فقال مالك: إن مات السيد قبل السنة كان العبد حرا عند رأس السنة من رأس المال.
وقال مالك إن كانت جارية: لم يطأها، لأنه لا يملكها ملكاً تاماً، ولا يبيعها، ولا يهبها، ولا يلحقها دين.
وفيه قول ثان وهو: أن له أن يطأها، هذا قول الأوزاعي، والشافعي.
قال أبو بكر: وبه نقول.
وله أن يبيعها ويهبها قبل الوقت. وإذا زال ملكه عنها ببيع أو هبة قبل الوقت، ثم جاء الوقت لم يحنث وهي في ملك غيره.
٢٧ - باب قول الرجل لعبده أو لأمته: إن لم أضربْكِ فأنت حره، فباعها
قال أبو بكر:
م ٥٢٧٣ - واختلفوا في الرجل يقول لعبده: إن أضربك فأنت [٢/ ٣١٤/ب] حر.
فأراد أن يبيعه، وألا يضربه.
فقالت طائفة: لا يجوز بيعه، ولا هبته حتى يضربه، فإن باعه فُسخ البيع، فإن مات السيد أعتق في ثلث ماله، وإن مات العبد فهو عبد لأنه لم يعتق، هذا قول مالك.
وقال الليث بن سعد: إذا قال لعبده: إن لم أضربك فأنت حر، ثم باعه، أعتق عليه عند بيعه إياه.
стр. 2662
وفيه قول ثالث وهو: أن العتق لا يقع عليه إذا لم يجعل لذلك وقتا، هذا على مذهب الشافعي، وأبي ثور.
قال أبو بكر: وبه أقول، وله أن، يبيعه ويهبه متى أحب.
فإن مات السيد قبل أن يضربه عتق في قول مالك، والشافعي في ثلث ماله.
٢٨ - باب أحكام المريض
قال أبو بكر:
م ٥٢٧٤ - أجمع أهل العلم على أن ما يحدثه المريض الخوف عليه، في مرضه الذي يموت فيه، من هبة لأجنى، [أو صدقة] (١)، أو عتق: إن ذلك في ثلث ماله. وأن ما جاوز ثلثه من ذلك مردود غير
جائز انفاذُهُ.
(ح ١٥٦٥) ودل خبر عمران بن حصين- عن رسول الله- ﷺ في قصة الرجل الذي أعتق ستة أعبد له عند موته، فأعتق اثنين وأرق أربعة - على مثل ما أجمع عليه أهل العلم.
م ٥٢٧٥ - وقال بظاهر خبر عمران بن حصين، عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وفيمن أعتق رقيقه عند موته ولا مال له غيرهم قول ثان، وهو أن يعتق من كل واحد منهم الثلث، ويستسعى في الثلثين.
стр. 2663
هذا قول شريح، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، والشعبي، وقتادة، والنخعي، وبه قال النعمان.
وقال مسروق في رجل أعتق عبداً له في مرضه، وليس له مال غيره، قال: أجيزه برُمَّته، شيء جعله الله لا أرده.
قال أبو بكر: إن كان مسروق إنما قال في مريض أعتق عبده في مرضه، ثم صح، فهو صحيح من القول.
وإن لم يكن أراد هذا فهو شاذٌ لا معنى له. وخبر عمران بن حصين مع إجماع عامة العلماء يدل على خلافه.
٢٩ - باب اختلافهم في كيفية القرعة
قال أبو بكر:
م ٥٢٧٦ - كان الشافعي يقول: "وأَحبُّ القرعة إلى أن يقطع رقاعا صغاراً مستوية، فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم حتى يستوظف أسماؤهم، ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت بينها، ثم
تستجف [٢/ ٣١٥/ألف] قليلاً، ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك، ويغطي عليها ثوبه، ثم يقال له: أدخل يدك فأخرج بندقة.
إذا أخرجها وفضت وقرأ اسم صاحبها، ثم دفع إليه الجزء الذي أقرع عليه السهم ثم يقال له: أقرع على السهم الذي يليه. هذا هكذا ما بقي من السُّهمان شيءٌ، حتى تنفد".
стр. 2664
وكان أحمد بن حنبل يقول: قال سعيد بن جبير: بالخواتيم أقرع بين اثنين في ثوب، فأخرج خاتم هذا أو خاتم هذا. ثم قال: يخرجون الخواتيم، ثم يدفع إلى رجل فيخرج منها واحد.
٣٠ - باب عتق الراهق العبد المرهون
قال أبو بكر:
م ٥٢٧٧ - أجمع أهل العلم على أن الراهن ممنوع من بيع الرهن وهبته، والصدقة به وإخراجه من يدي مرتهنه حتى يبرأ من حق المرتهن.
م ٥٢٧٨ - واختلفوا في الراهن يعتق العبد (١) المرهون بغير إذن المرتهن.
فقالت طائفة: عتقه باطل لا يجوز، روي هذا القول عن عثمان البتي، وبه قال أبو ثور.
وقالت طائفة: إن كان الراهن موسراً فالعتق جائز، وتؤخذ منه قيمته وتكون رهناً مكانه. هذا قول الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحاب الرأي.
وقال مالك: إن [كان موسراً] (٢) دفع إلى الرجل حقه، وجازت عتاقته، وإن كان معسراً فلا عتق له.
وقال شريك، والحسن بن صالح: عتقه جائز.
وقال شريك: يسعى العبد للمرتهن.
