واستدرك الزَّبيديّ على صاحب (القاموس) ألفاظاً لم يهملها وإنّما ذكرها في مواضع أخرى، ألا ترى إلى قول الزّبيديّ في مادّة (ت ذ ر ب) : "وممّا يستدرك عليه: تَذْرَبُ موضع، قال ابن سيده: والعلّة في أنّ تاءه أصلية ما تقدَّم في تَخْرَب...وقد أغفله المؤلف"١.
ولم يغفله الفيروزآباديّ، وإنّما ذكره في (ذ ر ب) ٢.
ومثل ذلك كثير في (التَّاج) لمن أراد حصره.
ويظهر أثر وضع الكلمة في غير موضعها - بوضوح - في كتاب (الحسن والإحسان في ما خلا عنه اللّسان) لعبد الله بن عمر الباروديّ، وهو من المعاصرين؛ فقد حدّد هدفه من تأليفه كتابه؛ وبيّن أنّه: جمع ما فات صاحب اللّسان من اللّغة، أو ما أهمله من مواد.
غير أنّ التّأمل الدّقيق للكتاب يظهر أنّ المؤلّف استدرك على صاحب اللّسان عدداً غير قليل من الموادّ بشروحها؛ على الرّغم من ورودها في (اللّسان) ولكنّها جاءت في مواضع لم يقف عليها المؤلّف بسبب التداخل؛ فلا وجه لاستدراكها وعدِّها ممّا فات (اللّسان) .
وسيأتي الكلام عن هذا الكتاب مفصّلاً في الباب الخامس، واكتفي - هنا - بذكر مثالين منه:
الأوّل: استدراكه في (س د أ) كلمة (السَّنْدَأوة) وهو: الرّجل
стр. 737
الضّعيف أو الشّديد المُقدِم١. وهو مذكور في اللّسان في مادّة (س ن د) ٢.
الثّاني: استدراكه في (س ل ط أ) كلمة (اسْلَنْطَأتُ) بمعنى: ارتفعتُ إلى الشَّيء أنظر إليه٣. وهي مذكورة في (اللّسان) في (س ل ن ط) ٤ وهو ليس موضعه.
٤- أنّ الدّراسات الإحصائيّة للجذور في بعض معاجم القافية كـ (الصِّحاح) و (اللّسان) و (التَّاج) الَّتي اعتمدت على ما جاء في هذه المعاجم من غير تهذيب للأصول المتداخلة - لا تعدّ كاملة؛ ولا يمكن أن تعطي نتائج دقيقة لكثرة ما جاء في تلك المعاجم في غير موضعه، أو جاء في موضعين أو أكثر -كما سيأتي - فإنّ وضع الكلمة الثّلاثيّة في أصل ثلاثيّ آخر غير أصلها، أو في أصل رباعيّ أو خماسيّ، وكذا وضع الرّباعيّة في ثلاثيّ أو خماسيّ، أو وضع الخماسيّة في رباعيّ أو ثلاثيّ - يترك أثراً بالغاً على نتائج الإحصاء.
وقد نبّه على مثل هذا بعض الباحثين؛ كالدّكتور مصطفى سالم؛ الَّذي قال في دراسة له عن الخماسيّ: "وقد ثبت لديّ من خلال معارضة
стр. 738
مادّة الخماسيّ على معجمات اللّغة؛ قديمها وحديثها؛ وعلى اختلاف مناهجها أنّ إحصاء الجذور الخماسيّة في الصِّحاح واللّسان والتَّاج؛ الَّتي قام بها الدّكتور حلمي موسى؛ بواسطة الحاسب الآلي - غير دقيق؛ وإن أفادت في جوانب أخرى"١.
وضرب لذلك مثلاً بكلمة (اليَسْتَعُور) الَّتي جعلها ضمن الأصول الرّباعيّة؛ لأنّ محقّق الصِّحاح وضع جذرها بين معقوفين هكذا: [يسعر] ظنّاً منه أنّها رباعيّة؛ فترتّب على ذلك إحصاؤها في جذور الرّباعيّ، وخلوّ الخماسيّ منها٢. وبذلك حكم الإحصاء بأنّ الياء لا تدخل أصلاً في جذور الخماسيّ؛ وهذا غير صحيح٣، وبأنّها - أي: الياء - تكون أصلاً في الرّباعيّ غير المضاعف؛ وهذا باطل.
وقريب من ذلك أنّ ابن منظور أورد كلمتي (الشَّوْشَبِ) و (اللَّّوْلَبِ) في الرُّباعيّ (ش وش ب) و (ل ول ب) على الرّغمِ من أنّهما ثلاثيّان؛ وأصلهما: (ش ش ب) و (ل ل ب) فدخلتا بذلك في إحصاء الرُّباعيّ، ونتج عنه الحكم بأنّ الواو تقع أصلاً في الرُّباعيّ؛ وهو ما يخالف ما قرّره علماء العربيّة.
وقريب من ذلك إدخال (الذَّيْذَح) في إحصاء الرُّباعيّ في (اللّسان) لأنّ ابن منظور وضعها في (ذ ي ذح) وصوابه (ذ ذ ح) وبذلك حكم
стр. 739
الإحصاء بأنّ الياء تقع أصلاً في الرُّباعيّ.
وأُدخل (الجَلَنْدَد) وهو: الرّجل الفاجر، و (القَرَنْبَى) وهي: دويِّبَة كالخُنْفُساء، و (الحَطَنْطَى) ونحوه - في إحصاء الرُّباعيّ؛ لأنّ ابن منظور ذكرها في (ج ل ن د) و (ق ر ن ب) و (ح ط ن ط) وهي ثلاثيّة من (ج ل د) و (ق ر ب) و (ح ط ط) فزاد بذلك عدد الجذور الرباعيّة، ونقصت الجذور الثّلاثيّة، ودخلت هذه الأصول في إحصاء النّون ثالثةً في الرُّباعيّ. ومثل ذلك كثير وهو يحتّم الأخذ بالجذر في الأصول المتداخلة للوصول إلى نتائج دقيقة في الإحصاء.
ومن هنا يمكن القول: إنّ النّتائج الدّقيقة من إحصاء الجذور تتطلّب تهذيب الأصول المتداخلة أوّلاً.
ولعلّ من تمام الفائدة -في نهاية هذا المبحث - أن أورد -في الجدول التّالي - بعض ما وقفت عليه ممَّا وضع في غير موضعه في بعض معاجم القافية؛ ليفيد منه القارئ؛ فإنّ فيه ما يعين ويرشد إلى مظانِّ بعض الكلمات. وقد رتّبتُ ما فيه على حروف المعجم على التّرتيب الهجائيّ المعتاد؛ وفقاً للأصل الصحيح:
أصلها الصحيح
الكلمة ... معناها ... المعجم ... الأصل الَّذي وردت فيه ... أصلها الصحيح
المِيتَاء ... من الطرق: المسلوك؛ وهو (مِفْعال) من الإتيان ... اللّسان ... م ي ت ... أت ي
الأرْجُوَان ... الأحمر، وثياب حُمْرٌ ... القاموس ... ر ج و ... أرج ون
الإسْتَبْرَق ... الدِّيباج الغليظ ... القاموس ... ب ر ق ... إ س ت ب ر ق
اليامُور ... الذَّكر من الإبل؛ وهو الوَعْل ... القاموس ... ي م ر ... أم ر
الإهْلِيلَجُ ... ضرب من الأدوية ... الصّحاح ... هـ ل ج ... أهـ ل ج
стр. 740
الكلمة ... معناها ... المعجم ... الأصل الذي وردت فيه ... أصلها الصحيح
... ... اللّسان ... ...
