اللُّغات السَّاميَّة كالعبريَّةِ، فهي فيها (صورة٨) ?n???m (أنا شيم) وهو فيها جمعٌ مفرده (صورة ٩) (إيش) بمعنى: رجلٍ، والياء فيه بدل من النُّون؛ بدليل وجودها في الجمع. كما أنَّ هناك مفرداً نادر الاستعمال في العبريَّة، يحتوي على هذه النون كذلك؛ وهو (صورة١٠) (إنوش) ويقابل في العربيَّة كلمة: إنسٍ"١
وبهذا المقياس يمكن الوصول إلى أصل كلمة (الملائِكَةِ) الَّتي يتوارد عليها ثلاثة أصول؛ وهي: (ل أك) و (م ل ك) و (أل ك) .
فممَّا يرجِّحُ (ل أك) وجود نظيره في بعض اللّغات، وورودُ فعله الثُّلاثيِّ (ل أك) في اللُّغة الحبشيَّة بمعنى: أرسلَ رسالةً أو رسولاً٢.
ويشير معجم (جزينيوس) (GESENIUS) لكلمات العهد القديم للعبريَّة، ومعجم (جاسترو) (JESTROW) لكلمات التَّلْمود أنَّ (صورة١١) العبريَّة الَّتي معناها رسول مادَّتها (ل أك) لا غير. وصورة هذه الكلمة - بما يقرب من معناها العربيِّ في السُّريانيَّة والعبريَّة والحبشيَّةِ (مَلأَك) بينما لا نظير لمادَّةِ (ألك) في تلك اللغات٣.
ويساعد المنهج المقارن على الوصول إلى أصل كلمة (مَدِينَةٍ) في العربيَّة الَّتي يتوارد عليها أصلان؛ هما: (م د ن) و (د ي ن) فتُرَجِّحُ المقارنة الأصل الثَّاني (د ي ن) فـ (دِين) في العبريَّة بمعنى قانون، وفي الآراميّة
стр. 247
(دينا) بالمعنى نفسه، وتعني عبارة (بَيت دِين) في العبرية المَحكمة، وقد ظهرت كلمة (مَدِينةٍ) في الآرامية في منطقة الشَّام قبل الإسلام بمعنى المنطقة الإدارية أو الدَّائرة القضائيَّةِ؛ بارتباط معناها القضائيِّ الّذي لم نزل نجده في كلمات عربيَّة مثل (دائنٍ) و (مَدِينٍ) و (أدانَ) و (إدَانَةً) .
ولعلَّنا لا نعدم هذا الملمح في إطلاق الرَّسول ﷺ على (يَثْرِبَ) اسم (المَدِينَةِ) مقرِّ الدَّولة الإسلامية النَّاشئة، ومكان حكمها وقضائها١.
стр. 248
الباب الثاني: التداخل في البناء الواحد (الثلاثي، الرباعي، الخماسي)
الفصل الأول: التداخل في الثلاثي
المبحث الأول: التداخل بين المعتل والمعتل
...
المبحث الأوَّل: التّداخل بين المعتلّ والمعتلّ
تمهيد- المعتلّ:
لأَصْواتِ العلّة الثلاثة وضع متميز أوخاص في بناء الكلمة العربيّة؛ وتعدّ من أعتى المصاعب الّتي تواجه صُنّاع المعاجم العربيّة. وهذه الأصوات هي الواو والياء والألف؛ وتُسمّى: الحروف الهوائيّة١، أو حروف المدّ واللّين٢، أو المصوّتات٣، أو الحروف الضّعيفة٤.
على أنّ مصطلح حروف العلّة هو الأكثر شيوعاً عند علماء اللّغة٥؛ من القُدامى والمتأخّرين.
ويُقسّم اللّغويّون الكلمة إلى صحيح ومعتّل؛ وهذا التقسيم له أهميّةٌ كبيرةٌ في الدّرس اللّغوي الصّرفيّ؛ إذ على أساسه يُفهم ما يترتّب عليه من مّسائل؛ كالإعْلال والإبْدال.
والمُعتلّ من الأفعال ما في حروفه الأصول أحد حروف العلّة الثّلاثة (الواو والياء والألف) فإن كان فيه حرفان فهو اللّفيف؛ مَفْروقاً أو
стр. 249
مَقْروناً؛ وهو نوعٌ من المعتلّ١.
ومصطلح الاعْتِلال أكثر التصاقاً بالفعل عند الصّرفيين، والاسم محمول عليه؛ فإن كان الفعل فرعاً عن الاسم في الاشتقاق فإنّه أصلٌ في الإعلال؛ والاسم محمولٌ عليه؛ لأنّ الفعل أولى بالتّخفيف من الاسم؛ لما يعتريه من زوائد وضمائر، ثمّ يتبعه المصدر الذي هو أصلٌ في الاشتقاق؛ كـ (العِدَةِ) و (الإقَامَةِ) و (الاسْتِقَامَةِ) وسائر الأسماء المُتّصلة بالفعل؛ كأسماء الفاعل والمفعول والمَوْضِعِ٢.
ومن ثمّ فإنّ وصف الاعتلال عند اللّغويّين - ولا سيّما المعجميّين - يُطلق على الكلمة - فِعْلاً كانت أو اسماً - الّتي يكون أحد أصولها حرفَ علّة؛ سواء أكان واواً أم ياءً أم ألفاً؛ فإن كان موضع حرف العلّة فاء الكلمة؛ نحو (وَعَدَ) فهي من باب (المِثَالِ) وإن كان في موضع العين؛ نحو (قَالَ) فهي من باب (الأَجْوَفِ) وإن كان في موضع الّلام؛ نحو (رَعَى) فهي من باب (النَّاقِصِ) وإن كان فيها حرفان من حروف العلّة فهي من باب اللّفيف؛ فإن تتابعا في الفاء والعين؛ نحو (يَوْمٍ) ، أو في العين والّلام؛ نحو (هَوَى) فهي من اللّفيف المقرون، وإن فُصل بينهما بالعين؛ نحو (وَقَى) فهي من اللّفيف المفروق.
والإعلال هو تغيير حرف العلّة بالقلب أو بالنّقل أو بالحذف؛ فهو
стр. 250
ثلاثة أنواع عند الصرفيين١،وهي:
الإعلال بالقلب؛ وهو قلب حرف العلّة إلى حرف علة آخر للتّخفيف، أو مطلق حرف، نحو (قَالَ) و (بَاعَ) و (مُوقِنٍ) . الإعلال بالتَّسْكين؛ وهو تَسْكين حرف العلّة للتّخفيف؛ بنقل حركته إلى ما قبلها؛ كما في (يَقُول) و (يَسْتعين) أو بحذفها؛ كما في (يَدْعُو) و (يَرْمي) . الإعلال بالحذف؛ وهو حذف حرف العلّة للتّخفيف؛ كما في (يَقِفُ) و (تَعِدُ) و (عِدَة) .
ومعلوم أنّ المعتلّ يمثّل صعوبةً حقيقيّة للمُعْجميّين في بناء المعاجم؛ ولا سيّما معاجم القافية؛ بَدْءاً بالجوهريّ في (الصحاح) وانتهاءً بالزَّبيديّ في (التّاج) فثمّة كلمات من المعتلّ - قد يصعب حصرها -توقّف بعض الّلغويّين أمام أصولها حائرين؛ فقد روى ابن دريد عن أبي حاتم السّجستانيّ أنه قال في (تَضْحَى) من قوله ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ٢: "لا أدري من الواو هو أو من الياء"٣. ومثل ذلك كثير. ولمَّا بلغ الجوهريُّ عقبة المعتلِّ في تأليفه (الصِّحاح) تخلَّص منها
стр. 251
بطريقة تدلُّ على ذكاء وفطنة؛ حتَّى صار صنيعه منهجاً يُحتذَى لدى كثير من المعجميِّين؛ وعلى رأسهم الصَّغانيُّ وابن منظور والفيروز آباديُّ؛ فقد دمج بين بابي الواو والياء، وجعلهما باباً واحداً.
