاب الذي نشر طبعته الأولى نادي الطائف الأدبي عام ١٤٠٩ - ١٩٨٨هـ، يمثل محاضرة ألقاها المؤلف في كلية الشريعة بالرياض يوم ٥/٤/١٣٩٨هـ، بدعوة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تحمل نفس العنوان، ولذلك يوميء المؤلف في مقدمة كتابه إلى تمسكه بمواقفه حيث يقول: (وعنوانها صريح في تحديد موضوعها، وما توقعته من مخاطر مستقبل تعليم البنات تحقق فعلا. فقد بدت في الأفق مشكلات عديدة.. منها ظاهرة الطلاق المتزايد بين الأزواج والزوجات، نتيجة لما تشعر به الزوجة المتعلمة من مساواة ثقافية أو علمية مع زوجها، وربما يزيد راتبها إذا كانت مدرسة أو طبيبة.. فهي تتعامل معه بمشاعر الندّ تجاه الندّ، لا بعواطف الزوجة نحو زوجها. وهو بالتالي ربما يشعر بمركب النقص تجاه زوجته المساوية له، أو المتفوقة عليه ثقافيا أو اقتصاديا.
كما أن بعض الشباب من الذكور يحجم عن الزواج بالجامعيات.. لأنه يخشى أن تتعامل معه زوجته الجامعية بكبرياء المثقفة، وغطرسة الموظفة. وقد نشأت في مجتمعنا ظاهرة أخرى، ظاهرة (العنوسة) ، أي تأخر كثير من المتعلمات المتخرجات من الجامعات عن الزواج، حتى اصبح بعضهن لا تستحي من الحديث بالرغبة في الزواج، بل إن بعضهن تزوجن أزواجا لهن زوجات وأولاد، ورضين مبدأ تعدد الزوجات!!
وهناك ظاهرة إهمال الزوجات العاملات لبيوتهن وأولادهن وأزواجهن، وصحفنا تفيض بالحديث عنهن، وعن الخادمات الأعجميات، وغير المسلمات، اللائي أصبحن مسؤولات عن تربية أطفالنا، رجال المستقبل، وآمال الغد.
ومع ذلك تشكو هؤلاء العاملات مرّ الشكوى من الإرهاق الذي يعانينه من العمل خارج البيت، ومتاعب الأسرة التي تنتظرهن عند العودة من أعمالهن.
стр. 954
وقد ضممت إلى المحاضرة حوارا جرى بيني وبين الطالبات والمدرسات في كليتي التربية للبنات بمكة وجدة، لاشتماله على موضوعات تتصل بالقضايا التي تتضمنها المحاضرة، مع ظواهر جديدة، في مجال التعليم النسوي، والعمل النسوي أيضاً.
وأضفت أيضاً فصلا ثالثا، يتضمن عبراً ودروساً من تجارب الأمم والمجتمعات العربية والأوربية، التي سبقتنا الى تعليم المرأة وتوظيفها، وما تعانيه من مشكلات وأزمات، بسبب عدم التوفيق بين مسؤولية المرأة العاملة كزوجة وأم وبين واجباتها الوظيفية خارج البيت (٤١) .
ومع ذلك فإن المؤلف يستدرك ما يحمله العنوان في تضاعيفه من إيحاءات ويبرز موقفه بوضوح من تعليم المرأة وحاجة المجتمع له، في حقول تقتضي الاستفادة من قدرات المرأة وإسهاماتها، حيث يقول: (وهو عنوان قد يوهم المستمع أني أعارض تعليم المرأة وتشغيلها خارج البيت فيما تستطيعه، وما يتفق مع طبيعتها الرقيقة، ولا يخالف ما شرع الله لها من حجاب وآداب.
ومخافة من هذا الإيهام، الذي قد يحدثه عنوان المحاضرة بدأتها بالقول: ٠إني في كل ما كتبت وما تحدثت، عبر أجهزة الإعلام الثلاثة (الصحافة، والاذاعة، والتلفاز) ،كنت وما أزال أدعو الى تعليم المرأة، وتوظيفها في أعمال مناسبة للطبيعة وآداب الشريعة وذلك:
أولاً - لان الإسلام نفسه - يحثّ على تعليم الرجل والمرأة.. كل حسب استطاعته وحاجته، وحاجة المجتمع إليه والبيت والأسرة لا يداران إدرة صحيحة قويمة إلا بزوجة مسعدة، وأم مرشدة، والشباب الذين هم الأبناء والبنات، لا ينشأون التنشئة الصالحة الناجحة، إلا إذا كان آباؤهم قد أخذوا من الثقافة الدينية والاجتماعية والاقتصادية، والتربوية، بحظ وفير.
стр. 955
ثانياً: لأن أخلاقنا الإسلامية تمنع من الاختلاط بين الرجال والنساء في العمل خارج البيت، ومجتمعنا كما يحتاج إلى تعليم الذكور من الشباب وتطبيبهم وتمريضهم وإدارة شؤونهم، يحتاج تماما إلى تعليم الإناث من الشابات وتطبيبهن وتمريضهن وإدارة شئونهن.
فلابد، من مدرسات وطبيبات وممرضات ومديرات ومفتشات ومرشدات اجتماعيات، يتولين العمل في المؤسسات النسائية، ويكفينا عواقب الحاجة إلى الرجال.. وعمل الرجال مع النساء لإدارة شؤون النساء، مما رأيناه رأي العين في المجتمعات الأخرى، التي سبقتنا إلى هذه المفاسد والمنكرات.
وإذن فتعليم البنات وتوظيفهن في حدود الطبع والشرع: حاجة لازمة لا ريب فيها، ولا جدال حولها، ولا اختلاف عليها) (٤٢) .
على أن ذروة الاهتمام التأليفي لدى الأستاذ أحمد جمال تتمحور حول الدراسات الدينية، تفسيراً وفكراً وقضايا وآراء ودراسات، مع الاحتزاز بالإشارة الى اصطباغ سائر أعماله، من تربوية وفكرية وصحفية وأدبية، بالصبغة الدينية وعدم مبارحته لمسارها، وتوجهاتها، وآدابها.
стр. 956
ومن أهم أعماله في حقل التفسير كتابه (مأدبة الله في الأرض) فقد هدف في هذا الكتاب الى جمع الآيات التي تتناول موضوعا واحدا، وتفسيرها، أو كما يصرح بقوله: (وقد نشأ عندي خلال دارستي للقرآن الكريم، حب لتفسيره تفسيراً موضوعياً.. أي جمع الآيات المتحدثة عن موضوع واحد، وتأمّلها ثم الحديث عنها بما يفتح الله. وقد بدأت تنفيذ هذه الفكرة بكتابي (على مائدة القرآن: دين ودولة) الذي صدرت الطبعة الأولى منه سنة ١٣٧١هـ (١٩٥١م) ، ثم تكررت طبعاته سنة ١٣٩٣هـ (١٩٧٣م) وسنة ١٤٠٠هـ (١٩٨٠م) (٤٣) وتناولت فيه موضوعات تتعلق بالعبادات والأخلاق، وبالتربية والأخلاق وبالعلم والعلماء والتعليم، ونظام الحكم والمجتمع، والفوارق بين الذكر والأنثى، وحقوق الرجل والمرأة، ونظام الاقتصاد الخ ونلاحظ أن معظم كتب التفسير القديمة والحديثة اتبعت طريق التفسير للسور مرتبة كما هي في المصحف. وهي طريق نافعة لا شك فيها، ولكن التفسير الموضوعي - من وجهة نظري - أفضل وأجمل، وأجمع لفهم القارىء، لكي يدرس أو يدرك حقيقة التوجيه القرآني في الموضوع الواحد، أو القضية الواحدة.. وكيف تدرّج القرآن في طرح الموضوع أو القضية، وفي الإقناع بتحريم الحرام، وتحليل الحلال، والاحتجاج بصواب الهدى، وبطلان الضلال) (٤٤) .
ويذكر الدكتور عبد الفتاح شلبي في التمهيد أن (كتاب مأدبة الله في الأرض يشتمل على سبعة فصول، أوردها المؤلف على النسق التالي:
الفصل الأول: عن القرآن فهمه وتدبره وفضله.
الفصل الثاني: عن العقائد والعبادات.
الفصل الثالث: عن الإنسان، خلقا وتدبيرا، فردا وجماعة، ذكرا وأنثى، اهتداء وزيغا.
الفصل الرابع: عن القرآن كمنهج تربوي للفرد والمجتمع، والدولة والأمّة.
الفصل الخامس: عن جهاد الأعداء، وترقّب النصر.
الفصل السادس: عن بعض قصص الأنبياء.
الفصل السابع: عن بعض قصص اليهود والمنافقين) (٤٥) .
