← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11986

تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم

عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

Полный текст (1 028 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ب- القلب المكانيّ: القلب في اللّغة: تحويل الشّيء عن وجهه، ومنه: قلب الشّيء، وقَلَّبه: حَوَّله ظهراً لبطنٍ، وَقَلَبَ رَدَاءَه: حَوَّله١. والقلب المكانيّ في اصطلاح اللّغويّين: هو حلول حرفٍ مكان حرفٍ في الكلمة المفردة بالتّقديم والتّأخير: مع حفظ معناها٢.نحو: اضْمَحَلَّ وامْضَحَلَّ، وعميق ومَعِيقٍ؛ وسحابٍ مُكْفَهِرٍّ ومُكْرَهِفٍّ، وقَافَ الأثرَ وقَفَاه٣. وهو سماعيٌّ؛ يحفظ ولا يقاس عليه؛ كما قال ابن عصفورٍ٤ وهو رأي الجمهور. ولم يكن القلب المكانيّ محلّ اتّفاق عند العلماء؛ فقد اختلفوا فيه؛ وتفاوتت أدلّتهم في معرفة الأصل من المقلوب، ولاتكاد تخرج آراؤهم في القلب عن ثلاثةٍ: ١- قبول القلب بشكلٍ مطلقٍ. ٢- إنكاره. ٣- قبوله مقيّداً بوجود الدّليل. أمّا الأوّل فهو مذهب كثيرٍ من أهل اللّغة؛ إذ تلقّوا القلب المكانيّ بالقبول، وكانوا يرون أنّ لكلّ مثالٍ أصلاً وفرعاً؛ ووافقهم على ذلك

стр. 597

النّحويّون من الكوفيّين١. وقد أفرد له بعض اللّغويّين - من المدرستين - أبواباً في مؤلّفاتهم؛ جمعوا فيها كثيراً من أمثلته، ومن هؤلاء: أبو عبيدٍ القاسم بن سلاَّم٢، وابن قتيبة٣، وكُراعٌ٤، وابن دريدٍ٥، وابن فارسٍ٦، وابن سِيدَه٧، والسّيوطيّ٨. وكان بعض المتأخّرين من المعاصرين يرون ما يراه جمهور أهل اللّغة من المتقدّمين، وعندهم أنّ مثل هذه الكلمة إذا وقعت في اللّغة الواحدة كالعربيّة؛ فإنّه يجب أن ينظر إليها على أنّ بعضها أصلٌ والآخر مقلوبٌ عنه، ولا معنى للتّفريق بينها٩، كما فعل البصريّون - كما سيأتي - فالتّقديم والتّأخير من سمات اللّغة. أمّا الرّأي الثّاني في القلب فقد تزعّمه ابن درستويه؛ إذ كان ينكر القلب، ويُخرّج ما جاء منه على أنّه من أصولٍ مستقلّةٍ؛ وإن تشابهت في

стр. 598

المعنى؛ فهو عنده من لغات القبائل، ويرى أنّ لكلّ قولٍ مناسبةً، ولكلّ لفظٍ معناه الخاصّ، الّذي ينفرد به عن غيره في العربيّة؛ كالتّرادف والأضداد١. أمّا الثّالث فهو موقف أكثر البصريّين؛ وقد توسّطوا فيه، وأساس مذهبهم هذا "أنّ كلّ لفظين وجد فيهما تقديمٌ وتأخيرٌ؛ فأمكن أن يكونا جميعاً أصلين ليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه؛ فهو القياس الّذي لا يجوز غيره"٢. وقد كان البصريّون يستدلّون على القلب بأمورٍ، منها: ١- أن يقلّ أحد اللّفظين في التّصرّف عن الآخر؛ فيكون الأكثر تصرّفاً هو الأصل، والآخر هو المقلوب؛ كقولهم: أَنَى الشّيء يَأْنِي، وآنَ يَئِين؛ إذا حان وأدرك منتهاه؛ فالأصل: أَنَى، وآنَ مقلوبٌ عنه، والدّليل على هذا ورود مصدر (أَنَى) وهو: الإِنَى والأَنَى٣، وليس لـ (آنَ) مصدرٌ. أمّا إذا تساويا في التّصرّف؛ نحو: جَذَبَ وجَبَذَ؛ فلا يكون أحدهما مقلوباً عن الآخر؛ لقولهم: جَذَبَ يجْذِبُ جذباً، فهو جاذبٌ، والمفعول مجذوبٌ، وجَبَذَ يَجْبِذُ جبذاً، فهو جابذٌ، والمفعول مجبوذٌ٤.

стр. 599

وكذلك لا يدّعون في: وَأَدَ ابنته، إذا دفنها؛ وهي حيّةٌ - أنّه مقلوبٌ؛ من: آدَ، بمعناه؛ لأنّ كلاًّ منهما كامل التّصرّف في الماضي، والمضارع، والآمر، والمصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول؛ وليس فيه شيءٌ من مسوّغات القلب١. ولكن ثمَّة ما يدعو للحذر من أخذ هذا المقياس على إطلاقه؛ وهو أنّ اللّغة لم تصل إلينا كاملةً؛ كما قال أبو عمرو بن العلاء٢، وابن فارسٍ٣، ويزاد على هذا أنّ أصحاب المعاجم لم يلتزموا ذكر كلّ ماجاء على القياس من تصريفات الكلمة؛ فهم كثيراً ما يتركون بعض التّصاريف؛ كالمصادر، والجموع، وأسماء الفاعلين، أو المفعولن؛ لمجيئهما على القياس. ٢- أن يُصحّح اللّفظ مع وجود موجب الإعلال؛ كقولهم: أَيِسَ ويَئِسَ، فإنّ الأوّل مقلوبٌ عن الثّاني؛ إذ فيه موجب الإعلال؛ وهو تحرّك الياء وانفتاح ما قبلها، وترك الإعلال دليلٌ على أنّه مقلوبٌ عن: يَئِسَ٤. ٣- أن يترتّب على عدم القلب اجتماع همزتين في الطّرف في اسم الفاعل من الأجوف المهموز؛ نحو: (جاء) من (ج ي أ) وقياسه قبل

стр. 600

القلب؛ جايئ؛ على وزن (فاعِل) ثمّ يهمز، فيقال: جائئ؛ فتجتمع همزتان في الطّرف؛ فلذا قلب الخليل في (جايئ) خوفاً من اجتماع همزتين فقال: (جائي) بزنة (فَالِع) ثمّ أُعِلّ إعلال قاضٍ؛ فيقال: جاءٍ. وكذلك في جمعه على (فَوَاعِل) نحو (جَوَاءٍ) وفي الجمع الأقصى لمفردٍ لامه همزةٌ مسبوقةٌ بحرف مدّ؛ كما في: خطايا، جمع: خطيئةٍ؛ وهو مذهب الخليل١، فيكون وزن: جاءٍ وجواءٍ، وخطايا عنده: (فَالٍ) و (فوالٍ) و (فَعَالَى) وهي عند سيبويه (فَاعٍ) و (فَوَاعٍ) و (فَعَائل) ٢. وثَمَّة ما يعرف به القلب غير ما تقدّم؛ كمنع الصّرف بغير علّةٍ؛ لو لم يُقَلْ بالقلب؛ كمنع الصّرف في: أشياء؛ فإنّها (لَفْعَاء) عند البصريّين، وأصلها: شَيْئاء؛ وهي (أفْعَال) عند الكسائيّ، و (أَفْعَاء) عند الفرّاء والأخفش. وممّا حمل البصريّين على أن يقولوا بالقلب فيها أنّهم ألفوها ممنوعةً من الصّرف، ولم يقولوا بمذهب الكسائيّ لكي لا تمنع الكلمة منالصّرف بغير علّةٍ، واستدلّوا - أيضاً - بأمورٍ منها قول العرب في جمعها: أشَايَا وأَشَاوَى، وأَشْيَاوَات، وقولهم في التّصغير: أُشَيَّاء؛ وأمّا مذهبا الفرَاء والأخفش فقد ضُعِّفَا٣. نعم؛ ويؤدّي القلب المكانيّ - كما أشرت - إلى تداخل الأصول،

