والدُّكَّان؛ والنُّون في ذلك كلِّه تحتمل أن تكون أصليَّةً، وأن تكون زائدةً١.
وأراد الشِّدياق - في مقدمته- أن يُنَبِّه صُنَّاع المعاجم على مزْلَقَةِ تلك الحروف، ويَحُثَّ على التزام الحَذَرِ الشَّديد عند مُصادفتهم ما يقع فيه مثل تلك الحروف، وأن لا يَأخذوا برأيٍ فيها دُون آخر؛ ومن غير تدقيق وتمحيص، وعرْضٍ على مقاييس اللُّغة.
والغريب أنَّه - مع دقّته وحرصه على الجمع والاستيعاب - لم يُنَبِّه على مَزْلَقة الميم؛ وهي كالنون في الالتباس، وأمرُها مشهورٌ؛ إذ تُشكل أوَّلاً، نحو: مكانٍ، ومدينةٍ، ومَذبحٍ، ووَسطاً نحو دُلامِصٍ، وهِرْماسٍ، وطِرِمَّاحٍ، وآخراً؛ نحو زُرْقُمٍ، وشَجْعَمٍ، وخَلْجَمٍ.
ومن القضايا الَّتي عَرَضَ لها - في مقدمته - اختلافهم في الاشتقاق؛ وهو أَدْعَى لِشَحذِ الذِّهن، وإِعمال الفكرِ، وإِظهار البَرَاعة؛ ومثَّلَ له بخلافهم العَريض في أصل لَفْظ الجَلاَلة، و (القرآن) و (إلياس) ونَقَلَ عنهم قدراً صالحاً من الآراء والتَّوجيهات٢.
ويَلْحَقُ بهذا اختلافهم في اشتقاق المُعَرَّب والأعجميِّ؛ فقد أشار إلى التَّداخل في بعض الكلمات المعرَّبة كـ (الإستَبرَق) و (الفَيْلسوفِ) و (الأرْجوان) .
стр. 912
وقال: "وفي الواقع فإنَّ اعتبار زيادة الحروف في الألفاظ العَجَميَّة أمرٌ غريب؛ لأنَّ شأن المزيد أن يُستغنى عنه بالأصل؛ الَّذي زيد عليه، وهُنا ليس كذلك؛ إذ لا شيءَ من الهمزة والألف والنُّون في: أرجوانٍ -زائد، ومن ثمَّ يتعيَّن إيراده في (أر ج) كما أشار إليه المُحشِّي١ حيث قال في: ما تريد: إن كانت هذه الكلمة عجميَّة؛ فالصَّوابُ أن تُعدَّ حروفها كلُّها أصولا؛ فتُذكر في فصل الميم"٢.
وما ذهب إليه الشِّدياق في جعل حروف المعرَّب أو الأعجميِّ جميعها أصولاً هو القول الرَّاجح؛ كما تقم في الباب الرَّابع٣.
وممَّا أثاره - في المقدمة - حديثه عن الخلاف الواقع بين المُعْجَمِييِّن في ترتيبهم الثُّلاثيِّ والرُّباعيِّ المُتَّحدين في الحروف الأوَّل والثّاني والرَّابع؛ نحو (خ ر ص) و (خ ر ب ص) و (خ ل ص) و (خ ل ب ص) و (س ر ق) و (س ر د ق) فذكر أنّ الجوهريَّ كان يُقدم الثُّلاثيَّ في ذلك كلِّه، وخالفه الفيروزاباديُّ؛ فعكس ذلك بتقديمه الرُّباعيَّ على الثُّلاثيِّ، ولم يخطِّئه.
وحاول الشِّدياق أن يلتمس حُجَّة كلِّ منهما؛ فذكر أنَّ حُجَّة الجوهريِّ مَبنية على أنَّ الثلاثيَّ مقدم على الرُّباعيِّ في الطَّبعِ؛ فينبغي أن يُقدم عليه في الوضع. أمَّا المَجْدُ فكانت حُجَّته أنَّه لا يُوصل إلى الحرف الأخير إلاَّ بعد ما يتقدمه من الحروف. غير أنَّ صَنيع المجدِ في هذا كان
стр. 913
ينقصه الاطِّراد؛ إذ تابع الجوهريَّ في إيراد (ح ص م) قبل (ح ص ر م) و (خ ض م) قبل (خ ض ر م) و (س ر م) قبل (س ر ج م) فانتقده الشِّدياق فيه، وذكر أنَّ هذا دأبه؛ إذ لا يستقرُّ على طريقة واحدةٍ١.
ويبدو أن الشِّدياق كان متردداً في ترجيح إحدي الطَّريقتين؛ إذ التزم الصَّمتَ في هذا الشأن. والرَّاجح تقديم الرُّباعي إن كان حرفه الثَّالث أسبق في الهجاء من الحرف الثَّالث في الثلاثيِّ، وتأخيره إن كان حرفه تالياً في الهجاء لما يُقابله في الثُّلاثيِّ؛ فمثال الأوَّل (خ ل س) و (خ ل ب س) فحقُّ الرّباعي -هنا- التَّقديم، ومثال الثَّاني (ز ح ف) و (ز ح ق ف) فحقُّ الرُّباعيِّ -هنا- أن يُؤخر عن الثُّلاثيِّ. والعِلَّةُ في هذا أنَّ المُعجم مبنيٌ على الحروف ومواضعها في التَّرتيب الهجائيِّ؛ وليس على الأبنية.