стр. 957
وأحمد جمال في هذا الكتاب لم يقف عند حدود اّراء وأقوال القدماء، بل يوسّع آفاق التناول فيورد ما ذكره المفسرون والعلماء، ويستأنس برأي المفسرين المعاصرين، كإيراده تفسير الإمام ابن كثير عن الإمام البخاري (روي عن النبي (أنه قال لأصحابه: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشقّ ذلك عليهم وقالوا: أيّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟
فقال: قل هو الله أحد ثلث القرآن العظيم.
ثم يسأل أحمد جمال: لماذا كانت سورة الإخلاص ثلث القرآن؟ .
وبعد أن يعرّج على أن عقيدة التوحيد هي الأساس والقاعدة والعماد لنظام الإسلام
كلّه، يورد قول الإمام الغزالي: إن مهمات القرآن العظيم هي معرفة الله، ومعرفة الآخرة، ومعرفة الصراط المستقيم. فهذه المعارف الثلاث هي المهمة، والباقي توابع، وسورة الإخلاص تشتمل على واحدة من هذه الثلاث، وهي معرفة الله، وتقديسه وتوحيده عن مشارك في الجنس والفرع، وهو المراد بنفي الأصل والفروع والكفء.
والوصف (بالصمد) ، يشعر بأنه السيد الذي لا يقصد في الحوائج سواه.
واستئناسه بآراء المعاصرين يتجلى في تضمين رأي الدكتور عبد الجليل عبد الرحيم، في تعقيبه على معنى الحديث النبوي الشريف بأن سورة الإخلاص: هي ثلث القرآن الكريم: (إن الذي يخطر في هذا الموضوع أن الدين بأسره إنّما هو معرفة الله، بسائر شؤونه وتجليات أسمائه وصفاته، ثم العمل بموجب هذه المعرفة، وضبط السلوك عليها، مع الإخلاص لله في العلم والعمل) (٤٦) .
وتأبى الحاسة الصحفية التي عانقت أحمد جمال طوال حياته أن تتوارى عن مؤازرته في توجهه الديني، كما تؤازره معطيات المعاصرة بإنجازاتها العلمية في الاستفادة مما ينشر ويبث هنا وهناك، لتعضيد ما يذهب إليه من آراء، ففي تفسيره لقوله تعالي (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنّه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) (٤٧) .
стр. 958
يستهلّ تفسير الآية بذكر أقوال بعض قدامى المفسرين، مردفا ذلك بما فتح الله به عليه، ويعقب بإيراد أقوال بعض رواد الفضاء، حينما تجلّى لهم بديع صنع الله في خلق هذا الكون، وتناغم كواكبه ونجومه في منظومة المجرات السماوية، فيما أتيح لهم مشاهدته عبر رحلاتهم الفضائية، فيورد أقوال جيمس اورين، الذي تحول إلى قسيس ليتفرغ للتأمّل في اعتقاده بالله والرائد ميشيل، وأخيراً الرائد شيبرد، الذي يقول: (إنّ رحلتي إلى القمر، وسّعت نظري إلى ابعد مما وراء حياتنا اليومية لقد كنت محدود التفكير، حين أتصور أنّ بلدي هو كل شيء في العالم، حتّى إذا سنحت لي فرصة النظر لكل هذا العالم عرفت ضخامة هذا الكون، وضآلة مجموعتنا الشمسية، وكم من آلاف السنين يبعد عنا أقرب نجم لأرضنا، وعندما غادرنا الأرض ونظرنا إليها من عل، وجدنا كوكبنا ليس بالكوكب الذي يذكر) (٤٨) .
ويأتي في نفس المسار كتاب (القرآن الكريم كتاب أحكمت آياته) ، إلا أنه في (مأدبة الله في الأرض) تمثلّ روح المعاصرة، من خلال الاستشهاد بأقوال وآراء بعض العلماء والمفكرين ورجال الفضاء لتبيان ما وصلوا إليه من قناعات من خلال الاكتشافات العلمية، التي تشهد بوحدانية الله، وعظمة الخالق المبدع في أرجاء هذا الكون وتكوينه، من مجرّات وكواكب، تجعل الملحد يتطامن أمم عظمة الخالق، وروعة البناء والتكوين.
بينما اقتصر في (القرآن الكريم كتاب أحكمت آياته) على مناقشة آراء بعض المفسرين والعلماء القدامى والمعاصرين بما أوردوه من آراء وأقوال، في اجتهاد علمي، لمناقشة هذه الآراء ودحض بعضها ولذلك يحدّد في المقدمة موقفه من هذه الآراء، والمؤلفات التي تضمنتها بقوله:
стр. 959
(وهذه الفصول الأربعة عشر، هي تعقيبات متأنية ومتعمقة، على بعض الكتب القديمة والحديثة، التي وضعها علماء قدامى وكتاب معاصرون، حول القرآن الكريم: آياته وكلماته ومعانيه، وقد أسرف بعضهم في القول بنسخ معظم آيات القرآن، وهذا يعني أن الأحكام والمقاصد الأخلاقية لهذه الآيات أبطلت. كما أفرط فريق منهم في توهم الإشكال أو الاضطراب في آيات أخرى من القرآن، ثم محاولة الرد لبيان سلامة التركيب القرآني، لفظاً ومعنى.
وقد صدرت قديما مؤلفات تحمل عناوين: (مشكل القرآن - أو غريب القرآن - أو مشكل الحديث النبوي - أو غريب الحديث النبوي) وفي رأينا: أنه لا مشكل، ولا غريب، ولا متناقض، ولا متعارض، في آيات القرآن الكريم، والحديث النبوي الحكيم الثابت سنداً ومتناً.
وإنما الغرابة والاستغراب، والإشكال والاضطراب، في عقولنا نحن البشر، حيث نعجز أحيانا عن فهم آية، أو وعي حديث نبوي، أو نتوهم تناقضاً، أو اضطراباً في أحدهما.
ولذلك أرى أن لا ينسب الإشكال أو الاضطراب إلى القرآن والحديث، وإنما ينسبان الى عقولنا وأفهامنا، كما أرى أن توهم بعض علمائنا، الغابرين والحاضرين، لهذا الاضطراب أو الإشكال، في آيات القرآن وأحاديث الرسول ﵊، أو افتعال هذه المشكلات والتناقضات، مما يفتح الباب لزلزلة أفكار الشباب، وبخاصة في عهدنا الحاضر، الذي يفيض بالمبادىء الهدامة، والتيارات الملحدة، والايحاءات المفسدة للعقيدة والأخلاق. وفي فصول أخرى من الكتاب، نقد لكتب تناول مؤلفوها القرآن، تناولهم لكلام البشر، وقاسوا قصصه على قصصهم، وعباراته على عباراتهم، وزعموا أن قصص القرآن كالأساطير، أو هي أساطير تماما...الخ.
وقد تناولت نقدهم جميعا، وتصحيح ما اعتقدته من أخطاء وزلاّت في آرائهم: جوانب شتى ... من العقيدة والفقه والخلق واللغة) (٤٩) .
стр. 960
والمؤلف حصر مناقشة المؤلفين في الجزء الأول من الكتاب ولم يلتزم التسلسل التاريخي للمؤلفين، أو الكتب، وإنما ناقش ما تضمنته هذه المؤلفات من آراء دون تسلسل زمني، فهو يناقش آراء الشيخ محمد أمين الشنقيطي من المعاصرين بعد ابن حزم من المتقدمين، وقبل (المفيد في مشكل القرآن) ، المنسوب لسلطان العلماء. العز ابن عبد السلام، ويقدم نقده لكتاب الدكتور مصطفى محمود في كتاب (القرآن محاولة لفهم عصري) على مناقشته للخطيب الإسكافي في كتاب (درة التنزيل وغرة التأويل) ، والذي يردفه بنقد المستشرق اليهودي جولد تسيهر في كتابه (المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن)
ويحمد للمؤلف تكريسه للقيم الخلقية الإسلامية في مناقشة المؤلفين، فالهدف يتسامى للبحث عن الحقيقة، وينأى عن الغض والتجريح، فهو يقول: (لفضيلة الشيخ محمد أمين الشنقيطي ﵀ قدم صدق، ويد طولى في تفسير القرآن الكريم، وله كتاب قيم في ذلك، وهو (أضواء في علوم القرآن) ، وقد سعدت بقراءة مقالاته المتتابعة في مجلة الجامعة تحت عنوان (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) ، صال فيه وجال بعلمه الواسع وفكره الثاقب، وانتفعت بآرائه ونظرياته في التوفيق بين بعض المفهومات القرآنية، وبعضها الآخر، وإني لأدعو له حسن الجزاء، وجزيل المثوبة) (٥٠) .
