ثالثاً- السِّينُ:
تقدَّم أنَّ السِّينَ لا تقاس زيادتها إلاَّ في صيغة (الاسْتِفْعَالِ) وما تصرَّف منها. ولا تطَّرد في غير ذلك؛ كمجيئها زائدة في (سَنبَسَ) على رأي من جعلها (سَفْعَلَ) من (النَّبْسِ) ١.
ومنه قولهم: (أسْطَاعَ يُسْطِيعُ) على مذهب سيبويه٢ فتقديره (أَسْفَعَلَ) ٣ من: أَطَاعَ يُطِيعُ، وقد زيدت السِّين عوضاً من حركة عين الفعل؛ لأنَّ أصل: أَطَاعَ: أَطْوَعَ؛ فنُقِلت فتحةُ الواو إلى ما قبلها؛ فصار (أَطْوَعَ) فقُلِبت الواو ألفاً؛ لتحرُّكها في الأصل، وانفتاح ما قبلها٤.
واعترض المبرِّد ٥ على ذلك بأنَّ التَّعويض يكون للشَّيء المفقود، فأمَّا إذا كان موجوداً في اللَّفظ فلا، وحركة العين الَّتي كانت في الواو موجودةٌ في الطَّاء؛ فلا وجه للتَّعويض؛ لأنَّ الحركة لم تذهب من الكلمة. وليس الأمر كما ظنَّ المبرِّد؛ لأنَّ مراد سيبويه أنَّ التَّعويض وقع لذهاب الحركة من نفس العين؛ لا من ذهابها أصلاً٦.
وما ذهب إليه سيبويه صحيحٌ؛ لأنَّهم لمَّا نقلوا حركة العين إلى الفاء
стр. 212
السَّاكنة، وقلبوا العين ألفاً – لحقَ الكلمةَ توهينٌ وتغييرٌ، وصار الحرف معرَّضاً للحذف إذا سُكِّن ما بعده، في قولهم: أَطِعْ؛ فعُوِّضَ السِّين من هذا القدر من التَّوهينِ؛ وهو تعويض جوازٍ لا وجوب١؛ فلا يعترض - حينئذٍ - بنحو: أَقَامَ وأَقِمْ.
وقال الفرَّاءُ: "توهَّموا أنَّ قولهم: أَسْطَعْتُ (أَفْعَلْتُ) لأنَّه بوزنه"٢.
وحمل ابنُ جِنِّي٣ وابنُ عُصْفُورٍ٤ كلامه على أنَّ مراده أنَّ أصله: (اسْتَطَعْتُ) فلمَّا حذفت التَّاء بقي على وزن (إسْفَلْتُ) ٥ فَشُبِّهَ بـ (إفْعَلْتُ) ففُتحتْ همزته وقُطعتْ، فكأنَّه (أَفْعَلْتُ) .
قال ابنُ جِنِّي: "وهذا غير مرضيٍّ عندنا من قوله؛ وذلك أنَّه قد اطَّرد عنهم إسْطَعْتُ بكسر الهمزة، وكونِها همزة وصلٍ؛ فهذا يدلّ على أنَّهم إذا أرادوا اسْتَفْعَلْتُ وحذفوا التَّاء؛ وهم يريدونها، بَقَّوا الهمزة موصولةً
стр. 213
مكسورةً بحالها قبل حذف التَّاء"١.
ويقوِّي مذهب سيبويه قولهم: (أَهْرَقْتُ) فالهاء –على رأي من جعله من (ر ي ق) بمثابة السِّين في (أسْطَعْتُ) . ومن الزِّيادات غير المطَّردة في آخر الكلمة قولهم: (خَلْبَسَ قلبَهُ) أي: فَتَنَه، وذهب به؛ فالسِّين زائدةٌ، ووزنه (فَعْلَسَ) من (خَلَبَ) ٢.
رابعاً- اللاَّمُ:
تقدَّم أنَّ الزِّيادة تطَّرد في اسم الإشارة، نحو (ذلك) وما أشبهه، ولا تطَّرد فيما عداه. ومن زيادتها غير المطَّردة (زَيْدَلٌ) و (الفَحْجَلُ) وهو الَّذي في رجليه اعوجاج، ووزنهما (فَعْلل) بزيادة اللاَّم الثَّانية، ويدلّ على ذلك أنَّها من (زَيدٍ) و (الفَحْجِ) ٣.
واختلفوا في (الهَيْقَلِ) وهو الظَّلِيمُ، و (الطَّيْسَلِ) وهو الكثير من كلِّ شيءٍ، و (الفَيْشَلَةِ) وهي رأس الذَّكَرِ؛ فقال بعضهم: إنَّ اللاَّمَ أصلٌ في كلِّ ذلك، والياء زائدةٌ.
وقال بعضهم: إنَّ الياء أصلٌ، واللاَّمُ هي الزَّائدةُ ٤.
стр. 214
خامساً- الميمُ:
لا تطَّرد زيادة الميم في الأفعال، وقد زيدت فيها شذوذاً؛ كقولهم: (تَمَسْكَنَ) الرَّجلُ، وهو من: المَسْكَنَةِ، و (تَمَدْرَعَ) وهو من: المِدْرَعَةِ، و (تَمَنْدَلَ) وهو من: المِنْدِيلِ، و (تَمَنْطَقَ) وهو من: المِنطَقَةِ، وكلُّ ذلك (تَمَفْعَلَ) ١.
وحُكيَ٢ أيضاً: (مَرْحَبَكَ) اللهُ؛ وهو من: الرَّحْبِ، و (مَسْهَلَكَ) وهو من: السَّهْلِ، والميم فيهما زائدة.
ولا تطَّرد –أيضاً- في حشو الكلمة؛ إذ لا ترد في ذلك الموضع إلاَّ في كلماتٍ محصورة؛ مثل قولهم: دِرْعٌ (دُلامِصٌ) بمعنى: برَّاقٍ، ومثله (دُمَالِصٌ) ووزنهما (فُعَامِل) و (فُمَاعِل) وهو مذهب الخليل٣، و (قُمَارِصٌ) بمعنى: قارِصٍ ٤.
وذهب الأصمعيُّ٥ إلى أنَّ ميم (هِرْمَاسٍ) وهو الأسد زائدة؛ لأنَّه من (الهَرْسِ) وهي أصليَّةٌ عند ابنِ عُصفُور٦، وليست من (الهَرْسِ) بل مرتَجَلةٌ ارتِجَالاً.
стр. 215
وزيدت الميم آخراً في عدد من الكلمات غيرِ قليلٍ١؛ نحو (زُرْقُمٍ) و (دِلْقِمٍ) و (دِرْدِمٍ) و (سُتْهُمٍ) وغيرها، غير أنَّ تلك الزِّيادة لم تصل إلى حدِّ الاطِّراد؛ فزيادتها في ذلك الموضع شاذَّةٌ عند العلماء٢.
سادساً- النُّونُ:
زيدت النُّون أوَّلاً بغير اطِّراد في بعض الكلمات المعدودة، منها قولهم: (نِفْرِجُ) القلبِ، و (نِفْرِجَةٌ) إذا كان جباناً غير ذي جَلاَدةٍ وحزمٍ؛ في قول الشاعر:
نَفْرِجَةُ القَلْبِ قَلِيلُ النَيْلِ ... يُلْقَىَ عليه النَّيْدُلاَنُ٣باللَّيْلِ٤
وهو من: الفَرْجِ، لقولهم: رجلٌ أفْرَجُ، وفُرُجٌ؛ وهو الَّذي لا يكتم سِرًّا، قال ابن جِنِّي: "هو في معنى نِفْرِجَةٍ، ومثاله: نِفْعِلَة"٥.
ومن ذلك زيادتها في (نَفَاطِير) وهي بَثْرٌ تخرج في وجه الغلام والجارية، و (نَخَارِيب) وهي خروق كبيوت الزَّنانير، واحدها (نُخْرُوبٌ) .
стр. 216
ولا تطِّرد ثانية في غير (انْفَعَل) فإن دلَّ دليل على زيادتها في نحو (جُنْدَبٍ) و (عُنصَرٍ) و (قُنبَرٍ) فهي زائدة؛ لأنَّ بناء (فُعْلَل) لم يثبت عند البصريِّين؛ فحكموا على النُّون بالزِّيادة.
ولا تطَّرد ثالثةً متحرِّكةً؛ فهي أصلٌ، وشذَّ من ذلك (فِرْنَاسٌ) وهو من أسماء الأسد، و (ذُرْنُوحٌ) وهي دويبَّة صغيرة، والنُّون فيهما زائدةٌ؛ عند بعض العلماء١.