وألحق الشِّدياق بذلك اختلاف المعجميِّين في موضع المضاعف، وأشار إلى الخلاف المشهور فيه بين البَصريِّين والكوُفيِّين٢؛ وانتقد الفيروزابادي فيه، ووصف طريقته بالتخليط؛ فإنَّه يُورده، تارة في الثلاثيِّ على مذهب الكُوفيِّين؛ كما في كلمة (شلشل) وتارة في الرُّباعيِّ، كما في كلمة (سلسل) مع أنَّ المسافة بينهما قريبةٌ٣.
والحق أنَّ الفيروزابادي لم ينفرد بهذا التخليط، الَّذي أشار إليه الشِّدياق؛ فقد اشتركت فيه أكثر معاجم القافية؛ كما تقدَّم٤.
стр. 914
ومن القضايا المهمّة الَّتي عرض لها الشّدياق في مقدمته - ممَّا له صلة بتداخل الأصول حديثه عن الترتيب المعجمي، وانتقاده بعض المدارس، وقد بدأ حديثه بالكلام عن مدرسة التقليبات، وأشار إلى أهم المعاجم الَّتي اتبعتها، وانتهى إلى أنّ هذه المعاجم اتبعت نظاماً عسيراً زاده صعوبة التزامها الترتيب الصّوتي غير المشهور.
غير أنّه أوهم مرتاد هذا النوع من المعاجم؛ حين قال: إنّ البحث عن الألفاظ فيها "صعب جداً؛ لأنّك إذا أردت أن تبحث مثلاً عن لفظة: رَقَبَ، لم تدر هل هي الأصل؛ فتبحث عنها في الرّاء، أو مقلوبة عن: قَرَبَ؛ فتبحث عنها في القاف، أو عن: بَرَقَ؛ وما بين هذه الحروف مسافة بعيدة"١.
وهذا القول عجيب من الشدياق ومخالف لواقع تلك المعاجم؛ فإنّ القارئ لا يحتاج إلى هذه الاحتمالات الَّتي ذكرها؛ فحسبه - في هذه المعاجم - أن يعرف أسبق حروف الكلمة في الترتيب الصّوتي؛ بغضّ النّظر عن كونه فاء الكلمة أو عينها أو لامها؛ فـ (رَقَبَ) مثلاً تعود إلى كتاب القاف؛ لأنّه أسبق الحروف الثلاثة، ولمّا كانت الرّاء أسبق من الباء فالكلمة بجميع تقليباتها في باب القاف والرّاء والباء؛ أي في (ق ر ب) .
وتحدّث الشِّدياق عن ترتيب الجوهريّ ومن تابعه؛ وهو ما يعرف بمدرسة القافية؛ فشرح طريقتها، وفضّلها على نظام التقليبات، ثمّ شرع في
стр. 915
الكلام عن النّظام الثالث؛ وهو الَّذي اشتهر على يد الزمخشري في (الأساس) الَّذي يتخذ من الحرف الأوّل؛ والذي يليه إلى آخر الكلمة أساساً للتّرتيب؛ وهو ما يعرف - حديثاً - بالمدرسة الهجائيّة العاديّة وأسميه مدرسة الصدور؛ وقد ارتضى الشّدياق هذا المنهج، وفضّله على نظام القافية؛ لأنّ في هذا الأخير - أعني: نظام القافية - فصلاً لتناسب معاني الكلمة، ومواراةً لأسرار وضعها ومبانيها، وفيه إجحاف - كما يقول - بأحرف الكلمة؛ لأنّنا نرى أنّ كثيراً ممَّا ورد في باب الهمزة؛ وهي أول المعجم؛ يعاد في باب المعتلّ؛ وهو آخر المعجم؛ نحو: برأ الله الخلق وبراهم، وحضأ النّار وحضَاهَا؛ أي: أوقدها، بينما تقترب المسافة بينهما في النظام الآخر؛ الَّذي اتّبعه الزّمخشري١.
كما أنّ الألفاظ؛ الَّتي تأتي من الثنائي المضاعف، تعاد - أحياناً - في نحو: أَلَّ وأَلَبَ، ورّبّ ورَبَىَ، ودَحَّ ودَحَا، وذكر أنّ أمثال ذلك لا يعدّ ولا يحصى؛ بينما تكون متقاربة في النّظام الهجائي العادي؛ وبهذا يفضل هذا النّظام على ما سواه؛ لأنّ فيه تظهر حكمة وضع اللّغة٢ ولعلّ هذا ما دفع الشِّدياق إلى بناء معجمه (سرّ اللّيال) على هذا النّظام؛ فتكشّف له كثير من الأفكار، الَّتي نادى بها، ولا سيّما ثنائيّة اللغ
ب- نقده ما جاء في غير موضعه:
يؤدي تداخل الأصول إلى وضع الكلمة في غير موضعها الصحيح؛
стр. 916
لأنّ تغيير حرف واحد في الكلمة يعني تغييراً لموقعها في المعجم؛ وقد أدرك الشّدياق أهمية ذلك، وكان يعدّه خللاً بيّناً في التّرتيب ١ فعقد له باباً خاصاً؛ وهو النّقد التّاسع، خلا ما ذكره مفرّقاً في مقدّمته؛ وهو كثير.
