و (العَقَنْقَل) ١ وهو: الحبل العظيم من الرّمل، والأصل (ع ق ل) .
و (العَرَكْرَكَة) ٢وهي: المرأة المسترخية الشحم، والأصل (ع رك) .
و (العَبَنْبَل) ٣ وهو: العظيم، والأصل (ع ب ل) .
و (الحَبَرْبَرَة) ٤ وهي: القَمِئَة المناقرة، والأصل (ح ب ر) .
و (الحَوَرْوَرَة) ٥ وهي: البيضاء، والأصل (ح ور) .
و (الصَّمَحْمَح) ٦ وهو: الرّجل الشّديد، والأصل (ص م ح) .
و (اسْلَنْقَى) ٧ إذا اضطجع على قفاه، والأصل (س ل ق) .
و (السَّجَنْجَل) ٨ وهي: المِرْآة، والأصل (س ج ل) .
стр. 562
المبحث الثّاني: تداخل ثلاثة أصولٍ
والمراد من هذا: التّداخل الّذي يكون بين خماسيّ وأصلين ثلاثيّين، أو خماسيٍّ وثلاثيٍّ وبينهما رباعيٌّ؛ والأخير هو الكثير فيه. فمن الأوّل تداخل الأصلين (خ ب ث) و (خ ث ن) مع الخماسيّ (خ ب ع ث ن) في (الخُبَعْثِن) وهو: التّار البدن في كلّ شيءٍ، أو القويّ الشّديد من الرّجال:
فمذهب ابن فارسٍ أنّه ثلاثيٌّ، وأصله (خ ب ث) بزيادة العين والنّون١ فوزنه على قياس ما ذكره (فُبَعْلِن) وهو بعيدٌ؛ لأنّ الباء ليست من حروف الزّيادة.
وهو عند الجوهريّ من (خ ث ن) ٢ بزيادة الباء والعين؛ فوزنه - حينئذٍ (فُبَعْعِل) ثمّ يؤول إلى (فُبَعِّل) بزيادة العين الأولى، أمّا الثّانية فعين الميزان المقابلة الثّاء؛ وهو بعيدٌ؛ لأنّ الباء والعين ليسا من حروف الزّيادة.
стр. 563
ومذهب الجمهور في هذه الكلمة أنّها خماسيّةٌ١، بأصالة جميع حروفها، فليس فيها من حروف الزّيادة سوى النّون؛ ولا دليل على زيادتها.
ومن النّوع الثّاني؛ وهو تداخل الثُّلاثيّ والخماسيّ وبينهما الرّباعيّ:
تداخل (خ ر ش) و (ن خ ر ش) و (ن خ ور ش) في قولهم جروٌ (نَخْوَرِشٌ) إذ تحرّك وخَدَشَ، وقد اختلفوا فيه٢:
فَذَهَبَ المبرّد إلى أنّه خماسيٌّ على زنة (فَعْلَلِل) كـ (جَحْمَرِشٍ) ٣ وهي: العجوز، وتابعه ابن عصفورٍ٤؛ وغيرهما ممّن يستدلّون بأنّ القول بزيادة النّون والواو يؤدّي إلى وزنٍ مفقودٍ؛ وهو (نَفْوَعِل) .
وكان ابن عصفورٍ يستدلّ على أصالة الواو في (نَخْوَرشٍ) بأنّ الواو تكون أصليّةً في بنات الخمسة٥. وهو خلاف ما قرّره علماء العربيّة في الأصول، على نحو ما تقدّم٦. بل إنّه خلاف ما قرّره ابن عصفورٍ نفسه عن الواو في موضعٍ آخرَ.
стр. 564
قال: "وإن كان معها ثلاثة أحرفٍ مقطوعٍ بأصالتها فصاعداً قضيت على الواو بالزّيادة؛ لأنّ الواو لا تكون أصلاً في بنات الخمسة، ولا في بنات الأربعة، إلاّ في المضعّف نحو قَوْقَيْتُ وضَوْضَيْتُ، فإنّ الواو فيه أصلٌ"١. وهذا ما عليه العلماء في الأصول. ولعلّ ذلك وقع منه ﵀ من قبيل السّهو؛ ألا تراه خالف في الحكم في نحو (نَخْوَرِشٍ) نفسه؛ إذ نصّ في موضعٍ آخر٢ على أنّ الواو فيه زائدةٌ؟
وذهب كُراع إلى أنّه ثلاثيٌّ من (خ ر ش) مشتقّاً من الخرش٣، وتابعه ابن سِيدَه٤ والصَّغانيّ٥ وغيرهما؛ وهو عندهم (نَفْوَعِل) وليس في الكلام غيره.
والاشتقاق خير شاهدٍ لهم؛ فالخرش: الخدش في الجسد بالأظافر أو غيرهما. ويقال: اخْتَرَشَ الجرو: تحرَّك وخَدَشَ، وتَخَارَشَت الكلاب والسَّنانير؛ أي: تَخَادَشَت، ومن ذلك قول الرّاجز:
إنَّ الجِرَاءَ تَخْتَرِشْ ... في بَطْنِ أمِّ الهَمَّرِشْ
فيهنَّ جِرْؤٌ نَخْوَرِشْ٦
стр. 565
ويحتمل بين الأصلين؛ الأصل الرّباعيّ؛ وهو (ن خ ر ش) فيكون وزنه على هذا الأصل (فَعْوَلِلاً) .
وما ذكر في ترجيح الأصل الثّلاثيّ على الخماسيّ يصلح لأن يقال هنا.
ومن ذلك تداخل (ف ت ك) و (ف ت ك ر) و (ف ت ك ر ن) في قولهم: (الفُتَكْرِينُ) بتثليث الفاء، والإعراب على النّون، أو إلزامها الفتح - وهي: الدّواهي أو الدّاهية، أو الشّدائد، أو الأمر الشّديد العظيم؛ لأنّه يحتمل الجمع والإفراد: وهو يحتمل الأصول الثّلاثة المذكورة:
فذهب ابن فارسٍ إلى أنّه ثلاثيٌّ من (ف ت ك) بزيادة الرّاء والنّون، واشتقاقه من (الفَتْك) ؛ لأنّ الدّواهي من طبيعتها الفتك بفريستها١. ووزنه - حينئذٍ (فُعَلْرِيْن) وهو بعيدٌ؛ لأنّ الرّاء ليست من حروف الزّيادة.
ومذهب الجمهور٢ أنّه رباعيٌّ من (ف ت ك ر) وكأّنه (فُتَكْرٌ) ثمّ جمع بالواو والنّون في الرّفع، والياء والنّون في النّصب والجرّ، ثمّ أُلْزِم الياء والنّون في جميع الحالات؛ ولم يسمع بالواو.
стр. 566
وقد رواه ابن منظورٍ١ بفتح النّون، ورواه الفيروزاباديّ٢ بضمّها؛ فمن جعل النّون للجمع فتحها، ومن تناسى الجمع عامله معاملة المفرد؛ فقال فيه: هذه فُتَكْرِينٌ، ورأيتُ فُتَكْرِيْناً، وفزعتُ من فُتَكْرِيْنٍ.
ووزنه على هذا الأصل الرّباعيّ (فُعَلِّينُ) .