سابعاً- الهَاءُ:
زيدت الهاء بغير اطِّراد في أوَّل الكلمة في مواضع؛ منها: (هِجْرَعٌ) و (هِبْلَعٌ) لأنَّهما من (الجَرْعِ) و (البَلْعِ) وفي (هِرْكَوْلَةٍ) وهي المرأة الجسيمة؛ وهو من (الرَّكْلِ) ٢.
وزيدت حشواً –بغير اطِّراد- في قولهم: أُمَّهَةٌ –بمعنى الأُمِّ- وأُمَّهَاتٌ، ووزنهما (فُعْلَهَةٌ) و (فُعْلَهَاتٌ) ويدلُّ على زيادة الهاءِ، قولهم: (أُمّ بَيِّنَةُ الأُمُومَةِ) .
وأجاز بعضهم٣ أن تكون (أُمَّهَةٌ) (فُعَّلَةٌ) بأصالة الهاء –بمنزلة (أُبَّهَةٍ) و (تُرَّهَةٍ) .
стр. 217
ثامناً- الوَاوُ:
الواو والياء والألف أمَّاتُ الزَّوائد؛ كما سبق بيانه في المبحث السَّابق١؛ فليس غريباً أن يكثر اطِّرادها في الزِّيادةِ، ويندر زيادتها بغير اطِّراد، وقد اختلفوا في واو (سُرَاوِع) وهو موضعٌ بالحجاز، في قول الشَّاعر:
عَفَا سَرِفٌ من أَهْلِهِ فَسُرَاوِعُ ... فَوَادِي قُدَيدٍ، فالتّلاعُ الدوافِعُ٢
وقد ذهب أبو حَيّان٣ إلى أنَّها زائدة؛ فوزنها (فُعَاوِل) وتابعه السُّيوطيُّ٤.
وذهب ابنُ عُصفور٥ إلى أصالة الواو، وأنَّ وزنها (فُعَالِل) .
ولكلٍّ من المذهبين ما يؤيِّده؛ فمن ذهب إلى زيادة الواو استند إلى أنَّ الواو لا تكون أصلاً في بنات الأربعة. ومن ذهب إلى أصالتها استدلَّ بعدم النَّظير في (فُعَاوِل) ووجود (فُعَالِل) فجعل الواو فيه كالواو في (وَرَنتَلٍ) وهو الشَّرُّ والأمر العظيم؛ فالواو فيه أصليَّةٌ؛ على الرغم من أنها في الرّباعيّ.
стр. 218
تاسعاً- الألف:
تكاد الألف تكون مقيسة في كل ما زيدت فيه، غير أنّها قد تقلّ زيادتها في بعض المواضع،كأن تكون سابعة -مثلاً- في نحو: أُربَعَاوَى.
عاشراً- الياء:
لا تطّرد زيادة الياء أوّلاً؛ إذا كان بعدها أربعةُ أصولٍ؛ فقد ذهبَ ابنُ دريد١ إلى أنّ الياء في (يَسْتَعُور) وهو شجر تصنع منه المساويك، زائدة؛ وهي - عنده - على وزن (يَفْتَعُول) .
وما ذهب إليه ابن دريد مخالف لمذهب الجمهور، ومن هنا قال ابن خالويه: "ليس أحد يقول: يَسْتَعُور (يَفْتَعُول) إلاّ ابن دريد؛ لأنّه عند النّحويين ليس في كلام العرب، وإنّما هو عندهم (فَعْلَلُول) مِثل: عَضْرَفُوط"٢.
стр. 219
الفَصْلُ الثَّالثُ: مقاييس التَّفريقِ بينَ الأُصُولِ
تتفاوت الأصول في تداخلها بين الوضوح والغموض؛ وثَمَّة كلماتٌ تعمِقُ وتَدِقُّ؛ فتخفى أصولها - أوَّلَ وهلةٍ - على المختصِّين، وعلى أكثر العلماء دُربةً ودرايةً بأصول العربيَّة.
ومن هنا نشأت الحاجة في وقتٍ مبكِّرٍ إلى وضع مقاييسَ للتَّفريق بين الأصول؛ فجاءت في إشارات متفرِّقة في كتاب سيبويه، ومن جاء بعده، ثمَّ جُمعتْ على أيدي بعض العلماء، بعد القرن الرَّابع؛ فأوجزوها في سبعة أدلَّةٍ أو ثمانية١. وفيما يلي بيان لأهم الأدلَّة أو المقاييس، وتفصيلٌ لما استُنبط، أو جُمع ممَّا تناثر من كلام الأئمّة المتقدِّمين.
أوَّلاً- الاشتِقَاقُ:
يُعدُّ الاشتقاق من أهمِّ المقاييس أو الأدلَّة الّتي تُمَيَّزُ بها الأصول؛ بعضُها من بعضٍ، إن لم يكن أهمَّها على الإطلاق. والّذي أثبته الجمهور هو الاشتقاق الأصغر؛ وهو شقُّ كلمة من كلمةٍ، مع الحفاظ على أصلَي اللّفظ والمعنى، وترتيب الحروفِ؛ كَضَرَبَ يَضْرِبُ فهو ضَارِبٌ لا مَضْرُوبٌ من (الضَّرْبِ) ودَحْرَجَ يُدَحْرِجُ فهو مُدَحْرِجٌ لا مُدَحْرَجٌ من (الدَّحْرَجَةِ) .
وكان سيبويه يأنس بالاشتقاق، وكثيراً ما يعوِّل عليه في التَّعرِّف على الأصول، وتمييزها من الزَّوائد؛ كقوله: "وممَّا جعلتُه زائداً بثبتٍ:
стр. 220
العَنسَلُ؛ لأنَّهم يريدون العُسُولَ. والعَنبَسُ؛ لأنَّهم يريدون العُبُوسَ. ونونُ عَفَرْنَى؛ لأنَّها من العَفْر؛ يقال للأسد عَفَرْنَى. ونونُ بُلَهْنِيَةٍ؛ لأنَّ الحرف من الثلاثة، كما تقول: عَيْشٌ أبْلَهُ. ونونُ فِرْسِنٍ؛ لأنَّها من فَرَسْتُ. ونونُ خَنفَقِيقٍ؛ لأنَّ الخَنْفَقِيقَ الخفيفةُ من النِّساءِ الجريئَةُ؛ وإنَّما جُعلت من خَفَقَ يَخْفِقُ كما تَخْفِقُ الرِّيحُ"١.
وكان ابنُ مالكٍ لا يقدِّم على الاشتقاق شيئاً، ويقول: "الاشتقاق إذا ظُفِرَ به رُجِّحَ على غيره من الأدلَّةِ"٢. ومن ثَمَّ استدلَّ على أصالة نونِ (رُمَّانٍ) ؛ لثبوتها في قولهم: (أرضٌ مَرْمَنَةٌ) للبُقْعَةِ؛ الّتي يكثر فيها الرُّمَّان؛ فهي عنده من (ر م ن) ولا يَعبأ بمذهب سيبويه٣ فيها؛ إذ جعلها من (ر م م) بزيادة النُّون؛ حملاً على الأكثر.
وقال ابن مالك معقِّباَ على مذهب سيبويه: "ولو كان الأمر كما قال، لقيل: مَرَمَّةٌ لا: مَرْمَنَةٌ"٤.
ويستدلُّ بالاشتقاق - أيضا ً- على زيادة همزة (الثُّدَّاء) وهو نبتٌ في البادية، يقال له (المُصَاصُ) و (المُصَّاخُ) ٥ بقولهم: أَثْدَتِ الأرضُ وثَدِيَتْ؛ إذا أنبتت الثُّداءَ. ومنه قضاؤهم على نونِ (رَعْشَنٍ) بالزِّيادة؛ لقولهم: رَعْشَاءُ في
стр. 221
معناه؛ فوزنه (فَعْلَن) ١.
واستدلُّوا على أنَّ (العُنْظُوانَ) وهو شَجَرٌ - من (ع ظ ي) وليس من (ع ظ ن) أو (ع ن ظ) أو (ع ن ظ ن) بقولهم: عَظِيَ البعيرُ عَظاً، فهو عَظٍ؛ إذا تأذَّى من أكل (العُنْظُوان) ٢.
وقضوا على ميم (الشَّدْقَمِ) بالزِّيادة، وأنَّه من (ش د ق) لا (ش د ق م) لأنَّه بمنزلة (الأشدَقِ) وهو العظيم الشِّدْقِ ٣. وممَّا يدلَّ على أنّ أصل (التَّألَبِ) وهو الحمار (أل ب) وليس (ت أل ب) أو (ت ل ب) قولهم: أَلَبَ الحمارُ أَتُنَهُ يَألِبُهَا؛ إذا طردها٤.
على أنَّه ينبغي أن يحذر كلَّ الحذر من التَّسليم المطلق للاشتقاق في تمييز الأصول؛ فثَمَّةَ ما يعكِّرُ صفوَه؛ وهو توهُّمُ أصالة الحرف الزَّائد؛ كما سبق به البيان في أنَّهم يقولون: تَمَسْكَنَ وتَمَدْرَعَ وتَمَنْدَلَ ونحو ذلك، والميم فيها زائدة، وقد توهَّموا أصالتها؛ فبنوا عليها الأفعال.