فمنه انتقاده المجد في (ع ل ل) ٢ لأنّه أورد فيه قولهم: هو من عِلِّيَّةِ قومه، وعُلِّيَّتهم، وعِلْيَتِهم، وعِلِّيِّهم، وعُلِّيِّهم؛ وهو وصف له بالعلوّ والرِّفعة؛ فلا يخفى أنّ مكانه –على هذا المعنى - المعتلّ ٣ كما فعل الجوهريّ٤.
ومن ذلك أنّه أخذ عليه ذكره (الأليّ) وهو الكثير الأيمان - في (أل ي) وحقّه أن يذكر في (أل و) فإنّه ذكر فيه آلى بمعنى: أقسم، وليس في اليائي ما يناسب هذا المعنى٥.
وأخذ الشِّدياق على المجد الاضطراب فيما ثماثل فاؤه وعينه؛ نحو: كَوْكَبٍ، وشَوْشَبٍ، قال: (ويلحق بذلك تخليطه فيما جاء على وزن (فَوْفَل) [هكذا] فإنّه أورد اللَّوْلَبَ في آخر مادّة (ل ب ب) ثمّ أورد المُلَوْلَب - بفتح لاميه للمرود - بعد مادة (ل وب) وأورد الكَوْكَبَ في مادّة على حدتها قبل (ك ل ب) وكان قياسه أن يوردها في آخر مادة (ك
стр. 917
ب ب) كما أورد اللَّوْلَبَ في آخر مادّة (ل ب ب) وأورد الشَّوْشَبَ - للعقرب - في (ش ب ب) ... وأورد السَّاسَمَ - للأبنوس أو لشجر يشبهه - في مادّة على حدتها قبل (س ر ط م) فلم يعتبر أنّ أصلها (س س م) إذ لو اعتبر ذلك لأخّرها عنها؛ لأنّ السّين بعد الرّاء١.
والحقّ أنّ ما ذكره الشِّدياق - هنا - موضع اضطربت فيه أكثر المعاجم، وموضع هذا النّوع الجذر الثّلاثيّ؛ فيكون الحرف الثاني المعتلّ زائداً؛ على أنّ جعل الشّدياق الكَوْكَبَ ونحوه على وزن (فَوْفَل) غير مستقيم؛ لأنّ فيه إهمال العين؛ فتكون الكلمة ثنائيّة، أو ثلاثية محذوفة العين؛ ولا دليل على ذلك، والرّاجح أنّ وزنها (فَوْعل) وهو ما يقتضيه سياق نقده؛ وهو ما عليه علماء العربيّة - أيضاً - على أنّه يمكن حمل كلام الشِّدياق على أنّه أراد ب - (فَوْفَل) الكلمة؛ وهي ثمر لنوع من النّخيل؛ وليس المراد الوزن؛ كقولنا: شَوْشَبٌ على وزن كَوْكَبٍ أي: نظيرها.
وكان الشِّدياق يستعين كثيراً بالنّظائر في نقده صاحبَ (القاموس) أي: أنّه إذا وجده يضع الكلمة في أصل، وضع هو نظيرتها في أصل مغاير، فمن هذا قوله: (ذَكَرَ: قُوْسْ قُوْسْ في (ق س س) وحقّه أن يذكره في (ق وس) كما ذكر: أَوْسْ أَوْسْ في (أوس) ٢.
وقوله: "ذكر سَمَجُون - مُحرّكة - وسَمْجُون: من علماء الأندلس؛ في باب النُّون، وحقّه أن [يذكرهما] في الجيم والحاء، كما ذكر
стр. 918
سَيحُون في الحاء، وابنَ سبعونَ في العين"١.
وهكذا يستمرّ الشدياق في نقده الفيروزآباديّ فيما أورده في غير موضعه؛ غير أنّه لم يبيّن لنا الضَّرر المترتب على ذلك، أو ينبّه عليه.
ج- نقده ما جاء في موضعين:
تقدَّم أنّ من أهمّ نتائج التَّداخل أن توضع الكلمة الواحدة في موضعين أو أكثر. وفي (القاموس) شيء غير قليل منه، وقد تنبّه له الشِّدياق؛ فعقد له باباً؛ وهو النّقد الحادي والعشرون، وجمع فيه قدراً صالحاً من الشّواهد؛ وأكثرها ممَّا جاء في موضعين، وقليل منها ما جاء في أكثر من موضعين. وله في ذلك كله ثلاث طرق:
إحداهنّ: أن يكتفي بالتّنبيه على التَّداخل بدون مناقشة أو تفصيل، كقوله: "ذكر الإرث في مادّته ٢ وفي (ور ث) والإرَة للنّار في (وأ ر) و (أر ى) "٣.
وقوله: "ذَكَرَ السّيفنة في (س ي ف) و (س ف ن) وفِرْزَان الشَّطرنج في (ف ر ز) و (ف ر ز ن) " ٤.