ويجوز أن يكون خماسيّاً بأصالة النّون على لغة الإعراب، ووزنه (فُعَلِّيل) كـ (قُذَعْمِيل) وإلى هذا مال ابن منظورٍ؛ لكي لا يؤدِّي القول بزيادة النّون وضمّ الفاء إلى بناءٍ غير موجودٍ؛ وهو (فُعَلّ) فليس في الكلام؛ نحو: جُعْفَر٣.
والرّأي أنّه رباعيٌّ، والأصل فيه كسر الفاء على وزن (فِعَلّ) وهو بناءٌ موجودٌ كـ (فِطَحْلٍ) وسماع الضّمّ والفتح فيه كسماع الفتح في اللاّم الأولى في (جُؤْذَرٍ) ونحوه، على الرّغم من فقد (فُعْلَل) عند البصريّين؛ لأنّ الأصل الضّمّ، وكذلك في (فُتَكْرِين) فالأصل الكسر على وزن البناء الموجود، ولمّا تُنُوسِيَ الجمع وأُعْرِبَ، وكثُر الضّمّ على الفاء التبس بالخماسيّ (فُعَلِّيل) كـ (قُذَعْمِيل) وإن لم يكن منه.
ومن ذلك تداخل (ح د ر) و (ح ن د ور) وبينهما (ح ن د ر) في (حِنْدَورَةٍ) وهي الحَدَقَة:
فكان ابن عصفورٍ يرى أنّها خماسيّةٌ من باب (قِرْطَعْبٍ) على زنة
стр. 567
(فِعْلَلّ) . ونصَّ على أصالة الواو بقوله: (والواو أصلٌ في بنات الخمسة) ١. وما قيل في الرّدّ عليه في (نَخْوَرِشٍ) من قبل يصلح؛ لأن يقال هنا.
وذهب الجوهريّ إلى أنّها من (ح د ر) ٢ وضبطها بضم الحاء والدال: (حُنْدُرة) فيكون وزنها عنده (فُنْعُوْلَةً) . ويجوز أن تكون من الرّباعيّ (ح ن د ر) وإلى هذا مال ابن منظورٍ٣.
ولا شكّ في زيادة الواو؛ لأنّها صحبت ثلاثة أصولٍ؛ وليست في أوّل الكلمة، ولقولهم في معناها: (حُنْدُر) بذهاب الواو.
أمّا النّون فالرّاجح أنّها زائدةٌ؛ لقولهم: ناقةٌ حادرة العينين؛ إذا امتلأتا، سمِّيَت حَدْراء لذلك، والحدرة قُرْحةٌ تخرج بباطن جفن العين٤. وبهذا يرجح الأصل الثُّلاثيّ على الخماسيّ والرّباعيّ.
ومنه تداخل الأصلين (ج ن ق) و (م ج ن ق) وبينهما الأصل الرّباعيّ (م ج ن ق) في (المَنْجَنِيقِ) وهي: القذّاف الّتي يرمى بها الحجارة.
قال الشّاعر:
لَقَدْ تَرَكَتْنِي مَنْجَنِيقُ ابْنِ بَحْدَلٍ ... أَحِيْدُ عَنِ العُصْفُورِ حِينَ يَطِيرُ٥
стр. 568
وفي أصلها خلافٌ١:
فذهب ابن دريدٍ٢ وغيره٣ إلى أنّها من (ج ن ق) وتقديرها (مَنْفَعِيل) واستدلّوا بقولهم: (جَنَقْنَاهم بالمَنْجَنيق) وبقول أعرابيٍّ: (كانت بيننا حروب عونٌ تفقأ فيها العيون، مرّةً نُجْنَق، وأخرى نُرشَق) ٤ أي: تارةً نرمى بالمنجنيق، وتارةً نرشق بالسِّهام.
قال ابن دريدٍ: (فقوله: نُجْنَقُ دالٌّ على أنّ الميم زائدةٌ؛ ولو كانت أصليَّةً لقال: نُمَجْنَق) ٥.
وتحتمل الأصل الخماسيّ؛ إن صحّ أنّها كلمةٌ أعجميَّةٌ معرَّبةٌ٦؛ لأنّم وجدوا فيها الجيم والقاف، ولا يجتمعان في كلمةٍ عربيّةٍ، وذكروا أنّ الأصل: (مَنْ جهْ نِيك) وتفسيره: ماأجودني، أو (مَنْجَكْ نِيكْ) ٧.
ويرى بعض الباحثين أنّ الصّواب أنّها يونانيّةٌ؛ وأصلها (صورة ١٤:منكنيكون) ومنها: (صورة١٥: منكينقا)
стр. 569
بالسّريانيّة١.
وإن صحّ أنّها معرَّبةٌ فهي خماسيَّةٌ؛ وليس في قولهم: جَنَقُونَا، أو نُجْنَقُ، ونحوه دليلٌ؛ لأّنهم (إذا اشتقّوا من الأعجميّ خَلَّطوا فيه؛ لأنّه ليس من كلامهم فاجترؤوا عليه فغيّروه) ٢. فيكون وزنها على هذا (فَعْلَلِيلاً) بمنزلة (دَرْدَبِيسٍ) .
وكان سيبويه٣ ومن تابعه٤ يرون أنّها رباعيّةٌ من (م ج ن ق) ووزنها (فَنْعَلِيل) بمنزلة (عَنْتَرِيسٍ) .
واستدلّوا على أصالة الميم وزيادة النّون ببقاء الأولى وسقوط الثّانية في الجمع؛ إذ قالوا: مَجَانِيق؛ فجرت النّون مجرى الياء في (عَيْضَمُوزٍ) وهي:العجوز الكبيرة، وجمعها: عَضَاميزُ.
ولأنّه (إن جعلت النّون فيه من نفس الحرف فالزّيادة لا تلحق بنات الأربعة أوّلاً؛ إلاّ الأسماء من أفعالها نحو: مُدَحْرِجٍ، وإن كانت النّون زائدةً فلا تزاد الميم معها؛ لأنّه لا يلتقي في الأسماء، ولا في الصّفات الّتي ليست على الأفعال المزيدة في أوّلها حرفان زائدان متواليان، ولو لم يكن في هذا إلاّ أنّ الهمزة الّتي هي نظيرتها لم تقع بعدها الزّيادة لكانت حجّةً) ٥.
стр. 570
وإن ثبت أنّها أعجميّةٌ فليس فيما استدلّوا به على زيادة النّون دليلٌ؛ لما تقدّم، وإن كانت عربيّةً فلكلٍّ من الثّلاثيّ والرُّباعيّ دليله.
стр. 571
الفصل الثالث: التداخل بين الرباعي والخماسي
تمهيد الفصل الثالث
...
الفصل الثّالث: التّداخل بين الرُّباعيّ والخُماسيِّ
لا يكثر التّداخل - أيضاً - بين الرّباعيّ والخماسيّ كثرته بين الثّلاثيّ والرّباعيّ؛ وهو في القلّة كتداخل الثّلاثيّ والخماسيّ.
ومردّ ذلك قلّة الأصلين؛ ولا سيّما الخماسيّ. ولعلّ أوّل من فطن إلى ذلك، ونبه عليه ابن جنّيّ؛ حين قال: "وأمّا تزاحم الرّباعيّ مع الخماسيّ فقليلٌ؛ وسبب ذلك قلّة الأصلين جميعاً؛ فلمّا قلاَّ قلّ ما يعرض من هذا الضّرب فيهما"١. وينتظم التّداخل بين الرّباعيّ والخماسيّ في هذا الفصل مجموعتان؛ هما:
الأولى: ما ثانيه نونٌ.