ولم يسلم الجوهريُّ من نقدٍ فيما صنع؛ فقد قال ابن منظور: "ولقد سمعتُ بعض من يتنقَّصُ الجوهريَّ ﵀ يقول: إنَّه لم يجعل ذلك باباً واحداً؛ إلاَّ لجهله بانقلاب الألف عن الواو، أو عن الياء، ولقلة علمه بالتَّصريف؛ ولستُ أرى الأمر كذلك"١.
ومهما يكن من أمرٍ فإنَّ صنيع الجوهريِّ يعدُّ مخالفة معجميَّةً واضحة لنظام الباب في مدرسة القافية، وهي مخالفة لا يكاد يتوقف عندها أحد؛ لأنَّنا درجنا عليها. ومن أهمِّ نتائج هذه المخالفة: استمرار تداخل الأصول في المعتلِّ النَّاقص؛ بل ربَّما أسهم بذلك في تداخل بعض الأصول؛ ولا سيَّما في الأصلين المتشابهين في الفاء والعين، فإنَّه غلَّب أحد المعتلَّينِ الواوَ أو الياءَ؛ وذلك مثل (حَجِيَ) و (حَجَوَ) اللَّذين ذكرهما في أصل واحدٍ؛ وهو (ح ج و) ٢. وفرَّق بينهما ابن سيدةَ؛ فذكر كلاًّ منهما في أصله ٣ على الصَّواب.
стр. 252
وهذا من أهمِّ النَّتائج السَّيِّئة - في هذا الباب - لصنيع الجوهريِّ ومن تابعه، وسيأتي بحث هذه المسألة بالتَّفصيل في الباب الرَّابع - إن شاء الله -.
وقد أدرك العلماء مشكلة التَّداخل بين المعتلاَّت بعمومها منذ وقتٍ مبكِّرٍ؛ ولاسيَّما فيما وقع فيه تعاقب (قلبٌ) لعلَّةٍ صرفيَّةٍ، أو لغير علَّةٍ. ومن هؤلاء ابن السِّكِّيت في كتابه (إصلاح المنطق) إذ أفرد بابين للمعتلِّ:
أوَّلهما: "باب ما يقال بالياء والواو من ذوات الثَّلاثة"١.
وثانيهما: "باب ما يُغلط فيه، يتكلَّم فيه بالياء وإنَّما هو بالواو"٢.
ومنهم ابن قتيبة في كتابه (أدب الكاتب) في باب واحد، وهو: "باب ما يقال بالياء والواو"٣.
ومنهم الزَّجَّاجيُّ في كتابه (الإبدال والمعاقبة والنَّظائر) إذ أفرد باباً لتعاقب الواو والياء٤.
وقد أدرك ابن جِنِّي المشكلةَ، وأراد أن يسهم في حلِّها؛ فوعد بتأليف كتاب مستقلٍّ يذكر فيه جميع المعتلاَّت في كلام العرب، ويميِّز فيه ذوات الواو من ذوات الياء، ويعطي كلاًّ منهما حظَّه من القول
стр. 253
مستقصًى١. ولا أدري هل أنجز وعده أو حيل بينه وبين إنجازه؟
ويعدُّ ابن سيده من أعظم من فكَّ تداخل الأصول بالتَّفريق بين الواويّ واليائيّ في المعتلاَّت؛ وبذل جَهداً يشكر عليه في سبيل ذلك؛ إذ جعل لكلٍّ منهما باباً مستقلاًّ في معجمه الكبير (المحكم والمحيط الأعظم) .
وحاول بعض المعجميِّين بعد ابن سيده أن يستفيدوا من جهده، وعلى رأس هؤلاء: الفيروزآباديُّ في (القاموس المحيط) وكان يفخر بمحاولته تخليص الواويِّ من اليائيِّ بقوله: "ومن أحسن ما اختصَّ به هذا الكتاب تخليص الواو من الياء؛ وذلك قسم يَسِمُ المصنِّفين بالعيِّ والإعياء"٢.
بيد أنَّ عمل الفيروزآباديِّ اقتصر على تمييز الأصلين؛ وهما في مكانهما في بابٍ واحدٍ، واكتفى بوضع حرف (و) أمام الواويِّ، وحرف (ي) أمام اليائيِّ، ووضع الحرفين أمام ما جاء بالواو والياء، ولو جعل كلاًّ منهما في باب مستقل لكان أحسن، وأدقَّ في الصَّنعة المعجميَّة.
ولم يكن صنيع ابن سيده في التَّفريق منقبة في نظر أحد المعجميِّين الكبار؛ وهو ابن منظور؛ الّذي اختار منهج الجوهريِّ، ودافع عنه، وفي المقابل أبدى نقداً لمنهج ابن سيده بقوله: "وأمَّا ابن سيده وغيره فإنَّهم جعلوا المعتلَّ عن الواو باباً، والمعتلَّ عن الياء باباً؛ فاحتاجوا فيما هو معتلٌّ عن الواو والياء إلى أن ذكروه في البابين؛ فأطالوا وكرَّروا، وتقسَّم الشَّرح
стр. 254
في الموضعين"١.
والحقُّ أنَّه لا موجب لذكر الكلمة في البابين، أمَّا من فعل ذلك فكرَّر وأطال وقسَّم الشَّرحَ -كما قال ابن منظور- فقد أفسد ما أصلح، وخالف المنهج المعجميَّ، وأقلُّ ما يعترض به عليه أنَّ المعجميِّين فرَّقوا في الأجوف بين الأصلين الواويِّ واليائيِّ على الرَّغم من تشابه النَّاقص والأجوف فيما ذكر، فالمنهج المعجميِّ يقوم على وضع الكلمة في موضع واحد فحسب؛ تبعاً لأصلها، ولا تذكر الكلمة في بابين إلاَّ من قبيل الإحالة؛ فيؤمن بذلك تداخل الأصول، ويمنع التَّكرار.
ولا أزعم أنَّ تطبيق ذلك أمرٌ ميسورٌ؛ فالتَّداخل بين الواويِّ واليائيِّ شديد؛ بحيث خفي كثير ممَّا جاء في الأصلين على علماء كبار؛ كابن سيده والفيروزآبادي، وبحيث إنَّ الزَّبيديَّ الّذي حاول الاستفادة من جهود من سبقه في ذلك لم يستطع تخليص مائتي جَذْرٍ٢ فاضطرَّ إلى جعلها مشتركةً بين الواو والياء.
ويكثر التَّداخل في النَّاقص مع النَّاقص، ثمَّ الأجوف مع الأجوف، ويقلُّ في المثال مع المثال؛ لقلّة تأثُّر المثال بعوامل الإعلال والإبدال؛ وذلك راجع لطبيعة فاء الكلمة في التّصريف العربيِّ.
وقد أدرك سيبويه ذلك، وفسّره بقوله عن الواو والياء: "اعلم أنَّهنَّ لاماتٍ أشدُّ اعتلالاً وأضعف؛ لأنّهنَّ حروف إعرابٍ، وعليهنَّ يقع
стр. 255
التّنوين والإضافة إلى نفسك بالياء والتّثنية ... وكلَّما بَعُدتا من آخر الحرف كان أقوى لهما؛ فهما عيناتٍ أقوى، وهما فاءات أقوى منهما عيناتٍ ولاماتٍ، وذلك نحو: غَزَوْتُ ورَمَيْتُ"١. وهذا يعني أنَّ الكلمة يتدرَّج ثقلها بتدرُّج حروفها.
