← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11986

تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم

عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

Полный текст (1 028 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

عناية مؤلّفه بمعاجم العربيّة، وعلى رأسها: القاموس المحيط، فقد أراد أن يجمع الغلطات؛ الَّتي عزاها صاحب (القاموس) للجوهريّ؛ ليردَّ منها ما يُرَدُّ؛ منصفاً الجوهريَّ، ومؤيّداً الفيروزآباديَّ فيما أصاب فيه؛ فجاء الكتاب لطيفاً في حجمه، طريفاً في بابه، جامعاً لأكثر ما في القاموس من نقدٍ معجميٍّ في شتّى أنواعه. تحليل النّقد المعجميّ عند داود زاده: استخرج المؤلّف المواضع النّقديّة في (القاموس) وزاد عليها نحواً من عشرين موضعاً؛ فأربى ما فيه على عشرين وثلاثمائة موضع نقديٍّ. ومن الممكن القول إنّ العناصر النّقديّة في (الدّرّ اللّقيط) هي نفسها الَّتي في (القاموس المحيط) ومن أهمّها - بلا شكّ - نقد التّداخل. ويمكن الحديث عن هذا الجانب من خلال النّقاط التّالية: أ- التّوزيع الإحصائي للنّقدات: بلغت المواضع النّقديّة المخَصًّصة للتّداخل في (الدّر اللّقيط) خمسة وعشرين ومائة موضع١ وبلغ ما فيه من نقد التَّداخل في البناء الواحد

стр. 877

خمسة وثمانين موضعاً؛ اثنان وثمانون موضعاً للتداخل في الثّلاثيّ، وثلاثة للتّداخل في الرُّباعيّ. وبلغ التّداخل بين بناءين مختلفين أربعين موضعاً؛ تسعة وثلاثون موضعاً للتّداخل بين الثّلاثيّ والرّباعي، وموضع للتّداخل بين الثّلاثيّ والخماسي.

стр. 878

وفيما يلي نِسَبُ هذه الأنواع: التَّداخل بين الثّلاثيّ والثّلاثيّ ... ٦٥.٦ % التَّداخل بين الرُّباعيّ والرّباعيّ ... ٠٣.٤ % التَّداخل بين الثّلاثيّ والرّباعيّ ... ٣١.٢ % التَّداخل بين الثّلاثيّ والخماسيّ ... ٠.٨ % ويظهر من خلال هذه النِّسب التّقارب بين (الدُّرّ اللَّقيط) و (القاموس) ويكمن سبب الاختلاف بينهما فيما أضافه داود زاده من نقدٍ على ما في (القاموس) ككلامه في أصل (مُؤْتَةٍ) موضع بالشّام١ وأصلِ (حَرْوَةٍ) في قول القائل: إنّي لأجد لهذا الطّعام حَرْوَةً في فمي، أي: حرارةً ولَذْعاً٢، وأصلِ (أَكَارَ) في قولهم: أكارَ الرَّجل؛ إذا أسرع في مشيته٣ وأصلِ (المَاشِ) وهو حَبّ٤ وكذلك أصلِ (الأوَّلِ) وهو ضدُّ الآخر٥. ويضاف إلى ذلك أنّ صاحب (الدُّرّ اللَّقيط) لم يأت على كلّ ما في (القاموس) من نقدٍ للأصول المتداخلة؛ فثمَّةَ مواضع أغفل ذكرها؛ منها ما جاء في الموادّ التّالية من القاموس: (هـ وأ) و (أر ب) و (ل و

стр. 879

ب) و (ج وث) و (ط ر ر) و (م ش ل ز) و (ع ن ظ) و (م هـ ع) و (ع ص ى) ١. ب- منهج داود زاده في النّقد المعجميّ: صَدَّرَ المؤلّف كتابه بمقدّمة وجيزة؛ أبان فيها عن هدفه من تأليف الكتاب؛ وهو: جمع الأغلاط؛ الَّتي وجّهها المجد في (القاموس) لصاحب (الصِّحاح) كما أشرت من قبل، وسايرَ - في ترتيب موادّه - صاحب (القاموس) فجاء كتابه أشبه ما يكون بمعجم صغير على نظام القافية. ولا يكاد يخرج منهجه في العرض الدّاخلي لكلّ مادّة عن إحدى طرق ثلاثٍ: الأولى: أن يذكر نصّ الجوهريّ ثمّ يقفوه بما قاله الفيروزآباديّ من توهيمٍ؛ ملتزماً نصّهما، ويعقّب - بعد ذلك - بالنّقل عن بعض العلماء، وعلى رأسهم ابن برّي، وقد يأتي –بعد ذلك - بما يراه في المسالة ٢. الثّانية: أن يصدّر المادّة باعتراض الفيروزآباديّ، ثمّ يأتي بكلام الجوهريّ، وقد يقفوهما ببعض النّقول أو الآراء٣. الثّالثة: أن يورد اعتراض الفيروزاباديّ بنصّه؛ دون أن يذكر ما

стр. 880

قاله الجوهريّ، أو أن يعقّب عليه بشيء١. وتميّز داود زاده في أسلوبه في النّقد والاعتراض بعفّة القلم؛ إذا ابتعد عن عبارات التّجريح أو الغمز، ونحوهما. ومن منهجه أنّه عُني ببيان ما وقع للفيروزآباديّ من تناقضات في الأصول فيما انتقده على الجوهريّ ووافقه فيه؛ كقوله معلّقاً على ما ذكره الفيروزآباديّ في مادّة (ج ي ب) ٢ وأنَّ (جيب القميص) يائيّة العين: "كأنّه يريد به الرّدّ على الجوهريّ؛ حيث ذكره في مادة (ج وب) والعجيب أنّه ذكره في هذه المادّة - أيضاً"٣. ومنه أنّ الفيروزآباديّ قال في مادّة (ك ول) : "واكْوَأَلَّ اكْوِئلالاً: قصُر، وذِكْرُهُمَا في (ك أل) وهمٌ للجوهريّ"٤ فعقّب عليه بأنّ الفيروزآباديّ وافقَ الجوهريَّ في (ك أل) من غير تنبيه عليه. ومنه قوله معقّباً على نقد الفيروزآباديّ في مادّة (مَأْقِي العَيْن) ٥: "والجوهريّ ﵀ ذكره في مادّة (م أق) والعلاّمة الفيروزآباديّ

стр. 881

- بعد ما ذكره هنا ١ - وافق الجوهريَّ هناك؛ فذكره غير منبّهٍ على خطئه"٢. وقد كثر هذا عند داود زاده حتّى صار جزءاً بارزاً من منهجه٣. ومن منهجه: الحرص على الكشف عن مصادر الفيروزآباديّ في النّقد؛ لتمييز ما كان مسبوقاً فيه من غيره؛ كقوله معقّباً على نقدٍ لصاحب القاموس: "وقد سبقه بذلك الاعتراض الشّيخ ابن برّي، وذكره في (ميد) على ما سيجيء"٤ وقد كثر هذا عنده - أيضاً٥. وبقي أن أشير إلى أنّه كان معنيّاً عناية ظاهرة بالإشارة إلى مصادره في نقده الأصول، وقد كاد أن يلتزم ذلك في كلِّ ما ذكره. ومن أظهرها (المقاييس) و (المجمل) لابن فارس٦، و (التّنبيه والإيضاح) لابن