الثّانية: ما ليس ثانيه نونٌ.
стр. 572
المبحث الأوّل: ما ثانيه نونٌ
إنّ النّون الثّانية - كما تقدّم - لا تزاد في الرّباعيّ إلاّ بثبتٍ، كما لا تزاد في الخماسيّ بغير ذلك؛ على عكس حالها متوسّطةً بين أربعة أحرفٍ.
بيد أنّ زيادتها ليست نادرةً؛ فقد وقع التّداخل بها في الخماسي فمن العلماء من يراها أصلاً؛ فيجعل الكلمة خماسيّةً، ومنهم من يراها زائدةً؛ فتكون الكلمة عنده رباعيّةً.
وفيما يلي بيان هذا من خلال الأمثلة:
يتداخل الأصلان الرّباعيّ والخماسيّ في (الهُنْدَلِع) وهي: بقلةٌ غريبةٌ، قيل: لا تنبت كلّ سنة، وهي تحتمل الأصلين:
فذهب الجمهور١ إلى أنّها رباعيّةٌ من (هـ د ل ع) بزيادة النّون، ووزنها عندهم (فُنْعَلِل) لأنّه لا أصل يقابل النّون فتحمل عليه؛ فهي كنون (كُنْتَأل) وهو: القصير، و (كَنَهْبُل) وهو: ضربٌ من الشّجر؛ وهما زائدتان٢.
وذَهَبَ ابن السّرّاج٣ إلى أنّها خماسيّةٌ من (هـ ن د ل ع) على
стр. 573
بناء (فُعْلَلِل) وأنّه ممّا فات سيبويه من الأبنية.وما ذهب إليه ضعيفٌ للأوجه التّالية:
الأوّل: أنّه يلزم على تقدير أصالة النّون عدم النّظير.
الثّاني: أنّه حكي (الهِنْدَلِع) بكسر الهاء؛ كما روي عن كُرَاعٍ١؛ فيلزم على القول بأصالة النّون إضافة بناءٍ سادسٍ، وهو (فِعْلَلِل) فيفوت تفضيل الرّباعيّ على الخماسيّ؛ وهو المطلوب٢؛ لأنّه -حينئذٍ - أقلّ منه في عدد الأبنية الأصول؛ وهو مخالفٌ لطبيعة الأصول في العربيّة؛ لأنّ الأقلّ في عدد حروفِهِ الأصولِ هو الأكثر في عدد الأبينة؛ لخفّته وكثرة استعماله؛ ألا ترى أنّ أبنية الثّلاثيّ أكثر من أبنية الرّباعيّ؛ فوجب أن تكون أبنية الرّباعيّ أكثر من أبنية الخماسيّ.
الثّالث: أنّه يلزم على قول ابن السّرّاج أصالة نون (كُنْتَأْلٍ) و (كَنَهْبُلٍ) ونحوهما ممّا لم تثبت أصالة النّون فيه٣؛ وذلك خرقٌ لا يرقع؛ فتكثر الأصول٤.
الرّابع: أنّ الحرف إذا تردّد بين الأصالة والزّيادة فحمله على الزّيادة
стр. 574
أولى؛ لكثرة ذي الزّيادة، وقلّة أبنية الأصول١.
ومن أمثلة التّداخل في هذا الباب: تداخل الأصلين في (القَنْفَرِشٍ) وهي: العجوز الكبيرة في قول الرّاجز:
قَدْ زَوَّجُونِي بعَجُوزٍ قَنْفَرِشٍ٢
وهي تحتمل الأصلين:
فذهب ابن دريدٍ إلى أنّها من الرّباعيّ (ق ف ر ش) بزيادة النّون؛ على زنة (فَنْعَلِل) ٣.
وذهب الجوهريّ إلى أنّها من الخماسيّ وأصلها (ق ن ف ر ش) ٤ بأصالة النّون على زنة (فَعْلَلِل) وهو الرّاجح؛ لأنّ النّون لا تزاد في هذا الموضع إلاّ بثَبَتٍ؛ وليس ثَمَّةَ ما يدلّ على زيادتها، والبناء على أصالتها موجودٌ؛ وهو (فَعْلَلِل) كـ (جَحْمَرِشٍ) .
ويتداخل الأصلان الرّباعيّ والخماسيّ في (خَنْدَرِيسٍ) وهو: التّمر القديم، أو الحِنطة، وقيل: الخمر، وهو يحتمل الأصلين:
فمذهب الجوهريّ٥ وغيره٦ أنّه رباعيٌّ من (خ د ر س) بزيادة
стр. 575
النّون ووزنه حينئذٍ (فَنْعَلِيل) .
ومذهب الجمهور١ وعلى رأسهم سيبويه٢ أنّه خماسيّ من (خ ن د ر س) على وزن (فَعْلَلِيل) بأصالة النّون؛ وهو الرّاجح لوجود البناء؛ كـ (سَلْسَبيلٍ) و (عَلْطَبِيسٍ) وهو الأملي البرّاق؛ ولأنه لا يوجد دليلٌ على زيادة النّون.
ومن ذلك تداخل الأصلين في (حِنْزَقْرٍ) وهو: القصير الدّميم من النّاس، ويحتمل الأصلين:
فيرى الجمهور٣ أنّه خماسيّ على وزن (فِعْلَلّ) كـ (قِرْطَعْبٍ) و (جِرْدَحْلٍ) .
وذهب ابن دريدٍ إلى أنّه رباعيٌّ على زنة (فِنْعَلّ) ٤ بزيادة النّون.
ومذهب الجمهور أرجح؛ لأنّهم لم يجدوا دليلاً على زيادة النّون؛ الّتي لا تزاد في هذا الموضع إلاّ بثَبَتٍ؛ كما ذكرنا.
ويتداخل الأصلان الرّباعيّ ولخماسيّ في (القِنْصَعْرِ) وهو: الرّجل القصير العنق، والظّهر المُكَتَّل؛ وهو يحتملهما:
стр. 576
فذهب ابن دريدٍ إلى أنّه رباعيٌّ على زنة (فِنْعَلّ) ١ وتردّد فيه الأزهريّ٢.
وكان ابن منظورٍ يميل إلى أنّه خماسيٌّ فذكره فيه٣؛ ووزنه - حينئذٍ (فِعْلَلّ) وهو الرّاجح على قاعدة النّون ثانيةً.
ومن ذلك تداخل الأصلين الرّباعيّ والخماسيّ في (هَمَّرِشٍ) وهي: العجوز المضطربة الخلق، وقد اختلفوا فيه٤:
فذهب سيبويه في أحد قوليه إلى أنّه رباعيٌّ من (هـ م ر ش) على وزن (فَعَّلِل) ونصّ كلامه: (ويكون على مثال (فَعَّلِل) وهو قليلٌ. قالوا: الهَمَّرِش) ٥.
