← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11986

تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم

عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

Полный текст (1 028 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

رصد البحث بعضه وأورده في قائمةٍ في ذيل المبحث السّابق - لندرك الحجم الحقيقيّ للاتّساع الّذي أصاب معاجم القافية؛ فكثيرٌ من تلك الكلمات أعيدت بشرحها، وبكلّ ما تحويه من معانٍ، ولغاتٍ، وشواهد، وحكاياتٍ، وأقوالٍ، وآراءٍ، وردودٍ، ممّا يطول في كثيرٍ من الأحيان. وأكتفي من هذا بثلاثة أمثلةٍ: أ- ذكر ابن منظورٍ في مادّة (ع ن ن) نقلاً عن الأزهريّ أنّ العنوان: الأثر، ومنه قولهم: عَنّنْتُ الكتاب، وعنَّيْته إذا عنونْتُه، أبدلوا من إحدى النّونات ياءً، وأشار إلى تعليل تسميته، وأنّه سمِّي عنواناً؛ لأنّه يعنّ الكتاب من ناحيته، وأصله عُنَّانٌ، فلمّا كثرت النّونات قلبت إحداها واواً. ونقل عنهم قولهم للرّجل؛ الّذي يعرّض ولا يصرّح: قد جعل كذا وكذا عنواناً لحاجته؛ وأنشد: وَتَعْرِفُ فِي عُنْوَانِهَا بَعْضَ لَحْنِهَا ... وَفيِ جَوْفِها صَمْعَاءُ تَحْكِي الدَّوَاهِيَا ثم انتقل إلى النّقل عن ابن برّيّ. وأعاد معنى العنوان؛ وهو الأثر؛ واستدلّ بقول الشّاعر: وَحَاجَةٍ دُوْنَ أُخْرَى قَدْ سَنَحْتُ بِهَا ... جَعَلْتُها لِلَّتِي أَخْفَيْتَ عُنْوَاناً قال: وكلما استدللت بشيءٍ تظهره على غيره فهو عنوانٌ له؛ كما قال حسانٌ بن ثابتٍ يرثي عثمان ﵄. ضَحّوا بأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ ... يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيْحاً وَقُرْآناً ثمّ عاد إلى النّقل عن اللّيث بواسطة الأزهريّ، وذكر أنّ: العُلوان لغةٌ في: العنوان، وهي غير جيّدةٍ، وذكر أنّ ضمّ العين في: العنوان هي

стр. 807

اللّغة الفصيحة١. وقد أعاد ابن منظورٍ كلامه في (العنوان) في مادّة (ع ن و) ٢ في باب المعتلّ، ولكنّه اختصر قليلاً في الشّرح، وكان يكفيه ما جاء في الأصل الأوّل، وهو مكانه. ب- ذكر ابن منظورٍ - أيضاً - في مادّة (ع ل ل) (لعلَّ) و (لعلِّ) بالكسر؛ ومعناهما: التّوقّع لمرجوٍّ أو مخوفٍ، واستدلّ بقول العجّاج: يَا أَبَتَا عَلَّكَ أو عَسَاكَ وذكر أنّهما بمعنى: عَلَّ، ونقل عن بعض النّحويّين أنّ اللاّم في لعلَّ زائدةٌ مؤكِّدةٌ، وأنّ الأصل: عَلَّ، وأمَّا سيبويه فجعلها حرفاً واحداً غير مزيدٍ، وحكى عن أبي زيدٍ أنّ لغة عقيلٍ: لعلِّ زيدٍ منطلقٌ - بكسراللاّم - من لعلَّ، وجرِّ الاسم بعدها، واستدلّ بقول كعبٍ بن سويدٍ الغنويّ: فَقُلْتُ: ادْعُ أُخْرَى وارْفَعِ الصَّوتَ ثَانِياً ... لَعَلِّ أَبي المِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيْبُ وحكى عن الأخفش أنّ أبا عبيدة سمع لام: لعلَّ مفتوحةً في لغة من يجرّ بها؛ في قول الشّاعر: لعلَّ الله يُمْكِنُنِي عَلَيْها ... جِهَاراً من زُهَيْرٍ أو أُسَيْدِ وهكذا استمرَّ في حديثه عنها مورداً حكاياتٍ وآراء لبعض العلماء

стр. 808

كسيبويه، وأبي عبيدة وابن برّيّ١. ثمّ أعاد ابن منظورٍ كثيراً ممّا قاله هنا في أصلٍ آخر؛ وهو (ل ع ل) على الرّغم من أنّه نصَّ فيه - أيضاً - على زيادة اللاّم الأولى٢. وكان حسبه ما جاء في الأصل الأوّل؛ وإن كان ثمة جديد فمكانه هناك - أيضاً -. هـ- - ذكر الزبيديّ في مادّة (م وس) الموسى: آلة الحلاقة، ونقل كلاماً طويلاً فيها يتّصل بمعناها واللّغات فيها؛ كالصّرف وعدم الصّرف، والتّذكير والتّأنيث، وتصغيرها، والخلاف في وزنها، وأصالة ميمها، فذكر أنّ الميم أصليّةٌ؛ وهي - عند بعضهم - زائدةٌ، وأنّ وزنها على الرّأي الأوّل (فُعْلَى) وعلى الثّاني (مُفْعَل) . وقد تخلّل ذلك عددٌ من النّقول والحكايات عن العلماء؛ كاللّيث، وأبي عمرو بن العلاء، والكسائيّ، واليزيديّ، وابن السّكّيت، وابن السّرّاج، والجوهريّ٣. ثمّ أعاد أكثر ما ذكره في موضعٍ آخر؛ وهو (وس ي) ٤. ومثل هذا كثيرٌ، والفرق بين الموضعين في طول المادّة أو قصرها.

стр. 809

وثمّةٌ بابٌ - وهو المهموز - أعيد كثيرٌ ممّا جاء فيه في بابٍ آخر؛ وهو المعتلّ؛ كما هو ظاهرٌ في جميع معاجم القافية ممّا وقفت عليه منها. وممّا جاء مكرّراً في البابين - المهموز والمعتلّ - من فصل الرّاء وحده من (لسان العرب) : رَبَأَتِ الأرْضُ ورَبَتْ: ارتفعت. رَتَأَ العُقْدَةَ ورَتَاها: شَدَّها. رَثَأَتِ المرأةُ زوجَها، ورَثَتْه: مدحته بشعرٍ بعد موته. الرَّثِيئة والرَّثيّة: الحمق. أرجأت الأمر وأرجيتُه: أخّرته. رَدَأَه بحجرٍ ورَدَاه: رماه به. المِرْدَأَة والمِرْدَاة: الحجر الّذي لا يكاد الرّجل الضّابط يرفعه بيديه. رَزَأَ فلانٌ فلاناً ورَزَاه: بَرَّه. الرَّشْأَة والرَّشَاة: عُشْبَةٌ تشبه القَرْنُوَة. الرّفاء: الالتئام والاتّفاق، ومنه قولهم: رَفَّأَه ترفيةً، ورَفَاه؛ إذا قال له: بالرَّفَاء والبنين. رَقَأَ في الدّرجة، ورَقِيَ فيها: صَعِدَ. رَمَأَ الخبر، ورماه: ظنَّه وقدّره. الرَّنْء والرَّنَاء والرُّنَاء: الصّوت. تَرَهْيَأَتِ السّحَابَةُ: تحرّكت واضطربت وتهيّأت للمطر، ومنه ما جاء في حديث ابن مسعودٍ ﵁: أنّ رجلاً كان في أرضٍ له؛

стр. 810

إذ مرَّت به عنانةٌ تَرَهْيَأُ؛ فسمع فيها قائلاً يقول: ائْتِي أرض فلانٍ فاسْقِيها١. ونحو هذا في سائر الفصول السّبعة من باب الهمزة؛ إذ ندر أن تأتي مادّةٌ في باب الهمزة من معاجم القافية ليس فيها شيءٌ مكرّرٌ في نظيرها من باب المعتلّ. ولا شكّ أنّ في هذا وأمثاله ممّا تقدّم من غير المهموز - إسهاماً في اتّساع معاجم القافية وتضخّمها؛ وهو من نتائج وضع الكلمة في موضعين أو أكثر بسبب تداخل الأصول. والّذي يراه البحث - لتلافي ما أصاب معاجم القافية من اتّساعٍ؛ لوضع الكلمة في موضعين أو أكثر - أن يكتفى بوضعها في أصلها، أو في أرجح الأصلين، ولا بأس في أن يحال عليها في الأصل المرجوح؛ على نحو ما تقدّم بيانه في المبحث السّابق.

стр. 811

الباب الخامس: أثر التداخل في النقد المعجمي الفصل الأول: النقد المعجمي عن القدامى (تمهيد) الفصل الأول ... الفصل الأوّل: النّقد المعجميّ عند القدامى تمهيدٌ: أسهم تداخل الأصول في نشاط النّقد المعجميّ إسهاماً بيِّناً، على امتداد ألف عامٍ أو يزيد؛ وتركّز ذلك في معاجم القافية بوجهٍ خاصّ، وانحصر جلّ نقد الأصول فيها؛ لشهرة هذه المدرسة؛ ولظهور أثر التّداخل فيها، أكثر من غيرها من المدارس. وآية ذلك أنّ بعض معاجم القافية أثرت حركة التّأليف المعجميّ، بما دار فيها من نشاطٍ تأليفيٍّ؛ كالشّرح، والتذييل، والتّعليق، والاختصار، والنّقد، والدّفاع. ويأتي (الصّحاح) للجوهريّ في طليعة هذه المعاجم، وهو يعدّ حجر الزّاوية في مدرسة القافية؛ ففيه ظهرت معالم هذه المدرسة في أبهى صورها، وعلى يدي مؤلّفه اكتملت معالمها، وأخذت وضعها النّهائيّ؛ الّذي سار عليه من أتى بعده؛ ليسر منهجه وسهولته. ولعلّ ممّا ساعد على اشتهار هذا المعجم التزام مؤلّفه ما صحّ له من اللّغة؛ حتّى وصفه بعض العلماء بأنّه بمنزلة (صحيح البخاريّ) بالنّسبة إلى باقي الصّحاح، دون غيره من كتب اللّغة الصّحاح١ مع توسّطه بين الإطالة المملّة والاختصار المخلّ، فوجد فيه المرتاد بغيته؛ وخفَّ حمله على طلبة العلم، فتداولوه. فلا عجب أن يكون شغل العلماء وطلبة العلم في الأمصار؛ إذا قدم عالمٌ إلى بلدٍ سأله أهله عن (الصّحاح) كما صنع المصريّون مع ابن القطّاع، في أواخر القرن الخامس؛ بعد أن رأى صدق