وإذا زيد على ذلك قلّة المثال المبدوء بالياء في العربيَّة عُلِمَ أنَّ التّداخل فيه يقلُّ، ويقترب من حدِّ النُّدرة. ويجدر بنا - هنا - أن نعرض لبعض الوسائل الّتي تُميَّز بها المعتلاّت، في الأجوف والناقص.
أولاً: الأجوف:
يعرف الحرف المعتل في الأجوف بأمور؛ منها:
١- بناء ما يصحُّ فيه المعتلُّ؛ فيظهر؛ نحو (فَعْلَة) أو هو (أفْعَلُ) من كذا. وفي ذلك قال ابن جنِّي: "واعتبار الماضي المعتلّ العينِ إذا أردتَ معرفة عينه؛ هل هي واو أو ياء أن تبني منه (فَعْلَة) أو هو (أفْعَلُ) من كذا؛ فإنَّ هذا موضع يصحُّ فيه الحرفان، ويظهران على أصولهما؛ وذلك نحو: صَاغَ صَوْغَةً وهو أصوغُ منكَ، وخَاطَ خَيْطَةً وهو أخيطُ منك"٢.
وهذه قاعدة لا تنخرم إلاَّ فيما شذَّ؛ كقولهم: هو أحيل منه؛ مع قولهم: هما يتحاولان، ونحو ذلك.
٢- الاستدلال على عين الكلمة بالمضارع؛ نحو: بَاعَ يَبِيعُ، وقَادَ يَقُودُ، إلاَّ أنّ ذلك لا يطَّردُ اطِّراد الأوَّل٣.
стр. 256
٣- يُحمل ما جُهِل اشتقاقه على الواو دون الياء؛ لأنَّ الواو أغلب على العين من الياء في عموم تصريف اللُّغة، إلاَّ أن تقوم دلالة على أنَّها من الياء١.
ثانياً: الناقص:
يعرف الحرف المعتل في الناقص بأمور؛ منها:
١- المضارع؛ كـ (يَدْعُو) و (يَرْمِي) .
٢- الماضي المردود إلى المتكلِّم، أو المخاطب، أو الغائبين، أو الغائبات؛ كقولك: دَعَوتُ أَدْعُو ودَعَوتَ ودَعَواَ ودَعُوتُمَا ودَعَوْنَ، ورَمَيتُ أَرْمِي، ورَمَيتَ ورَمَيَا ورَمَيتُمَا ورَمَينَ.
٣- المصدر؛ كـ (الدَّعْوَةِ) و (الرَّمْيَةِ) .
٤- اسم المرَّة؛ كـ (الدَّعْوَةِ) الواحدة.
٥- اسم الهيئة؛ كـ (المِشْيَةِ) .
٦- التَّثنية؛ كقولك: عَصَا وعَصَوَانِ ورَحَى ورَحَيَانِ.
٧-جمع المؤنَّث السَّالم؛ كقولك: عَصَا وعَصَوَاتٌ وفَتَى وفَتَيَات٢.
٨- إن كانت الفاء واواً فاللاَّم ياءٌ؛ كقولك في الفعل: وَشَيتُ، وفي الاسم: الوَجَى؛ لأنَّه ليس في كلام العرب كلمة فاؤها واوٌ ولامها واوٌ إلاَّ كلمة (واو) ٣.
стр. 257
١٠- إذا جُهل الاشتقاق تحمل الألف المنقلبة عن معتلٍّ على الياء؛ لأنَّ الياء تغلب على لام الكلمة١.
بِعَشْرٍ يَبِينُ القَلْبُ في الألفِ الّتِي ... عن الواوِ تَبْدُو في الأخيرِ أو اليَاءِ
بِمُستَقبَلِ الفعلِ الثُّلاثِي وأمْسِهِ ... ومَصْدرهِ والفِعْلَتَينِ٣ وبالْفَاءِ
وعينٍ له إن كانتِ الواوُ فيهمَا ... وتثنيةٍ والجمعِ خُصَّا للاسْمَاءِ
وعَاشِرها سَبْرُ الإِمَالةِ في الَّذي ... يَشِذُّ عن الأذهَانِ عُنْصُرُه النَّائي٤
وقد نظم المهَلَّبِيُّ٢ بعض ذلك بقوله:
وتجدر الإشارة أن نشير إلى أنَّ أحرف العلَّة ينقلب بعضها إلى بعضٍ؛ وَفقَ ما يطرأ على بنية الكلمة، من تصريفٍ لعُرُوض تغييرٍ في موضع المعتلِّ، أو لمجاورته لحركةٍ لا تلائم طبيعته، ونحو ذلك في قواعد معروفة عند الصَّرفيين، ومواضعَ كثيرةٍ ليس من أهداف البحث الوقوف عليها٥
стр. 258
أ- التَّدَاخُلُ في المثال:
القسمة الجامعة لتداخل المثال هي على الصُّور التّالية:
١- بين المثال والمثال.
٢- بين المثال والأجوف.
٣- بين المثال والنَّاقص.
٤- بين المثال واللَّفيف.
وفيما يلي تفصيل ذلك:
أوَّلاً: التَّداخلُ بين المثال والمثال:
تقدَّم أنَّ التَّداخل بين المثال والمثال أقلُّ أنواع التَّداخل في المعتلاَّت، ولذلك أسبابه١.
ويؤكِّد بعضَ ما سبق ذكره إحصاءُ ما في (لسان العرب) من المثال، وبيانُ نسبة الياء إلى الواو فيه؛ فقد توصَّل البحثُ إلى أنَّ هذا المعجم يحتوي على ثمانية وعشرين وأربعمائة جَذرٍ؛ بلغ الواويُّ منها خمسةً وخمسين وثلاثمائة جَذْرٍ؛ أمَّا اليائيُّ فلم يزد عن ثلاثة وسبعين جَذراً؛ وهو ما نسبته (٠٦ر١٧ %) بينما بلغت نسبة الواويِّ (٩٤ر٨٢ %) . ويَتَبيَّن من الإحصاء –أيضاً- خلوُّ بعض الأبواب من اليائيِّ، وهي أبواب: الدَّالِ والذَّالِ والزَّايِ والشَّينِ والغينِ. ولم يأت في بعض الأبواب إلاَّ جَذرٌ يائيٌّ واحدٌ؛ وهي أبواب: الصَّادِ والضَّادِ والطَّاءِ والظَّاءِ والفاءِ والكافِ واللاَّمِ.
стр. 259
ولعلَّ من أهمِّ ما يستنتج من هذه الإحصائية تقلُّصُ الفُرَصِ لتداخل المثال مع المثال.
ونأتي - فيما يلي - على طائفة من أمثلة التَّداخل بين المثال والمثال:
فمنها تداخل الأصلين (ي ت ن) و (وت ن) في (اليَتْنِ) وهو الوِلادُ المنكوس؛ وذلك أن تَخْرجَ رِجْلا المولود قبل يديه ورأسه؛ وهو يحتمل الأصلين:
فذهب الجوهريُّ١ والفيروزآبادي٢ إلى انَّه من (ي ت ن) .
وجعله ابن منظور٣ من الأصلين، وتابعه الزَّبيدي٤ فذكره في الموضعين.
وجعل ابن خالوَيه (يَتَن) و (وَتَنَ) لغتين٥ ولعلَّه رجّح ذلك لقولهم: أوتَنَتِ المرأةُ، وأيتَنَتْ.
