فقالت طائفة: لا يَقسِم ذلك حتى يقيم البينة على ذلك، هذا قول الشافعي، وبه قال النعمان في الدور، والعقد (١).
وقالت طائفة: يقسم بينهم الدور، والأرضين، والدراهم، والدنانير، والمتاع، والثياب، والعروض كلها. يقسم ذلك بينهم بإقرارهم على أنفسهم. هذا قول يعقوب، ومحمد وبه قال أبو ثور.
قال أبو بكر: وقد ناقض النعمان في مقالته حيث فرق بين الدراهم، والدنانير، والعروض، والدور، والأرضين، بغير حجة فزع إليها.
قال أبو بكر: وأنا إلى القول الثاني أميل.
٥ - باب الدار تكون بين جماعة فيهم صغيرٌ أو غائب
قال أبو بكر:
م ٥٤٢٤ - واختلفوا في الدار، والأرض فتكون بين جماعة، فيهم صغير أو غائب.
ففي قول مالك، والشافعي: يقسم ذلك بينهم الحكم وإن كان شريكهم غائباً، وبه قال أبو ثور.
стр. 2802
وقال النعمان: إن كان وارثاً حاضراً، وبقيتهم غُيب صغاراً أو كبارا، فأقام الوارث الحاضر البينة على المواريث، وسأل القاضى أن يقسم الدار، فإنه لا يقسمها، لأنه ليس معه خصم.
فإن كان معه صغير واحد عيّن القاضي له وصياً، وقبل البينة، وقسم الدار لأن معه خصما. وهو قول يعقوب، ومحمد.
وكذلك الأرض، وكذلك المنزل في الدار.
م ٥٤٢٥ - وقال النعمان: لا يقسم القاضي الحائط، ولا الحمام بين الرجلين، ولا أكثر من ذلك، [٢/ ٢٤١/ب] لأن في قسمه ضررا.
م ٥٤٢٦ - وقال النعمان: إنما أمنع القسمة إذا كان الضرر عليهما، فإذا كان الضرر على أحدهما وليس علي الآخر ضرر، فإن القاضي يقسم بينهما.
م ٥٤٢٧ - والقسمة على الرجال والنساء سواءٌ.
م ٥٤٢٨ - وكذلك أهل الذمة.
م ٥٤٢٩ - وكذلك حر وعبد بينهما دار.
م ٥٤٣٠ - وقال النعمان: إذا أقروا أنها شراء بينهم، قسمتها بينهم بغير بينة.
وإذا أقروا أنها ميراث، لم أقسمها إلا بببنة.
قال أبو بكر: ما بينهما فرق.
وقال يعقوب، ومحمد: هما سواء، أقسمه بينهما بغير بينة إذا أقروا.
стр. 2803
٦ - باب الدارُ تقسم بين الشركاء فيدعي بعضهم غلطا
قال أبو بكر:
م ٥٤٣١ - اختلف أهل العلم في القاسم يقسم الأرض، أو الدار بين الشركاء، فيدعي بعضهم غلطا.
فقالت طائفة: يكلف البينة على ما يدعي من الغلط، إن جاء بها رد القسم عليه، هذا قول الشافعي، وأبي ثور، وبه قال النعمان.
وقال مالك في الشركاء يدعي بعضهم خطأ القاسم قال: ينبغي له -يعني القاضي- أن ينظر في ذلك: فإن كان الذي بعث لذلك مأموناً قد أصاب وجه العمل فيما قسم أنفذ ذلك، وإن كان خطأ رده.
قال مالك: ورب مأمون من الناس لا يحسن العمل. والناس في ذلك ليسوا كلهم (١) سواء.
قال أبو بكر: هذا كما قال الشافعي، والنعمان.
٧ - باب أجرة القسام وشهادتهم
قال أبو بكر:
الأفضل والأعلى للحاكم، والقاسم، وصاحب مغانم المسلمين
стр. 2804
أو يعملوا محتسبين طلب ثواب الله ، فإن لم يفعلوا فينبغي لقاضي المسلمين أن يرزق القسام من بيت مال المسلمين، كما فعل بعلماء المسلمين، وقرائهم، ومعلميهم، ومن قام بأمر فيه صلاح عوامهم.
م ٥٤٣٢ - وقد اختلف أهل العلم في أجور القسام إن لم يعملوا محتسبين، ولم يرزقوا من بيت مال المسلمين.
فكرهت طائفة أخذ الأجر على ذلك. وقد روينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كره ذلك، وكذلك قال ابن سيرين.
وقال القاسم: أربع لا يؤخذ عليهن أجر: المقاسم [والقضاء] (١)، وقراءةُ القرآن، والأذان، وقال سعيد بن المسيب: كل حساب يحسبه [٢/ ٣٤٢/ألف] يأخذ أجراً غير (٢) طائل.
وقال الشافعي: "أجر القسام من بيت المال، فإن لم يعطوه خُلِّي بين الناس وبين (٣) من طلب القسم، فاستأجروهم بما شاؤوا، قل أو كثُرَ".
وقال أبو ثور. رزقهم من بيت مال المسلمين.
стр. 2805
وقال مالك: من احتسب فهو خيرٌ له وأحب إلي، وأما أن أقول لا خير فيه، أو إنه حرام فلا. وذلك أنه لا يوجد مَنْ يعمل بغير جُعل، وهذا لا بدَّ منه.
وقال النعمان: لا بأس أن يأخذ قاسم الدور والأرضين عليه الأجر من الذين يقسم بينهم.
م ٥٤٣٣ - واختلفوا في الأجرة، وأنصباؤهم مختلفة.
فقال أكثرهم: تكون الأجرة على قدر الأنصباء، لا عدد الرؤوس.
هذا قول الشافعي، وسوار، وعبيد الله بن الحسن، وأبي ثور، ويعقوب، ومحمد.
وفيه قول ثان: وهو أن الأجرة على عدد رؤوس الرجال، هذا قول النعمان.
قال أبو بكر: الأول صحيح.
م ٥٤٣٤ - واختلفوا في شهادة القسام.
فكان الشافعي، ومحمد بن الحسن لا يجيزان شهادة القاسمين.
وفيه قول ثان: وهو أن شهادة القاسمين اللذَيْن بعث بهما الحاكم على ما يقسمان (١)، جائزة من قبل أنهما لا يجران بشهادتهما إلى أنفسهما شيئاً، هذا قول أبي حنيفة (٢).
стр. 2806
وكان يعقوب يقول: لا تجوز شهادتهما، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة.
م ٥٤٣٥ - وفي قول جميع من ذكرنا: لا تجوز شهادة قاسم واحد.