стр. 882

برّي١، و (تهذيب الأسماء واللّغات) للنّووي٢، و (مختار الصّحاح) للراّزي٣، و (الرَّاموز) لمحمّد بن السيد حسن٤، و (القول المأنوس) للقرافي٥. ج- نقداته في الميزان: إنّ كثيراً ممَّا أثاره صاحب (الدُّرّ اللَّقيط) من انتقادات واعتراضات على صاحب القاموس، كان فيه بعيداً عن التّحامل معتدلاً فيما ذهب إليه، أو كان فيه على رأي راجح٦. ويدخل في هذا السّياق أخذه على صاحب (القاموس) تحميرَهُ مادّةً غير مهملة في (الصِّحاح) وهي مادّة (ق وح) ٧ وذكر فيها قولهم: قاحة الدّار: ساحتها، وقد ذكرها الجوهريّ في مادّة (ق ي ح) ٨ فلا وجه لتحميرها٩. ويعدّ نقده فيما ناقض الفيروزآباديّ نفسه فيه، ممَّا أشرت إليه من

стр. 883

قبل من أبرز الجوانب النّقديّة؛ الَّتي لم يكن على صاحب (الدُّرّ اللَّقيط) فيها مدخل للطّعن. وقد حالف التّوفيق داود زاده في أكثر المواضع التي نافح فيها عن الجوهريّ أو وَجَّهَ فيها كلامه نحو الصّواب، وهي كثيرة جدّاً، أذكر منها مثالين: المثال الأوّل: وهَّمَ الفيروزآباديُّ الجوهريَّ في قوله: "جاءاني على (فَاعَلني) فجئته أجيئه؛ أي: غالبني بكثرة المجيء فغلبتُه"١ فقال الفيروزآباديّ: (جاءاني وَهِمَ فيه الجوهريّ؛ وصوابه: جايأني؛ لأنّه معتلّ العين مهموز اللاّم، لا عكسه"٢ فدافع صاحب (الدّرّ) عن الجوهريّ، وخرّج قوله على القلب؛ وذكر أنّ له مثيلاً في الحديث النّبويّ الشّريف٣. وما ذهب إليه زاده وجهٌ؛ فقد رواه ابن سيده مطابقاً لرواية الجوهريّ، وذكر أنّ القياس فيه: جَايأني ٤، ولذ ذكر الزَّبيديّ أنّ ما ذكره الفيروزآباديّ هو القياس، وما قاله الجوهريّ هو المسموع عن العرب٥؛ فلا وهمَ فيه - حينئذٍ.

стр. 884

المثال الثّاني: وهّم الفيروزآباديّ الجوهريَّ في أصل كلمة (فَارَةِ المِسْكِ) وذكر أنّ الصّواب إيرادها في (ف ور) لفوران رائحتها١ وليس (ف أر) كما فعل الجوهريّ٢، فقال زاده: "الفأرة هي الحيوان المعروف، وجمعها فئران، وفأرة المسك نافجته، وهي وعائه...وقد غلط من قال من الفقهاء وغيرهم: إنّ الفارة لا تهمز، وفرّق بين فارة المسك وغيرها من الحيوان، بل الصّواب أنّ الجميع مهموز، وتخفيفه بترك الهمز، كما في نظائره، كراسٍ وشبهه"٣ وذكر أنّ ابن مالك جمع بين الفارتين في الهمز٤. ولم يكن أمر الدِّفاع عن الجوهريّ ليحجب عن صاحب (الدُّرّ اللَّقيط) ما في (الصِّحاح) من خطأ أو خلاف المشهور في الأصول فثَمَّة مواضع وافق فيها صاحب (القاموس) وأيّده فيما انتقده؛ كحديثه في كلمة (جَبَذَ) وأنّها ليست مقلوبة من (جذب) ٥ بل أصل مستقلٌّ برأسه؛ خلافاً للجوهريّ، فأيده زاده، وعضد قوله بقول الحريري٦. ومنه دفاعه عن الفيروزآباديّ؛ الَّذي انتقد الجوهريّ في أصل

стр. 885

(النَّيّف) وهو (ن وف) وليس (ن ي ف) ١ وقد أشار زاده إلى اعتراض محمّد بن السّيد حسن في (الرَّاموز) بأنّه يشكل على هذا قولهم: نَيَّفَ على الخمسين؛ إذ لو كان واويّاً لكان ينبغي أن يقال: نَوَّف، فردّ عليه منتصراً للفيروزآباديّ؛ فقال: "لا إشكال؛ لمَِلا يجوز قلب الواو ياء على جهة التّخفيف على حدّ قولهم: صوَّان وصيّان، وطُوَال وطِيَال" ٢. وثَمَّةَ مواضع نقديّة لم يحالفه الصّواب فيها؛ كانتقاده الفيروزآباديّ لتوهيمه الجوهريّ في أصل (الدَّيدَبُون) وأنّه (د د ب) ٣ فنقل داود زاده أنّ أصل هذه الكلمة (د ب ن) عند ابن برّي ٤ وأنّ وزنها (فَعْلَلُول) عند أبي عليّ الفارسيّ٥. فإن صحّ ما ذهب إليه أبو علي فإنّها رباعيّة وأصلها (د د ب ن) والحقّ أنّ الكلمة تحتمل ثلاثة أصول؛ كما تقدَّم٦ وأنّ ما ذكره الفيروزآباديّ هو الأقرب إلى أصل هذه الكلمة، فهي مثل (القَيْقَبَان) ٧ من (ق ق ب) .

стр. 886

ومن ذلك خطؤه في تقدير موضع الاعتراض عند الفيروزآباديّ حين يأتي بما ليس له علاقة بنقده، كقوله في مادة (ث ي ب) : (ثيبان ككَيْزَان اسم كُورة) ١ فهذه الجملة لا تدخل في اعتراض الفيروزآباديّ؛ لأنّ نقده موجّه لما جاء بعدها؛ وهو (الثّيّب) وما تلاه٢.

стр. 887

المبحث السّادس: التَّادِلِيُّ في (الوِشَاحِ) كتاب (الوِشاح وتثقيف الرّماح في ردّ توهيم المجد الصِّحاح) ١ من أواخر الكتب القديمة؛ الَّتي ألفت في النّقد المعجمي؛ وموضوعه: ردّ ما أخذه الفيروزآباديّ على الجوهريّ، والانتصار له. وتدلّ ردود مؤلفه على المجد، وعرضه المسائل والآراء ومناقشتها – على حذقه وبراعته في اللّغة، وقدرته على الخوض في المسائل الصّرفية الدقيقة المتداخلة، والكتاب من أهمّ ما ألّف في هذا الفنّ. وعلى الرّغمِ من ذلك فقد ضنّت علينا المصادر بترجمة مصنّفه؛ فلا نكاد نعرف عنه إلاّ اليسير، وممّا نعرفه عنه اسمه؛ وهو: أبو زيد عبد الرحمن بن عبد العزيز التَّادِلي المغربي ثمّ المدني، ويبدو أنّه نشأ بالمغرب، ورحل عنه إلى المشرق؛ فنزل المدينة المنوّرة، ومكّة المكرّمة، ودرّس بهما، ثمّ استقرّ به المقام في مصر، وبها توفّي في حدود سنة ١٢٠٠هـ ٢. ويحدّثنا التّادلي عن دواعي تأليفه هذا الكتاب؛ فيقول - بعد ثنائه