وإذا كان أحمد جمال في الثناء على المؤلف دمثا وكريما، فإنه في المناقشة العلمية يتجافى عن المجاملة، وينتصب للتصدي للحقيقة العلمية، كما في قوله: (علّق الشيخ على هذه الآية (ذق إنك أنت العزيز الكريم) (٥١) بقوله: إنه يتوهم من ظاهرها ثبوت العزة والكرامة لأهل النار، مع أنّ الآيات القرآنية مصرحة بخلاف ذلك، مثل قوله: (سيدخلون جهنم داخرين) (٥٢) أي صاغرين أذلاء، وقوله: (ولهم عذاب مهين) (٥٣) .
стр. 961
والجواب أنها نزلت في أبي جهل لما قال: أيوعدني محمد؟ وليس بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فلمّا عذبه الله قال: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) في زعمك الكاذب.
قلت: إن سباق الآية، أو سياقها لا يساعد على تخصيص نزولها بأبي جهل، فهي عامة في كل كافر: (إنّ شجرت الزَقوم * طَعام الأثيم * كالمُهل يغلي في البُطُون* كغلي الحَميم * خُذُوهُ فاعلتوُه إلى سَوَاءِ الجَحيم * ثُم صُبوا فَوقَ رأسه من عَذاب الحميم * ذُق إنَّك أنت العَزيزُ الكريم) (٥٤) .
فالعذاب بالأكل من شجرة الزقوم عام للآثمين جميعا، والتقريع بقوله: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) ، شامل لكل واحد منهم بدون استثناء. ولو فرضنا - جدلا - أن الآية نازلة في أبي جهل، فلا تعارض بينها وبين الآيات الأخرى، ولا اضطراب في معناها. فالآيات التي تقرر الذل والهوان للمعذبين في النار، تقرر حقيقة مادية واقعة،لا ريب فيها، والآية موضوع البحث، تحكي موقف الملائكة - ملائكة العذاب طبعا- وهي تسخر من المعذبين في النار، وتذكرهم بحالهم في الدنيا من عز وغنى وجاه وسلطان وكرامة، وفي هذا النداء والتذكير: زيادة عذاب، ومضاعفة هوان.
وهو أسلوب عربي بليغ معروف، ويسمي بتأكيد الذّمّ بما يشبه المدح، ومنه قول الشاعر:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وفي المقابل: تأكيد المدح بما يشبه الذم، ومنه قول الشاعر أيضاً:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهنّ فلول من قراع الكتائب (٥٥)
стр. 962
وإذا كان الأستاذ أحمد جمال قد خصّص هذا الجزء لمناقشة الآراء والمؤلفات التي اختلف معها، ومع توجهات مؤلفيها فإنه أفرد الجزء الثاني لاستعراض بعض المفهومات القرآنية، بينما مزج بين الاتجاهين في الجزء الثالث. والمؤلف كان يهدف الى إنجاز مشروع علمي، يتوخى تفسير القرآن، ودراسة ما يتصل به من قضايا ومباحث، ولذلك يقول: (والمجموعة - على هذه الصورة - تشكل جزءا آخر من تفسير القرآن) (٥٦) وكأن في ذلك إشارة إلى المؤلفات الأخرى، التي ذكرها الأستاذ عبد الله عبد الجبار للمؤلف بقوله:
(ما وراء الآيات - يبحث فيه عن القصص الرمزي في القرآن. دين ودولة - عرض للفكرة الإسلامية، عقيدة وتربية وحكما، في ضوء القرآن. مع المفسرين والكتاب - نقد ودراسات لمذاهب وآراء القدامى والمحدثين والكتب الثلاثة الأخيرة من سلسلة على مائدة القرآن) (٥٧) .
ومع ذلك فإن أحمد جمال لم ينتهج التهج التقليدي في التفسير، والقائم على ذكر السور مرتبة وفق ترتيب المصحف والشروع في تفسير آياتها تباعا، بل جنح إلى انتقاء الآيات، التي تنطوي على مفهومات ارتأى الوقوف عندها بالتفسير والتحليل،أو وفق ما تمليه الآراء التي آثر مناقشة أصحابها، والرد عليهم.
والملاحظ أن الدراسات الدينية، تحظى بنصيب الأسد من مشروع أحمد جمال الثقافي، وتحتل المساحة الكبرى من اهتماماته الفكرية، عقب عزوفه عن الشعر، وتتوزع إضافة إلى ما سبق، على مجال الدعوة، والتي يمثلها كتابه (خطوات على طريق الدعوة) وقضايا المسلمين، كما في كتابه (المسلمون حديث ذو شجون) ومجال الفتيا،وهو يمثل الفتاوى التي كانت ترد عليه، ويردّ على أصحابها في صحف (المدينة) و (المسلمون) و (الشرق الأوسط) ، ويتضمنها كتاب (يسألونك) ، ومجال التدريس الجامعي لمادة الثقافة الإسلامية، في جامعتي الملك عبد العزيز بجدة وأم القرى بمكة المكرمة، وضمّن هذه المحاضرات كتابه (محاضرات في الثقافة الإسلامية)
стр. 963
وكان من الضروري أن يندرج ضمن اهتمامات الأستاذ جمال الدفاع عن الإسلام ضد خصومه، والرد عليهم، كما يمثل ذلك كتابه (مفتريات على الإسلام) ، وأن يصدع بآرائه في وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، ووجوب الحكم بما أنزل الله والالتفاف حول عقيدة التوحيد، والتمسك بها، كما في كتابه (قضايا معاصرة في محكمة الفكر الإسلامي) ولذلك يستهل الكتاب في الفصل الأول ببحثه حول (تحكيم الشريعة الإسلامية واجب في كل زمان ومكان) ، ويردفه بفصل، (جهاد النفس أولاً) ، ثم (الميدان الأول للدعاة الإسلاميين) ، ثم يمضي في الحديث عن (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمكافحة الجريمة) ، و (الإسلام دين السلام) ثم (الإسلام بالمرصاد لتحديات أعدائه)
стр. 964
وكأنه في ذلك ينطلق من التأصيل، وهو تحكيم الشريعة، وتأسيس المسلم الخليق بالمسؤولية المنوطة به، وهو من يجاهد نفسه ليصبح بالتالي داعية إلى حياض ربه، لينتقل به خارج تخوم العالم الإسلامي، حينما يناقش اتهامات أعداء العقيدة، ليؤكد أن الإسلام دين السلام، وأنه بالمرصاد لأعدائه، وكل من يتربص به، أو يصمه بالإرهاب، أو يتطلع للنيل منه، أو تقويض قوته وانتشاره، حتى إذا فرغ من ذلك عاد لتناول القضايا الداخلية، التي يتردد صداها في العالم الإسلامي ويقف المسلمون منها موقف انقسام، بدعوى الضغوط الاقتصادية، كقضية (تناسل المسلمين بين التحديد والتنظيم) ، ثم يعرج المؤلف على تبيان (الاستعمار الذاتي في العالم الإسلامي) ، ويجلّى حقيقته بقوله: (خلال العقدين الخامس والسادس تخلصت الدول العربية والإسلامية من الاستعمار الغربي المباشر، ولكنها دخلت في (استعمار) جديد، باختيارها وطوعها وكان الأول استعمارا أجنبيا بالحديد والنار، وكانت سلطة وسيطرة مباشرة على سياسة البلاد العربية والإسلامية، واقتصادها وثقافتها.. أما الاستعمار الجديد، فكان عن طريق الفكر والقلم واللسان، أو عن طريق التحالف المزعوم، والصداقة المفتراة! لقد تقبل قادة الثورات التحررية، في البلاد العربية والإسلامية، بعد فوزهم بالحكم والقيادة والسيطرة على مقاليد الأمور في شعوبهم وأوطانهم، تقبّلوا واعتنقوا وارتضوا المباديء التالية:
فكرة القومية والعنصرية.
والعلمانية - فصل الدولة عن الدين.
والاشتراكية الاقتصادية.
ثم الشيوعية الخالصة) (٥٨) .
ثم ينتقل المؤلف إلى بعض القضايا التي كانت تشغل المجتمع، في المملكة خاصة، مع إرهاصات النهضة السعودية كقضية (تعليم البنات بين ظواهر الحاضر- ومخاطر المستقبل) وقضية أخرى يختتم بها المؤلف كتابه، تدور (حول التصوير المحرم: أهو المرقوم أم المجسم) .
стр. 965
وغنى عن القول أن الفصل قبل الأخير (تعليم البنات) ، قد أفرد له المؤلف كتيبا مستقلا، عرّجنا على ذكره، وتناوله فيما سلف.