قال أبو بكر: والذي أقول به: إن شهادة القاسم الواحد غير جائزة، لأني لا أعلم من أجاز شهادة الشاهد الواحد له حجةٌ.
فأما القاسمان يشهدان على قسم مال، وليسا ممن يجران إلى أنفسهما بشهادتهما نفعاً (١) يأخذانه، وكانا محتسبين، أو ممن يرزق من مال الفئ (٢)، وكانا عدلين: فشهادتهما مقبولة، وهما داخلان في
جملة قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، غير خارجين من هذه الآية بحجة.
هذا يلزم أصحابنا لأنهم لا يرون الإستثناء من الكتاب إلا بكتاب، أو سنة، أو إجماع، وليس مع من استثناهما من جملة الآية حجة.
٨ - باب العبد يكون [٢/ ٣٤٢/ب] بين جماعة يدعو أحدُهم (٣) إلى بيع الجميع ليقبض حصته من الثمن، ويأبى أصحابُه البيع
قال أبو بكر:
م ٥٤٣٦ - واختلفوا في الرجل يكون له الشقص في العبد الذي له الثمن إذا بيع
стр. 2807
كلُّه ولا يجد صاحب الشقص لحصته (١) الثمن الذي (٢) يصيبه مع أصحابه عبد بيع الكل.
فقالت طائفة: يكره الذي أبي البيع على ذلك، ويتوقف في السوق فيباع، هذا قول مالك.
قال: وكذلك البعير، والثوب، وكل ما لا يستطاع قسمه.
وقال مالك: في العبد يُقَوَّمُ ويباع عليهم، فيشتريه من يريده.
وبه قال أبو ثور في الدار تباع أو يشتري أحدهما من صاحبه.
وقال الشافعي: "لا يباع عليهم. ويقال لهم: تراضوا في حقوقكم بما شئتم: كان الذي بينهم سيف، أو عبد، أو غيره".
قال أبو بكر: قول الشافعي أصح القولين، والله أعلم بالصواب.
٩ - باب قَسْم الرقيق، والأنعام، والثياب، وسائر الأمتعة سوى الرِباع، والأَرضين
قال أبو بكر:
م ٥٤٣٧ - كان مالك بن أنس يقول في الرقيق، والغنم، والأشياء التي
стр. 2808
يجعل الخير منها مع الشر: قسم ذلك جائز.
وبه قال أبو ثور في الغنم، والمتاع، والخرثي، وغير ذلك.
وبه قال النعمان ويعقوب في الغنم، والإبل، والبقر، والثياب كلها مما يستقيم فيها القسم.
وقالوا في الرقيق: لا يقسمون، لأن اختلافه متفاوت.
وكذلك اللؤلؤ، والياقوت، والزُّمُرُّد لا يقسم.
فأما الفضة والتِبْر والذهب فإنه يقسم، والحديد، والنحاس التبر، ولا تقسم الآنية من ذلك.
ويقسم ما كان بالكيل (١) والوزن قليلاً كان أو كثيراً.
ولا يقسم حائط بين اثنين، ولا حمام، ولا حانوت صغير.
قال أبو بكر: وقال أبو ثور: يقسم اللؤلؤ، والجوهر، والياقوت، والزمرد، وجميع الأشياء من الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والصُفْر، وغير ذلك تِبْراً كان أو آنية معمولة.
فما كان يوزن فيوزن، وما كان بالقيمة فبالقيمة.
وهذا الباب كله على هذا يُقوَّم، ثم يُقسم [بحصته] (٢) على قدر المواريث، والله أعلم.
стр. 2809
قال أبو بكر: وقياس [٢/ ٣٤٣/ألف] قول الشافعي- حيث منع في الدور تكون بين جماعة أن يجمع حق كل رجل منهم فيجعل له داراً واحدة، وقال: يعطى من كل دار حصته، ولم ير نقل حق له من دار إلى دار أخرى-: أن يكون له في كل بعير حصته، ولا ينقل حقه من بعير إلى بعير آخر.
ولا يجوز على قياس قوله: قسم شيء مما ذكرته من الحيوان، والجواهر، وسائر الأمتعة.
قال أبو بكر:
(ح ١٧٢٦) وقد قسم النبي ﷺ غنائم حنين (١) وأكثر ذلك كان السبي، والماشية.
فقول من رأى قسم الحيوان وما في معناه، وإجازة ذلك أولى من المنع منه. ولا يكون ذلك إلا بالقيمة.
(ح ١٧٢٧) وقد أقرع النبي ﷺ بين الأعْبُد الستة الذين أعتقهم المريض في مرضه، فميز بالقرعة بين حق العتق وحق الورثة، فأعتق اثنين وأرق أربعة.
١٠ - باب صفة القسم
قال أبو بكر:
م ٥٤٣٨ - كان الشافعي يقول: "إذا قسم أرضاً فيها (٢) أصلٌ أو بناء، أو لا
стр. 2810
أصل فيها ولا بناء، فإنما يقسمها على القيمة لا على الزرع، فيقومها قِيماً، ثم يقسمها"، وبه قال أبو ثور.
وقال أصحاب الرأي: إذا كانت الدار بين رجلين فاقتسماها فيما بينهما مذارعة ذرعها بينهما رجل رضيا به. فإن النعمان قال: هو جائز.
وكذلك قسمة قاسم القاضي إذا قسم بين قوم وأقرع بينهم فإن أبا حنيفة (١) قال: وهو جائز.
وقال أبو حنيفة (٢): القرعة في القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك، وأخذنا بالآثار، والسنة.
وقال أبو ثور: قال بعض الناس يعني (٣) النعمان ويعقوب: يُقَوّم البناء والأرضَون بالقيمة، وكذلك النخل، والشجر.
فإن قُسم (٤)، وجعل على ذلك يأخذ دراهم فحسنٌ.
وإن جعلت القيمة في الدور، فهو أحب إلى، لأن الدراهم تَبَعٌ وليس من الميراث، فيجعل الفضل في الدور والأرضين. جريب (٥) بجريبين (٦)، وذراع بذراعين.
стр. 2811
وقال مالك في الأرض فيها النخل (١): تقسم بالقيمة، فيفضل ما كان أقرب للماء (٢)، لأنه ربما يعذب النخل من الماء وقل الماء، فلم يشرب من النخل إلا ما قرب، يكون هذه التي إلى الماء أقرب مائة نخلة، والتي على إثرها خمسون ومائتان، والتي خلفها [٢/ ٣٤٣/ب] ثلاثمائة، ثم يقسم ذلك بالقيمة.
وقال الشافعي: "يحصي (٣) القاسم أهل القسم ويعلمهم مبلغ حقوقهم، فإن كان فيهم من له سدس، وثلث، ونصف، قسمه على أقل (٤) السُهمان وهو السدس، فجعل لصاحب السدس سهماً، ولصاحب الثلث سهمين.