стр. 812

رغبتهم فيه، وكثرة اشتغالهم به؛ فركب عليه طريقاً، ورواه لهم١، وعلّق عليه تقييداتٍ. ولا يعني هذا أنّ (الصّحاح) مبرأٌ من المآخذ؛ شأنه في ذلك شأن أيّ عملٍ بشريٍّ؛ فقد أخذ عليه جملةٌ من الأمور ذكرها٢، من بينها ملحوظاتٌ صرفيّةٌ متنوّعةٌ؛ كثيرٌ منها في الأصول المتداخلة؛ مع أنّ الجوهريّ كان يوصف بأنّه "خطيب المنبر الصّرفيّ، وإمام المحراب اللّغويّ"٣. ونسطيع: أن نقول - في الجملة - إنّ هذا المعجم لقي عنايةً فائقةً من العلماء، وأخذت هذه العناية أشكالاً خمسةً؛ هي: ١- النّقد. ٢- التّذييل والاستدراك. ٣- التّعليق والتّحشية. ٤- الاختصار. ٥- الجمع بينه وبين غيره من المعجمات. ٦- التّرجمة. ويعنينا - في هذا المقام - النّوع الأوّل وهو النّقد، وكتب النّقد تدور على عناصر؛ من أهمّها التّصريف؛ ولا سيّما تداخل الأصول، وما

стр. 813

يترتّب عليه؛ كوضع الكلمة في غير موضعها، أو وضعها في موضعين، أو أكثر. وأعرض فيما يلي لأهمّ كتب النّقد المعجميّ الّتي كان (الصّحاح) محورها: ١- حواشي الصّحاح: لأبي الحسن عليٍّ بن حمزة (ت ٤٣٠?) وأفاد منها الصّفديّ؛ فيما انتقده على الجوهريّ١. ٢- تعليقات على الصّحاح: لأبي سهلٍ محمّد بن عليّ الهرويّ - (ت ٤٣٣?) لعلّه كتبها على نسخته من (الصّحاح) الّتي كتبها بخطّه٢ وقد تضمّنت هذه التّعليقات بعض الإشارات النّقديّة في التّداخل؛ وأفاد منها الصّفديّ٣ وكانت من مصادر الزّبيديّ٤. ٣- حواشي الصّحاح: لعلّي بن جعفر السّعديّ؛ المعروف بابن القطّاع (ت ٥١٥?) ونقد فيها الجوهريّ، ولم يتمّها. ٤- قيد الأوابد من الفوائد:

стр. 814

لأبي الفضل أحمد بن محمّد الميدانيّ (ت ٥١٨?) وذكر العطّار أنّه نقد فيه الجوهريّ١ وذكر بروكلمان أنّ فيه عرضاً لموادّ الصّحاح، مع مقابلتها بتفسيراتٍ مختلفةٍ من (تهذيب اللّغة) للأزهريّ٢. ٥- التّنبيه والإيضاح: لأبي محمّد عبد الله بن برّيّ المصريّ (ت ٥٨٢?) وهو من أهمّ الكتب؛ الّتي ألّفت عن (الصّحاح) وتضمّنت نقداً بارزاً له. وسيأتي الكلام عن هذا الكتاب؛ إن شاء الله. ٦- الإصلاح لما وقع من الخلل في الصّحاح: لجمال الدّين عليّ بن يوسف القفطيّ (ت ٦٤٦?) ٣ وهو نقدٌ للصّحاح، وإصلاحٌ لما فيه من خللٍ. ولا نعلم - على وجه الدّقّة - طبيعة نقداته٤؛ وإن كنّا لا نستبعد أن تشتمل على مآخذ في التّصريف، وما

стр. 815

يتّصل بالأصول؛ لأنّها من أهمّ ما أخذ على صاحب (الصّحاح) . ٧- نقودٌ على الصّحاح: لأبي العبّاس أحمد بن محمّدٍ الأزديّ الأندلسيّ؛ المعروف ببن الحاجّ الإشبيليّ (ت ٦٥١?) ١. ٨- نور الصّباح في أغلاط الصّحاح: لأبي الفضل محمّد بن عمر بن خالدٍ القرشيّ؛ من علماء القرن السّابع الهجريّ. وفي كتابه هذا نقدٌ للصّحاح، وبيان بعض ما وهم فيه الجوهريّ من تصحيفاتٍ، وفيه تنبيهاتٌ صرفيّةٌ مختلفةٌ٢. ٩- نفوذ السّهم فيما وقع للجوهريّ من الوهم: لخليل بن أيبك الصّفديّ (ت ٧٦٤?) وسيأتي الكلام عنه مفصّلاً؛ - إن شاء الله -. ٧- غوامض الصّحاح: للصّفديّ - أيضاً - وفيه نقدٌ للصّحاح؛ إذ استخرج منه ما في

стр. 816

أصوله من غموضٍ أو صعوبةٍ في ردّ بعض الكلمات إلى أصولها؛ وبخاصّةٍ لدى من لم يتمرّس بالتّصريف وشعابه. وقد أعاد ترتيب مادّته على نظامٍ آخر؛ ناظراً إلى الكلمة من أوّلها إلى آخرها؛ دون تجريدٍ ما فيها من زوائد. وكان ينصّ في كلّ مادّةٍ على موضعها، أو المواضع الّتي وردت فيها (الصّحاح) وقد نشر الكتاب - مؤخّراً - بتحقيق عبد الإله نبهان. وثَمَّة معاجم لم يكن الغرض الأوّل من تأليفها النّقد؛ ومع ذلك حوت قدراً صالحاً من النّقدات على الصّحاح؛ بسبب تداخل الأصول فيه؛ ومن أبرز هذه المعاجم: ١- التّكملة والذّيل والصّلة: للحسن بن محمّد بن الحسن الصّغانيّ (ت ٦٥٠?) وسيأتي الحديث عنه - إن شاء الله. ٢- القاموس المحيط: لمجد الدّين محمّد بن يعقوب الفيروزاباديّ (ت ٨١٧?) وسيأتي الحديث عنه - أيضاً. ولم يكن (الصّحاح) وحده الّذي استأثر بالنّشاط المعجميّ النّقديّ، فثّمّة معجمٌ آخر اجتذب إليه اهتمام المعجّمين؛ وهو (القاموس المحيط) للفيروزاباديّ؛ فعلى الرّغم من أنّ العلماء وطلبة العلم تلقّوا هذا المعجم بالقبول والاستحسان؛ لم يسلم من النّقد؛ فصرف بعض العلماء جانباً من جهودهم لنقده. ويندرج تحت هذا الجانب كتبٌ ألّفت للرّدّ على المجد، والانتصار للجوهريّ فيما أخذه عليه صاحب (القاموس) ومن أهمّ الكتب الّتي انبرت للنّقد:

стр. 817

١- كسر النّاموس في نقد القاموس: لعبد الله بن شرف الدّين الحسينيّ اليمنيّ (ت ٩٧٣?) وذكره الشّوكانيّ، ونصّ على أنّه اعترض فيه على (القاموس) ١ ولا نعرف - على وجه الدّقّة - حقيقة هذه الاعتراضات. ٢- القَوْلُ المَأْنُوسُ بِفَتْحِ مُغْلَقِ القَامُوسِ: لِبَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ القُرَافِيّ (١٠٠٨?) وفِيهِ تَنْبِيهَاتٌ وانتِقَادَاتٌ للأُصُولِ المُتَدَاخِلَةِ، جَمَعَهَا مِنْ حَاشِيَتَيْ عَبْدِ البَاسِطِ سِبْطِ شِيْخِ الإِسْلاَمِ سِرَاجِ الدِّينِ البُلْقِينِيِّ، وسَعْدِي الرُّومِيِّ؛ مُفْتِي الدَّوْلَةِ العُثْمَانِيَّةِ؛ فِي القَرْنِ العَاشِرِ٢. ٣- بَهْجَةُ النُّفُوسِ فِي المحُاَكِمَةِ بَيْنَ الصِّحَاحِ والقَامُوسِ: للقُرَافِيِّ - أَيْضاً - وفِيهِ مُوَازَنَةٌ بَيْنَ المُعْجَمَينِ؛ مَعَ التَّرْكِيزِ عَلَى مَا انتَقَدَهُ المَجْدُ عَلَى صَاحِبِ (الصِّحَاحِ) ٣. ٤- النَّامُوسُ: لمُلاَّ عَلِيِّ بْنِ سُلْطَانَ القَارِئ الهَرَوِيِّ؛ نَزِيلِ مَكَّةَ (ت ١٠١٤?) وفِيهِ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى (القَامُوسِ) و (الصِّحَاحِ) ونَقْدٌ لَهُمَا؛ وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ؛ مِنْهُمْ: ابْنُ الطَّيِّبِ الفَاسِيُّ، والشِّهَابُ الخَفَاجِيُّ٤.

стр. 818

٥- الدُّرُ اللَّقِيْطُ فِي أَغْلاَطِ القَامُوسِ المحُِيْطِ لِدَاوُد زَادَه (ت ١٠٣١?) وسَيَأْتِي الكَلاَمُ عَنْهُ مُفَصَّلاً - إِنْ شَاءَ اللهُ -. ٦- العَنْقَاءُ المُغْرِبُ الوَاقِعُ فِي القَامُوسِ: لأَبِي الفَتْحِ عبد بن عبد الرحمن الدنوشريِّ (ت ١٠٢٥?) وردَّ فِيهِ عَلَى صَاحبِ (القَامُوسِ) فِيمَا خَطَّأَ فِيهِ الجَوهَرِيِّ١. ٧- القَوْلُ المَأْنُوسُ فِي الاسْتِدْرَاكِ عَلَى القَامُوسِ: لِزَيْنِ الدِّينِ مُحَمَّد عَبْد الله الرَؤُوفِ المُنَاوِيِّ (١٠٣١?) وتَضَمَّنَ بَعْضَ الانْتِقَادَاتِ للأُصُولِ، وَرَدَّ عَلَى المَجْدِ فِي بَعْضِ مَا أَخَذَهُ عَلَى الجَوْهَرِيِّ، وَوَصَلَ فِيْهِ إِلَى حَرْفِ الدَّالِ، وَقِيْلَ: السِّيْن، وَلِمْ يُكْمِلْهُ٢ وَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ الشّديَاقُ كَثِيراً فِي (الجَاسُوسِ) . ٨- مَرَجُ البَحْرَيْنِ: للقَاضِي أُوَيْسِ بْنِ مُحَمَّدٍ المَعْرُوفِ بـ (وَيْسِي) (ت ١٠٣٧?) أَجَابَ فِيْهِ عَنْ اعْتِرَاضَاتِ الفَيْرُوزَابَادِيّ عَلَى صَاحِبِ (الصِّحَاحِ) ولَمْ يَتِمَّهُ٣. ٩- رِجْلُ الطَّاوْوسِ فِي شَرْحِ القَامُوسِ: لِمُحَمّدِ بْنِ السَّيِّد عَبْدِ [رَبِّ] الرَّسُول الحُسَينِيِّ البَرَزَنْجِيِّ (ت:

стр. 819

١١٠٣?) وفِيهِ دِفَاعٌ عَنِ الجَوْهَرِيِّ١. ١٠- النَّامُوسُ عَلَى القَامُوسِ: لِمُحَمَّدٍ الأَمِينِ بْنِ فَضْلِ اللهِ المُحِبِّيِّ (١١١١?) وَهُوَ حَاشِيَةٌ عَلَى القَامُوسِ، وَذَكَرَهُ المُرَادِيُّ، وأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكْتَمِلْ٢ وَذَكَرَهُ إِسْمَاعِيل بَاشَا٣ ونَصَّ العَطَارُ عَلَى أَنًّ فِيهِ رَدّاً عَلَى مَآخِذِهِ عَلَى الجَوْهَرِيِّ٤. ١١- الطَرَازُ الأَوَّلُ فِيمَا عَلَيهِ مِن لُغَةِ العَرَبِ المُعَوَّلُ: ويُسَمَّى - طِرَازَ اللُّغَةِ - للسِّيِّد عَلِي خَان، المَعْرُوف بِابْنِ مَعْصُومٍ الحُسَينِيّ المَدَنِيِّ (ت: ١١١٧?) وَذَكَرَ العَطَّارُ "أَنَّهُ نَقَدَ فِيهِ القَامُوسَ، وآخَذَ الفَيْرُوزَابَادِيَّ عَلَى إِهْمَالِ ضَبْطِ مَا يَجِبُ ضَبْطُهُ؛ وتَرْكِهِ الدِّقَّةَ فِي تَرْتِيبِ بَعْضِ المَوَادِّ؛ ووَضْعِهَا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا؛ وخَطَئِهِ فِي تَفْسِيرِ الكَلِمَاتِ؛ وتَصْحِيفِهِ؛ وسُوءِ قَولِه وتَعْبِيرِهِ"٥ وقَدْ نَقَلَ الشِّدْيَاقُ قَطْعَةً مِنَ الكِتَابِ أَهْدَاهَا إِلِيهِ العُلَمَاء فِي طَهْرَان؛ وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى أَبْوَابِ الرَّاءِ والزَّايِ والسِّينِ؛ وَهِيَ مَنْشُورَة فِي

стр. 820

كِتَابِهِ (الجَاسُوسِ) ١. وظَهَرَ - مِنْ خِلاَلِ هَذِهِ القِطْعَةِ - اهْتِمَامُ ابْنِ مَعْصُومٍ بالأُصُولِ، ونَقْدُ تَدَاخُلِها؛ كَأَخْذِهِ عَلَى الفيْرُوزَابَادِيِّ ذَكَرَهُ الإسْكندَرُ والإِسْكَنْدرِيَّةُ فِي (س ك د ر) قال: "ذِكْرُ الفَيْرُوزَابَادِيِّ الإسْكَندَرِيَّ والإسْكَندَرِيَّةَ فِي فَصْلِ السِّينِ غَلَطٌ قَبِيحٌ؛ إِذْ لاَ يَجْهَلُ مَنْ لَهُ أَدْنَى إِلْمَامٍ بِعِلْمِ الصَّرْفِ أَنَّ الهِمْزَةَ إِذا وَقَعَتْ أَوَّلاً وبَعْدَهَا أَرْبَعَةُ أُصُولٍ فَهِيَ أَصْلٌ إِجْمَاعاً"٢. وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي مَادَّةِ (أف ر) : "والأُفُرَّةُ - بِضَمَّتَينِ وفَتْحِ الرَّاءِ المُشَدَّدَةِ - لأَوَّلِ الحَرِّ وشِدَّتِهِ؛ وسَائِرُ مَعَانِيهَا فِي (ف ر ر) لأَنَّ الهَمْزَةَ فِيهَا زائدة، لاَ فَاء الكَلْمَةِ؛ فَهِيَ (أُفُعْلَة) ...بِدَلِيلِ قَولِهِمْ: فُرَّة؛ بِإِسْقَاطِ الهَمْزَةِ لُغَة فِيهَا؛ وغَلِطَ الفَيْرُوزَابَادِيُّ؛ فَذَكَرَهَا - هَهُنَا - عَلَى أَنَّهُ أَعَادَ ذِكْرهَا هُنَاكَ؛ تَبَعاً للجَوْهَرِيِّ، وَهُوَ الصَّوَابُ"٣ ١٢- إضَاءَةُ الرَّامُوسِ وإِفَاضَةُ النَّامُوسِ عَلَى إِضَاءَةِ القَامُوسِ: لأَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ الفَاسِيِّ الشَّرْقِيِّ (ت: ١١٧٠ أو ١١٧٣?) . وَهُوَ حَاشِيَةٌ مُطَوَّلَةٌ عَلَى القَامُوسِ، أَقَامَهَا عَلَى تَصْحَيحِ أَخْطَائِهِ، واسْتَدْرَاكِ فَائِتِهِ، والانتصَار للجَوْهَرِيِّ. قال في تَصْدِيرِهِ: "فاسْتَخْرْتُ اللهَ، وجَدَّدْتُ النَظَرَ فِيمَا فِيهِ بَحَثَ

стр. 821

المَجْدُ ونَظَر، ووَقَفْتُ أَثْنَاءَ مُطَالَعَتِهِ عَلَى أَغْلاَطٍ لَهُ وَاضِحَة، وأَوْهَامٍ ارْتَكَبَهَا؛ مُخَالِفاً للجَمَّاء الغَفِيرِ فَاضِحَة...فَجَمَعْتُ ذَلِكَ أَبْدَعَ جَمْعٍ، وأَوْدَعْتُهُ مِنَ التَّحْقِيقَاتِ مَا تَقَرُّ بِتَقْرِيرِهِ العَينُ، ويُصْغِي إِلَى صَوْغِهِ السَّمْعُ"١ ١٣- الوِشَاحُ وتَثْقِيفُ الرِّمَاحِ فِي رَدِّ تَوْهِيمِ المَجْدِ الصِّحَاح: لأَبِي زَيدِ التَادِلِيّ (ت: ١٢٠٠?) ويُعَدُ كِتَابُهُ هذا انتصَاراً للجَوْهَرِيِّ فِيمَا أَخَذَهُ عَلَيهِ صَاحِبُ (القَامُوسِ) وسَيَأْتِي الكَلاَمُ عَنْ هَذَا الكِتَابِ - إِنْ شَاءَ اللهُ -. ١٤- تَاجُ العَرُوسِ مِنْ جَوَاهَرِ القَامُوسِ: للسَّيِّدِ المُرْتَضَى أَبِي الفَيضِ مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ الرَزَاقِ الزَبَيدِيِّ (ت: ١٢٠٥?) ويُعَدُّ مِنْ أَوْسَع مُعَاجِم العَرَبِيَّةِ؛ وقَدْ جَمَعَ فِيهِ مَادَّتَهُ مِنْ مَصَادِرَ كَثِيرَةٍ، ذَكَرَهَا فِي مُقَدِّمَتِهِ؛ ومِنْ أَبْرَزِهَا الكُتُبُ المُؤَلَّفَةُ فِي نَقْدِ القَامُوسِ، وعَلَى رَأْسِهَا (إِضَاءَةُ الرَّامُوسِ) لِشَيْخِهِ ابْنِ الطَّيِّبِ الفَاسِيِّ. ١٥- فَلَكُ القَامُوسِ: لِعَبْدِ القَادِرِ بْنِ عَبْدِ القَادِرِ الحسَنِيِّ الكوْكَبَانِيِّ اليَمَنِيِّ (ت: ١٢٠٧هـ) وَهُوَ مِن تَلاَمِيذِ ابْنِ الطَّيِّبِ الفَاسِيِّ، وتَتَبَّعَ فِيهِ نَقَدَاتِ الفَيْرُوزَابَادِيِّ، ورَدَّ عَلَيهَا، وأَبَانَ وَهْمَهُ فِيمَا حَسِبَهُ وَهْماً مِنَ الجَوْهَرِيِّ.٢

стр. 822

وأَكْتَفِي بِذِكْرِ هَذِهِ الطَائِفَةِ الَّتِي تُعَدُّ مِنْ أَهَمِّ مَا أُلِّفَ فِي النَقْدِ المُعْجَمِيِّ. وقَدِ اخْتَرْتُ للدِّرَاسَةِ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ مَا وَجَدْتُ فِيهِ اهْتِمَاماً وَاضِحاً بالأُصُولِ، ونَقْدِ تَدَاخُلِهَا، ورَتَّبْتُهُ تَرْتِيباً زَمَنِيّاً؛ وَهُوَ سِتَّةٌ: ١- التَنْبِيهُ والإيِضَاحُ، لابْنِ برِّي. ٢- التَكْمِلَة ُ، للصُّغَانِيِّ. ٣- نُفُوذُ السَّهْمِ، للصَّفَدِيِّ. ٤- القَامُوسُ، للفَيْرُوزَابَادِيّ. ٥- الدُّرُّ اللَّقِيطُ، لِدَاوُد زَادَه. ٦- الوِشَاحُ، للتَّادِلِيِّ. وأُفْرِدُ - فِيمَا يَلِي - كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَبْحَثٍ مُسْتَقِلٍّ:

стр. 823

المبحث الأول: ابن برّي في (التنبيه والإيضاح) ... المَبْحَثُ الأَوَّلُ: ابْنُ برِّي فِي (التَنْبِيهِ ولإِيضَاح) : يُعَدُّ ابْنُ برِّي - وَهُوَ مِن عُلَمَاء القَرْنِ السَادِسِ - مِنْ رُوَادِ النَشَاطِ المُعْجَمِيُ النَّقْدِيِّ؛ إِذْ أَوْلاَهُ عِنَايَةً خَاصَةً، وأَلَّفَ فِيهِ كِتَابَهُ المَعْرُوفَ (التَّنْبِيهَ والإِيضَاحَ عَمَّا وَقَعَ فِي الصِّحَاحَ) وَهُوَ المَشْهُورُ عِنْدَ العُلَمَاءِ - قَدِيماً وَحَديثاً بـ (حَواشِي ابْنِ برِّي) عَلَى الصِّحَاحِ، وسُمِّيَ بـ (أَمَالِي ابْنِ برِّي) كَمَا وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي مُقَدِّمَةِ (اللِّسَانِ) .١ وَيُعَدُّ (التَنْبِيهُ والإيضَاحُ) مِنَ المُعَاجِمِ القَيِّمَة؛ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْدٍ، وَمَلْحُوظَاتٍ، واسْتِدْرَاكَاتٍ، ورُدُودٍ، وتَصْوِيبَاتٍ؛ يَرْفَعُ تَدَارُكُهَا مِن قَدْرٍ (الصِّحَاحِ) ويُضَاعِفُ الإِفَادَةَ مِنْهُ. وَقَدْ عَرَفَ العُلَمَاءُ وطَلَبَةُ العِلْمِ - مُنْذُ وَقْتٍ مُبَكِّرٍ - قَدْرَهُ؛ فَتَدَاوَلُوه، وجَعَلَهُ ابْنُ مَنْظُورٍ أَحَدَ مَصَادِرِهِ الخَمْسَةِ الَّتِي بَنَى عَلَيهَا مُعْجَمَهُ (لِسَانَ العَرَبِ) . وتَرْجِعُ أَهْمِيَةُ الكِتَابِ لِكَوْنِهِ - أَيْضاً - "مِنْ كُتُبِ اللَّغَةِ القَلاَئِلِ الَّتِي تَوَفَّرَ لمُؤَلِّفِيهَا عُمْقُ النَّظْرَةِ، ودِقَّةُ الرُّؤْيَةِ، وكَثْرَةُ المحْفُوظِ، وسَعَةُ الاطِّلاَعِ، إِلَى جَانِبِ العِنَايَةِ الفَائِقَةِ بالنَّحْو والصَّرْفِ"٢. وكَانَ ابْنُ برِّي قَدْ عَلَّقَ هَذِهِ الحَوَاشِي عَلَى طُرَرِ نُسْخَتِهِ مِن مُعْجَمِ (الصِّحَاحِ) للجَوْهَرِيِّ، ثُمَّ أُتِيحَ لَهَا مَن جَرَّدَهَا مَن أَصْلِهَا، وأَفْرَدَهَا؛