ويجوز أن يكون ذلك إبدالاً؛ لأنَّ الواو والياء من حروف الإبدال، والتعاقب بينهما كثيرٌ؛ فيكون أحدهما أصلاً والآخر فرعاً ولعلَّ اليائيَّ هو الأصل، فقد قال ابن السِّكِّيت - فيما يقال بالياء والهمزة: (ولدَتْهُ أمُّه
стр. 260
يَتْناً وأتْناً) ١.
وزاد القاليُّ: (وَتْناً) ٢: فلعلَّ الواويَّ مبدلٌ من المهموز، والتَّبادل بين الهمزة والواو شائع في أوَّل الكلمة، وإن قلَّ في المفتوح. ويقرِّب الأصلَ اليائيَّ إجماعهم على الأصل اليائيِّ في كلِّ ما ذكروه، واختلافهم على الأصل الواويّ أو المهموز.
ومن ذلك (الوَفْعُ) وهو المرتفع من الأرض؛ فهو يحتمل الأصلين (وف ع) و (ي ف ع) فقد ذكره ابن منظور في الأصلين؛ فقال في الواويّ٣: "الوَفْعُ المرتفع من الأرض، وجمعه أَوْفَاع".
وقال في اليائيِّ: "اليَفَاعُ: المشرف من الأرض والجبل، وقيل: هو قطعة منهما فيها غِلَظ ... وقيل: هو التَّلّ المشرف، وقيل: هو ما ارتفع من الأرض"٤.
والرّاجح أنّ الأصل في هذا (ي ف ع) لسببين:
أحدهما: أنّ تصرّفات الكلمة بمعناها مذكورة في (اللسان) في (ي ف ع) دون (وف ع) وهو اعتراف من ابن منظور بأنّ اليائيّ هو الأصل.
وثانيهما: أنّ الأئمة وضعوها في (ي ف ع) فحسب،
стр. 261
كالجوهري١ والصّغانيّ٢ والفيرزأبادي٣. ومن أمثلة التّداخل (الأيْدَح) وهو اللهو والباطل، تقول العرب: أخذتُه بأيدح، وأوْدَحَ الرّجلُ أقرّ بالباطل؛ وهو يحتمل الأصلين (ي د ح) و (ود ح) وقد ذكره ابن منظور٤ فيهما معاً.
ولم أقف على (ي د ح) في المعاجم التي رجعتُ إليها خلا (اللسان) . ومن ذلك (اليَسَعُ) وهو اسم نبيّ، ذكره ابن منظور في الأصلين؛ فقال في (ي س ع) : "وأمّا اسم النّبيّ فاليَسَع"٥.
وقال في (وس ع) : "واليَسَعُ اسم نبيّ؛ هذا إن كان عربيًّا ... وقد أُدخل عليه الألف واللاّم ... وقُرِئ ﴿وَالْيَسَعَ﴾ ٦ و ﴿واللّيْسَع﴾ ٧
стр. 262
أيضاً- بلامين١.
وسبب التّداخل في ذلك أنّ (اليَسَع) على قراءة الجمهور يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون (يَفْعَل) . وثانيهما: أن يكون (فَعَلا) .
فقد رُويَ عن أبي عمرو أنَّ (اليَسَع) مثل (اليَسَرِ) فهما يَسَع ويَسَر؛ فأدخلت الألف واللاّم؛ فقيل: اليَسَع مثل (اليَرْمَعِ) وهو الحجارة، و (اليَحْمَدُ) قبيلة من العرب؛ وهو فعلٌ مضارع سُمِّيَ به؛ ولا ضمير فيه؛ فعُرِّف بالألف واللاّم ٢، وهي للمدح عند الفرّاء٣؛ فإن كان عربيًّا فهو (يَفْعَل) لأنّه في الأصل (يَوْسِع) بكسر السّين، كما أنّ أصل (يَعِدُ) (يَوْعِدُ) ثمّ حذفت الواو؛ لوقوعها بين الياء والكسرة، ثمّ فتحت السّين من أجل حرف الحلق، ولم تردّ الواو؛ لعروض الفتحة، وقريب منه يطأ ويَقَعُ ويَدَعُ٤، فيكون من (وس ع) . وإن كان أعجميًّا فلا اشتقاق له؛ ووزنه (فَعَل) على أصالة الياء٥.
أمّا (اللَّيْسَعُ) بلامين فوزنه (الفَيْعَل) من (ل س ع) كـ
стр. 263
(الصَّيْرَف) ١.
وقد جزم أبو جعفر النّحّاس بأنّ (اليَسَع) اسم أعجميٌّ حين قال: "والحقّ في هذا أنّه اسم عجميّ، والعجميّة لا تؤخذ بالقياس؛ إنّما تؤدّى سماعاً"٢.
فعلى قول النّحّاس هو من (ي س ع) وقد أصاب ابن منظور في وضعه في هذا الأصل؛ وإن كان عربيًّا فهو من (وس ع) ولا وجه لوضعه في اليائيّ. وممن وضعه في (وس ع) الجوهري٣، والفيروزابادي٤، والزَّبيديّ٥.
ومن ذلك (الوَرَع) بمعنى: الجبان؛ سمّي بذلك لإحجامه ونكوصه، أو الصّغير الضّعيف الذي لا غناء عنده، والضّعيف في رأيه وعقله وبدنه؛ وهذا مذكور في (ور ع) من (الصحاح) ٦و (اللسان) ٧و (القاموس) ٨.
وثَمَّة أصل آخر يَرِدُ على هذه الكلمة بمعناها؛ وهو (ي ر ع) فقد
стр. 264
قال الزَّبيديّ: "اليَرَاع: الجبان الذي لا فؤاد له؛ قال ربيعة بن مقروم الضَّبّي:
شَهِدتُ طِرَادَهَا فَصَبَرتُ فيها ... إذَا مَا هَلَّلَ النَّكْسُ اليَرَاعُ١
... واليَرَاعُ: الرّجل الضّعيف، ومن لا رأي له ولا عقل"٢.
وقريب منه ما جاء في (الصحاح) ٣و (اللسان) ٤و (القاموس) ٥.
وأراه من (ور ع) لكثرة تصرّفه في هذا الأصل، وكثرة معانيه؛ وهي قريبة من معناه المذكور آنفاً، ومنها: التَّحَرُّج، والكفُّ عن القبيح أو الحرام، والمنع، والاحتشام، وضعف العقل وقلّة المال، وحبس الدَّابّة باللّجام، أو ردّها عن الحوض؛ فالجبان الضّعيف الذي لا فؤاد له ولا عقل هو من تلك المعاني.
стр. 265
ثانياً- التَّداخُلُ بين المثَالِ والأجْوَفِ:
ومن صور تداخل المعتلاّت ما يقع منه بين المثال والأجوف؛ غير أنَّه قليل الحدوث - أيضاً- لطبيعة المثال؛ كما تقدَّم. ومن أمثلة هذا النّوع (السِّيمَا) في قوله : ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ ١ و ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ٢ و ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ ٣.