стр. 601

ويلتبس الأصل بالفرع، ويجعل الفرع أصلاً والأصل فرعاً في مثل (الهَذْمَلَة) وهي: ضربٌ من المشي عند الجوهريّ، وقد ذكرها في (هـ ذ م ل) فأنكر عليه الصّغانيّ ذلك، وقال: "وقد انقلب عليه اللّفظ، والصّواب: الهَذْلَمَة، وموضع ذكرها حرف الميم"١. وذكر الجوهريّ (البّازِي) في (ب ز و) ٢ على الصّواب؛ لأنّه مقلوبٌ، ووزن (البَازِ) : (فَلَع) ٣ على القلب؛ بدليل تكسيره على: أبوازٍ؛ وهو (أَفْلاع) وقد ذكره ابن منظورٍ في (ب وز) ٤ على لفظه. وربّما جعلا جميعاً أصلين؛ على نحو ما ذهب إليه ابن درستويه، أو حملا على الأصلين. ويظهر هذا جليّاً في بعض معاجم القافية؛ بوضع الكلمة ومقلوبها في الموضعين الأصل والفرع في كثيرٍ ممّا جاء مقلوباً؛ فيعطى كلٌّ منهما شرحاً وافياً، وكأنّه أصلٌ مستقلٌّ برأسه. فممّا جاء في الأصلين في المعجم الواحد: (لاثٍ) وهو الشّيء الملتفّ بعضه على بعضٍ، ومنه: شَجَرٌ لاثٍ. وقد ذكره ابن منظورٍ في (ل وث) ٥ و (ل ث و) ٦ وذكر - أيضاً

стр. 602

- قولهم: قَفَا الأثرَ وقَافَه في الأصلين١. وذكر الزّبيديّ قولهم: يومٌ حَمْتٌ ومَحْتٌ؛ أي: شديد الحرّ - في الأصلين٢. وممّا تداخلت فيه الأصول بسبب القلب: (الأَفْعَى) وهي: الحيَّة و (الأُفْعُوَان) وهو: ذكر الأفاعي؛ فإنّهما يحتملان أصلين: الأوّل (ف ع و) ووزنهما - عندئذٍ (أَفْعَل) و (أُفْعُلاَن) وهو مذهب أكثر العلماء، ويقوّيه: تَفَعَّى الرّجل في الشّرّ، وأَفْعَى؛ إذا صار ذا شرٍّ بعد خيرٍ، ويقال: أرضٌ مُفْعَاةٌ؛ أي: كثيرة الأفاعي٣. وأصل مُفْعَاةٍ: مَفْعَوَةٌ؛ فقلبت الواو ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها. وذهب بعضهم إلى أنّ (الأّفْعَى) و (الأُفْعُوَان) من (ف وع) واشتقاقها من: فَوْعَة السّمّ؛ وهي: حرارته؛ وقد حدث فيهما قلبٌ بتقديم اللاّم على العين؛ فوزنها - حينئذٍ (أَفْلَع) و (أُفْلُعَان) ٤. ويتداخل الأصلان (م ي د) و (م د ي) في (المَيْدَان) وهو: المِضْمار؛ الّذي تجري فيه الخيل؛ وقد اختلفوا في وزنه؛ فقيل: إنّه (فَعْلاَن) من: مَادَ يَمِيدُ؛ إذا تَلَوَّى واضطربَ، ومعناه أنّ الخيل تجول فيه، وتنثني متعطّفةً،

стр. 603

وتضطرب في جولانها. وقيل: إنّه (فَلْعَان) على القلب؛ من (المَدَى) وهو الغاية؛ لأنّ الخيل تنتهي فيه إلى غاياتها من الجري والجولان، وأصله: مَدْيَان؛ قُلِبَ بتقديم الياء، وهي لامه، وأخِّرت الدّال؛ وهي عينه؛ فصار: مَيْدَاناً؛ كما قيل في جمع بازٍ: بِيْزان، والأصل: بِزْيان، وباز: (فَلَع) وبِيزَان (فِلْعَان) وأصل (الباز) قبل القلب: (البَازِي) ١. ويتداخل بسبب القلب (ح ت و) و (ح وت) في (المُحْتَات) : الموثّق الخلق؛ وهو يحتمل الأصلين: فقد يجوز أن يكون مقلوباً على وزن (مُفْتَلِعٍ) فقدّمت اللاّم؛ وهي حرف العلّة، وأخِّرت العين؛ وهي التّاء. واشتقّه ابن الأعرابيّ على هذا الأصل من: حَتَوْتُ الكساء٢. ويجوز أخذه على ظاهره؛ فيكون وزنه (مُفْتَعِلاً) من (ح وت) وأصله (مُحْتَوَت) فقلبت الواو ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؛ كما في مُختارٍ ومُنقادٍ. ويؤدّي القلب - أيضاً - إلى تداخل الأصلين (وج هـ) و (ج وهـ) في (الجَاه) وهو: المنزلة والقدر عند السّلطان، ومنه ما رواه ابنُ جنّي عن الفرّاء أنّه سمع أعرابيّةً من غَطَفَان، وقد زجرها ابنها؛ فقال لها الفرّاء:

стр. 604

رُدِّي عليه، فقالت: أخاف أن يجُوهَني بأكثر من هذا١. وهو يحتمل الأصلين: فقد يجوز أن يكون من: (وج هـ) فيكون اشتقاق (الجَاه) من (الوَجْه) وقولها: أخاف أن يجوهني بأكثر من هذا: أي: يواجهني، من الوجه - أيضاً - وعلى هذا فأصل (الجَاه) قبل القلب: (الوجه) فأعلّ بالقلب المكانيّ، ثمّ حرِّكت عينه؛ فصار إلى: (جَوَهٍ) ثمّ قلبت الواو ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؛ فقالوا: (الجَاه) . ويدلّ على هذا ما حكاه أبو زيد أنّهم يقولون: قد وَجُهَ الرَّجل وَجَاهة عند السلطان، وهو وجيه، ولم يقولوا: جَوِيه٢. وذكر الجوهري في (ج وهـ) على ظاهر اللّفظ، وذكر أنّهم يقولون: جَاهَه بالمكروه جوهاً؛ أي: جَبَهَه٣، ولعلّ قول الأعرابيّة: (يجوهني) يكون من هذا. وذكره ابن منظورٍ - أيضاً - في هذا الأصل؛ لكنّه نقل عنهم تنبيههم على القلب٤. ويتداخل في قوله : ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ

стр. 605

يَتَسَنَّهْ﴾ ١ ثلاثة أصولٍ؛ لأسبابٍ منها: القلب؛ وهي: (س ن هـ) و (أس ن) و (س ن ن) وبيانها كما يلي: ذهب الفرّاء إلى أنّ الهاء أصلٌ؛ فيكون أصل (يَتَسَنَّة) (س ن هـ) ووزنه على هذا الأصل (يَتَفَعَّل) وهو مشتقٌّ من لفظ (السَّنَة) على لغة من يقول: إنّ لامها هاءٌ، وأصل (سَنَةٍ) على هذا (سَنَهَةٌ) ومعنى: لم يتَسَنَّه: لم يتغيّر بمرور السِّنين٢. ويبدو أنّ أبا حيّان كان يرى هذا؛ إذ ذكره في هذا الأصل٣. ويؤيّد هذا ألأصل قولهم: بعتُهُ مُسانهةً، وقولهم في التّصغير: سُنَيْهَةٌ، وفي الجمع: سَنَهَاتٌ، ومن هذا قولهم: سَانَهْتُ وأَسْنَهْتُ عند بني فلانٍ؛ أي: قضيت سنةً، ومن ذلك قول الشّاعر: وَلَيْسَتْ بِسَنْهَاء ولا رُجَّبِيَّةٍ ... ولكِنْ عَرَايَا في السِّنِينِ الجَوَائِخِ٤ وأجاز بعضهم أن يكون أصله (أس ن) واشتقاقه من: أَسِنَ الماء؛ أي: تغيّر؛ وعلى الرّغم من قربه في المعنى فقد ردّه بعض النّحاة٥؛ لبعده