ولصاحب النصف ثلاثة أسهم، ثم (٥) قسم الدار ستة أجزاء، ثم كتب أسماء السهمان في رقاع من (٦) قواطيس صغار، ثم أدرجها في بندق من طين، ثم دور (٧) البندق، فإذا استوى درجه، ثم ألقاه في حجر رجل لم يحضر البندقة ولا الكتاب، أو حجر صبي أو عبد. ثم جعل السُهمانَ فسماها أولاً، وثانياً،
стр. 2812
وثالثاً، ثم قال: أدخل يدك وأخرج على الأول بندقة واحدة (١) فإذا أخرجها فضّها، فإذا خرج اسم صاحبها جعل له السهم الأول، فإن كان صاحب السدس فهو له، ولا شيء له غيره. وإن كان صاحب الثلث فهو له والسهم الذي يليه، وإن كان صاحب النصف، فهو له والسهمان اللذان يليانه، ثم يقال: أدخل يدك فأخرج بندقة على السهم الفارغ الذي يلي ما خرج، إذا خرج فيها اسم، فهو كما وصفت حتى تنفد السهمان".
١١ - باب الشيء المقسوم يستحق بعضه
قال أبو بكر:
م ٥٤٣٩ - واختلفوا في القوم يقسمون الشيء ثم يستحق بعض ما في يد أحدهم.
فقالت طائفة: ينتقض القسم، هذا قول الشافعي.
قال الشافعي: "ويقال فم في الدين أو الوصية: إن تطوعتم أن تعطوا أهل الدين والوصية أنفذنا القسم بينكم، وإن لم تطوعوا ولم نجد للميت مالاً إلا هذه الدار بعنا منها، ونقضنا القسم".
وقد ذكر ابن القاسم مذهب مالك في الرجلين يقتسمان الدار يأخذ أحدهما الربع والآخر ثلاثة أرباعها، فاستحق من الذي قبض
стр. 2813
الربع نصف ما في يده قال: يرجع على الذي أخذ ثلاثة أرباع الدار بقيمة ربع ما في يديه، ولا تنتقض القسمة.
فإذا استحق من يد كل واحد منهما جل ما في يديه، فالقسمة تنتقض إذا كان الذي يستحق ضرراَّ لَما يِبقى في يديه ويرجع فيقاسم صاحبه ثانية.
وقال أصحاب الرأي: إذا اقتسم الرجلان دارين فأخذ أحدهما داراً، وأخذ الآخر داراً، فهدم [٢/ ٣٤٤/ألف] وأنفق، ثم استحق من الأخرى موضع في حائط، أو مسيل ماء، فإن الذي استحق ذلك من يده بالخيار: إن شاء نقض القسمة كلها وضمنه قيمة ما هدم، وإن شاء لم ينقض القسمة ولم يرجع بشيء، ورضي بما بقي في يديه.
قال أبو بكر: تنتقض القسمة في أصح القولين.
١٢ - مسائل من هذا الكتاب (١)
قال أبو بكر:
م ٥٤٤٠ - إذا قدم الوصي ببينة على الوصية، ولم يحضر خصم وارث ولا غير وارث.
стр. 2814
قُبلتْ بينته، وثبثَتَ وصيتُه. هذا قول أبي ثور. قال: وذلك أن الخصم أكثر حالاته أن يدفع فتقبل عليه البينة، فهو في غيبته كالحاضر يجحد (١).
قال: وهذا قول مالك، وأبي عبد الله يعني الشافعي أنهما يقضيان على الغائب.
قال أبو ثور: قال بعض الناس- يعني النعمان-: إذا لم يحضر خصم وارث للميت، ولاطالب دين، ولا وصية، ولا مطلوب بحق (٢) للميت قبله، فلا ينبغي للقاضي أن يسمع من بينته، ولا يقضي له بالوصية إليه.
م ٥٤٤١ - وقال أصحاب الرأي: لو أن رجلين اقتسما دارا، فوقع الباب لأحدهما، ووقع قسم الآخر في الناحية الأخرى. وليس له طريق يمر فيه، فإن أبا حنيفة (٣) قال: إن كان مفتح (٤): أجزت القسمة وأمرته أن يفتح في ذلك باباً.
وإن لم يكن مفتح (٥): أبطلت القسمة، لأن هذا ضرر، ولا تجوز القسمة عليه.
وهذا قياس قول أبي ثور، لأنه يمنع من الضرر، وإدخاله على أى من الشركاء.
م ٥٤٤٢ - واختلفوا في العُلوِّ والسُفْل.
стр. 2815
فإن أبو حنيفة يقول: يحسب في القسمة للذي أسفل له ذراع بذراعين من العلو.
وقال أبو يوسف: يحسب العلو بالنصف والسفل بالنصف، فينظر: كم جملة ذرع (١) كل واحد منهما فيطرح من ذلك النصف.
وقال محمد: أقسم ذلك على القيمة قيمة العلو وقيمة السفل.
قال أبو بكر: وفي قياس قول الشافعي: لا يجوز للقاسم أن يقسم العلو أو السفل (٢) على ما ذكره الكوفي إلا برضى من الشريكين، فإن كان على غير رضى فلا يجوز ولا يجوز إلا أن يعطي كل واحد منهما من العلو بقدره، ومن السفل بقدره.
قال أبو بكر:
م ٥٤٤٣ - وإذا وقع للرجل ساحة من الأرض [لا بناء فيها] (٣)، ووقع للآخر بناء، فأراد صاحب الساحة أن يبني في ساحته بناء ويرفعه. قال صاحب البناء: تسدُّ عليَّ الريح والشمس فلا أدعك ترفع بناءك. فلصاحب الساحة أن يرفع بناءه ما بدا له، [٢/ ٣٤٤/ب] وليس للآخَرِ أن يمنعه من ذلك لأنه حقُه يصنع فيه ما بدا له.
стр. 2816
وهذا قول النعمان، وصاحبيه، وهو على مذهب الشافعي، وأبي ثور. وبه نقول.
قال أبو بكر:
م ٥٤٤٤ - وإذا اقتسم رجلان دارا على أحدهما أو جميعاً بالخيار ثلاثة أيام.
فالقسمة جائزة في قول النعمان. وكذلك قسمة الحيوان، والعروض، وما يكال، ويوزن.
وفي الغنم، والإبل، والبقر، والرقيق في قياس قول أبي حنيفة.
وفي قول يعقوب ومحمد: الخيار في ذلك سَنَةً جائزٌ.