ويتداخل - في هذه الكلمة - أصلان؛ هما (وس م) و (س وم) فوزن (السِّيمَا) على الأصل الأوَّل (عِفْلا) ٤ على القلب، وعلى الثَّاني (فِعْلا) . وتفصيل ذلك أنَّ الظَّاهر أن تكون (السِّيمَا) مشتقَّةً من الوَسْمِ؛ وهو العلامة؛ فيكون أصلها (وِسْمَى) قُدِّمت العين على الفاء؛ فصار (سِوْمَى) ٥، فقلبت الواوُ ياءً؛ لوقوعها ساكنة غير مشدَّدة بعد كسرة؛ كقولهم في مِوْزَانٍ ومِوْعَادٍ ومِوْقَاتٍ: مِيزَانٌ ومِيْعَادٌ ومِيْقَاتٌ "وإنَّما
стр. 266
قلبوا الواوَ ياءً؛ إذا سُكِّنت وانكسرَ ما قبلها، تشبيهاً بالألف من حيث إنَّ الواو والياء متى سُكِّنتا وكان قبلهما حركة من جنسيهما كانتا مدَّتين كالألف؛ فكما أنَّ الألف منقلبة إذا انكسر ما قبلها أو انضمَّ؛ نحو: ضُوَيْرِبٍ ومَفَاتِيحَ؛ فكذلك انقلبت الواو والياء إذا أشبهتاها"١.
وجاء في (اللّسان) : "قولهم: عليه سِيمَا حسنةٌ؛ معناه: علامةٌ؛ وهي مأخوذة من: وَسَمْتُ أَسِمُ ... والأصل في: سِيمَا، وِسْمَى؛ فحُوِّلت الواوُ من موضع الفاء؛ فوُضعت في موضع العين؛ كما قالوا: ما أَطْيَبَه وأَيْطَبَه؛ فصار سِوْمَى"٢.
ويقال فيها: السِّيمَا والسِّيماءُ، بالقصر والمدِّ، ويجوز في رسم المقصورة: سِيمَا وسِيمَى٣.
وقيل: إنَّ السِّيمَا من (السَّومِ) فيكون وزنها (فِعْلا) والأصل (سِوْمَا) حدث فيها ما ذُكر آنفاً؛ لسكون الواو وكسر ما قبلها.
واختار الدّكتور أحمد الخرَّاط هذا القول ورجّحه "لأنَّ السُّومةَ: العلامةُ؛ ولا يقال بالقلب إذا تبيَّن النُّطق بالأصل "٤ وهو يرى أنّ الوَسْمَ بمعناه مقلوب من السَّوْمِ؛ ولم يقل بذلك أحد -فيما أعلم- وهو خلاف
стр. 267
مذهب الجمهور١ فالوسم بمعناه أصلٌ مستقلٌّ متصرِّفٌ؛ ألا تراهم قالوا في (وسم) : الوَسْمُ أَثَرُ الكيِّ، ووَسَمَه وَسْماً وسِمَةً؛ إذا أثَّرَ فيه بِسِمَةٍ وكَيٍّ، واتَّسَمَ الرَّجلُ؛ إذا جعل لنفسه سمةً يُعرفُ بها، وأصله (اوْتَسَمَ) على (افْتَعَل) والسِّمَةُ والوِسَامُ: ما وُسِمَ به البعيرُ من ضُروبِ الصُّور، والوَسْمِيُّ: مطرُ أوَّل الرَّبيع؛ سمِّيَ بذلك لأنَّه يَسِمُ الأرضَ بالنَّبات، ويقال: تَوَسَّمْتُ في فلانٍ خيراً؛ أي: رأيتُ فيه أثراً منه، والوَسَامةُ: أثرُ الحُسْنِ، ونحو ذلك؛ ممَّا يدلُّ على أصالة (وس م) فالسِّيمَا إذن (عِفْلا) وليست (فِعْلا) والله أعلم. ومن تداخل المثال والأجوف ما وقع بين الأصلين في (الطَّادِي) وهو الثَّابت؛ قال القَطَامِيُّ:
ما اعْتَادَ حُبُّ سُلَيْمَى حينَ مُعْتَاد ولاَ تَقَضَّىَ بواقِي دَينِهَا الطَّادِي٢
فهذا مذكور في (اللّسان) في موضعين (ط ود) ٣ و (وط د) ٤. وواضحٌ أنَّ سبب التَّداخل في هذه الكلمة: القلب الواقع فيها؛ فوزنُ (الطَّادِي) (العَالِفُ) كـ (الحَادِي) وهو من: وَطَدَ يَطِدُ، ووَطَّدَ اللهُ مُلكَه،
стр. 268
إذا ثبَّته.
قال أبوعبيدٍ معقِّباً على بيت القَطَاميِّ: "يراد به الواطد؛ فأخَّر الواو؛ وقلبها ألفاً "١.
ومعنى الثَّباتِ في (وطد) موجود –أيضاً- في (ط ود) يقال: طادَ إذا ثبتَ، والطَّودُ: الجبل العظيم، وجمعه: أَطْوَادٌ٢.
ومن هنا كان تعيين الأصل منهما أمراً صعباً؛ فليس أحدهما بأولى من الآخر، ويجوز أن يكون كلٌّ منهما أصلاً مستقلاًّ برأسه؛ فيُدْرَجَا في باب التَّرادف.
ومن ذلك تداخل (ي ت أ) و (ت ي ت) في قولهم: رجلٌ (تَيْتَاءُ) وهو الّذي يقضي شهوته قبل أن يفْضِي إلى امْرأته، أو يُحْدِثُ؛ ويسمَّى العِذْيَوْطَ؛ وقد اختلفوا في أصله: فذهب فريق إلى أنَّه من (ت ي ت) ووزنه (فَعْلاء) . وممن رأى هذا الرأي: ابن منظور٣، وابن الطَّيِّب الفاسيُّ، الّذي قال -بعد أن ذكر معناه: (فظهر بهذا أنَّ مادَّته (ت ي ت) فيكون وزنه (فَعْلاء) ٤.
стр. 269
وذهب فريق إلى أنَّه من (ي ت أ) وفيه المعَرِّيُّ١وأبو حَيَّان٢؛ إذ جعله من الأمثلة الَّتي زِيدت في أوَّلها التَّاء. ويكون وزنه - حينئذٍ (تَفْعَالاً) كما نقل الزَّبِيديُّ٣.
ويجوز في الكلمة أصلٌ ثالثٌ غير ما تقدَّم؛ فقد ذهب رَضِيُّ الدِّين الشَّاطِبِيُّ٤ - فيما حكاه الزَّبِيديُّ ٥ - أنَّها (تِفْعَال) من (التَّأَتِّي) أي: يتأتَّى له الماء قبل الجماع. فيكون أصلها على هذا الاشتقاق (أت ي) ويقَرِّبُ ذلك قولهم: (تِئْتَاء) بالهمز؛ فلعلَّ قولَهم: (تِيْتَاء) مخفَّفٌ منه.
ونُقِل عن ابن القطَّاع أنَّه كان يرى أنَّ (تِيْتَاء) على بناء (فِعَّال) قال: "وأمَّا (فِعَّال) فيكون اسماً موضوعاً نحو قِثَّاء وحِنَّاء، ويكون نعتاً؛ نحو رجلٌ تِيتَاء للعِذْيَوطِ "٦.
стр. 270
ولا وجه لما ذهب إليه؛ إلاَّ أن يكون أراد أنَّ الياء جيء بها لفكِّ الإدغام، كأن يكون الأصل (تِتَّاء) فخُفِّفَ بقلب التَّاء الأولى ياءً، كما قالوا في دِنَّارٍ: دِينَارٌ.
وإن لم يكن الأمر كذلك فإنَّ صواب الوزن على تقدير أصالة التَّاء الأولى والهمزةِ (فِيعَال) من (ت ت أ) أو (فِعْتَال) من (ت ي أ) . والأوَّل أقرب؛ لأنَّ زيادة الياء في هذا الموضع أكثر من زيادة التّاء حَشْواً في غير (الافْتِعَال) .