البينيثُ ... ضرب من سمك البحر ... اللّسان ... ب ي ن ي ث ... ب ن ث
التَّلامِيذُ ... الَّذي ينفخ فيها الصَّاغة ... الصِّحاح واللسان ... ت ل م ... ت ل م ذ
اتْمَهَلَّ ... اعتدل وانتصب، أو سَكَنَ ... اللّسان والقاموس والتاج ... م هـ ل ... ت م هـ ل
الثَّيِّبُ ... من ليس ببكرٍ من الرّجال أو النّساء ... اللّسان ... ث ي ب ... ث وب
الجَحَنْبَرَةُ ... القصيرة من النساء ... اللّسان ... ج ل ن ب ... ج ح ب ر
جَلَنْدَدٌ ... وصف للرّجل الفاجر ... اللّسان ... ج ل ن د ... ج ل د
مَجَنَّةٌ ... موضع بأسفل مكّة كان يقام به سوق لهم، والميم زائدة ... اللّسان ... م ج ن ... ج ن ن
الحوْأَب ... ماء على طريق البصرة ... الصحاح ... ح وب ... ح أب
حبنبر ... أن يخبَرَ الرّجل بشيء؛ فيقول: ما فيه حَبَنبَر؛ أي: ما فيه شيء ... اللّسان ... ح ب ن ب ر ... ح ب ر
الحسدل ... لقُراد، واللاّم زائدة، ومنه قولهم: الجار الحَسْدَلِيّ، وهو الَّذي عينك تراك وقلبه يرعاك ... التكملة ... ح س د ل ... ح س د
الحطنطى ... الرجل الأحمق ... اللّسان ... ح س ن ط ... ح ط ط
حمطيط ... دويبة صغيرة ... اللّسان ... ح م ط ط ... ح م ط
الدودم ... شيء كالدم يخرج من السمر ... الصحاح ... د ر م ... د د م
الدلنظى ... السمين من كل شيء ... اللّسان ... د ل ن ظ ... د ل ظ
الذيذجان ... الإبل تحمل حمولة التجار ... اللّسان ... ذ ي ذ ج ... ذ ذ ج
стр. 741
الكلمة ... معناها ... المعجم ... الأصل الذي وردت فيه ... أصلها الصحيح
الذوذخ ... العذيوط؛ وهو الذي يفضى قبل الجماع ... اللّسان ... ذ وخ ... ذ ذ خ
المرآة ... مصدر الشيء المرئي (مصدر ميمي) ... اللّسان ... م ر أ ... رأي
الزبنتر ... من الرجال، القصير المكر الداهية ... اللّسان ... ز ب ن ت ر ... ز ب ت ر
انزق ... في الجحر: دخله وكمن فيه وانزرق الرمح: نفذ ... القاموس ... ز ر ن ق ... ز ر ق
أزرأ ... فلان إلى كذا: صار إليه ... اللّسان ... ز ر أ ... ز ر ي
الزوزك ... القصير الحياك في مشيته ... اللّسان ... ز وز ك ... ز ز ك
زوزن ... اسم بلدة بين هراة ونيسابور ... القاموس والتاج ... ز وز ... ز وز ن
الزر ... الغضبان ... اللّسان ... ز وز ... ز ر ر
زويت ... به: احتقرته ... القاموس والتاج ... ز وز ... ز وز
والزوزاة ... انتصاب الطهر، والإسراع ومقاربع الخطو ... اللّسان ... ز وي ... ز وز
واست الدهر ... القدم ... الصحاح واللّسان ... أس ت ... س ت هـ
وكاء السّه ... بمعنى: وكاء الإست ... اللّسان ... س هـ هـ ... س ت هـ
ستهم ... الأسته، وهو الضخم الإست ... اللّسان ... س ت هـ م ... س ت هـ
المساحي ... جمع مسحاة؛ وهي: المجرفة من الحديد، والميم فيها زائدة ... اللّسان ... م س ح ... س ح
والسمادير ... ضعف البصر، والميم زائدة ... اللّسان ... س م د ر ... س د ر
السندرة ... السرعة ... اللّسان ... س ن د ر ... س د ر
стр. 742
الكلمة ... معناها ... المعجم ... الأصل الذي وردت فيه ... أصلها الصحيح
اسطلنطأتُ ... ارتفعت إلى الشيء أنظر إليه ... اللّسان ... س ل ن ط ... س ل ط أ
السُقْدد ... الفرس المضمَّر ... اللّسان ... ... س ق د
الشَّوْشَب ... العقرب ... التكملة اللسان ... ش ب ب ش وش ب ... ش ش د
الشاصلي ... ضرب من النبات ... الصحاح ... ش ص و ... ش ص ل
اصمَّد ... أصعد في الأرض، والميم زائدة ... اللسان ... ص م ع د ... ص ع د
انصاخ ... الثوب. إذا انشق من قبل نفسه ... اللّسان ... ص ي خ ... ص وخ
الضوادي ... ما يتعلل به من الكلام ... القاموس ... ض ود ... ض د ي
طرمح ... البناء وغيره: علاه ورفعه. ... اللّسان ... ط ر م ح ... ط ر ح
طوطر ... به: رماه مرمى بعيدا ... القاموس والتاج ... ط ور ... ط ط ر
الضيفن ... الذي يأتي مع الضيف ... اللّسان ... ض ف ن ... ض ي ف
العثكول ... وهو العذق الذي تكون فيه الشماريخ ... الصحاج اللّسان ... ث ك ل ... ع ث ك ل
عصنصر ... اسم موضع ... اللّسان ... ع ص ن ص ر ... ع ص ر
التعضوض ... المرأة الضيقة، وضرب من التمر ... اللّسان ... ت ع ض ... ع ض ص
العفنجش ... الجافي ... اللّسان ... ع ف ن ج ش ... ع ف ج ش
عقنباة ... عقاب عقنباة: حديدة المخالب، سريعة الخطف ... اللّسان ... ع ف ن ب ... ع ق ب
اعلنبأ ... نهض بالجمل، أو تهيأ للشر ... اللّسان ... ع ل ن ب ... ع ل ب أ
علنكد ... الصلب الشديد من الرجال ... اللّسان ... ع ل ن ك د ... ع ل ك د
العمية ... الكبر ... القاموس ... ع م ي ... ع م م
العوهج ... الطويلة من الحيات ... اللّسان ... ع وهت ج ... ع هـ ج
стр. 743
الكلمة ... معناها ... المعجم ... الأصل الذي وردت فيه ... أصلها الصحيح
اغرَندَى ... عليه: علاه بالضّرب والشّتم ... اللّسان ... غ ر ن د ... غ ر د
تُغَنذى ... فلانة بالنّاس: تُغري بهم ... اللّسان ... غ ن ذ ى ... غ ن ذ
الفُقْدُد ... نوع من النَّبيذ ... اللّسان ... ف ق د د ... ف ق ذ
الفَيْلَسُوف ... لحكيم. والمصدر الفَلْسَفة ... القاموس والتاج ... س وف ... ف ل س ف
الفَوْلَفُ ... كلّ شيء يغطِّي شيئاً آخر؛ فهو فَوْلَف ... اللّسان ... ف ول ف ... ف ل ف
القَرَنبَى ... دويبة شبه الخُنفُسَاء ... اللّسان ... ق ر ن ب ... ق ر ط
لقُرْطَاط ... لذي الحافر كالحِلس الَّذي يلقى تحت الرّحل للبعير ... اللّسان ... قر ر ط ط ... ق ن ر
القِنَّور ... الشّديد الضّخم الرّأس من كلِّ شيء القِنَّور ... اللّسان ... ق ن ور ... ق ود
القِيَاد ... الَّذي تقاد به الدَّابّة (من قَادَ يَقُود) ... القاموس والتاج ... ق ي د ... ك ع ر
الكَعْوَرَة ... الضَّخم الأنف من الرّجال ... اللّسان ... ك ع ور ... ك ع ر
الكْلأَزَّ ... تقَبَّضَ وتَجَمَّع من هَمٍّ ... الصحاح ... ك ز ز ... ك ل ز
اللُّمَّة ... وكذلك اللُّمَّة: المثل في السِّنّ، والتِّرب. والتّاء فيه عوض من الهمزة المحذوفة من وسطه ... اللّسان ... ل م م ... ل أم
اللَّوْلَبُ ... استدارة الماء عند فم الصُّنبور ... اللّسان ... ل ول ب ... ل ل ب
أَنَاضَ ... النَّخلُ يُنِيض إنَاضةً: أيْنَعَ ... الصحاح ... أن ض ... ن وض
النَّيِّف ... من واحد إلى ثلاثة، والياء منقلبة عن واو ... الصحاح ... ن ي ف ... ن وف
المُهْوَأنّ ... الصحراء والواسعة ... الصحاح ... هـ وأ ... هـ أن
الهَنْبَثَة ... لاختلاط في القول، أو الأمر ... اللّسان ... هـ ن ب ث ... هـ ب ث
стр. 744
الكلمة ... معناها ... المعجم ... الأصل الذي وردت فيه ... أصلها الصحيح
... الشديد. والنون زائدة ... ... ...
الهرنقص ... القصير من الرجال ... اللسان ... هـ ر ن ق ص ... هـ ر ق ص
الهرولة ... بين المشي والجري ... اللسان ... هـ ل ت ... هـ ر ل
وكلة تكلة ... الرجل العاجز الذي يكل أمره إلى غيره ... اللسان ... ك ل ت ... وك ل
يعر ... اسم جبل في طريق الطائف ... التكملة ... ي س ت ع ... ي ع ر
стр. 745
المبحثُ الثَّاني: وضع الكلمةِ في موضعين أو أكثر
ثَمَّةَ كلمات جاءت في موضعين أو أكثر في معاجم القافية؛ وهي من النّتائج الطّبعيّة لتداخل الأصول، وتمثّل الأثر الثّاني للتّداخل؛ إذ يأتي بعد الأثر المتقدّم ذكره؛ وهو وضع الكلمة في غير موضعها؛ من حيث ضرَرُهُ في بناء معاجم القافية.