стр. 2665
وقال الحسن بن صالح: ليس عليه سعاية.
وأصح القول قول عثمان البتي، وأبي ثور، وذلك لأنهم لما أجمعوا على إبطال بيع الرهن بغير إذن المرتهن. وكان ذلك إخراجاً له من يدي المرتهن، كان كذلك كل ما كان إخراجا من يدي المرتهن مثله.
والله أعلم.
م ٥٢٧٩ - فإن كان الراهن معسراً والمسألة بحالها.
ففي قول أصحاب الرأي: إذا كان قيمة العبد خمس مائة درهم (١)، والدين ألف درهم: يسعى العبد العتق في خمس قيمته، ويرجع العبدُ على الراهن بذلك، ويرجع المرتهن على الراهن بفضل حقه.
وفي قول مالك، والشافعي: يبطل العتق، ويكون العبد رهناً بحاله وقال أحمد بن حنبل: إذا كان معدما فقد جاز العتق.
٣١ - باب العبد الذي مثل به سيده
قال أبو بكر:
م ٥٢٨٠ - أكثر أهل العلم لا يوجبون عِتقَ من مُثِّل به من العبيد.
وكان مالك، والليث بن سعد يقولان: يعتق عليه.
م ٥٢٨١ - وقال مالك: وولاؤه له.
م ٥٢٨٢ - وقال مالك: يعاقبه [٢/ ٣١٥/ب] السلطان.
стр. 2666
م ٥٢٨٣ - والمُثْلَة في مذهب مالك أن يصيب (١) العبد بالنار، أو يقطع منه الإصبع، وما أشبه ذلك.
٣٢ - باب الكلام الذي يوجب العتق والذي لا يوجبه
قال أبو بكر:
م ٥٢٨٤ - أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا قال لعبده: أنت حر، أو قد أعتقتك، أو: أنت عتيق، أو: أنت معتق، يريد به لله ، أنه حر.
م ٥٢٨٥ - وإذا قال السيد لعبده: لا سبيل لي عليك، أو: لا ملك لي عليك.
أو: لا ملك عليك (٢).
فإن قال: لم أعتقه، أو قال: لم أرد عتقاً، فإنه يحلف، ولا يلزمه العتق، وإن أقر بالعتق لزمه العتق.
م ٥٢٨٦ - وإذا قال الرجل لعبده: يا بني، أو لأمته: يا بنية، فهو سواء، ولا يعتق واحد منهما، لأن هذا دعاءٌ وكلام لطيف، وهذا موجود في كلام الناس.
(ح ١٥٦٦) وقد روينا عن النبي- ﷺ "أنه قال لأنس يا بني".
стр. 2667
م ٥٢٨٧ - وإذا قال الرجل لغلام مجهول النسب: هذا بني، ومثله يولد لمثله: ثبت نسبُه منه، وهو حرٌ.
م ٥٢٨٨ - وإذا قال الرجل وهو ابن عشرين سنة لعبد له ابن خمسين سنة: هذا ابني، وصدقه العبد، أو كذبه، لم يلحق نسبه به، ولم يلزمه عتقه، وهذا كذب منه.
م ٥٢٨٩ - وكذلك لو قال العبد له- وللعبد عشرون سنة، وللذي بيده العبد ثلاثون سنة -: هذا ابني، كان كذلك.
وزعم النعمان أن العتق يقع عليهما.
وخالفه يعقوب، ومحمد فقالا: لا يعتقان، ولا يثبت نسبهما.
قال أبو بكر: وقول النعمان هذا شاذٌ لا نعلم أحداً سبقه إليه ولا تابعه عليه، لأنه محال من الكلام وكذب. ولو جاز ما قال لجاز لرجل بيده طفل صغير أن يقول: هذا أبتي، وهذا غير جائز ولا مقبول من قائله.
م ٥٢٩٠ - وإذا قال الرجل لعبده: لا سلطان لي عليك، وقال: لم أرد عتقك، وإنما أردت أنك غير مطيع لي، فالقول قوله، ولا يلزمه العتق.
م ٥٢٩١ - وقال سفيان الثوري: إذا قال الرجل لغلامه: هو حر النفس.
قال له (٢) نيته في ذلك.
قال أبو بكر: هو كما قال فإن أراد العبد استحلافه، استحلفه ولا يلزمه العتق.
стр. 2668
٣٣ - مسائل من كتاب العتق
م ٥٢٩٢ - وإذا قال الرجل لمملوكه: يا سالم، فأجابه نافع، فقال: أنت حر، وقال: عنيت سالما.
فإنهما يعتقان- في قول أصحاب الرأي، وابن القاسم صاحب [٢/ ٣١٦/ألف] مالك- في الحكم: فأما فيما بينه وبين الله تعالى فلا يعتق إلا الذي أراده.
قال أبو بكر: وهذا حسن، لأن السيد قد أثبت (١) الحرية لنافع بمخاطبته إياه في الظاهر، وأخبر بأنه أراد إيقاع الحرية على سالم، فيعتق سالم لأنه أخبر أنه أراده.
م ٥٢٩٣ - وإذا قال الرجل لمملوك رجل: أنت حر من مالي، ثم اشتراه: فهو مملوكه، ولا شيء عليه. هذا على مذهب [مالك] (٢)، والشافعي، وعامة أصحابنا.