وإلى هذا ذهب كُرَاعٌ فيما حكاه ابن سِيدَه٦، وذكر أنّه لا نظيرله البتَّة ونقله ابن السّرّاج٧، وكان ابن عصفورٍ يراه، ويحتجّ له بقوله: "فأمّا هَمَّرِش، فينبغي أن يحمَل على أنّ إدغامه من قبيل إدغام المثلين؛ ويكون
стр. 577
وزن الكلمة (فَعَّلِلاً) فتكون ملحقةً بجَحْمَرِشٍ؛ لما ذكرنا من أنّ الأصل في كلّ إدغام يكون في كلمة واحدةٍ - أن يحمَل على أنّه من قبيل إدغام المثلين، إلاّ أن يمنع ذلك مانعٌ؛ فإذا صغّرت هَمَّرِشاً على هذا القول، أو كسّرته، قلت: هُمَيْرِشٌ وهَمَارِشُ؛ فتحذف إحدى الميمين؛ لأنّها زائدةٌ"١.
وذهب سيبويه في قوله الآخر إلى أنّه رباعيٌّ - أيضاً - ولكن على زنة (فَنْعَلِل) فقد كان يقول: "وأمّا الهَمَّرِش فإنّما هي بمنزلة القَهْبَلِس٢، فالأولى نونٌ - يعني: إحدى الميمين - نونٌ ملحقةٌ بقَهْبَلِسٍ؛ لأنّك لا تجد في بنات الأربعة على مثال فَعَّلِل"٣.
وهذا خلاف ما تقدّم، من أنّه كان يراه على وزن (فَعَّلِل) ولعلّه نسي ما قاله ثَمَّ أو غيّر رأيه فيه، أو كان يرى الوجهين معاً. وقد أدرك ابن سِيدَه ما وقع لسيبويه؛ فقال: (جعلها سيبويه مرّةً (فَنْعَلِلاً) ومرّةً (فَعَّلِلاً)) ٤.
على أنّه ينبغي أن ندرك أنّ الأصل لا يختلف في قولَيْ سيبويه فهو رباعيٌّ على القولين من (هـ م ر ش) والفرق بين الوزنين في الحرف
стр. 578
الزّائد؛ فهو ميمٌ على وزن (فَعَّلِل) ونونٌ على وزن (فَنْعَلِل) ولكنّها قلبت ميماً من أجل الإدغام.
وينبغي أن لا يُقطع - أيضاً - في نسبة تباين الرّأي في هذه الكلمة إلى سيبويه، فليس بعيداً أن يكون من زيادات بعض العلماء في نسخ الكتاب، أو من وهم النسّاخ؛ فإنّ هذه الكلمة كانت ساقطةً من نسخة ابن السّرّاج من الكتاب المنسوخة عن نسخة أبي العبّاس المبرّد؛ ولم تكن مثبتةً - أيضاً - في نسخة ثعلب١.
ومهما يكن من أمرٍ؛ فلم يكن أبو عليٍّ الفارسيّ - فيما نقله ابن سِيدَه٢- راضياً عن الوزن الثّاني؛ الّذي جاء في (الكتاب) وهو (فَنْعَلِل) لأنّه لو كان الأمر كذلك لظهرت النّون؛ فإنّ إدغام النّون السّاكنة في الميم من كلمةٍ واحدةٍ؛ لا يجوز. وكان يستدل بأنهم لم يدغموا النُّون في قولهم: (شَاةٌ زَنْماء) كراهة أن تلتبس بالمضاعف.
على أن ما ذهب إليه أبوعلي لا يؤخذ على إطلاقه؛ ألا تراهم أجازوا إدغام أحد المتقاربين في الآخر، في كلمة واحدة؛ إذا لم يكن ملبساً؟ وذلك في أبنيةٍ محصورةٍ؛ نحو (انفَعَلَ) و (افْتَعَل) و (تَفَعَّلَ) و (تَفَاعَلَ) نحو (امَّحَى) و (اسَّمَعَ) و (ازَّمَّلَ) و (ادَّارَكَ) وكذلك (فَنْعَلِل) فلعلّ منه (هَمَّرِش) .
وذهب الأخفش إلى أنّه خماسيٌّ من (هـ ن م ر ش) بأصالة النّون
стр. 579
وزنه (فَعْلَلِل) كـ (جَحْمَرِش) ١، وقد قلبت النّون ميماً وأدغمت لعدم اللّبس؛ لأنّه لا وجود لبناء (فَعَّلِل) سوى (هَمَّرِش) .
أمّا (هُمَّقِع) وهو: الأحمق فهو رباعيٌّ، وإحدى الميمين زائدةٌ؛ وهو على بناء (فُعَّلِل) لوجوده، نحو (شُمَّخِرٍ) وهو: الرّجل الجسيم المكتبّر، و (دُبَّخِسٍ) وهو الضّخم.
واحتجّ الأخفش - أيضاً - بأنّ (هذه البنية - أعني: (فَعْلَلِلاً) - لم توجد في موضعٍ من المواضع، قد لحقتها زوائد للإلحاق؛ فيعلم بذلك أنّ هَمَّرِشاً في الأصل: هَنْمَرِشٌ؛ إذ لو لم يحمل على ذلك، وجعل من إدغام المثلين لكان أحد المثلين زائداً؛ فيكون ذلك كسراً لما ثبت في هذه البِنية واستقرّ، من أنّها لا تلحقها الزّوائد للإلحاق) ٢.
على أنّه يرد عليه أنّهم ألحقوا بها مثالاً واحداً على رأي بعضهم؛ وهو: نَخْوَرِشٌ٣.
وكان ابن جنّي يقول بمذهب الأخفش؛ فيرى أنّ الكلمة خماسيّةٌ: قلبت نونها وأدغمت؛ لمّا أُمن اللّبس؛ لعدم وجود (فَعَّلِل) ٤.
وينبغي على هذا الخلاف بينهم في أصل (هَمَّرِشٍ) أن يختلف التّصغير والتّكسير؛ فيقال: هُمَيْرِشٌ وهَمَارِشُ على رأي من رآه
стр. 580
رباعيًّا١ ويقال: هُنَيْمِرٌ وهَنَامِرُ على رأي من كان يعدّه خماسيّاً٢.
ومن التّداخل بين الرّباعيّ والخماسيّ، ممّا ثانيه نونٌ، تداخل الأصلين في قولهم: (عجوزٌ شَنَهْبَرَةٌ) و (شَهْبَرَةٌ) بمعناه، وقد جاء في الحديث: "لا تتزَوَّجَنَّ شَهْبَرَةً ولا نَهْبَرَةً" ٣ وهو يحتمل الأصلين:
فذهب ابن عصفورٍ إلى أنّه خماسيٌّ، وليس من (شَهْبَرَةٍ) فهما أصلان من باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ؛ لأنّه لا يجوز - عنده - أن يكون (شَنَهْبَرةٌ) رباعيّاً على وزن (فَنَعْلَلَة) لأنّ ذلك بناءٌ غير موجودٍ؛ فيكون موافقاً لمعنى (شَهْبَرةٍ) وليس منه.
وبالقياس على ما ذكرتُهُ من قاعدة سَبِطٍ وسِبَطْرٍ فإنّهما من أصلٍ واحدٍ، لا أصلين، وهو (ش هـ ب ر) فيكون وزن شَنَهْبَرَةٍ (فَنَعْلَلَة) لدلالة الاشتقاق؛ ولأنّ النّون من حروف الزّيادة.
وفقد البناء فيما احتجّ به ابن عصفورٍ دلالةٌ قويّةٌ، إلاّ أنّ الاشتقاق مع كون النّون من حروف الزّيادة - أقوى؛ فيكون من نوادر الأبنية.