ومن أمثلة التّداخل: تداخل (ول هـ) و (ل ي هـ) أو (ل وهـ) في لفظ الجلالة (الله) وقد اختلفوا في أصله واشتقاقه اختلافاً بيِّناً١:
فمنهم من جعل الأصل (ول هـ) ٢ من الوَلَهِ، وهو الحَيْرَةُ؛ فالخلق يَوْلَهُونَ إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كلِّ ما ينوبهم؛ كما يَوله كُلُّ طفلٍ إلى أمِّه؛ قال : ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ ٣ وكان القياس أن يقال: (مَوْلُوهٌ) كما قالوا: مَعْبُود؛ إلاَّ أنَّهم خالفوا به ذلك البناء؛ ليكون اسماً عَلماً؛ فقالوا:
стр. 271
إِلَه كما قالوا للمكتوب كِتَابٌ، وللمحسوب حِسَابٌ١.
وأصل (إِلَهٍ) (وِلاَهٌ) فقلبت الواو همزةً لانكسارها؛ فقيل (إِلَهٌ) كما قيل في وِعَاءٍ: إِعَاءٌ، وفي وِشَاحٍ: إِشَاحٌ، ثمَّ أُدخلت عليه الألف واللاَّم؛ فقالوا (الإِلَهُ) - بمدّ اللام - فنقلوا حركة الهمزة إلى اللاَّم، ثمَّ حذفت الهمزة وسُكِّنت اللاَّمُ للإدغام، فقالوا: اللَّه.
أو أنَّهم حذفوا الهمزة تخفيفاً فعُوِّضَ منها (أل) التَّعريف؛ فاجتمع لامان؛ فأدغمت الأولى في الثَّانية.
وقريبٌ من ذلك صنيعهم في (النَّاس) على مذهبٍ٢، فأصله (أُنَاس) فأدخلوا الألف واللاَّم؛ فقالوا: (الأُنَاس) ثمَّ حذفوا الهمزة تخفيفاً؛ فقالوا (النَّاسُ) .
والألف واللاَّمُ في (اللَّهِ) عوضٌ- عند بعضهم٣ - من الهمزة المحذوفة، ودليل ذلك استجازتهم لقطع الهمزة الموصولة الدَّاخلة على لام التَّعريف في القَسَمِ والنِّداء؛ كقولهم (أَفَأَ للَّه لَتَفعَلَنَّ) و (يا أَللَّه اغْفِرْلِي) . ويكون وزن لفظ الجلالة على ما تقدَّم (العَال) .
ومن ذهب إلى أنَّه مِن (أل هـ) ٤ كان عنده مشتقّاً من (أَلَهَ)
стр. 272
الرَّجلُ يَألَهُ إليه بمعنى: عَبَدَ، أو أَلِهَ بمعنى: تَحَيَّرَ، أو فَزِعَ، أو بمعنى: أَلِهْتُ إلى فلانٍ؛ أي: سكنْتُ إليه؛ فليس ببعيد أن تكون الهمزة -أيضاً- بدلاً من الواو؛ فيعود إلى (ول هـ) . والوزن: (العَال) أيضاً.
وذهب بعضهم١ إلى أنَّ أصله (ل ي هـ) من (لاَهَ) على زنة فَعَلَ –يليه لَيْهاً؛ إذا احتجب وتستَّرَ. أو من (ل وهـ) من (لاَهَ) يَلُوهُ؛ إذا ارتفعَ؛ وقد كانت العرب تقول لكلّ شيء مرتفعٍ: لاَهٌ؛ يقولون إذا طلعت الشَّمس: لاَهَتْ، ثمَّ دَخَلَتِ الألفُ واللاَّم تعظيماً؛ وفُخِّمَت اللاَّم الأولى. قال الأعشى:
كَحَلْفَةٍ مِنْ أبي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لاَهُهُ الكُبَارُ٢
وأبو رياحٍ هو النَّبيُّ صالح ﵇.
وقال ذو الإصبع العَدْوَانِيُّ:
لاَهِ ابْنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ ... عَنِّي، ولا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي٣
يريد: للَّه ابن عمِّك؛ فحَذَفَ لامَ التَّعريف؛ على قول جماعةٍ من
стр. 273
العلماء١.
فيكون وزن لفظ الجلالة على هذا الاشتقاق (الفَعَل) أو (الفَعِل) على تقدير تحرُّك العين، أو (الفَعْل) على تقدير سكونها.
وثَمَّةَ من قال: إنَّه غير مشتقٍّ؛ وذهب إلى هذا المازِنيُّ٢، والزَّجَّاج٣، والسُّهيليُّ٤ الّذي أشار إلى أنَّ الألف واللاَّم هي من الكلمة نفسها، ثمَّ وصلت الهمزة لكثرة الاستعمال، وكان يستدلُّ على أصالتها بقطعها في قولهم: (يا أَللَّه) .
ويدلُّ على أنَّه غير مشتقٍّ - عنده - أنَّه سبق الأشياء الّتي زعموا أنَّه مشتقٌّ منها؛ قال: "لا نقول: إنَّ اللَّفظ قديم، ولكنَّه متقدِّمٌ على كلِّ لفظٍ وعبارةٍ، ويشهد بصحة ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٥ فهذا نصٌّ في عدم المسمَّى، وتنبيه على عدم المادَّة المأخوذ منها الاسم"٦.
ثالثاً- التَّدَاخُلُ بين المِثَالِ والنَّاقِصِ:
ومن صُور التَّداخل في المعتلاَّت تداخل المثال مع النَّاقص؛ وهو
стр. 274
- أيضاً - قليل الحدوث؛ لما تقدَّم من حال المثال في اللُّغة العربيَّة.
ومن هذا النَّوع تداخل (وس م) مع (س م و) في (أَسْمَاءَ) اسمِ امرأةٍ؛ فهي تحتمل أن يكون وزنها (أَفعالاً) أو (فعلاء) وقد اختلفوا في ذلك:
فمن ذهب إلى أنَّها (أفعال) جعلها جمعَ (اسمٍ) من السُمُوِّ؛ فتكون سمِّيتْ بالجمع؛ و"قد اختصَّ به النِّساء؛ حتَّى كأن لم يكن جمعاً قطُّ"١. وإنَّما امتنع من الصَّرف للتأنيث والتَّعريف ٢.
وإذا سمِّي به الرِّجال جاز الوجهان؛ والأجود عند المبرِّد٣ الصَّرف؛ لأنَّه - عنده - من الأعلام المذكَّرة الَّتي غلبت تسمية المؤنَّث بها؛ فلحق بباب (سُعَادَ) و (زَينَبَ) ٤.
وممَّن قال بهذا؛ أعني (أَفْعَال) الأعلم الشَّنتَمَرِيُّ في ردِّه على سيبويه٥ لجعله أسْمَاءَ (فَعْلاء) بقوله: "ولا نعرف في الكلام اسماً بهذا التأليف؛ فتكون أسْمَاءُ (فَعْلاَء) منه، والظَّاهر أنَّ أسمَاءَ (أَفْعَال) على أنَّه
стр. 275
جمع اسمٍ؛ فسمِّيَ به"١. ومنهم الجوهريُّ٢إذ ذكرها في (سمو) .
والصَّغانيُّ٣ إذ نصَّ على أنَّها (أَفْعَال) وأنَّهم شبَّهوها بـ (فَعْلاء) لكثرة التَّسمية.