وفيما يلي بيان هذا الأثر من خلال ما جاء في بعض معاجم القافية، وبيان وجهه، والراّجح من الأصلين أو الأصول، ثمَّ محاولة الوقوف على أثره السَّلبيّ، والحلّ الَّذي يقترحه البحث.
أوَّلاً- ما جاء في موضعين:
هذا النّوع هو الكثير في معاجم القافية قياساً على ما جاء في أكثر من موضعين فيها، وفيما يلي بيانه:
أ- (الصِّحاح) للجوهريّ:
تكرَّر في (الصِّحاح) كثير من الكلمات؛ فجاءت في موضعين فيه؛ ومن ذلك أنّ الجوهريّ ذكر في (د ر ح) قولهم: رجل دِرْحَايَةٌ؛ أي: قصير سمين ضخم البطن، ومنه قول الرَّاجز:
عَكَوَّكٌ إذّا مَشَى دِرْحَايَةٌ ... يَحْسَبُنِي لا أَعْرِفُ الحُدَايَة١
ونصَّ على أنّه على وزن (فِعْلايَة) ملحق بـ (جِعْظَارَةٌ) ٢ وهو:
стр. 746
القصير السّمين - أيضاً - ثمّ أعاده في أصل آخر؛ وهو (د ر ح ي) ١ ونصَّ فيه - أيضاً - على أنّه (فِعْلايَة) وهو الصحيح في وزنه على مذهب الجمهور٢.
وقد ذكر الجرجانيّ أنّ الياء زائدة، وهي للإلحاق بـ (سِرْدَاح) ٣. ويدلّ على زيادتها أنّ الياء لا تكون أصلاً؛ إذا صحبها ثلاثة أصول؛ كما تقرّر في علم التّصريف؛ فليس لإعادتها في باب الياء وجه؛ مع النَّصِّ على زيادة الياء، وذكرِ الكلمةِ في موضعها الصَّحيح؛ لأنّ في ذلك إخلالاً بالمنهج المعجميّ؛ الَّذي قامت عليه معاجم القافية؛ كما يبَيَّنُ لاحقاً في هذا المبحث، فينبغي في (دِرْحَايَة) أن تكون في فصل الدّال من باب الحاء؛ كما نبّه عليه ابن بَرِّي ٤.
وذكر الجوهريّ (الدِّرْدِمَ) وهي: النّاقة المسنّة في (د ر د)
стр. 747
وأشار إلى زيادة الميم فيها؛ لقولهم: الدَّرْدَاء؛ كقولهم للدَّلْقَاء: دِلْقَمٌ، وللدَّقْعَاء: دِقْعِم على وزن (فِعْلِم) ١. ثمّ أعاد الكلمة في (د ر م) ٢ ولا وجه لذكرها في هذا الأصل؛ لأنّ وضعها فيه يؤدّي إلى الحكم على الدّال الثّانية بالزّيادة؛ وهي ليست من حروف الزّيادة، ولو ذكرها في الرّباعيّ (د ر د م) لكان له بعض ما يبرّره، وحقّها أن توضع في (دد) .
وأورد في مادّة (أح د) : الأحَدَ بمعنى: الواحد؛ وهو أوّل العدد، ومنه قولهم: اسْتَأْحَدَ الرُّجلُ؛ أي: انفرد، وجاءُوا آحَادَ آحَادَ٣.ثمَّ أعاده في (وح د) ٤ وهو موضعه؛ لأنّ العلماء نصّوا على أنّ الهمزة في أحدٍ مبدلة من الواو؛ وأصله (وَحَدٌ) لأنّه من الوَحْدِ٥.
وذكر في مادّة (أش ف) : (الإشْفَى) وهو: السِّرَادُ؛ الَّذي يُخرز به الإسكاف، وأشار إلى أنّه على وزن (فِعْلًى) والجمع منه: الأشَافي٦. ثمّ أعاده في مادّة أخرى؛ وهي (ش ف ي) ٧ وكان حقّها أن يكتفى بذكرها في (أش ف) لأنّها عنده (فِعْلًى) .
على أنّ سيبويه كان يرى خلاف ما ذهب إليه الجوهريّ؛ فهي عنده (إفْعَل) بزيادة الهمزة في أوّل الكلمة٨. وهو مذهب ابن بّرِّي - أيضاً - فقد تعقّب الجوهريّ وانتقده لوضعه إيّاها في (أش ف) ونصَّ على أنّ موضعها (ش ف ي) من باب المعتلّ٩.
وجاء في مادّة (ب وق) من (الصِّحاح) ما نصُّه: "وانْبَاقَتْ عليهم
стр. 748
بَائِقَةُ شَرٍّ؛ مثل انْبَاجَتْ؛ أي: انفَتَقَتْ. وانباقَ عليهم الدّهرُ؛ أي: هجمَ عليهم بالدّاهية؛ كما يخرج الصَّوت من البوق"١ ثمّ ذكر في (ن ب ق) معنىً قريباً من هذا؛ وهو قوله: "قال الأصمعيّ: يقال: انباقَ علينا بالكلام؛ أي: انبَعَثَ؛ مثل انباعَ"٢.
والحقُّ انّه لا وجه لإعادة (انباقَ) في (ن ب ق) لأنّ وزنه (انْفَعَل) وليس (افْعَال) وقد نبَّه عليه الصَّغانِيّ في هذا الأصل؛ فقال: "قوله: انباق، ليس له مدخل في هذا التّركيب، فإنّه أجوف؛ وهذا موضع ذكر ما صحّ فاؤه وعينه ولامه، وموضع ذكر انباقَ: ب وق، وقد ذكره في موضعه"٣.
ب- (التَّكملة والذَّيل والصِّلة) للصَّغانيّ:
ذكر الصَّغانِيّ (العِنْدَأْوَة) : الالتواء والعسر - في (ع د أ) ٤ ثمّ أعاد ذكرها في (ع ن د) . والأوّل هو موضعها؛ لأنّها على زنة (فِنْعَلوَة) ٥ بزيادة التّاء والواو، كما تقدَّم تفصيله.
стр. 749
وأورد في مادّة (ر ب ب) : (الرُّبَانِيَّة) وهي: ماء باليمامة١. ثمّ أعاد ذكرها في (ر ب ن) غير أنّه غيَّر قليلاً في الشّرح؛ إذ قال فيه: "والرُّبَانِيَّة: من مياه بني كليب بن يربوع"٢ وكان يكفيه ذكرها في موضع واحد (ر ب ب) أو (ر ب ن) لأنّها تحتملها.
وذكر في (ت ي خ) قولهم: مَتَخَه بالمِتِّيخَة؛ أي: ضربه بها، والمِتِّيخةُ: العصا٣. ثمّ أعادها في (م ت خ) ٤. والكلمة تحتمل الوجهين.
فمن جعلها من (م ت خ) كانت عنده (فِعِّيْلَة) وإلى هذا ذهب ابن الأثير٥.
ومن جعلها من (ت ي خ) كانت الميم عنده زائدة؛ وهو الأقرب
- فيما أرى - لأنّها رويت بتخفيف التّاء، فقالوا: (مِتْيَخَة) على وزن (مِفْعَلَة) وهي اسم آلةٍ للضَّرب.
وغير بعيد أن تكون التّاء مبدلة من الطّاء أو الدّال من قولهم: طَيَّخَه العذاب، ودَيَّخه، إذا ذلَّله وآلَمَه، وإلى هذا ذهب الزَّمخشريّ في ردّه على
стр. 750
من جعلها واويَّةً؛ فقد قال: "وقالوا في المِتْيَخَةِ: إنّها من: تَاخَ يَتُوخُ، وليس بصحيح؛ لأنّها لو كانت منه لصحَّت الواو؛ كقولك: مِسْوَرَةٌ ومِرْوَحَةٌ ومِحْوَقَةٌ، ولكنّها من: طيَّخه العذاب؛ إذا ألحّ عليه، ودَيَّخه إذا ذلَّله؛ لأنّ التّاء أخت الطّاء والدّال؛ كما اشتقَّ سيبويه قولهم: جَمَلٌ تَرْبُوتٌ من التَّدْرِيب؛ وليس لهذا الشأن إلاَّ الحُذَّاق من أصحابنا الغاصة على دقائق علم العربيّة ولطائفه؛ الَّتي يجفو عنها وعن إدراكها أكثر النّاس"١.
وليس في قولهم: مَتَخه بالمِتْيَخَة ما يمنع هذا التّوجيه لجواز حمله على قاعدة توهّم أصالة الحرف الزّائد، وهو الميم في أوّل الكلمة. ويقرِّب هذا التّوجيه، وأنّ الميم زائدة فيه - قولهم: تاخَه بالمِتيخة٢.