стр. 824

فَجَاءت فِي سِتَّةِ مُجَلَّدَاتٍ؛ كَمَا قَالَ القِفْطِيُّ ١ وقَدْ رُوعِيَ فِيهَا تَرْتِيبُ أَصْلِهَا. ووَصَلَ إِلَينَا مِن هَذَا الكِتَابِ بَعْضُ النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ، تَنْتَهِي جَمِيعُهَا عِنْدَ مَادَةِ (وق ش) مِنْ بَابِ الشِّينِ. وعَلَى هَذِهِ النَّسَخِ حَقَّقَ الأُسْتَاذُ مُصْطَفَى حِجَازِيّ الكِتَابَ، ونَشَرَهُ مَجْمَعُ اللَّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ سَنَة ١٩٨٠م. وقَدْ أَثَارَ ظُهُورُ الكِتَابِ سُؤَالاً؛ وهُوَ: هَلْ أَكْمَلَ ابْنُ برِّي كِتَابَهُ؛ أَوِ انْتَهَى فِيهِ إِلَى مَادَةِ (وق ش) كَمَا جَاءَ فِي النُسَخِ؟ فَثَمَّةَ قَولٌ لَلصَّفْدِيِّ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ ابْنَ برِّي لَمْ يُكَمِّلْ حَوَاشِيهِ، وأَنَّهَا أُكْمِلَت بَعْدَهُ بِسَنَتَينِ. وقَدْ نَقَلَهُ عَنْهُ السَيُوطِيُّ فِي قَولِهِ: "قَالَ الصَّفْدِيُّ: لَمْ يُكْمِلْهَا، بَلْ وَصَلَ إِلَى (وق ش) وَهُوَ رُبْعُ الكِتَابِ؛ فَأَكْمَلَهَا الشَّيخُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ البُّسْطِيُّ"٢. ثُمَّ دَخَلَ طَرَفٌ ثَالِثٌ فِي تَأْلِيفِ الكِتَابِ؛ وَهُوَ ابْنُ القَطَّاعِ؛ شَيْخُ ابْنِ برِّي؛ فَقَدْ ذَكَرَ الحَاجُّ خَلِيفَةُ أَنَّ ابْنَ القَطَّاعِ ابْتَدَأَ هَذِهِ الحَواشِي فَبَنَى ابْنُ برِّي عَلَى مَا كَتَبَ شَيْخُهُ؛ فَوَصَلَ إِلَى مَادَّةِ (وق ش) فَأَكْمَلَهَا بَعْدَهُ البُسْطِيُّ ٣. وانْتَهَى الأُسْتَاذُ حِجَازِيُّ - بَعْدَ طُولِ بَحْثٍ - إِلَى أَنَّ هَذِهُ

стр. 825

الحَوَاشِي هِيَ لابْنِ برِّي وَحْدَهُ، وأَنَّهُ أَتَمَّهَا، وبَلَغَ بِهَا آخِرَ الصِّحَاحِ. ومِن أَهَمِّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ وُجُودُ نُقُولٍ عَنِ ابْنِ برِّي بَعْدَ مَادَّةِ (وق ش) فِي (لِسَانِ العَرَبِ) وَهِيَ مُسْتَمِرَّةٌ إَلَى نِهَايَةِ اللِّسَان، ومَعْزُوَّةٌ لابْنِ برِّي. ودَرَسَهَا المُحَقِّقُ؛ فَوَجَدَهَا مُطَابِقَةً لِمَا قَبْلَ مَادَّةِ (وق ش) فِي أُسْلُوبِهَا، ومَا تُثِيرِهُ مِن مَوْضُوعَاتٍ. ولَمَّا كَانَ ابْنُ مَنْظُورٍ قَرِيبَ عَهْدٍ بِابْنِ برِّي، وعَاشَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ مِصْرُ؛ فَقَد رَجَّح المُحَقِّقُ أَن يَكُونَ ابْنُ مَنظُورٍ تَوَفَّرَ عَلَى نُسْخَةٍ مِنَ الصِّحَاح عَلَيهَا حَواشِي ابْنِ برِّي، ورُبَّمَا تَوَفَّرَ عَلَى نُسْخَةِ ابْنِ برِّي نَفْسِهَا ١. ويُقَوِّي هَذَا الاحْتِمَالَ قَولُ القِفْطِيّ - فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ برِّي - إِنَّهُ لَمَّا مَاتَ "بِيعَتْ كُتُبُهُ، وحَضَرَهَا الجَمُّ الغَفِيرُ مِنَ الأَجِلاَّءِ بِمِصْرَ"٢ فَغَير بَعِيدٍ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ النُسْخَةُ وَصَلَتْ - فِيمَا بَعْدُ - إِلَى ابْنِ مَنْظُورٍ. وقَولُ القَفْطِيِّ عَنْ حَوَاشِي ابْنِ بَرِيّ إِنَّهَا نُقِلَت عَن أَصْلِهَا، وأُفْرِدَت فِي سِتَّةِ مُجَلَدَاتٍ يَجْعَلُهَا - بِهَذَا الكَمِّ - مُمَاثِلَةً لِكِتَابِ (التَّكْمِلَةِ) للصّغانيِّ، فَهُوَ فَي سِتَّة مُجَلَّدَاتٍ - أَيضاً - ومفْهُومُ المُجَلَد سَواءٌ؛ لأَنَّ العَصْرَ واحدٌ. تحْلِيلُ النَّقْدِ المُعْجَمِيِّ عِنْدَ ابْنِ برِّي: الْتَزَمَ ابْنُ برِّي طَرِيقَةً جَاءَت مُطَّرِدَةً فِي عُرْضِ كِتَابِه، فِي أَغْلَبِ

стр. 826

المَوَادِّ؛ وهِيَ أَن يَخْتَارَ جُزْءاً مِن كَلاَمِ الجَوْهَرِيِّ؛ فَيَتَنَاوَلُهُ بالنَقْدِ، أَوِ التَعْلِيقِ، أَوِ الاسْتِدْرَاكِ، أَوِ الشَّرْحِ. ومِنَ المُمْكِنِ إِيجَازُ العَنَاصِرِ النَّقْدِيَّةِ فِي كِتَابِهِ فِيمَا يَلي: نَقْدُ تَدَاخُلِ الأُصُولِ. نَقْدُ الأَحْكَامِ الصَّرْفِيَّةِ أَوِ النَّحْوِيَّةِ. نَقْدُ الأُسْلُوبِ. التَّنْبِيهُ عَلَى التَّصْحِيفِ أّوِ التَّحْريفِ. التَّنْبِيهُ عَلَى بَعْضِ المَوَادِّ أَوِ الكَلِمَاتِ. ضَبْطُ بَعْضِ الكَلِمَاتِ، أَو تَصْحِيحُ ضَبْطِهَا. ويَعْنِينَا - هُنَا - العُنْصُرُ الأَوَّلُ، وهُوَ تَدَاخُلُ الأُصُولِ، فَقَدْ كَانَ لَهُ أَثَرٌ بَارِزٌ فِي كِتَابِ ابْنِ برِّي إِذِ اجْتَذَبَتِ الأُصُولُ قَدْراً صَالِحاً مِنِ اهْتِمَامِهِ النَّقْدِيِّ، نُطَالِعُهُ بَيْنَ الفَيْنَةِ والفَيْنَةِ فِي الكِتَابِ، وقَدْ حَاوَلْتُ جَمْعَ تِلْكَ المَوَاضِعِ مِنَ الجُزْءينِ المَطْبُوعَيْنِ مِنَ الكِتَابِ، واسْتَكْمَلْتُهَا مِمَّا جَاءَ مَعْزُوا ً لابْنِ برِّي بَعْدَ مَادَّةِ (وق ش) فِي (اللِّسَانِ) فَبَلَغَتِ المَوَاضِعُ النَقْدِيَّةُ نَحْوَ سَبْعِين مَوْضِعاً١.

стр. 827

َيْدَ أَنَّ ابْنِ برِّي لَم يَسْتَوْعِبْ فِي كِتَابِهِ كُلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُوَجّهَ إلَى (الصِّحَاحِ) مِنْ نَقْدٍ فِي الأُصُولِ؛ فَقَد وَجَّهَ الصَّغَانِيُّ فِي (التَكْمِلَةِ) والفَيْرُوزَابَادِيُّ في (القَامُوسِ) - وغَيْرُهُمَا - مَلْحُوظَاتٍ عَلَى (الصِّحَاحِ) فِي الأُصُولِ لَم يَتَعَرَضْ لَهَا ابْنُ برِّي، وهُوَ أمْرٌ طَبَعِيٌّ فِي كِتَابٍ يُعَدُّ مِن بَوَاكِيرِ النَّقْدِ المُعْجَمِيِّ. ويُمْكِنُ الكَلاَمُ عَلَى نَقَدَاتِ ابْنِ برِّي مِن خِلاَلِ نِقَاطٍ ثَلاثَةٍ؛ كَمَا يَلِي: أ- التَوْزِيعُ الإِحْصَائِيُّ للنُّقَدَاتِ: اسْتَأُثَرَ التَدَاخُلُ فِي البِنَاءِ الوَاحِدِ باهْتِمِامِ ابْنِ برِّي؛ وقَد انحَصَرَ فِي التَّدَاخُلِ بَيْنَ الثُلاَثُيِّ والثُلاَثُيِّ؛ فَجَاءَ فِي ثَمَانِيَةٍ وَخَمْسِينَ مَوْضَعاً؛ وَهُوَ يَعْدلُ مَا نِسْبَتُهُ٨٢.٨٥% مِن جُمْلَةِ المَوَاضِعِ النَّقْدِيَّةِ عِنْدَهُ. ولَم يتَعَرَضِ ابْنُ برِّي فِي كِتَابِهِ للتَّدَاخُلِ بَيْنَ الرُّبَاعِيِّ والرُّبَاعِيِّ، أو الخُمَاسِيِّ