ومن هنا ندرك أنَّ استدلال ابن مالك على أصالة النُّون في (الرُّمَّانِ) بقولهم: أرضٌ (مَرْمَنَةٌ) واحتجاجه به على سيبويه –لا يخلو من مطعن. وثمَّة نوع من الاشتقاق من الممكن أن يُؤنس به؛ وهو الاشتقاق الأكبر؛ الّذي أثبته ابن جِنِّي ٥، وكان أبو عليٍّ الفارسيُّ يأنس به في بعض الأصول؛ وهو عَقْدُ تقليبات الكلمة على معنى واحدٍ؛ نحو: (جَبَرَ)
стр. 222
فكيف قلَّبتَها دلَّت على القوَّة والشِّدَّة.
وجعل عبد الله العلايليِّ هذا النَّوع من الاشتقاق وسيلة لمعرفة الأصول؛ فـ (المَحَارَةُ) وهي الصَدَفَةُ - من (م ح ر) وليست من (ح ور) كما فعل الجوهريُّ١؛ لأنَّ تقليباتها السِّتَّةَ تدلُّ على معنى واحدٍ؛ وهو "التَّخصيص في كيس الحمل الجَنِينَيِّ على فصائل النَّوع تخصيصاً ملاحَظاً فيه أدقُّ الميزات"٢ ويظهر ذلك المعنى بوضوح في تقليبين؛ وهما (ر ح م) ومنه: الرَّحمُ، و (م ح ر) ومنه: المَحَارَةُ.
غير أنَّ هذا النَّوع من الاشتقاق لا يمكن التَّعويل عليه (لعدم اطِّراده) ٣ ولو اطَّرد لعُدَّ من أعظم المقاييس للتَّفريق بين الأصول المتداخلة؛ لا سيَّما الواويَّةُ واليائِيَّةُ.
ثانياً- التَّصريفُ:
يستدلُّ بسقوط الحرف من فرعٍ على زيادته؛ كسقوط ألف (كتاب) في جمعه على (كُتُبٍ) ويعرف هذا بالتَّصريف؛ وهو يشمل الجمع والتَّصغير وغيرهما. والتَّصريف يشبه الاشتقاق إلى حدٍّ بعيد، وربَّما يعدَّان شيئاً واحداً، ومن يفرِّقُ بينهما يجعل الاشتقاق استدلالاً بالأصل، ويجعل التَّصريف استدلالاً بالفرع، وإلى هذا ذهب المراديّ٤.
فمن ذلك استدلالهم على أصل (ضِبْعَانٍ) من قولهم في الجمع:
стр. 223
الضِّباعُ؛ وأنَّه دليل على زيادة النُّون١، واستدلالهم على زيادة النّون في (سِرْحان) من جمعهم إياّه على (سَرَاحٍ) ٢ وأنَّ قولهم في (إنسَانٍ) : (أَنَاسِي) دليل على زيادة نونه الأخيرة.
ومن التَّصريف (التَّصغيرُ) وهو ما يستدلُّ به على الزَّائد؛ كقولهم: عُفَيْجِجٌ وعُفَيْجِيجٌ، في تصغير (عَفَنجَجٍ) ٣ فدلَّ سقوط النُّون على زيادتها. ومنه قولهم في تصغير (ذَرَحْرَحٍ) : (ذُرَيرِحٌ) ٤ فدلَّ على أنَّ أصل ذَرَحْرَحٍ (ذ ر ح) .
ودلَّ قولهم في تصغير مَرْمَرِيسٌ: (مُرَيرِيسٌ) على أنَّه من (م ر س) "لأنَّ الياء تصير رابعةً؛ فصارت الميم أوْلَى بالحذف من الرَّاء؛ لأنَّ الميم إذا حذفت تبيَّن - في التَّحقير - أنَّ أصله من الثَّلاثة؛ كأنَّك حقَّرتَ: مَرَّاساً، ولو قلتَ: مُرَيميسٌ؛ لصارت كأنَّها من باب سُرْحُوبٍ وسِردَاحٍ وقِنْدِيلٍ"٥ أي: صار رباعياً.
ثالثاً- انعدامُ النَّظيرِ:
إذا لزم عدم النَّظير في أوزان أصول العربيّة بتقدير أصالة الحرف في كلمة حكم عليه بالزِّيادة؛ وهو من أقوى الأدلة. فقد قضوا بزيادة تاءِ (تَتْفُلٍ) وهو ولد الثَّعلب؛ لأنّها لو جعلت أصلاً لكان وزنه (فَعلُل) وهو
стр. 224
بناء مفقود في الرُّباعيّ؛ فوزنه (تَفْعُل) . ونون (سَعْدَان) و (مَرْجَان) زائدتان (لأنَّه ليس في الكلام مثل سَرْداحٍ ولا فَعْلالٍ إلاَّ مضعَّفاً) ١ كـ (زَلْزَالٍ) و (وَسْوَاسٍ) .
ويُقضى على تاءِ عِزْوِيتٍ بالزّيادة (لأنّه ليس في الكلام فِعْوِيل) ٢.
وأمَّا كَنَهْبُلٌ فنونه زائدةٌ؛ لأنّه ليس في الكلام (سَفَرْجُلٌ) على مثال (فَعَلُّل) ٣.
ويُقضى على أنَّ أصول (خَيوان) بلد باليمن (خ ون) وليس (خ ي و) لأنَّه ليس في الكلام شيء عينه ياءٌ ولامه واو٤، فهو (فَيعَال) وليس (فَعْلان) . وليس في ترك صرفه دليل على زيادة النُّون؛ لأنَّ ذاك كان للاسم والبُقعة. ويحكم على الميم في (المِلْوَطّ) وهو ما يضرب به من عصاً ونحوه- بالأصالة؛ لأنَّها لو قُدِّرت زائدةً لأدَّى ذلك إلى ثبوت (مِفْعَلّ) وهو وزن مهمل. فإذا جعلتَ الميمَ أصليَّةً كان الوزن (فِعْوَلاًّ) وهو وزن مستعمل؛ نحو (عِثْوَلّ) للكثير الشَّعر، و (عِسْوَدٍّ) للحيَّة؛ فوجب المصير إليه٥.
وكان ابن سِيده يعتدُّ بهذا المقياس في التَّفريق بين الأصول؛ وهو عنده (من أصحِّ ما تُحرَّرُ فيه أنواع التَّصاريف) ٦.
стр. 225
رابعاً- سقوط الحرف لغير علَّة من نظير؛ كسقوط ياءِ (أَيْطَلٍ) وهو الخاصرة- من: إِطِلٍ بمعناه ١.
وكذلك شأملٌ وشَمْأَلٌ من: شَمَالٍ، وشَمَلَتِ الرَّيْحُ.
خامساً- وقوع الحرف - مع عدم الاشتقاق - في موضع تلزم فيه زيادته مع الاشتقاق في نحو (العَفَنقَسِ) وهو عَسِرُ الأخلاقِ؛ فإنَّ النُّون محكوم بزيادتها؛ مع أنَّه لا يعرف اشتقاقه.
وكذلك (عَصَنصَرٌ) اسم جبل- فإنَّ نونه في موضع لا تكون فيه مع الاشتقاق إلاَّ زائدةً؛ نحو (الجَحَنفَلِ) وهو العظيم الشَّفة من الجَحْفَلَةِ؛ وهي لذي الحافر كالشَّفة للإنسان٢.
سادساً- اختصاص الحرف بموضعٍ لا يقع فيه إلاَّ حرفٌ من حروف الزِّيادة؛ كالنُّون في (كِنْثَأْوٍ) وهو العظيم اللِّحية، وفي (حِنْطَأْوٍ) وهو العظيم البطن، وفي (سِنْدَأْوٍ) وهو الشَّديدُ المُقدِمُ؛ فنوناتها زوائد؛ لأنَّهم لم يضعوا مكان حرف الزِّيادة حرفاً صحيحاً؛ فلم يقولوا -مثلاً- (سِرْدَأْوٌ) ولا نحوه٣.
سابعاً- دلالة الحرف على معنًى؛ كحروف المضارعة، وألف الفاعل، وميم المفعول، وواوُه٤.
ويزاد على ما تقدَّم من مقاييس أو أدلَّة ما استُنبط أو جُمِع من متَفَرِّق كلام الأئمة:
стр. 226
أوَّلاً- الدُّخولُ في أوسعَ البابين:
وهو الحمل على الأكثر؛ وذاك أنَّ الحرف إذا تردَّد بين الأصالة والزِّيادة، واستوى الوزنان في النُّدرة؛ فالأولى الحكم بالزِّيادة لكثرة ذي الزِّيادة١.