стр. 2817
١٠١ - كتاب الوكالة
قال أبو بكر:
(ح ١٧٢٨) ثبت الوكالةُ في خبر فاطمة بنت قيس: أنها كانت عند رجل من بني مخزوم، فطلقها ثلاثا وخرج إلى بعض المغازي وأمر وكيلاً أن يعطيها بعض النفقة، فاستقلّتها، فانطلقت إلى إحدى نساء النبي ﷺ ، فدخل النبي ﷺ ، وهي عندها، وذكر باقي الحديث.
(ح ١٧٢٩) وفي حديث عروة بن أبي الجعد الباقي "أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً
يشتري به أضحية أو شاةً، فاشترى به اثنتين، فباع احداهما بدينار، وأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى تراباً لربح فيه".
قال أبو بكر: ولو احتج محتج في إثبات الوكاله بقول الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ الآية: كان مذهباً (١)، لأن الحكام الباعثين بالحكمين يجعلون إليهما أمر الزوجين.
стр. 2818
ألا ترى إلى قول ابن عباس: بعثت أنا ومعاوية حكمين.
يقال: إن الذي بعثهما عثمان بن عفان ﵁.
م ٥٤٤٥ - وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن للمريض العاجز عن الخروج إلى مجلس الحكم (١)، وللغائب عن المصر: أن يوكل كل واحد منهما وكيلاً يطالب له بحقه ويتكلم عنه.
١ - باب وكالة الحاضر الصحيح البدن
قال أبو بكر:
م ٥٤٤٦ - اختلف أهل العلم في وكالة الحاضر من الرجال والنساء.
فقالت طائفة: تقبل الوكالة من الحاضر من الرجال والنساء، في العذر وغير العذر، هذا قول الشافعي.
وذكر أن علي بن أبي طالب وكل عند عثمان عبد الله بن جعفر وعلي بن أبي طالب حاضر، فقبل ذلك عثمان.
وقد كان يوكل قبل عبد الله بن جعفر عقيل بن أبي طالب.
قال أبو بكر: وهذا قول [٢/ ٣٤٥/ألف] ابن أبي ليلى، ويعقوب، ومحمد.
стр. 2819
وقال النعمان: لا يقبل ذلك من المقيم بالبلد إلا برضا من خصمه، إلا أن يكون مريضاً.
وإن كان غائباً فلا يقبل له وكيل إلا أن تكون غيبته مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً، فتقبل منه الوكالة.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، لأنهم كالمجمعين على أن للرجل الحاضر أن يوكل ببيع عبد له أو سلعة، وبشراء ذلك.
وإذا جاز عند جميعهم أن يوكل بالبيع والشراء من شاء، جاز أن يوكل بالخصومة وبقبض الدين، لا فرق بين ذلك.
٢ - باب (١) توكيل الرجل والمرأة، والصبي (٢)، والعبد
م ٥٤٤٧ - واختلفوا في الصبي يُوكَّل بطلب حقوقه.
ففي قول الشافعي: لا تجوز وكالة غير البالغ، ولا المعتوه.
وقال أصحاب الرأي: وكالة الصبي لا تجوز إلا أن يكون الصبيُّ تاجراً، قد أذن له أبوه في ذلك، فيوكّلَ في شيء من تجارته فهو جائز.
م ٥٤٤٨ - وقالوا: إذا وكل الرجل الصبي بالخصومة بعد أن يكون صبياً يعقل، فهو وكيله، فإن قضي عليه بشهادة شهود فهو جائز.
م ٥٤٤٩ - وإن كان الصبيُ ليس بابنه، فليس ينبغي له أن يوكله إلا يإذن الأب.
стр. 2820
قال أبو بكر:
م ٥٤٥٠ - ويجوز أن يوكل الرجل المرأة، والمرأة توكل (١) الرجل.
في قول أصحاب الرأي، وهو (٢) مذهب الشافعي.
وبه أقول.
م ٥٤٥١ - [ويوكل المسلم الذمي، والذمي المسلم. في قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
وبه نقول] (٣).
م ٥٤٥٢ - وكذلك الحر يوكل عبده وعبد غيره بإذن مواليه. في قولهم جميعاً.
م ٥٤٥٣ - والمكاتب مثل العبد في ذلك.
م ٥٤٥٤ - وإذا وكل الرجل زوجته، ثم طلقها ثلاثاً، فالوكاله على حالها. في قول أصحاب الرأي، وهو قياس قول الشافعي.
وله نقول.
م ٥٤٥٥ - وإذا وكل عبده أو عبد غيره بإذن مواليه، ثم باع مولى العبد العبد، بان رضي المشتري أن يكون على الوكاله، كان، وإن لم يرض بذلك لم يجبر على الوكاله.
م ٥٤٥٦ - وإذا وكل المسلم الحربي المستأمن، أو وكل الحربي المستأمن المسلم، فهو جائز.
стр. 2821
م ٥٤٥٧ - وإذا وكل الرجلُ الرجلَ في خصومة، ثم ذهب عقل الذي وكل ذهابا دائماً (١)، فقد خرج الوكيل من الوكالة. وهذا قولنا وقول أصحاب الرأي.
م ٥٤٥٨ - فإن ذهب عقله ساعة، ثم ثاب إليه العقل، أو جن ساعة، ثم أفاق: فقد زالت الوكالة قولنا.
وقال أصحاب الرأي: هو على الوكالة.
فرقوا بين القليل [٢/ ٣٤٥/ب] والكثير منه، ثم قالوا هما في القياس سواء ولا فرق عندي بينهما.
ويلزم الكوفي أن تزول الوكالة إذا ذهب عقله ساعة، ثم أفاق، لأنه ذكر أنه القياس.
م ٥٤٥٩ - وقد أجمع أهل العلم على أن الموكل إذا مات أن وكالة الوكيل تنفسخ بموته.
م ٥٤٦٠ - وأجمعوا جميعاً على أن نومهما، أو نوم أحدهما لا يبطل الوكالة.
٣ - باب إقرار الوكيل على مَن وكله به (٢)
قال أبو بكر:
م ٥٤٦١ - أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرارَ الوكيل الذي
стр. 2822
جعل إليه الموكِّل أن يقر عليه، جائز.
م ٥٤٦٢ - واختلفوا في الرجل يوكل الرجل بخصومة، وأثبت الوكالة عند القاضي، ثم أقر على صاحبه الذي وكله، أن الخصومة التي ادعاها المدعي حق، فكان الشافعي يقول: إقراره باطل، وبه قال
ابن أبي ليلى.
وفيه قول ثان وهو: أن إقراره لا يجوز عليه إلا عند القاضي، وأما عند غيره فلا يجوز. هذا قول النعمان، ومحمد.
