وإن لم يكن جعل عليه قبض الثمن، فقبض الثمن، فتلف عنده، فهو ضامن، لأنه تعدى فقبض ما ليس له أن يقبضه، ولا يبرأ المشتري من الثمن، وللموكل أن يطالب المشتري بالثمن إذا ثبتت البينة أن السلعة للموكل.
م ٥٥١١ - فإن ادعى المشتري أنه جعل قبض الثمن إلى الوكيل حلف، ولم يبرأ المشتري من الثمن حيث دفعه إلى مَنْ لم يؤمرْ بدفعه إليه.
١٣ - باب اختلاف الوكيل والموكل في الثمن ومسائل (١)
قال أبو بكر:
م ٥٥١٢ - وإذا وكل رجل رجلاً ببيع عبد له، فقال الوكيل: أمرتني أن أبيعه بخمسمائة درهم. وقال الموكل: ما أمرتك أن تبيعه إلا بألف.
فالقول قول الموكل مع يمينه إذا لم تكن بينة تشهد على ما ذكره أحدهما، وهذا على مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي.
وقال ابن القاسم: إن باع السلعة بعشرة وادعى الوكيل ذلك، وقال الآخر: ما أمرتك إلا بأحد عشر أو أكثر، قال مالك: إن ادركت السلعة حلف الآمر، وكان القول قوله. وإن فاتت حلف المأمور أنه أمره بذلك، ولا شيءَ عليه.
стр. 2837
قال أبو بكر: القول الأول صحيح، ولا أعلم مع مالك (١) حجةً فيما ذكروا (٢).
م ٥٥١٣ - وإذا وكل رجل رجلاً ببيع عبد له، فقال الموكل: قد أخرجتك من الوكالة، وقال الوكيل: قد بعته أمس، فإن ثبتت بينة أنه باعه أمس كما ذكر ثبت البيع، وإن لم يكن له بينة لم يجز
البيع، لأنه ادعى بعد أن عزل عن الوكالة أنه باعه فلا تقبل دعواه.
م ٥٥١٤ - وإذا أمره بيع العبد، وأمره بالإشهاد على البيع، فباع ولم يشهد، فالبيع جائز، في قول أصحاب الرأي، وهو قياس قول الشافعي- إذا كان البيع بالنقد- لأن الإشهاد عندهم ليس بفرض، وهو نَدْب.
م ٥٥١٥ - وإن وكله أن يبيعه برهن فباعه بغير رهن.
فالبيع فاسدٌ في قول الشافعي، وقولهم.
وبه نقول.
م ٥٥١٦ - وكذلك إذا وكله أن يبيعه بنسيئة بكفيل، فباعه بغير كفيل: فالبيع باطلٌ في قولهم جميعاً.
وكذلك نقول
стр. 2838
م ٥٥١٧ - وإذا اختلف الموكل [٢/ ٣٤٩/ألف] والوكيل في الرهن والكفيل، فقال الوكيل: لم تأمرني برهن ولا كفيل. وقال الموكل: بل أمرتك بذلك.
فالقول قول الموكل مع يمينه ويفسخ البيع.
م ٥٥١٨ - وإذا أمره أن يبيعه من رجل، فباعه من رجل آخر: لم يجز البيع في قولهم جميعاً.
وبه نقول.
م ٥٥١٩ - وإذا باعه من ذلك الرجل ومن آخَرَ.
جاز ذلك النصف لذلك الرجل، ولا يجوز النصف الآخر في قياس قول أبي حنيفة (١).
ولا يجوز في قول يعقوب، ومحمدٍ.
وكذلك نقول.
م ٥٥٢٠ - وإذا وكله ببيع عبد له، فباعه من رجل لم يره، ووصفه له، ففي هذه المسألة أقاويل.
أحدها: أن البيع جائز، وللمشتري خيارُ الرؤية، هذا قول أصحاب الرأي.