стр. 888

على الصِّحاح: "غير أنّ مجد الدّين صاحب القاموس أكثر من الانتقاد عليه؛ كما فعل الدّارقطني مع البخاري ومسلم، قيل: انتقد عليهما عشرة ومائتي حديث؛ والذي انتقده المجد على الجوهريّ نحو ثلاثمائة مسألة، والجواب عنها يحاكي جواب الصّحيحين؛ من كون الجوهريّ أنحى اللّغوييّن، وأعلم بعلم الصّرف الَّذي هو ميزان العلوم، وكونه مقدّماً على المجد في علم اللّغة، وشافه بها العرب العاربة، ومن صحاحه تخرّج المجد وعرف الصّناعة. وهذا؛ وإنّي استخرت الله تعالى في ردّ ما أورده المجد عليه من الإيهام والتّخطئة؛ من غير ادّعاء منّي ولا عصبيّة...إذ الرّجوع إلى الحقّ فريضة...والإنصاف من أخلاق المؤمنين"١. تحليل النّقد المعجمي في (الوشاح) : تنوّع النّقد المعجمي في كتاب التّادلي كتنوّعه في مصدره الأصلي (القاموس) ففيه نقد تداخل الأصول، إلى جانب التّنبيه على التّصحيف والتّحريف، وعلى الخطأ في الضّبط، ونقد الأسلوب، والتّفسير اللّغويّ الخاطئ، وغيره. ويمكن الكلام على نقدات التّادلي في التَّداخل من خلال ما يلي: أ- التّوزيع الإحصائي للنّقدات: بلغت المواضع النّقديّة بعامَّة في (الوشاح) نحو سبعين ومائتي موضع، وكان نصيب التَّداخل منها ثلاثة وثمانين موضعاً ٢. وهذا يعني

стр. 889

أنّ التّادلي أغفل نحو ثلاثيّن موضعاً في (القاموس) ١. وقد بلغ ما في (الوشاح) من نقدٍ للتّداخل في البناء الواحد خمسين موضعاً؛ سبعة وأربعون موضعاً منها للتّداخل بين الثّلاثيّ والثّلاثيّ، وثلاثة

стр. 890

للتّداخل بين الرُّباعيّ والرّباعي. وبلغ التّداخل بين بناءين مختلفين ثلاثة وثلاثين موضعاً؛ اثنان وثلاثون منها للتّداخل بين الثّلاثيّ والرّباعي، وواحد للتّداخل بين الثّلاثيّ والخماسي. ولم يرد تداخل بين الخماسيّ والخماسي. وفيما يلي نِسَبُ هذه الأنواع: التّداخل بين الثّلاثيّ والثّلاثيّ: ٥٦.٦٢% ... ٦٠.٢٤ % التَّداخل بين الرُّباعيّ والرّباعي: ٣.٦٢% التَّداخل بين الثّلاثيّ والرّباعي: ٣٨.٥٥% ... ٣٩.٧٦ % التَّداخل بين الثّلاثيّ والخماسي: ١.٢١% تظهر هذه الإحصائيّة غلبة التداخل في البناء الواحد؛ ولا سيّما في الثّلاثيّ، وعلى الرّغمِ من أنّ صاحب (الوشاح) أهمل ثلاثين موضعاً في القاموس فإنّ النِّسَب بين الكتابين متقاربة إلى حدٍّ كبير، وهذا يعني أنّ المهمل موزَّعٌ بنِسَبٍ متساوية. تقريباً - على الأنواع الأربعة. ب- منهج التَّادلي في النّقد المعجميّ: سار التّادليّ في التّرتيب العام لكتابه على نهج مدرسة القافية، وقد وفّق في اختياره هذا النظام؛ لأنّ فيه تسهيلاً على القارئ؛ إن أراد متابعة ما ذكره، والعودة به إلى أصوله في (الصِّحاح) و (القاموس) ، أمّا طريقته في العرض؛ داخل كلّ مادّة فإنّها لا تكاد تخرج عن أحد أسلوبين: الأوّل: أن يذكر انتقاد المجدِ الصِّحاحَ بنصّه، ثم يتبعه بنصّ ما قاله

стр. 891

الجوهريّ في ذلك الموضع المنتقد فيه، ويتلوه بالنّقول عن بعض العلماء؛ ذاكراً رأيه في أثناء ذلك، أو في نهايته١. الثّاني: أن يذكر انتقاد المجد بنصّه، ثمّ يعلّق عليه بما يراه في المسألة؛ مستدلاًّ ببعض النّقول من المظان، ومستأنساً بآراء العلماء قبله مصدّراً ذلك بقوله: قلتُ٢. وكان التّادلي يعتمد - في طريقته في الاستدلال - على مقاييس العربيّة في الأصول؛ ومن أبرزها خصائص بعض الحروف في الزّيادة، وكثيراً ما كان يشير إلى أنّ الزّائد هو الَّذي يضيف معنًى جديداً للكلمة٣. ومنها الاستعانة بالمعنى؛ الَّذي يدلّ عليه الأصل. وكان ينتصر للجوهريّ كثيراً بحمل ما يراه الفيروزآباديّ على المجانسة؛ كحديثه في (اذْلَعَبَّ) و (تَنُوخ) و (الَّذي) ٤. ولم يكن التّادلي يعتدّ كثيراً في تمييز الأصول بعدم النّظير، وكان يقول: "إنّ الجزئيّة النّادرة لا تقدح في اطّراد الكليّة، وذلك كورود الحِبُكِ في إهمال: فِعُل...والدُّئِل في قلّة: فُعِل"٥.

стр. 892

ومن أهمّ مصادره الَّتي أكثر من الأخذ عنها (مختصر العين) للزُّبَيدي، و (المجمل) لابن فارس، و (التّنبيه والإيضاح) لابن برّي، و (المغرب) للمطرِّزي، و (ضياء الحلوم في مختصر شمس العلوم) لعليّ بن نشوان الحميريّ؛ ولم يكد يذكر موضعاً دون أن يرد اسم أحد هذه الكتب الأربعة، ويليها في كثرة الأخذ عنه (المجرّد) لكُراع، و (المصباح) للفيّوميّ، و (تهذيب الأسماء واللّغات) للنّووي. ويبدو أنّ التّادلي لم يطّلع على كثير من أمَّات المصادر. ومن بينها الكتب المتاخّرة؛ الَّتي عنيت بالنّقد المعجميّ في (الصِّحاح) و (القاموس) كـ (نُفوذُ السَّهم) و (الدُّرّ اللَّقيط) و (إضاءة الرّاموس) . ج- نقداته في الميزان: جمع التّادلي ما وجّهه الفيروزآباديّ من وهمٍ لصاحب الصِّحاح؛ بهدف التّصنيف في تخطئة صاحب (القاموس) والانتصار للجوهريّ، وقد ظهر ذلك جلياً في عنوان الكتاب؛ فهو (تثقيف الرماح لردّ توهيم المجد الصّحاح) ولا أثر فيه للموازنة أو المحاكمة. ثمّ إنّ المؤلّف أراد أن يهيّئ القارئ لقبول ما هدف إليه؛ فأخذ يحشد له آراء العلماء في فضل الجوهريّ وعمله، وأنّه أنحى اللّغويين، وخطيب المنبر الصّرفي، وأنّ معجمه الصّحاح أعظم معاجم اللّغة قاطبة وأشهرها، وأنّه في كتب اللّغة بمنزلة صحيح البخاري في كتب الحديث١، وأراد أن يردّ كلّ ما وجّه إليه من نقدٍ؛ فلا نعجب أن نجد التّادليّ يقول صراحةً: إنّه يقبل كلّ ما قاله وإن

стр. 893

تفرّد به١. ولسنا في حاجة إلى القول: إنّ الجوهريّ - كغيره من اللّغويّين - غير مبرّء من السّهو أو الخطأ، وإنّ في معجمه غير قليل من الخطأ؛ ممَّا نصّ عليه القدامى وأبانوه، ولكنّنا نقول: إنّ هذا المنهج اضطرّ التَّادليَّ إلى أن يهمل بعض الانتقادات؛ ممَّا لم يجد له ردّاً على الفيروزآباديّ. لقد اتّهم المؤلّف صاحب (القاموس) بالتّجنّي والهوى وسوء الفهم، ووصفَ النّسخة الَّتي عثر عليها من الصِّحاح، واعتمدها في ردّه بأنّها كانت مصحّفة محرّفةً من نسخ العجمِ، كما وصفه بسوء وضع الألفاظ؛ نتيجةً للخلط بين المهموز والمعتلّ، والواويّ واليائيّ، ونحو ذلك٢. وعلى الرّغمِ من هذا كلّه لا يخلو التَّادلي من صفة الإنصاف في نقده، فلا ينسب في كلّ ما قال إلى التّحامل، ففي كتابه جهد ظاهر في النّقد المعجميّ، وُفِّق في بعضه، وخانه التّوفيق في بعضه الآخر. وممّا كان الصّواب حليفه فيه: ردّه على صاحب (القاموس) لانتقاده الجوهريّ في (اللِّدَةِ) بمعنى التِّرب؛ إذ جعلها الجوهريّ في مادّة (ول د) ٣ ويرى المجد أنّ هذا وهمٌ، وأنّ مكانها الصحيح (ل د ي) ٤ فقال التَّادلي: (عبارة الجوهريّ في فصل الواو من باب الدّال: ولِدَة