م ٥٢٩٤ - وقال الثوري، وأحمد، وإسحاق- في الرجل يقول لعبد رجل. أنت حر في مالك، فبلغ ذلك السيد، فقال: قد رضيت، وأبى الآخر- قالوا جميعاً: ليس بشيء.
م ٥٢٩٥ - وإذا أجر الرجل عبده إجارة صحيحة من رجل سنة، ثم أعتق الولى العبد قبل انقضاء الإجارة: لم تنتقض الإجارة في قول مالك، والشافعي، غير أن الشافعي قال: ويرجع العبد على السيد بإجارة مثله، من يوم أعتقه إلى انقضاء المدة.
م ٥٢٩٦ - واختلفوا في الرجل يعتق عبد ولده الصغير.
стр. 2669
فكان مالك يقول: إن كان له مال جاز عتقه، وضمن القيمة لولده.
قال أبو بكر: ولا يجوز عتقه في قول الشافعي، لأنه اعتق ما لا يملك.
قال أبو بكر: كما قال الشافعي أقول. لأن الله جل ذِكْره ورَّثه من مال ابنه السُدُس- بعد موته- مع ولده، ففي ذلك بيان أن لا حق له في ماله.
م ٥٢٩٧ - وإذا قال الرجل لعبده: بعتك نفسك بألف درهم، فإن صدَّقَهُ العبد: فهو حر وعليه ألف درهم. في قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
وفي قول مالك: يعتق ويتبعه السيد بالألف درهم.
قال أبو بكر:
م ٥٢٩٨ - وإذا قال الرجل لعبده: أعتقتك أمس على ألف درهم وقبلته، وقال العبد: أعتقتني على غير شيء.
حُلِّف العبد، وأعتق باقراره أنه حر. في قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
وكذلك نقول.
م ٥٢٩٩ - وإذا قال الرجل لعبده: إذا أديت إلى ألف درهم فأنت حر.
فمتى أدى إليه ألف درهم، فهو حر، في قول أصحاب الرأي، وهو يشبه مذهب الشافعي.
م ٥٣٠٠ - وقال الثوري: "إذا قال الرجل لعبده: إذا أديت إلى ألف درهم فأنت حر، ثم بدا له ألا يقبل منه شيئاً، كان ذلك للسيد".
стр. 2670
وفي قول أصحاب الرأي: يجبر على أخذ المال، ويعتق العبد.
وهذا يشبه مذهب الشافعي.
قال أبو بكر: وبه نقول.
م ٥٣٠١ - وإذا قال الرجل (١) لعبده: أنت حر وعليك ألف درهم، فهو حر ولا شيء عليه، وهذا يشبه مذهب الشافعي، والكوفي.
قال أبو بكر: وبه نقول.
وقال الأوزاعي: هو حرٌ وعليه ما قال إذا كان كلاماً (٢) متصلاً.
وقد حكى ابن القاسم عن مالك نحو قول الأوزاعي.
قال أبو بكر:
م ٥٣٠٢ - وإذا أعتق عن أبيه (٣) عبداً، وهو حي، يريد بر أبيه، فهو حر، وفي الولاء اختلاف.
أحدهما: أن الولاء لأبيه، هذا قول مالك، ثم قال: ولو كان وهبه لأبيه فيكون هو الذي يعتقه، كان أصوب.
والقول الثاني: أن الولاء للابن، وهو أصح القولين، لأن النبي ﷺ جعل الولاء للمعتق. وهو يشبه مذهب الشافعي.
م ٥٣٠٣ - واختلفوا في الرجل يشتري العبد بثوب، ثم يعتق العبد، ويستحق الثوب: فكان مالك يقول: يرجع بقيمة العبد.
وفي قول الشافعي يبطل العتق والبيع جميعاً.
стр. 2671
قال أبو بكر: وبه نقول؛ لأنه أعتق ما لا يملك.
م ٥٣٠٤ - وقال مالك: إذا قال لعبده: أنت حر اليوم فهو حر أبداً.
قال أبو بكر: وبه نقول.
م ٥٣٠٥ - وإذا قال الرجل لعبده: هو (١) لله، فهو حر، في قول الشعبي، والمسيب بن رافع، وحماد بن أبي سليمان.
م ٥٣٠٦ - واختلفوا في امرأة حلفت بعتق جارية ليس لها غيرها، فحنثت، ولها زوج، فرد ذلك عليها زوجها.
فقال مالك: له أن يرد عليها، وليس لها عتق.
وقال مَرَّةً: يجوز لها العتق بينها وبين الثلث.
وفيه قول ثان وهو: أنّ بيعها، وشراءها، وعتقها جائز.
ولا فرق بينها وبين الرجل في أن لها أن تتصرف في أموالها كما يتصرف المالكون، إلا أن تكون محجوراً عليها- يدل على ما قلناه الكتاب والسنة: فأما الكتاب فقوله جل ذكره: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، فإذا كان لها أن تهب صداقها لزوجها جاز لها أن تهب ذلك لغيره.
وأما السنة فقول النبي ﷺ حين خرج في أضحى أو فطر للنساء:
стр. 2672
(ح ١٥٦٧) فقال: "تصدقن".
أمراً عاماً لم يستثن ذات زوج ولا غيرها.
стр. 2673
٩٥ - كتاب الأطعمة
قال أبو بكر: قال الله جل ذكره: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ...﴾ الآية.
قال أبو بكر: لم يكن الله جل ذكره حرم يوم تلا نبيه ﷺ هذه الآية على الناس غير ما في هذه الآية.