وثانيتهنّ: أن لا يكتفي بالتّنبيه على التَّداخل؛ بل يتعدّاه إلى التّفصيل والمناقشة؛ مستأنساً في ذلك بآراء بعض العلماء - فتجيء نقداته بذلك
стр. 919
أكثر فائدةً؛ كنقده الفيروزآباديّ في تداخل كلمة الأوّل: ضدّ الآخر؛ فإنّه أوردها في موضعين: (وأ ل) و (وو ل) ١ ففصّل الشّدياق ما فيها من تداخل، وذكر أقوال النحاة، واختلافهم فيها، واستأنس بنصوص من (الصحاح) و (التكملة) و (سفر السعادة) و (المصباح) و (الكلّيات) وغيرها٢.
وقريب من هذا ما أورده في كلامه عن التَّداخل في كلمة (اسْتِ الدَّهرِ) ٣ و (الدُّكّان) ٤ و (اللِّدَة) ٥.
وثالثتهنّ: أن يورد التَّداخل، وينبّه على اختلاف الرواية في الموضعين، وقد تقدَّم - في الباب الرّابع - أن اختلاف الشّرح في الموضعين يعدّ من أعظم النتائج، وأشدّها ضرراً على القارئ؛ وقد فطن الشِّدياق لذلك؛ فألمح إليه حيناً، وصرّح به حيناً آخر؛ كقوله - بعد أن ذكر أنّ المجد أورد (الشَّنفَرَى) في موضعين: (ش ف ر) و (ش ن ف ر) : (وقال في الأوّل: إنّه: فَنعَلَى) ٦ فهذا تلميح باختلاف الشّرح.
ومن تصريحه به قوله: "ذَكَرَ الخِبَاءَ في المهموز والمعتلّ، وخالف في
стр. 920
التّعريف؛ فإنّه قال في الأوّل: الخِبَاءُ من الأبنية معروف، أو هي يائيّة، ثمّ قال في الثّاني: الخِبَاء من الأبنية يكون من وبر أو صوف؛ ولا يكون من شعر"١.
ولم يقتصر نقد الشِّدياق في هذا الباب على ما جاء في موضعين؛ بل تعدّاه إلى ما جاء في ثلاثة مواضع فذكر منها بضع كلمات منها (الألوكَةُ) وهي الرسالة؛ فقد أوردها صاحب القاموس في ثلاثة مواضع؛ وهي: (أل ك) و (ل أك) و (م ل ك) ٢.
ومنها (اللاّت) اسم صنم، وأخذ عليه الشِّدياق فيها ذكره إيّاها في ثلاثة مواضع؛ وهي: (ل ت ت) و (ل وهـ -) و (ل وي) ٣.
والحقّ أنّ الشِّدياق كان دقيقاً في أكثر نقداته؛ وكان همّه البحث عن الصّواب؛ وهو يكون تارةً إلى جانب الجوهريّ، وتارة إلى جانب الفيروزآباديّ؛ وقد خالفهما إذا ثبت له بُعدهما عن الصّواب؛ فقد كان بعيداً عن الهوى، قريباً من الإنصاف. ولسنا في حاجة إلى إيراد أمثلة على ذلك؛ فالكتاب مليء به.
بيد أنّه يؤخذ على الشِّدياق بعض أمور؛ منها: أنه قد ينتقد صاحب (القاموس) على شيء ثم يعود فينتقده على نقيضه؛ كاعتراضه عليه لإيراده الكلمة في الموضعين؛ وهو اعتراض في محله؛ يقتضيه النهج المعجمي
стр. 921
في الترتيب، ولكنّه يأتي –بعد ذلك - بعكسه؛ فينصّ على أنّه كان عليه أن يورد الكلمة في موضعين، كما فعل حين انتقده في كلمة (العِفْرِيت) الَّتي ذكرها في (ع ف ر) بأنّ عليه أن يذكرها في (ع ف ر ت) أيضاً؛ لقولهم: تَعَفْرَتَ؛ وإلاّ فيكون في الكلام (تَفَعْلَتَ) ١.
وهذا الَّذي ارتآه الشِّدياق غير سديد من وجهين:
الأوّل: أن في مطالبته بإعادة الكلمة في التّاء مخالفةً للمنهج المعجمي الصحيح؛ الَّذي سار عليه هو، وانتقد المجد على وفقه، وعقد له باباً.
الثاني: أنه ليس في قولهم: (تَعَفْرَتَ) دلالة قاطعة على أصالة التاء؛ لأنّ هذا محمول على توهّم أصالة الحرف الزّائد؛ وهو التّاء؛ على حدِّ قولهم: تَمَسْكَنَ وتَمَدْرَعَ؛ وليس في الكلام (تَمَفْعَل) .
وممّا يؤخذ على الشِّدياق أنّه قد يختار أصلاً مرجوحاً يفتقد الدليل، ويترك أصلاً راجحاً؛ كانتقاده المجد لوضعه كلمة (اتْمَأَلَّ) بمعنى: طال واشتدّ - بين مادّتي (ت ل ل) و (ت م ل) أي في مادّة (ت م أل) ٢ فقرّر الشِّدياق أنّ الصّواب أن تذكر هذه الكلمة في (م أل) كما ذكرت (اتْمَهَلَّ) في (م ? - ل) ٣. والصّواب خلاف هذا لأمرين:
الأوّل: أنّ (اتْمَأَلَّ) على وزن (افْعَأَلَّ) والهمزة فيه زائدة؛ وهو في الأصل؛ اتْمَالَّ؛ مثل: احْمَارَّ واصْفَارَّ، وله نظائر كثيرة لا تكاد تحصى؛
стр. 922
وقد تقدَّم بيان التَّداخل في هذا البناء، وأنّ الهمزة فيه جاءت فراراً من التقاء الساكنين، ولا سيّما في الشعر١؛ فيكون الأصل (ت م ل) ويليه في الاحتمال الأصل الرُّباعيّ (ت م أل) كما فعل صاحب القاموس؛ وهو موافق لرأي بعض العلماء في قولهم بأصالة الهمزة في هذا البناء؛ فيكون الوزن (افْعَلَلَّ) .