стр. 606

في الاشتقاق من حيث الصّناعة؛ إذ لو كان مشتقّاً من: أَسِنَ الماء - لكان قياسه حين يبنى منه (تَفَعَّلَ) أن يقال: تَاَسَّنَ؛ لا تَسَنَّهَ. على أنّ له وجهاً في القياس؛ وهو أن يكون قد حدث فيه قلبٌ، بأن أخّرت فاؤه - وهي الهمزة - إلى موضع لامه؛ فصار: (يَتَسَنَّأ) بالهمزة آخراً، ثمّ أبدلت الهمزة ألفاً؛ كقولهم في قَرَأَ: قَرَا، ثمّ حذفت للجزم - كما قال السّمين١. وذهب المبرّد إلى أنّ الهاء للسّكت، واللاّم محذوفةٌ للجازم٢؛ فيكون وزنه: (يَتَفَعَّه) (وإثباتها وصلاً من قبيل إجراء الوصل مُجرى الوقف، وأصل الكلمة مشتقٌّ من السّنة، ولامها واوٌ، فأصله: يَتَسنَّى، ثمّ حذفت اللاّم للجزم، وقبل ذلك كان: يَتَسَنّو؛ تحرّكت الواو وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألفاً) ٣ فقالوا: يَتَسَنّى. ويجوز أن يكون من (س ن ن) واشتقاقه من: (السَّنِّ) أو من (مَسْنُونٍ) وهو: المتغيّر؛ وعليه قوله : ﴿مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ٤. وأصله: يستسَنَّنُ؛ بثلاث نوناتٍ؛ على وزن (يَتَفَعَّل) فاستثقل توالي الأمثال؛ فأبدلت الأخيرة ياءً؛ فقالوا: يَتَسَنَّى؛ على حدّ قولهم: تَظَنَّى، من تَظَنَّنَ، وقولك: قَصّيت أظفاري؛ أي: قصَّصْتُها. ثمّ أبدلت في (يَتَسَنَّى)

стр. 607

ألفاً؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ثمّ حذفت الأف للجزم١. ج- الإبدال. الإبدال - في اللّغة - من البدل؛ وهو: العِوَض والخَلَف، والتّبديل والإبدال: تغيّر الشّيء عن حاله، وجعل شيءٍ مكان غيره٢. والإبدال - في الاصطلاح اللّغويّ: إقامة حرفٍ مكان حرفٍ في موضعه، أو: هو اتّفاق كلمتين في معنييهما وحروفهما عدا حرفاً واحداً٣، كالسِّراط والصِّراط، والتَّولَج والدّولَج، ونبيثة البئر ونبيذتها؛ وهو: ترابها. والإبدال على نوعين: صرفيٌّ، ولغويٌّ: الإبدال الصّرفيّ: هو ما يبدل من غيره إبدالاً قياسيّاً مضطرّاً إليه في التّصريف أو مستحبّاً؛ بحيث يؤدّي تركه - أحياناً - إلى الخطأ٤. وهو على قسمين: أحدهما: إبدال حرفٍ من غيره؛ لأجل الإدغام عند التقاء

стр. 608

صوتين متجانسين أو متقاربين؛ كإدغام لام التّعريف بعد إبدالها في بعض الحروف، كالسّماء والشّمس والدّواء، وكإدغام الباء في الميم في: اكتب محمداً. وغيره من المسائل؛ الّتي تبحث في باب الإدغام ١. والآخر: الإبدال لغير الإدغام؛ وهو يقع في الغالب في حروف مخصوصةٍ؛ وهي تسعةٌ؛ يجمعها قولك: (هَدَأْتُ مُوطِياً) ٢ ولم يقتصر بعضهم على هذه التّسعة، بل ذكر غيرها؛ ممّا يعدّ من حروف الإبدال الصّرفيّ اللاّزم٣؛ بل هي من الإبدال اللّغويّ غير اللاّزم. ومن الإبدال الصّرفيّ إبدال الواو تاءً في (الافتعال) نحو (الاتّعاظ) و (الاتّعاد) في (الاوتِعَاظ) و (الاوْتِعَاد) وإبدال التّاء طاءً؛ نحو (اصْطَبَرَ) و (اصْطَنَعَ) في (اصْتَبَرَ) و (اصْتَنَعَ) وكذلك قلب الواو أو الياء همزةً، نحو (سَمَاءٍ) و (قَضَاءٍ) في (سَمَاوٍ) و (قَضَايٍ) . ب- أمّا الإبدال اللّغويّ فهو إبدال حرفٍ من حرفٍ في موضعه من

стр. 609

غير اضطرارٍ إليه في التّصريف؛ لعلاقة صوتيّةٍ بين الحرفين١؛ وقد توسّعوا في حروفه؛ فأجاز بعضهم وقوعه في جميع حروف الهِجاء٢. وقد كثرت ألفاظ الإبدال - بعمومه - ولا سيّما الإبدال اللّغويّ؛ وهو في ذلك بخلاف القلب، ولعلّ ذلك ما دفعهم إلى إفراد الإبدال بمؤلفاتٍ مستقلّةٍ جمعت ألفاظه، ولمّتْ شتاتها، ومنها كتاب (الإبدال) لأبي الطّيّب اللّغوي؛ الّذي يعدّ من أوسعها وأغزرها مادّةً. والإبدال اللّغويّ أعمّ من الإبدال الصّرفيّ، وعلاقة أحدهما بالآخر - عند كثيرٍ من العلماء ولا سيّما المتأخّرين - علاقة الكلّ بالجزء، وإطلاقه - وبخاصّةٍ في المعاجم - يشمل النّوعين. ولا بدّ - للوقوف على أثر الإبدال في تداخل الأصول - من بيان الأصل من الفرع في الصّورتين اللّفظيتين؛ على الرّغم ممّا في ذلك من صعوبة؛ إذ لا يعدّ تحديد الأصل من الصّورتين في الإبدال اللّغويّ من الأمور اليسيرة، ويكاد يكون متعذِّراً في بعض الألفاظ؛ وهو بخلاف الإبدال الصّرفيّ؛ الّذي تناوله العلماء على أساس أنّ اللّفظ المبدل له أصلٌ معروفٌ، وقد أبدل لعلّةٍ تصريفيّةٍ. ويقودنا البحث عن الأصل إلى تقسيم اللّغويّ إلى ثلاثة أنواعٍ: ١- ما نطق به في بيئتين (قبيلتين) مختلفتين: إنّ كثيراً ممّا جاء من الإبدال هو من هذا النّوع؛ وكان أبو الطيّب