وبحكم الانطلاقة الأولى من دوحة الأدب، بجناحي الشعر في ديوان (الطلائع) ، والقصة في القصص الاجتماعية (سعد قال لي) ، فإن دائرة الاهتمام لدى الأستاذ أحمد جمال تتسع بحكم الحس الأدبي، لتشمل تناول (القصص الرمزي في القرآن) وليت المؤلف أبقى على العنوان الأصلي للكتاب، وهو (ما وراء الآيات) ، أو انتقى له عنوانا يتناسب وموضوعه القائم على ذكر بعض الآيات المتضمنة لمواقف وقصص، مع ذكر أسباب النزول، لما لمصطلح الرمزية من ظلال وتداعيات، تتباين مع المراد الذي هدف إليه المؤلف، وتضمنته الآيات والسور الكريمات، وهي الملاحظة التي أومأ إليها المؤلف نفسه في هامش مقدمته حينما قال: (اعترض بعض قراء الكتاب على وصف هذا اللون من قصص القرآن بأنه (رمزي) وقال: إنّ في هذا تشبيها بأدباء المهجر الذين عرف عنهم هذا اللون من الأدب.. وقد رددت على المعترض بأن (الرمز) يعنى في اللغة العربية: الإشارة دون الإفصاح. والآيات التي تناولتها بالبحث والبيان ترمز الى قصص وأخبار وحوادث دون أن تذكرها) (٥٩) .
ويعلّل ذلك في المتن بقوله: (وقد اخترت للكتاب اسم (القصص الرمزي في القرآن) بديلا عن الاسم الأول (ما وراء الآيات) لمناسبته للموضوعات، أو القضايا التي ترمز لها الآيات، ولا تفصح عنها) (٦٠) .
стр. 966
ويؤكد موضوعية ملاحظتنا - وهي لا تتناقض مع احترامنا وتقديرنا لأستاذنا الجليل أحمد جمال - إخفاق الأستاذ الدكتور حسن ضياء الدين عِتر في الوصول الى تعليل مقنع - مع تقديرنا لجهده وعلمه - حينما سوّغ هذا التحول من الاسم الأول الى الاسم الثاني، مؤكدا على ما ذكره الأستاذ أحمد جمال في مقدمته، ومعتمدا عليه بالكلية في قوله عن القصص القرآني: (أفرد الأستاذ الداعية له كتابا مستقلاً بعنوان: (القصص الرمزي في القرآن) ولعل خيالك يجمح فيدفعك الى التساؤل: هل قصد الأستاذ الداعية أن في القرآن قصصا رمزيا بالإطلاق المعهود في عصرنا للقصص الرمزي والشعر الرمزي، إذ يسمع أحدنا الشاعر - مثلا - يقول: أنا حبيبتي نصف برتقالة!!؟ إذن أين طاح النصف الثاني!!؟؟
ويأخذ المؤلف ﵀ عليه أو على بعض القراء سوء الظن، فيجيب في ختام تقديمه لكتابه بقوله: (وقد اخترت للكتاب اسم (القصص الرمزي في القرآن) بديلا عن الاسم الأول (ما وراء الآيات) لمناسبته للموضوعات أو القضايا التي ترمز لها الآيات ولا تفصح عنها) (٦١) .
لكنه فصّل مراده من كتابه تفصيلا في مطلع تقديمه، إذ يفيدك بتقريره الضمنى أن قصص القرآن قصص حقيقي، واقعي. ويعلن صراحة أنه نوعان:
أولاً: قصص نزل به القرآن، وذكر أحداثه الحقيقية وله أهداف عظيمة. قال الله : (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) (٦٢) .
стр. 967
ثانياً: قصص نزل من أجله القرآن، فلم يذكر أحداثه ووقائعه ومشكلاته، إنما ذكّر بها تذكيراً، بأن أشار إليها، أو رمز لها برمز جلي لا لبس في مراده منها، وهي التي جاء القرآن العظيم ليعطي فيها العبرة والموعظة، أو الحكم أو الحل، أو يكشف سرّ أصحابها، من براءة أو خيانة، وصدق أو كذب، ووفاء أو غدر، وهو ما سمّاه المتحدثون القدامى عن علوم القرآن باسم (أسباب النزول) (٦٣) . لذلك يتعين أن نورد إحدى تلك القصص، ليتسنى للقارىء الإسهام والمشاركة في الحكم، ولكي يتحقق الهدف الأساسي من بحثنا، وهو الوقوف على المظاهر الأسلوبية التي تميزّ أدب أحمد جمال، وتوجهه الفكري، حيث يقول في قصة: (يهودي متهم - يبرئه القرآن)
يقول الله في سورة النساء:
(إناّ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (١٠٥) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (١٠٦) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيماً (١٠٧) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (١٠٨) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً (١٠٩) ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيماً (١١٠) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيماً (١١١) ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثما مبيناً (١١٢) .
ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً (١١٥) .
كان بنو أبيرق، من أهل المدينة مردوا على النفاق، وكان أحدهم (طعمة) يقول الشعر سفها، يريد أن يبلغ به الصحابة العلية، وما هو ببالغهم.
стр. 968
وكان بيت أبيرق هؤلاء، بيت فاقة في الجاهلية والإسلام، والفاقة - كما تعلمون- إحدى السبل، بل أهدى السبل إلى (النفاق) وإلى الاستراق. هي إحدى السبل إلى النفاق لصاحبها الذي يستطيع أن يأكل بلسانه، يحركه بالكذب في المدح والقدح وهي إحدى السبل إلى الاستراق لصاحبها الذي لا يقدر على صناعة الكلام، فيعتاض عنها بيده يحركها في أموال الناس هنا وهناك التماساً أو اختلاساً.
ولذلك حقت الكلمة المأثورة (كاد الفقر أن يكون كفراً) ، وكذلك مدّ طعمة بن أبيرق، في ظلام الليل يده إلى درع قتادة بن النعمان، وكانت في جراب تملؤه نخالة دقيق، فجعلت النخالة تتناثر من ثقب في الجراب على طول الطريق، حتى انتهى طعمة الى داره، فبدا له أن ينصرف (بفضيحته) من بابه إلى باب جاره اليهودي (زيد بن السمين) ليأتمنه عليها الى ميعاد. وحين أصبح قتادة افتقد درعه، ووجد النخالة - اثر جرابها - تخط خطاً فاتبعه، فإذا هو يهديه الى دار طعمة، وإذا طعمة يحلف بالله ما أخذها، وما له بها من علم، ثم اتبع قتادة بقية الأثر الى منزل اليهودي (زيد) ، فطرق الباب، وكان جواب زيد بعد خطاب قتادة في شأن درعه: إنها وديعة طعمة لديه!! لقد افتضح طعمة! وأسفت الفضيحة قومه، فأوحى إليهم أسفهم، أن ينكر صاحبهم الوديعة، وأن يعجلوهم إلى النبي (، ليجادلوا بين يديه عن طعمة، ويرموا بإثمه اليهودي، وتناسوا أن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. وساعفهم في مسعاهم، ما غلب في ذلك العهد على المسلمين - ولم يكونوا هم من صادقيهم- من أمانة وصدق، وما غلب على اليهود من خيانة وكذب، مما حبّب الى النبى ﵊ أن يكون الفلح في هذه القضية للمسلمين على اليهود.
ولم يكن النبي (إلا بشراً يقضي بين الناس بنحو مما يسمع، ولعل بعض هؤلاء الناس ألحن بحجتهم من بعض وكذلك كان قوم طعمة الخونة ألحن بحجتهم من زيد بن السمين.
стр. 969
يقول (: أيها الناس إّنّما أنا بشر، وإنكم تختصمون الى.... ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضى له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق أخيه، فلا يأخذه...فإنما أقضي له بقطعة من النار.
ولكن الله بالمرصاد لكل جارم ولكل ظالم، فما هم نبيه - الذي لا يعلم الغيب - أن يفرض عقابا على زيد المتهم البراء حتى أدركه بوحيه ونهيه... ولما كان النفاق - في نفس صاحبه - مرضا لا تشفيه الآيات البيّنات، بل تزيده إلى رجسه رجساً، وإلى تعسه تعساً، وإلى استكباره نفوراً: مرّ طعمة بالآيات المبرئة لزيد، والمرغبة له في التوبة، والاستغفار كأن لم يسمعها، وفر إلى مكة معلناً كفره الصراح، ومعيدا جريمته في بيت مضيفه (الحجاج السلمي) ، لم يرع فيها حرمتين: حرمة الفعلة، وحرمة التضييف. هذه قصة زيد بن السمين اليهودي المتهم، الذي برّأه القرآن. كتاب الإسلام، دين العدل بين الناس جميعا. وهذا هو القرآن يرمز لهذا العدل ويخّلده: (إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً) الخ.
ذلك فصل من فصول القرآن في قضية قد يحسبها العابرون بتلاوته هينة، وهي عند الله عظيمة.. الله الذي يعدل في محاكمة عباده، بين مسلمهم ويهوديهم ونصرانيهم، ويريد من عباده أن يعدلوا. الله الذي لا تناله في أحكامه الهدايا وصلات القرابة والصحابة، ويريد منا ألا تنالنا - الله الذي يقول الحق ويهدي السبيل ويريد منا أن نقول الحق، ونهدي السبيل.