стр. 828

ييعدل ما نسبته ٨٢,٨٥ % من جملة المواضع النقدية عنده. ولم يتعرض ابن بري في كتابه للتداخل بين الرباعي أو الخُمَاسِيِّ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ هُوَ فِي قِلَّةِ الأَصْلَينِ، وَفِي قِلَّةِ التَّدَاخُلِ فِيهِمَا، وَلا سِيَّمَا الخُمَاسِيِّ والخُمَاسِيِّ، وعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي البَابِ الثَانِي١. أمَّا التَّدَاخُلُ بَيْنَ بِنَاءينِ فَلَم يَسْتَأْثرْ باهتَمَامِ ابْنِ برِّي، وانحَصَرَ مَا جَاءَ مِنْهُ فِي التَّدَاخُلِ بَيْنَ الثُلاَثِيِّ والرُّبَاعِيِّ، وجَاءَ فِي اثْنَي عَشَرَ مَوْضِعاً؛ مَا يَعْدلُ ١٧.١٤% مِمَّا فِي الكِتَابِ مِن تَدَاخُلٍ، وَهِيَ نِسْبَةٌ قَلِيلَةٌ. وهَذَا يَعْنِي أَنَّ ابْنَ برِّي قَد أَهْمَلَ التَّدَاخُلَ بَيْنَ الثُلاَثِيِّ والخُمَاسِيِّ، وكَذَلِكَ تَدَاخُل الرُّبَاعِيِّ والخُمَاسِيِّ. وقَدْ تَنَوَّعَتْ مَلْحُوظَاتُهُ فِي تَدَاخُلِ الثُلاَثيِّ والثُلاَثِيِّ؛ فَشَمِلَتْ تَدَاخُلَ الصَّحِيحِ والمُعْتَلِّ، والمَهْمُوزِ والمُعْتَلِّ، والصَّحِيحِ والصَّحِيحِ، والمُعْتَلِّ والمُعْتَلِّ؛ ولَعَلَّ وَرَاءَ ذَلَكَ كَثْرَةَ التَّدَاخُلِ فِي هَذِهِ الأَنْوَاعِ الأَرْبَعَةِ. ب- مَنْهَجُ ابْنِ برِّي فِي النَّقْد: الْتَزَمَ ابْنُ برِّي بِمَنْهَجِ القَافِيَةِ فِي التَّرتِيبِ، وقَد غَلَبَ - عَلَى طريقَتِهِ - نِظَامُ التَّحْشِيَةِ؛ الَّذِي شَاعَ فِيمَا بَعْدُ؛ وَهُوَ أَن يَنْتَقِي نَصّاً مُعَيَّناً مِن كَلاَمِ الجَوْهَرِيِّ فِي مَادَّةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ فَيُعَلِّق عَلَيهِ. بِمَا يَجُودُ بِهِ عِلْمُهُ؛ وهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَى تَرْكِ كَثِيرٍ مِنَ المَوَادِّ الَّتِي لَم يَدْخُلْهَا النَّقْدُ. وكَانَ يُرَوِاحُ - فِي طَرِيقَتِهِ فِي الاسْتِدْلال - بَيْنَ إصْدَارِ الأَحْكَامِ المُطْلَقَةِ غَيْرِ المُعَلَّلَةِ، والأَحْكَامِ المُعَلَّلَةِ؛ الَّتِي كَانَ يَسْتَدِلُّ فِيهَا بالأَدِلَّة

стр. 829

الصَّرْفِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ، ويَسْتَأْنِسُ بِأَقْوَالِ العُلَمَاءِ، ويَسْتَعِينُ بِالشَّوَاهِدِ. فَمِن أَحْكَامِهِ المُطْلَقَةِ قَوْلُهُ مُنتَقِداً الجَوْهَرِيَّ: "وأَهْمَلَ - أَيْضاً مِنْ هَذَا البَابِ - بَثَأَ. وَبَثَاءُ: مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ، وأَنْشَدَ المُفَضَّلُ: بِنَفْسِي مَاءُ عَبْشَمْسِ بنُ سَعُدٍ غَدَاةُ بَثَاءَ إِذْ عَرَفُوا اليَقِيْنَا وقَدْ ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ فِي فَصْلِ البَاءِ مِنَ المُعْتَلِّ؛ وهَذَا مَوْضِعُهُ" ١. وقَوْلُهُ مُعْتَرِضاً عَلَى وَزْنِ (عَكَوَّكٍ) عِنْدَ الجَوْهَرِيِّ ٢: عَكَوَّكٌ: فَعَوَّلٌ، ولَيْسَ (فَعَلَّعَ) كَمَا ذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ ٣. أَمَا الطَرِيقَةُ الثَانِيَةُ فَإِنَّهَا كَادَتْ تَكُونُ لَهَا الغَلَبَةُ فِي كِتَابَةِ؛ إِذْ نَجِدُهُ يُصْدِرُ الأَحْكَامَ النَّقْدِيَّةُ مُعَلَّلَةً؛ لإِقْنَاعِ قَارِئِهِ، وكَانَ يَخْتَارُ لِكُلِّ مَوْضَعٍ مَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الأَدِلَّةِ والتَّعْلِيلاَتِ الصَّرْفِيةِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَمِيلُ - فِي أَكْثَرِ نَقْدَاتِهِ - إِلَى الاخْتِصَارِ؛ كَقَوْلِهِ مُسْتَدِلاً بِخَصَائِصِ بَعْضِ الحُرُوفِ فِي الزِّيَادَةِ "دِرْحَايَةٌ يَنْبَغِي أَن يَكُونَ فِي الحَاءِ وفَصْلِ الدَّالِ واليَاءُ آخِرَهُ زَائِدَهٌ؛ لأَنَّ اليَاءَ لا تَكُونُ أَصْلاً فِي بَنَاتِ الأَرْبَعَة"٤. وَقَوْلُهُ مُنْتَقِداً الجَوْهَرِيَّ لِجَعْلِهِ (الحَوْأَبَ) فِي (ح وب) ٥:

стр. 830

"كَان حَقُّهُ أَنْ يَذْكُرَ الحَوْأَبَ فِي فَصْلِ (ح أب) لأَنَّ الوَاوَ فِيهِ زَائِدَةٌ؛ وَلأَنَّ الهَمْزَةَ لا تُزَادُ وَسَطاً؛ إِلاَّ فِي أَلْفَاظٍ مَعْدُودَةٍ؛ فَوَزْنُهُ - إِذَن (فَوْعَل) لا (فَعْأَل) كَمَا ظَنَّهُ الجَوْهَرِيُّ"١. وَكَانَ ابْنُ برِّي - يَسْتَعِينُ - فِي تَعْلِيلاَتِهِ - بِالإِعْرَابِ بالحُرُوفِ، وبِعَدَمِ النَّظِيرِ، كَقَوْلِهِ مُنْتَقِداً الجَوْهَرِيِّ لِذِكْرِهِ (يَبْرِين) فِي (ب ر ن) ٢: حَقُّ يَبْرِينَ أَن يَذْكُرَ فِي فَصْلِ (ب ر ي) مِن بِابِ المُعْتَلِّ؛ لأَنَّ يَبْرِينَ مِثْلُ يَرْمِينَ... والدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُم: يَبْرُونَ؛ فِي الرَّفْعِ، ويَبْرِينَ فِي النَّصْبِ والجَرِّ؛ وهَذَا قَاطِعٌ بِزَيَادَةِ النُّونِ... ولا يَجُوزُ أَن يَكُونَ يَبْرِينَ فَعْلِينَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لَهُ نَظِيرٌ؛ وإِنَّمَا فِي الكَلاَمِ فِعْلِين؛ مِثْلُ غِسْلِين) ٣. وقَدْ يَسْتَعِينُ بِالجَمْعِ والتَّصْغِيرِ؛ كَقَولِهِ مُنْتَقِداً الجَوهَرِيِّ٤ لِجَعْلِهِ (الأسْطُوَانَة) عَلَى زِنَةِ (أُفْعُوَالَةِ) مِثْل: أُقْحُوَانَةٍ: "وَزْنُهَا (أُفْعُلانة) ولَيْسَتْ (أُفْعُوَالَة) كَمَا ذكر؛ يَدُلُّكَ عَلَى زِيَادَةِ النُّونِ قَولُهُم فِي الجَمْعِ: أَقَاحِي وأَقَاحٍ، وقَوْلهُهُم فِي التَّصْغِيرِ أُقَيْحِيَة... وأَمَّا أُسْطُوَانَةٌ فَالصَّحِيحُ فِي وَزْنِهَا: (فُعْلُوَانَة) لِقَوْلِهِمْ فِي التَّكْسِيرِ: أَسَاطِين، كَسَرَاحِين، وفِي التَّصْغِيرِ

стр. 831

أُسَيطِينَةٌ كَسُرَيحِين"١. وقَدْ يَسْتَعِينُ بِالحَمْلِ عَلَى التَّوَهُّمِ؛ كَقَوْلِهِ فِي: أُسْطُوَانَةٍ - أَيْضاً - "وَلاَ يَجُوزُ أَن يَكَوَ وَزْنُهَا أُقْعُوَالَة؛ لِقِلَّةِ هَذَا الوَزْنِ، وَعَدَمِ نَظِيرِهِ، فَأَمَّا مُسَطّنَنةٌ ومُسَطّنٌ فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ تَشَيْطَنَ، فَهُوَ مُتَشَيْطِنٌ، فِيمَن زَعَمَ أَنَّهُ مِن شَاطَ يُشِيطُ؛ لأَنَّ العَرَبَ قَدْ تُشْتَقُّ مِنَ الكَلِمَةِ وتُبْقِي زَوَائِدَهَا، كَقَولِهِم: تَمَسْكَنَ وتَمَدْرَعَ"٢ ورُبَّمَا خَرَجَ ابْنُ برِّي - فِي بَعْضِ تَوْجِيهَاتِهِ إِلِى مَذْهَبِ ابْنِ فَارِسٍ فِي النَّحْتِ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ بِوُضُوحٍ فِي انتِقَادِهِ الجَوهَرِيَّ لِجَعْلِهِ (القِلْحَمَّ) وَهُوَ المُسِنُّ - فِي الثُّلاَثِيِّ (ق ل ح) عَلَى أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجِرْدَحْلٍ بِزِيَادَةِ المِيمِ فِي آخِرِهِ، قَالَ: "صَوَابُ قِلْحَمٍّ أن يُذْكَرَ فِي فَصْلِ (ق ل ح) لأَنَّ فِي آخِرِهِ مِيمَينِ؛ إِحْدَاهُمَا أَصْلِيَّةٌ، والأُخْرَى زَائِدَةٌ؛ لأَنَّهُ يُقَالُ للمُسِنِّ: قَحْمٌ؛ فَالمِيمُ الأَخِيرَةُ فِي: قِلْحَمٍّ زَائِدَةٌ لِلإلْحَاقِ، كَمَا كَانَتِ البَاءُ الثَّانِيَةُ فِي: جَلْبَبَ زَائِدَةً للإِلْحَاقِ بِدَحْرَجَ. وإِنِّمَا أُتِيَ باللاَّمِ فِي قِلْحَمٍّ؛ لأَنَّهُ يُقَالُ: رَجُلٌ قَحْلٌ قَحْمٌ؛ فَرُكِّبَ اللَّفْظُ مِنْهَمَا"٣ وقَدْ صَرَّحَ ابْنُ برِّي بِمَصَادِرِهِ فِي النَّقْدِ المُعْجَمِيِّ، الَّتِي تُعَدُّ نَوَاةَ ذَلِكَ النَّقْدِ، إذْ كَانَ يَسْتَأْنِسُ بأَقْوَالِ العُلَمَاءِ وآرَائِهِم؛ ومِن أَبْرَزِهِم