الثّاني: أنّ جعله (اتْمَألَّ) من (م أل) يقتضي أن يكون وزنه (اتْفَعَلّ) وليس له نظير في أبنية العربية. والغريب أنّ الشِّدياق استدلّ على تخطئة الصّواب بالخطأ؛ وهو ذكر المجد (اتْمَهَلّ) في (م ? - ل) والصّواب أن يعكس ذلك؛ فيستدل على موضع (اتْمَهَلّ) ب - (اتْمَأَلَّ) لأنّه أقوى منه؛ وليس فيه ما يعارض أبنية العرب.
وممّا يؤخذ على الشّدياق ما أورده - في أثناء حديثه عن التَّداخل في كلمة (الأُثْفِيَّة) في قوله: غير أنّ وزن الأُثْفِيَّة من (أث ف) : (فُعْلُولَةٌ) وجمعها على (فَعَالِيل) ومن (ث ف ي) : (أُفْعُولة) وجمعها على (أَفَاعِيل) .
قال في اللّسان٢: "رأيت حاشية بخطّ بعض الأفاضل، قال أبو القاسم الزمخشري: الأُثفِيَّة ذات وجهين: تكون: فُعْلُولة وأفْعُولة"٣.
فلا يخفى أنّ في قوله إنّ الأثفِيَّة إن أخذت من (أث ف) يكون وزنها (فُعْلُولة) - نظراً؛ وقد كرّر هذا الوزن مرّتين، وصوابه (فُعْلُوَّة) كما
стр. 923
ذكره الزمخشري في معجمه ١ على تقدير الأصل، قبل القلب؛ وهو (أُثْفُوَّة) ثمّ قلبت الواو تخفيفاً؛ وكسرت الفاء، فقالوا: (أُثْفِيَّة) أو (فُعْلِيَّة) كما في (العين) ٢ وهو وزنها بعد القلب، وفي (اللّسان) نقلاً عن بعض الأفاضل عن الزمخشري أنّ وزنها (فُعْلُوية) ولا أدري كيف يجوز هذا؟ إلاّ أن يكون القلب بدأ في الواو الأخيرة؛ فقالوا: (أُثْفُويَة) ثمّ قلبوا الواو الأولى - أيضاً - فقالوا: (أُثْفِيَّة) فيكون (فُعْلُويَة) وزن (أُثْفُويَة) وليس ببعيد أن يكون هذا الوزن محرّفاً؛ لأنه يخالف ما في الأصل المنقول عنه؛ وهو (الأساس) للزّمخشري.
أمّا قول الشِّدياق إنّه (فُعْلُولة) فلا تقبله أقيسة العربية؛ لأنّه يجعل من حرف العلّة المشدّد أصلاً؛ فتكون الكلمة رباعية من: (أث ف ي) أو (أث ف و) وهو غير مألوف؛ لأنّ الواو أو الياء لا تكونان أصلاً في بنات الأربعة، وأحسب أنه محرف من (فُعْلُوية) .
стр. 924
المبحث الثاني: حُسين نصّار في (المعجم العربي)
أخرج الدكتور حسين نصار سنة ١٣٧٦هـ - كتاباً بعنوان (المعجم العربي، نشأته وتطوّره) ١ وهو يعدّ من أوائل البحوث؛ الَّتي عنيت بتاريخ المعجم العربي، ومن أغزرها مادّة، ووصف فيه مؤلّفه أكثر المعاجم العربيّة وأتى على مناهجها، والرّوابط العامّة الَّتي تربط بينها، وصنّفها في مدارس مختلفة؛ فجاء مرجعاً لا غنى لباحث في المعجم العربي عنه.
وقد خصّص فيه فصلاً لعيوب المعاجم القديمة٢ أتى فيه على جملة منها؛ فكان خلل الترتيب من أهمّها، وعرض فيه لتداخل الأصول؛ وإن لم يسمّه باسمه، وهو يعدّه من أهمّ مواطن الشّكوى فيما يتّصل بالترتيب، ويراه وراء الاضطراب الشّديد؛ الَّذي اعترض أصحاب المعاجم في وضع كثير من المفردات ٣.
وكان يعزو ذلك إلى سبب عام؛ وهو مراعاتهم لبعض الأحكام الصّرفيّة؛ كالاشتقاق، وأصالة بعض الحروف، وزيادتها "فقد أرغمهم هذا على تكرير كثير من الألفاظ؛ الَّتي اختلف الصّرفيّون في أصلها؛ الَّذي
стр. 925
اشتقّت منه، وادّعى كلّ منهم لها أصلاً، وغلّطَ بعضهم بعضاً، و [أرغمهم] على إيراد بعض الألفاظ في مواضع لا تخطر على بال الباحث...وعلى أن يختلف موضع كثير من الألفاظ عند أحدهم عنه عند الآخر"١.