стр. 894

الرّجلِ: تِرْبُهُ؛ والهاء عوض من الواو الذَّاهبة من أوّله؛ لأنّه من الولادة، وهما لدان، والجمع لِدَاتٌ ولِدُون. وقال ابن فارس: واللِّدة نقصانه [الواو] لأنّ أصله [ولِدَةٌ] ١. وقال الزُّبيديّ: والولَدُ: الصَّبيّ، واللِّدَة: التِّرْبُ، والوليدة الأمة. وقال صاحب (الضِّياء) ٢: "وممّا ذهبت واوه فعُوِّض هاء اللِّجَةُ بمعنى الوُلُوج، ولِدَةُ الإنسان: من يولد معه في وقتٍ واحد، والجمع لِدَاتٌ. قلتُ: لا وجه لذكر اللِّدَة مع لدى. تأمّل ذلك"٣. والحقّ أنّ التَّادلي كان مصيباً في اعتراضه على المجد، وانتصاره للجوهريّ؛ لأمور منها: الأوّل: أنّ أكثر العلماء على ما ذهب إليه الجوهريّ؛ وهو أنّ المحذوف من اللِّدَةِ الواوُ من موضع الفاء، وليس اللاّم؛ ومن هؤلاء: الخليل٤، والزّمخشريّ٥، والصَّغَانيّ٦، وابن منظور٧، والزَّبيديّ٨. الثّاني: عودة المحذوف إلى مكانه؛ وهو الفاء؛ في بعض تصانيف

стр. 895

الكلمة؛ كالتّصغير؛ فقد حكى الصَّغانِيّ في روايته عن ابن السِّكّيت أنّ "من قال في جمع لِدَةٍ: لِدَاتٌ، قال في التّصغير: وُلَيدَاتٌ؛ ردّاً إلى الأصل، ومن قال: لِدُون قال: وُلَيْدُون. ومن العرب من يقول في تصغير لِدَات: لُدَيَّاتٌ على الغلط؛ يتوهّم أنّ نقصان: لِدَةٍ، من آخرها، ومن قال هذا قال في تصغير لِدُون: لُدَيُّون"١. وكان الفيروزآباديّ ذكر (اللِّدَة) في (ول د) على الصّواب؛ خلافاً لما ذكره في (ل د ي) واستدلّ بالتّصغير٢ - أيضاً. ولو تنبّه التَّادلي إلى هذا التّعارض في القاموس لكفاه. الثّالث: أنّ سبيل العرب إذا حذفوا في أول الكلمة عوّضوا في آخرها؛ مثل: عِدَةٍ، وزِنَةٍ؛ وإذا حذفوا من آخرها عوّضوا في أوّلها؛ مثل: ابنٍ، واسمٍ٣. ولمّا كان التّعويض في كلمة (لِدَةٍ) في آخرها دلّ على أنّ المحذوف كان من أوّلها. على أنّ هذه القاعدة ليست مطّردةً؛ فثَمَّةَ كلمات عُوِّضَ في آخرها، وكان المحذوف من آخرها –أيضاً؛ مثل: العِضَةِ، والشَّفَةِ. وممّا تحامل فيه التَّادلي على صاحب (القاموس) ما في ثانيه نون ساكنة من رباعيٍّ أو خماسيٍّ؛ فقد اعتاد الجوهريّ أن يضع نحو: الخِنْصَرِ

стр. 896

والعَنْبَسِ والحِنْزَقْرِ - في أصول ثلاثيَّةٍ؛ جاعلاً النّون زائدة؛ وكان الفيروزآباديّ ينتقد الجوهريّ في تلك الأصول؛ ممَّا صحّ أنّه رباعيّ بأصالة النّون؛ ومثال ذلك ما قاله التَّادليّ في (القَنْبَر) ١ و (القِنَّسْرِ) ٢ و (الهِنبرِ) ٣ و (القُنْزَعَةِ) ٤ وغيرها؛ فإنّه لم يعدم حجّة يردّ بها على الفيروزآباديّ؛ وهي –هنا كما يقول - أنّ (قاعدة الجوهريّ في النّون السّاكنة إن صحبت أكثر من أصلين ذكرها من مادّة الأصول [هكذا] أصليّة كانت؛ كجَنْدَلٍ في (ج د ل) وجُنْدُبٍ في (ج د ب) أو زائدة؛ كحَنْظَلٍ في (ح ظ ل) ...وسَنْبَلَ الزَّرعُ في (س ب ل)) ٥. والحق أنّه لا عبرة بهذه القاعدة؛ إذ خالفت مقاييس اللّغة؛ فالعبرة بالقواعد المقرّرة عند جمهور العلماء، وقاعدتهم في النّون الثّانية السّاكنة في الرُّباعيّ أو الخماسيّ أنّها أصليّة حتّى يقوم دليل على زيادتها؛ لأنّك لا تجد أُمَّات الزّوائد في هذا الموضع - كما قال سيبويه٦. فكان يجدر بصاحب (الوشاح) إن أراد الإنصاف - أن يحكم بين الرّجلين وفق القواعد المقرّرة عند جمهور العلماء؛ لا وفق ما يراه أحدهما؛

стр. 897

على أنّ ما استنبطه التدليُّ لا يخلو من نظر؛ لأن الجوهريّ لم يخالف في هذه القاعدة، ألا ترى أنّه جعل هذه النّون أصلاً في اثنين وثلاثين جَذراً رباعيّاً١، وجعلها أصلاً في خمسة جذور خماسيّة٢؟ وهذا ينقض ما احتجّ به التَّادلي. ومن ذلك أنّ التَّادلي قد يردّ على المجد؛ منتصراً للجوهريّ في بعض الأصول الرباعيّة أو الخماسية؛ مثل: المُعَلْهَجِ؛ وهو: الأحمق اللّئيم، و (الطِّلَحْفِ) وهو: الشَّديد، و (الحُنْتَال) البُدِّ؛ فلا يخلو ردُّه من غرابة؛ وهو أنّه يرى أنّ بعض المعجميّين لا يعتدّون فيما زاد على الثّلاثيّ إلاّ بالحرف الأخير؛ فها هو يقول في ردّه على المجد في المُعَلْهَجِ: "وابن فارسٍ ذكره في باب ما زاد على ثلاثة أحرف، وذلك لا يقتضي زيادة الهاء فيه ولا أصالتها؛ لما سبق أنّهم لا يعتبرون فيما زاد على الثّلاثيّ إلاّ أصالة الحرف الأخير، ولهذا ذكروا: الهِبْلَعَ، والهِجْرَعَ في الرُّباعيّ مع الاتفاق على زيادتهما؛ لأنّهما من البَلْعِ، والجَرْعِ"٣. ولا ينفكّ يردّد هذه الفكرة؛ فقد قال في موضع آخر في ردّه على المجد في كلمة حُنْتَال: "والذي أوهم المجد كون مثل هذه الأوزان يذكرونها في باب الرُّباعيّ والخماسيّ؛ وقد تقدَّم أنّ العبرة عندهم في ذلك أصالة