وهذه الآية مكية، لأن ابن عباس ذكر أن سورة الأنعام أنزلت بمكة.
ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك سورة المائدة، فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا [٢/ ٣١٧/الف] أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ ...﴾ الآية.
وسورة المائدة مدنيةٌ.
стр. 2674
م ٥٣٠٧ - قالت عائشة ﵂ في سورة المائدة- إنها من آخر سورةٍ نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرّموه.
ومما حرم الله تعالى في سورة المائدة بعد الآية التي بدأنا بذكرها.
الخمر، لم يختلفوا فيه.
قال أبو بكر: وقد روينا عن ابن عباس، وعائشة أنهما كانا يقولان بظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾.
تلا ابن عباس هذه الآية فقال: ما خلا هذا فهو حلال.
وكان لا يرى بلحوم الحُمُر الأهلية بأساً، ويتلو (١) هذه الآية.
وسئلت عائشة عن الفأرة فقالت: ما هي بحرام، وقرأت هذه الآية ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ...﴾ الآية.
قال الله جل ثناؤه: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
стр. 2675
وقال لنبيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية.
فالنبي ﷺ المفسر لكتاب الله جل ذكره، والمبين على الله معنى ما أراد.
فَمِمّا حرم رسول الله- ﷺ بالمدينة كلّ ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.
وحرم لحوم الحمر الأهلية، ولحوم البغال.
ونهى عن المصبورة، والمجثمة، ولحوم الجلالة، وأكل كثير من الهوام.
وأنا ذاكر ذلك بعد إن شاء الله تعالى.
والنبي ﷺ يحرم بالوحي الذي يتلوه على الناس، ويحرم بالوحي الذي لم يذكر في القرآن.
فعلى الخلق طاعتُه، وأن يحرموا ما حرم، وأن يحلوا ما أحلَّ، ويطيعوه في الأمرين جميعاً.
стр. 2676
قال الله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية.
وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ...﴾ الآية.
١ - باب تحريم النبي- ﷺ كل ذي ناب من السباع
قال أبو بكر:
(ح ١٥٦٨) "حرم رسول الله- ﷺ أكل كل ذي ناب من السباع".
قال أبو بكر:
م ٥٣٠٨ - وبهذا قال عوام علماء الأمصار منهم: مالك بن أنس، والشافعي، وأبو ثور، والنعمان، وأصحابه، وأصحاب الحديث.
إلا ما اختلف فيه من أمر [٢/ ٣١٧/ب] الضبع، والثعلب، فإني (١) سأذكر الاختلاف فيه إن شاء الله تعالى.
٢ - باب الضبع واختلاف أهل العلم فيه
قال أبو بكر:
(ح ١٥٦٩) روينا عن جابر بن عبد الله أنه قيل له: أتؤكل الضبع؟
стр. 2677
قال: نعم، قيل: أصيدٌ هي؟، قال نعم، قيل: أسمعت ذلك عن رسول الله- ﷺ ؟، قال: نعم.
م ٥٣٠٩ - وحكم عمر ﵁: في الضبع يقتله المحرم كبشاً، وبه قال ابن عباس ﵄.
وروينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يرى الضبع صيداً.
وقد روينا الرخصة فيه عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبي هريرة، وعكرمة، وعروة بن الزبير.
وكان عطاء بن أبي رباح، والشافعي يريان فيه الجزاء على المحرم.
ورخص في أكله أحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وفيه قول ثان وهو: كراهية أكل الضبع. روينا ذلك عن
стр. 2678
سعيد بن المسيب، وبه قال الثوري، والليث بن سعد، والنعمان، وأصحابه.
وقال مالك في الضبع، والثعلب: لا خير في أكلهما.
نهى رسول الله- ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع وقال الله جل ذكره: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾.
قال أبو بكر: فالضبع يجب أن يستثنى من جملة نهي النبي- ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع، ويحكم في سائر السباع بما في رسول الله ﷺ عنه.
٣ - باب الثعلب، والهر
قال أبو بكر:
(ح ١٥٧٠) ثبت أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع.
م ٥٣١٠ - فالقول بهذا الخبر يجب، والثعلب داخل في جمل السباع غير خارج منها إلا بحجة.
والأخبار عند أصحابنا على العموم، لا يستثنى منها شيء إلا بخبر عن رسول الله- ﷺ ، أو بإجماع.
стр. 2679
وقد روينا عن أبي هريرة أنه قال: الثعلب حرام، وبذلك قال الحسن البصري، وإبراهيم النخعي.
وقال الزهري، ومالك: الثعلب سبع.
وقال عمرو بن دينار: ما علمنا أن الثعلب يفدى (١).
وقال ابن أبي نجيح: ما كنا نعده إلا سبعاً.
وروينا عن عطاء بن أبي رباح أنه كان يكره أكل الثعلب، ولا يرى على قاتله في الحرم جزاء.
وكره النعمان [٢/ ٣١٨/ألف] وأصحابه أكل الضبع والثعلب.
ورخصت طائفة في أكل الثعلب، فرخص في أكله طاووس، وقتادة، والشافعي، وأبو ثور.
واختلف في أمره عن عطاء.
قال أبو بكر: والهر داخل في نَهْي النبي عن كل ذي ناب من السباع.
(ح ١٥٧١) وقد روينا عنه ﷺ : "أنه نهى عن أكل الهر، وأكل ثمنه".
стр. 2680
م ٥٣١١ - فالهر حرام أكله، لنهي النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع.