стр. 610

اللّغويّ يرى أنّ الإبدال لا يكون في القبيلة الواحدة؛ بحيث يتعمّد العربيّ إبدال حرفٍ من حرفٍ؛ وإنّما هي لغاتٌ مختلفةٌ لمعانٍ متّفقةٍ. قال: "والدّليل على ذلك أنّ قبيلةً لا تتكلّم بكلمةٍ طوراً مهموزةً، وطوراً غير مهموزةٍ، ولا بالصّاد مرّة، وبالسّين أخرى؛ وكذلك إبدال لام التّعريف ميماً؛ والهمزة المصدّرة عيناً؛ كقولهم في نحو أَنْ: عَنْ؛ لا تشترك العرب في شيءٍ من ذلك؛ إنّما يقول هذا قومٌ، وذلك آخرون"١. على أنّ ابن جنّي لا يعدّ الكلمتين من الإبدال؛ إذا كانتا من بيئين (قبيلتين) مختلفتين؛ بل هما لغتان؛ فمن ذلك أنّ قريشاً تقول: كُشِطتْ، وتقول قيسٌ: قشطت فقال: "وليستِ القاف في هذا بدلاً من الكاف؛ لأنّهما لغتان لأقوام مختلفين"٢. وعندي أنّ كلا المذهبين صحيحٌ؛ فمن نظر إلى اللّغة الأمّ؛ ولم يشترط في صحّة الإبدال أن يكون من قبيلةٍ واحدةٍ، فذلك عنده من الإبدال، ومن اشترط ذلك فهو عنده من اللّغات؛ وليس من الإبدال. على أنّ الّذي يعنينا - هنا - هو تحديد الأصل من الفرع؛ فعلى مذهب أبي الطّيّب تكون إحدى الصّورتين أصلاً، والأخرى هي الفرع. ويحتمل أن يكون أحدهما أصلاً والآخر فرعاً؛ إذا نظر إلى اللّغة الأمّ، وبحث عن الأصل الأوّل. ومن هذا النّوع ما تفرّدت بعض القبائل بصورةٍ منه، وعلى خلافها

стр. 611

عامّة العرب؛ وهو أن يؤثّر عن قبيلة إبدالها صوتاً معيَّناً من صوتٍ آخر، في بعض الكلمات، كإبدال الصّاد أو السّين تاءً عند طيّئ، فقد ذكر الأصمعيّ أنّهم يُسمّون اللّصوص: اللّصوت، ويسمّون اللّصّ: لِصْتاً١؛

стр. 612

وهم الّذين يقولون للطّسّ: طسْتٌ، وذكر أنّه مخالفٌ لأكثر العرب١. ولعلّ أوضح ما يكون ذلك في الظّواهر اللّغويّة الملقّبة المنسوبة لبعض القبائل، الّتي ربّما اشتركت في بعضها أكثر من قبيلةٍ، ومن هذه اللّغات: (الاستِنْطَاء) في هذيلٍ والأزد، وهو جعل العين السّاكنة نوناً، نحو: (أَنْطَى) بدلاً من أعطى٢. و (العَجْعَجَة) في قُضاعة، وهي إبدال الياء المشدّدة جيماً، قال الرّاجز: خَالِي عُوَيْفٌ وأَبُو عَلِجّ ... المُطْعِمَانِ اللَّحْمَ بِالعَشِجّ وبِالغَدَاةِ فِلَقَ البَرْنِجّ ... تُقْلَعُ بِالوُدِّ وبِالصَّيْصِجّ٣ أراد: بالعشيّ والبرنيّ وبالصّيصيّ. و (العَنْعَنَة) في تميمٍ، وهي قلب الهمزة في أوّل الكلمة عيناً، فيقولون: (عِنَّكَ) و (عَسْلَمَ) و (عُذُنٌ) في: إنّك وأَسْلَم وأُذُنٌ٤. و (الفَحْفَحَة) في هذيلٍ، وهي إبدال الحاء عيناً، كقولهم: (عَتَّى) في

стр. 613

حَتَّى١. و (الوَتْمُ) في اليمن؛ كقولهم: النّات والأَكْيَات؛ يريدون: النّاس والأكياس٢. ٢- ما نطق به في البيئة (القبيلة) الواحدة: وما جاء من هذا في الإبدال قليلٌ، وما تقدّم في نصّ أبي الطّيّب ينفي وقوعه، وقد رفض بعض الباحثين المعاصرين في زماننا أن يقع الإبدال في البيئة الواحدة، وعزا بعض ما جاء من ذلك إلى أزمانٍ مختلفةٍ فيها٣. ٣- ما جاء بالصّورتين على التّساوي في الاستعمال: وهذا النّوع كثيرٌ، وأكثره غير مُعزَوٍّ إلى بيئةٍ معيّنةٍ؛ وهو يحتمل أمرين: الأوّل: أن يكون منه أصلٌ وفرعٌ. الثّاني: أن يكون كلٌّ من اللّفظين المتقاربين أصلاً مستقلاًّ برأسه؛ من قبيل التّرادف؛ فيحمل على لغات القبائل. وأكثر ما جاء من تداخل الأصول بسبب الإبدال إنّما هو من هذا

стр. 614

النّوع، وضابطه عند ابن جنّي أنّه متى "أمكن أن يكون الحرفان جميعاً أصلين؛ كلّ واحدٍ منهما قائمٌ برأسه؛ لم يَسُغ العدول عن الحكم بذلك. فإن دلّ دالٌّ أو دعت ضرورةٌ إلى القول بإبدال أحدهما من صاحبه عمل بموجب الدّلالة، وصِيرَ إلى مقتضى الصَّنعة"١ على وفاق ما ذهب إليه في القلب المكانيّ؛ فالقاعدة الّتي يعرف بها ابن جنّي الإبدال هي كثرة الاستعمال أو التّصرّف؛ فاللّفظ الأكثر استعمالاً أو تصرّفاً هو المبدل منه؛ وهو الأصل، والأقلّ استعمالاً أو تصرّفاً هو البدل؛ وهو الفرع. فإذا تساويا في ذلك فهما جميعاً أصلان. فقولهم (ما قام زيدٌ بَنْ عمرٌو) مبدلٌ من قولهم: بل عمرٌو؛ لأنّ (بل) أكثر استعمالاً من (بَنْ) ٢. وجعل ابن جنّي (جُعْسُوساً) وهو: القصير اللّئيم - أصلاً، و (جُعْشُوشاً) هو الفرع، واستدلّ بزيادة الأوّل في التّصرّف؛ لقولهم في الجمع (جَعَاسِيسُ النّاس) ولا يقال بالشّين٣. وأمّا قولهم: سُكّرٌ طَبَرْزَنٌ وطَبَرْزَلٌ فهما أصلان عند ابن جنّي؛ لتساويهما في الاستعمال٤، وكذلك قولهم: هَتَلَت السّماء، وهَتنت، وهما أصلان؛ لتساويهما في التّصرّف؛ فهم يقولون:هتنت السّماء تَهْتِنُ تَهْتَاناً،

стр. 615

وهَتَلَت تَهْتِلُ تَهْتَالاً؛ وهي سحائب هُتَّنٌ وهُتَّلٌ١، وكأنّها عنده من اللّغات. وفي الاستعانة بالدّرس الصّوتيّ ما عين على تمييز الإبدال من التّرادف، ومعرفة الأصل من الفرع في الإبدال؛ وثَمّة أمرٌ نادى كثيرٌ من علماء اللّغة المتأخّرين٢، في هذا المجال، وخلاصته أنّه إن كان الحرفان في الصّورتين المتشابهتين من الحروف الّتي بينها علاقةٌ صوتيّة، كالتّجانس أو التّجاور أو التّقارب في المخارج والصّفات؛ فهو من الإبدال. والأصوات المتجانسة الّتي يسوغ الإبدال بينها هي: التّاء والذّال والظّاء. والدّال والتّاء والطّاء. والزّاي والسّين والصّاد. والشّين والجيم والياء. والحاء والعين. والأصوات المتجاورة الّتي يسوغ الإبدال بينها هي: الثّاء والفاء. والذّال والفاء. والذّال والزّاي.