ونحو ذلك (خَضْرَفٌ) و (خَنْضَرِفٌ) وهما بمعنى: المرأة الضّخمة اللّحيمة الكبيرة الثّديين، وقيل: المسترخية اللّحم، فقد ذهب ابن عصفورٍ إلى أنّهما أصلان مختلفان، على الرّغم من تقاربهما في اللّفظ واتّفاقهما في
стр. 581
المعنى؛ لأنّ القول بزيادة النّون يؤدّي إلى بناء (فَنْعَلِل) وهو غير موجودٍ؛ كما ذكر؛ فيحملان على باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ١. وأرى أنّهما من أصلٍ واحدٍ؛ وهو الرّباعيّ (خ ض ر ف) للعلّة السّابقة.
أمّا قولهم (خِنْثَبَةٌ) و (خِنْثَعْبَةٌ) وهما بمعنى: النّاقة الغريزة اللّبن، فليس أحدهما من الآخر؛ بل هما من بابٍ: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ؛ لأنّ العين ليست من حروف الزّيادة.
ويجوز في (خِنْثَعْبَةٍ) أن يكون رباعيّاً أو خماسيّاً؛ فمن رواه بضمّ الخاء جعله رباعياًّ؛ كما فعل سيبويه؛ فهو عنده بمنزلة (كَنَهْبُل) في زيادة النُّون؛ لأنّه ليس في الكلام على مثال (جُرْدَحْلٍ) وإنّما جاء بزيادة النّون٢.
ومن رواه بالكسر جعله خماسيّاً، بأصالة النّون كـ (قِرْطَعْبٍ) ومن هؤلاء الفاربيّ٣، ونصّ على أنّ وزنها (فِعْلَلَّة) .
والقول بزيادتها هو الرّاجح؛ لدلالة الضّمّ؛ إذ ليس في الكلام (فُعْلَلّ) وبهذا استدلّ أبو عليٍّ الفارسيّ٤.
стр. 582
ومن تداخل الأصلين ممّا ثانيه نونٌ ما وقع في (العَنْدَلِيب) ١ وهو: طائرٌ أصغر من العصفور، يصوّت ألواناً، يقال: إنّه البُلْبُل، وهو يحتمل الأصلين:
فذهب سيبويه إلى أنّه خماسيٌّ على زنة (فُعْلَلِيل) كـ (خَنْدَرِيسٍ) ٢ وعلى ذلك - أيضاً - ابنُ السَّرَّاج٣، وابن سِيدَه٤، والزَّمخشريّ٥.
وذهب الأزهريّ إلى أنّه رباعيٌّ، من (ع ن د ل) ثُمَّ مُدَّ بياءٍ، وكُسِعَ بلامٍ مكرّرةٍ، فقالوا: (عَنْدَلِيلٌ) فقلبت اللاّم باءً٦. وكان الأزهريّ يستدلّ لمذهبه بظهور اللاّم على أصلها في قول الشّاعر:
والعَنْدَلِيلُ إذا زَقَا فِي جَنَّةٍ ... خَيْرٌ وأَحْسَنُ مِنْ زُقَاءِ الدُّخَّل٧
ولكلٍّ من الرّايين ما يؤيّده، والرّاجح أنّه خماسيٌّ؛ فليس في مادّة (عندل) ما يدلّ على معناه، أمّا قولهم: يُعَنْدِلُ البلبل، أي: يصوّت، وعَنْدَلَ الهُدْهُدُ، فليس فيه دليلٌ قاطعٌ؛ أنّه يحتمل أن يكون مشتقّاً من
стр. 583
(العَنْدَلِيب) أو (العَنْدَلِيلِ) على حدٍّ سواءٍ؛ لأنّ الخامس محذوفٌ في قولهم: (يُعَنْدِلُ) و (عَنْدَلَ) على طريقتهم؛ إذا اضطرّوا إلى نحو ذلك من سَفَرْجَلٍ: سَفْرَجَ.
وقولهم: إنّ الباء في (العَنْدَلِيب) مبدلَةٌ من اللاّم ليس عليه دليلٌ قاطعٌ، ولو كان بينهما تبادلٌ لكان الأولى أن تكون الباء هي الأصل؛ واللاّم هي البدل؛ لمشاركة اللاّم الأولى.
стр. 584
المبحث الثّاني: ما ليس ثانيه نوناً
إنّ التّداخل في هذا النّوع أقلّ من التّداخل بين الثّلاثيّ والرّباعيّ للعلّة السّابقة - أيضاً - ومنه تداخل الأصلين الرّباعيّ والخماسيّ في (السّلْسَبِيل) وهو: الماء أو الشّراب اللّذيذ اللّيّن الّذي لا خشونة فيه.
قال : ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ ١ فكأنّ العينَ سمِّيت بالصّفة منه، وقد جاء مصروفاً؛ لأنّه رأس آيةٍ٢، وفي أصله خلافٌ بين أهل اللّغة.
فمذهب الجمهور٣ - وعلى رأسهم سيبويه -٤ أنّه خماسيٌّ من (س ل س ب ل) على زنة (فَعْلَلِيل) كـ (دَرْدَبِيسٍ) .
وذهب بعضهم إلى أنّه رباعيٌّ من (س ل ب ل) على وزن
стр. 585
(فَعْفَلِيل) بتكرير السّين، وهي فاء الكلمة، كـ (دَرْدَبيسٍ) على رأي من جعل الدّال الثّانية مكرَّرةً١، وهذا بعيدٌ؛ إذ لا دليل على تكرير الفاء؛ كما تقرّر عند جمهور اللّغويّين، وقد بُسِط القول في مثله في الباب الأوّل.
وذهب الزَّمخشريّ إلى أنّه رباعيٌّ - أيضاً - ولكن من (س ل س ل) بزيادة الباء٢، ووزنه - حينئذٍ (فَعْلَبِيل) وهو بعيدٌ؛ لأنّ الباء ليست من حروف الزّيادة.
ويحتمل رأيه شيئاً آخر، نبّه عليه أبو حيّان؛ وهو أنّه أراد أنّ الباء زائدةٌ على بناء (سَلْسَل) و (سَلْسَالٍ) فصارت خماسيّةً من باب الأصلين المتقاربين؛ كما في: سَبِط وسِبَطْرٍ٣؛ فإن كان الأمر ذاك فمذهبه كمذهب الجمهور في أنّها خماسيّةٌ، على وزن (فَعْلَلِيل) .
وذهب بعضهم إلى أنّ الكلمة ليست خماسيّةً ولا رباعيّةً؛ بل هي ثلاثيّةٌ إمّا من (س ل س) أو من (س ل ل) أو مركبَّةٌ من (سَأَلَ) و (سَبِيل) .
وكان السّمين الحلبيّ يرى أنّها من (س ل س) ٤؛ لأنّه وجدها
стр. 586
بمعناه؛ لقولهم: شرابٌ سَلِسٌ؛ أي: سهلٌ، ليّن الانحدار؛ فيكون وزنها - حينئذٍ (فَعْلَبيلاً) بزيادة الباء واللاّم الأخيرة؛ وهو بعيدٌ؛ لزيادة ما ليس من حروف الزّيادة، وهي الباء.
وجعله الرّاغب من (س ل ل) ١ فيكون وزنها - حينئذٍ (فَعْفَبِيلاً) وهو بعيدٌ من وجهين:
الأوّل: زيادة ما ليس من حروف الزّيادة؛ وهو الباء.