فمن ذلك (الهُندَلِعُ) وهو بَقَلَةٌ؛ فإنَّه يحتمل أن يكون (فُعَلْلِلاً) على أصالة النُّون، أو (فُنْعَلِلاً) على زيادة النُّون؛ بالتَّساوي، ويرجَّح –على هذا المقياس- الثَّاني؛ خلافاً لابن السَّرَّاج٢.
ولو حمل (هُندَلِعٌ) على (فُعْلَلِل) لجاز حملُ (كَنَهْبُلٍ) على (فَعَلُّل) و (سِنْدَأوٍ) على (فِعْلَلْو) (وذلك خرق لا يرقع؛ فتكثر الأصول) ٣ وتقلُّ الزَّوائد؛ وهو يُنافي حقيقة اللَّغة.
ومن هنا حمل (كِشْخَان) وهو الدَّيُّوث- على (فِعْلان) فبابه أوسع من باب (فِعْلال) ٤ لأنَّ باب الزِّيادة أوسع من باب الأصالة. نعم، وإذا تردَّد الوزنان بين زيادتين حُملا على أوسع البابين؛ كترَدُّدِ (الأَيْدَعِ) وهو صَبغٌ أحمر- بين (أَفْعَلَ) و (فَيْعَلَ) فيحمل على (أَفْعَلَ) على الرُّغم من أنَّك لا تجد في (ي د ع) ما يناسب معناه؛ في حين وجدت الحمرة في (أحمَرَ) ونحوه؛ ألا ترى أنَّ (أَفْعَلَ) أكثر من (فَيْعَلَ) لأنَّ زيادة الهمزة أوَّلاً باب واسعٌ؛ لا يضاهيه باب زيادة الياء ثانية٥.
стр. 227
ومن ذلك أنَّ (موسى) ١ آلةَ الحلاقة- تتردَّدُ بين زيادتين (مُفْعَل) و (فُعْلى) فتحمل على زيادة الميم للدُّخول في أوسع البابين؛ لأنَّ (مُفْعَلاً) في الكلام أكثر من (فُعْلَى) ألا ترى أنَّ زيادة الميم أوَّلاً أكثر من زيادة الألف رابعة؟
وإذا تردَّد الوزنان بين أصلين حُملا على أكثرهما في بابه؛ كحملهم الألفَ المجهولة عيناً المنقلبةَ عن معتَلٍّ على الواو؛ لأنَّ انقلاب الألف عن الواو عيناً أكثر من انقلابها عن الياء في هذا الموضع في عموم كلام العرب٢. نصَّ على ذلك سيبويه؛ وقال: "إن جاء اسم نحو النَّاب، ولا تدري أمِنَ الياءِ هو أم مِنَ الواو، فاحمله على الواو؛ حتَّى يتبيَّن لك أنَّها من الياء؛ لأنَّها مبدلةً من الواو أكثرُ، فاحمله على الأكثر؛ حتَّى يتبيَّن لك"٣.
وإليه ذهب ابنُ جِنّي؛ الّذي قال: "إنَّ الألفَ إذا وقعت عيناً فينبغي أن يُحكم بأنَّها من الواو؛ حتَّى تقوم دلالة على كونها من الياء"٤.
ومن هنا حُكم على أنَّ أصل (عَاقَ) من قولهم (ما عَاقَتِ المرأَةُ عند زوجهَا) أي: ما حَظِيَتْ: (ع وق) وليس (ع ي ق) ٥ للدُّخول في أوسع البابين. واستناداً إلى هذا المقياس يمكن الحكم على ألف (خَاشَ) بمعنى رجع؛ في قول الشَّاعر:
стр. 228
بَيْنَ الوِضَاءَ يْنِ وخَاشَ القَهْقَرَى١ ...
بأنَّها منقلبةٌ عن واوٍ؛ لأنَّه "لا دليل فيه على أنَّ ألفه منقلبة عن واوٍ أو ياءٍ"٢.
وتُحملُ عينُ (الظَّابِ) وهو الكلام والجَلَبَة - على الواوِ؛ لخفاء اشتقاقه٣.
وإذا كانت العين واللاّم معتلَّتين تُحمل العينُ على الواوِ، فيما يجهل اشتقاقه؛ للدُّخول في باب (طَوَيْتُ) و (شَوَيْتُ) لأنَّه أكثر من باب (حَيِيْتُ) ٤.
ومن هنا قضى ابن جنّي على ألف (ثَايَةٍ) وهي الحجارة، و (طَايَةٍ) وهو سقف البيت- بأنَّها منقلبة عن واو٥.
أمَّا الألف المجهولة، والهمزة المنقلبة عن معتلٍّ، الواقعتان لاماً؛ فتُحملان على الياء؛ ما لم يعترض ذلك إهمال الياء. وقد نصَّ ابن جنِّي على أنَّ "الياء أغلب على اللاَّم من الواو عليها"٦.
стр. 229
وكان ابن سِيده يعوِّل كثيراً على هذا المقياس في تفريقه بين الواويِّ واليائيِّ في (المحكم) ١. وبذلك قضى٢ بأنَّ لام (أَكْهَى) في قول الشَّاعر:
كَمَا أَعْيَتْ عَلَى الرَّاقِينَ أَكْهَى ... تَعَيَّتْ لا مِيَاهَ ولا فِرَاغَا ٣
وهي هضبة في نجد- ياءٌ وليست واواً، فأصله (ك هـ ي) .
وقضى بأنَّ (الفَظَى) وهو ماء الرَّحم- يائيٌّ، وأصله (ف ظ ى) في قوله: "وقضينا بأنَّ ألفه منقلبةٌ عن ياءٍ؛ لأنَّها مجهولة الانقلاب؛ وهي في موضع اللام، وإذا كانت في موضع اللام فانقلابُها عن الياء أكثر منه عن الواو"٤.
وكذلك الهمزة المنقلبة عن معتلٍّ، الواقعة لاماً؛ فإنَّها تحمل على الياء لا الواو؛ للدُّخول في أوسع البابين، ومثالها (السَّخَاءَ ةُ) وهي بَقَلَةٌ ترتفع على ساق كهيئة السُّنبُلَةِ، وفيها حَبٌّ كحَبِّ اليَنْبُوتِ؛ فإنَّها من (س خ ي) وليس (س خ و) ٥.
ومنه (الخَدَّاءُ) موضعٌ - قُضي بأنَّ همزته ياءٌ٦ لا واو؛ فأصله (خ د ي) وكذلك همزة (الفِنَاءِ) فهي منقلبة عن ياءٍ لا واوٍ٧.
стр. 230
وإذا عارضَ هذا المقياسَ في اللاَّم المعتلَّةِ مقياسٌ آخر أضْعَفَهُ؛ وربَّما منع الاستدلال به؛ وذاك أن يكون الأصل اليائيُّ مهملاً والأصل الواويُّ مستعملاً، فإنها تحمل على المستعمل؛ كقولهم: جَدْيٌ ذَكِيٌّ، بمعنى ذَبِيحٍ، فإنَّه يحمل على (ذ ك و) لاستعماله، وإهمال (ذ ك ي) على نحو ما قرَّره ابن سِيده١.
وإن كانا مستعملين، وكثر أحدهما كثرةً واضحةً، فغلبَ على صاحبه، وكان الغالبُ الواوَ، فإنَّ الألفَ المجهولةَ، أو الهمزةَ المنقلبةَ تُحملان عليه.
وذلك نحو (قِدَةٍ) موضعٌ- فإنَّها تحتمل الأصلين (ق د ي) و (ق د و) وكلاهما مستعمل؛ فإن أُخذ بالمقياس الأوَّل؛ وهو كثرة الياء لاماً حُمل على (ق د ي) وإن أُخذ بالمقياس الثَّاني؛ وهو كثرة الواويِّ في هذا التركيب، وقلَّة اليائيِّ فيه، حُكمَ عليه بأنَّه من (ق د و) . وقد أخذ ابن سِيده٢ بالأخير؛ فرجَّح الواويَّ، ولو أخذَ بالأوَّل لما ابتعد عن الصَّواب. ويجوز أن تكون (قِدَةٌ) من (وق د) مثل (عِدَةٍ) من (وع د) والتَّاء عِوَضٌ من فاء الكلمة المحذوفة؛ فإن صحَّ ذلك خرجتْ ممَّا نحن فيه.
ويجوز الوجهان السابقان في قولهم: رَكِبَ كَسَاهُ؛ إذا سقط على قفاه؛ فيكون أصله (ك س ي) و (ك س و) الأوَّلُ لأنَّ الياء لاماً أكثر من الواو، والثَّاني لأنَّ الواو غلبتْ على الياء في ذلك التَّركيب.