وإن قيل: إنّ وزن (مِتّيخة) على تقدير زيادة الميم يكون (مِفَّعْلة) وهذا بناء مهمل في أبنية الأسماء، أقول: إنّ تضعيف التّاء جاء بعد توهّمهم أصالة الميم؛ فتقديرها عندهم (فَعِّيلة) كما توهّموا أصالة الميم في (مِسْكين) فقالوا في الفعل: تَمَسْكنَ، ولا يوجد في بناء الأفعال (تَمَفْعَل) وتقديره عندهم (تَفَعْلَل) مثل: تَدَحْرج؛ ووزنه الحقيقيّ (تَمَفْعَل) .
وذكر الصَّغانِيّ في مادّة (درر) ٣: (دُرَّانة) وهو اسم امرأة، ثمّ
стр. 751
أعاده في (د ر ن) ١ وتقدم أنّ الأزهريّ كان يرى أنّها تحتمل الأصلين؛ فذكره الصَّغانِيّ في الأصلين.
وأورد (اذْلَوْلَى) بمعنى: أسرعَ، أو انكسرَ قلبُه في (ذ ل ل) ٢ ثمّ أعاده في (ذ ل و) ٣ من باب المعتلّ. وحمله على الأصل المعتلّ أولى؛ لأنّ وزنه - حينئذٍ - (افْعَوْعَل) وهو بناء مستعمل في العربيّة؛ مثل: (اغْدَوْدَنَ) و (اعْشَوْشَب) . في حين يكون وزنه (افْعَوْلَى) عند حمله على الأصل الأوّل (ذ ل ل) وهو وزن مهملٌ، فيما وصل علمي إليه.
ج- (لسان العرب) لابن منظور:
ما جاء في موضعين في هذا المعجم كثيرٌ جدّاً؛ فمنه أنّ ابن منظور ذكر في مادّة (هـ ي ت) قول القائل: هَاتِ يا رجل؛ بمعنى: أعطني، وللاثنين: هاتِيَا، وللجمع: هَاتُوا، وللمرأة: هَاتِي، ومنه قولهم: هاتِ لا هَاتَيْتَ، وهَاتِ إن كانت بكَ مُهَاتَاةٌ، وما أُهَاتيك، كما تقول: ما أعاطيك، ولا يقال منه: هَاتَيتُ، ولا ينهى به٤.
وقد أعاد ذكره في (هـ ت و) ٥ وهو الوجه؛ لأنّ وزن (هَاتِ) :
стр. 752
(فَاعِ) والألف الوسطى فيه زائدة؛ وهو في الأصل: (هَاتَى يُهَاتِي) على وزن (فَاعَل) ومثله في المعتلّ: عَاطَى يُعَاطِي؛ وقد حذفت اللاّم في (هَاتِ) للجزم؛ ولا وجه لذكره في (هـ ي ت) البتّة.
وثَمَّةَ خلاف في هائه؛ فقد نقل الخليل أنّ الهاء أصليّة عند بعضهم؛ وهي مبدلة عند بعضهم الآخر١، فإن صحَّ الرأي الثّاني فإنّها مبدلة من (آتَى) من (الإتيان) وهو: المجيء؛ فيكون الأصل: (أت ي) .
وجاء في مادّة (م س ح) من (اللّسان) : "وفي حديث خيبر: فخرجوا بمساحيهم ومكاتلهم؛ المساحي جمع مِسْحَاة؛ وهي المِجْرَفة من الحديد. والميم زائدة؛ لأنّه من السّحو: الكشفِ والإزالةِ"٢.
وقد أعاد ابن منظور هذا النّصَّ في (س ح و) ٣ من باب المعتلّ؛ وهو الصّحيح؛ لأنّ الميم زائدة؛ كما جاء في نصِّه؛ وهي ميم مَفَاعل في الجمع مثل: مَرَاعٍ ومَقَابِرَ.
وجاء في مادّة (غ ي س) : (الغَيْسَانُ: حِدَّة الشَّباب؛ وهو: فَعْلان) ٤ ثمّ أعاد ذكره في (غ س ن) ٥ والذي حمله على ذلك أنّه
стр. 753
يحتمل أن يكون (فَيْعَالاً) أو (فَعْلاناً) .
وقال في (أف ك ل) : "الأفْكَلُ -بالفتح: الرّعدة من بردٍ أو خوف...ولا يبنى منه فعل؛ وهمزته زائدة، ووزنه (أفْعَل) ولهذا إذا سمِّيت به لم تصرفه؛ للتّعريف ووزن الفعل. وفي حديث عائشة: فأخذني أفْكَلٌ فارتعدتُ من شدّة الغيرة"١ ثمّ أعاده في (ف ك ك) ٢ وهو موضعه، ولا وجه لذكره في الموضع الأوّل؛ لأنّ الهمزة زائدة، وقد نصَّ هو على زيادتها، ولكن يبدو أنّه تابع فيه ابن الأثير في (النهاية) ٣.
وممّا جاء في (اللّسان) في الموضعين قولهم: جاء بالهَيْلِ والهَيْلَمَانِ؛ أي: جاء بالمال الكثير؛ فقد ذكره في (هـ ي ل) ٤ ثمّ أعاده في (هـ ل م) ٥ والثّاني هو موضعه. وقد نصَّ في الموضع الأوّل على أنّ وزن الهَيْلَمَان (فَيْعَلان) واستدلّ على زيادة الياء بسقوطها في قولهم: هَلْمَان.
ونظير (الهَيْلَمَان) (الهَيْنَمَان) وهو الكلم الخفيّ؛ وهو (فَيْعَلان) كما قال ابن عصفور٦، ولكنّ ابن منظور لم يذكره إلاّ في موضع واحد؛
стр. 754
وهو (هـ ن م) ١ على الصَّواب في الأصل والمنهج -أيضاً.
ومنه (المئِنَّة) في قولهم: إنّه لمَئِنَّةٌ أن يفعل ذلك؛ أي: خليق. وقد ذكرها في موضعين (أن ن) ٢ و (م أن) ٣ على الرّغمِ من أنّه ذكر أنّ الميم زائدة؛ "ولعلّ حقيقتها أنّها مَفْعِلة من معنى إنّ التّأكيديّة غير مشتقّة من لفظها؛ لأنّ الحروف لا يشتقُّ منها؛ وإنّما ضُمِّنت حروف تركيبها لإيضاح الدِّلالة على أنَ معناها فيها؛ كقولهم: سألتُكَ حاجةً فلا ليتَ فيها؛ إذا قال: لا، لا. وأنعَمَ لي فلانٌ، إذا قال: نعم؛ والمعنى: مكان قول القائل: إنّه كذا. ولو قيل: اشتقّت من لفظها بعد ما جعلت اسماً؛ كما أعربت ليتَ ولَوْ، ونُوِّنتا في قوله:
إنَّ لَوّاً وإنَّ لَيْتاً عَنَاءُ
كان قولاً"٤ وعلى هذا فإنّ موضع الكلمة (أن ن) .
ومن أغرب ما قيل في (المَئِنَّة) أنَّ الهمزة بدل من ظاء (المَظِنَّة) ٥ ووجه الغرابة أنّه لا تبادل بين الظّاء والهمزة؛ لتباعدهما في المخارج.
وذكر ابن منظور في مادّة (هـ ن ن) قولهم في النّداء: يا هَنَاهُ؛ بمعنى: يا رجل، أو يا رجلَ سوء ٦. على حدِّ قولهم في سبِّ المرأة: يا لَكَاعِ ويا خَبَاثِ. ومنه قول امرئ القيس:
стр. 755
وقَدْ رَابَنِي قَوْلُهَا: يَا هَنَا ... هُ، وَيْحَكَ ألْحَقْتَ شَرّاً بِشَر١
وقد أعادها ابن منظور في (هـ ن و) ٢ وهو موضعها، ولا وجه لذكرها في الأصل الأوّل البتّة؛ على الرّغمِ من اختلافهم في أصلها ٣؛ لأنّ أحداً منهم لم يذكر - فيما تحت يدي من المصادر- أنّها من مضعّف النّون؛ على الرّغمِ من أنّ لهم فيها خمسة آراء؛ وهي على النّحو التّالي:
الأوّل: أنّ أصلها (هَنَاوٌ) على زنة (فَعَال) من: هَنُوكَ وهَنَوَاتٍ؛ فأبدلت الواو هاءً؛ وهو اختيار ابن جِنّي ٤.
الثّاني: أنّ أصلها (هَنَاوٌ) أيضاً؛ فأبدلت الواو همزة، ثمّ أبدلت الهمزة هاءً؛ على حدِّ قولهم في (إيَّاكَ) : (هِيَّاكَ) وهو اختيار ابن الشَّجريّ ٥.