стр. 616

والقاف والكاف. أمّا الأصوات المتقاربة الّتي يمكن وقوع الإبدال بينها فهي: السّين والشِّين١. وإذا جاءت الصّورتان على خلاف هذا ممّا تباعد فيه الصّوتان يترجّح - عندئذٍ - أنّهما أصلان من باب التّرادف، كـ (الهُرْب) و (الثُرْب) وهما: الشّحم الرّقيق؛ الّذي يغشى الكرش؛ فهما أصلان لبعد العلاقة الصّوتيّة بين الهاء والثّاء، وكذلك (الزّحلُوفَة) و (الزُّحْلُوقَة) لبعد القاف من الفاء، وكذلك (انْدَاحَ) بطنه و (انْدَالَ) لأنّ الحاء ليست أخت اللاّم، ولا قريبةً منها٢؛ فيكون هذا من لغات القبائل. وثمَّةَ كلماتٌ تداخلت أصولها؛ وكان للإبدال دورٌ رئيسٌ في ذلك؛ كتداخل (ص د ى) و (ص د د) في (تَصْدِيَة) في قوله : ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَيْتِ إلاَّ مُكَاءً وتَصْدِيَة﴾ ٣ وقد اختلفوا فيه: فقد يجوز أن تكون من (ص د د) وأصله (تَصْدِدَةٌ) من قولهم: صَدَّدَ يُصَدِّدُ؛ إذا صفَّقَ وصَاحَ وعَجَّ؛ فقلبتِ الدَّالُ الأخيرة ياءً لكثرة الدّالات؛ فقالوا: صَدَّى تَصْدِيَةً؛ على حدِّ قولهم: قَصّيتُ أظفاري،

стр. 617

وأصله: قَصَّصْتُها١. وعلى هذا فإنّ المصدر في الأصل: تَصْدِيٌّ؛ على وزن (تَفْعِيلٌ) وهو قبل الإبدال: تصديدٌ؛ مثل: كلّم تكليماً؛ فحذفت الياء، وعُوّض منها تاء في آخر المصدر. ويجوز أن يكون الأصل (ص د ي) فقد قيل: إنّ التّصدية من الصّدى؛ وهو: الصّوت: الّذي يردّه عليك الجبل٢؛ ومن هنا قيل للتّصفيق: تَصدِيةٌ؛ لأنّ اليدين تتصافقان؛ فيقابل صفق هذه صفق الأخرى، وصدى هذه صدى الأخرى٣ ومن ذلك تداخل (ل ب ب) و (ل ب ي) في قول القائل: (لَبَّيْكَ ولَبَّيْهِ) أي: لزوماً لطاعتك، أو أنا مقيمٌ عليها، ومنه قول الشّاعر: دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَراً ... فَلَبَّى فَلبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ٤ وهو يحتمل الأصلين: فقد ذهب الجمهور إلى أنّه من (ل ب ب) واشتقاقه من: لَبَّ بالمكان وألبَّ أقام به ولزمه، وأَلَبَّ على الأمر: لزمه، فلم يفارقه؛ ومنه قولهم: دارُ فلانٍ تُلِبُّ داري؛ أي تحاذيها، وأصل (لَبَّى) على هذا الاشتقاق؛ لَبَّبَ: فأبدلت الباء ياءً لأجل التّضعيف؛ على حدّ قولهم:

стр. 618

قصّيتُ أظفاري١. وحمله يونس على ظاهره؛ فذهب إلى أنّ أصل (لَبَّيْكَ) (لَبَّى) وأنّ الألف انقلبت ياءً لمّا اتّصلت بالضّمير؛ كما انقلبت الألف في (عَلَيكَ) ٢، ونظير هذا (كلا وكلتا) في قلب ألفيهما ياءً متى اتّصلت بضميرٍ؛ وكانت في موضعٍ أو جرٍّ. وأدّى الإبدال إلى تداخل (أهـ ل) و (أول) في (آل) وهو اسمٌ ثلاثيٌّ على وزن (فعل) ويحتمل الأصلين: وقد اختلفوا فيه٣: ذهب الكسائيّ إلى أنّ أصله (أول) واشتقاقه من: آلَ يؤول؛ بمعنى: رجع؛ لأنّ الإنسان يرجع إلى آله؛ وهو قبل الإبدال (أوّل) فأبدلت الواو ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؛ وقياس تصغيره على الأصل (أُوَيلٌ) نحو: مالٍ ومُوَيلٍ، وبابٍ وبُوَيْبٍ٤، وعزا بعضهم هذا الرّأي إلى يونس٥ - أيضاً -. وذهب الجمهور إلى أنّ أصله (أهلٌ) فأبدلت الهاء همزةً؛ لقربها منها؛

стр. 619

فقيل: (أَأْلٌ) فلمّا توالت همزتان أبدلت الثّانية ألفاً؛ كما قالوا: آدم وآخراً؛ فقالوا: (أَأْل) ورسمه (آلٌ) . وكان أبو جعفر النّحّاس يرى أنّ الهاء أبدلت ألفاً ابتداءً؛ من غير أن تبدل همزة قبل إبدالها ألفاً١، ولا يجوز هذا عند ابن جنّي؛ لأنّ الهاء لم تقلب ألفاً في غير هذا الموضع؛ فيقاس عليه؛ وإنّما تقلب الهاء همزةً في ماءٍ، وأصله (مَوَهٌ) . فعلى هذا أبدلت الهاء همزةً، ثمّ أبدلت الهمزة ألفاً؛ ولأنّ الألف - أيضاً - لو كانت منقلبةً عن الهاء ابتداءً لجاز أن يستعمل (آلٌ) في كلّ موضعٍ فيه (أهلٌ) كإبدالهم الهمزة من الواو في قولهم: وجوه القوم، وأُجُوهم، ووِسادةٌ وإسادةٌ؛ فأوقعوا البدل في جميع مواقعها قبل البدل؛ فلو كانت ألف (آلٍ) بدلاً من هاء (أهل) لقيل: انصرف إلى آلِكَ، كما يقال: انصرف إلى أهلك، ولقيل: آلك واللّيل في قولهم: أهلك واللّيل، وغير ذلك، ممّا يطول ذكره٢. على أنّ الأصل على رأي النّحّاس وابن جنّي واحدٌ؛ وهو (أهـ ل) ويدلّ على قربه، وأنّ الألف ليست منقلبةً عن واوٍ؛ كما ذهب الكسائيّ- قولهم في التّصغير: (أُهَيْل) ولو كانت منقلبةً عن واوٍ لقالوا: (أُوَيْلٌ) ٣.

стр. 620

ومن التّداخل بسبب الإبدال ما وقع بين (ت خ ذ) و (أخ ذ) و (وخ ذ) في (اتّخذ) ومنه قوله ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ ١ وقد اختلفوا فيه: فذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنّه (افْتَعَلَ) من (أَخَذَ) وأصله (اأْتَخَذَ) وتكتب (ائْتَخَذَ) فأبدلت الهمزة الثّانية ياءً؛ لاجتماع همزتين؛ الأولى مكسورةٌ، والثّانية ساكنةٌ؛ فأصبحت على تقدير (ايْتَخَذَ) على حدّ قولهم: (ايْتَزَرَ) من (ائْتَزَرَ) و (إيْمَانٌ) وأصله (إِئْمَانٌ) ثمّ أبدلت الياء تاءً، وأدغمت في تاء (الافتعال) فقالوا: (اتَّخَذَ) فلمّا كثر استعماله على بناء (الافتعال) توهّموا أنّ التّاء أصليّةٌ؛ فبنوا منه (فَعِلَ يفْعَل) فقالوا: تَخِذَ يَتْخَذُ، كما قالوا: تَقِيَ من اتَّقَى٢. ونظيره في إبدال الياء تاءً وإدغامها قولهم: اتّسَروا الجزور؛ أي: اجْتَزَروها، واقتسموا أعضاءها؛ وإنّما هو من (اليَسْر) وأصله: ايْتَسَرُوا. وذهب الفارسيّ وابن جنّي إلى أنّه (افتعل) من: تَخِذَ يَتْخَذُ، وأنّه لا إبدال فيه؛ فتاؤه أصليّةٌ؛ وهي بمنزلة: (اتّبعتُ) من (تَبِعَ) ٣. وقد جاء الفعل على أصله في قوله : ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ

стр. 621

لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ١ وفي قول الشّاعر: وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلَى جَنْبِ غَرْزِهَا نَسِيفاً كَأُفْحُوصِ القَطَاةِ المُطَرِّقِ٢ قال الفارسيّ فيما كانت فاؤه همزةً؛ نحو: أَكَلَ وأَمَرَ: "فإذا بُنِيَ منه (افْتَعَلَ) قلتَ: ايْتَكَلَ وايْتَمَرَ؛ ولا تدغم الياء في التّاء كما أدغمت في: اتّعد واتّسَرَ؛ لأنّ الياء ليست بلازمةٍ. وقد حكى بعض البغداديّين فيه الإدغام؛ وهو - عندي - على قياس قول أصحابنا - خطأٌ"٣. وذهب بعضهم إلى أنّ أصل أَخَذَ: وَخَذَ، و (افْتَعَلَ) منه: اوْتَخَذَ؛ فأبدلت الواو تاءً على القياس؛ كقولهم: اتّصَلَ، من: وَصَلَ٤. د- الهمز والتّخفيف: ويسمّى الهمزُ - أيضاً - نبراً٥، ويسمّى التّخفيف تسهيلاً؛ وهما

стр. 622

قريبان من الإبدال؛ لأنّهما تغيير الهمزة بحرفٍ معتلٍّ يوافق حركتها، أو همز الحرف المعتلّ. وقد عُدَّ الهمز من الظّواهر المستقلّة؛ لمّا كثرا في كلام العرب، حتى أفردت لهما مباحث خاصّةٌ، وألّفت فيهما مؤلّفاتٌ مستقلّةٌ. ويمكن أن يعدّ الهمز والتّخفيف من الأسباب المؤدّية إلى تداخل الأصول اللّغويّة؛ بدلالة ماجاء في بابي الهمزة والمعتلّ (الواو الياء) من معاجم القافية؛ فكثيرٌ من الكلمات المهموزة أعيدت في باب المعتلّ؛ وكأنّها من الأصلين؛ لأنّها تحتملهما؛ لمّا جاءت تارةً مهموزةً، وتارةً مخفّفةً. ومن طريف ما روي من تداخل الأصول بسبب الهمز والتّخفيف ما جاء في الحديث المرفوع أنّ قوماً من جهينة جاؤوا إلى النّبي ﷺ بأسيرٍ؛ وهو يُرْعَدُ من البرد، فقال: "أَدْفُوه"؛ فذهبوا به فقتلوه؛ فوداه١ النّبي صلى الله عليه وسلم٢ وإنّما أراد ﵇ أَدْفِئُوهُ من البرد؛ وهو من (د ف أ) وسَهَّلَه؛ لأنّه ليس من لغته التّحقيق؛ فالتبس بأصلٍ آخر؛ وهو (د ف و) ومنه قولهم: دَفَوْتُ الجريح أدْفُوه دَفواً؛ إذا أجهزتَ عليه٣. وقد يؤدّي الهمز أو التّخفيف إلى تداخل أصلين؛ أحدهما غير

стр. 623

مهموزٍ ولا معتلٍّ كتداخل (د ر ر) في قولهم: (كَوْكَبٌ دُرّيءٌ) بالهمز، و (دُرِّيٌّ) بالتّخفيف، وربّما بفتح الدَّال وكسرها - أيضاً - فيقال: دَرِّيٌّ ودِرِّيٌّ؛ وهو يحتمل الأصلين: ذهب سيبويه - في أحد قوليه - إلى أنّه من (د ر أ) على وزن (فُعِّيل) ١ وهو صفةٌ من (الدَّرْءِ) بمعنى الدَّفْعِ٢، ومنه قوله : ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ ٣ أي: ادفعوه، وقد وُصِفَ الكوكب بهذا لاندفاعه في مُضِيِّه من المشرق إلى المغرب، ويقال: درأ الكوكب دُرُوءاً؛ إذا اندفع وانقضّ لرجم الشّياطين. ومنه قولهم: دَرَأَ فلانٌ علينا؛ أي: هَجَمَ؛ قال أوس بن حجر: فَانْقَضَّ كالدُّرِّيءِ يتبعه ... نَقْعٌ يثوب تخاله طُنُباً٤ وقال السّيرافيّ من هذا المعنى: "وهو مشتق من دَرَأَ يَدْرَأُ؛ كأنّ ضوءه يدفع بعضه بعضاً من لمعانة" ٥ ولأبي علي الفارسي - في تفسير اشتقاقه - رأيٌ قريبٌ من رأي السّيرافيّ؛ فـ (دُرِّيٌّ) عنده من هذا الاشتقاق و"كأنّه دفع الخفاء والغموض عن نفسه؛ لشدّة وضوحه للحسّ، وظهوره لفرط ضيائه ونوره؛ فهو خلاف السُّها وما أشبهه، من الكواكب

стр. 624

الغامضة غير النَّيِّرة"١. وله وجهٌ آخر في الاشتقاق؛ وهو أن يكون من قولهم: دَرَأْتِ النَّارُ، إذا أضاءت٢، والجامع بين هذا الاشتقاق وصفة الكوكب: الإضاءة. وعلى هذا الأصل - أعني (د ر أ) يكون من قال: دُرِّيّ، بغير همزٍ قد خفّف الهمزة، وجعلها ياءً؛ فأدغمت ياءُ (فَعِيل) فيها. وذهب أبو عبيدٍ إلى أنّ أصل (دُرِّيّ) (د ر ر) وهو منسوبٌ إلى الدُّرِّ، شبّه به لصفائه وإضاءته، ووزنه (فُعْلِيّ) ٣ وهو موافقٌ للرّأي الآخر لسيبويه، إذ جعل جمعه (دَرَارِي) على وزن (فَعَالِي) مثل: بَخَاتِي وقَمَارِي٤؛ فيكون وزن (دُرِّيّ) (فُعْلِيّ) كما ذكر أبو عبيدٍ، وقد نبّه عليه أبو عليٍّ٥. وأَدَّى التّخْفِيف إلى تداخل (ل ب ب) و (ل ب أ) في (تُلَبِّي) من قول الشّاعر: رَدَدْنَ حُصَيْناً مِنْ عَدِيٍّ وَرَهْطِهِ ... وَتَيْمٌ تُلَبِّي فِي العُرُوجِ وَتَحْلُبُ٦

стр. 625

فهو يحتمل الأصلين: ذهب الأحمر١ إلى أنّ أصله (ل ب ب) واشتقاقه من قولهم: لَبّ بالمكان، وألبَّ؛ إذا أقام به، ومعنى قوله: وَتَيْمٌ تُلَبِّي في العُرُوجِ وَتَحْلُبُ أي: تلازمها وتقيم فيها٢، وأصله (تُلَبِّبُ) فأبدلت الباء الأخيرة ياءً. وذهب أبو الهيثم إلى أنّه من (اللّبَأ) أي: تَحْلُبُ اللّبأ، وتشربه، وقد تُرِكَ همزة تخفيفاً. قال أبو منصورٍ: "والذي قاله أبو الهيثم أصوب؛ لقوله بعده: وتحلب"٣. ومن ذلك - أيضاً - تداخل الأصلين (ق ر أ) و (ق ر ن) في (القرآن) الكريم؛ وقد كان عبد الله بن كثيرٍ يسهّل همز (القرآن) ويلقي حركتها على الرّاء٤.