стр. 898

الحرف الأخير لا غير"١. ولا بدّ في الرّد على التَّادليّ في هذه المسألة من شيء من البسط؛ فأقول: إنّ أوّل ما يلحظ في كلامه التّعميم، والجمع بين نظامين مختلفين في مدرستي التقليبات والصدور (الأبتثية) ؛ ولا بدّ - هنا - من التّفريق؛ فأمّا التّقليبات فإنّ ما ذكره لا ينطبق عليها، ويكفي - هنا - أن أقول: إنّ ما ذكره التَّادليّ من أنّهم يضعون الكلمة في باب الرُّباعيّ أو الخماسيّ؛ ناظرين إلى أصالة حرفها الأخير فحسب كلام لا يقبله نظام هذه المدرسة؛ القائم على التّقليب؛ الَّذي لا يعتدّ بحرف أوّل أو آخر؛ فالحرف يدور؛ فما كان أوّلاً يعود آخراً، وما كان آخراً يعود أوّلاً. ثمّ إنّ نظرة سريعة تلقى على ما جاء في الرُّباعيّ وحده تكفي لنفي ما ذكره التَّادليّ؛ أليس من طريقتهم أنّهم يضعون نحو: (زُرْقُمٍ) و (سُتْهُمٍ) و (شَدْقَمٍ) في باب الرُّباعيّ، مع نصِّهم على أنّ الحرف الأخير في هذه الكلمات زائد؟ أمّا المدرسة الهجائيّة العاديّة فإنّ التّادليّ أشار فيها إلى معجمين: (المجمل) لابن فارس، و (المغرِب) للمطرِّزيّ؛ ولا يستطيع أحد أن يقول: إنّ ابن فارس وضع كلماته الرباعيّة أو الخماسيّة؛ ناظراً إلى أصالة الحرف الأخير فحسب؛ بل إنّ صنيعه كان عكس ذلك تماماً؛ إذ كان يعتدّ بالحرف الأوّل فحسب، وهو حرف الباب. بقي عمل المطرِّزيّ في (المغرِب) ويظهر أنّه هو أساس هذه الفكرة؛ الَّتي اقتبسها التَّادليّ وعمّمها، وقد نصَّ التّادلي عليه صراحةً في

стр. 899

بعض المواضع؛ فقال: "وقد صرّح المطرِّزيّ بهذا الصّنيع من كونهم يعتبرون في الرُّباعيّ والخماسيّ أصالة الحرف الأخير؛ قال في خطبة المغرب ١: فقدّمتُ ما فاؤه همزةً، ثمّ ما فاؤه باءٌ حتّى أتيت على الحروف كلِّها، وراعيت بعد الفاء العين ثُمَّ اللاّم، ولم أراعِ فيما عدى الثّلاثيّ بعد الحرفين إلاّ الحرف الأخير الأصلي"٢. ولا شكّ أنّ هذا الَّذي ذهب إليه المطرِّزي يؤدّي إلى اختلال التّرتيب؛ لأنّه يهمل بعض الحروف الأصول، ولا يعتدّ بها؛ فلا سبيل محكماً فيه إلى ترتيب الكلمات الرّباعيّة والخماسيّة، الَّتي تساوت في الحرفين الأولين والحرف الأخير؛ مثل (ق س ط ل) و (ق س ط ب ل) وكذلك (خ ز ع ل) و (خ ز ع ب ل) . فمن غير المقبول - إذن - أن يردَّ التّادلي على الفيروزآباديّ، وينتصر للجوهريّ؛ مستدلاًّ بمنهجٍ غير منهجهما؛ لا يعتدّ بكلّ أصول الكلمة. وثَمَّةَ مواضع مختلفة في (الوشاح) لم يخل ردُّ مؤلّفه فيها من تحاملٍ أو تعنّتٍ؛ ولعلّ من أبرزها أنّه وجد المجد ينتقد الجوهريّ لأنّه جعل (الهَمَلَّعَ) وهو: السَّريع من الإبل - في الثّلاثيّ (هـ ل ع) ٣ ونصَّ المجد

стр. 900

على أنّه رباعيّ ١؛ فقال التَّادليّ: (بل هو خماسيٌّ؛ إذا نظرت إلى أصول البنية؛ كما تقول في زَكَّى: رباعيّ؛ وهو ثلاثيّ في الرّسم؛ والجوهريّ قال: وأظنّ اللاّم زائدة ولم يجزم) ٢ فقول التَّادليِّ: (بل هو خماسيٌّ ...) لا داعي له في نقد الأصول البتَّة، وهو من المسلّمات؛ الَّتي لا تخفى على المبتدئين في علوم اللُّغة. وقد ذهب التَّادلي إلى أبعد من ذلك؛ حين زعم أنّ الفيروزآباديّ لا يعرف مواضع الزّيادة٣. وثَمَّةَ مواضع كان ردّ التّادلي فيها مبنياً على خطأ صريح، أو كان استنتاجه فيها غير صائب؛ كردّه في أصل (الدَّيْدَبُون) ٤ وأصلِ (الشَّاصِلَّى) ٥. وعلى الرّغمِ من هذه الهفوات فإنّ التّادليّ في (الوشاح) أبان عن دراية واسعة باللُّغة، وقدرةٍ طيّبةٍ في العرضِ والرَّدِ والاستدلال؛ ممَّا بوّأه مكانة مرموقة في النّقد المعجمي. وبعد؛ فلعلّ فيما سقناه، في هذا الفصل، ما يكفي للإبانة عن أثر تداخل الأصول في النّقد المعجمي، وإسهامه في إثراء حركة التأليف

стр. 901

المعجمي؛ المتمثّلة في الرّدود والانتصارات والموازنات والتّعليقات والتّنبيهات ونحوها. وقد تأكّد - في خلال هذا الفصل - كثرة التَّداخل في البناء الواحد، ولاسيَّما الثّلاثيّ، وشيوعه بين الثّلاثيّ والرّباعي، وقلته بين الرُّباعيّ والرّباعي، وندرته بين الخماسيّ والخماسي. وبحساب متوسّط النِّسَب في الكتب السّتّة السّابقة نصل إلى النّتائج التّالية: ... ابن بري ... الصَّغانِيّ ... الصّفدي ... الفيروزآباديّ ... داود زاده ... التَّادلي ... المتوسط التَّداخل في البناء الواحد ... ٨٢.٨٥% ... ٤٧.٥% ... ٧٠.٨٥% ... ٦١.٩٤% ... ٦٨% ... ٦٠.٢٤% ... ٦٦.٨٩٦% التَّداخل في البناءين ... ١٧.١٤% ... ٥٢.٥% ... ١٩.١٤% ... ٣٨.٠٥% ... ٣٢% ... ٣٩.٧٥% ... ٣٣.٠٩٦%

стр. 902

النقد المعجمي عند المتأخرين تمهيد الفصل الثاني ... الفصل الثاني: النقد المعجمي عند المتأخرين تمهيد استمرت حَرَكة النَّقد المعجميّ نشطة قويّة في العصر الحديث؛ بل ظَهَرت دراسات عامّةٌ تبحث في خصائص المعاجم العَرَبية وفي عيوبها، أو في خصائص شيءٍ منها وما فيه من نقائض. وظهرت معاجم هَدَفَ أصحابها منها إلى سدِّ مواطِنِ النَّقصِ في المعاجم القديمة، وإضافة ما جدَّ من ألفاظٍ، وما تطوَّر من معانٍ؛ ممَّا تتطلبه مستجدَّات العصر؛ ووضْعِها في قالب معيّنٍ من الترتيب، سَهْلِ المَأخَذ، مُفْصِحٍ عن سِرِّ العربيَّة في الوَضْع؛ كما ظهر هذا الأخير جلياً عند الشِّدْياقِ في معجمه (سِرِّ اللَّيال في القلب والإبدال) . ولم يكن ما بدا جديداً في أمر الترتيب سوى استلهام لما جاء عند بعض المعجَمِيِّين القُدامى في مدرسة الصدور المدرسة العاديَّة؛ التي تراعي الحرف الأوَّل في أصل الكلمة؛ ثمَّ الذي يليه، وهكذا بقيَّة الحروف. على أنَّ المتأخرين تميَّزوا بالدقة والبراعة فيما يتصل بالترتيب الدَّاخليِّ لكل مادَّة؛ وقدموا الأفعال على الأسماء، والمجرَّد على المزيد، والمعنى الحسِّيِّ على المعنى المجازيِّ، والفعل اللاَّزم على المتعدي١ ودخلت في تضاعيف هذا التنظيم دواعي الاختصار واستخدام الرُّموز، وتوظيف الرسُّوم والصُّوَرِ في إيضاح المعنى.