والقول الثاني: أن البيع فاسد، هذا آخر (٢) قولَيْ الشافعي، وبه يقول أكثر أصحابه.
والقول الثالث: أن البيع جائز، فإن وجد المشتري العبدَ كما وصف له
стр. 2839
فلا خيارَ له، وإن لم يجده كما وصف له فهو بالخيار، هذا حفظي عن أبي ثور أنه قال ذلك.
وهذا أصح، لأنه بيع جائز، لدخوله في جملة قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
ولأنهم كلَّهم أجازوا البيع، بالصفة في باب السلم، فلزمهم ذلك فيما كان مثله والله أعلم.
وللشافعي قول ثانٍ يوافق أهل الكوفة.
م ٥٥٢١ - وإذا وكل الرجل الرجل يبيع عبد له، فباعه من ابن الآمر، أو من أبيه، أو من أمه، أو من أخته، أو من زوجته، أو من خالته، أو من عمته: فالبيع جائز، ولا أعلمهم يختلفونَ فيه.
م ٥٥٢٢ - واختلفوا فيه إن باعه من عبد الآمر.
ففي قول الشافعي، والكوفي: البيع باطل، إلا أن يكون على العبد دينٌ فإنه يجوز [بيعه] (١) في قول النعمان، وأصحابه، وإن لم يكن عليه دينٌ فإنه لا يجوز.
وفي قول مالك: بيعه من عبد الآمر جائز، كان عليه دين أو لم يكن، لأنه يرى أن العبيد يملكون.
والشافعي، والكوفي لا يريان للعبيد ملكاً.
٥٥٢٣ - وإذا وكل الرجل رجلاً ببيع عبد له ودفع العبد إليه. فقال الوكيل:
стр. 2840
قد بعته من فلان وقبضت منه الثمن، وسلمت العبد إليه وهلك والثمن مني، وادعى ذلك المشتري.
فالقول قول الوكيل مع يمينه، في قول أصحاب الرأي.
وقال الشافعي- "في كتاب الصرف"-: إذا وكله ببيع طعام له، فهو بنقد لا بدين فإن قال: قد بعته وهلك الثمن، أو: هرب المشتري، فصدقه البائع: فهو كما قال. وإن كذبه فعليه البينة أنه باعه".
م ٥٥٢٤ - وإذا وكل الرجل الرجل ببيع عبد له، ثم إن الموكل باع العبد، أَوْ دبره أو وهبه، وأقبضه الموهوب له، أو كاتبه، أو تصدق به وقبض منه، أو أجَّره، أو كانت أمة فوطئها فولدت منه أم لم تلد.
فإن ذلك كله نقض للوكالة ما خلا الوطء إذا لم تلد، وما خلا الإجارة، والرهن، وكذلك الخدمة لا تنقُضُ الوكالة. هذا قول أصحاب الرأي.
قال أبو بكر: التدبير لا ينقض الوكالة، لأن بيع المدبر جائز.
وقد بينته في كتاب المدبر.
وكذلك الإجارة والوطء: إذا لم تحمل أو تلد. وكذلك الخدمة.
وأما البيع، والهبة إذا أقبضها الموهوب له، والكتابة، والصدقة المقبوضة، والرهن المقبوض. إذا فعل -أي ذلك فعل- فقد نقض الوكالةَ.
стр. 2841
١٤ - باب الرجلين يوكل كلُّ واحد منهما رجلا بعينه ببيع عبد له
قال أبو بكر:
م ٥٥٢٥ - وإذا وكل رجل رجلاً ببيع عبد له، ووكله آخر ببيع عبد له آخر، فباعهما هذا الوكيل صفقة واحدة من رجل بثمن واحد.
فالبيع جائز في قول الكوفي، ويكون لكل واحد منهما من الثمن بحصة عبده.
وفي قول الشافعي: ينبغي أن يكون البيع فاسدا، لأنه باع عبد كل واحد منهما بثمن غير معلوم عند البيع حتى يقومان (١)، ولم يوكل بذلك.