الثّاني: تكرير ما لم يقم الدّليل على تكريره؛ وهو فاء الكلمة.
وقيل: إنّها مركّبةٌ من (سَأَلَ) و (سَبِيل) على طريق التّركيب الإسناديّ في الأعلام كـ (تأََبَّطَ شَرّاً) و (شَابَ قَرْنَاها) فأصلها على هذا الرّأي: (سَلْ سَبيلاً) ٢ وسمِّيت الجنّة بذلك؛ لأنّه لا يشرب منها إلاّ من سأل إليها سبيلاً، بالعمل الصّالح.
وقد عزي هذا الرّأي إلى عليّ بن أبي طالبٍ٣ ﵁ وفي عزوه إليه ﵁ بعدٌ، كما أشار إليه بعض العلماء٤.
وليس لهذا الرّأي - من حيث الصّناعة - دليلٌ قاطعٌ؛ وهو غير مقبولٍ عند حُذّاق العربيّة، ومنهم الزَّمخشريّ الّذي كان يراه تكلّفاً
стр. 587
وابتداعاً١، وكذا الكِرمانيّ٢.
ومن أمثلة التّداخل في هذا النّوع: تداخل (ع ق ر ط) ، و (ع ق ر ط ل) في (العِقِرْطَل) : أنثى الفيل، واللّفظ يحتمل الأصلين:
فذهب الفارسيّ٣ وابن مالكٍ٤ إلى أنّه رباعيٌّ، واللاّم زائدةٌ. وإنّما حداهما على ذلك أنّهما روياه بكسر العين والقاف؛ فلم يجدا (فِعِلَّل) فحملاه على (فِعِلَّل) بزيادة اللاّم، وليس بأصالتها.
وذهب ابن سِيدَه٥ وابن منظورٍ٦ والفيروزاباديّ٧ إلى أنّه خماسيٌّ، على زنة (فَعَلَّل) لأنّهم رووه بفتح العين والقاف، فحملوه على (سَفَرْجَل) فإن كان الأصل الفتح فهو خماسيٌّ، وإن كان الكسر فهو رباعيٌّ.
ومن ذلك ما تقارب فيه الأصلان الرّباعيّ والخماسيّ كـ (ضَبَغْطَى) و (ضَبَغْطَرَى) وهما كلمتان يُفزّع بهما الصّبيان، أو فزَّاعة الزّرع الّتي تنصّب للطّير؛ وهما أصلان مختلفان - كما نصّ ابن جنّي٨ ـ أوّلهما
стр. 588
رباعيٌّ، وثانيهما خماسيٌّ، وإن تقاربت حروفهما، واتّحد معناهما؛ فليس أحدهما من الآخر؛ لأنّ الرّاء ليست من حروف الزّيادة. وقد ذكرهما ابن منظورٍ في الأصلين١ على الصّواب.
ونحو ذلك تداخل الأصلين (د ر د ب) و (د ر د ب س) في (دَرْدَبَ) و (دَرْدَبِيس) في قول الشّاعر:
أُمُّ عِيَالٍ فَخْمَةٌ تَعُوس قَدْ ... دَرْدَبَتْ والشَّيْخُ دَرْدَبِيسُ٢
وهما بمعنى: الشّيخ الكبير الهمّ والعجوز - أيضاً -. ويحتملان ثلاثة أوجهٍ:
الأوّل: أن يكون الرّباعيّ (دَرْدبَ) هو الأصل؛ فتكون السّين في (دَرْدَبِيس) زائدةً، كزيادتها في (خَلْبَسَ) من (خَلَبَ) .
والثّاني: أن يكون أصلين متقاربين؛ وليس أحدهما من الآخر؛ وإلى هذا مال ابن جنّيّ٣.
والثّالث: أن يكون (دَرْدَبيسٌ) هو الأصل، و (دَرْدبَ) فعلٌ مشتقٌّ منه؛ فاضطرّ علىحذف خامسه؛ أنّ الفعل لا يكون على خمسة أصولٍ.
وليس هذا الوجه ببعيدٍ عند ابن جنّي؛ الّذي قال: (ولا أدفع أن يكون استكره نفسه على أن بنى من دردبيس فعلاً فحذف خامسه، كما
стр. 589
أنّه لو بنى من سَفَرْجَلٍ فعلاً عن ضرورةٍ لقال: سَفْرَجَ) ١.
وهذا الّذي ذهب إليه ابن جنّي قويٌّ؛ وهو أرجح الأوجه الثّلاثة، ويتلوه الأوّل، ثمّ الثّاني؛ وهو أبعدها؛ لما تقدّم في قاعدة: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ.
стр. 590
الباب الرابع: أسباب التداخل وأثره في بناء معاجم القافية
الفصل الأول: أسباب التداخل
...
الفصل الأوّل: أسباب التّداخل
ثَمَّةَ أسبابٌ تؤدّي - في النّهاية - إلى تداخل الأصول في معاجم القافية، ومن أبرزها:
أ- اتّحاد المعنى (تقارب الأصلين والمعنى واحدٌ) .
ب- القلب المكانيّ.
ج- الإبدال.
د- الهمز والتّخفيف.
هـ- التّعريب.
والحذف والتعويض.
ز-الإلحاق.
ح-النّحت.
ط-الضّرورة الشِّعريّة.
ي-تصريف الحروف وما أشبهها.
ك-الإدغام.
ل-الجمع.
م-توهّم أصالة الحرف.
ن-اختلاف الحركات.
س-التّصحيف والتّحريف.
ع-متابعة مدرسة التّقليبات.
وفيما يلي إفراد كلّ منها بشيءٍ من التّفصيل.
стр. 591
أ- اتّحاد المعنى (تقارب الأصلين والمعنى واحدٌ) .
يؤدّي اتّحاد المعنى بين الكلمتين إلى تداخل الأصول، ولا يؤخذ ذلك على إطلاقه؛ فهو مشروطٌ بأن تتّفق الكلمتان في أكثر الحروف؛ وهو ما يعرف اصطلاحاً بباب (سَبِطٍ وسِبَطْرٍ) .
ومنه أن تجد الثلاثيّ على أصلين متقاربين والمعنى واحدٌ؛ فيظنّ أنّهما من أصلٍ واحدٍ؛ وليسا أصلين، كقولهم: شيءٌ رِخوٌ، ورِخْوَدٌّ، بمعنى: ليّنٍ، وهما - كما ترى - شديدا التّداخل في الأصول.
وقد حكى الأزهريّ عن أبي الهيثم١ أنّه يرى أنّ (الرِّخْوَدَّ) و (الرِّخْوَ) أصلٌ واحدٌ؛ وهو (ر خ و) وذكر أنّ الرِّخْوَدَّ: هو الرِّخْوُ: زيدتْ فيه دالٌ، وشدِّدت؛ كما يقال: فَعْمٌ وفَعْمَلٌ٢ وهو: الممتلئ.
وعلى مذهب أبي الهيثم هذا يكون وزن (الرِّخْوَدِّ) (فِعْلَدّ) وليس الأمر كذلك.
قال ابن جنّي: "وإنّما تركيب: رِخْوٍ من (رخ و) وتركيب: رِخْوَدٍّ من (ر خ د) وواو رِخْوَدٍّ زائدة"٣.