والحقّ أنّه ليس ثَمَّةَ إرغام على تكرير كثير من الألفاظ؛ لاختلاف الصّرفيّين فيها، وإنّما هو محض التزام من بعض المعجميّين، أو اختيار منهم، وهو مخالف للمنهج الصحيح في بناء المعجم، كما تقدَّم بيانه في الباب الرّابع؛ فلا يحسن بنا أن نحمّل التَّداخل فوق ما يحتمله.
وعرض الدكتور نصار - فيما أتى عليه من الأحكام الصّرفيّة - لأشياء يمكن تفصيلها على النّحو التّالي:
أ- الرُّباعيّ المضاعف؛ الَّذي عدّه الكوفيّون مشتقّاً من الثّلاثيّ، وعدّه البصريّون مادّة أصليّة، فاضطربت المعاجم بسبب اختلاف الفريقين، فمنهم من جعله في الثّلاثيّ، ومنهم من وضعه في الرُّباعيّ ٢.
ب- المهموز، وذو النُّون، والمعتلّ الواوي واليائي، فقد اختلفوا في أصالة الهمزة في كثير من الكلمات؛ كالأباءة، والأشاءَة، والحِنْطَأو، والغِرْقِئ، ففي حين يراها أصلية – يراها فريق آخر زائدة، أو منقلبة عن حرف علّة.
стр. 926
واختلفوا في النُّون؛ وهي من المزالق الصّرفيّة عند التأصيل؛ فإنّها تلتبس في أوائل الألفاظ وأواسطها وأواخرها، كما في نونات النَّرجس، والحِنْزاب، والحَوْمَانَةِ.
وكان المعتلّ من الأمور الَّتي لم يخل موقفهم منها من الحيرة؛ فتخلّص كثير منهم من مزلقتها بجمع الواوي واليائي معاً ١.
ج- المعَرَّب؛ وهو من الألفاظ؛ الَّتي وضعت بعيدة عن مواضعها، كالإستبرق في (ب ر ق) والأسْفَيْدَاج في (س ف د ج) والدكتور نصّار يوافق أكثر المعجميّين في أنّ النّظرة إلى المعرَّب بمنظار الزّائد والأصلي أمر غريب؛ لأنّ شأن المزيد أن يستغنى عنه، بالأصلي، وليس المعرّب كذلك؛ إذ لا شيء من الهمزة والألف والنّون في (أُرْجُوان) مثلاً - زائد.
وهو يدعو - في هذا إلى أن يحذو صنّاع المعاجم حذو أصحاب كتب المعرَّب حين تجنّبوا تجريد المعرّب من أيّ زائد٢.
والدكتور نصّار محقّ في أكثر ما قاله - هنا - على الرّغمِ من الاقتضاب الشّديد فيما جاء به من أفكار وذكره من أمثلة. غير أنّه من البيّن أنّ جلّ ما ذكره في التَّداخل إنّما هو تلخيص أمين لما جاء في مقدّمة (الجاسوس) للشِّدياق؛ وهو لم يخفِ عنّا ذلك؛ فقد ذكر بين يدي هذا الفصل أنّ كتاب (الجاسوس) مع مقدمة (البستان) لبُطرس البستاني هما
стр. 927
عمدته في النّقد المعجمي.
د- الاشتقاق؛ وله فيه آراء اجتهادية جريئة لعلّه لم يسبق إليها، وخرج منها بنتائج جانبه التّوفيق في بعضها. إنّ الاشتقاق معدود عند الدّكتور حسين نصّار من أهمّ المشكلات؛ الَّتي تعتري المعجم العربي فيما يتّصل بالتداخل؛ كوضعهم التُّراث في (ور ث) والتَّخمَةَ في (وخ م) والدَّوْلَجَ في (ول ج) وهو يعيب على علماء العربيّة –قديمهم ومتأخريهم - التّمسّك بأنّ العربيّة لغة اشتقاقية [!] فيلزم على ذلك وضع الألفاظ في موادّ تقوم على الحروف الأصول وحدها، واستبعاد الحروف الزّوائد؛ المحصورة في قولهم: (سألتمونيها) وهو لا يعترف بما توصّل إليه علماء العربيّة في حروف الزّيادة العشرة.
ويقول إنّ "البحث المقارن بين اللّغات السّاميّة جميعاً يهزأ من هذا الحصر، ويرى أنّ من الممكن زيادة غيرها من الحروف، وقد حدث ذلك فعلاً في العربيّة وأخواتها"١.
ثمّ يعترض على ما بناه علماء العربيّة في حروف الزّيادة؛ مستنداً إلى آراء خاصّة لبعضهم فيها؛ كابن فارس.
فيقول: "فهذا هو أحمد بن فارس من القدماء ذهب إلى أنّ الألفاظ العربيّة الرباعية والخماسيّة ألّفت بطرق ثلاث؛ النّحت، وزيادة بعض الحروف، والوضع؛ ويهمّنا الطّريق الثّاني فنحن إذا اتّبعنا دراساته تتبّعاً
стр. 928
واعياً خرجنا بأنّ الحروف التّالية كانت من حروف الزّيادة عند العرب: ب ج ح خ د ذ ر ز ش ص ط ع ف ق ك، مع غضِّ النّظر عن حروف سألتمونيها؛ الَّتي لا نزاع في زيادتها؛ فلا يتبقّى - إذن - من حروف العربية غير: ص ظ غ"١.