الثّالث: أنّ أصلها (هَنَاوٌ) أيضاً؛ فأبدلت الواو ألفاً؛ فصارت (هَنَاا) فالتقى ساكنان؛ فقلبت اللف الثّانية هاءً؛ فقالوا: (هَنَاه) على حدِّ قولهم في
стр. 756
(عَطَاوٍ) : عَطَاءٌ؛ وكان ابن جنّي يستحسن هذا ١.
والأصل على هذه الآراء الثّلاثة (هـ ن و) .
الرّابع: أنّ الهاء أصليّة؛ وليس فيها إبدال؛ وهي (فَعَال) مثل (لَكَاع) فيكون الأصل (هـ ن هـ) وهو قول مرجوحٌ لأنّ اجتماع الحروف المتقاربة في كلمة - ولا سيّما الحلقيّة منها - قليل؛ نحو (الفَهَه) مصدر: فَهَّ يَفِهُّ؛ بمعنى: عَيِيَ، و (المََهَهِ) وهو: الحُسنُ، وقيل: الشِّيء القليل؛ وليس هذا ونحوه في كثرة: (حديدٍ) و (جديدٍ) و (صَدِيدٍ) و (شَدِيدٍ) و (البَلَل) و (الجَلَلِ) و (الخَلَل) و (الطَّلَل) ونحوه؛ ولهذا فإنّ الهاء الأخيرة في (هَنَاه) بدل من الواو؛ لأنّ الهاء إذا قلّت في باب: (شَدَدْتُ) و (قَصَصْتُ) و (شَدِيدٍ) و (الطَّلَلِ) فهي في باب (سَلَسٍ) أجدر بالقلّة، وزد على ذلك أنّهم قالوا في هناه: هَنُوكَ وهَنَواتٌ؛ فدلّ على أنّ الهاء مبدلة؛ وليست أصليّة٢.
الخامس: مذهب أبي زيد وهو أنّ الهاء زائدة، وقد لحقت في الوقف لخفاء الألف ما لحقت في النّدبة؛ على حدّ قولهم: (وا زَيْدَاهُ) ثمّ حرّكت تشبيهاً بالهاء الأصليّة.
وعزي هذا القول - أيضاً - إلى الأخفش٣ وابن كيسان؛ وهو
стр. 757
اختيار ابن عصفور١. والألف الَّتي قبل الهاء - عندهم - هي لام الكلمة؛ وهي مبدلة من واو، وكأنّ أصلها قبل القلب (هَنَوَه) على زنة (فَعَلَة) . وهو قول ضعيف كما قال ابن الشَّجريّ٢ وابن الحاجب٣؛ لأنّ الألف في (يا هَنَاه) زائدة؛ وهي تقابل الألف في (يا لَكَاعِ) و (يا خَبَاثِ) ٤.
وثمرة هذا الخلاف أنّ الأصل الأوّل لـ (يا هَنَاه) (هـ ن و) وهو ما عليه أكثر العلماء، والرّاجح من أقوالهم، والثّاني (هـ ن هـ) وهو أصل مرجوح؛ فاتّضح بذلك أنّ أحد الأصلين اللذين ذكرهما ابن منظور؛ وهو (هـ ن ن) لا وجه له. ولو ذكرها في (هـ ن هـ) لتُسُومح فيه؛ لأنّ الكلمة تحتمله؛ وإن كان أصلاً مرجوحاً.
د- (القاموس المحيط) للفيروزآباديّ:
ما جاء في موضعين في هذا المعجم كثير أيضاً، ولكنّه لا يصل إلى حدّ ما في (اللّسان) .
ومن هذا أنّ الفيروزآباديّ ذكر في مادّة (ب س ت) (البُسْتَان) وهو: الحديقة٥ ثمّ أعاده في (ب س ت ن) ٦ وهو موضعه؛ لأنّه معرّبٌ عن ا
لفارسيّة؛ كما قال الجَواليقيّ٧، وأصله (بُوسْتَان) بالفَهْلَويّة؛ وهو
стр. 758
مركّب من من (بُو) أي: الرّائحة، و (ستان) لاحقة تفيد معنى الزّمان والمكان١.
ومنه أنّه ذكر (الشَّوْشَب) : العقرب، والقمل في (ش ب ب) ٢ ثمّ أعاده في (ش ش ب) ٣ وهو موضعه؛ لأنّه (فَوْعَل) مثل (كَوْكَب) ولا مكان له في الأصل الأوّل؛ فليس فيه سوى باءٍ واحدةٍ.
وذكر في مادّة (ص ت ت) ٤ (الصِّنتيت) بمعنى: الكتيبة؛ وهي في معنى: الصِّنديد، ثمّ أعادها في (ص ن ت) ٥ فتكون النّون على الأصل الثّاني، والتّاء الثّانية زائدة؛ والوزن (فِعْلِيت) مثل (حِلْتِيتٌ) .
بَيد أنّ (المجد) لم يفعل الشيء نفسه في (الصِّنديد) وهو مثل (الصِّنتيت) فقد ذكره في (ص ن د) ٦ فحسب؛ على النّهج الصّحيح في وضع الكلمة في أصل واحد.
وذكر في مادّة (ك ن ت) ٧ (الكُنْتِيَّ) وهو: الشيخ المُسنّ، ثمّ أعاده في (ك ون) و (الكُنْتِيُّ) منسوب إلى قول الشيخ الكبير: كنت في شبابي
стр. 759
كذا وكذا. قال الجوهريّ: "يقال للرّجل إذا شاخَ: كُنْتِيٌّ؛ كأنّه نسب إلى قوله: كنت في شبابي كذا وكذا. قال:
فأصْبَحْتُ كُنْتيًّا وأصْبَحْتُ عاَجِناً ... وشَرُّ خِصَالِ المَرْءِ كُنْتٌ وعَاجِنُ"١
وقال الرّضي: "قال الجَرميُّ: يقال: رجل كُنْتِيٌّ، لكون الضّمير المرفوع كجزء الفعل؛ فكأنّهما كلمة واحدة؛ وربّما قالوا: كُنْتُنِيٌّ بنون الوقاية؛ ليسلم لفظ كنتُ - بضمِّ تائه - قال:
وما أنّا كُنْتِيٌّ ومَا أنَا عَاجِنٌ ... وشَرُّ الرِّجَالِ الكُنْتُنِيُّ وعَاجِنُ"٢
وفي (التَّاج) : "الكُنتُنيُّون هم الشيوخ الذين يقولون: كنّا كذا وكان كذا وكنتُ كذا. ونقل ثعلب عن ابن الأعرابي قيل لصبيّة من العرب: ما بلغ الكبر من أبيكِ؟ قالت: عجن وخبز وثنَّى وثلَّث والصقَ وأورثَ وكانَ وكنتُ"٣.
وهذا يعني أنّ موضعها الصّحيح (ك ون) لأنّ التّاء ضمير الرّفع؛ وليست من أصل الكلمة. ولعلّ الفيروزآباديّ ذكرها في (ك ن ت) مراعاةً للَّفظ.
وذكر في (ر ق س) مَرْقَساً؛ وهو لقب شاعر طائيٍّ؛ يسمّى: عبد
стр. 760
الرحمن بن مَرقس؛ أحد بني عون بن عتود ١. ثمّ أعاده في (م ر ق س) ٢ وأشار فيه إلى أنّ وزنه (فَعْلَل) لا (مَفْعَل) لعَوَزِ (ر ق س) وهذا ينافي منهجه ﵀ فكأنّه نسي أنّه ذكرها في هذا الأصل؛ الَّذي حكم عليه بالإهمال؛ وهو الأقرب إلى أصل (مَرْقَس) لأنّ مذهب الجمهور أنّ الميم إذا وقعت أوّلاً وبعدها ثلاثة أحرف مقطوعٍ بأصالتها فهي زائدة؛ وإن لم يعرف اشتقاق ما وقعت فيه؛ كـ (مَنْبِجٍ) و (مَأْسَلٍ) كما قال أبو حَيَّان٣.
وأورد في مادّة (أن ق) قولهم: آنَقَنِي إينَاقاً ونِيقاً؛ بمعنى أعجبني٤. ثم أعاده في (ن ي ق) ٥ ولا وجه له في هذا الأصل؛ لأنّ الهمزة فاء الكلمة، والياء زائدة؛ ويشهد بذلك: المعنى والصّناعة:
أمّا الأوّل: فإنّ الأنق: حُسن المنظر؛ وإعجابه إيّاك.
قال ابن فارس: الهمزة والنّون والقاف تدلّ على أصل واحد؛ وهو المُعجب والإعجاب ٦. وليس في الأصل الآخر (ن ي ق) ما يدلّ على هذا المعنى.