وقد روينا عن طاووس ومجاهد أنهما كرها ثمن السنور، وبيعه، وأكل لحمه، وأن ينتفع بجلده.
وقال مالك: لا يؤكل الهر الإنسي، والوحشي، وبه قال أبو ثور.
وظاهر خبر رسول الله- ﷺ مستغنى به.
وقال الليث بن سعد: لا بأس بأكل الهر.
٤ - باب نهي النبي- ﷺ عن لحوم الحُمُر الأهلية ولحوم البغال
قال أبو بكر:
(ح ١٥٧٢) نهى رسول الله- ﷺ عن البغال والحمير".
(ح ١٥٧٣) "ونهى رسول الله- ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية"
стр. 2681
(ح ١٥٧٤) وقال جابر بن عبد الله: "حَرّم رسول الله- ﷺ يومئذٍ -يعني يوم خيبر- لحوم الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مِخْلب من الطير، وحرم المجثَّمة، والخُلْسة، والنهبة".
قال أبو بكر:
م ٥٣١٢ - فلا يجوز أكل الحمير والبغال لثبوت الخبر عن رسول الله- ﷺ أنه نهى عن ذلك.
وهو قول عوام أهل العلم.
كره النخعي أكل لحم البغل.
وقال قتادة: ما هو إلا بني الحمار.
وقال مالك: "أحسن ما سمعت في أكل الدواب الخيل، والبغال، والحمير أنها لا تؤكل، لقول الله : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ وقال في الأنعام: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ".
стр. 2682
قال أبو بكر: وقول الشافعي في البغال والحمير كقول مالك.
وبه قال النعمان وأصحابه وأبو ثور.
وفيه قول ثان: وهو إباحة أكل لحوم الحُمُر. وهذا قول ابن عباس ﵄.
وبه قال عكرمة، وأبو وائل.
قال أبو بكر: وحدثنى علي عن أبي عبيد أنه قال: "وأما المجثمة: فإنها المصبورة أيضاً، ولكنها لا تكون إلا في الطير والأرانب وأشباهه [٢/ ٣١٨/ب] مما يجثم بالأرض لأن الطير يجثم (١) بالأرض، فإن حبسها إنسان قيل: قد جُثِّمت، أي فُعل ذلك بها.
٥ - باب النهي عن أكل ما قطع من ذوات الأرواح قبل أن تُذكّى من الدواب التي حل أكلُها مذكاةً
قال أبو بكر:
م ٥٣١٣ - أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن ما قطع من الأنعام وهي أحياء: ميتة، ويحرم أكل ذلك.
стр. 2683
(ح ١٥٧٥) وجاء الحديث عن النبي: "أنه قدم المدينة والناس يَجُبُّون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال النبي- ﷺ ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت.
وقد سئل مالك بن أنس عن قطع أَليْة الكبش من أصل الذنب، فإنه يكثر لحمه إذا قطع ذلك منه، فقال مالك: لا أرى بذلك بأساً، ولكن لا يؤكل ذلك الذنب.
قال أبو بكر:
م ٥٣١٤ - ولا يجوز عندي قطع شيء من أعضاء البهيمة وهي حبيبة، لأن في ذلك تعذيباً لها. وقد نُهِي عن تعذيب البهيمة والطير. ونُهِيَ عن المصبورة.
(ح ١٥٧٦) وفي حديث عبد الله بن عمرو أن النبي- ﷺ قال: "من قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقها سأله الله عن قتله، قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: أن يذبحها فيأكلها، ولا قطع رأسها فيرميَ به".
стр. 2684
م ٥٣١٥ - وقد اختلف في اخصاء الدواب.
فروينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه نهى عنه.
وكان ابن عمر يكره الخِصاء، ويقول: هو مما نهى (١) الله عنه، بقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
وكره ذلك عبد الملك بن مروان.
وقال الأوزاعي: كانوا يكرهون اخصاء كل شيء له نسل.
وكره ذلك أحمد وإسحاق.
وفيه قول ثان: رخص فيه الحسن البصري، وطاووس.
وخصى عروة بن الزبير بغلاً له.
وأمر عمر بن عبد العزيز بخصاء الخيل.
ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم.
قال أبو بكر: والقول الأول أولى القولين عندي. لأن ذلك ثابت عن ابن عمر. وفيه عن النبي- ﷺ حديثان:
стр. 2685
(ح ١٥٧٧) أحدهما: حديث ابن عمر أن النبي- ﷺ " نهى عن خصاء الإبل، والبقر، والغنم، والخيل" [٢/ ٣١٩/ألف].
(ح ١٥٧٨) والآخر: حديث ابن عباس أن النبي- ﷺ "نهى عن صبر الروح، وخصاء البهائم".
م ٥٣١٦ - واختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
فقالت طائفة: هو الخصاء، روينا هذا القول عن أنس بن مالك، وابن عباس، ﵃.
وقالت طائفة: إن معنى قوله تعالى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾: هو دين الله، هكذا قال عكرمة، وسعيد بن جُبَيْر، والنخعي، وقتادة.
٦ - باب تحريم (١) لحوم الجّلالة، واختلاف أهل العلم في أكل لحومها
قال أبو بكر:
стр. 2686
م ٥٣١٧ - واختلفوا في أكل لحوم الجلالة والركوب عليها.
فروينا عن عمر بن الخطاب، وابن عمر ﵄ أنهما كانا يكرهان الركوب عليها.