وذهب فريق من العلماء٤وعلى رأسهم سيبويه إلى أنَّ (أسْمَاءَ) (فَعْلاَء) من (الوَسَامَةِ) وهو الحُسن؛ كقولهم: فلان وسيم الوجه؛ أي: ذو وَسامةٍ؛ فالأصل (وَسْمَاءُ) فأُبدلت الواو همزةً استثقالاً؛ كما قالوا: امرأةٌ أنَاةٌ من: الوَنَى، وقالوا: أحدٌ، والأصل (وَحَدٌ) . وعلى هذا لا ينصرف (أسْمَاءُ) في المعرفة ولا في النَّكرة.
وممَّن جعلها (فَعْلاء) غير سيبويه: ابن السّراج٥ وابن جنّي٦ والرَّضيّ٧ وابْن مَنْظُور٨ إذ ذكرها في (وس م) وكذلك
стр. 276
الفيروزاباديّ١ والزَّبِيدي٢.
وأرى الحقَّ في جانب سيبويه، ومن نحى نحوه في أنّها من: الوَسَامَةِ، لسببين:
أحدهما: أنَّ التَّسمية بالصِّفة أكثر من التَّسمية بالجمع٣.
والآخر: أنَّ جعلها من الوَسَامَةِ –وهو: الحُسن-أقرب في تسمية النّساء من معنى جمع (اسمٍ) ٤.
وعلى هذا يكون الأصل (وس م) لا (س م و) .
ومن صور التّداخل بين المثال والنَّاقص أنَّ (ظُبَةً) وهي: حدُّ السَّيف والسِّنان والنَّصْلِ تحتمل الأصلين (وظ ب) و (ظ ب و) .
وكان ابن جنّي٥ يرى أنَّه من (ظ ب و) وأنَّه لا يجوز أن يكون المحذوف منه فاءً؛ لأنَّ الفاء لم يطّرد حذفها إلاَّ في مصادر المثال الواويِّ؛ نحو (عِدَةٍ) و (زِنَةٍ) و (جِدَةٍ) .
وليست (ظُبَةٌ) من ذلك؛ فأوّلها مضموم، وأوائل تلك المصادر مكسورة، ولم يطّرد حذف الواو فاءً من (فُعْلَة) إلاَّ في (الصُّلَةِ) بالضَّمِّ
стр. 277
- وهي من (الصَّلَةِ) ولا نظير له.
وذكر أنَّه لا يجوز أن يكون المحذوف من (ظُبَةٍ) العينَ؛ لأنَّ ذلك لم يأت إلاَّ في (سَهٍ) و (مُذ) وهما كلمتان نادرتان لا يقاس عليهما. وممَّا يدلُّ على أنَّها من (ظ ب و) قولهم في جمعها: (ظُباً) فاللاَّم –كما ترى- هي المعتلّة؛ كـ (لُغَةٍ) و (لُغًى) .
وكان ابن سيده١يقول بقول ابن جنّي؛ لمَّا رأى قوّة مذهبه فيه. وإن صحَّ ما ذهب إليه ابن جنّي وابن سيده فإنَّه لا تداخل في كلمة (ظبة) .
ومن أمثلة هذا الباب: تداخل (وري) و (ت ري) في (التَّريَّةِ) وهي اسم ما تراه الحائض عند الاغتسال، وهو الشّيء الخفيّ اليسير، وفيها رأيان:
الأوَّل: مذهب أبي عليّ الفارسيّ٢؛وهو أنَّ وزنها (فَعِيلَة) إمَّا من (وَرَى) كأنَّ الحيض وأرَى بها عن منظرِهِ العينَ، أو من (وَرَى) ٣ الزَّندُ إذا أخرج النَّار؛ كأنَّ الطُّهر أخرجها وأظهرها بعد ما كان أخفاها الحيض.
стр. 278
الثَّاني: ما ذهب إليه الأزهريّ١ وهو أنَّ الأصل (ت ر ي) ووزنها (فَعِيلة) أيضاً.
وتحتمل (التَّرِيَّة) أصلاً ثالثاً؛ فقد ذهب ابن سيده٢ إلى أنَّها من الرُّؤية، والتَّاء الأولى زائدة؛ فالأصل - حينئذٍ (رأي) وهو مذهب قويٌّ، فكأنَّها (تَرْئِيَةٌ) على زِنَةِ (تَفْعِلَة) من رأى، ثمَّ قلبت الهمزة ياءً، فقالوا: (تَرْيِيَة) فسكِّنت الياء الأولى للإدغام وحرِّكت الرَّاء لالتقاء السَّاكنين، أو نقلت حركة الياء - وهي الكسرة - إلى الرَّاء، وسكِّنت الياء الأولى، ثمَّ أدغمت في الياء الثَّانية.
стр. 279
رابعاً- التَّدَاخُلُ بين المثالِ واللَّفِيفِ:
ثَمَّةَ تداخل بين المثال واللَّفيف، غير أنَّه قليل؛ لما تقدَّم من طبيعة المثال.
ومنه تداخل (وأل) و (وول) في (الأوَّل) نقيض الآخِرِ؛ وقد اختلفوا فيه:
فذهب البصريّون١ - وعلى رأسهم سيبويه -٢إلى أنَّ أصله (وول) وهو (أَفْعَل) وأصله (أَوْوَل) واستدلّوا باتّصال (مِنْ) به؛ على حدِّ اتّصالها بأَفْعَل التَّفضيل؛ لقولهم: ما لقيتكَ مذ أوَّلَ من أمسِ؛ فجرى هذا مجرى قولهم: هو أعلم من عمرٍو، وزيد أطول من بكرٍ.
ودلَّ على ذلك - أيضاً - قولهم في التَّأنيث: الأولى؛ فهو بمنزلة (الأَفْضَلِ) و (الفُضْلَى) فالأُولى (فُعْلَى) وهي في الأصل (وُوْلَى) فأُبدلت الواو همزةً.
ويدلّ على ذلك - أيضاً - ترك الصَّرف٣وأفعلُ ممّا لا ينصرف.
وبحثوا عن فعله؛ فلم يجدوه؛ فقالوا: لا يتصرَّف منه فعل "لأنَّ فاءه وعينه واوان، فلو قالوا فيه: (فَعَلَ يَفْعَلُ) لحدث هناك شيئان يتدافعان؛
стр. 280
وذلك أنَّ (فَعَل) إذا كانت فاؤه واواً، فالمضارع منه إنَّما يجيء على (يَفْعِل) نحو: وَعَدَ يَعِدُ، وعين الفعل إذا كانت واواً؛ فالمضارع من: فَعَلَ، أبداً مضموم العين؛ نحو: قَالَ يَقُولُ؛ فكان يجب أن تكون العين من (يَفْعَل) مضمومةً مكسورةً في حال؛ وهذا متنافٍ؛ مع ما ينضاف إليه من ثقل الواوين"١.
ولا يُردُّ على أصحاب هذا الرَّأي بأنَّ فيه اجتماع المثلين في أوَّل الكلمة؛ لأنَّه قد جاء عن العرب (ددن) ونحوه؛ كما مرَّ٢.
ولا يردُّ عليهم - أيضاً - بقولهم في جمعه (أوائل) بالهمز- كأنَّ العين همزة؛ لأنَّه في الأصل (أواوِل) فلمَّا اكتنف الألفَ واوان، ووليت الآخرةُ منهما الطَّرفَ، ضعفتْ، وانضاف ذلك إلى ثقل الجمع قلبت الأخيرة منهما همزة٣.
وذهب الكوفيّون، وعلى رأسهم الفرّاء٤ إلى أنَّ أصله (وأل) من (وَأَلَ يَئِلُ) إذا نجا؛ لأنَّ النّجاة في السَّبق، فقلبت الهمزة في موضع الفاء، أو هو من (وول) فـ (أَوَّل) عندهم (فَوْعَل) وأصلها (أَوْألْ) ثمَّ خفِّفت
стр. 281
الهمزة بأن أبدلت واواً؛ فصارت (أوْوَل) فأدغمت الأولى في الثَّانية؛ فقالوا: (أوَّل) .