انظروا ماذا في دنيانا بين الناس من مظالم؟ مظالم يبكيها الضعفاء ولا يباليها الأقوياء.. مظالم سببها (الميل) ولا شيء غير الميل، الميل في جانب الكسب للأنفس والكسب للأموال ... من حرام وحلال.
إننا نريد أن نكسب أنفس رؤسائنا وأصدقائنا، ولو بالكذب والظلم نكذب في مدحهم وقدح أعدائهم - على عكس الواقع - لنرضيهم، ونظلم أعداءهم بما ننزل بهم من حيف، ونمنعهم من حق، لنسر أولئك الأقرباء والأصدقاء والرؤساء.
стр. 970
ونريد أن نكسب المال الجم، مهما كانت الوسائل والحبائل.. غشاً في الصناعة، واحتكاراً للبضاعة، أو غبناً للأخ في الوطن واللغة والدين، أو أكلاً لأموال الأيتام، أو فسوقاً عن وصايا الموتى، وشروط أصحاب الأوقاف الخيرية، وغير ذلك من سبل الآثام والحرام.
أنحن إذن مسلمون؟!
لقد أدّبنا القرآن، كتاب الإسلام، دين الحق والعدل والخير، فما راعينا أدبه، وأرهبنا فما بالينا رهبه، وظللنا نعيش - وعسى أن لا يطول بنا هذا العيش - كالغرباء بلا أدلاء، أو كتلك (الأشياء) ، وما أدراك ما تلك الأشياء. إن القرآن الكريم يضع بتلك الآيات الروائع، دستوراً خالداً، ونبراساً راشدا....للقضاة الذين يحكمون بين الناس، وللمحامين الذين يتصدون للدفاع عنهم، لئلا تمنعهم عن قول الحق، حكما أو دفاعاً، وحدة جنس، أو صلة قربي، أو شفاعة صحبة، أو وساطة ذي سلطان.
وحسبهم زجراً وردعاً وتأديباً..أن الله سبحانه يقول لنبيه الكريم، وهو من هو عدلاَ وفضلاً: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) وهذا هو الدرس الصارخ الأول للقضاة. ثم يقول لأصحابه والمسلمين في عهده: (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة.. أم من يكون عليهم وكيلاً) وهذا هو الدرس الصارخ الثاني، للمحامين (٦٤) .
فالملاحظ أن التناول في هذا الكتاب يتجه صوب الأسباب والمواقف التي شكلت بواعث أفضت الى نزول هذه الآيات، ولا تستهدف تحليل رموز وإشارات انطوت عليها الآيات، فهو يتناول ما خلف الآيات من أسباب النزول، ولا يحلّل ما تضمنته الآيات من رموز، ولذلك فإن هذه الملاحظة تنصب على العنوان، وبالتالي فهي ليست نقداً يستهدف المؤلف، أو المؤلف ولا تقدح في أهمية الموضوع، أو أسلوب تناوله، بقدر ما تنحصر في إطار الملاحظة على العنوان، وهو أمر خلافي، لتباين وجهات النظر حوله، باختلاف زاوية الرؤية.
стр. 971
والحكم نفسه، قد ينسحب على كتاب آخر وهو (في مدرسة النبوة) فإن المطالع لعنوان هذا المؤلف لأول وهلة يتبادر إلى ذهنه أن الموضوع ينصب على تناول السيرة النبوية، وما في حياة الرسول (من مواقف وأحداث، أو هذا ما عنّ لي وتبادر إلى ذهني، على أقل تقدير، فإذا ما تصفح القارئ الكتاب، أو وقف على مقدمته، وجد أنه يتضمن دروساً في الحديث النبوي الشريف، وما يتصل به من قضايا في التدوين والسند والمصطلح، ألقاها الأستاذ احمد جمال في مسجد السندي بحي الزاهر بمكة المكرمة، وهي فكرة حسنة، من حيث التطبيق أو النشر، حيث حرص على الإيجاز في الإلقاء، بأن لا يتجاوز الدرس الواحد أكثر من ثلاث أو خمس دقائق، حرصا منه على التخفيف، وملاحظة أحوال الناس، من مرض أو شيخوخة أو قضاء حاجة أو مواصلة عمل في متجر أو مكتب، ثم جمع هذه الدروس في هذا الكتاب، ومن تلك القضايا التي تناولها الأستاذ أحمد جمال حديثه (حول تدوين السنة والحديث الضعيف) الذي قال فيه: (بدعوة من الدكتور حسن خفاجي عميد كلية التربية بمكة المكرمة اجتمعنا بمكتبة الحرم المكي، ثم بداره مساء الخميس ١١/١٠/١٣٨٧هـ للاستماع إلى رأي الدكتور فؤاد سيزجين، وهو تركي الاصل، يدرس في جامعة فرانكفورت بألمانيا الغربية - حول كتابة السنة النبوية منذ القرن الأول الهجري.
وكان الحضور: الشيخ على الطنطاوي، والدكتور محمد أمين المصري، والأستاذ محمد القاسمي، والأستاذ صلاح الأزهري، ومعالي الشيخ محمد سرور الصبان، والأستاذ صفوت السقا أميني، وآخرين من المدرسين والطلاب والشباب. استدل المحاضر على رأيه بأن السنة مكتوبة منذ العهد الأول، بصحف عبد الله بن عمرو بن العاص وسمرة بن جندب وجابر بن عبد الله والأشج الكوفي الأشجعي وهمّام بن منبّه وبكتاب زيد بن ثابت في الفرائض.
стр. 972
وقال: إلى سنة ٧٠هـ كانت هناك كتابة متفرقة للحديث النبوي، ثم بدأ الجمع والتدوين والتصنيف عندما أمر عمر بن عبد العزيز بكتابة الحديث النبوي، وقد توفي سنة ١٠١هـ.
وكان رأي الأستاذين على الطنطاوي ومحمد أمين المصري، أن الدكتور فؤاد غير موفق في بحثه، وأنه ينحو نحو المستشرقين!
وهو يقول: إنه بمحاولته إثبات كتابة السنة النبوية منذ القرن الهجري الأول إنما يرد على المستشرقين - وعلى رأسهم قولدزهير-، الذين يزعمون أن الحديث النبوي اختلقه الصحابة، ولم يقله الرسول (، لأنه لم يدون في حياته، ويستحيل أن تصح الرواية الشفاهية (الأسانيد) لإثبات أن هذه الأحاديث من كلام الرسول (.
وشاركت في الحوار فقلت موجها الكلام إلى الأستاذ الطنطاوي والدكتور المصري: إنكما تردان على دعوى الدكتور فؤاد بالنهي الوارد عن الرسول (بعدم الكتابة عنه في قوله: (لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب شيئا فليمحه) . وأرى أن هذا النهي كان في بداية العهد بالإسلام، خوفا من التباس القرآن بالحديث،ثم أذن بالكتابة، بعد أن قوي الإيمان واستقر القرآن في الصدور، بدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (اكتب عني فو الله لا يخرج منه - وأمسك بلسانه - إلا الحق) أو كما قال (- كما حدث بالنسبة لزيارة القبور، فقد نهى الرسول (عنها في بادئ الأمر لحداثة العهد بالأصنام والأوثان وخوفاً من العودة الى الوثنية، ثم أذن بها (: (ألا فزوروها فإنها تذكّر الآخرة)
стр. 973
ثم تطرق الكلام والجدال بيننا إلى الحديث الضعيف، فكان من رأي الشيخين الطنطاوي والمصري أن (الحديث الضعيف) هو سبب البلبلة في قضية الأخذ بالسنة النبوية، وما جرت من مشكلات وخلافات، وأنه ينبغي إهماله كلياً. وكان من رأي الذي شاركني فيه الأستاذ محمد على الصابوني والأستاذ خير الله طاهر، أن الحديث الضعيف يؤخذ به في فضائل الأعمال، ومناقب الرجال - كما هو رأي السلف-، وأنه يتأيّد بغيره من الأحاديث فيصبح قوي الاعتبار، وأن الضعف إنّما هو في السند وليس في المتن، وقد كان أبو حنيفة يقدمه على القياس، الذي هو الأصل الثالث من أصول التشريع الإسلامي.
فقال الدكتور المصري: إن الحديث الضعيف هو سبب الخلاف بين الأئمة والفقهاء، فهذا يراه قويا، وهذا يراه صحيحاً أو حسناً، ويجب أن ينتهي هذا الخلاف.
قلت للدكتور أمين: إن هذا دليل على دراسة هؤلاء الأئمة للأسانيد، والاجتهاد في تنقية السنة النبوية، ومعرفة صحيحها من ضعيفها، وليس الحديث الضعيف وحده هو سبب الخلاف في فقه السنة، فقد اختلفوا في الأخذ بمفهوم الحديث الصحيح أيضاً، فهذا فهمه على وجه، وذاك فهمه على وجه آخر، من حيث المعنى لا من حيث السند فحسب.