وقال الشافعي: والجلالة مَنْهيٌ عن لحومها، حتى تعلف علفاً غيره ما تصير به إلا أن يوجد عرقها وجررها منقلباً عما كانت تكون عليه.
وقال النعمان، وأصحابه: تكره لحوم الجلالّة، وأَنْ يُعمل عليها، ولا يؤكل لحمُها حتى تُحبس أياماً وتعزل عما كانت عليه (١)، فإذا فعل ذلك بها فلا بأس بأكلها.
وكره أحمد وإسحاق أكل (٢) الجلالة، والركوب عليها، وكرها ألبانها.
وقال النخعي: كانوا يكرهون ما أكل الجِيَفَ من الطير والوحش.
وفيه قول ثان: كان الحسن البصري لا يرى بلحوم الجلالة وألبانها بأساً، ولا بشيء من أمرها.
ورخص الليث بن سعد أكل لحوم الغنم الجلالة، وشرب ألبانها.
وقال: لأنها (٣) تصير إلى أهلها وتعلف العلف.
стр. 2687
وقال الليث: إنما كره لحوم الجلالة التي ليس لها طعام إلا الرجيع وما أشبهَهُ.
٧ - باب المقدار الذي تُحبس فيه الجلالة لتطيب لحومها (١) فيجوز أكل لحمها وشرب لبنها والحمل عليها والركوب
قال أبو بكر:
(ح ١٥٧٩) روينا عن النبي- ﷺ أنه نهى عن الإبل الجلالة أن تُؤكل لحومها، ولا تشرب ألبانها ولا يحمل عليها الأدم ولا يركبها الناس، حتى تحبس أربعين ليلة".
قال أبو بكر:
م ٥٣١٨ - وكان المغيرة بن مسلم يقول: إذا عُلفت الجلالة أربعين يوماً قد حل لحمها.
قال أبو بكر: أما البعير الجلال فقد ذكرنا ما جاء في.
م ٥٣١٩ - وأما الدجاجة: فالمحفوظ عن ابن عمر أنه كان يحبسها ثلاثة أيام.
وقال أبو ثور بقول ابن عمر، ولم يذكر ذلك عن ابن عمر.
قال: وإن كانت ناقةً، [٢/ ٣١٩/ب] أو بقرة، أو شاة: تحبس بقدر ما يعلم أن الخُبثَ قد زايلها. وليس هذا واجباً، ولكن اختيار، وأكره ركوبها.
стр. 2688
قال أبو بكر: وفرق أصحاب الرأي بين الجلالة فقالوا: يكره أن يعمل عليها، ولا (١) يحمل عليها حتى تحبس أياماً وتعتزل، فإذا فعل ذلك بها. فلا بأس بأكلها.
وقالوا: لا بأس بأكل الدجاج، لأن الأثر جاء في الإبل، والدجاجة تخلط.
وسئل مالك عن الدجاجة: هل تحبس فتعلف قبل أن تذبح؟ فقال: لا، وهذا الطير الذي يطير فيأكل الجيف. فلا بأس بأكل الدجاج المسرح.
٨ - باب القرد، والفيل، وألبان الأتُنُ، والحيات، والعقارب، والترياق، وغير ذلك
قال أبو بكر:
م ٥٣٢٠ - اختلف أهل العلم في أكل لحم القرد.
فقال مجاهد: ليس من بهيمة الأنعام، وكره مرة لحم القرد، والنسانيس الأهلية.
وروينا عن عكرمة أنه قال: لا يصلح أكل لحم (٢) القرد، وقد روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد يقتل في الحرم؟ فقال: يحكم فيه ذوا عدل.
стр. 2689
قال أبو بكر: فعلى مذهب عطاء يجوز أكل لحمه، لأن الجزاء لا يجب على من قتل غير صيد.
م ٥٣٢١ - واختلف الشعبى، والشافعي في أكل لحم الفيل.
فلم ير الشعبي به بأساً.
وفي قول الشافعي: لا يجوز أكل لحمه، لأنه قال: "لا يجوز الانتفاع بعظم الفيل، ولا بعظم شيء لا يؤكل لحمه".
م ٥٣٢٢ - واختلفوا في شرب ألبان الأُتُن للعلاج.
فروينا عن زاهر بن الأسود أنه كره ذلك.
وكره ذلك الحسن البصري، وابن سيرين، وأحمد بن حنبل، ومجاهد.
وقال سعيد بن جبير: نُهي عن لحومها وألبانها.
وفي قول الشافعي، وأبي ثور: لا يجوز شربُ ألبان الأتن.
وكره أصحاب الرأي ذلك.
وقال إسحاق كما قال أحمد، إلا من ضرورة، ينزل بالمسلم داءٌ يوصف له أن ذلك دواؤه، فحينئذ يجوز له للضرورة، ويغسل فمه للصلاة.
ورخص في ألبان الأتن عطاء، وطاووس، والزهري.
قال أبو بكر: القول الأول أصح.
стр. 2690
(ح ١٥٨٠) لأن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية".
وحكم ألبانها حكمُ لحومها.
م ٥٣٢٣ - واختلفوا في استعمال التَرّياق.
فكره شربه الحسن البصري، وابن سيرين، وأحمد.
وكما قال أحمد قال إسحاق [٢/ ٣٢٥/ألف] إلا أن تُذكَّى الحياتُ. ورخص فيه الشعبى.