ويَرِدُ عليهم أمران:
أحدهما: أنَّهم خالفوا القياس في تخفيف الهمزة؛ لأنَّ القياس في تخفيف مثل هذه الهمزة أن تُلقى حركتُها على السَّاكن قبلها، وتحذف١.
وثانيهما: أنَّ استعمال (أوَّل) متلوّاً بـ (مِنْ) يردُّ قولهم؛ لأنَّ (فَوْعلاً) لا يستعمل بـ (مِنْ) فلا يقال: (فَوْعل) منه، ولكن يقال: (أفْعَل) منه.
ويبدو- لأوَّل وهلة - أنَّ في قراءة قالون٢: ﴿وأنَّه أهْلَكَ عَادٍ لُّؤْلَى﴾ ٣ بهمز الواو؛ وهي عين الكلمة –دليلاً على أنَّ الأصل الهمز؛ كما ذهبوا إليه، كما أنَّ في قولهم: (النَّبأ) و (بَرَأَ اللَّه الخلقَ) دليلاً على أنَّ (النَّبيَّ) و (البَرِيَّةَ) أصلهما الهمز. غير أنَّ الأمر بخلاف ذلك، لأنَّ الهمز في قراءة قالون بمنزلة قول جرير:
لَحَبَّ المُؤْقِدَانِ إِلَيَّ مُؤْسَىَ ... وجَعْدَةُ لو أضَاء هُمُا الوَقُودُ ٤
стр. 282
ألا ترى أنَّ "من العرب من يبدِّل الواو السّاكنة المضموم ما قبلها همزةً؛ فيقول: مُؤْقِنٌ ومُؤْقِدٌ؛ وليس هكذا: أَنْبَأتُ، وبَرَأ اللَّه الخلقَ؛ لأنَّ الهمزة فيهما من الكثرة بحيث لا خفاء به"١ فلذلك لا يقاس ﴿عَادٍ لُّؤلَى﴾ على هذا؛ لشذوذه؛ كما في هذه اللُّغة.
وليس في قولهم: (أوَّلَةٌ) و (أوَّلَتَان) دليل على أنه (فَوْعَلةٌ) لأنَّ ذلك من كلام العوامِّ؛ وليس بفصيح٢.
وثَمَّةَ رأي ثالث؛ فقد قيل: إنَّ أصل (أوَّل) (أول) من: آلَ يؤُول٣.
فأصل الكلمة على هذا الرأي (أَأْوَل) ثمَّ أخِّرت الهمزة الثَّانية؛ فجعلت بعد الواو، ثمَّ عمل فيها ما عمل في الوجه السابق عند الكوفيّين؛ فوزن (أوَّل) على هذا الرأي (أعْفَل) .
ولولا القلب لقيل: (أَأْوَل) وإن خُفِّف قيل: (آوَل) وهو ضعيف؛ لعدم سماعه.
стр. 283
ب- التَّدَاخلُ في الأجْوَفِ:
القسمة الجامعة لتداخل الأجوف في المعتلاّت على النّحو التَّالي:
١- التَّداخل بين الأجوف والأجوف.
٢- التداخل بين الأجوف والنَّاقص.
٣- التداخل بين الأجوف واللّفيف.
أمَّا التَّداخل بين الأجوف والمثال فقد تقدَّم ذكره في المبحث السَّابق١.
أوَّلاً- التَّداخُلُ بين الأجوفِ والأجوفِ:
هذا النوع من التَّداخل - في المعتلاَّت - كثير، ومعاجم القافية مليئة به؛ وهو ممَّا يصعب التَّمييز فيه بين الأصلين؛ وبخاصَّةٍ ما قلب فيه حرف العلّة ألفاً؛ وهو كثير.
ولعلَّ الأجوف؛ نحو: قَالَ وبَاعَ وخَافَ مرَّ بثلاث مراحل:
الأولى: ظهور الأصل المعتلّ؛ وهو (قَوَلَ) و (بَيَعَ) و (خَوِفَ) . وقد بقيت هذه المعتلات على حالها في اللُّغة الحبشيَّة٢، وفي كلمات حافظت –في العربية- على صورتها القديمة؛ فلم تتطوَّر إلى المرحلة التَّالية؛ نحو: (عَوِرَ) و (هَيِفَ) و (حَوِلَ) .
أمَّا الثَّانية فهي مرحلة التَّسكين للتَّخفيف؛ نحو: (قَوْلَ) و (بَيْعَ)
стр. 284
و (خَوْفَ) وهي مرحلة ضروريَّة -كما يرى ابن جنّي١- للانتقال للمرحلة التَّالية؛ وهي قلب الواو أو الياء ألفاً؛ وتلك هي المرحلة الثَّالثة. ولعلَّ هذا ممَّا أكثر التَّداخل في الجوف بين الواو والياء؛ لأنَّ معرفة الأصل –وهو ما كانت عليه الكلمة الجوفاء في المرحلة الأولى- غير ميسورة في كلِّ حال؛ ولا سيَّما فيما هجر أصله، ولم يظهر في شيء من تصاريف الكلمة؛ فليس من سبيل إلى معرفته سوى التَّرجيح أو الظَّنِّ.
وكذلك يخفى المعتلّ في الأجوف إذا لم تسمع كلُّ تصاريفه أو بعضها، فيخلو ممَّا يكون دليلاً على أحد الأصلين، كـ (السِّيْدِ) وهو الذئب، كما سيأتي تفصيله؛ إن شاء الله.
على أنَّ ما جاء من المعتلّ بعامة، والأجوف بخاصة بالواو والياء جميعاً؛ على سبيل التَّعاقب أواللّغات، يعدّ من أشدّ المعتلاَّت خفاءً في الأصول.
ومن أهمِّ ما يترتبّ على التَّداخل بين الجوف والأجوف حركة عين المضارع؛ في المعتلّ والصّحيح؛ على حدٍّ سواء؛ فإن قياس المضارع أن يكون على (يَفْعُل) ٢ إن كانت العين واواً؛ نحو: صَالَ يَصُولُ، وعَالَ يَعُولُ، وبَاحَ يَبُوح، ونَاحَ يَنُوحُ، وعَادَ يَعُودُ، ونَاءَ يَنُوءُ.
стр. 285
وقياسه أن يكون على (يَفْعِل) ١ إن كانت العين ياءً؛ نحو: بَاعَ يَبِيعُ، وبَادَ يَبِيدُ، وهَامَ يَهِيمُ، ولاَنَ يَلِينُ، وغير ذلك. ومن أمثلة التَّداخل بين الأجوف والأجوف أنَّ (جَاسُوا) في قراءة أبي السَّمَّال٢ في قوله ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ ٣ قرأها (فَحَاسُوا) ٤ قال أبو زيد الأنصاري: فقلت له: إنَّما هو (جَاسُوا) فقال: جَاسُوا وحَاسُوا واحد٥.
ويتداخل أصلان في هذه الكلمة؛ وهما (ح وس) و (ح ي س) :
فذهب ابن جنّي إلى أنَّه من (ح ي س) في قوله: "وأنا أرى أنَّ حَاسُوا من: الحَيسِ؛ وهو الخلط؛ كأنَّه إذا وطئ المكان وذلَّله؛ فقد خلط بعضه ببعض"٦.
وقريب من ذلك قولهم: الحَوَاسَةُ؛ وهي الجماعة من النَّاس