ويقول: "ولم ينفرد ابن فارس وحده بهذه الآراء؛ فقد وجدت جذورها عند من قبله حتّى نادى الخليل نفسه - وهو أعظم علماء النّحت واللغة العربيّة - بزيادة العين في بعض الألفاظ؛ وإذن فذلك الحصر منهار"٢.
ثمّ يحاول الدّكتور نصّار قطع الطّريق على من أراد أن يحتجّ بأنّ زيادة حروف (سألتمونيها) مطّردة، وأنّ غيرها ليس مطّرداً في الزّيادة؛ فيقول: "فإذا كان الأمر كذلك أصبحت المهمّة يسيرة فالزّيادات المطّردة يجب أن ينبّه عليها في مقدمة المعاجم؛ وخاصّة الصّغيرة والوسيطة، ولا تذكر البتة في المفردات. أماّ غيرها فيؤتى بها فيها في موضعها اللاّئق بها باعتبار جميع حروفها؛ فلا داعي لشغل فراغ كبير بأسماء الفاعلين والمفعولين والتّفضيل والمرة والمكان والزمان وما أشبهها؛ إذا اطّردت في
стр. 929
صيغتها وفي معانيها. أمّا إذا كانت شاذّة في صيغتها، أو تحمّلت في تطوّرها معنى جديداً غير الأصل في مادّتها؛ فلا بدّ من ذكرها في موضعها؛ الَّذي تؤهّله لها حروفها كلّها، وفي هذا الحالة لا يكون لوضعها مع المادّة الأصلية داعٍ؛ لأنّها شاذّة إمّا في الصّيغة وإمّا في المعنى"١.
ومفهوم الشّذوذ واسع عند الدّكتور نصّار؛ فهو لا يقتصر على الصّيغ المعروفة الخارجة عن قياسها في الإعلال مثلاً؛ كاسْتَحْوَذَ؛ فأدخل فيه أمثال: اصْطَبَرَ وازْدَجَرَ، وانتهى فيهما إلى أنّه لا داعي لجعلهما من صيغة (افْتَعَلَ) ومكانهما حيث تؤهّلهما حروفهما كلّها؛ لشذوذهما في الصّورة؛ وكذا الحال في مثيلاتهما٢. ولا شكّ في أنّ ثَمَّةَ أموراً في كلام الدّكتور نصّار في الاشتقاق لا يمكن التسليم له بها، وتقتضي مناقشته فيها، ومنها:
الأوّل: أنّ القول بأن من المشكلات المعجميّة عدّ الأقدمين العربيّة لغة اشتقاقية تحتّم وضع الألفاظ في موادّ تقوم على الحروف الأصول وحدها –قول يجافي الواقع؛ فلا أحد ينكر أنّ العربيّة لغة اشتقاقية، بل إنّ الاشتقاق من أبرز خصائصها.
ثمّ إنّ في كلامه عن هذا الأمر دعوة خفيّة لترك الأصول عند بناء المعاجم العربيّة، ووضع الكلمة في المعجم بحسب نطقها بغير تجريد من
стр. 930
الزّوائد؛ وهو ما يناسب اللّغات الإلصاقيّة؛ كالتركيّة، والمجريّة. أمّا العربيّة فإنّ في الأخذ بذلك تشتيتاً لموادّ تعود إلى أصل واحد.
الثّاني: أنّ قوله: إنّ البحث المقارن بين اللّغات السّاميّة يهزأ بحصر علماء العربيّة حروف الزّيادة، وقوله: إنّ في أقوال بعض علماء العربية ما يهدم نظريّة الحصر هذه، واستدلاله بصنيع ابن فارس في (المقاييس) إنّ ذلك كلّه لدعوى يعوزها الدّليل القاطع والحجّة القويّة؛ فأين هذا البحث المقارن بين السّاميات؛ الَّذي أبطل حصر حروف الزّيادة في العربيّة؟ فإن كان يلمح إلى مذهب أهل الثّنائيّة، واتّكائهم في بعض ما ذهبوا إليه على موازنات ساميّة فإنّه قد رَجَحَ –بعد البحث والتّقصّي فيما تقدَّم - ضعف بنيان هذه النّظريّة، وقد أبطلها كثير من المعاصرين؛ لمّا وجدوها قائمة في عمومها على الافتراض، ومائلة في تطبيقها إلى التّعسّف.
أمّا الاستدلال على بطلان حصر حروف الزّيادة بمذهب ابن فارس، فهو من باب نقض القاعدة الرّاسخة برأي فرديٍّ اجتهاديّ مخالف؛ فإنّ ما عدّه بعضهم زائداً من غير تلك الحروف العشرة، ثبتت أصالته عند جمهور اللّغويين والصّرفيّين والنّحاة المتقدّمين والمتأخرين؛ وهم السّواد الأعظم من علماء العربيّة؛ وقد استنبطوا قواعدهم من الكثير المستفيض من كلام العرب؛ الَّذي أدّاهم إلى نوط القواعد به. ولا شكّ أنّ في قبول تلك الآراء الفرديّة المخالفة فتحاً لباب واسع من أبواب تداخل الأصول من الخير أن يبقى مغلقاً.