وقال مالك: ما زال الناس يشربونه، فقيل لمالك: للحية ذكاة لعمل الترياق؟ قال: نعم، لم ابتغي ذلك فيما إذا أصاب المذبح.
وقد روينا عن ابن عمر أنه أمر بترياق فسقي.
م ٥٣٢٤ - واختلفوا في شرب أبوال الأنعام.
فرخصت فيه طائفة: قال عطاء بن أبي رباح: ما أكلت لحمه فلا بأس ببوله.
وبه قال النخعي، وقتادة، ومالك بن أنس، والثوري، والأوزاعي، والنعمان، وأصحابه.
ومن حجة من أباح شرب أبوال ما أكل لحمه:
стр. 2691
(ح ١٥٨١) أن النبي ﷺ "أذن لقوم في شرب أبوال الإبل وألبانها".
وفيه قول ثان وهو: أن الأبوال كلها نجسة، هذا قول الشافعي.
وبالقول الأول أقول، لحجج شتى: أعلاها إذن النبي ﷺ للذين اجتووا المدينة أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها.
ولو كان ذلك حراماً ما أذن لهم في شربها.
وفي حديث عبد الله بن مسعود: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".
(ح ١٥٨٢) وفي حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال "إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرماً مَن سأل عن شيء لم يحرَّم فحرِّم من أجل مسألته".
(ح ١٥٨٣) وفي حديث أبي ثعلبة الخُشَني عن النبي ﷺ : "إن الله حدَّ حدوداً
فلا تعتدوها، وفرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان، فاقبلوها ولا تبحثوا عنها".
стр. 2692
قال أبو بكر: فدلت هذه الأخبار على أن كل مسكوت عه معفوٌ لهم عن ذلك.
وإنما تحرم الأشياء إما بكتاب، أو بسنة، أو بإجماع.
وأما أن يأخذ أحد تحريم شيء من الأشياء عن غير رسول الله- ﷺ فغير جائز.
بل قد ثبت أن رسول الله- ﷺ "أمر بشرب أبوال الإبل" ولا نعلم أحداً قال قبل الشافعي إن أبوال الأنعام وأبعارها نجسة.
٩ - باب الفأر، والغراب، وغير ذلك
قال أبو بكر:
م ٥٣٢٥ - اختلف أهل العلم في أكل الفأرة.
فروينا عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما هي بحرام، وقرأت هذه [٢/ ٣٢٠/ب] الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية، وقال مالك: أكره الفأرة، والحية، والعقرب، من غير أن أراه حراماً بيناً (١)، ومن أكل حية فلا يأكلها حتى يذبحها.
ولا يجوز في قول الشافعي "أكل الفأرة، ولا شيئاً مما أبيح للمحرم أن يقتله، مثل العقارب، والحيات، والحِدَأَ، والغربان.
стр. 2693
ولا يجوز أن يؤكل الرَّخَمُ، ولا العقبان (١)، ولا الصقور، ولا الصوائد من الطير كله مثل الشواهين والبزاة، والبواشق، ولا (٢) تؤكل الخنافسُ، ولا الجِعلان، ولا العَظاء (٣)، ولا اللحكاء، ولا العنكبوت، ولا الزنابير، ولا كل ما كانت العرب لا تأكله".
م ٥٣٢٦ - واختلفوا في أكل لحوم الغربان.
فكرهت طائفة ذلك وممن كره: عروة بن الزبير قال: لا خير فيه.
وقال طاووس: يكره من الطير ما يأكل الجيف.
стр. 2694
وقال النخعي: أكره من الطير كل شيء يأكل الميتة.
وقال النخعي: يقتل المحرم الفأرة، والغراب (١)، والعقعق.
وقال الشافعي: "مع أن ثم دلالةً بسنة رسول الله ﷺ ، فلما أمر النبى ﷺ بقتل الغراب، والحدَأة، والعقرب، والفأره، والكلب العقور: دل هذا على تحريم أَكل ما أمر بقتله في الإحرام".
وقال أبو ثور: لا يحل أكل كل ذي مخلب من الطير صغيراً كان أو كبيراً، ولا يؤكل الغراب، ولا الحدأة.
وقال أصحاب الرأي: لا يجوز أكل كل ذي مخلب من الطير.
وأباحت طائفة أكل لحوم الغربان.
وكان النخعي لا يرى بأكل الغربان الصغار بأساً.
وقال قتادة، وأبو هاشم، لا نرى بأكل شيء من الغربان بأساً.
وقيل لمالك في أكل الغراب، والحدأة، فقال: لم أدرك أحداً ينهى عن أكلها. وقال: لا بأس بأكلها. ولا أعلم في الطير كله بأساً. ولا ينهى عنه.
وفي أكل لحم الغراب قول ثالث: كره الحكم، وحماد أكل
стр. 2695
لحوم الغربان السود، ولم يريا بالزاغ بأساً.
وقال محمد بن الحسن: لا يحل أكل لحم ما كان له مخلب، وكذلك البازي، والصقر لا يُؤكل.
ويكره أكل الغراب الأبقع، والغراب الأحمر يعني الزاغ لا بأس بأكله.
وكرَّه بعض أهل الحديث أكل الغراب الأبقع، وأباح أكل سائر الغربان.
(ح ١٥٨٤) وروينا فيه حديثاً عن النبي- ﷺ أنه قال: "خمس فواسق" فذكر في الخمس: "الغراب الأبقع".