كما أن الخلاف في فقه السنة بدأ بين الصحابة قبل الأئمة - وفي حياة الرسول (نفسه، وبعد وفاته، فقد اختلفوا في فهم قوله (: (لا يصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فبعضهم صلاّها في الطريق، لأنه فهم من أمر الرسول، أنه الحثّ على الاسراع، وبعضهم صلاّها في بني قريظة، لأنه أخذ الأمر بحرفه، وقد أقرّ الرسول (كلا الفريقين على عمله.
стр. 974
كما اختلف أبو بكر وعمر على قتال مانعي الزكاة، فأبو بكر فهم من حديث الرسول (: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله) . أن قتال مانعي الزكاة صحيح بالاستثناء الوارد في الحديث النبوي (إلا بحقه) ، ولذلك قال أبو بكر ردا على اعتراض عمر: (والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال...الخ) في حين أن عمر فهم من الحديث نفسه، ألا يقاتل الخليفة من أقرّ بالشهادة فقط، ولو أهمل الصلاة ومنع الزكاة، ولكن عمر رجع الى رأى أبي بكر لما رأى صحة فهمه وسلامة عمله وثمرة قتال مانعي الزكاة من استقرار الحكم الإسلامي، الذي كان معرضاّ للانهيار لو سكت أبو بكر عن المرتدين.
ثم هناك اختلافات الصحابة واجتهاداتهم، وقد سمعوا حديث الرسول (من فمه مباشرة، فلأبي بكر آراؤه وسياسته وفقهه - ولعمر كذلك - ولابن مسعود - ولابن عباس أيضا، مما لا يتسع المجال لتفصيله.
وإذا فالحديث الضعيف ليس سببا في اختلاف الأئمة المتأخرين عن عهد الرسول (.
وكان من تعليق الأستاذ الطنطاوي على قولي: إن حديث الرسول ﵊ جاء تكميلا وتفصيلا للقرآن الكريم، وأمرنا في القرآن نفسه بإطاعته في قوله ﵎: (من يطع الرسول فقد أطاع الله.. ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظا) (٦٥) .
وفي قوله سبحانه (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (٦٦) .
قال الأستاذ الطنطاوي: هذه - أي الآية الأخيرة - نزلت في تقسيم الفيء.
стр. 975
فقلت: إن العبرة في فقه القرآن، وتطبيق أحكامه ومواعظه، بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما يقول علماء الأصول، ورويت حديث عبد الله بن مسعود، الذي رواه علقمة قال: (لعن عبد الله - أى ابن مسعود - الواشمات - والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن، المغيّرات خلق الله، فقالت أم يعقوب ما هذا؟ قال عبد الله: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله وفي كتاب الله قالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته! قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)
وهكذا استدل ابن مسعود بالآية على عموم حكمها، باتباع الرسول فيما ينهى وفيما أمر، وكثير من آيات القرآن على عموم حكمها، باتباع الرسول فيما ينهى وفيما يأمر، وكثير من آيات القرآن نزلت في حوادث خاصة، سحب الفقهاء حكمها على القضايا الأخرى.
ثم إن السنة النبوية - قولا وفعلا وإقراراً - مذكورة في القرآن باسم (الحكمة) في قوله ﵎: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (٦٧) وقوله : (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما) (٦٨) .
وقال ابن كثير: (يعني القرآن والسنة) كما قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وأبو مالك والزمخشري في الكشاف والشافعي في (الرسالة) وابن رشد في مقدمته المدونة للإمام مالك) (٦٩) .
فهذا الدرس يشتمل على قضيتين، تتصلان بالسنة النبوية المطهرة، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهما:
١ - تدوين الحديث.
٢ - حكم الحديث الضعيف.
стр. 976
وجل الدروس تتناول الأحاديث النبوية بالتحليل والشرح والاستنباط، لاستقاء الأحكام والقيم، التي يجب أن تحتذى، ولا تعرج على ذكر سيرة الرسول (، من مولده ومبعثه وهجرته وغزواته، وما اعترى حياته من معوّقات ومكابدة ومجاهدة، وما عاشه من نصر وتمكين في سبيل نشر الدعوة، وما بيّنه لأصحابه من عظات ومواقف إلى وفاته (، كما قد يوحي عنوان الكتاب، ولعل عذر المؤلف في أن مدرسة النبوّة تشتمل كل ذلك، ولكننا نؤثر العنوان المحدد لمؤلف مثل الأستاذ جمال، متعدد القدرات، ومتنوع المواهب، في التأليف في شتى ضروب المعرفة الدينية، من تفسير وحديث، كأن يكون عنوان كتابه في ظلال الأحاديث، أو دروس من الحديث، خاصة وأن مدرسة النبوة شاملة،بل إن السنة تشتمل ما ورد عنه (من قول أو فعل أو تقرير.
والتعدد في القدرات، والتنوع في المؤلفات، لدى الأستاذ أحمد جمال لا يقتصر على دائرة التناول الديني، فهو بحكم ارتباطه بالصحافة، والتزامه بالكتابة في عدد من الصحف والمجلات، تنوعت موضوعاته، وتعددت اهتماماته، ومن ثمرة ذلك، كتابه (الصحافة في نصف عمود) والذي يتناول في أحد موضوعاته (أدب أطفالنا كما ينبغي أن يكون) بقوله:
(الأستاذ طاهر زمخشري: الأديب.. والشاعر والإذاعي المعروف - وصديقي العزيز علىّ،الكريم عندي، قبل ذلك كله- ظفر بامتياز مجلة للأطفال باسم (الروضة) وقد أشارت (الندوة) الى هذا النبأ في حينه، وهو الآن بسبيل إصدارها قوية - جذابة، لائقة بأطفالنا.. فلذات أكبادنا التي تمشى على الأرض،كما يقول شاعر قديم.
стр. 977
ومن حق الصديق الزمخشري على، وعلى كل كاتب في بلادنا يهتم بشئون التربية والتعليم والصحافة المدرسية ... أن يبذل له من ذات نفسه ما يجد من معارف وتجارب ومآخذ ومقترحات، تنفع الأستاذ الزمخشري في توجيه مجلته (الروضة) نحو الطريق السوية.. على منهاج مدروس مرسوم. ومن رأي - إن كان لي رأي يتقبّله الصديق الزمخشري- أن تمتاز (الروضة) السعودية بشخصية مستقلة تنم عن بيئتها، وتعرف بسماتها.
وأن يكتب ما ينشر فيها حول تقاليد أطفالنا في التربية والتعليم، بعد دراسة وتمحيص، بعيدا عن التقليد والمحاكاة: فلكل بيئة أعرافها وأحكامها.
وأن تراعي استعمال الألفاظ والتعابير الوطنية الخاصة بنا، فمن الملاحظ أن لغتنا -في الإذاعة والصحافة - بالنسبة لموضوعات الأسرة والأطفال - خليط من مصرية وسورية ولبنانية وفلسطينية وسعودية! مع الأسف الشديد.
وأن تحذر (الروضة) الدعوة - معبرة أو مصورة أو مقصوصة - إلى النظريات والأفكار التربوية الوافدة من الخارج قبل معرفة التجارب التي مرت بمن سبقنا إليها، والنتائج التي انتهوا عندها.
وأن لا يكتب في (الروضة) كل من هبّ ودبّ، من الذين ينقلون ويقتبسون الأفكار والآراء والنظريات مخدوعين ببريقها، جاهلين لمفاهيمها ومعطياتها، قاصدين - قبل كل شئ - أن تظهر أسماؤهم فوق مقالات تربوية وعلمية أو تحتها، وأن يشار إليهم بأوصاف المربين الكبار!
باختصار، على (الروضة) وهي تصدر في بلاد العروبة والإسلام أن تلتزم آداب العروبة والإسلام، ففيها المغنم والمغنى لأفضل تربية وأرفع تعليم للكبار والصغار على سواء) (٧٠) .
ومن أهم ما يلمحه الدارس لإنتاج أحمد جمال خارج دائرة الدراسات الدينية:
стр. 978
١ - أن نتاجه لم يخل من مسحه دينية واضحة، تقتاد الموضوعات الى مسار أخلاقي، وتحدها بسياج من القيم والمثل كي لا تحيد عن المنهج المرسوم،فهيمنة التوجه الديني ظاهرة وجلية على أدبه، ومجمل إنتاجه في المجالات الاجتماعية والفكرية، ولذلك يذهب عبد الله عبد الجبار، بعد أن صنّفه ضمن التيار الكلاسيكي الى أن: (احمد جمال في كتاباته الاجتماعية أيضا،كثيرا ما يؤكد آراءه بنصوص دينيه من الكتاب والسنة) (٧١) .
٢ - أن الأدب ظل إلى جانبه - وإن تخلّى عن الشعر - رافداً ومعينا فمقالاته في الصحافة تنقسم إلى قسمين:
أ - مقالات دينية.