стр. 903

وإنَّما ظَهَرَ التَّجديد ضمن الإطار الشَّكليِّ؛ فكان جانب المضمون أقلَّ خظًّا؛ فقلّت عنايتهم فيما ألَّفوه من معاجم بأصل المعنى؛ ولم يُراعوا التَّدَرُّج التَّاريخيَّ للدِّلالة١. وكان من أهمِّ ما أخذوه في دراساتهم النَّقديَّة المختلفة: ١- صعوبة التَّرتيب والتبويب في بعض المعاجم. ٢- الحشو والاستطراد. ٣- إهمال التَّرتيب الدَّاخليِّ للمادة الواحدة، وتكرار الصِّيغ فيها. ٤- التَّصحيف والتَّحريف. ٥- قُصور التَّعريف٢. وثمَّة مؤلفات عُني أصحابها بالاستدراك على المعاجم العربيَّة القديمة أو بتصحيحها؛ ومنها: المأنوس من لغة القاموس، للشيخ محمد رضا الشبيبي؛ واختار فيه ألفاظاً معيَّنة من القاموس، وترك غيرها؛ فهو أقرب إلى كتب الاختيار؛ والجانب النَّقديُّ فيه قليل٣.

стр. 904

٢- تصحيح أغلاط لسان العرب وتاج العروس، للأب أنستاس الكَرْمِليّ؛ وهو كتاب مفقود نُهبَ -كما قيل- من خزانة الأب في أثناء الحرب العالمية الأولى١. ٣- تصحيح القاموس المحيط، لأحمد تيمور، ونبَّه فيه على ما وقع من الأغلاط في القاموس. ٤- نقد أساس البلاغة، لحسين محفوظ. ٥- تحقيقات معجميَّة، لمَرْمَرْجِي الدُّومنكيّ؛ وهي أربع مقالات نشرها الدُّومنكيّ في مجلة المجمع العِلميِّ العربيِّ بدمشق٢. وممَّا يلفت النَّظر - ابتداءً - ضعف عناية المتأخرين بنقد تداخل الأصول وانصرافهم عنه إلى أشياء أخرى في المعاجم ليست أكثر أهمِّيَّةً منه؛ فشغلوا بها عنه، أو عَرَضَ له بعضهم فأوجَزَ غاية الإيجاز؛ كما فعلَ العطَّار٣ والدُّكتور أحمد مختار عُمر٤.

стр. 905

وقد رأيت أن أبسط الكلام عن هذا كلَّه في خلال ثلاثة مباحث تُلِمُّ بجُلِّ ما ذكرُوه، أحدُها خاصٌ بالنَّقد المُعجميِّ عند الشِّدياق في (الجاسوس) . والثاني: خاصٌ بالنقد المُعجَميِّ عند الدكتور حُسين نَصَّار في كتاب (المعجم العربيِّ) . ويعرض الثَّالث لبعض ما تفرَّق من النقد المُعجميِّ عند المتأخرين في كتبهم العامَّة، وأبحاثهم المتنوِّعة:

стр. 906

المبحث الأوَّل: الشِّدياق في (الجاسوس على القاموس) يُعدُّ أحمد فارس الشِّدياق من روّاد المعجم العربيِّ في العصر الحديث، ويُعدُّ كتابه (الجاسوس) أوسَعَ دراسة منظمة في النَّقد المعجمي قديماً وحديثاً، كان أُسُّهُ (القاموس المحيط) الذي غدا من أشهر المعاجم في العصور المتأخرة، وأكثرها تداولاً بين أبناء العربيَّة؛ فاتخذه الشِّدياق مثالاً لما في المعاجم العربيَّة من عيوب أو نقص، واتَّخذ من نقده وسيلة للإبانة عن حاجة العربية إلى معجم جديد منقَّح، سَهل التَّرتيب، مُبين عن سرِّ الوضع في اللغة. ولم يكن اهتمام الشِّدياق في كتابه مقصوراً على نقده (القاموس) بل تعدَّاه لجملة من النَّقدات المتفرقة الموجَّهة لـ (التهذيب) و (الصحاح) و (اللسان) وغيرها؛ فجاء كتابه ذخيرة غنية بالمعلومات عن (القاموس) وغيره، ومرجعاً لا غنى عنه في النقد المعجميِّ. ويُمكن تلخيص الدَّوافع التي حملت الشِّدياق على تأليف (الجاسوس) في اثنين: الأول: غَيْرَتُهُ على اللغة العربية، وحث أهلها على حُبِّها، والتمسك بها، والرَّدِّ على من يقول: إنَّ العربيَّة لم تعد قادرة على استيعاب ما استجد في هذا العصِّر١.

стр. 907

الثاني: حِرْصُهُ على إحياء النِّشاط المُعجميِّ، وتنقية المعاجم العربيِّة مما يَشُوبها١؛ فرأى أن يتَّخِذ من نقد (القاموس) مثالاً لذلك؛ لبيان ما فيه من إيجاز مُخِلٍّ، وإيهام مضلِّ، وخلل في ترتيب المشتقات، وتصحيف وتحريف، والنَّاس راضون عنه راوون منه، وأراد أن يُبيِّنَ لَهم من الأسباب ما يَحُضُّ أهلَ العَرَبيَّة في زمانه على تأليف مُعجم سَهل التَّرتيب، واضح التَّعاريف، نقيٍّ من التَّصحيف والتحريف٢. لقد استطاع الشِّدياق أن يقدِّم دراسة منظّمة في أبواب خالف فيها القُدامى الَّذين اتَّخذوا من التَّرتيب المعجميِّ للألفاظ منهجاً في العرض؛ فجاءت نقداتهم مبثوثة في ثنايا كلامهم؛ لا يحكمها نظام سوى ترتيب المادَّة؛ فجعل كتابه في أربعة وعشرين باباً، أتى فيها على جُلِّ ما يمكن أن يُوجَّه للقاموس أو غيره من نقد؛ كإبهام تعاريفه والتباسها بغيرها، وقُصور عبارته وغموضها وعجمتها وتناقضها، وما في ذلك من الإبهام في المصادر والمشتقَّات والعطف والجمع، وعدم خُضوعها لقواعد اللُّغة. كما تناول - بالنَّقد - ذُهول الفَيْروزاباديِّ عن معاني بعض الألفاظ؛ الَّتي وضعت لها في الأصل، وتعريفَهُ اللَّفظ بالمعنى المجهول؛ دون المعنى المعلوم الشَّايع، وتقييدَهُ المطلق، وتشتيته المشتقات وتكرارها، ووقوعه في الحشو والفضول، وخلطَه الفصيحَ بالضعيف، والرَّاجح بالمرجوح، وخروجه عن اللَّغة، ووقوعه في التَّصحيف والتَّحريف، وغير