стр. 761
أمّا الثّاني: وهو الصّناعة، فإنّ تركيب (آنَقَنِي) يحتمل وزنين: (أَفْعَلَنِي) و (فَاعَلَنِي) وكلاهما من (أن ق) والذي يقطع بالأوّل قولهم في المضارع منه: (يُؤْنِقُنِي) كما رواه ابن منظور ١، ولو كان (فَاعَلَني) لقالوا في المضارع: (يُؤَانِقُنِي) مثل: آكَلَنِي يُؤَاكِلُني.
ويزاد على ذلك انّه ليس في (آنَقَنِي) معنى المشاركة؛ ليحمل على (فَاعَل) مثل: آكَلَ. وإنّما الهمزة الأولى فيه للتّعدية، والثاَّنية هي فاء الفعل؛ وتقديره قبل تسهيل الهمزة الثّانية: (أَأْنَقَنِي) .
و (تاج العروس) للزَّبِيديّ:
ما قيل في القاموس يمكن أن يقال في شرحه (التّاج) غير أنّ الزَّبيديّ كان ينبّه كثيراً على ما في (القاموس) فيسلم من تبعات ما فيه؛ كتنبيهه على وضع الفيروزآباديّ (فَرْتَنَى) وهي: المرأة الفاجرة - في موضعين: (ف ر ت) ٢ و (ف ر ت ن) ٣ فنبّه في (ف رت) أنّ المصنّف ذكره - هنا - بناءً على زيادة النّون؛ وهو مذهب بعضهم؛ خلافاً لسيبويه٤ الَّذي كان يراه رباعياً٥، ونبّه عليه الشّارح في (ف ر ت ن) ٦.
стр. 762
ومنه أنّ الفيروزآباديّ ذكر قولهم: اسْتَأتَتِ النّاقةُ: أرادت الفحلَ؛ فأورده في (أت ي) ١ على الصّواب، ثمّ أعاده في (س ت و) ٢ وهو متابع في ذلك للجوهريّ ٣؛ فنبّه عليه الزّبيدي في المعتلّ بقوله: "هكذا نقله الجوهريّ - هنا - ولا يخفى أنّ محلّه: أَتَى يأتِي، وقد سبق له هناك، وفسّرناه، وفسّر الزّمخشري بقوله: اغْتَلَمَتْ، وطَلَبَتْ أن تُؤْتَى؛ فهذه غفلة عظيمة من المصنّف تبع فيها الجوهريّ؛ فتأمّل"٤.
وممّا جاء في (التَّاج) في موضعين من غير تنبيه: (الحَوْمَانُ) وواحده؛ الحَوْمَانَةُ؛ وهو نوع من النّبات؛ قيل: هو العَرْفَجُ؛ وقيل: شقائق بين الجبال طيِّب الرّائحة؛ فقد ذكره الزَّبيدي في (ح وم) ٥ وأعاده في (ح م ن) ٦ من غير تنبيه.
وذكر قولهم: اقْتَنَّ الوَعْلُ؛ بمعنى: انتصَبَ، وأورده في (ق ت ن) ٧ ثمّ أعاده في (ق ن ن) ٨ تبعاً للمصنّف٩، ولم ينبّه أو يعلّق عليه بشيء.
стр. 763
ثانياً- ما جاء في أكثر من موضعين:
تقدّم أنّ ما جاء في موضعين في معاجم القافية كثيرٌ؛ بيد أنّ هذا النّوع؛ وهو ما جاء في أكثر من موضعين على خلاف ذلك في الكثرة؛ فهو قليلٌ؛ لقلّة تداخل الأصول الثّلاثة، وندرته في الأربعة، وما زاد عليها.
ونعرض - هنا - لبعض ما جاء من هذا النّوع؛ وفقاً لما اشتُرِط فيما تقدّم؛ وهو أن يكون مجيئه في المعجم الواحد، ويكفي لبيان ذلك الوقوف على شيء مما جاء منه في بعض معاجم القافية؛ ك- (اللّسان) و (القاموس) و (التّاج) وهو على النّحو التّالي:
أ- ما جاء في ثلاثة مواضع:
منه (الدَّيْدَبُون) وهو: اللهو أو الباطل؛ فقد جاء في ثلاثة مواضع من (اللّسان) وهي: (د ب ب) ١ و (د ب ن) ٢ و (د د ن) ٣ والّذي يلفت النّظر أنّ ابن منظورٍ ﵀ قد جانبه الأصل الصّحيح في المواضع الثّلاثة.
أمّا الأوّل: وهو (د ب ب) فلا وجه لذكر (الدّيْدَبُونِ) فيه البتّة؛ لأنّ الكلمة ليس فيها سوى باءٍ واحدةٍ، وليس لأحدٍ أن يقول إنّ الدّال الثّانية في (الدَّيْدَبُون) مبدلةٌ من باءٍ؛ لأنّه - حينئذٍ - يحتاج إلى إقامة الدّليل؛ وليس بين الباء والدّال تبادلٌ صوتيٌّ.
стр. 764
و (ذري) ١. والحقّ أنّ الكلمة تحتملها، وقد ذكر ذلك جماعةٌ من علماء العربيّة المتقدّمين٢.
فإن كان أصلها (ذ ر أ) فاشتقاقها من: ذرأ الله الخلقّ، وتوجيهها عند أبي بكرٍ الأنباريّ أنّها في الأصل (ذُرُّوءةٌ) على وزن (فُعُّوْلَةٌ) وقد "تُرك همزها وأبدل من الهمزة ياءٌ، فصارت: ذُرُّوية، فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن، أبدل من الواو ياء، وأدغمت في الياء الّتي بعدها، وكسرت الرّاء؛ لتصحّ الياء"٣.
وتوجيهها عند ابن جنّي أنّها في الأصل "فُعِّيلَةٌ كمُرِّيق، وأصلها ذُرّيئة؛ فألزمت التّخفيف أو البدل، كنبيّ في أكثر اللّغة، وكالخابية وكالبريّة فيمن أخذها من: بَرَأَ الله الخلقَ، وغير ذلك ممّا ألزم التّخفيف"٤.
وإن كان الأصل (ذ ر ر) فاشتقاقها من الذّرّ؛ لما ورد في الخبر أنّ الخلق كان في القديم كالذّرّ، ويجوز في وزنها - على هذا الأصل - أربعة أوجهٍ:
أوّلها: أن تكون (فُعْلِيَّةٌ) منسوبةً إلى الذّرّ؛ وقد ضمّ فاؤها لما قد
стр. 765
يعرض من التّغيير في النّسب؛ كقولهم في النّسب إلى جذيمةَ: جُذَيْمِيٌّ، وإلى الدّهر: دُهْرِيٌّ.
ثانيها: أن تكون (فُعِّيلَةٌ) والأصل: ذُرّيِرَةٌ؛ فقلبت الرّاء الأخيرة ياءً؛ لتوالي الأمثال.
ثالثها: أن تكون (فُعُّولَة) كجُبُّورَةٍ؛ وهي: الجبروت، وسُبُّوْحٍ، والأصل: ذُرُّورَةٌ؛ فقلبت الرّاء الأخيرة ياءً؛ لتوالي الأمثال؛ فصار: ذُرُّويَةً؛ فأعلّت الإعلال المتقدّم في قول الأنباريّ.
رابعها: أن تكون (فُعْلُولَةٌ) والأصل: ذُرُّورَةٌ، كقُرْدُودَةٍ؛ وهو ما ارتفع من الأرض؛ فقلبت الرّاء الأخيرة ياءً؛ لتوالي الأمثال، وأعلّت الإعلال المتقدّم١.
وإن كان أصلها المعتلّ اللاّم فهي تحتمل (ذ ر و) و (ذ ر ي) فالأوّل على أنّها مشتقّةٌ من (ذَرَوْتُ) كما في قوله : ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ ٢ ووزنها (فُعُّولَة) وأصلها (ذُرُّووَة) فاجتمع واوان؛ الأولى زائدةٌ للمدّ، والثّانية لام الكلمة؛ فقلبت لام الكلمة ياءً تخفيفاً؛ فصار اللّفظ (ذُرُّوْيَةً) فاجتمع واوٌ وياءٌ؛ أولاهما ساكنةٌ؛ فقلبت الواو ياءً، وأدغمت في الياء الثّانية، ثمّ كسر ما قبل الياء للمناسبة.
ويجوز أن يكون وزنها (فُعِّيلَةٌ) على أن يكون أصلها (ذُرِّيوَة) فقلبت الواو ياءً؛ لاجتماعها مع الياء وسكون أولاهما، وأدغمت الأولى في
стр. 766
الثّانية١.