م ٥٥٢٦ - فإن باع واحداً منهما من رجل أو رجلين بثمن مسمى، فالبيع جائز فيها، في قولهم جميعاً.
م ٥٥٢٧ - فإذا باع سيد أحد العبدين العبد بيعاً فاسداً، فالوكيل على وكالته.
فإن باعه الوكيل- بعد بيع المولى البيع الفاسد- بيعا صحيحاً، فهو جائز، لأن ملك الموكل على العبد قائمٌ وقت باع الوكيل.
م ٥٥٢٨ - فإن باع الوكيل العبد بيعاً فاسداً وسلمه إلى المشتري، ثم تلِف العبد في يد المشتري: فللسيد أن يُضمِّن الوكيل، لتعديه
стр. 2842
ولدفعه إلى من لم يؤمر بدفعه إليه، لأنَّ بيعه كان بيعا فاسداً، ولم يُؤذن له أن يسلمه إلى غير مُستحِقّه (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى على سيدنا محمد النبي- ﷺ وآله الطاهرين (٢).
١٥ - باب (٣) الرجل يوكل الرجلين ببيع عبده كل واحد منهما وكله ببيعة على حدة
قال أبو بكر:
م ٥٥٢٩ - إذا وكل رجل ببيع عبده رجلاً، ووكل آخر ببيع ذلك العبد: فأيهما باع منهما فبيعه جائز، في قول الشافعي.
م ٥٥٣٠ - فإن باعه أحدا من رجل وباعه الآخر من آخر، فإن علم بيع الأول منهما فهو جائز، وبيع الثاني باطل. هكذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي في المسألتين جميعاً.
وبه نقول.
م ٥٥٣١ - واختلفوا فيه إن لم يعلم الأول منهما.
ففي قول أصحاب الرأي: يقال لكل واحد منهما: إن شئت أن تأخذ نصفه بنصف الثمن، فخذ، وإن شئت فدعه.
стр. 2843
قال أبو بكر: وهذا قول فاسدٌ من غير وجه.
أحدهما: أنه أعطى أحدها ما لا يستحقُه، ومنع الآخر حقاً يجب له إن كان بيع أحدهما قبل بيع [٢١٥/ألف- الدار] الآخر.
فإن كانت الصفقتان وقعتا في وقت واحد، فلا حقَّ لكل واحد منهما، لأن بيعهما فاسد.
ويفسُدُ الذي فعلوه من وجه ثالث: وهو أنهم حكموا وتقدموا على أمر بغير علم.
(ح ١٧٣٠) وقد وجد ﷺ تمرة، وقال: "لولا أني أخشى أن تكون من
الصدقة لأكلتها".
فوقف عن أكلها لما احتمل أمرها مَعْنَيينٍ.
وقد تقدم أصحاب الرأي في هذه المسألة على أمر لا شك أنه خطأ، لأن من المحال أن يكون لكل واحد منهما نصفه في شيء من الوجوه التي ذكرناها.
قال أبو بكر: والذي به أقول: إن البيعتين فاسدتان لأن ملك الموكل على العبد ثابت قبل أن يوكلهما بالبيع. فلما عقد كل واحد منهما البيع في العبد. احتمل أن يكون ذلك في وقت واحد.
وإذا احتمل ذلك لم يزل ملكه عما كان يملك يقينا لا يقين مثله.
قال أبو بكر: وسواء كان هذا العبد في يد أحد الوكيلين أو أحد المشترين، أو كان في يد الوكل إذا تقاروا على ما ذكرت.
م ٥٥٣٢ - وإذا وكل رجل وكيلا ببيع عبد له، فأراد الوكل قبض ثمن عبده من المشتري، فله قبض ذلك إذا علم المشتري أن الثمن له، وإن لم يعلم بذلك وثبتت البينة بأنه الموكل ببيع الحد، فله قبض الثمن.