стр. 592
وهو على وزن (فِعْوَلّ) مثل (عِلْوَدٍّ) وهو: الغليظ الرّقبة، و (عِسْوَدٍّ) وهو القويّ الشّديد.
أمّا (رِخْوٌ) فهو (فِعْلٌ) .
ويقوّي هذا أنّ الدّال في (رِخْوَدٍّ) ليست من حروف الزّيادة؛ فلا يقال: إنّ الأصل: (رِخْوٌ) ثمّ زيدت الدّال؛ كما قال أبو الهيثم.
والّذي أدّى إلى تداخل الأصلين في (رِخْوٍ) و (رِخْوَدٍّ) أنّ الفاء والعين فيهما متّفقتان؛ مع اتّحاد المعنى؛ وذلك أنّ الرِّخو: الضّعيف، والرِّخْوَدّ: المتثنّي، ويقال: امرأةٌ رِخْوَدَّةٌ، وجمعها: رَخَاوِيد.
قال أبو صخرٍ الهُذليّ:
عَرَفْتُ من هِنْدَ أطلالاً بذي التُّودِ ... قفراً وَجَارَاتِهَا البِيضِ الرَّخَاوِيدِ١
ومنه تداخل الأصلين (ض ي ط) و (ض ط ر) في قولهم: (ضَيَّاطٌ) و (ضَيْطَارٌ) لاتّحاد معناهما؛ وهو التّبختر والتمايل في المِشْية٢، ولاتّفاقهما في أكثر الحروف.
والصّحيح أنّ (ضَيَّاطاً) من تركيب (ض ط ر) و (ضَيْطَاراً) من (ض ط ر) ووزن الثّاني منهما (فَيْعَال) أمّا الأوّل فيحتمل ثلاثة أوجهٍ؛ وهي: (فَعَّال) كخَيَّاطٍ، و (فَيْعَال) كخَيْتَامٍ، و (فَوْعَال) كتَوْرَابٍ، فيكون أصله على هذا الأخير (ضَوْيَاطاً) ثمّ قلبت الواو السّاكنة ياءً، وأدغمت؛
стр. 593
فقالوا: ضَيَّاطٌ١.
ومنه تقارب (فُؤَادٍ) و (فَادٍ) في قول القُطاميّ:
كَنِيَّةِ القَوْمِ مِنْ ذِي الغَيْضَةِ احْتَمَلُوا ... مُسْتَحْقِبِينَ فُؤَاداً مَالَهُ فَادِ٢
فـ (فُؤَادٌ) من (ف أد) و (فادٍ) من (ف د ي) .
ومنه (الثّرى) وهو: التّراب النّديّ و (الثَّرَاء) وهو: كثرة المال؛ وهما أصلٌ واحدٌ عند ابن فارسٍ؛ وهو: الكثرة وخلاف اليُبْس٣. وعليه الجوهريّ؛ إذ ذكرهما في (ث ر و) ٤، وتابعه فيه ابن منظورٍ٥.
وليس (الثّرى) من لفظ (الثّرَاء) فهما أصلان؛ أوّلهما من تركيب (ث ر ي) لقولهم: الْتَقَى الثَّريان؛ وذاك أن يجيء المطر؛ فيرسخ في الأرض حتّى يلتقي هو وندى الأرض.
والثّاني: وهو: الثَّرَاء - من تركيب (ث ر و) لأنّه من: الثّروة، وهي: كثرة الشّيء؛ ومنه قولهم: ثَرَوْنَا بني فلانٍ نَثْرُوهم ثَرْوَةً؛ إذا كنّا أكثر منهم، ومنه كثرة المال، وهذا رأي ابن جنّي٦؛ وهو الرّاجح؛
стр. 594
لدلالة الاشتقاق.
وقد تسمّح فيهما الفرّاء؛ فعدّهما من المقصور والممدود؛ على الرّغم من اختلاف الأصلين١.
وأدّى اتّحاد المعنى في (الفَيْشَة) و (الفَيْشَلَةِ) وهما بمعنى: الحشفة في العضوّ المذكّر - إلى تداخل الأصلين: (ف ي ش) و (ف ش ل) في حين أنّه يجوز فيهما وجهان:
الأوّل: أن يكونا أصلين مختلفين، من باب (سَبِطٍ وسِبَطْرٍ) وهو رأي جماعة من العلماء؛ كالجرميّ٢، وابن جنّي٣، والجوهريّ٤، وابن منظورٍ٥، والفيروزاباديّ٦؛ وهم يذهبون إلى أنّ اللاّم في (الفّيْشَلَة) أصليّةٌ وليست زائدةً؛ ولا يستدلّون بسقوطها في قولهم: (فَيْشَةٌ) فهذه عندهم من أصلٍ مستقلٍّ؛ وهو (ف ي ش) وإنّما دعاهم إلى هذا أنّهم وجدوا الياء في (الفَيْشَلَة) أقرب إلى الزّيادة من اللاّم؛ لكثرة زيادة الياء ثانيةً٧ فوزنها عندهم (فَيْعَلَة) .
стр. 595
الثّاني: أن تكون اللاّم في (الفَيْشَلَة) زائدةً؛ لقولهم: (الفَيْشَة) ١. وعلى هذا فوزنها (فَعْلَلَة) واللاّم الثّانية زائدةٌ. وهذا الرّأي هو الرّاجح عندي؛ إذ اللاّم من حروف الزّيادة، ودلالة الاشتقاق قويّةٌ، وهي من أقوى المقاييس الّتي تُمَيَّز بها الأصول.
ويبدو أنّ الزّبيديّ كان يجيز الأصلين؛ فذكر (الفَيْشَلَة) في (ف ي ش) و (ف ش ل) ٢.
وأمّا إذا اختلف المعنى في الكلمتين؛ فينبغي أن يفصل بين الأصلين؛ كـ (المَهَانَة) فهي (مَفْعَلَة) من: الهوان، والميم فيها زائدةٌ، أمّا (المَهَانَة) من: الحقارة فهي عند الجمهور من (م هـ ن) ٣، ووزنها حينئذٍ (فَعَالَة) .
وكذلك (مَقِيلٌ) فهو من (ق ي ل) إن كان بمعنى اسم الزّمان أو المكان؛ من: قال يَقِيلُ في القيلولة؛ وهي الظّهيرة؛ فوزنه (مَفْعِل) ؛ لأنّ عين المضارع مكسورةٌ٤.
ويكون من (م ق ل) إن كان بمعنى: النّظر أو الغَمْس؛ فوزنه (فَعِيل) بمعنى اسم المفعول٥.
стр. 596
ب- القلب المكانيّ:
القلب في اللّغة: تحويل الشّيء عن وجهه، ومنه: قلب الشّيء، وقَلَّبه: حَوَّله ظهراً لبطنٍ، وَقَلَبَ رَدَاءَه: حَوَّله١.
والقلب المكانيّ في اصطلاح اللّغويّين: هو حلول حرفٍ مكان حرفٍ في الكلمة المفردة بالتّقديم والتّأخير: مع حفظ معناها٢.نحو: اضْمَحَلَّ وامْضَحَلَّ، وعميق ومَعِيقٍ؛ وسحابٍ مُكْفَهِرٍّ ومُكْرَهِفٍّ، وقَافَ الأثرَ وقَفَاه٣. وهو سماعيٌّ؛ يحفظ ولا يقاس عليه؛ كما قال ابن عصفورٍ٤ وهو رأي الجمهور.