والثّاني على أنّها مشتقّةٌ من (ذَرَّيْتُ) ووزنها (فُعُّولَة) وأصلها (ذُرُّويَةٌ) فأعلّت، أو (فُعِّيلَة) والأصل (ذُرِّييَةٌ) فأدغمت الياء الأولى في الثّانية. وكان من نتائج هذا التّداخل في (الذُّرّيَّة) أن وضعها كلٌّ من ابن منظورٍ والزّبيديّ في ثلاثة أصولٍ؛ كما أشرت.
وجاء (المُرْفِئَنُّ) وهو الّذي نفر ثمّ سكن - في ثلاثة مواضع في اللّسان؛ وهي (ر ف أ) ٢ و (ر ف ن) ٣. والمُرْفَئِنُّ اسم فاعلٍ من قولهم: ارْفَأنَّ؛ أي: سكن ما كان به؛ وبهذا ترى أنّه لا مدخل له في الأصل الثّالث البتّة؛ لأنّ الميم زائدةٌ؛ ولا وجه لجعلها أصليّةً.
أمّا الأصلان الأوّل والثّاني فإنّ اللّفظ يحتملهما على خلافٍ بين بعض العلماء؛ فهو - عند الهَرَويّ٤ - من (ر ف أ) على أنّ النّون زائدةٌ؛ فوزن (ارْفَأَنَّ) و (مُرْفَئِنٍّ) : (افْعَلَنَّ) و (مُفْعَلِنّ) وهو غريبٌ كما ترى. والوجه ما ذهب إليه الجوهريّ؛ وهو أنّه من (ر ف ن) ٥ فيكون الوزن (افْعَأَلَّ) و (مُفْعَئِلّ) وهو على القياس؛ كما تقدّم.
стр. 767
وأصله على قياس مذهب ابن جنّي أن يكون (ر ف أن) .
وجاء (التُّرْتُب) وهو: الأمر الثّابت، والتّراب، والعبد السّوء - في ثلاثة مواضع في (اللّسان) وهي (ت ر ب) ١ و (ت ر ت ب) ٢ و (ر ت ب) ٣ وأوزانه - على هذه الأصول الثّلاثة على التّوالي (فُعْتُل) و (فُعْلُل) و (تُفْعُل) ونقل صاحب (اللّسان) أنّه سمع في (التُّرتُب) الفتح - أيضاً - فقالوا: التُّرتُب، ثمّ استدلّ بالفتح على زيادة التّاء الأولى؛ لأنّه ليس - في الأصول - مثل: جُعْفُرٍ؛ وهو غير قويٍّ؛ لأنّ الفتح - على قياس مذهب البصريّين - فرعٌ للضّمّ؛ إذ لم يسمع في مثله الفتح إلاّ معه الضّمّ؛ نحو جُؤْذُر وجُؤْذَر، وجُخْدُب وجُخْدَب وطُحلُب وطُحْلَب.
وأجيب - أيضاً - بأنّ الفتح فرع (فُعَالِل) ثمّ عدل عنه بحذف الألف، وفتح ما قبل الآخر؛ فجُخْدَب في الأصل: جُخَادِب٤. على أنّ الكوفيّين والأخفش٥ أجازوا بناء (فُعْلَل) وعدّوه بناءً سادساً في الرّباعيّ؛ ولهذا قال ابن مالكٍ - في كلامه عن هذا البناء؛ كطُحْلَبٍ - إنّه: "صحيحٌ من جهة النّقل بروايةالأخفش وأهل الكوفة، لكنّه لم يثبت في شيءٍ ممّا نقلوه فتحٌ إلاّ الضّمّ فيه مسموعٌ"٦.
стр. 768
وبهذا يثبت أنّ الاستدلال بالفتح على زيادة التّاء الأولى لا وجه له على المذهبين؛ لأنّه عند الكوفيّين بناءٌ سادسٌ، وعند البصريّين معدولٌ به عن الضّمّ، وقد سمع فيه ذلك كما جاء في (اللّسان) .
ومن خلال ما تقدّم يترجّح أنّ أصل (التُّرْتُب) هو (ت ر ت ب) لأنّ وزنه (فُعْلُل) .
ب- ما جاء في أربعة مواضع:
هذا النّوع أقلّ من النّوع السّابق للعلّة نفسها؛ وهي ندرة تداخل الأصول الأربعة في كلمةٍ واحدةٍ؛ ومنه (الأُرْبُون) و (الأُرْبَان) و (العُرْبُون) و (العَرَبُون) و (العُرْبَان) وكلّه ما عقد به البيع من الثّمن؛ فقد جاء في اللّسان في أربعة مواضع؛ وهي: (أر ب) ١ (ر ب ن) ٢ و (ع ر ب) ٣ و (ع ر ب ن) ٤.
و (العُرْبُون) كلمةٌ معرّبةٌ؛ كما قال الجواليقيّ٥ والخفاجيّ٦، والعين فيها مبدلةٌ عن الهمزة في (أُرْبُونٍ) وأصلها في اليونانيّة (أَرَّبُون) فخفّفت الرّاء بعد التّعريب؛ فقالوا: أَرَبُون، ثمّ سكّنت وضمّت
стр. 769
الهمزة؛ إتباعاً لضمّ الباء؛ فقالوا: (أرْبُونٌ) ١.
وذهب بعضهم إلى أنّ (العَرَبون) بالفتح - هي اللّغة العالية، وأنّ (العُرْبُون) لغةٌ فيه٢.
وذكر ابن الأثير أنّه ربّما سمّي بذلك؛ لأنّ فيه إعراباً لعقد البيع٣؛ فيكون - حينئذٍ - عربياًّ لا معرّباً، وإن صحّ هذا فموضعه (ع ر ب) وإن صحّ أنّه معرّبٌ - وهو الأقرب لشبه الإجماع عليه - فمكانه (أر ب ن) أو (أر ب ون) .
وممّا جاء في أربعة مواضع (السَّنة) واحدةٌ؛ السّنين؛ ومنه قولهم: (أَسْنَتُو) أي: أصابتهم السّنة؛ وهي: الجَدْب، وقولهم: أرضٌ سَنِتَةٌ ومُسْنِتَةٌ؛ أي: لم تنبت، وعامٌ سنيتٌ ومُسْنِتٌ، فقد ذكره الفيروزاباديّ في أربعة مواضع؛ وهي: (س ن ت) ٤ و (س ن هـ-) ٥ و (س ن ي) ٦ و (س ن و) ٧.
ولا شكّ في أنّ لتداخل الأصول في هذه الكلمة وما اشتقّ منها النّصيب الأوفر في وضعها في أربعة مواضع في (القاموس) إذ اختلفوا في
стр. 770
أصلها على النّحو التّالي:
ذهب سيبويه إلى أنّ التّاء في قولهم (أَسْنَتُوا) بدلٌ من الياء؛ وهي لام الكلمة١. ووقع في بعض نسخ (الكتاب) أنّها بدلٌ من الواو؛ كما حكاه السِّيرافيّ٢. وليس في هذا تعارضٌ؛ فالواو على الأصل؛ لأنّ الكلمة من (س ن و) والياء على الفرع؛ لأنّ الواو إذا وقعت رابعةً قلبت ياءً؛ فإذا قالوا: أسنى الرّجل انقلبت الواو ياءً؛ فيقولون: أَسْنَيْتُ. أمّا قولهم: فاللاّم محذوفةٌ؛ وهي الياء المنقلبة، فهو قبل الإسناد: أَسْنَيُوا، والأصل قبل القلب أَسْنَوُوا٣؛ فجاز أن يقال: إنّ التّاء منقلبةٌ عن الياء٤.
والذّي يدلّ على أنّ الأصل الواو؛ وليست الياء أو التّاء قولهم: سَنَوَاتٌ. ولكن، ما الّذي جعلهم يقلبون الواو تاءً في قولهم: أَسْنَتُوا؟ وفي جواب هذا السّؤال وتوجيهه قولان:
أحدهما: ما نقل عن الفرّاء؛ وهو أنّهم توهّموا أنّ الهاء أصليّةٌ في (السَّنة) إذ وجدوها ثالثةً؛ فقلبوها تاءً٥. وإلى هذا ذهب المعرّيّ؛ فقال: "والأشبه بالقياس أنّ العرب لمّا قالوا: هذه سَنَةٌ؛ فجعلوا الهاء في الوصل تاءً، ورأوا الكلمة ثلاثيّةً: ظنّوا أنّ التّاء من الأصل، فوزن أَسْنَتُوا على:
стр. 771
وصلاًفي القوافي؛ أُسْوَةً بحروف المدّ١؛ كقول ذي الرّمّة:
وَقَفْتُ عَلَى رَبْع لِمَيَّةَ نَاقَتِي ... فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وأُخَاطِبُهْ٢
وقد وقع الإبدال بين الهاء والواو والياء، في نحو: الجَلَهِ والجَلاَ؛ وهما بمعنى: انحسار الشّعر عن مقدّم الرّأس، ومنه قيل: رجلٌ أجله الجبهة وأجلاها، وكذلك قولهم: أَجْهَزَ على الجريح، وأجاز عليه٣.