стр. 2844
م ٥٥٣٣ - وليس للموكل أن يقبض الثمن من المشتري إلا أن يوكل الموكل بقبض الثمن، وهذا على مذهب الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: ليس للموكل قبض الثمن من المشتري إلا أن يوكله الوكيل بذلك، لأنه هو ولي البيع.
ثم نقضوا ذلك بعد ما منعوا منه فقالوا: ولو دفع المشتري ثمن العبد إلى المولى برئَ منه.
فمنعوا من دفع الثمن إليه إلا بوكالة، ثم أجازوا ذلك بغير وكالة من الوكيل البائع.
وقالوا. إن أقر الوكيل أن العبد وثمنه للآمر وأنه وكله ببيعه، ثم غاب الوكيل: لم يكن لرب العبد أن يقبض الثمن، ولا تقبل منه البينة على ذلك.
قال أبو بكر: وهذا مع قولهم: إن دفع الثمن إلى الموكل بَرِئَ المشتري.
١٦ - باب اختلاف من القول
قال أبو بكر:
م ٥٥٣٤ - وإذا وكله ببيع عبد له فباعه، وافترقا، ثم حط الوكيل عن المشتري [٢١٥/ب- الدار] من ثمنه، أو وهبه له، أو صالحه على عيب به.
فذلك غير جائز، والثمن لازم للمشتري، ويناظر في العيب إن شاء، وفي قول أصحاب الرأي: كل ذلك جائز على الوكيل، ويضمن ما حط.
стр. 2845
١٧ - باب الوكالة في بيع العروض
قال أبو بكر:
م ٥٥٣٥ - وإذا وكل الرجل ببيع عدل (١) زُطِّي فباعه، وقبضه المشتري، ثم رده على البائع بعيب كان فيه وقت باعه، وذكر أنه لم يره، فله رده على الوكيل بعد أن يحلف ما رآه. وسواء رده بقضاء
قاض، أو بغير قضاء قاض. وهذا لازم للوكيل أن يرد عليه ويلزم ذلك الآمر.
م ٥٥٣٦ - وإذا وكله ببيع عدل زطي، أو جراب هروي، فباعه الوكيل ثوباً ثوباً، أو باعه جملة.
فهو جائز، ولا ضمان على الوكيل فيه، وإن نوى من الثمن فلا ضمان على الوكيل فيه في قول أصحاب الرأي.
قال أبو بكر: والذي أقول به: إن الموكل إن كان أمره ببيع العدل، أو الجراب صفقة واحدة فباعه مفترقاً: فالبيع فاسد، والوكيل (٢) متعد.
وإذا تعدى وخرج من باب الأمانة انفسخت وكالته، ولم يجز له بيع شيء منه، فإن كان باعه على الفساد الذي ذكرناه بعض
стр. 2846
الثمن أو بعض الثياب: فهو ضامنٌ لجميع ذلك.
م ٥٥٣٧ - ولو باع ثوباً واحداً منه ولم يبع سوى ذلك كان جائزاً في قول النعمان.
ولا يجوز في قول يعقوب. إذا كان ذلك يضرب بالجراب، فإنه لا يجوز.
قال أبو بكر: وسواء أضر ذلك بالجراب أو لم يَضُرَّ به، لا يجوز إذا أمر الموكل ببيع شيء جملة صفقة واحدة، أن يفرق فيباع ثوباً ثوبا.
وقال يعقوب، ومحمد: إن لم يضر ذلك بالجراب، فهو جائز.
م ٥٥٣٨ - وفرق أصحاب الرأي بين أن يوكل ببيع حنطة، أو شعير، أو شيء ما يكال أو يوزن، وبين أن يوكل ببيع دار أو عبد.
فقالوا في الحنطة، والشعير: إن باع بعضه فهو جائز.
ولا يجوز عندهم بيع بعض الدار أو العبد وأفسدوا بيع بعضه وأجازوا بيع الكل، ولا فرق بين شيء من ذلك.