стр. 832

سِيْبَوَيْهِ١ والمُبَرِّدُ٢ والزَّجَّاجُ٣ وأبُو الطِّيِّبِ اللُّغَوِيُّ٤ وأبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ٥ وأَبُو بَكْرٍ الزُّبَيْدِيِّ ٦. وكَانَ ابْنُ برِّي يَسْتَعِينُ فِي نَقْدِهِ الأُصُولِ عِنْدَ الحَاجَةِ بالشَوَاهِدِ المُخْتَلِفَةِ؛ بَيْدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَلِيلاً، وجُلُّهُ مِنَ الشِّعْرِ.٧ وتَخَطَّى ابْنُ برِّي فِي شَوَاهِدِهِ عُصُورَ الاحْتِجَاجِ، واسْتَدَلَّ بِشِعْرِ المُوَلِّدِينَ؛ كَأَبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي، والمَعَرِّي؛ فَقَدْ رَدَّ عَلَى الجَوْهَرِيِّ؛ لِقَوْلِهِ فِي (ظ م أ) إِنَّهُم يَقُولُونَ للفَرَسِ: إِنَّ فُصُوصَهُ لَظِمَاء؛ أيْ لِيْسَت بِرَهْلَةٍ كَثِيرَةِ اللّحَمِ ٨ فَقَالَ ابْنُ بَرِّي مُسْتَدِلاًّ بِشِعْرٍ لأَبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي: "ظِمَاءٌ - هَا هُنَا - مِن بَابِ المُعْتَلِّ اللاَّمِ، ولَيْسَ مِنَ المَهْمُوزِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِم: سَاقٌ ظَمْيَاءُ؛ أَيْ قَلِيلَةُ اللَّحْمِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي: فِي سَرْجِ ظَامِيَةِ الفُصُوصِ طِمِرَّةٍ ... يَأبَى تَفَرُّدُهَا لَهَا التَّمْثِيْلا ٩

стр. 833

وكَانَ أَبُو الطَّيِّبِ يَقُولُ: إِنَّمَا قُلْتُ: ظَامِيَةٌ - بِاليَاء - مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ لأَنِّي أَرَدْتُ: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرَهْلَةٍ كَثِيرةِ اللَّحْمِ".١ أَمَا أسْلُوبُ ابْنِ بَرِّي فِي الاعْتِرَاضِ عَلَى الجَوْهَرِيِّ فَكَانَ يَمِيلُ فِيهِ إِلَى العِبَارَاتِ الرَّقِيقَةِ الدَّقِيقَة؛ كَقَولِهِ: هَذَا سَهْوٌ،٢ أو: لَيْسَ مِن هَذَا البَابِ،٣ أو: يَنبَغِي أَن تُذْكَرَ فِي كَذَا،٤ أَوْ حَقَّهُ أَن يُذْكَرَ فِي بَابِ كَذَا٥. وقَدْ كَانَ الزُّبَيدِيُّ يَمْتَدِحُ أُسْلُوبَ ابْنِ بَرِّي فِي نَقْدِهِ فِي مُقَابِلِ أُسْلُوبِ الفَيرُوزَابَادِيِّ. ج- نَقَدَاتُهُ فِي المِيزَانِ: غَلَبَ الإنصَافُ عَلَى ابْنِ بَرِّي فِي انتقَادِهِ الجَوهَرِيَّ فِي التَدَاخُلِ؛ وتَمَثَّلَ ذَلَكَ فِي دِقَّتِهِ فِي اخْتِيَارِ مَوَاضَعِ النَّقْدِ، وحِرْصِهِ عَلَى تَجَنُّبِ تَخْطِئَته بِغَيرِ دَلِيلٍ قَوِيٍّ؛ وقَدْ كَانَ هَذَا دَأْبَهُ فِي جُلِّ اعْتِراضَاتِهِ. وأَسُوقُ فِيمَا يَلِي مِثَالَينِ لِذَلِكَ: ١- ذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ فِي مَادَة (أس ت) قَوْلَهُمْ: مَا زَالَ عَلَى اسْتِ الدَّهْرِ مَجْنُوناً؛ أَيْ: لَمْ يَزِلْ يُعْرَفُ بالجُنُونِ؛ وعَلَيهِ قُوْلُ الشَاعِرِ:

стр. 834

مَا زَالَ مُذْ كَانَ عَلَى اسْتِ الدَّهْرِ ... ذَا حُمُقٍ يَنْمِي وعَقْلٍ يَحْرِي ١ فَقَالَ ابْنُ برِّي فِي نَقْدِهِ: "قَدْ وَهِمَ فِي هَذَا الفَصْلِ - بِأَن جَعَلَ اسْتاً فِي فَصْلِ (أس ت) وإِنَّمَا حَقُّهُ أَنْ يُذْكَرَ فِي (س ت ?) وقَدْ ذَكَرَهُ - أيْضاً - فِي ذَلِكَ المَوْضِعِ؛ وَهُوَ الصَّحِيحِ؛ لأَنَّ هَمْزَةَ اسْتٍ مَوْصُولَةٌ بِإِجْمَاعٍ؛ وإذَا كَانَتْ مَوْصُولَةً فَهِيَ زَائِدَةٌ".٢ ومَا ذَكَرهُ ابْنُ برِّي هُوَ الصَحِيحِ فِي أَصْلِ هِذِهِ الكَلْمَةِ. ٢- ذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ فِي النُّونِ (لَهِنَّكَ) وَهِيَ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِندَ التَّوْكِيدِ٣ فَقَالَ ابْنُ برِّي فِي نقْدِهِ: "ذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ لَهِنَّكَ فِي فَصْلِ (ل ? ن) ولَيْسَ مِنْهُ؛ لأَنَّ اللاَّمَ ليْسَتْ بأَصْلِ؛ وإِنَّمَا هِيَ لاَمُ الابْتِدَاءِ؛ والهَاءُ بَدَلٌ مِن هَمْزَةِ إِنَّ، وإِنَّمَا ذَكَرَهُ - هُنَا - لمَجِيئِهِ عَلَى مِثَالِهِ فِي اللَّفْظِ".٤ ومِن آيَاتِ الإِنْصَافِ عِندَ ابْنِ برِّي أَنَّهُ يَنْتَقِدُ الجَوْهَرِيَّ، ثُمَّ يَغْلِبُ عَلَيهِ إِحْسَانُ الظَّنِّ بِهِ؛ فَيَبْحَثُ لَهُ عَن مَخْرَجٍ يُحْمَلُ كَلاَمُهُ عَلَيهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ الوَهْمَ؛ فَلاَ يَتَرَدَّدُ فِي ذِكْرِهِ؛ مَعَ أَنَّهُ يَنقُضُ مَا بَدَأَ بِهِ مِن نَقْدٍ؛ كَاعْتِرَاضِهِ عَلَى الجَوْهَرِيِّ لِجَعْلِهِ قَوْلَهُم: امْرَأْةٌ جَبْأَى؛ أَيْ: قَائِمَةُ الثَّدْيينِ

стр. 835

- فِي مَادَّةِ (ج ب ي) ١ فَانْتَقَدَهُ ابْنُ برِّي بِأَنَّ (جَبْأَى) بِهَذَا المَعْنَى لَيْسَت مِن (الجَبَا) المُعْتَلِّ اللاَّمِ؛ وإِنَّمَا هُوَ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِم جَبَأَ عَلَينَا فُلاَنٌ؛ أَيْ: طَلَعَ؛ فَحَقُّهُ أَن يَذْكَرَ فِي مَادَّةِ (ج ب أ) مِن بَابِ الهَمْزَةِ. ولَمَّا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ ثَمَّةَ وَجْهاً فِي العَرَبِيَّةِ لِصَنيعِ الجَوْهَرِيِّ؛ لَم يَتَرَدَّدْ فِي حَمْلِهِ عَلَيهِ؛ فَقَالَ: "وكَأَنَّ الجَوْهَرِيَّ يَرَى الجَبَا التُّرَابَ؛ أَصْلُهُ الهَمْزُ؛ فَتَرَكَتِ العَرَبُ هَمْزَهُ؛ فَلِهَذَا ذَكَرَ جَبْأى مَعَ: الجَبَا؛ فَيَكُونُ الجَبَا مَا حَوْلَ البِئْرِ مِن التُّرَابِ؛ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِم: الجَبْأَةُ مَا حَوْلَ السُّرَّةِ مِن كُلِّ دَابَّةٍ"٢ ومِثْلُ هَذَا اعْتِرَاضُهُ عَلَى الجَوْهَرِيِّ لإِيْرَادِهِ فِي مَادَّةِ (ط أو) قَوْلَهُم: "مَا بِالدَّارِ طُوْئِيٌ؛ مِثَالُ طُوعِيٍّ؛ أَيْ: أَحَدٌ"٣ بِأَنَّه لَيْسَ مِن هَذِهِ المَادَّةِ؛ بَلْ مِن مَادَّةِ (ط وأ) من بَابِ الهَمْزَة. ولَكِنَّهُ لَم يَلْبَثْ أن أوْجَدَ للجَوْهَرِيِّ سَبِيلاً يَجَعْلُ صَنِيعَهُ مَقْبُولاً؛ حَمْلاً عَلَى القَلْبِ؛ بِأَن يَكُونَ (طُؤْوِيّاً) بِتَقْدِيمِ الهمْزَة عَلَى الواو؛ عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ؛ خِلاَفاً للكِلاَبِيِّينَ؛ الذِين يَقُولُون: طُوْئِيٌّ.٤ وقَدْ أدَّى وَلَعُ ابْنِ برِّي بِنَقْدِ الأُصُولِ إِلَى شَيءٍ مِنَ التَّحَامُلِ عَلَى الجَوْهَرِيِّ - أَيْضاً - وتَخْطِئَتِهِ فِيمَا لَهُ فِيهِ وَجْهٌ قَوِيٌ؛ كانتِقَادِهِ وَضْعَهُ