وفيه قول ثالث وهو: أن إقراره جائز عند القاضي وغيره، وتُقبل البيّنة عليه بذلك. هذا قول يعقوب.
قال أبو بكر: والقول الأول أصح (١).
٤ - باب الوكالة في الحدود والقصاص
قال أبو بكر:
م ٥٤٦٣ - واختلفوا في التوكيل بطلب القصاص، والحدود، والسلعة ترد بعيب.
فكان النعمان يقول: لا تقبل الوكالة في الحدود، والقصاص، والسلعة ترد بعيب، لأنه لا بد أن يحضر المشتري فيحلف، إذا ادعى الخصم أنه قد رضي.
وحكى الشافعي عن النعمان أنه قال في القصاص والحدود: لا تقبل في ذلك وكالة، وبه يأخذ -يعني يعقوب-.
стр. 2823
وحكى يعقوب عن النعمان أنه قال: أقبل من الوكيل البينة في الدعوى في الحدود، والقصاص، ولا أقيم الحد، والقصاص حتى يحضر المدعي.
وبه قال الشافعي.
وكان ابن أبي ليلى يقبل في ذلك الوكالة.
ووافق بعض أهل النظر ابن أبي ليلى على مذهبه، وقال: لا فرق بين الحدود والقصاص والديون إلا أن يدّعي (١) الخصم أن صاحبه قد عفا، فيوقف عن النظر فيه (٢) حتى يحضرَ.
٥ - باب إثبات الوكالة وليس الخصم بحاضر وغير ذلك
قال أبو بكر:
م ٥٤٦٤ - واختلفوا في إثبات الوكالة، وليس معه خصمٌ حاضر.
ففي قول النعمان: لا تثبت وكالته [٢/ ٣٤٦/ألف]، إلا أن يأتي معه بخصم، وبه قال يعقوب.
وفي قول ابن أبي ليلى، والشافعي: تقبل الوكالة وتثبت وإن لم يكن خصمٌ حاضر.
قول الشافعي، وابن أبي ليلى أصح.
стр. 2824
م ٥٤٦٥ - وأجمع كلُّ مَن نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوكيل إذا أراد أن يوكل به غيره، [وقد (١) جعل الموكل ذلك إليه في كتاب الوكالة: أن له أن يوكل به غيره].
م ٥٤٦٦ - واختلفوا فيه إن لم يكن جعل ذلك إليه.
ففي قول الشافعي والنعمان ويعقوب ليس ذلك له.
وفي قول ابن أبي ليلى: له أن يوكل غيره إذا أراد أن يغيب أو مرض، إذا كان صحيحاً حاضراً فلا
قال أبو بكر: الأول أصح.
م ٥٤٦٧ - وإذا ادعى أنه وكيل لرجل، فصدقه الخصم ودفع إليه مالاً عليه للذي ذكر أنه وكله.
فكان ابن أبي ليلى، والشافعي لا يجبرانه على دفع المال إليه.
وقال النعمان، ويعقوب: يجبر على دفع المال إليه.
قال أبو بكر: قول ابن أبي ليلى أصح (٢).
م ٥٤٦٨ - وإذا وكل الرجل الرجل بكل قليل وكثير.
فإن ابن أبي ليلى كان يقول: إذا باع داراً أو غيرها كان جائزاً.
ولا يجوز ذلك في قول النعمان (٣) والشافعي.
قال أبو بكر: وهذا أصح، لأنه كلام مجهول لا يوقف (٤) على معناه.
стр. 2825
٦ - باب إذا وكله ببيع سلعة فاشتراها من (١) نفسه وغير ذلك
قال أبو بكر:
م ٥٤٦٩ - واختلفوا في الرجل يوكّل ببيع سلعة فيبيعها من نفسه.
ففى قول مالك، والثوري، والشافعي، والنعمان، وأصحابه: البيع باطل.
قال أبو بكر: وكذلك نقول.
م ٥٤٧٠ - وقد روينا عن ابن مسعود أنه قال في رجل أوصى إلى رجل بتركته- وقد ترك فرساً- فقال الوصي: اشتريه؟. قال: لا.
وكان الشافعي والكوفي يجيزان للأب شراء مال (٢) ابنه الطفل من نفسه.
وقد حُكي عن مالك، وعبيد الله بن الحسن أنهما كانا يجيزان بيع الوصي من نفسه، فيما للأيتام فيه حظ.
م ٥٤٧١ - ولا يجوز في مذهب الشافعي أن يبيع الرجل السلعة التي وكل ببيعها من عبده، ولا من أمته، لأن ذلك بمنزلة بيعه من نفسه.
م ٥٤٧٢ - وإذا وكل الرجل ببيع داره، وإجازة عبده رجلين، فباع أحدُهما دون الآخر: فالبيع فاسد في قول الشافعي، والكوفي.
وكذلك نقول.
стр. 2826
والأصل في ذلك: قوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾.
فإن اختلف الحكمان ففرق أحدهما بينهما دون الآخر لم يجز.
م ٥٤٧٣ - واختلفوا في الرجل يأمر الرجلين ببيع شيء، فباعاه [٢/ ٣٤٦/ب] بما لا يتغابن الناس بمثله.
ففي قول مالك، والشافعي، ويعقوب، ومحمد: إذا باعا وحطا من الثمن مالاً يتغابن الناس بمثله (١) فهو باطل.
فإن كانت السلعة قائمة ردت وفسخ البيع.
م ٥٤٧٤ - وإن كانت مستهلكة ففي قول مالك، والشافعي: على الذي قبض السلعة القيمة.
ولا أدري ما يقول الآخران فيه.
وقال النعمان: إذا باعا جميعاً بثمن يسير فإنه جائز، وإن باعا بدرهم شيئاً يساوي ألفاً.
م ٥٤٧٥ - وقال النعمان: إن وكلهما أن يشتريا له شيئاً، فزاد على الثمن مالاً يتغابن الناس في مثله، فإنه يلزمه (٢).
وقال: البيع والشراء في ذلك مختلف، في قول النعمان.
وفي قول يعقوب، ومحمد، هما سواء، لا يجوز على الآمر إلا ما يتغابن الناس في فله.
стр. 2827
وهذا قول الشافعي.
قال أبو بكر:
م ٥٤٧٦ - ولا أعلمهم يختلفون أنه إذا سمى له ثمناً في البيع والشراء، فخالف الوكيل: أن ذلك غير جائز.
م ٥٤٧٧ - وإذا وكله ببيع عبد له، فباع نصفه من رجل، ثم باع النصف الآخر من آخر فهو جائز.
م ٥٤٧٨ - وإن باع نصفه ولم يبع ما بقي.