م ٥٥٣٩ - واختلفوا في الرجل يوكل الرجل ببيع عدل زطي [٢١٦/ألف-الدار] بألف درهم فباعه الوكيل بنسيئة.
ففي قول أصحاب الرأي: البيع جائز.
وفي قول الثوري، والشافعي، وأحمد: البيع باطل إذا لم يكن أذن له الموكل بذلك.
وبه نقول.
قال أبو بكر:
م ٥٥٤٠ - وإذا وكل الرجل بأن يبيع له عدلاً زطياً دفعه إليه، فعمد الوكيل إلى العدل فدفعه إلى القصار فقصره: فهو ضامن لما هلك منه عند
стр. 2847
القصار لتعدّيه، فإن رجع المتاع إلى يد الوكيل فقد برئ من الضمان في قول أصحاب الرأي.
ولا يبرأ من الضمان على مذهب الشافعي، حتى يصل المال إلى المال، أو وكيله.
وبه أقول.
وليس للوكيل من أجرة القصار شيء، لأنه متطوع.
م ٥٥٤١ - وإذا وكل رجل رجلاً ببيع جراب هروي، فقطعه قمصاً وخاطها، أو أقبية فخاطها وحشاها، أو بطن، أو خاطها.
فهو ضامن لقيمة ذلك، ويكون المتاع له لأنه خالف، هذا قول أصحاب الرأي.
وفي قول الشافعي: له أن يأخذ القمص والأقبية.
وإن كان نقص الثياب الخياطة والقطع، فعلى الوكيل ما نقصه، وإن كان حشاها قطناً وبطنها ببطائن من عنده أخذ البطائن والقطن، وسلم الثياب إلى الموكل، وعليه قيمة ما نقص الثياب، ولا يملك شيئاً من الثياب بتعديه فيه.
وبه نقول.
م ٥٥٤٢ - وإذا وكله فقال: بع هذا المتاع بيعاً فاسداً. فباعه الوكيل بيعاً صحيحاً.
فالبيع باطل لأنه لم يوكله وكالة صحيحة.
وقال يعقوب: أدع القياس وأستحسن في ذلك أن أجيز البيع.
وقال محمد: لا يجوز البيع.
стр. 2848
١٨ - باب الوكالة في الشراء
قال أبو بكر:
م ٥٥٤٣ - وإذا وكل رجل رجلاً يشتري له عبداً بعينه، وقبل الوكيل الوكالة، ثم خرج الوكيل من عند الموكل، وأشهد أنه يشتري العبد لنفسه، ثم اشترى الوكيل العبد.
فالشراء للوكيل.
وإذا كانوا يقولون: إذا أمره أن يشتري العبد بمائة فاشتراه بمائة وخمسين أن ذلك لا يكون للآمر لأنه خالفه، وكذلك إذا اشتراه لنفسه [٢١٦/ب-الدار] فلا يكون للآمر لأنه خالفه.
وقال أصحاب الرأي: العبد للموكل الآمر، ولا يستطيع الوكيل أن يخرج من تلك الوكاله إلا بمحضر من الموكل.
قال أبو بكر: لا أعلم حجة تدل على أن الوكيل لا يقدر على أن يخرج من الوكاله إلا بمحضر من الموكل.
م ٥٥٤٤ - وإن أمره أن يشتري عبداً بألف درهم فاشتراه بأقل من ألف درهم، فالشراء جائز لأنه زاده خيراً. وهكذا قال أصحاب الرأي.
وكذلك نقول.
م ٥٥٤٥ - وإن أمره أن يشتري له عبداً فاشتراه بعرض من العروض لم يكن أذن له فيه الموكل.
فالشراء للوكيل.
стр. 2849
ولا يجوز أن يشتري العبد للآمر إلا بالأغلب من نقد البلد: الدنانير والدراهم هذا على مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي.
وبه نقول.