стр. 908

ذلك. وقد صَدَّرَ ذلك كله بمقدمة طويلة أتى فيها على مسائل متفرِّقة، وذَيَّلَ كتابه بخاتمة خَصَّها بصيغة افْتَعَلَ بين التعدِّي واللُّزوم. وكان نصيب تداخل الأصول وافراً في (الجاسوس) إذ أفاض في الحديث عنه في بعض الأبواب؛ وهي كما يلي: النَّقد التاسع؛ وهو مخصَّص لما أهمل المجدُ الإشارة إليه، أو أخطأ موضع إيراده. النَّقد السادس عشر؛ وهو مُفرد لما لم يُخطّئ المَجْدُ به الجَوْهَرِيَّ، مع مُخالفته له، وفيما خطَّأه به، ثم تابعه عليه. النَّقد الحادي والعشرون؛ وهو مخصّص لما ذكر في موضعين غير مُنَبِّهٍ عليه. كما نثر كثيراً من مسائل التَّداخل في مقدِّمته الطَّويلة، فتفوق بذلك في نقد الأصول؛ إذ تجاوز مَن سَبَقَهُ في غَزَارة مادَّته، ويؤكد هذا تحليل ما في كتابه، وإحصاء ما جاء فيه من نقْدٍ للتَّداخل؛ حيث حوَى كتابه نحو مائتي مادَّة١ خلا ما أثاره من قضايا حول التَّداخل في مقدمته الطويلة. ونستطيع أن نُبرزَ الجانب النَّقدي للأصول، في المسائل التَّالية:

стр. 909

أ- قضايا التَّداخل في المقدمة: عَرَض الشِّدياق - في مقدمة كتابه - لبعض ما يتَّصل بالتَّداخل من قضايا؛ كخصائص بعض الحُروف في التَّداخل، والاشتقاق، والمُعرَّب، وترتيب الرُّباعي المُضاعف، والتَّرتيب المعجميِّ. فمن الحروف الَّتي قد تُؤدي إلى التَّداخل الهمزة؛ وقد أدرك الشِّدياق دورها في هذا الشأن، ونشوزها على أقلام المؤلفين؛ فذكر أن أكثر ما يَزلق فيه صُنَّاع المعاجم من حيث إيراد الألفاظ هو ما كان فيه الهمزة، ومزلقتها أن بعضهم يَعُدُّها أصلية؛ ويَعُدُّها بعضهم الآخر زائدة أو منقلبة عن حرف علَّة؛ فنشأ بينهم خلاف فيها؛ وذكر أنَّ صاحب (القاموس) أفاد من هذا الخلاف؛ فأخذ بقول بعضهم لتخطئة الجَوْهَريَّ، وأنَّه أظهر التَّعنُّت في أوَّل كتابه. وقد استَدَلَّ الشِّدياق على رأيه بعدَّة مواضع انتقد فيها المَجدُ الجَوهريَّ؛ كانتقاده إيَّاه في مادة (أب أ) إذ ذكرَ فيها الأَبَاءة؛ القَصَبَة، وقرَّرَ أنَّ هذا موضعها الصَّحيح لا المعتلّ؛ كما توهَّمَه الجَوهريُّ وغيره١؛ ونقل الشِّدياق خلافهم في أصلها بما يرجِّح مذهب الجَوهريِّ؛ مستدلاً بأقوال المُحَشِّي٢ وابن بَرِّي، ونصِّهم على أنَّ اختلاف العُلماء في أصل هذه الكلمة، وأنَّ القول بأنَّها مهموزة كان مذهب سيبويه وابن جِنِّي؛

стр. 910

حملاً على الظَّاهرحتَّى يقوم دليلٌ على الياء أو الواو، ولكنَّهما لم يذكرا ذلك على طريقة الجزْم؛ إذ في كلامهما ما يدلُّ على الاحتمال؛ وهو لا يُدفع به اتِّفاق الجُمهور على كونه معتلاً؛ وهو اختيار أكثر أئمة اللُّغة من المتقدّمين والمتأخّرين، ومنهم الخليل، والجَوهريُّ، وذكرهم إيَّاه في الباب المعتلِّ هو الراجح١. ومما استدلَّ به على مزلقة الهمزة خلافهم في همزة (القِندَأْوِ) إذ ذهب بعضهم إلى أنَّها أصليَّةٌ؛ فتكون الكلمة من (ق د أ) ووزنها (فِنْعَلْو) وذهب بعضهم إلى أنَّها زائدةٌ وأنَّ أصل الكلمة (ق ن د) فيكون وزنها (فِعْلأو) ٢. ومن تلك الحُرُوف النُّون؛ والشِّدياق يرى أن مزلَقَتها أعمُّ وأطمُّ؛ لأنَّها تلتبس في أوائل الألفاظ وأواسطها وأواخرها؛ ومثَّل للأوَّل بـ (النَّرجِس) أَشار إلى خلافهم في نُونه، ومثَّلَ للثَّاني بألفاظ منه: (الحِنزاب) وهو: الدِّيكُ، و (العُنْصُر) و (الغُرْنُوقُ) و (النَّخَارِيبُ) ولا يخفى أنَّ النُّونَ -في هذا الأخير- ليست وَسَطاً؛ وهو سَهْوٌ منه. ومَثَّلَ للثَّالث بـ (التُّرجمان) وانتقد صاحب (القاموس) لتحميره إيَّاه، مع أنَّ الجَوهريَّ ذكره، ولكن في الثُّلاثيِّ (ر ج م) ومنه: حَوْمانَةُ الدَّرَّاج، والرُّبَّان،

стр. 911

والدُّكَّان؛ والنُّون في ذلك كلِّه تحتمل أن تكون أصليَّةً، وأن تكون زائدةً١. وأراد الشِّدياق - في مقدمته- أن يُنَبِّه صُنَّاع المعاجم على مزْلَقَةِ تلك الحروف، ويَحُثَّ على التزام الحَذَرِ الشَّديد عند مُصادفتهم ما يقع فيه مثل تلك الحروف، وأن لا يَأخذوا برأيٍ فيها دُون آخر؛ ومن غير تدقيق وتمحيص، وعرْضٍ على مقاييس اللُّغة. والغريب أنَّه - مع دقّته وحرصه على الجمع والاستيعاب - لم يُنَبِّه على مَزْلَقة الميم؛ وهي كالنون في الالتباس، وأمرُها مشهورٌ؛ إذ تُشكل أوَّلاً، نحو: مكانٍ، ومدينةٍ، ومَذبحٍ، ووَسطاً نحو دُلامِصٍ، وهِرْماسٍ، وطِرِمَّاحٍ، وآخراً؛ نحو زُرْقُمٍ، وشَجْعَمٍ، وخَلْجَمٍ. ومن القضايا الَّتي عَرَضَ لها - في مقدمته - اختلافهم في الاشتقاق؛ وهو أَدْعَى لِشَحذِ الذِّهن، وإِعمال الفكرِ، وإِظهار البَرَاعة؛ ومثَّلَ له بخلافهم العَريض في أصل لَفْظ الجَلاَلة، و (القرآن) و (إلياس) ونَقَلَ عنهم قدراً صالحاً من الآراء والتَّوجيهات٢. ويَلْحَقُ بهذا اختلافهم في اشتقاق المُعَرَّب والأعجميِّ؛ فقد أشار إلى التَّداخل في بعض الكلمات المعرَّبة كـ (الإستَبرَق) و (الفَيْلسوفِ) و (الأرْجوان) .