قال أبو بكر: لما حرم الله تعالى الصيد في [٢/ ٣٢١/ألف] الإحرام، وكان المحرم عليهم منه ما جاز أكله مذكى قبل الإحرام: دل على أن ما أبيح للمحرم قتله، ليس من الصيد الذي في المحرم عن قتله.
(ح ١٥٨٥) وثبت أن رسول الله- ﷺ قال "خمس لا جناح في قتل ما قتل منهن: الغراب، والفأرة، والحدأة، والكلب العقور، والعقرب.
стр. 2696
قال أبو بكر: فكل ما أبيح للمحرم أن يقتله، حرامٌ أكلُهُ إستدلالاً بما ذكرت.
١٠ - جماع أبواب ما أباح كتابُ الله أكله وما لم يأت بتحريمه حجة
قال أبو بكر: أباح الله جل ثناؤه أكل لحوم الأنعام فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
وقال جل ذكره: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾.
وقال: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
فأباح الله جل ذكره أكل (١) لحوم الأنعام في كتابه.
ودلت أخبارُ رسول الله ﷺ على إباحة لحوم الأنعام.
م ٥٣٢٧ - وأجمع أهل العلم على القول به.
стр. 2697
فلحوم الأنعام مباحة بالكتاب، والسنة، والإتفاق.
(ح ١٥٨٦) وثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرماً مَن سأل عن شيء لم يكن محرماً، فحرم من أجل مسألته".
١١ - باب أكل لحوم الخيل والحمار الوحشي (١)
قال أبو بكر:
الخيل داخل فيما أباح الله (٢) مما لم ينزل بتحريمه كتاب، ولا جاءت بتحريمه سنة، ولا أجمع على تحريمه أهل العلم.
(ح ١٥٨٧) بل قد جاءت أخبار ثابتة عن رسول الله- ﷺ ، تدل على إباحة أكل
لحوم الخيل.
(ح ١٥٨٨) وفي حديث جابر بن عبد الله أن النبي- ﷺ "أطعمهم لحوم الخيل،
وأمرهم بها، ونهاهم عن لحوم الحمر".
стр. 2698
(ح ١٥٨٩) وقالت أسماء بنت أبي بكر ﵄: "أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله- ﷺ ونحن بالمدينة".
قال أبو بكر:
م ٥٣٢٨ - وقد اختلف أهل العلم في أكل لحوم الخيل.
فروينا عن ابن عباس ﵄: أنه كان يكرهه. وتناول هذه الآية. ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ وحرَّم (١) الحكم بن عتيبة لحومَ الخيل. وكرهه مجاهد.
وقال مالك: لا تؤكلُ، واحتج بالآية التي احتج بها ابن عباس [٢/ ٣٢١/ب].
وقال ابن الحسن في لحوم الخيل: تركُه أحب إلي.
وقال أبو عبيد: لا تؤكل.
وأباحت فرقة أكل لحوم الخيل. واحتجوا بأن ما لم يَحرَّمْ حلالٌ على ما ذكرناه.
واحتجوا (٢) مع ذلك بالأخبار التي رويت عن النبي- ﷺ أنه أطعمهم لحوم الخيل، وأمرهم بها.
وقال جابر: "أكلنا زمن خيبر الخيل، وحُمُر الوحش".
وقد روي عن ابن الزبير أنه قسم لحم فرس.
стр. 2699
ورخص في لحوم الخيل: شريح، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، والأسود بن يزيد، وحماد بن أبي سليمان، وسعيد بن جبير، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وكان ابن عمر يكره سُؤْر الحمار والكلب، ولا يرى بسؤر الفرس بأساً، ليعلم أن مذهبه أن أكل لحمه مباحٌ عنده.
ورخص فيه الثوري، وابن المبارك.
قال أبو بكر: وخبر أبي قتادة يدل على إباحة أكل الحمار الوحشي.
(ح ١٥٩٠) لأن النبي ﷺ لما ناوله أبو قتادة العضد أكلها وهو محرم حتى تعرقها.
١٢ - باب لحم الظبي، والضب
قال أبو بكر:
م ٥٣٢٩ - لحم الظباء حلال، لا أعلم أحداً منع منه، لأنه من جملة الصيد الذي منع المحرم منه، فدل على إباحة أكله للحلال.
(ح ١٥٩١) وقد ثبت أن نبي الله ﷺ سئل عن الضب؟ فقال: "لست بآكله،
ولا محرمه".
стр. 2700
(ح ١٥٩٢) وقد روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إن رسول الله ﷺ لم يُحَرِّم الضب، ولكن قِذره، أو عافه".
(ح ١٥٩٣) "وأكل الضب على مائدة رسول الله- ﷺ ، ولو كان حراماً ما أُكِل
على مائدته".
م ٥٣٣٠ - ورخص في أكله عمر بن الخطاب ﵁.
وروينا عن أبي سعيد الخدري أنه قال. "كنا معشر أصحاب محمد ﷺ لأن يُهْدى إلى أحدنا ضبٌ مشوي أحبُّ إليه من دجاجة".
ورخص فيه مالك بن أنس، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور.
وفه قول ثان: روينا عن أبي هريرة أنه قال: لست بآمر به، ولا ناه عنه.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه نهى عن الضب والضبع، وثمن الكلب، وكسب الحجام، ومهر البغي.
وقال أحمد في الضب: قال النبي- ﷺ : "لا آكله ولا أحرمه".