ب - مقالات في موضوعات شتى تهيمن عليها سمتان: القيم الدينية والنزعة الأدبية ومن يقرأ موضوعات كتابه (الصحافة في نصف عمود) يجد أن عنوان الفصل الأول (في المحيط الأدبي) ويجد بين عناوين الموضوعات (شقشقة هدرت ثم قرت) و (بين الشيوخ والشباب) و (أدب الحيوانات) (الغذاء الفكري أم الغذاء الصحي) و (شهوة الكلام كشهوة الطعام) و (لماذا لا يكون لنا مجمع لغوي) و (هؤلاء إن لم يكونوا أدباء فماذا يكونون) و (المؤتمر الأدبي في موسم الحج) و (ماذا يقرأ شبابنا) و (ماذا نقرأ ولماذا نقرأ) و (نصيحة للأدباء الشباب) و (زيدان أديب غير مفهوم) و (تراجم الأدباء) و (المتاجرة بالأدب) و (عندما يكون العالم أديبا) و (إحياء سوق عكاظ) و (المطلوب من الصحافة العربية) و (هل الأدب سخرية وضحك على الذقون) و (الشاعر المجهول) و (أدباؤنا يجب أن يشاركوا في هذا المجال) و (حول السرقات الأدبية) و (الذين يستحقون التكريم) و (أسوة حسنة للأندية الأدبية)
стр. 979
وكل هذه الموضوعات ذوات صبغة أدبية، وتفصح عن اهتمام أدبي ظل كامنا في نفس الأستاذ أحمد جمال يطل برأسه بين آونة وأخرى، ليس من خلال الموضوعات الأدبية التي تطرق إليها في الصحافة فحسب، بل من خلال دراساته الأدبية والاجتماعية أيضا، فهو حينما يتناول قضايا الشباب ومشكلاته من خلال كتيبه (من أجل الشباب) يأبى إلا أن يكون المدخل متصلا بالأدب من خلال بوابة اللغة، للإفصاح عن شدة اهتمامه باللغة والأدب، حيث يتحدث عن الشباب في اللغة بقوله:
(إذا طالعنا المعاجم العربية نجد حديثها عن الشباب على النحو التالي:
الشباب هو الفتاء والحداثة - واصله من شبّ النار إذا أوقدها، فتلألأت ضياءً ونوراً. ويقال: شب الجواد إذا رفع يديه معا إلى أعلى. فالشباب -إذن - يعني الطموح والارتفاع والتحفز.
الناشئ: هو من بلغ العاشرة أو جاوزها قليلاً. والمراهق من كاد يبلغ الحلم أو بلغه والشباب بين الثلاثين والأربعين.
الكاعب " هي التي برز ثدياها والناهد: إذا زاد بروزهما. والنصف: هي التي بين الشباب والكهولة) (٧٢) .
وينبني على ذلك أن الأديب لم يتوار داخل شخصية أحمد جمال، فلقد ظل كامنا يعمل في صمت، فهو وإن لم يستطع أن يتوازى، ويسير جنبا إلى جنب مع شخصية المفكر الإسلامي، المهتم بالتفسير والمباحث الفقهية وقضايا المجتمع المسلم وأحوال الأقليات الإسلامية والتركيز على تناول شخصية الفرد المسلم ودارسة أحوال المجتمع الإسلامي، فإنه لم يختف بالكلية، بل ظل في كل تلك الدراسات وسواها، المؤازر والمعين الذي يمد المفكر أحمد جمال بلغته ومفرداته وأسلوبه، بل ربما بمادته، حين يسعفه التداعي في استحضار الموروث الأدبي، وأحمد جمال نفسه يأخذ بيدنا للوصول إلى هذه النتيجة وحلّ هذه الإشكالية، حينما يقول:
стр. 980
(ما زال هناك - بيننا- من يظن (الأديب) هو الذي يكتب القصة العاطفية، أو ينظم القصيدة الغزلية، أو هو الذي يمارس الكتابة على مبدأ (الفن للفن) ولا أريد أن أعيد ما كتبته رداً على الأستاذ الأنصاري في الأدب أو ما قلته من قبل عن (الالتزام) التزام الأديب بشؤون بيئته، وانفعاله بالحياة حوله، ومشاركة الاحياء في مجتمعه، في آلامهم وآمالهم، بالمعالجة والإصلاح.
وإنما قرأت - أخيراً نبأ أتأيّد به في وجهة نظري عن الأدب والأديب، وهو أن العالم الأزهري الشيخ أحمد الشرباصي - وهو خطيب أديب - وضع رسالته لنيل الدكتوراة عن رشيد رضا وأثره في الأدب واللغة العربية ... تحدث فيها عن السيد رشيد رضا ﵀ كمفكر إسلامي ومفسر قرآني، ومشتغل بالحديث النبوي، وخطيب وشاعر، ومهتم بشؤون اللغة العربية. وقد نال الأستاذ الشرباصي شهادة الدكتوراه من الجامعة المصرية، بعد مناقشة هذه الرسالة بين يدي هيئة علمية أدبية من أساتذة الجامعة. والعبرة، أو موضع الاستدلال من النبأ، هو اعتبار الشيخ رشيد رضا المعروف كمفسر للقرآن الكريم: أديباً كبيراً له (أثر في الأدب واللغة العربية) وأن تعطي شهادة الدكتوراة لمقدم الرسالة، على أساس صدق دعواه وتدليله عليها بما لا يقبل الجدل أو الرفض.
فماذا يري الحاصرون (للأديب) في نطاق العاطفة الفنية أو الفن العاطفي (٧٣) .
стр. 981
وإذا كان هذا الرأي يمثل الجانب التنظيري في القضية، فإن الجانب العملي والتطبيقي يتجسد في نزوع أحمد جمال نحو إصدار كتاب (أدب وأدباء) ، ليدلّل بأسلوب عملي على أن جذوة الأدب في دخيلته لم تخب، وأن اهتمامه الأدبي لا زال متأججا في دخيلته، لم تطفئه بقية الاهتمامات، وإنما ظل مستعراً، ليمدها بطاقة الاستمرار، وروافد العطاء، من أفكار وأسلوب يخيم فوقهما الوضوح بدرجة لا تقبل التأويل، ولا تنطوي على التواء ومواربة، يلجأ معها الدارس إلى الاستنباط وكدّ الذهن في الوصول إلى مضامينه، وترهقه في الكشف عما يتوارى خلف السطور، بل تريح الدارس بتقديم الفكرة واضحة، والرأي جليا، والكلمة نقية من الالتباس والتضاد.
ولذلك فعوز الدارس لإنتاج أحمد جمال إلى الاستشهاد بأقواله وآرائه، يفوق الاعتماد على الاستنباط والتأويل.
وولوج أحمد جمال عالم الفكر جعل عبارته الأدبية في تناوله لقضايا الأدب، تتساوق مع التوجه الفكري، بتجانسها مع الوضوح والمباشرة في الوصول إلى الفكرة، شأن كل من يتصدى للقضايا الإسلامية، ونأى بعبارته عن ظلال الأدب، بما تنطوي عليه أساليبه من محسّنات، أو غموض، أو اهتمام لفظي، تتوارى المعاني عن البروز بوضوح بين ثناياه، أو تستوجب إعمال الفكر للوصول إلى المرامي والمعاني، لغموضها أو لصعوبة الوصول إليها إلا بالتحليل والاستنباط.
وللوقوف على هذا الملمح من خصائص أدب احمد جمال نلتمسه في كتابه أدب
وأدباء، وهو يتناول فكرة تهمّ هذا البحث، حينما يرد على تساؤل أحد أقرانه من الأدباء، بتساؤل آخر هو (هل يبدأ الأديب شاعراً؟) ويجيب:
стр. 982
(إن الأديب في الأعم الأغلب يبدأ شاعراً، لا أن الأديب ينبغي أن يكون شاعراً، أو إلا فما هو بأديب، ودليلي على رأي هو أن كثيراً من أدبائنا السعوديين بدأوا شعراء ثم اشتغلوا بالنثر، وانصرفوا عن الشعر ... وفي مقدمتهم الأساتذة عبد الله عريف، ومحمد عمر توفيق، وعلى حافظ ومحمد على مغربي والساسي والزواوي والرفاعي وغيرهم، ممن لا تحضرني أسماؤهم الآن.
وكذلك شأن الأدباء العرب أيضاً، كالعقاد والمازني وزكي مبارك وأمثالهم، فقد بدأوا شعراء، ثم انصرفوا عن الشعر إلى النثر.
وعلة ذلك ... ازدحام الحياة بأسباب هذا الانصراف عن نظم القوافي وتصيّد كلمات القافية الواحدة، ومراقبة الوزن.. بما يشبه المخاض!