стр. 912

وقال: "وفي الواقع فإنَّ اعتبار زيادة الحروف في الألفاظ العَجَميَّة أمرٌ غريب؛ لأنَّ شأن المزيد أن يُستغنى عنه بالأصل؛ الَّذي زيد عليه، وهُنا ليس كذلك؛ إذ لا شيءَ من الهمزة والألف والنُّون في: أرجوانٍ -زائد، ومن ثمَّ يتعيَّن إيراده في (أر ج) كما أشار إليه المُحشِّي١ حيث قال في: ما تريد: إن كانت هذه الكلمة عجميَّة؛ فالصَّوابُ أن تُعدَّ حروفها كلُّها أصولا؛ فتُذكر في فصل الميم"٢. وما ذهب إليه الشِّدياق في جعل حروف المعرَّب أو الأعجميِّ جميعها أصولاً هو القول الرَّاجح؛ كما تقم في الباب الرَّابع٣. وممَّا أثاره - في المقدمة - حديثه عن الخلاف الواقع بين المُعْجَمِييِّن في ترتيبهم الثُّلاثيِّ والرُّباعيِّ المُتَّحدين في الحروف الأوَّل والثّاني والرَّابع؛ نحو (خ ر ص) و (خ ر ب ص) و (خ ل ص) و (خ ل ب ص) و (س ر ق) و (س ر د ق) فذكر أنّ الجوهريَّ كان يُقدم الثُّلاثيَّ في ذلك كلِّه، وخالفه الفيروزاباديُّ؛ فعكس ذلك بتقديمه الرُّباعيَّ على الثُّلاثيِّ، ولم يخطِّئه. وحاول الشِّدياق أن يلتمس حُجَّة كلِّ منهما؛ فذكر أنَّ حُجَّة الجوهريِّ مَبنية على أنَّ الثلاثيَّ مقدم على الرُّباعيِّ في الطَّبعِ؛ فينبغي أن يُقدم عليه في الوضع. أمَّا المَجْدُ فكانت حُجَّته أنَّه لا يُوصل إلى الحرف الأخير إلاَّ بعد ما يتقدمه من الحروف. غير أنَّ صَنيع المجدِ في هذا كان

стр. 913

ينقصه الاطِّراد؛ إذ تابع الجوهريَّ في إيراد (ح ص م) قبل (ح ص ر م) و (خ ض م) قبل (خ ض ر م) و (س ر م) قبل (س ر ج م) فانتقده الشِّدياق فيه، وذكر أنَّ هذا دأبه؛ إذ لا يستقرُّ على طريقة واحدةٍ١. ويبدو أن الشِّدياق كان متردداً في ترجيح إحدي الطَّريقتين؛ إذ التزم الصَّمتَ في هذا الشأن. والرَّاجح تقديم الرُّباعي إن كان حرفه الثَّالث أسبق في الهجاء من الحرف الثَّالث في الثلاثيِّ، وتأخيره إن كان حرفه تالياً في الهجاء لما يُقابله في الثُّلاثيِّ؛ فمثال الأوَّل (خ ل س) و (خ ل ب س) فحقُّ الرّباعي -هنا- التَّقديم، ومثال الثَّاني (ز ح ف) و (ز ح ق ف) فحقُّ الرُّباعيِّ -هنا- أن يُؤخر عن الثُّلاثيِّ. والعِلَّةُ في هذا أنَّ المُعجم مبنيٌ على الحروف ومواضعها في التَّرتيب الهجائيِّ؛ وليس على الأبنية. وألحق الشِّدياق بذلك اختلاف المعجميِّين في موضع المضاعف، وأشار إلى الخلاف المشهور فيه بين البَصريِّين والكوُفيِّين٢؛ وانتقد الفيروزابادي فيه، ووصف طريقته بالتخليط؛ فإنَّه يُورده، تارة في الثلاثيِّ على مذهب الكُوفيِّين؛ كما في كلمة (شلشل) وتارة في الرُّباعيِّ، كما في كلمة (سلسل) مع أنَّ المسافة بينهما قريبةٌ٣. والحق أنَّ الفيروزابادي لم ينفرد بهذا التخليط، الَّذي أشار إليه الشِّدياق؛ فقد اشتركت فيه أكثر معاجم القافية؛ كما تقدَّم٤.

стр. 914

ومن القضايا المهمّة الَّتي عرض لها الشّدياق في مقدمته - ممَّا له صلة بتداخل الأصول حديثه عن الترتيب المعجمي، وانتقاده بعض المدارس، وقد بدأ حديثه بالكلام عن مدرسة التقليبات، وأشار إلى أهم المعاجم الَّتي اتبعتها، وانتهى إلى أنّ هذه المعاجم اتبعت نظاماً عسيراً زاده صعوبة التزامها الترتيب الصّوتي غير المشهور. غير أنّه أوهم مرتاد هذا النوع من المعاجم؛ حين قال: إنّ البحث عن الألفاظ فيها "صعب جداً؛ لأنّك إذا أردت أن تبحث مثلاً عن لفظة: رَقَبَ، لم تدر هل هي الأصل؛ فتبحث عنها في الرّاء، أو مقلوبة عن: قَرَبَ؛ فتبحث عنها في القاف، أو عن: بَرَقَ؛ وما بين هذه الحروف مسافة بعيدة"١. وهذا القول عجيب من الشدياق ومخالف لواقع تلك المعاجم؛ فإنّ القارئ لا يحتاج إلى هذه الاحتمالات الَّتي ذكرها؛ فحسبه - في هذه المعاجم - أن يعرف أسبق حروف الكلمة في الترتيب الصّوتي؛ بغضّ النّظر عن كونه فاء الكلمة أو عينها أو لامها؛ فـ (رَقَبَ) مثلاً تعود إلى كتاب القاف؛ لأنّه أسبق الحروف الثلاثة، ولمّا كانت الرّاء أسبق من الباء فالكلمة بجميع تقليباتها في باب القاف والرّاء والباء؛ أي في (ق ر ب) . وتحدّث الشِّدياق عن ترتيب الجوهريّ ومن تابعه؛ وهو ما يعرف بمدرسة القافية؛ فشرح طريقتها، وفضّلها على نظام التقليبات، ثمّ شرع في

стр. 915

الكلام عن النّظام الثالث؛ وهو الَّذي اشتهر على يد الزمخشري في (الأساس) الَّذي يتخذ من الحرف الأوّل؛ والذي يليه إلى آخر الكلمة أساساً للتّرتيب؛ وهو ما يعرف - حديثاً - بالمدرسة الهجائيّة العاديّة وأسميه مدرسة الصدور؛ وقد ارتضى الشّدياق هذا المنهج، وفضّله على نظام القافية؛ لأنّ في هذا الأخير - أعني: نظام القافية - فصلاً لتناسب معاني الكلمة، ومواراةً لأسرار وضعها ومبانيها، وفيه إجحاف - كما يقول - بأحرف الكلمة؛ لأنّنا نرى أنّ كثيراً ممَّا ورد في باب الهمزة؛ وهي أول المعجم؛ يعاد في باب المعتلّ؛ وهو آخر المعجم؛ نحو: برأ الله الخلق وبراهم، وحضأ النّار وحضَاهَا؛ أي: أوقدها، بينما تقترب المسافة بينهما في النظام الآخر؛ الَّذي اتّبعه الزّمخشري١. كما أنّ الألفاظ؛ الَّتي تأتي من الثنائي المضاعف، تعاد - أحياناً - في نحو: أَلَّ وأَلَبَ، ورّبّ ورَبَىَ، ودَحَّ ودَحَا، وذكر أنّ أمثال ذلك لا يعدّ ولا يحصى؛ بينما تكون متقاربة في النّظام الهجائي العادي؛ وبهذا يفضل هذا النّظام على ما سواه؛ لأنّ فيه تظهر حكمة وضع اللّغة٢ ولعلّ هذا ما دفع الشِّدياق إلى بناء معجمه (سرّ اللّيال) على هذا النّظام؛ فتكشّف له كثير من الأفكار، الَّتي نادى بها، ولا سيّما ثنائيّة اللغ ب- نقده ما جاء في غير موضعه: يؤدي تداخل الأصول إلى وضع الكلمة في غير موضعها الصحيح؛
следующие страницы →