стр. 626

ويحتمل (القرآن) عند تخفيف همزته (فُعْلانًا) و (فُعَالاً) وقد اختلفوا فيه: ذهب الجمهور إلى أنّه من (ق ر أ) واشتقاقه من: قرأت الشّيء قرآناً، أي: جمعته وضممت بعضه إلى بعضٍ، ومنه قولهم: ما قرأتِ النّاقة سلًى قطُّ، أي: ما ضمّته إليها أو حملته، وسمّي قرآناً؛ لأنّه يجمع السُوَر، فيضمّ بعضها إلى بعضٍ، ويجوز أن يكون مشتقّاً من: القراءة التّلاوة١. ويجوز - أيضاً - أن يكون مشتقّاً من: القَرْءِ؛ وهو اسمٌ للوقت؛ كأنّه نزل في أوقاتٍ مختلفةٍ٢. ووزن (القرآن) على هذا الأصل (فُعْلان) ووزنه - عند التّخفيف - بحذف الهمزة: (فُعَان) ؛ لأنّ الهمزة لام الكلمة؛ وهي محذوفةٌ. وذهب بعضهم إلى أنّ (القُرَانَ) من (ق ر ن) واشتقاقه من قولك: قَرَنْتُ الشّيء بالشّيء؛ فوزنه على هذا الرّأي (فُعَال) ٣. ويضعف هذا الرّأي أنّ (فُعَالاً) غير مقيسٍ في المصادر، إلاّ في الدّاء والصّوت لفعل لازمٍ، وإن كان اسماً فقياسه كسر القاف. وفيه ردٌّ على ابن قِسْطَنْطينَ٤ الّذي كان يرى أنّ (القُرَان اسمٌ، وليس بمهموزٍ؛ ولم

стр. 627

يؤخذ من قَرَأْتُ؛ ولو أُخِذَ من: قرأتُ، لكان ما قُرئَ: قرآناً؛ ولكنّه اسمٌ للقُرَان؛ مثل: التّوراة والإنجيل) ١، وكان يهمز: قرأتُ؛ فيقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ ٢وعنه أخذه الإمام الشّافعيّ٣. وما ذهب إليه ابن قِسْطِنْطِين غير قويّ؛ لأنّ أكثر القرّاء على همزه؛ فهو ممّا أصله الهمز، وسهِّلَ على لغة الحجازيّين، والاشتقاق يؤيّد الهمزة، ويضعّف هذا الرّأي - أيضاً - أنّ وزن القرآن عند الهمز إذا كان مشتقّاً من (ق ر ن) : (فُعْأال) وهو في الرّسم: (فُعْآل) ولا نظير له فيما أعلم. هـ- التّعريب: يطلق القدامى على ضربٍ من الألفاظ الّتي دخلت في العربيّة من غيرها من اللّغات مصطلحاتٍ؛ وهي: (المُعَرَّب) و (الدّخيل) و (الأعجميّ) وكثيرون منهم لا يكادون يفرّقون بينها؛ فالمُعرّب عندهم "ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعانٍ في غير لغاتها"٤. وقد صرّح السّيوطيّ بأنّ الدّخيل يرادف المُعَرَّب؛ فقال: "ويطلق على المعرّب: دخيلٌ، وكثيرٌ ما يقع ذلك في كتاب العين والجمهرة

стр. 628

وغيرهما"١. وكذلك الأعجميّ عندهم بهذا المعنى. وقد جمع ابن منظورٍ المصطلحات الثّلاثة في نصٍّ واحدٍ إذ قال: "البُخْتُ والبُخْتِيَّة: دخيلٌ في العربيّة، أعجميّ، معرّبٌ"٢. واستمرّ عدم التّفريق بينها عند بعض المتاخّرين؛ كجرجي زيدان٣ ومحمّد المبارك٤، وصُبْحِي الصّالح٥. وفرّق كثيرٌ من المتأخّرين المعاصرين بين مصطلحيْ: المعرّب والدّخيل؛ وأهملوا مصطلح الأعجميّ؛ الّذي لا يرد لديهم - في الغالب - إلاّ عفواً أو في ترديد أقوال القدامى. غير أنّهم اختلفوا في مفهومهما؛ فالمعرّب عند أكثرهم - وكما يراه مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة - هو: "اللّفظ الأجنبيّ الّذي غيّره العرب بالنّقص أو الزّيادة أو القلب"٦. أمّا الدّخيل فهو: "اللّفظ الأجنبيّ الّذي دخل العربيّة دون تغييرٍ"٧.

стр. 629

وربّما اختلف مفهومهما عند بعضهم، فالمعرّب: هو: ما نطق به الجاهليّون ومن يحتجّ بلغتهم من الكلام الأعجميّ، أمّا الدّخيل فهو: ما دخل العربيّة بعد عصور الاحتجاج١. ويرى بعضهم أنّ للدّخيل مدلولاً عامّاً يشتمل على المعرَّب والمولّد والمحدث٢. وبهذا يكون للدّخيل مفهومان: مفهومٌ ضيّقٌ، وهو: ما دخل في العربيّة دون تغييرٍ عند أكثرهم، أو دخلها بعد عصور الاحتجاج عند بعضهم. ومفهومٌ واسعٌ؛ وهو: ما دخل العربيّة مطلقاً؛ فيشمل المعرّب والدّخيل بمعناه الضّيّق، ويشمل - أيضاً - عند بعضهم - المولّد والعامّيّ والمحدث. والتّعريف الأوّل لكلٍّ من المعرّب والدّخيل - عند جمهور المتأخّرين - هو الأقرب عندي؛ وهو ما عليه مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة. ويعدّ المعرّب والدّخيل من الأسباب المهمّة لتداخل الأصول، ويظهر جليّاً في معاجم القافية، وهو مردودٌ إلى اختلاف نظرة اللّغويّين إلى أصول المعرّب والدّخيل؛ ففي حين رأى كثيرٌ منهم أنّه ينبغي ألاّ يعرض لأصول المعرَّب واشتقاقه على قياس العربيّة، لأنّه لا أصل له فيها - رأى بعضهم عكس ذلك؛ فتكلّفوا لكثيرٍ من المعرّب أو الدّخيل أصولاً؛ فتعدّدت

стр. 630

بسبب اختلاف النّظرة وتداخلت؛ وربّما أدّى ذلك إلى حجبها عن طالبيها في هذه المعاجم. ومن أصحاب الرّأي الأوّل القائلين بضرورة الحذر من إعادة المعرَّبات إلى أصولٍ عربيّةٍ واشتقاقها منها - ابن السَّرَّاج؛ إذ قال في رسالته في الاشتقاق في باب: ما يجب على النّاظر في الاشتقاق أن يتوقّاه، ويحترس منه: "ممّا ينبغي أن يحذر منه كلّ الحذر أن يشتقّ من لغة العرب لشيءٍ من لغة العجم؛ فيكون بمنزلة من ادّعى أن الطّير ولد الحوت"١. ونقل هذا عنه جماعةٌ: كالجواليقيّ٢ والخفاجيّ٣، والمحبّي٤، والقِنَّوجيّ٥. وكان الزجّاج يحذِّر من جعل: (يَاجُوج) و (ماجُوج) على وزن (فَاعُول) ، ويقول: "وهذا لو كان الاسمان عربيّين لكان هذا اشتقاقهما، فأمّا الأعجميّة فلا تشتقّ من العربيّة"٦، وبنحو ذلك قال الأزهريّ٧. ولم يعرض ابن فارسٍ لاشتقاق (الخَنْدَريس) وهي: الخمر؛ لأنّه

стр. 631

يقال: إنّها روميّةٌ١, وقال في موضعٍ آخر: "فأمّا النّبَهْرَج٢ فليست عربيّةً صحيحةً؛ فلذلك لم يُطلب لها قياسٌ"٣. وردّ ابن برّيّ على الحريريّ لتجويزه أن يقال: (الشَّطَرَنج) بالشّين المعجمة - مشتقٌّ من: المشاطرة، وإن كان بالسّين فهو مشتقٌّ من التّسطير عند التّعبئة٤؛ وغلّطه في هذا؛ لأنّ الأسماء الأعجميّة لا تشتقّ من الأسماء العربيّة، وقال: "ألا ترى أنّهم أبطلوا قول من زعم أنّ إبليس [مشتقٌّ] من أَبْلَسَ بامتناع صرفه، وأيضاً فإنّه قد جعل هذه الكلمة خُمَاسيّةً، واشتقاقها من: التّسطير - يوجب أنّها ثلاثيّةٌ؛ وتكون النّون والجيم زائدتين؛ وهذا بيّن الفساد، واضح الاختلال"٥. وذكر ابن عقيلٍ أنّ الألفاظ المعرّبة؛ نحو: إبراهيم لا يدخلها التّصريف؛ "لأنّها منقولةٌ من لغةٍ لها حكم يخصّها؛ ولا مشاركة بينها وبين لغة العرب في أحكام هذا الباب؛ والقول بزيادة بعض حروف الأعجميّ وأصالتها، ليس معناه إلاّ المقايسة؛ بمعنى أنّ العربيّ في مثله؛ حقّه كذا؛ فيثبت لهذا ما ثبت لذلك للتّعريب"٦.