نعم، ولا يخلو مقياسُ حملِ المعتلِّ على الياء لاماً من اعتراضٍ مقدّرٍ؛
стр. 231
وهو أنَّ ما في بعض المعاجم كـ (لسان العرب) و (القاموس المحيط) من تلك المادَّة لا يؤكِّد ما قاله اللُّغويُّون والنُّحاة بأنَّ الياء لاماً أكثر من الواو؛ بل يبطل ما قالوا؛ لأنَّ الكثرة فيه للواويِّ، وليست لليائيِّ.
إنَّ إحصاء ما في المعجَمَينِ من الواويِّ واليائيِّ في باب المعتلِّ ليؤكِّد ذلك في ظاهر الأمر؛ فعدَّة ما في (لسان العرب) في باب المعتلِّ خمسة وعشرون وخمسمائة أصلٍ تقريباً١؛ ما يقرب من ثلثيها من الواويِّ؛ إذ بلغ سبعة وسبعين وثلاثمائة أصلٍ، ونسبته (٨١و٧١ ?) ولم يتجاوز اليائيُّ ثمانية وأربعين ومائة أصلٍ وهو ما نسبته (١٩و٢٨?) . ونجد أنفسنا أمام النَّتيجة نفسِها في (القاموس المحيط) وهي غلبة الواويِّ على اليائيِّ، وإن اختلفت النِّسب قليلاً؛ ففيه خمسة وتسعون وستمائة أصلٍ٢ أكثر من نصفها واويّ، وعدَّته اثنان وسبعون وثلاثمائة أصلٍ؛ ونسبته (٥٣و٥٣?) .
أمَّا اليائيُّ فعدَّته ثلاثة وعشرون وثلاثمائة أصل؛ ونسبته (٤٧و٤٦?) .
ويمكن التَّوفيق بين نتيجة الإحصاء وما قاله اللُّغويُّون والنُّحاة، ودفع ما ظهر من تعارض باحتمالاتٍ؛ منها:
أ- أنَّ مراد اللُّغويّين والنُّحاة في تغليبهم الياءَ على الواو لاماً ينصرف إلى المُنْقَلِبِ، أي: الألفِ والهمزة، وقد صرَّح بذلك ابن سِيده غير مرَّةٍ؛ بقوله في (الفَظَى) : "وقضينا بأنَّ ألفه منقلبة عن ياءٍ؛ لأنَّها مجهولة
стр. 232
الانقلاب؛ وهي في موضع اللاَّم، وإذا كانت في موضع اللاَّم فانقلابها عن الياء أكثر منه عن الواو"١. ومثل ذلك ما ذكره في (المُفْتِي) ٢ وهو مِكْيال، و (الفِنَاءِ) ٣ وهو ساحة الدَّار، وفي (كَرَى) ٤ من قولهم: كَرَى الرُّجلُ بقدمَيهِ؛ أي: قَلَبَهما في العَدْوِ. فمن الممكن أن يعَدَّ هذا ونحوه تقييداً لما أطلق.
أمَّا ما في المعجَمَين فيشتمل على المنقلِبِ وغير المنقلِبِ، ومن هذا الأخير (الثَّعْوُ) ٥ وهو ضرب من التَّمر، و (الثُّقْوَةُ) ٦ وهي السُّكُرُّجَةُ، و (الجَشْوُ) ٧ وهي القوس الخفيفة، و (ضَدَوان) ٨ وهو جبل، و (الطَّقْوُ) ٩ وهو سرعة المشي، و (القَهْوَةُ) ١٠ وهي الخمر، و (المَرْوَةُ) ١١ وهي حجارة بيضاء، ونحو ذلك ممَّا جاءت فيه الواو١٢
стр. 233
على أصلها بغير انقلاب فيها، أو فيما تصرَّف منها فيما وقفتُ عليه؛ ممَّا ذُكر في المعاجم. فإن كان الأمر كذلك فلا اعتداد بنتيجة الإحصاء؛ لأنَّ الكثرة عند اللُّغويِّين مقَيَّدة، وقد شَمِلَ الإحصاءُ المقَيَّدَ والمطلَقَ.
ب- ويجوز أن يكون ما في المعجَمَيْنِ من أصولٍ غيرَ دقيقٍ. ولستُ على يقين ممَّا جاء في (القاموس المحيط) أمَّا (اللِّسان) فإنِّي أقطع بأنَّ ما جاء فيه من مَدَاخِلَ واويّةٍ أو يائيَّةٍ ليس دقيقاً، ولا يمكن أن يعوَّل على نتائجه في الإحصاء إلاَّ بعد تمحيص ما في كلِّ جذرٍ من مادَّة؛ لأنَّ ابن منظور دمجَ اليائيَّ في الواويِّ أو العكس فيما اتَّحد من الجذور في الفاء والعين؛ وهو كثير جدّاً، وسيأتي تفصيله في الباب الرَّابع –إن شاء الله.
ج- فإن لم يصحَّ الاحتمالان السَّابقان، فإنَّه لا يَبْعُد أن يكون ما ذكره اللُّغويُّون والنُّحاة مَبْنِيًّا على كثرة الاستعمال في لغة العرب؛ لأنَّهم وجدوا أنَّ الثِّقل في الكلمة يتدرَّجُ بتدرُّجِ حروفها، من الأوَّل إلى الآخر؛ فينبغي أن يغلب على اللاَّمِ الحرفُ الأكثرُ خفَّةً، والياء أخفُّ من الواو. والآخِرُ موضعُ التَّغييرِ، فينبغي أن يغلب فيه الأخفُّ؛ ألا تراهم يبتدئون في الإعلال من آخر الكلمة؟
ويدلُّ على خفَّةِ الياء أنَّ باب (طَوَيْتُ) و (شَوَيْتُ) أكثرُ من بابِ (جَوٍّ) و (قَوٍّ) ١ وأنَّهم ربَّما جمعوا بين اليائين في نحو (حَيِّيٍّ) و (أُمَيِّيٍّ) ولم يجمعوا بين الواوات؛ لثقلها٢.
ويدلُّ على ثقل الواو أنَّها إذا كانت رابعة في الفعل قلبتْ ياءً؛ نحو
стр. 234
(تَقَصَّيتُ) و (تَعَدَّيتُ) وهما من (قَصَا يَقْصُو، وعَدَا يَعْدو) وكذلك (قَوْقَيْتُ) وأصلها (قَوْقَوْتُ) . ثُمَّ، ألا تراهم يُميلون الألفَ إلى الياء، ويَقلُّ إمالتها إلى الواو؛ على نحو ما هو مقرَّرٌ في باب الإمالة، وأنَّك لا تكاد تجد اسماً متمكِّناً؛ في آخره واوٌ قبلها ضمَّةٌ؛ كما وجدتَ في كلامهم اسماً في آخره ألفٌ قبلها فتحةٌ، واسماً في آخره ياءٌ، قبلها كسرةٌ؛ لأنَّ الواو أثقل من أختيها١. ومن ذلك أنَّهم اختاروا الياء آخرةً –مع تشديدها- لبابٍ واسعٍ في العربية، كثيرِ الاستعمال؛ وهو النَّسَبُ. وأخلصُ ممَّا تقدَّم إلى أنَّ هذا الاعتراض على مقياسهم مدفوعٌ بما ذُكرَ، وأنَّ مقياسهم في حمل المجهول لاماً على الياء صحيحٌ؛ من الممكن الاستفادة منه، والتَّعويلُ عليه في تداخل الأصول.
ثانياً- الصَّرْفُ أو مَنْعُهُ:
من الممكن الاعتداد بمقياس الصَّرف أو منعِهِ؛ للتَّفريق بين بعض الأصول؛ لا سِيَّما الَّتي في أوَّلها همزة أو ياءٌ أو تاءٌ أو نونٌ؛ ممَّا وازنَ الفعل، أو الَّتي في آخرها ألف ممدودة أو مقصورةٌ، أو في آخرها نونٌ مسبوقةٌ بألف زائدةٍ. فممَّا في أوَّله همزة (أَفْكل) فيستدلُّ على زيادة همزته، وأنَّه (أَفْعَل) بمنعه من الصَّرف٢ لأنَّ (أَفْعَلَ) إذا كان صفةً، ثمَّ سمِّيَ به لم ينصرف في
стр. 235
المعرفة ولا في النَّكرة عند سيبويه والخليل١، وهو قول المازِنِيِّ، والأخفشُ٢ يصرفه في النَّكرة. وكذلك (أَيْدَعُ) ممَّا يدلُّ على زيادة همزته، وأنَّه (أفْعَل) لا (فَيْعَل) منعه من الصَّرف٣.
أمَّا (أوَّلُ) فمَنْ صرَفَه فهو عنده (فَوْعَل) من (وول) أو (وأل) على مذهب الكوفيِّين - كما سيأتي إن شاء الله - وهو (أفْعَل) على مذهب البصريِّين؛ لأنَّهم لا يصرفونه٤.