م ٥٥٤٦ - ولو أمره أن يشتري له عبداً بعينه، والوكيل ابن ذلك العبد، أو أبوه، أو أخوه، فاشترى، فهو جائز. وهو للآمر، ولا يضره أن يكون له ابن أو أب (١)، وهذا على مذهب أصحاب الرأي.
وبه نقول.
م ٥٥٤٧ - وإذا وكل رجل رجلاً أن يشتريَ كُرَّ حِنطة من العراق، فاشتراها واستأجر إِبِلاً فحمله عليها.
فليس على الموكل من الكراء شيء، لأن الوكيل تطوع بإخراج الكراء.
وقال أصحاب الرأي: لا يجوز الكراء على الآمر في القياس.
ولكننا نستحسن فنجيزُه.
م ٥٥٤٨ - ولو قال الآمر للوكيل: استأجرْ عليّ الكُرَّ بدينار، فاستأجر عليه بدينارين: لم يكن على الآمر شيءٌ لأنه خالف. وهذا قول أصحاب الرأي.
م ٥٥٤٩ - وإذا وكل رجل رجلاً فقال: اشتر عبد فلان فقال: نعم، ثم وكله أخوه أن يشتريه له، فاشتراه الوكيل وأشهد أنه للآخر.
فالشراء للذي نوى الشراء له منهما.
стр. 2850
م ٥٥٥٠ - ولو لم يشتره لهما، واشتراه لثالث، أو لنفسه، فالشراء لمن نوى الشراء له دون الآخر.
وقال أصحاب الرأي: هو للأول، ولا يستطيع الوكيل أن يخرج من الوكالة لنفسه ولا لغيره إلا بمحضر من الأول.
م ٥٥٥١ - وقال أصحاب الرأي: إن أمره أن يشتري له جارية بعينها، فقال: نعم، فاشتراها الوكيل لنفسه: فهي للآمر، فإن وطئها الوكيل وولدت منه، فإنه يدرأ عنه [٢١٧/ألف-الدار] الحدُّ، وتكون الجارية وولدها للآمر، ولا يثبت نسب الولد.
قال أبو بكر: النسب ثابت منه وتكون أم ولد للوكيل، لأنه اشتراها لنفسه.
١٩ - باب ذكر الوكالة في الصَّرف
قال أبو بكر:
م ٥٥٥٢ - أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوكالة في الصرف جائزة.
فلو وكل رجل رجلاً يصرف له دراهم، ووكل آخر يصرف له دنانير فالتقيا وتصارفا صرفا ناجزاً: أن ذلك جائز وإن لم يحضر الموكلان أو أحدهما.
م ٥٥٥٣ - وإذا وكل الرجل الرجلين بدراهم يصرفانها، فليس لأحدهما أن يصرف ذلك دون صاحبه، فإن صرفاها جميعاً فهو
стр. 2851
جائز، فإن قام أحدهما من المجلس الذي تصارفا فيه ومضى قبل أن يتصارفوا، فإن الصرف ينتقض.
(ح ١٧٣١) لأن النبي- ﷺ قال: "الفضة بالذهب رباً إلا هاء وهاء.
وقال أصحاب الرأي: إن قام أحد قبل أن يقبضا فقد انتقضت حصة الذي ذهب وهي النصف، وحصة الباقي جائزة.
قال أبو بكر: لم يجعل الموكل إلى أحد شيئاً دون الآخر، ولا يجوز أمر أحدهما دون الآخر، ولهذا أصل من كتاب الله تعالى قال الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ ولا يجوز لأحد الحكمين أمر إلا مع صاحبه.
قال ابن عباس: بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما.
قال أبو بكر:
стр. 2852
م ٥٥٥٤ - وإن الوكيلين وكلا رب المال بقبض الدنانير، فقبض ذلك رب المال الموكل، انتقض الصرف، لأن الذي يلي قبض الشيء الوكيلان دون رب المال، لأنهما وليا عقد الصرف.
وهذا على مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي.
وبه نقول.