إن ازدحام الحياة بالمشكلات والمطالب الحيوية للمجتمعات أرغم هؤلاء الأدباء على الاندفاع في تيارها، والاشتراك في معالجة شؤونها - بالأسلوب السهل الميسر- وأعني به النثر.
وبالمناسبة كنت قد أصدرت مجموعة أشعاري في عام ١٣٦٦هـ باسم (الطلائع) ، على أمل أنه الجزء الأول، وأني اتبعه بأجزاء أخرى، فإذا به رغماً عني يكون (الخواتيم) ، فلم أعد أطيق الانحباس لنظم بيت واحد من الشعر (٧٤) ؟
الموازنة والنتائج:
وهذه الشواهد تؤكد أن الأستاذ أحمد جمال يتبوأ منزلة وسطى، بين من انتقلوا من ساحل الشعر إلى ساحل الفكر الإسلامي، أو من دوحة الشعر الى خندق الفكر الإسلامي، وتحديداً بين الأستاذ سيد قطب والأستاذ مصطفي صادق الرافعي ليس على سبيل المفاضلة في المكانة والقيمة الأدبية والعلمية، وإنّما في تنوع موضوعات التأليف، ونصوص التناول الفكري.
فإذا كان الأستاذ سيد قطب بارح عالم الشعر إلى ساحة الدراسات البيانية للقرآن، كما في (التصوير الفني للقرآن) و (مشاهد القيامة في القرآن) ، أو في تفسيره المشهور (في ظلال القرآن) .
стр. 983
والأستاذ مصطفي صادق الرافعي غادر عالم الشعر إلى توجهين متباينين، هما رومانسيته كما في (السحاب الأحمر) و (أوراق الورد) ، وصرامته في الدفاع عن الإسلام، كما في رده على الدكتور طه حسين في (تحت راية القرآن) ، فإن ساحة التناول عند أحمد جمال امتدت بامتداد المسافة بين الشعر والفكر، وتعددت موضوعاته بين فكرية وتربوية واقتصادية وأدبية، إضافة الى الركيزة الأساسية التي أوى الى ركنها الثابت، وحصنها المستقر، وهي التفسير والدراسات القرآنية والفقهية والسنة وشئون الدعوة والأقلياّت الإسلامية، وما يرتبط بهذه الموضوعات.
ولذلك فقد احتذى الوسطية في توجهه الأسلوبي، أو لنقل إن المناخ العام قد هيمن على تشكيل وبلورة توجهه الأسلوبي وفقا للموضوعات والطروحات التي يناقشها، ويخوض غمارها.
ونخلص من ذلك، الى أن المسافة بين الشعر والفكر تقاس بوحدتي اللفظ والخيال، إذ أن العقل هو ذات العقل القادر على الخلق والتوليد، كما يري تشومسكي في نظريته عن خواص اللغة: (الخاصية العامة الثانية للّغة الإنسانية التي سنتحدث عنها هنا هي طابعها الإبداعي (أو لا محدوديتها) ، ويقصد بذلك مقدرة جميع الناطقين بلغة ما على تكوين عدد ضخم غير محدود من الجمل، أو فهمه، دون أن يكون قد سبق لهم أن سمعوا بها من قبل، بل ربما لم يسبق أن تحدث بها أحد) (٧٥) .
إلا أن مجال الشعر يستدعي الخلق والتوليد، والابتكار اللفظي والخيالي، فاللفظ هو الحد الفاصل بين الخطاب النثري والخطاب الشعري، كما تبيّن لنا فيما سبق، كما أن الخيال هو أداة التحليق من عالم الواقع المعاش، إلى آفاق التجنيح الشعري، دون أن نغفل أن المناخ الشعري نفسه، المتمثل في الانكباب على قراءة نماذجه وإبداعاته، هو البيئة المؤازرة على الإخصاب والتوالد والتنامي.
стр. 984
ويبدو أن الشاعر في قرارة الأستاذ أحمد جمال كان طموحا وتواقا للاستمرار من خلال إطلاق اسم الطلائع على ديوانه الأول، على أنه جزء من شعره سيتبعه بأجزاء أخر كما ذكر، ولكن الشاعر أخفق في ذلك.
ثم أبى أن يستسلم ويستقر ويركن إلى الدعة كما شاء له، فأخذ يطلّ ويشرئب من موضع تواريه، فبدا على غلاف أحد أعمال الأستاذ أحمد جمال الفكرية، في صورة عنوان استقطع من جزء من بيت وهو (مكانك تحمدي) إلا أن المفكر في نفس الذات أقسره على التواري والانزواء الى أن قبض الأستاذ أحمد جمال ﵀ وهو كما علّل ذلك فيما سبق ب (ازدحام الحياة بالمشكلات والمطالب الحيوية للمجتمعات) (٧٦) .
ولذلك فإن عزوف الأستاذ احمد جمال عن قراءة الشعر - كما يبدو - ونظمه، وانصرافه بالكلية الى القضايا الفكرية من دينية واجتماعية أفضى الى انتقاله من ظلال اللفظ المتلون الى وهج الحقيقة الساطع فأضحى مفكراً بعد أن كان شاعراً.
الهوامش والتعليقات
الأديب المكي أحمد محمد جمال، محمد علي الجفري ص ٥٧.
السابق ص ٣٢.
السابق ص ٤٢ وعبث الوليد هو شرح مختصر لأبي العلاء المعري على ديوان البحتري سنذكره في ثبت المصادر والمراجع.
الأديب المكي ص ٤٢.
السابق ص ٥٢.
أفردت الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطىء فصلاً من كتابها (الغفران) لدراسة الغفران بين آثار أبي العلاء فعقدت لها موازنة مع رسالة الملائكة ومع ديوانه اللزوميات ومع كتابه الفصول والغايات ص ٢٦١- ٢٧١.
أصدر الأستاذ محمد حسن عواد (خواطر مصرحة) عام ١٣٤٥هـ وتحدث الدكتور عمر الطيب الساسي عن الكتاب وترجم لمؤلفه في كتابه (الموجز في تاريخ الأديب السعودي) ص ٦٦.
стр. 985
العطار هو أول من أقدم على جمع شعره ونشره في ديوان مستقل في سنة ١٣٦٥هـ ١٩٤٦م من بين أقرانه ومن سبقوه من الرُّواد في الأدب السعودي الحديث وقد كتب مقدمة ديوان (الهوى والشباب) الدكتور طه حسين ﵀ وأثنى عليه وتنبأ له بمستقبل زاهر في الشعر ولكن العطار لم يواصل سيره في نظم الشعر، رغم أصالته المبكرة فيه لأن العلم صرفه عنه. الموجز في الأدب السعودي ص ١٨٧ وترجمة العطار ص ١٨٤ من الموجز. ولقد درس الدكتور عمر الساسي ظاهرة استهلال العواد حياته بالتأليف والعطار حياته بالشعر في بحثه المخطوط والمجاز للنشر من مجلة جامعة أم القرى بعنوان (ظاهرة التطور العكسي بعد اكتشاف الذات والقدرات الفعلية) .
طبع بدار الكتاب العربي بمصر بدون تاريخ وذكر الناشر في مقدمته أن (صاحب الطلائع ليس غريباً عن قراء الأدب العربي في مد أقطارهم جميعاً فهم قد قرأوا الكثير من شعره ونثره في كبريات المجلات والجرائد في مصر والشام والعراق: الثقافة، الصباح، الساعة ١٢، الرابطة الإسلامية، الكتاب، الإخوان المسلمون، الشرق الجديد، الجمهور ببيروت، العرفان بصيدا، الرحاب ببغداد..الخ. وفي جرائد ومجلات الحجاز: أم القرى، صوت الحجاز، جريدة المدينة المنور، المنهل، تارة باسمه الصريح وتارات برمزيه المعروفين (ابن محمد) و (الفتى المعهدي) وأرّخ الناشر لمقدمته بصفر ١٣٦٦هـ وجاء في الصفحة الأولى من (وداعاً أيها الشعر) أن تاريخ الطبعة الأولى ١٣٦٦هـ والطبعة الثانية سنة ١٣٩٧هـ وقد ذكر الأستاذ أحمد جمال ذلك ونصّ عليه في كتابه أدب وأدباء ص ١٢٢.
ص ٦.
الطلائع ص ٩٧-٩٨.
السابق ص ٧٤.
السابق ص ٧٤.
London, ١٩٨٤-P٢٣٥.
الطلائع ص ٣٩.
الأدب وفنونه ص ١٢.
الأدب وفنونه ص ١٣٠-١٣١.
نقد الشعر في القرن الرابع الهجري ص ٢٩٢.
عيار الشعر ص ٢٩.
الصورة الأدبية ص ٢٣٩.
الأسس الجمالية في النقد العربي ٣٥٠.
ص ٦٣.
مفهوم الشعر ص ٣٢٧-٣٢٨.
جمهورية افلاطون ص ٦٦.
следующие страницы →