وممَّا في أوِّله ياءٌ (يَرْمَعُ) وهو حجر أبيض، قُضِيَ على يائه بالزِّيادة بأمور؛ منها منع صرفه في المعرفة ٥؛ فهو (يَفْعَلُ) لا (فَعْلَل) . أمَّا التَّاء فدلَّ على أصالتها في (تَبْرَعٍ) و (تَرْعَبٍ) وهما موضعان صرْفُهُم ٦ إيَّاهما؛ فهما (فَلعْلَل) لا (تَفْعَل) . أمَّا التَّاء في (تألَبَ) علمٌ- فزائدة؛ لأنَّه غير مصروف ٧ فهو (تَفْعَل) .
ويدلُّ على أنَّ النُّون في (نُبَايِعَ) موضعٍ – زائدة؛ وأنَّ أصله (ب
стр. 236
ي ع) وليس (ن ب ع) منعه من الصَّرف؛ للعلميَّة ووزنِ الفعل١. ويستدلُّ على حال الهمزة آخراً بالصَّرف أو منعهِ؛ فإن صُرفت الكلمة فهي أصلٌ، وإن منعت فهي زائدةٌ؛ وهي للتَّأنيث.
وأمَّا همزة (الغَوْغاَء) وهم سَفِلَة النَّاس- فتحتمل الزِّيادَةَ والأصالةَ. فمن العرب من يجعلها بمنزلة (عَوْرَاءَ) فَيُؤَنِّثُ ولا يصرفُ؛ فيقول (غَوْغَاءُ) ٢ فهي -حينئذٍ- زائدةٌ، وأصلها (غ وغ) .
وأمَّا من قال: (غَوْغَاءٌ) بالتّذكير والصَّرف - فهي عنده بمنزلة (القَمْقَامِ) و (القَضْقَاضِ) أي: يجعل الغينَ والواوَ مضاعفتين؛ بمنزلة القاف والميم من (القَمْقَامِ) والقاف والضَّادِ من (القَضْقَاضِ) ٣ وأصلها (الغَوْغَاوُ) فقلبتِ الواو همزةً لتطرُّفها بعد مدٍّ؛ فهي من باب الرُّباعيّ المضاعف، وأصولها (غ وغ و) .
ويُقضى بزيادة ألف (حَبَنطَى) بمنع الصَّرفَ في المعرفة "وإن لم يشتقُّوا منه شيئاً تذهب فيه الألف؛ لأنَّها عندهم بمنزلة الهمزة"٤.
وممَّا تعرف به حال النُّون المتطرِّفةِ بعد ألفٍ زائدةٍ: الصَّرفُ أو منعهُ؛ كنُوناتِ: (حَسَّان) و (تَبَّان) و (سَمَّان) فإن صرفتهنَّ فقلتَ: حَسَّانٌ وسَمَّانٌ وتَبَّانٌ؛ فهُنَّ (فّعَّال) من الحُسنِ والسَّمنِ والتَّبنِ؛ وهنّ
стр. 237
بمنزلة (عَبَّادٍ) و (قَصَّابٍ) و (حَنَّاطٍ) . وإن مُنِعْنَ من الصَّرفِ فهُنَّ (فَعْلان) ١ من (الحِسِّ) و (السِّمِّ) و (التَّبِّ) وهو الخسران.
ومن ذلك (دِهْقَان) و (شَيْطَان) فإن صُرِفا فهما من (التَّدَهْقُنِ) و (التَّشَيطُنِ) فالنّون أصلٌ. وإن مُنعا من الصَّرفِ فهما من (الدَّهْقِ) و (الشَّيْطِ) ٢ ووزنهما على الأوَّل (فِعْلاَل) و (فَعْلاَل) وعلى الثَّاني (فِعْلاَن) و (فَعْلاَن) . ومن ذلك (جَابَان) اسم علَمٍ- فألفه منقلبة عن واوٍ؛ كأنَّه (جَوْبَان) فقلبت الواو لغير علَّةٍ. وهو (فَعْلاَن) من (ج وب) وليس (فَاعَال) من (ج ب ن) يدلُّ على ذلك قولُ الشَّاعر:
عَشَّيْتُ جَابَانَ حَتَّى اسْتَدَّ مَغْرِضُهُ٣ ... وكَادَ يَهْلِكُ لولا أَنَّه اطَّافَا
قُولا لجَابَانَ فَلْيَلْحَقْ بِطَيَّتِهِ ... نَوْمُ الضُّحَى بَعْدَ نَوْمِ اللَّيلِ إسْرَافَا٤
فتركُ صرفِهِ دليلٌ على أنَّه (فَعْلاَن) .
стр. 238
ويجب أن يلزم الحذر في هذا المقياس، وأن لا يؤخذ به على إطلاقه؛ لأنَّ الممنوع من الصَّرفِ يجوز صرفه في الضرورة؛ باتِّفاق النُّحاةِ ١؛ ولأنَّ الكوفيِّين ٢ ذهبوا إلى أنَّ المصروف يجوز منعه من الصَّرف.
وذكر الفرَّاء - فيما حكاه المعرّيُّ٣ - أنَّهم يشبِّهون النُّون الأصليَّة بالزَّائدة؛ فيقولون: مررتُ بـ (طَحَّانَ) وذلك إذا سَمُّوا به.
ثالثاً- إهمالُ أحدِ الأصلَينِ:
إذا أدَّى التَّداخل إلى أصلين؛ أحدهما مهمل: حملت الكلمة على الأصل الآخَرِ المستعمل؛ مثل (مُزَّاءَ) اسمٌ للخمر- فالهمزة فيه زائدة؛ لأنَّ مادَّة (م ز أ) مهملةٌ؛ بخلاف (م زز) . وبخلاف ذلك كلمة (السَّقَّاءِ) فالهمزة أصليَّة؛ أي: بدلٌ من أصلٍ؛ لوجود (س ق ي) وفَقْدِ مادَّة (س ق ق) ٤.
وكان ابن سيدَة يأنس بهذا لمقياس، ويعوِّل عليه كثيراً في (المحكم) كقوله: "والشَّاخَةُ: المعتدِلُ؛ وإنَّما قضينا على أنَّ ألف شاخةٍ ياءٌ لعدم (ش وخ) وإلاَّ فقد كان حقها الواو؛ لكونها عيناً"٥.
وحَمَلَ (غَادَةَ) وهي موضع في قول الشَّاعر:
стр. 239
فَمَا رَاعَهُمْ إلاَّ أخُوهُمْ كَأنَّه ... بِغَادَةَ فَتْخَاءُ العِظَامِ تَحُومُ١
على الياء بقوله: (وإنَّما حملناه على الياء؛ لأنَّا لم نجد في الكلام (غ ود) ٢.
وقضى ابن جِنّي٣ على لام (العَلاَيَةِ) وهو موضع- بأنَّها واوٌ، وليست ياءً، واستدلَّ بإهمال (ع ل ي) واستعمال (ع ل و) . وقضى - أيضاً٤ - على أنَّ (المَخِيمَ) موضع- (مَفْعِل) وليس (فَعِيلاً) لعدم (م خ م) . وحكم ابن الحاجب على الياء الأولى في (صِيصِيَةٍ) وهي شوكة الحائك؛ الَّتي يُسَوَّى بها السَّدَاةُ، أو شوكتا الدِّيك في رجليه- بأنَّها أصلٌ؛ لأنَّه لو حكم بزيادتها (لأدَّى إلى أن تكون من المهمل؛ إذ ليس في الكلام تركيب من صادين وياء) ٥.
ومن الممكن أن يحكم بأنَّ أصل (لَوْذَانَ) عَلَم- (ل وذ) لأنَّ (ل ذ ن) أصلٌ مهملٌ؛ فهم يقولون: لاَذَ به يَلُوذُ لَوْذاً ولِوَاذاً؛ إذا لجأ إليه٦.
وذهب ابن سيده إلى حدِّ الاستدلال بفقدان النَّظير في مقلوب
стр. 240
الكلمة؛ فمن ذلك أنَّه قضى بأنَّ (التُّفَةَ) وهي عناق الأرض؛ وهو سَبُعٌ يقتات اللَّحم- من (ت ف و) وليس من (ت ف ي) بقوله: (وهو من الواو؛ لأنَّا وجدنا (ت وف) وهو قولهم: ما في أمرهم تَوِيفَةٌ، ولم نجد (ت ي ف) فإنَّ أبا عليٍّ يستدلُّ على المقلوب بالمقلوب) ١.