م ٥٥٥٥ - وإذا وكل رجل رجلاً يشتري له عبداً، فاشترى له وافترقا، ثم قتل العبد عند البائع قبل أن يقبضه الوكيل، ففي هذه المسألة أقاويل:
أحدهما: أن الوكيل بالخيار: إن شاء فسخ البيع وردّه ولا يضمن شيئاً، وإن شاء أجاز البيع، وكانت القيمة له خاصة دون الآمر، إلا أن يشاء الآمر [٢١٧/ب-الدار] أخذ القيمة فيكون ذلك له. هذا
قول أصحاب الرأي.
والقول الثاني: أن البيع ينفسخ ويكون من مال البائع، ويطالب البائع العامل بقيمة عبده. هذا قول الشافعي.
والقول الثالث -وهو أصح الأقاويل-: أن البيع لا ثم بإفتراقهما على مقامهما الذي تبايعا فيه العبد، فالعبد للمشترى له.
والدليل على أن العبد له: أن المشترى له العبد لو أوقع العتق عليه قبل أن يقتل كان حراً، لا أعلم فيه اختلافاً.
ففى إجازتهم عتقه (دليل) (١) على أنه أعتق عبداً ملكه على البائع وتم الملك له.
стр. 2853
وإذا جاز عتقه، لأنه مالك له، كانت له على القاتل القيمة، لأنه أتلف عليه ملكه.
وهذا على مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وقد ثبت أن [ابن] (١) عمر ﵄ قال: "ما أدركت الصفقة حياً مجموعاً فهو من مال المشتري".
٢٠ - باب الوكالة في السلم
قال أبو بكر:
م ٥٥٥٦ - وإذا وكل رجل رجلاً يسلم له عشرة دراهم في حنطة، فأسلمها إليه سلماً صحيحاً، فهو جائز.
م ٥٥٥٧ - وللوكيل (٢) أن يقبض الطعام إذا حل إن كان الآمر وكله بذلك، وإن لم يكن أمره بذلك لم يقبضه، وعلى المسلم إليه أن المسلم وكيل الآمر، فعليه تسليمه إلى الآمر إن طلبه منه.
وقال أصحاب الرأي: للوكيل أن يقبض الطعام إذا حل.
ومتى أقام الآمر البينة على ما أسلم فيه وكيله له، فله قبض ذلك من المسلم إليه، وإن علم المسلم إليه أن المسلم وكيل الآمر لم
стр. 2854
يجز دفع ذلك إليه، إلا أن يكون الآمر قد جعل للوكيل قبض الشيء من المسلم إليه.
م ٥٥٥٨ - وإذا حل السلم (١) فأنظر الوكيل المسلم بالطعام فالنظرة غير جائزة، لأنه لا يملك من ذلك شيئاً، والأمر فيه إلى الموكل.
وكذلك لو أبرأه، أو وهبه له.
وكذلك إن أقاله منه فالإقالة فاسدة؛ لأن ذلك لم يجعل إليه، وليس له أن يقيل فيما ليس له.
وقال النعمان، ومحمد: ذلك من فعل وكيل جائز كله.
وهو ضامن لرب الطعام طعاماً مثل طعامه، لأن الطعام قد وجب للآمر.
وقال يعقوب: لا يجوز إبراء الوكيل ولا هبته، ولا متاركته (٢)، ولا [٢١٨/ألف-الدار] تأخيره.
وللموكل (٣) أن يرجع بطعامه، أستحسن ذلك وأدع القياس.
م ٥٥٥٩ - وإذا وكل الرجل الرجل أن يسلم له دراهم في حنطة، ودفعها إليه، فأسلمها إليه، ولم يشهد على المسلم إليه بقبض المال والسلم، ثم جاء المسلم إليه بردهم يرده، وقال: وجدته زائفاً.
ففي قول أصحاب الرأي: هو مصدق ويقضى به على الوكيل، فيبدله، ويرجع به الوكيل على الموكل.