стр. 836

كَلِمَةَ (الخامِي) بِمَعْنَى الخَامِسِ فِي مَادَّةِ (خ م س) ١ فَقَالَ ابْنُ برِّي: "هَذَا يَنْبَغِي أن يُذْكَرَ فِي فَصْلِ خ م و"٢ والحَقًُّ أَنَّ مَذْهَبَ الجَوْهَرِيِّ فِي هَذِهِ الكَلِمَةِ هُوَ الأَقْوَى؛ لأَنَّ اليَاءَ مُبْدَلَةٌ مِنَ السِّينِ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: "جَاءَ فُلاَنٌ خَامِساً وخَامِياً، وجَاءَ فُلاَنٌ سَادِساً وسَادِياً وسَاتاً... فَمَن قَالَ: سَادِسٌ بَنَاهُ عَلَى السُّدْسِ، ومَن قَالَ: سَاتّاً بَنَاهُ عَلَى سِتَّةٍ وستٍّ، والأََصْلُ سِدْسَةٌ؛ فَأَدْغِمَتِ الدَّالُ فِي السِّينِ؛ فَصَارَتْ تَاءً مُشَدَّدَةً. وَمَنْ قَالَ سَادِياً وخَامِياً أَبْدَلَ مِنَ السِّينِ ياءً"٣ وعَلَى هَذَا فَإِنَّ مَوْضِعَ (الخَامِي) مَادَّةُ (خ م س) كَمَا فَعَلَ الجَوْهَرِيُّ. ومِمَا كَانَ للجَوْهَرِيِّ فِيهِ وَجْهٌ قَوِيٌّ إيْرَادُهُ (الفِئَةَ) فِي مَادَّةِ (ف ي أ) . قَالَ: "الفِئَةُ مِثَالُ الفِعَة: الطَائَفَةُ؛ والهَاءُ عِوَصٌ مِنَ اليَاءِ؛ التِّي نُقِصَت مِن وَسَطِهِ؛ أَصْلُهُ: فَيْءٌ، مِثَالُ فِيْعٍ؛ لأَنَّهُ مِن فَاءَ"٤ فاعْتَرَضَ عَلَيهِ ابْنُ برِّي قَائلاً: "هَذَا سَهْوٌ؛ وأَصْلُهُ: فِئْوٌ؛ مِثْلُ: فِعْوٍ؛ فَالهَمْزَةُ هِيَ عَيْنٌ، لاَ لاَم، والمَحْذُوفُ هُوَ لاَمُهَا، وَهُوَ الوَاوُ؛ وَهِيَ مِن فَأَوْتُ؛ أَيْ: فَرّقْتُ؛ لأَنَّ الفِئَةَ

стр. 837

كالفِرْقَةِ؛ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لاَ مَا ذَكَرَهُ".١ والحَقُّ أَنَّ بَيْنَ عُلَمَاءِ العَرَبِيَّةِ فِي أَصْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ خِلاَفاً؛ فِفي أَصْلِهاَ مَذْهَبَانِ: أَحْدُهُمَا: مُوَافِقٌ لمَا اعْتَرَضَ بِهِ ابْنُ برِّي؛ أيْ: أَنَّ المَحْذُوفَ مِنهَا اللاَّمُ لاَ العَيْنُ؛ فَيَكُونُ أَصْلُهَا (ف أو) ووَزْنُهَا (فِعَة) وعَلَيهِ الخَلِيلُ؛ فَهِيَ عِندَهُ مِن: فَأَوْتُ رَأْسَهُ بالسَّيْفِ فَأْواً، وفَأَيْتُهُ فَأْياً؛ وَهُوَ ضَرْبُك قِحْفَهُ؛٢حَتَّى يَنفَرِجَ عَنِ الدِّمَاغِ.٣ ويَرَى الأَزْهَرِيُّ أَنَّهَا فِي الأَصْلِ: فِئْوَةٌ، عَلَى (فِعْلَة) فَنُقِضَ مِنهَا بِالحَذْفِ.٤ وعَلِيهِ جَمَاعَةٌ؛ مِنْهَم: الزَّجَاجُ،٥ وأَبُو عَلِيِّ الفَارِسِيُّ،٦ وابْنُ جِنِّي.٧ والآخَرُ: مُوَافِقٌ لمَا ذَهَبَ إِلَيهِ الجَوْهَرِيُّ؛ وَهُوَ أَنَّ المَحْذُوفَ فِي (الفِئَةَ) العَيْنُ، ووَزْنُهَا - حِينَئِذٍ - (فِلَة) وشْتِقَاقُهَا مِن: الفَيْءِ، وَهُوَ: الرُّجُوعُ؛ ولِذَا قَالَ العُكْبَرِيُّ: "وَأَصْلُ فِئَةِ: فَيْئَةٌ؛ لأنَّهُ مِن فَاءَ يَفِيْءُ إِذَا

стр. 838

رَجَعَ؛ فَالمَحْذُوفُ عَيْنُهَا".١ وذَكَرَهَا الرَّاغِبُ فِي مَادَّةِ (ف ي أ) وذَكَرَ أَنَّ الفِئَةَ: الجَمَاعَةُ المُتَظَاهِرَةُ؛ الَّتي يَرْجعُ بعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي التَّعَاضُدِ.٢ ولَمْ يَبْتَعِدْ ابْنُ عَطِيَّةَ عَن هَذَا الرَّأْيِ؛ فالفِئََةُ عِنْدَهُ: الجَمَاعَةُ؛ الَّتي يُرْجَعُ إلَيهَا فِي الشَّدَائِدِ، مِن قَولِهِم: فَاءَ يَفِيْءُ؛ إِذَا رَجَعَ٣٠ ومِمَن أَخَذَ بِهَذَا الرَّأْيِ: المُنْتَجَبُ الهَمْدَانِيُّ، ٤ والفَيُّومِيُّ،٥ والفَيْرُوزَابَادِيُّ،٦ وابْنُ الطَّيِّبِ الفَاسِيُّ،٧ وقَد حَكَى السَّمينُ الحَلَبِيُّ القَولَينِ، وذَكَرَ أَنَّ وَزْنَهَا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ (فِعَة) كَمِئَةٍ؛ إلاّ أنَّ لاَمَ مِئَةٍ يَاءٌ، ولاَمَ فِِئَةٍ وَاوٌ، وذَكَرَ أنَّ مَعْنَاهَا يَصِحُّ عَلَى الاشْتِقَاقَينِ؛ فَإِنَّ الجَمَاعَةَ مِنَ النَّاسِ يَرْجعُ بَعْضُهُم إِلَى بَعْضٍ؛ وَهُم - أَيْضاً - قِطْعَةٌ مِنَ النَّاسِ؛ كَقِطَعِ الرَّأْسِ المُكَسَّرَةِ. ومِنْ جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَ نَسْتَطِيعُ القَوْلَ بِأَنَّ الجَوْهَرِيَّ لَم يُخْطِئْ، وإِنَّمَا أَخَذَ بِأَحَدِ الرَّأْيَيْنِ المُتَسَاوِيَينِ؛ بَيْنَمَا أَخَذَ ابْنُ برِّي بالآخَر، وبَنَى عَلَيهِ نَقْدَهُ.

стр. 839

المَبْحَثُ الثَّانِي: الصَّغَانِيُّ فِي (التَّكْمِلِةِ والذَّيْلِ والصِّلَةِ) لَهَذَا الكِتَابِ صِلَةٌ وَثِيقَةٌ بالصِّحَاح؛ إِذْ عُنِيَ مُؤلِّفُهُ فِيهِ باسْتِدْرَاكِ مَا أَغْفَلَه الجَوْهَرِيُّ فِي (الصِّحَاحِ) مِمَا هُوَ صَحِيحِ عَلَى شَرْطِهِ، وتَكْمِلَةِ مَا فَاتَ فِي الشَّرْحِ مِنَ المَعَانِي والشَّوَاهِدِ، وإِصْلاَحِ مَا وَقَعَ فِيهِ مِن تَدَاخُلِ الأُصُولِ، أَوْ التَّنْبِيهِ عَلَيهِ، مَعَ عِنَايَةٍ خَاصَةٍ بِتَصْحِيحِ مَا أَوْرَدَهُ الجَوْهَرِيُّ مِن شَوَاهِدَ وَهِمَ فِي رِوَايَتِهَا أَو نِسْبَتِهَا، وقَدْ تَعَقَّبَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِحِذْقٍ، وَجَمَعَ مِنَ المَادَّةِ اللُّغَوِيَةِ مَا أَرْبَى عَلَى (الصِّحَاحِ) إِذْ قُدِّرَ مَا اسْتَدْرَكَهُ عَلَى الجَوْهَرِيِّ بِنَحْوِ سِتِّينَ أَلْفَ مَادَّةٍ مِنَ النَّوَادِرِ والفَصِيحِ وصَحِيحِ اللُّغَةِ١ اسْتَفَادَهَا مِن نَحْوِ أَلْفِ مَصْدَرٍ؛ فِي غَرِيبَي القُرْآنِ والحَدِيثِ، وفِي اللُّغَةِ والنَّحْوِ والصَّرْفِ، وآدَابِ العَرَبِ، وأشْعاَرِهَا، وأَخْبَارِهَا، وآيَّامِهَا٢ فَلاَ جَرَمَ أَن يَتَبَوَّأَ مَنْزِلَةً مَرْمُوقَةً بَيْنَ سَائِرِ المَعَاجِمِ؛ فَتَضَيَّفَهُ المُتَأَخِّرُونَ مَنَ المُعْجَمِيِّينَ فِي مْؤَلَّفَاتِهِم، وعَدُّوهُ فِي مَصَادِرِهِم المُقَدَّمَةِ. تَحْلِيلِ النَّقْدِ المُعْجَمِيِّ عِنْدَ الصَّغَانِيِّ: يَقُومُ كِتَابُ (التَّكْمِلَةِ) للصَّغَانِيِّ عَلَى جَانِبَينِ رَئِيسَينِ؛ هُمَا: التَّكْمِلَةُ والنَّقْدُ؛ والّذي يُعْنِينَا مِنْهُمَا - هُنَا - الجَانِبُ الثَّانِي، وقَدْ كَشَفَ المُؤَلِّفُ - فِي كِتَابِهِ - عَنْ نَظَرٍ نَقْدِيٍّ ثَاقِب جَعَلَهُ فِي مَصَافِّ رُوَادِ

стр. 840

النَّشَاطِ المُعْجَمِيِّ النَّقْدِيِّ. ويُمْكِنُ إيْجَازُ العَنَاصر النَّقْدِيَّةِ، فِي كِتَابِ الصَّغَانِيِّ، فِيمَا يَلِي: ١- نَقْدُ تَدَاخُلِ الأُصُولِ. ٢- نَقْدُ الشَّوَاهِدِ ومَا يَتَّصِلُ بِهَا. ٣- التَّنْبِيهُ عَلَى التَّصْحِيفِ والتَّحْرِيفِ. ٤- نَقْدُ التَّفْسِيرَاتِ اللُّغَوِيَّةِ الخَاطِئَةِ.