رابعاً- الإعْرَابُ بالحُروفِ:
من الممكن الاستئناس بالإعراب بالحروف في التَّمييز بين بعض الأصول المتداخلة؛ وإن قلَّ ذلك؛ كَفَكِّ التَّداخلِ بين (ص ف ن) و (ص ف ف) المتواردين على (صِفِّينَ) موضع- فقد ذكره الجوهريُّ٢ في الأصل الأوَّل، وتابعه الفيروزآباديُّ٣.
وحمَلَ صنيعُ الجوهريِّ ابنَ بَرِّيٍّ٤ على الاعتراض عليه بأنَّ حقَّ هذا اللَّفظ أن يذكر في (ص ف ف) واستدلَّ بقولهم: (صِفُّونَ) فيمن أعربه بالحروف؛ على أنَّ الكلمة عربيَّة.
وقد قيل لأبي وائل شقِيقِ بنِ سَلَمَةَ٥: "أشهدتَ صِفِّينَ" قال:
стр. 241
"نعم، وبئستِ الصِّفُّونَ"١.
وردَّ ابنُ برِّيّ على الجوهريِّ - أيضاً - فصحَّحَ أصول (يَبْرِينَ) بأنَّها (ب ر ي) وليست (ب ر ن) كما فعل٢ فقال: "حقُّ يَبْرِينَ أن يذكر في فصل (برى) من باب المعتلِّ؛ لأنَّ يَبْرِينَ مثل: يِرْمِينَ ... والدَّليل على صحَّة ذلك قولهم: يَبْرُونَ في الرَّفعِ ويَبْرِينَ في النَّصبِ والجَرِّ؛ وهذا قاطع بزيادة النُّون"٣.
وما ذكره ابنُ برِّيّ صحيح؛ إن كانت الكلمة عربيَّة؛ وليس بعيداً أن تكون أعجميَّةً، ثمَّ تحمل على ما شابهها من كلام العرب. وقد كان ابن جنّي دقيقاً في كلامه عن أسماء مواضع كأنَّها جُمعت جمعَ سلامةٍ، وأُعرِبتْ إعرابَهُ؛ وهي قولهم: (قِنَّسْرُونَ) و (فِلَسْطُونَ) و (يَبْرُونَ) و (نَصِيبُونَ) و (صَرِيفُونَ) و (عَانِدُونَ) و (السَّيلَحُونَ) إذا قال: "ووجه الجمع في هذه الأشياء أنَّهم جعلوا كلَّ ناحيةٍ من: فِلَسْطِينَ وقِنَّسرِينَ كأنَّه فِلَسْطٌ، وقِنَّسْرٌ، وكأنَّ واحدَ يَبْرِيتنَ يَبْرٌ، وواحدَ نَصِيبِينَ نَصِيبٌ، وواحدَ صَرِيفِينَ وعَاندِينَ: صَرِيفٌ وعَانِدٌ، وكذلك السَّيْلَحُونَ كأنَّ واحدها سَيْلَحٌ، وإن لم ينطق به مفرداً"٤.
ألا ترى أنَّه وقف بين المنزلتين، أصالة ما ذَكَرَ وعُجمته بقوله
стр. 242
(وكأنَّه) فإن صحَّتِ الأصالةُ فالنُّوناتُ زوائدُ؛ وإن صحَّتِ العجمة فَهُنَّ أصول. واستدلَّ ابن جنّي١ على أصالة النُّون في (المَاطِرُونَ) وهو اسم موضعٍ بالشَّام- بإعراب الكلمة على النُّون.
خامساً- الإدْغَامُ:
يُعَدُّ تركُ الإدغامِ من العلاماتِ الَّتي تُعرفُ بها زيادةُ الملحَقِ؛ كالباء الثَّانية في (جَلْبَبَ) والدَّال الثَّانية في (قَرْدَدَ) فدلَّ ذلك على أنّه ثلاثيٌّ؛ وليس رباعيّاً؛ وهذا باب واسعٌ. ويستدلُّ - أيضاً - بترك الإدغام في بعض ما خفيت أصوله من كلماتٍ؛ كاستدلالهم على أنَّ الياءَ والهمزةَ أصلٌ في كلمة (يَأجَجٍ) اسم مكان- فأصله (ي أج) وليس (ي ج ج) أو (أج ج) ولولا ذلك لأدغموا، كما يُدْغمون في (مَفْعَل) و (يَفْعلُ) من رَدَدْتُ، فإنَّما الياءُ ههنا كميم (مَهْدَدٍ) لأنَّها أصلٌ، وهو من (م هـ د) كما قال سيبويه٢ وابنُ السَّرَّاج٣. وكذلك ميم (مأجَج) وهمزته أصليَّتان، والزَّائد إحدى الجيمين؛ بدليل ترك الإدغام٤.
стр. 243
على أنَّ الرَّضيَّ١ يرى أنَّ: (يَأْجَج) (يَفْعَل) لأنَّ (أج ج) مستعمل في كلامهم، وفكُّ الإدغام عنده شاذٌّ. ويدلُّ على أصالة الهمزة في (إِيْوَانَ) غير العجمة- أنَّها "لو كانت زائدةً لوجب إدغام الياء في الواو، وقلبها إلى الياء؛ كما قلبت في أيَّامٍ؛ فلمَّا ظهرت الياء، ولم تدغم دلَّ أنَّ الياء عينٌ، وأنَّ الفاء همزة، وقلبت ياءً لكسرة الفاء وكراهة التَّضعيف؛ كما قلبت في دِيوَانٍ وقِيراطٍ، وكما أنَّ الدَّالَ والقافَ فاءان والياءَين عينان، كذلك الَّتي في إيوَانَ"٢.
ويُقضى بفكِّ الإدغام في قولهم: ناقةٌ (عُوطَطٌ) إذا لم تحمل السَّنةَ المقبلة، بأنَّه من (ع ي ط) ٣ وليس من (ع ط ط) وقد قلبت ياؤه واواً لانضمام ما قبلها. ووزنُ عُوطَطٍ (فُعْلَل) ٤.
ونحوه (كُولَلٌ) من كِلْتُ٥؛ فهو (فُعْلَل) من (ك ي ل) وليس (فُوعَل) من (ك ل ل) .
على أنَّه يلزم ألاَّ يؤخذَ هذا لمقياس على إطلاقه؛ فثَمَّ ما فُكَّ إدغامه
стр. 244
لغير الإلحاق؛ كـ (مَحْبَبٍ) وهو اسم عَلَمٍ جاء على الأصل١ لمكان العلميَّة الَّتي ربَّما خرجت (بالكلمة عن الموازين الأكثرِ مناسبةً لها) ٢ كما جاء (مَكْوَزَةٌ) و (مَزْيَدَةٌ) مصحَّحين. وإنَّما حملهم على أن يجعلوا الميم في (مَحْبَبٍ) زائدةً، وأنَّ وزنه (مَفْعَل) دون (فَعْلَل) أنَّهم وجدوا ما تركَّب من (ح ب ب) ولم يجدوا (م ح ب) ولولا ذلك لكان حملهم مَحْبَباً على (فَعْلَل) أولى؛ لأنَّ فكَّ الإدغام في (فَعْلَل) هو القياس.
وحمل ابن سِيدَه٣ (مَنْدَداً) بلداً- على (مَحْبَبٍ) ولم يجعله من باب (مَهْدَدٍ) لعدم (م ن د) .
سادساً- الموازَنَاتُ السَّاميَّةُ:
إنَّ التَّفريق بين الأصول المتداخلة بمقياس الموازنات السَّاميَّة مقياس مثمر؛ يعوِّل الباحثون المُحْدَثونَ عليه كثيراً. ومن الرَّاجح أنَّه ما من "كُتلَةٍ من الأمم ترتبط لغاتها بعضها ببعضٍ؛ كالارتباط الَّذي كان بين اللُّغات السَّاميَّةِ"٤ ومن أهمِّها: العربيَّة، والسُّريانيَّةُ، والعبريَّةُ، والآراميَّةُ، والفِينيقِيَّةُ، والحَبَشِيَّةُ.
ومن أقدم من فطن إلى القرابة بين هذه اللُّغات ابنُ حزم القرطُبِيُّ إذ
стр. 245
ذكر أنَّه ثبت له أنَّ العربيَّة والسُّريانيَّةَ والعبريَّةَ لغة واحدةٌ في الأصل١. فلا جرم أن يستفاد من المنهج المقارن في الكشف عن الجذور الخفيَّة، أو المتداخلة في بعض الكلمات العربيَّة. ولعلَّ ممَّا يعرف به أصل (هَرَاقَ) المنهج المقَارَن بين السَّاميَّات؛ فالّذي يظهر –لأوَّل وهلةٍ- أنَّ الفعل من (هـ ر ق) ألا ترى أنَّ ابن منظورٍ ذكره في هذا الأصل٢. ومن ذهب إلى أنَّ الهاء ليست أصليَّةً، بل هي الهاء الموجودة في (هَفْعَل) فمذهبه قريب؛ ألا ترى أنَّ "هذا الوزن قياس في العبريَّة، والعربيَّة الجَنُوبيَّةِ في مقابل وزن (أفْعَل) في العربيَّةِ الشَّماليَّةِ؟ ولعلَّ مقارنة كلمة أرَاقَ وكلمة هَرَاقَ بنفس المعنى توضِّحُ لنا أنَّ الأُولى بوزن (أفْعَل) والثَّانية بوزن (هَفْعَل) وكلا الوزنين للتَّعدية في اللُّغات السَّاميَّة؟ "٣
ويصدق ما ذُكر في كلمة (هَرَاقَ) على كلمات أُخَر في العربيَّة، نحو: هِجْرَعٍ، وهِبْلَعٍ "وقد يكشف بحث الكلمات المبدوءة بالهاء في العربيَّة عن أمثلة كثيرةٍ من هذا النَّوع، الهاء فيها زائدة لا أصليَّة"٤.