وكذلك لو لم يقض به عليه، ولكن الوكيل قبله منه بغير قضاء قاض بعد ألا يكون المسلم إليه أقر بالإستيفاء.
стр. 2855
وذلك لو وجد درهمين.
م ٥٥٦٠ - وإذا وجد النصف زيوفاً رد ذلك، وبطل من السلم بحساب ذلك، في قول النعمان.
وفي قول يعقوب، ومحمد: يستبدلها كلها، إذا كانت زيوفاً استبدلها.
وإن كان قد أشهد عليه أنه قد استوفى رأس مال المسلم: لم يصدق المسلم إليه على الدراهم الزيوف، ولم تقبل منه البيّنة على ذلك، ولم يكن له على الوكيل يمين.
٢١ - باب الوكالة في الدين
قال أبو بكر:
م ٥٥٦١ - وإذا وكل رجل رجلين بقبض دينه.
فليس لأحدهما أن يقبض ذلك دون الآخر. فإن قبض أحدهما دون الآخر لم يبرأ الغريم من شيء من ذلك في قولنا. وقول أصحاب الرأي، وهذا قياس قول الشافعي.
م ٥٥٦٢ - وإذا وكل رجلاً بدينه ولم يقل بقبضه.
فهذه وكالة مجهولة، لا يكون وكيلاً في قبضه حتى يسمى ذلك الموكل.
وقال أصحاب الرأي: هو وكيل في قبضه. قالوا: يستحسن ذلك.
стр. 2856
م ٥٥٦٣ - وإن وكله بقبض دين له فأبى الوكيل قبول الوكالة، ثم ذهب فقبض ديناً.
فإن الدين على الغريم لا يبرأ منه؛ لأنه لما رد الوكالة بطل أن يكون وكيلاً حتى يجدد له الموكل التوكيل. وللغريم أن يرجع على من قبض منه الشيء، لأنه ليس بوكيل. وهذا قول أصحاب الرأي.
وبه نقول.
م ٥٥٦٤ - وإذا وكله بقبض دين له على زيد: فليس له أن يقبض من غير زيد من سائر غرمائه شيئاً، فإن دفع إليه غير زيد ديناً لم يبرأ منه.
وكذلك قال أصحاب الرأي.
م ٥٥٦٥ - واختلفوا في الوكيل يأخذ كفيلاً بالمال.
فقالت طائفة: له أن يأخذ الكفيل بالمال [٢١٨/ب-الدار] ويطالب الغريم الأول على ما كان يطالبه حتى يقبض المال من أحدهما. وهذا قول جماعة، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
وكان أبو ثور يرى أن الكفالة مثل الحوالة.
وقال: لا يجوز أن يطالب رجل بألف درهم على رجلين، يطالب كل واحد منهما بألف.
م ٥٥٦٦ - وإذا وكله بكل قليل وكثير.
فهو جائز في قول ابن أبي ليلى، وله أن يبيع.
والوكالة على هذا عند الشافعي غير جائزة.
стр. 2857
وقال أصحاب الرأي: هو وكيل في الحفظ، وليس بوكيل في تقاض، ولا بيع، ولا شراء، ولا إجارة.
قال أبو بكر: قول الشافعي صحيح.
م ٥٥٦٧ - وإذا وكل الذمي بتقاضي خمر له على ذمي ويقبضها: انه حرام على المسلم قبض ذلك، لأن الله حرم الخمر.
(ح ١٧٣٢) "ولعن النبي ﷺ الخمر وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاربها وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومسقاها".
وقد ذكرت إسناده في كتاب الأشربة.
م ٥٥٦٨ - فإن قبض المسلم الخمر وأهرقها فقد أحسن، ولا شيء عليه، لأن الله تعالى حرم الخمر، ولا قيمة للشيء المحرم.
وقال أصحاب الرأي: يكره للمسلم قبض الثمن، فإن فعل فهو جائز، ويبرأ الذمي الذي كان عليه الخمر. والمسلم الذي قبضها وأهرقها ضامن لقيمتها.