فإن هذا لا يجوز في قول يعقوب، ومحمد.
ويجوز في قول النعمان.
قال أبو بكر: لا يجوز شيء من ذلك، لأنه لم يأمره ببيع النصف، إنما أمره ببيع الكل. فإذا باع البعض فالبيع باطل، ولو باع الباقي فالبيع أيضاً باطل، لأنه خالفه في الأول والثاني.
ثم ترك النعمان ما قال: فقال: لو أمره أن يشتري له عبداً فاشترى نصفه لم يجز على الآمر.
ففرق بين ما لا يفترق بغير حجة.
٧ - مسائل
قال أبو بكر:
م ٥٤٧٩ - وإذا وكل الرجل ببيع سلعةٍ من السلع فباعها بالأغلب من
стр. 2828
نقد البلد، دنانير كان أو دراهم، فالبيع جائز، لا أعلمهم يختلفون فيه.
م ٥٤٨٠ - فإن باع السلعة بغير الدنانير والدراهم، فقد اختلفوا فيه.
فكان الشافعي، ويعقوب، ومحمد، وأبو ثور يقولون: البيع باطل.
وقال النعمان: البيع جائز بما باعه به مما يكون ثمناً، أجاز ذلك الموكل أو لم يجز له ذلك.
قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول.
م ٥٤٨١ - فإن كان وكله بالبيع، فباع بالدنانير أو الدراهم غير أنه باعه بنسيئة.
فالبيع في ذلك باطل، على قول مالك، والشافعي، ويعقوب، ومحمد، وأبي ثور.
وفي قول النعمان: البيع جائز، أجاز له ما باع به، أو لم يجزه، إذا وكله بالبيع.
قال أبو بكر: بقول مالك أقول.
م ٥٤٨٢ - وإذا وكل الرجل رجلاً بإجارة عبد له في عمل معلوم، فأجره في غير ذلك [٢/ ٣٤٧/ألف] العمل، أو وكله أن يؤاجره من فلان فآجره من غيره، أو أمره أن يبيعه من فلان فباعه من غيره.
فذلك كله باطل غير جائز في قول الشافعي، وأبي ثور.
م ٥٤٨٣ - فإن تلف العبد بيد من قبضه منه فالوكيل ضامن لقيمة العبد. وبه
قال الشافعي، وأبو ثور.
стр. 2829
وكذلك قال النعمان وأصحابه، إلا أنهم قالوا: إن أجر الوكيل العبد في غير العمل الذي أذن له فيه المولى أن يؤاجره فيه: ضمن وكان الأجر له، ويتصدق به.
قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول.
٨ - باب إذا عزل الوكيل وهو لا يعلم وغير ذلك من مسائل (١)
قال أبو بكر:
م ٥٤٨٤ - واختلفوا في الرجل يوكل الرجل بالخصومة، ثم عزله عنها بغير علم منه ولا محضره، ثم قضي الوكيل، فجاء ببينة تشهد أنه عزله عن الوكالة غير أنه لم يحضره ولم يعلم به.
ففي قول النعمان وأصحابه القضاء ماض نافذ على الوكيل.
وقال الثوري، وأحمد، وإسحاق: إذا باع ولم يعلم برجوعه فالبيع جائز، وإن علم برجوع الموكل عن ذلك لم يجز بيعه.
وفيه قول ثان وهو: إن الوكالة تنفسخ وإن لم يعلم، ولا يجوز مما قضي عليه ولا بيع (٢).
م ٥٤٨٥ - واختلفوا في الرجل يوكل الرجل بقبض عبد له، وتثبت الوكالة، فادعى العبد العتق، وأقام على ذلك البينة.
стр. 2830
فالذي يجب: أن ينفذ عتقه، ويكون المولى (١) على حجة إن كانت له إذا حضر.
هذا مذهب من يرى القضاء على الغائب.
وقال أصحاب الرأي: لا يدفعه إلى الوكيل، ولا نقضي بالعتق، ولكنا نوقفه (٢)، لأنه لم يوكله بالخصومة في ذلك، إنما وكله بقبضه.
م ٥٤٨٦ - وكذلك لو وكله بإخراج امرأة له، فأقامت المرأة البينة أن زوجها طلق ثلاثاً.
م ٥٤٨٧ - وكذلك لو وكله بقبض دار له، فأقام الذي في يده الدار البينة أنه اشتراها من الذي وكله.
هذا قول النعمان.
م ٥٤٨٨ - قال: ولو وكله بقبض دين له، فأقام الغريم البينة أنه قد أوفاه الطالب، قال أقبل ذلك منه.
وقال يعقوب: أوقف ذلك كله: الدين وغيره.
قال أبو بكر: والذي أقول به في المرأة: أن يثبت الحاكم بينتها ويحكم بطلاقها، ويجعل الزوج على حجته إذا حضر.
ويدع الدار في يد من هي في يده.
ويبرئ الغريم من الدين. وكل من له حجة فعلى حجته إذا حضر.
стр. 2831
٩ - باب بيع الوكيل سلعة فيها عيب
قال أبو بكر:
م ٥٤٨٩ - وإذا باع الوكيل عبداً أو سلعة من السلع، فظهر للمشتري فيها عيب (١)، [٢/ ٣٤٧/ب] وأقام البينة أن الوكيل باعها وبها ذلك العيب، ولم يبرأ منه إليه، فرد القاضي البيع وألزم الوكيل رد الثمن: لزم الأمر رد الثمن ورجعت السلعة إليه. ولم يلزم المشتري شيء من ذلك، في قول كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
م ٥٤٩٠ - وإن لم يقم بينة وأراد المشتري يمين الوكيل فلم يحلف، فحلف المشتري، فإنها ترد ويلزم الثمن الآمر.
وأصحاب الرأي يلزمون الوكيل رد الثمن بالنكول دون يمين المشتري.
قال أبو بكر:
م ٥٤٩١ - وإن كان الوكيل البائع أبرأ المشتري من الثمن، أو وهبه له، أو اشترى به منه متاعاً، أو كان الثمن دنانير فأخذ بها دراهم، أو كانت دراهم أخذا بها دنانير، أو أخره به إلى وقت من الأوقات.
فذلك كله باطل لا يجوز، لأنه فعل ذلك فيما لا يملكه، وهو مال قد وجب للآمر الموكل على المشتري، وليس للوكيل فيه شيء، ما فيه فباطل مردود، ولا يجوز من ذلك كله شيء.
стр. 2832
م ٥٤٩٢ - ولا أعلمهم يختلفون في رجل وكل رجلاً بقبض دين له على آخر، فأبرأ الوكيل الغريم من الدين الذي عليه: أن ذلك غير جائز، لأنه لا يملكه.