ولم يكن القلب المكانيّ محلّ اتّفاق عند العلماء؛ فقد اختلفوا فيه؛ وتفاوتت أدلّتهم في معرفة الأصل من المقلوب، ولاتكاد تخرج آراؤهم في القلب عن ثلاثةٍ:
١- قبول القلب بشكلٍ مطلقٍ.
٢- إنكاره.
٣- قبوله مقيّداً بوجود الدّليل.
أمّا الأوّل فهو مذهب كثيرٍ من أهل اللّغة؛ إذ تلقّوا القلب المكانيّ بالقبول، وكانوا يرون أنّ لكلّ مثالٍ أصلاً وفرعاً؛ ووافقهم على ذلك
стр. 597
النّحويّون من الكوفيّين١.
وقد أفرد له بعض اللّغويّين - من المدرستين - أبواباً في مؤلّفاتهم؛ جمعوا فيها كثيراً من أمثلته، ومن هؤلاء: أبو عبيدٍ القاسم بن سلاَّم٢، وابن قتيبة٣، وكُراعٌ٤، وابن دريدٍ٥، وابن فارسٍ٦، وابن سِيدَه٧، والسّيوطيّ٨.
وكان بعض المتأخّرين من المعاصرين يرون ما يراه جمهور أهل اللّغة من المتقدّمين، وعندهم أنّ مثل هذه الكلمة إذا وقعت في اللّغة الواحدة كالعربيّة؛ فإنّه يجب أن ينظر إليها على أنّ بعضها أصلٌ والآخر مقلوبٌ عنه، ولا معنى للتّفريق بينها٩، كما فعل البصريّون - كما سيأتي - فالتّقديم والتّأخير من سمات اللّغة.
أمّا الرّأي الثّاني في القلب فقد تزعّمه ابن درستويه؛ إذ كان ينكر القلب، ويُخرّج ما جاء منه على أنّه من أصولٍ مستقلّةٍ؛ وإن تشابهت في
стр. 598
المعنى؛ فهو عنده من لغات القبائل، ويرى أنّ لكلّ قولٍ مناسبةً، ولكلّ لفظٍ معناه الخاصّ، الّذي ينفرد به عن غيره في العربيّة؛ كالتّرادف والأضداد١.
أمّا الثّالث فهو موقف أكثر البصريّين؛ وقد توسّطوا فيه، وأساس مذهبهم هذا "أنّ كلّ لفظين وجد فيهما تقديمٌ وتأخيرٌ؛ فأمكن أن يكونا جميعاً أصلين ليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه؛ فهو القياس الّذي لا يجوز غيره"٢.
وقد كان البصريّون يستدلّون على القلب بأمورٍ، منها:
١- أن يقلّ أحد اللّفظين في التّصرّف عن الآخر؛ فيكون الأكثر تصرّفاً هو الأصل، والآخر هو المقلوب؛ كقولهم: أَنَى الشّيء يَأْنِي، وآنَ يَئِين؛ إذا حان وأدرك منتهاه؛ فالأصل: أَنَى، وآنَ مقلوبٌ عنه، والدّليل على هذا ورود مصدر (أَنَى) وهو: الإِنَى والأَنَى٣، وليس لـ (آنَ) مصدرٌ.
أمّا إذا تساويا في التّصرّف؛ نحو: جَذَبَ وجَبَذَ؛ فلا يكون أحدهما مقلوباً عن الآخر؛ لقولهم: جَذَبَ يجْذِبُ جذباً، فهو جاذبٌ، والمفعول مجذوبٌ، وجَبَذَ يَجْبِذُ جبذاً، فهو جابذٌ، والمفعول مجبوذٌ٤.
стр. 599
وكذلك لا يدّعون في: وَأَدَ ابنته، إذا دفنها؛ وهي حيّةٌ - أنّه مقلوبٌ؛ من: آدَ، بمعناه؛ لأنّ كلاًّ منهما كامل التّصرّف في الماضي، والمضارع، والآمر، والمصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول؛ وليس فيه شيءٌ من مسوّغات القلب١.
ولكن ثمَّة ما يدعو للحذر من أخذ هذا المقياس على إطلاقه؛ وهو أنّ اللّغة لم تصل إلينا كاملةً؛ كما قال أبو عمرو بن العلاء٢، وابن فارسٍ٣، ويزاد على هذا أنّ أصحاب المعاجم لم يلتزموا ذكر كلّ ماجاء على القياس من تصريفات الكلمة؛ فهم كثيراً ما يتركون بعض التّصاريف؛ كالمصادر، والجموع، وأسماء الفاعلين، أو المفعولن؛ لمجيئهما على القياس.
٢- أن يُصحّح اللّفظ مع وجود موجب الإعلال؛ كقولهم: أَيِسَ ويَئِسَ، فإنّ الأوّل مقلوبٌ عن الثّاني؛ إذ فيه موجب الإعلال؛ وهو تحرّك الياء وانفتاح ما قبلها، وترك الإعلال دليلٌ على أنّه مقلوبٌ عن: يَئِسَ٤.
٣- أن يترتّب على عدم القلب اجتماع همزتين في الطّرف في اسم الفاعل من الأجوف المهموز؛ نحو: (جاء) من (ج ي أ) وقياسه قبل
стр. 600
القلب؛ جايئ؛ على وزن (فاعِل) ثمّ يهمز، فيقال: جائئ؛ فتجتمع همزتان في الطّرف؛ فلذا قلب الخليل في (جايئ) خوفاً من اجتماع همزتين فقال: (جائي) بزنة (فَالِع) ثمّ أُعِلّ إعلال قاضٍ؛ فيقال: جاءٍ.
وكذلك في جمعه على (فَوَاعِل) نحو (جَوَاءٍ) وفي الجمع الأقصى لمفردٍ لامه همزةٌ مسبوقةٌ بحرف مدّ؛ كما في: خطايا، جمع: خطيئةٍ؛ وهو مذهب الخليل١، فيكون وزن: جاءٍ وجواءٍ، وخطايا عنده: (فَالٍ) و (فوالٍ) و (فَعَالَى) وهي عند سيبويه (فَاعٍ) و (فَوَاعٍ) و (فَعَائل) ٢.
وثَمَّة ما يعرف به القلب غير ما تقدّم؛ كمنع الصّرف بغير علّةٍ؛ لو لم يُقَلْ بالقلب؛ كمنع الصّرف في: أشياء؛ فإنّها (لَفْعَاء) عند البصريّين، وأصلها: شَيْئاء؛ وهي (أفْعَال) عند الكسائيّ، و (أَفْعَاء) عند الفرّاء والأخفش.
وممّا حمل البصريّين على أن يقولوا بالقلب فيها أنّهم ألفوها ممنوعةً من الصّرف، ولم يقولوا بمذهب الكسائيّ لكي لا تمنع الكلمة منالصّرف بغير علّةٍ، واستدلّوا - أيضاً - بأمورٍ منها قول العرب في جمعها: أشَايَا وأَشَاوَى، وأَشْيَاوَات، وقولهم في التّصغير: أُشَيَّاء؛ وأمّا مذهبا الفرَاء والأخفش فقد ضُعِّفَا٣.
نعم؛ ويؤدّي القلب المكانيّ - كما أشرت - إلى تداخل الأصول،