ومن ذلك أنَّه يمكن أن يستأنس بهذا المقياس للوصول إلى أنَّ أصل (نَاسٍ) و (أُنَاسٍ) : (أن س) بأصالة الهمزة؛ لوجودها "في بعض
стр. 246
اللُّغات السَّاميَّة كالعبريَّةِ، فهي فيها (صورة٨) ?n???m (أنا شيم) وهو فيها جمعٌ مفرده (صورة ٩) (إيش) بمعنى: رجلٍ، والياء فيه بدل من النُّون؛ بدليل وجودها في الجمع. كما أنَّ هناك مفرداً نادر الاستعمال في العبريَّة، يحتوي على هذه النون كذلك؛ وهو (صورة١٠) (إنوش) ويقابل في العربيَّة كلمة: إنسٍ"١
وبهذا المقياس يمكن الوصول إلى أصل كلمة (الملائِكَةِ) الَّتي يتوارد عليها ثلاثة أصول؛ وهي: (ل أك) و (م ل ك) و (أل ك) .
فممَّا يرجِّحُ (ل أك) وجود نظيره في بعض اللّغات، وورودُ فعله الثُّلاثيِّ (ل أك) في اللُّغة الحبشيَّة بمعنى: أرسلَ رسالةً أو رسولاً٢.
ويشير معجم (جزينيوس) (GESENIUS) لكلمات العهد القديم للعبريَّة، ومعجم (جاسترو) (JESTROW) لكلمات التَّلْمود أنَّ (صورة١١) العبريَّة الَّتي معناها رسول مادَّتها (ل أك) لا غير. وصورة هذه الكلمة - بما يقرب من معناها العربيِّ في السُّريانيَّة والعبريَّة والحبشيَّةِ (مَلأَك) بينما لا نظير لمادَّةِ (ألك) في تلك اللغات٣.
ويساعد المنهج المقارن على الوصول إلى أصل كلمة (مَدِينَةٍ) في العربيَّة الَّتي يتوارد عليها أصلان؛ هما: (م د ن) و (د ي ن) فتُرَجِّحُ المقارنة الأصل الثَّاني (د ي ن) فـ (دِين) في العبريَّة بمعنى قانون، وفي الآراميّة
стр. 247
(دينا) بالمعنى نفسه، وتعني عبارة (بَيت دِين) في العبرية المَحكمة، وقد ظهرت كلمة (مَدِينةٍ) في الآرامية في منطقة الشَّام قبل الإسلام بمعنى المنطقة الإدارية أو الدَّائرة القضائيَّةِ؛ بارتباط معناها القضائيِّ الّذي لم نزل نجده في كلمات عربيَّة مثل (دائنٍ) و (مَدِينٍ) و (أدانَ) و (إدَانَةً) .
ولعلَّنا لا نعدم هذا الملمح في إطلاق الرَّسول ﷺ على (يَثْرِبَ) اسم (المَدِينَةِ) مقرِّ الدَّولة الإسلامية النَّاشئة، ومكان حكمها وقضائها١.
стр. 248
الباب الثاني: التداخل في البناء الواحد (الثلاثي، الرباعي، الخماسي)
الفصل الأول: التداخل في الثلاثي
المبحث الأول: التداخل بين المعتل والمعتل
...
المبحث الأوَّل: التّداخل بين المعتلّ والمعتلّ
تمهيد- المعتلّ:
لأَصْواتِ العلّة الثلاثة وضع متميز أوخاص في بناء الكلمة العربيّة؛ وتعدّ من أعتى المصاعب الّتي تواجه صُنّاع المعاجم العربيّة. وهذه الأصوات هي الواو والياء والألف؛ وتُسمّى: الحروف الهوائيّة١، أو حروف المدّ واللّين٢، أو المصوّتات٣، أو الحروف الضّعيفة٤.
على أنّ مصطلح حروف العلّة هو الأكثر شيوعاً عند علماء اللّغة٥؛ من القُدامى والمتأخّرين.
ويُقسّم اللّغويّون الكلمة إلى صحيح ومعتّل؛ وهذا التقسيم له أهميّةٌ كبيرةٌ في الدّرس اللّغوي الصّرفيّ؛ إذ على أساسه يُفهم ما يترتّب عليه من مّسائل؛ كالإعْلال والإبْدال.
والمُعتلّ من الأفعال ما في حروفه الأصول أحد حروف العلّة الثّلاثة (الواو والياء والألف) فإن كان فيه حرفان فهو اللّفيف؛ مَفْروقاً أو
стр. 249
مَقْروناً؛ وهو نوعٌ من المعتلّ١.
ومصطلح الاعْتِلال أكثر التصاقاً بالفعل عند الصّرفيين، والاسم محمول عليه؛ فإن كان الفعل فرعاً عن الاسم في الاشتقاق فإنّه أصلٌ في الإعلال؛ والاسم محمولٌ عليه؛ لأنّ الفعل أولى بالتّخفيف من الاسم؛ لما يعتريه من زوائد وضمائر، ثمّ يتبعه المصدر الذي هو أصلٌ في الاشتقاق؛ كـ (العِدَةِ) و (الإقَامَةِ) و (الاسْتِقَامَةِ) وسائر الأسماء المُتّصلة بالفعل؛ كأسماء الفاعل والمفعول والمَوْضِعِ٢.
ومن ثمّ فإنّ وصف الاعتلال عند اللّغويّين - ولا سيّما المعجميّين - يُطلق على الكلمة - فِعْلاً كانت أو اسماً - الّتي يكون أحد أصولها حرفَ علّة؛ سواء أكان واواً أم ياءً أم ألفاً؛ فإن كان موضع حرف العلّة فاء الكلمة؛ نحو (وَعَدَ) فهي من باب (المِثَالِ) وإن كان في موضع العين؛ نحو (قَالَ) فهي من باب (الأَجْوَفِ) وإن كان في موضع الّلام؛ نحو (رَعَى) فهي من باب (النَّاقِصِ) وإن كان فيها حرفان من حروف العلّة فهي من باب اللّفيف؛ فإن تتابعا في الفاء والعين؛ نحو (يَوْمٍ) ، أو في العين والّلام؛ نحو (هَوَى) فهي من اللّفيف المقرون، وإن فُصل بينهما بالعين؛ نحو (وَقَى) فهي من اللّفيف المفروق.
والإعلال هو تغيير حرف العلّة بالقلب أو بالنّقل أو بالحذف؛ فهو
стр. 250
ثلاثة أنواع عند الصرفيين١،وهي:
الإعلال بالقلب؛ وهو قلب حرف العلّة إلى حرف علة آخر للتّخفيف، أو مطلق حرف، نحو (قَالَ) و (بَاعَ) و (مُوقِنٍ) . الإعلال بالتَّسْكين؛ وهو تَسْكين حرف العلّة للتّخفيف؛ بنقل حركته إلى ما قبلها؛ كما في (يَقُول) و (يَسْتعين) أو بحذفها؛ كما في (يَدْعُو) و (يَرْمي) . الإعلال بالحذف؛ وهو حذف حرف العلّة للتّخفيف؛ كما في (يَقِفُ) و (تَعِدُ) و (عِدَة) .
ومعلوم أنّ المعتلّ يمثّل صعوبةً حقيقيّة للمُعْجميّين في بناء المعاجم؛ ولا سيّما معاجم القافية؛ بَدْءاً بالجوهريّ في (الصحاح) وانتهاءً بالزَّبيديّ في (التّاج) فثمّة كلمات من المعتلّ - قد يصعب حصرها -توقّف بعض الّلغويّين أمام أصولها حائرين؛ فقد روى ابن دريد عن أبي حاتم السّجستانيّ أنه قال في (تَضْحَى) من قوله ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ٢: "لا أدري من الواو هو أو من الياء"٣. ومثل ذلك كثير. ولمَّا بلغ الجوهريُّ عقبة المعتلِّ في تأليفه (الصِّحاح) تخلَّص منها