ولا فرق بين هذا وبين ثمن سلعة للموكل على المشتري.
وهذا قال يعقوب.
وقال النعمان (١)، ومحمد: كل ذلك جائز، والوكيل ضامن للثمن.
١٠ - باب الوكالة في شراء ما يجوز وما لا يجوز، ووكالة الوصي
قال أبو بكر:
م ٥٤٩٣ - وإذا وكل الرجل الرجل أن يشتري جارية، أو عبداً: فلا يجوز ذلك في قول أصحاب الرأي. قالوا: لأن العبيد، والجواري مختلفون.
م ٥٤٩٤ - فإن وكله أن يشتري له عبداً مولداً، أو حبشياً، أو سندياً، أو سمى جنسا من الأجناس، فإن ذلك جائز عندهم، وكذلك الجارية.
فإن لم يسم جنسا من الأجناس، وسمى الثمن، فإن ذلك جائز أيضاً.
وتسمية الثمن، وتسمية الجنس سواء.
م ٥٤٩٦ - إذا وكله بشراء جارية وسمى جنساً وثمناً، فاشتراها له عمياء، أو عوراء، أو مقطوعة اليدين، أو الرجلين، أو إحداهما، أو مقعدة.
فإن أبا حنيفة قال في ذلك: هو جائز على الآمر.
стр. 2833
وفي قول يعقوب، ومحمد: لا يجوز من ذلك العمياء، والمقعدة، والمقطوعة اليدين أو الرجلين.
ولا يجوز القطعاء اليد والعوراء إذا اشتراها بمثل ثمنها، أو ما يتغابن الناس فيه.
م ٥٤٩٧ - وكان مالك يقول: إذا أمر الرجل الرجل أن يشتري له جارية بأربعين، فيزيد الدينار والدينارين قال مالك: ذلك جائزٌ لازمٌ للآمر.
والزيادة عند مالك بقدر ما يرى أنها تكون في تلك السلعة، وفي ذلك الثمن.
قال أبو بكر: وقياس قول الشافعي أن الآمر لا يلزمه ذلك، والشراء يلزم الوكيل لأنه خالف ما أمر به الموكل [٢/ ٣٤٨/ألف].
م ٥٤٩٨ - ولو أن الموكل قال- بعد ما اشتراه بزيادة على الثمن الذي أمر به-: قد رضيت به.
لم يلزم ذلك عند الشافعي. لأن الشراء لزم الوكيل لما خالف ما أمر به.
م ٥٤٩٩ - وإذا وكل وصي الأب وكيلين ببيع أو شراء فاشترى أحد أو باع:
لم يجز في قول أصحاب الرأي، والشافعي.
وبه نقول.
م ٥٥٠٠ - وإذا وكل الأب في مال ابنه الطفل وكيلاً ببيع أو شراء أو غير ذلك، ثم مات الأب: انتُقِضَتْ الوكالة، وليس في هذا اختلاف.
стр. 2834
١١ - باب الوكالة في بيع عبدين
قال أبو بكر:
م ٥٥٠١ - وإذا وكل الرجل الرجل ببيع عبدين له بألف درهم، فباع أحدهما بأربعمائة درهم.
فالبيع باطل، لأنه لم يبعهما بألف درهم كما أمره به.
وقال النعمان، وأصحابه: إن كان الأربعمائة حصته من الألف فالبيع جائز، وإن كان أقل من ذلك لم يجز البيع.
م ٥٥٠٢ - وإن لم يكن سمى له ثمناً، فباعه بأقل من الثمن الذي يساوي: فهو جائز- في قول النعمان- وإن باعه بدرهم.
ولا يجوز في قول أبي يوسف، ومحمد إلا أن يبيعه بما يبيع به الناس.
قال أبو بكر: وهذا أصح.
١١ - باب الوكالة في بيع الخمر، والخنزير، ومسائل
قال أبو بكر:
م ٥٥٠٣ - وإذا وكل المسلم الذمي ببيع خمر، أو خنزير، أو وكل الذمي المسلم ببيع خمر أو خنزير: فإن الوكالة في ذلك كله غير جائزة، لأن الخمر والخنزير لا يجوز بيعهما، ولا شراؤهما، ولا تنعقد الوكالة في شيء من ذلك، لأنه حرام على المسلمين.
стр. 2835
وقال النعمان: إذا وكل الذمى المسلم ببيع خمر أو خترير، فباعه من ذمي فإنه لا يجوز من قبل أن المسلم هو ولي بيعه.
قال أبو بكر:
٥٥٠٤ - ولو كان الآمر مسلماً، والمأمور ذمياً، والمشتري ذمياً، جاز البيع وكانت العهدة على الأمور ويرجع بها على الآمر، في قول النعمان.
وقال يعقوب، ومحمد: لا يجوز البيع لأن الخمر للآمر المسلم.
م ٥٥٠٥ - وإذا وكل الرجل صبياً لم يبلغ، أو محجوراً عليه في بيع أو شراء، فباع أيهما باع منهما أو اشترى، فالشراء لا يجوز ولا البيع.
م ٥٥٠٦ - وإن وكل الرجل عبدا له بالبيع والشراء، فبيعه وشراؤه جائز.
م ٥٥٠٧ - وإن وكل عبدا لغيره بأن يبيع ويشتري، فإن كان أذن له مولاه في ذلك فبيعه وشراؤه جائز. وإن لم يكن ذلك باذن سيده، لم يجز بيعه ولا شراؤه، لأنه في أكثر من حال المحجور عليه.
م ٥٥٠٨ - وقال أصحاب الرأي: إذا وكل صبياً بالبيع والشراء وكان ذلك بإذن أبيه فهو جائز.
قال أبو بكر: ولا يجوز ذلك عندي.
قال أبو بكر:
٥٥٠٩ - وإذا وكل الرجل وكيلا ببيع أو شراء، فالوكيل مؤتمن، فإن هلكت السلعة عنده فلا [٢/ ٣٤٨/ب] ضمان عليه، ولو غصب ما في يديه غاصب فكذلك.
م ٥٥١٠ - فإن كان الموكل وكله بقبض الثمن فله أن يقبض الثمن، فإن هلك الثمن عنده فلا شيء عليه.
стр. 2836
وإن لم يكن جعل عليه قبض الثمن، فقبض الثمن، فتلف عنده، فهو ضامن، لأنه تعدى فقبض ما ليس له أن يقبضه، ولا يبرأ المشتري من الثمن، وللموكل أن يطالب المشتري بالثمن إذا ثبتت البينة أن السلعة للموكل.