стр. 632

وردّ الزّبيديّ على صاحب (القاموس) في كلمة: (كَارَزِين) وهي: موضعٌ بفارسٍ، بأنّ محلّها الرّباعيّ (ك ر ز ن) لا الثّلاثيّ (ك ر ز) لأنّها أعجميّةٌ١. أمّا من أجاز اشتقاق الألفاظ المعرّبة من العربيّة، وإعادتها إلى أصولها والحكم عليها بالأصليّ والزّائد فذاك "على معنى أنّها لو كانت من كلامهم تقديراً؛ لكان قياسها أن يكون كذلك"٢. وكان عبد القاهر الجرجانيّ يميل إلى هذا الرّأي؛ ويدافع عنه. قال: "إن قال قائلٌ: كيف تحكمون بزيادة النّون في: نَرْجِس؛ وهو أعجميٌّ لا أصل له في كلامهم؛ فمن أين لكم مذهب العجم فيه؟ فالجواب أنّك لم تقف على مذهب النّحويّين؛ وذلك أنّهم إذا نقلوا اللّفظ إلى كلامهم فإنّهم يعتقدون فيه من الزّيادة، والأصل ما يكون في أصول كلامهم؛ فإذا قلنا: إنّ نَرْجِساً قد اعتقدوا فيه زيادة النّون - فالمعنى أنّهم اعتقدوا أنّ الفعل لو أخذ منه لكان على رَجَسَ"٣. واستدلّ على استقامة ما ذهب إليه بأنّهم قالوا: زَرَجُون للخمر؛ وهو فارسيٌّ معرّبٌ، ثمّ اشتقّوا منه اسم مفعولٍ؛ وعليه قول الشّاعر: هَلْ تَعْرِفُ الدَّارَ لأُمِّ الخَزْرَجِ ... مِنْهَا فَأَضْحَى الْيَوْمَ كَالْمُزَرِّجِ٤

стр. 633

غير أنّ ما استدلّ به الجرجانيّ لا يعدّ أمراً حاسماً لاشتقاق المعرَّب أو الدّخيل من العربيّة، وتكلّف أصولٍ له من أصولها؛ فما جاء منه نحو: (المُزَرِّج) إنّما يحمل على التّوهّم؛ كما في (تَمَسْكَنَ) و (تَمَدْرَعَ) ونحوهما؛ وهو كثيرٌ في كلامهم. ولذلك أرى صحّة ما ذهب إليه الفريق الأوّل؛ وهم أكثر أهل اللّغة؛ لقوّة ما احتجّوا به؛ ولأنّ التّمادي في الاستدلال على أصل المعرّب بالاشتقاق منه في العربيّة قد يؤدّي إلى شيءٍ من تعميةٍ وتضليلٍ؛ كاستدلال بعضهم على أنّ أصل (المَنْجَنِيق) : (ج ن ق) لقولهم: جَنَقُونا ونُجْنَق وقد أدّت محاولات بعضهم لإخضاع المعرّب والدّخيل إلى مقاييس العربيّة في الأصول إلى التّداخل في موادّها، ووضع كثيرٍ منه في غير أصله؛ كوضع الجوهريّ كلمة (الإستَبْرَق) وهو: الدِّيباج الغليظ في (ب ر ق) ١ مع نصّه على أنّه معرّبٌ، ويبدو أنّه جعله على وزن (اسْتَفْعَلَ) ولا وجه له؛ لأنّ الهمزة مقطوعةٌ؛ وهي أصليّةٌ، وكذلك السّين والتّاء؛ ولأنّ الكلمة معرّبةٌ من الفارسيّة وأصلها (إِسْتفْرَه) أو (إِسْتَرْوَهْ) ٢. ويبدو أنّ الجوهريّ لم يكن على يقين من هذا الأصل؛ فأعاد الكلمة في أصلٍ آخر؛ وهو (س ر ق) ٣ فأغرب بذلك؛ إذ لا وجه لهذا الأصل؛ لأنّه حكم بزيادة الباء مع الهمزة والتّاء، والأول أقرب؛ إذ فيه حملٌ على قياس لغة العرب.

стр. 634

وقد توبع الجوهريّ في جعله (الإِسْتَبْرَق) في الأصلين، فذكره ثَمَّ ابن منظورٍ١، واكتفى الفيروزاباديّ بالأصل الأوّل٢. واقترب الأزهريّ من أصله؛ إذ وضعه في باب الخماسيّ، ولكنّه حكم بزيادة الهمزة٣، ووضعه الجواليقيّ في باب الهمزة؛ ولم يحكم بزيادة شيءٍ منه٤. ومن ذلك (أَلْمَاس) وهو: حجرٌ معروفٌ من أنفس الجواهر؛ فقد ذكره الفيروزاباديّ في (م وس) ٥ بزيادة الهمزة واللاّم؛ وهما من بنية الكلمة؛ كما في (إِلْيَةٍ) فوزنه (فَعْلال) كما نصّ عليه السّعد التّفتازانيّ٦. وكان ابن الأثير يقول: "أظنّ الهمزة واللاّم فيه أصليّتين مثلهما في: إلياس، وليست بعربيّةٍ؛ فإن كان كذلك فبابه الهمزة؛ لقولهم فيه: الأَلْمَاس"٧. وقد ذهب بعض علماء العربيّة المتأخّرين إلى أنّ الكلمة معرَّبةٌ من اليونانيّة، وأصلها (صورة١٧) ولمّا دخلت العربيّة، وكثر استعمالها - توهّموا فيها زيادة الهمزة واللاّم؛ وهما من بناء الكلمة؛

стр. 635

فعدّوهما أداة التّعريف١؛ فيكون أصل الكلمة رباعيّاً؛ وهو (أل م س) وليس (م وس) . ومن ذلك (سُنْدُسٌ) وهو: الدّيباج؛ فقد ذكر الجواليقيّ أنّه لا خلاف بين أهل اللّغة في أنّه معرّبٌ٢؛ وعلى هذا فحروفه جميعاً أصولٌ، ولكنّ الجوهريّ جعله من الثّلاثيّ (س د س) ٣، وذكره ابن منظورٍ في الرّباعيّ (س ن د س) ٤ وهو كذلك عند الفيروزاباديّ٥. ومثل هذا كثيرٌ. ولا سبيل لمنع تداخل الأصول في المعرّب أو الدّخيل إلاّ بأن يوضع ما ثبت أنّه من المعرّب أو الدّخيل في جزورٍ توافق نطقه في العربيّة؛ دون النّظر إلى أصليٍّ أو زائدٍ فيه "لأنّه محالٌ أن يشتقّ العجميّ من العربيّ"٦ وهو مذهب أكثر المتأخّرين٧. وقد أحسن مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة صنعاً حينما "الْتَزَمَ في منهجه بوضع الكلمات المعرّبة في ترتيبها الهجائيّ؛ لأنّه ليست لها في العربيّة أسرٌ تنتمي إليها"٨.
следующие страницы →