وأبدلت منها الياء في قولهم: دُهْدِيَةٌ ودُهْدُوهَةٌ؛ وهي ما دُحْرِجَ، يقال: دُهْدُوهَة الجعل، ودُهْدِيَتُه٤.
وعلى هذا فإنّ الرّاجح - عندي - من الأصول الأربعة؛ الّتي ذكرت فيها (السَّنَة) و (أَسْنَتُوا) في (القاموس) : (س ن هـ- ويأتي بعده (س ن و) أمّا (س ن ت) و (س ن ي) فبعيدان عن أصل الكلمة.
ويبرز - بعد هذا - سؤالان:
الأوّل: ما الّذي يترتّب على وضع الكلمة في موضعين أو أكثر - من ضررٍ على المعجم والقارئ؟
الثّاني: ما الّذي يقترحه البحث لحلّ هذه القضيّة؟
وللإجابة عن السّؤال الأوّل أقول: ربّما قيل: إنّه ليس هناك ضررٌ يذكر لوضع الكلمة في موضعين أو أكثر؛ بل ربّما قيل: إنّ ثمّة جانباً
стр. 772
حسناً في ذلك؛ وهو أنّ فيه ما يساعد القارئ للوصول إلى مبتغاه بأكثر من طريقٍ (جذر) وقد صرّح بعض العلماء بنحو ذلك؛ فذكر أنّ المعجميين يذكرون اللّفظة في غير موضعها؛ مراعاةً للّفظ، وتقريباً على الطّالب، ثمّ يذكرونها - أيضاً - في موضعها١.
بيد أنّ التّدقيق في المسألة، وتأمّلها من جميع جوانبها؛ من شأنه أن يخرجنا من ذلك بإجابةٍ مغايرةٍ؛ فثمّة ضررٌ لا يستهان به؛ ومن الممكن حصره في أربع نقاطٍ رئيسةٍ:
الأولى- الإخلال بالنّظام المعجميّ الدّقيق؛ القائم على وضع الكلمة في أصلها فحسب.
الثّانية- تضخيم حجم معاجم القافية، وسيأتي الكلام مفصّلاً عن هذه المسألة في المبحث التّالي - إن شاء الله.
الثّالثة- الحكم على الكلمة بأنّها من أصلٍ ليست منه، وتضليل القارئ به.
وقد يترتّب عليه أمورٌ تصريفيّةٌ في غاية الأهمّية؛ كحركة عين المضارع في الأجوف والنّاقص؛ الّتي قد تتوقّف معرفتها على أصل الفعل؛ فإن كان واوياًّ فله حكمٌ، وإن كان يائيّاً فله حكمٌ آخر؛ كما تقدّمت الإشارة إليه.
ومن أمثلته - هنا - (القَيِّد) وهو: السّهل الانقياد؛ فقد ذكره الفيروزاباديّ في الموضعين (ق ود) ٢ و (ق ي د) ٣ فيكون قياس
стр. 773
المضارع منه على الأصل الأوّل: قَادَه يَقُودُه، من باب (فَعَلَ يَفْعُلُ) مثل: قال يقول، وعلى الثّاني: قَادَه يَقِيدُه؛ من باب (فَعَلَ يَفْعِل) مثل: بَاعَ يَبِيع.
والصحيح هو الأوّل؛ لأنّه واويٌّ وليس له مدخلٌ في الأصل الثّاني؛ وهو اليائيّ، والدّليل ظاهرٌ فيما قاله الفيروزابادي؛ وهو قوله: "مَا سَاهَلَكَ إذا قُدْتُه"١ فضمّ القاف يشير إلى أصل عين الفعل؛ وهو الواو؛ ألا ترى أنّهم يقولون من قال يقول: قلت بالضّمّ، ومن صاد يصيد: صِدْتُ بالكسر؟ ثمّ إنّ (قاد) ليس من باب (كَرُمَ) لتكون الضّمّة في قوله (قُدْتُه) لبيان حركة العين.
ومثل ذلك يقال في كلّ ما جاء من الأجوف في الموضعين الواويّ واليائيّ؛ وهو كثيرٌ.
وليس النّاقص ببعيدٍ عن هذا؛ فحاله كحاله، وقياس مضارع الواويّ منه في مفتوح العين في الماضي (يَفْعَل) مثل: دعا يدعو، وقياس مضارع اليائيّ (يفعِل) مثل: رمى يرمي. وأكثر ما يظهر أثر هذا في (القاموس) و (التّاج) ممّا جاء في الموضعين؛ لفصلهما بين الأصلين في باب المعتلّ.
ومن ذلك - أيضاً - حركة عين المضارع في المهموز اللاّم؛ نحو ذَرَأَ وصَبَأَ، فالمضارع منه يكون على وزن (يَفعَل) بفتح العين، فإن أعيد في المعتلّ فالمضارع يكون على وزن (يَفْعُل) في الواويّ، و (يَفْعِل) في اليائيّ. وما جاء في المهموز ثمّ أعيد في المعتلّ كثيرٌ في معاجم القافية، ومنه: برأ الله الخلق؛ أي: خلقهم، ذكر في (ب ر أ) ٢ وأعيد في (ب ر ي) ٣،
стр. 774
وكذلك: جَسَأَ الشّيء، بمعنى: صَلُبَ وخَشُنَ؛ ذكر في (ج س أ) ١ و (ج س و) ٢ ومنه: رَتَأَ العُقدة؛ بمعنى: شدّها، ذكر في (ر ت أ) ٣ و (ر ت و) ٤.
ومن المسائل التّصريفيّة؛ الّتي تتأثّر بوضع الكلمة في موضعين أو أكثر: التّصغير والجمع؛ ولا سيّما في الخماسيّ؛ لأنّ قياس التّصغير فيه أن يحذف خامسه٥؛ فيقال في سَفَرْجَلٍ وجِرْدَحْلٍ: سُفَيْرِجٌ وجُرَيْدِحٌ، فإذا كان في كلمةٍ على خمسة أحرفٍ حرفٌ زائدٌ حذف أين وقع؛ فيقال في تصغير مُدَحْرِجٍ: دُحَيْرِجٌ٦.
والخماسيّ في الجمع لا يكسّر بتمامه كما قال سيبويه٧؛ وهو مستكرهٌ، وقياسه أن يحذف خامسه؛ كتصغيره٨، فإن كان الاسم على خمسة أحرفٍ بزيادة حرفٍ فيه؛ فإنّ الزّائد أولى بالحذف.
وقد تقدّم خلافهم في أصل (هَمَّرِشٍ) هل هو رباعيٌّ من (هـ- م ر ش) أو خماسيٌّ من (هـ- ن م ر ش) فينبغي على هذا الخلاف فيه أن
стр. 775
يختلف التّصغير والتّكسير؛ فيقال: (هُمَيْرِشٌ) و (هَمَارِش) على رأي من عدّه رباعيّاً، ويقال: (هُنَيْمِرٌ) و (هَنَامِرُ) على رأي من عدّه خماسيّاً١.
الرّابعة- اختلاف شرحي الكلمة أو شروحهما في المضمون؛ من حيث التّرجمة أو طول الشّرح أو الضّبط أو الشّواهد، ونحو ذلك ممّا قد يؤدّي إلى تفويت فوائد كبيرةٍ على القارئ، وربّما أوقعه في أحكام خاطئةٍ.
وممّا اختلف فيه الشّرحان في المضمون والأحكام ما وقع للجوهريّ؛ إذ ذَكر (العَلْجَنَ) في موضعين: (ع ل ج) و (ع ل ج ن) فقال في الأوّل: "العَلْجَن بزيادة النّون: النّاقة الكناز اللّحم"٢ وقال في الثاني: "العَلْجَن: النّاقة الشّديدة، والمرأة الحمقاء، واللاّم زائدةٌ"٣.
وممّا اختلف فيه الشرحان والأحكام والطّول ما ذكره الجوهريّ في كلامه عن (التّناوح) إذ ذكره في موضعين: (ن وح) و (ن ح و) :
قال في الأوّل: "التّناوح: التّقابل؛ يقال: الجَبَلان يتناوحان. ومنه سمّيت النّوائح؛ لأنّ بعضهنّ يقابل بعضاً، وكذلك الرّياح إذا تقابلت في المهبّ؛ لأنّ بعضها يناوح بعضاً ويناسج، وكلّ ريحٍ استطالت أثراً؛ فهبّت عليه ريحٌ طولاً؛ فهي نَيِّحَتُه، فإن اعترضتْه فهي: نسِيجته"٤.
واكتفى في الموضع الآخر بقوله: "ويقال: الجَبَلاَن يتناوحان، إذا