م ٥٥١١ - فإن ادعى المشتري أنه جعل قبض الثمن إلى الوكيل حلف، ولم يبرأ المشتري من الثمن حيث دفعه إلى مَنْ لم يؤمرْ بدفعه إليه.
١٣ - باب اختلاف الوكيل والموكل في الثمن ومسائل (١)
قال أبو بكر:
م ٥٥١٢ - وإذا وكل رجل رجلاً ببيع عبد له، فقال الوكيل: أمرتني أن أبيعه بخمسمائة درهم. وقال الموكل: ما أمرتك أن تبيعه إلا بألف.
فالقول قول الموكل مع يمينه إذا لم تكن بينة تشهد على ما ذكره أحدهما، وهذا على مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي.
وقال ابن القاسم: إن باع السلعة بعشرة وادعى الوكيل ذلك، وقال الآخر: ما أمرتك إلا بأحد عشر أو أكثر، قال مالك: إن ادركت السلعة حلف الآمر، وكان القول قوله. وإن فاتت حلف المأمور أنه أمره بذلك، ولا شيءَ عليه.
стр. 2837
قال أبو بكر: القول الأول صحيح، ولا أعلم مع مالك (١) حجةً فيما ذكروا (٢).
م ٥٥١٣ - وإذا وكل رجل رجلاً ببيع عبد له، فقال الموكل: قد أخرجتك من الوكالة، وقال الوكيل: قد بعته أمس، فإن ثبتت بينة أنه باعه أمس كما ذكر ثبت البيع، وإن لم يكن له بينة لم يجز
البيع، لأنه ادعى بعد أن عزل عن الوكالة أنه باعه فلا تقبل دعواه.
م ٥٥١٤ - وإذا أمره بيع العبد، وأمره بالإشهاد على البيع، فباع ولم يشهد، فالبيع جائز، في قول أصحاب الرأي، وهو قياس قول الشافعي- إذا كان البيع بالنقد- لأن الإشهاد عندهم ليس بفرض، وهو نَدْب.
م ٥٥١٥ - وإن وكله أن يبيعه برهن فباعه بغير رهن.
فالبيع فاسدٌ في قول الشافعي، وقولهم.
وبه نقول.
م ٥٥١٦ - وكذلك إذا وكله أن يبيعه بنسيئة بكفيل، فباعه بغير كفيل: فالبيع باطلٌ في قولهم جميعاً.
وكذلك نقول
стр. 2838
م ٥٥١٧ - وإذا اختلف الموكل [٢/ ٣٤٩/ألف] والوكيل في الرهن والكفيل، فقال الوكيل: لم تأمرني برهن ولا كفيل. وقال الموكل: بل أمرتك بذلك.
فالقول قول الموكل مع يمينه ويفسخ البيع.
م ٥٥١٨ - وإذا أمره أن يبيعه من رجل، فباعه من رجل آخر: لم يجز البيع في قولهم جميعاً.
وبه نقول.
م ٥٥١٩ - وإذا باعه من ذلك الرجل ومن آخَرَ.
جاز ذلك النصف لذلك الرجل، ولا يجوز النصف الآخر في قياس قول أبي حنيفة (١).
ولا يجوز في قول يعقوب، ومحمدٍ.
وكذلك نقول.
م ٥٥٢٠ - وإذا وكله ببيع عبد له، فباعه من رجل لم يره، ووصفه له، ففي هذه المسألة أقاويل.
أحدها: أن البيع جائز، وللمشتري خيارُ الرؤية، هذا قول أصحاب الرأي.
والقول الثاني: أن البيع فاسد، هذا آخر (٢) قولَيْ الشافعي، وبه يقول أكثر أصحابه.
والقول الثالث: أن البيع جائز، فإن وجد المشتري العبدَ كما وصف له
стр. 2839
فلا خيارَ له، وإن لم يجده كما وصف له فهو بالخيار، هذا حفظي عن أبي ثور أنه قال ذلك.
وهذا أصح، لأنه بيع جائز، لدخوله في جملة قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
ولأنهم كلَّهم أجازوا البيع، بالصفة في باب السلم، فلزمهم ذلك فيما كان مثله والله أعلم.
وللشافعي قول ثانٍ يوافق أهل الكوفة.
م ٥٥٢١ - وإذا وكل الرجل الرجل يبيع عبد له، فباعه من ابن الآمر، أو من أبيه، أو من أمه، أو من أخته، أو من زوجته، أو من خالته، أو من عمته: فالبيع جائز، ولا أعلمهم يختلفونَ فيه.
م ٥٥٢٢ - واختلفوا فيه إن باعه من عبد الآمر.
ففي قول الشافعي، والكوفي: البيع باطل، إلا أن يكون على العبد دينٌ فإنه يجوز [بيعه] (١) في قول النعمان، وأصحابه، وإن لم يكن عليه دينٌ فإنه لا يجوز.
وفي قول مالك: بيعه من عبد الآمر جائز، كان عليه دين أو لم يكن، لأنه يرى أن العبيد يملكون.
والشافعي، والكوفي لا يريان للعبيد ملكاً.
٥٥٢٣ - وإذا وكل الرجل رجلاً ببيع عبد له ودفع العبد إليه. فقال الوكيل:
стр. 2840
قد بعته من فلان وقبضت منه الثمن، وسلمت العبد إليه وهلك والثمن مني، وادعى ذلك المشتري.
فالقول قول الوكيل مع يمينه، في قول أصحاب الرأي.
وقال الشافعي- "في كتاب الصرف"-: إذا وكله ببيع طعام له، فهو بنقد لا بدين فإن قال: قد بعته وهلك الثمن، أو: هرب المشتري، فصدقه البائع: فهو كما قال. وإن كذبه فعليه البينة أنه باعه".
م ٥٥٢٤ - وإذا وكل الرجل الرجل ببيع عبد له، ثم إن الموكل باع العبد، أَوْ دبره أو وهبه، وأقبضه الموهوب له، أو كاتبه، أو تصدق به وقبض منه، أو أجَّره، أو كانت أمة فوطئها فولدت منه أم لم تلد.
فإن ذلك كله نقض للوكالة ما خلا الوطء إذا لم تلد، وما خلا الإجارة، والرهن، وكذلك الخدمة لا تنقُضُ الوكالة. هذا قول أصحاب الرأي.
قال أبو بكر: التدبير لا ينقض الوكالة، لأن بيع المدبر جائز.
وقد بينته في كتاب المدبر.
وكذلك الإجارة والوطء: إذا لم تحمل أو تلد. وكذلك الخدمة.
وأما البيع، والهبة إذا أقبضها الموهوب له، والكتابة، والصدقة المقبوضة، والرهن المقبوض. إذا فعل -أي ذلك فعل- فقد نقض الوكالةَ.