стр. 841

ويُمْكِنُ الكَلاَمُ عَمَّا فِي (التَّكْمِلَةِ) مِن خِلاَلِ النِّقَاطِ التَّالِيَةِ: أ- التَّوْزِيعُ الإحْصَائِيُّ للَّنَقَدَاتِ: اسْتَأُثَرَ التّدَاخُلُ بَيْنَ بِنَاءينِ مُخْتَلِفَينِ بِاهْتِمَامِ الصَّغَانِيِّ؛ فَوَجَّهَ جانباً مُهِمّاً مِن جُهْدِهِ لِنَقْدِهِ؛ فَجَاءت مَلْحُوظَاتِهِ فِيهِ فِي ثَلاَثَةٍ وسِتِّينَ مَوْضِعاً؛ اثْنَانِ وسِتُّونَ مَوْضِعاً فِيهَا لِتَدَاخُلِ الثُّلاثِيِّ والرُّبَاعِيِّ، ووَاحِدٍ للتَّدَاخُلِ بَيْنَ

стр. 842

اثنان وستون موضعا فيها لتداحل الثلاثي والرباعي، وواحد للتداخل بين الرُّبَاعِيِّ والخُمَاسِيِّ؛ فِي حِيْنِ لَم تَتَجَاوَزْ مَلْحُوظَاتُهُ؛ فِي التَّدَاخُلِ فِي البِنَاءِ الوَاحِدِ؛ سَبْعَةً وخَمْسِينَ مَوْضِعاً؛ خَمْسَةٌ وخَمْسُونَ مِنْهَا لِتَدَاخُل الثُّلاثِيِّ بالثُّلاثِيِّ، واثْنَان لِتَدَاخُلِ الرُّبَاعِيِّ بالرُّبَاعِيِّ. ونِسَبُ مَا تَقَدَّمَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: تَدَاخُلُ الثُّلاثِيِّ والرُّبَاعِيِّ ... ٥١.٦٦٦% ... ٥٢.٥ % تَدَاخُلُ الرُّبَاعِيِّ والخُمَاسِيِّ ... ٠٠.٠٠٨٣% تَدَاخُلُ الثُّلاَثِيِّ والثُّلاثِيِّ ... ٤٥.٨٣٣% ... ٤٧.٥% تَدَاخُلُ الرُّبَاعِيِّ والرُّبَاعِيِّ ... ١.٦٦٦% ونَخْرِجُ مِن هَذَا الإحْصَاءِ بِمَلْحُوظَتَينِ: الأولَى: أَنَّ هَذِهِ النِّسَبَ غَيْرُ مأْلُوفَةٍ فِي التَّدَاخُلِ بِعُمُومِهِ؛ خِلافاً لِمَا تَقَدَّمَ فِي البَابَين الثَّانِي والثَّالثِ؛ إذ رَأَيْنَا أَنَّ التَّدَاخُلَ فِي البِنَاءِ الوَاحِدِ - ولا سِيَّمَا الثُّلاثِيُّ - يَفُوقُ كَثِيراً التَّدَاخُلَ بِيْنَ بِنَاءَينِ مُخْتَلِفَينِ. الثَّانِيةُ: عِنَايَةُ الصَّغَانِيِّ بِتَدَاخُلِ الثُّلاثِيِّ بالرُّبَاعِيِّ؛ خِلافاً لابْنِ برِّي؛ الَّذي وَجَّهَ جُهْدَه لِنَقْدِ التَّدَاخُلِ فِي البِنَاءِ الوَاحِدِ؛ ولاَ سِيَمَا فِي الثُّلاثِيِّ؛ وتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الجَوْهِرِيِّ اعْتَادَ وَضْعَ الرُّبَاعِيِّ فِي أَصْلٍ ثُلاَثِيٍّ؛ مَتَى سَنَحَتْ فُرْصَةٌ لِذَلِكَ وهذا مَا يُفَسِّرُ قِلَّةَ الأُصُولِ الرُّبَاعِيَّةِ فِي مُعْجَمِهِ (الصِّحَاحِ) ويَبْدُو أَنَّ ابْنَ برِّي أَقَرَّهُ عَلَى شَيءٍ مِن ذَلِكَ؛ فِي حِينَ أَنَّ الصَّغَانِيَّ كَانَ أَكْثَرَ دِقَّةً فِي الأُصُولِ الرُّبَاعِيَّةِ. ب- مَنْهَجُ الصَّغَانِيِّ فِي النَقْدِ المُعْجَمِيِّ:

стр. 843

سَارَ الصَّغَانِيُّ فِي تَرْتِيبِ مُعْجَمِهِ عَلَى القَافِيَةِ؛ لِصِلَتِهِ الوَثِيقَةِ بالصِّحَاحِ، وَقَدْ نَثَرَ مَلْحُوظَاتِهِ فِي ثَنَايَا مَوَادِّهِ؛ غَيْرَ سَالِكٍ مَنْهَجاً مُحُدَّداً فِي عَرْضِهَا؛ فَقَدْ يُذْكٌرُ نَقْدَهُ فِي أَوَّلِ كَلاَمِهِ فِي المَادَّةِ، أَو فِي وَسَطِهِ، أو فِي نِهَايَتِهِ؛ تَارِكاً ذَلِكَ لِعُرْوضِ الكَلِمَةِ مَوضِعِ النَّقْدِ. ولَعَلَّهُ يُورِدُ الكَلِمَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِن الصِّحَاحِ، ثُمَّ يُنَبِّهُ عَلَى مَا فِيهَا مِن تَدَاخُلٍ، وقَد يَنْقُلُهَا إلَى مَوْضِعِهَا الصَّحِيحِ، ويُنَبِّهُ عَلَيهَا هُنَاكَ. فَمِمَّا أَوْرَدَهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الصِّحَاحِ (الدَّهْمَقَةُ) وَهِيَ: لِينُ الطَّعَامِ وطِيبُهُ، وذَكَرَ أَنَّ الجَوْهَرِيَّ جَعَلَهَا فِي هَذَا الأَصْلِ، يَعْنِي (دهق) ١ وَحَكَمَ بِزِيَادَةِ المِيمِ؛ فَيَكُونُ وَزْنُهَا عِندَهُ (فَعْمَلَة) وَهِيَ (فَعْلَلَة) لا غير.٢ ومِمَّا نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعِه الصَّحِيحِ، ونَبَّهَ عَلَيهِ فِيهِ (الهَمَرْجَلُ) وهُوَ: الجَوَادُ السَّرِيعُ. قَالَ فِي مَادَّةِ (هـ م ر ج ل) : (وذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ بَعْدَ تَرْكِيبِ (همرجل) ٣ وَهَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهِ) .٤ وقَدْ أَظْهَرَ الصَّغَانِيُّ حِرْصاً وَاضِحاً عَلَى التَنْبِيهِ عَلَى تَدَاخُلِ الأُصُولِ فِي (الصِّحَاح) فَكَانَ لاَ يَكْتَفِي فِي كَثِيرٍ مِنَ المَوَاضِعِ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى التَّدَاخُلِ فِي أَحَدِ الأَصْلَينِ؛ بَل يَذْكُرُهُ فِيهِمَا جَمِيعاً؛ كَتَنْبيهِهِ عَلَى التَّدَاخُلِ

стр. 844

فِي (تَنُوخَ) فِي الأَصْلَين (ت ن خ) و (ن وخ) ١ ومِثْلُهُ مَا فِي (ر هـ م) و (م هـ م) .٢ وقَدْ كان الصَّغَانِيُّ يَمِيلُ - فِي أَكْثَرِ تَنْبِيهَاتِهِ - إلَى الاخْتِصَارِ؛ كَقَوْلِهِ مُنْتَقِداً الجَوْهَرِيَّ: "مَوضِعُ ذِكْرِ: تَنُوخَ فَصْلِ التَّاءِ؛ لأَصَالَةِ التَّاءِ"٣٠ وَكَانَ مَنْهَجُهُ - فِي الاسْتِدْرَاكِ - المُرَاوَحَةُ بَيْنَ إِصْدَارِ الأَحْكَامِ المُطْلَقَةِ غَيرِ المُعَلَّلَةِ والأَحْكَامِ المُعَلَّلَةِ؛ فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ: "ذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ: الحَفَيْسَأَ مَعَ ذِكْرِ: الحَيْفَس ٤ِ فِي بَابِ السِّينِ"٥ والصَّغَانِيُّ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ (الحَفَيْسَأِ) (ح ف س أ) ولَيْسَ (ح ف س) ولَم يَذْكُرْ وَجْهَ ذَلِكَ؛ وَهُوَ أَنًَّ الهَمْزَةَ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ؛ ولاَ دَلِيلَ عَلَى زِيَادَتِهَا؛ فَوَزْنُهُ (فَعَيْلَلَ) مِثْلُ: سَمَيْدًعٍ. أَمَّا مَا أَوْرَدَهُ مُحْتَجّاً لَهُ بِدَلِيلٍ فَكَثِيرٌ؛ وكَانَ إَلَى الاخْتِصَارِ يَحْمِلُهُ عَلَى الاكْتِفَاءِ بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ لِنَقْدِ التَّدَاخُلِ فِي الكَلِمَةِ؛ ومِن أَدِلَّتِهِ المُخْتَلِفَةِ: اعْتِمَادُهُ عَلَى خَصَائِصِ بَعْضِ الحُرُوفِ فِي الأَصَالَةِ والزِّيَادَة؛ كَقَوْلِهِ مُنْتَقِداً

стр. 845

الجَوْهَرِيَّ: "ذَكَرَ الجَوْهَرِيّ الكُِرْنَافَ فِي (ك ر ف) ١ ولَم يُفْرِدْ لَهُ تَرْجَمَةً. والنُّونُ لاَ يُحْكَمُ بِزَيَادَتِهَا إلاَّ بِثَبَتٍ"٢ ومِنْهُ الاشْتَقَاقُ؛ كَقَوْلِهِ: "ذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ القِنَّسْرِيَّ (ق س ر) ٣ ظَنّاً مِنْهُ أَنَّ النُّونَ زَائِدَةٌ واشْتِقَاقُ تَقَنسَرَ مِنْهُ يَدْفَعُ ذِكْره هَذَا المَوْضِعُ"٤ يَعْنِي (ق ن س ر) . وقَوْلُهُ: "ذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ الكِبْرِيتَ فِي فَصْلِ الكَافِ؛ مِنَ الرَّاءِ،٥ عَلَى أَنَّهُ (فِعْلِيت) وإِنَّمَا هُوَ (فِعْلِيل) وهَذَا مَوْضِعُ ذَكْرِهِ... والتَّاءُ أَصْلِيَّةٌ؛ لِقَوْلِهِم: كَبْرَتَ بَعِيْرَهُ".٦ ومِن مَنْهَجِ الصَّغَانِيِّ فِي نَقْدِهِ التَّدَاخُلَ أَنَّهُ لاَ يَقْطَعُ بِأَحْكَامِهِ؛ مَا لَم يَكُن عَلَى ثِقَةٍ مِن صِحَّةِ مَا يَقُولُ؛ فَكَثِيراً مَا نَرَاهُ يُبْدِي شَكَّهُ أَو تَرَدُّدَهُ؛ كَقَوْلِهِ فِي (درن) : "والإِدْرَونُ: ذُو وَجْهَينِ؛ يَحْتَمِلُ؛ أن يَكُونَ ثُلاَثِيّاً، ووَزْنُهُ (إِفْعَوْل) ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ رُبَاعِيّاً مِثل فِرْعَون وبِرذَون".٧ وقَوْلُهُ فِي (ح ت ل) : "وأَبُو حَنتَلٍ: بِشْرَ بْن أحْمَدَ اللَّخْمِي، مِمَّن حَدَّثَ، فإن كَانَت النُّونُ زَائِدَةً زِيَادَتَهَا فِي حُنتَالٍ، فَهَاهُنَا مَوْضِعُ
следующие страницы →