الثّالث: أنّ في دعوة الدّكتور نصّار لذكر الصّيغ المخالفة للقياس في المواضع؛ الَّتي تؤهّلها لها حروفها كلّها؛ دون نظر لأصلي أو زائد أو مقلوب أو مبدل - خرقاً لاطّراد المنهج العامّ في بناء المعاجم، لا يحسن
стр. 931
اللجوء إليه؛ إن كان ثَمَّةَ ما يصلح الحال به، وهو العودة إلى الأصول؛ ولعلّ فيما أورده البحث في الباب الرّابع ما يغني عن إعادته هنا.
نعم، ولا ينسى الدّكتور نصّار - في ختام حديثه - أن يصف لنا ما يرى فيه العلاج النّاجح للتّداخل في المعاجم؛ وهو يكمن في استبدالهم الترتيب الهجائي العاديّ بغيره؛ لأنّ فيه الخلاص من كثير من مشكلات المعتلاّت والمهموزات، ويعين على دراستها دراسة جديدة واعية؛ تتّفق مع الرّأي الحديث؛ الَّذي يعدّ المعتلاّت والمهموزات ذات أصل واحد؛ وإنّما هي تطوّرات طارئةٌ على أصلها ١. وهذا يذكّرنا بما دعا إليه الشِّدياق من قبل؛ إذا كان يرى أنّه في هذا الترتيب تظهر حكمة وضع اللّغة ٢ ويعني بها: ثنائيّة الألفاظ.
стр. 932
المبحث الثالث: آراء نقية أخرى
...
المبحث الثّالث: آراءٌ نقديَّةٌ أخرى
تقدَّم أنّ تداخل الأصول لم يحظ عند المتأخرين في عصرنا بما يستحقّ من الاهتمام؛ فإذا استثنينا جهود الشِّدياق، وملحوظات الدّكتور نصّار، لا نجد مصنّفاً يتناول - بالدرس والتحليل - هذا الموضوع المهمّ؛ في أيّ جانب من جوانبه. وقد انصبّ اهتمام المتأخّرين في نقدهم على جوانب متنوعّة؛ كالحشو، والاستطراد، واضطراب المشتقّات داخل الجذر الواحد، وإهمال المعاني المجازية.
بيد أنّ ثَمَّةَ ملحوظات هيِّنات في التّداخل متفرّقة فيها أتى بعضها عرضاً متناثراً في كتب مؤلّفة لغير التّداخل، ودعا المقام فيها إلى الإشارة إليه إشارة عابرة؛ مع ذكر بعض أمثلته؛ بصورة مبتسرة.
ولنا - في هذا المبحث - أن نقف على أهمّ تلك الملحوظات فيها عند أبرز هؤلاء العلماء؛ وهم:
١- أحمد تيمور:
صدر له سنة ١٣٤٣ هـ - كتاب صغير في النّقد المعجميّ وعنوانه: (تصحيح القاموس المحيط) نبّه فيه على ما وقع من الأغلاط في طبعة (القاموس) الَّتي ظهرت سنة ١٣٠٣هـ - ببولاق، وهي جمع لتلك الأغلاط من تقييدات وحواشٍ؛ قيّدها على نسخته، ورتّبها ترتيب (القاموس) .
وقد ركّز تيمور جلّ نقده - في هذا الكتاب - على ما في طبعة
стр. 933
(القاموس) من تصحيف وتحريف، وقلّ نقده في غير هذا الأمر. ولكنّه لمس فيه ما يتّصل بنقد الأصول لمساً خفيفاً.
ومن ذلك أنّه ذكر في مادّة (أم د) نقداً في كلمة (الإمَّدَان) وهو: اسم موضع، وقيل: الماء على وجه الأرض؛ فقد اعترض على صاحب (القاموس) بأنّ ذكره (الإمَّدَان) في مادّة (أم د) يدلّ على أصالة الهمزة؛ فوزنه على هذا (فِعَّلان) لا (إفْعَلان) الَّذي أراده المجد بقوله: (كإسْحِمَان وإضْحِيَان) ١.
وذكر تيمور أنّ الصّواب أنّ همزته زائدة؛ كزيادتها فيما وزَنَه به؛ فكان حقّه أن يذكر في (م م د) لا هنا؛ ولذا اضطرّ إلى إعادته في هذه المادّة٢ ونقدَه٣ في أنّه أعادها في موضع ثالث وهو (م د د) فخالف في ضبطها؛ فهي - هنا: (الإِمِدَّان) ٤ بتخفيف الميم وتضعيف الدّال.
ويمكن الاعتذار لصاحب (القاموس) بأنّ ضبط (الإِمِّدَان) بالإسْحِمَان والإِضحِيَان لا يقتضي زيادة الهمزة فيها؛ إذا حمل على إرادة اللفظ لا الأصل؛ على أنّ ذكره الكلمة في ثلاثة مواضع، وهي (أم د) و (م د د) و (م م د) يدلّ على تردّده في أصلها.
стр. 934
ومنه أنّه ذكر في مادّة (م د د) أنّ (الإمِدَّان) بتشديد الدّال، وورد في بعض طبعات (القاموس) مكسور النّون؛ فأوهم أنّه مثنّى، وذكر أنّه مفرد على وزن (إفِعْلان) والصّواب تحريك نونه بحركة الإعراب١.
ولا يعكس مثل هذين المثالين كبير اهتمام للتّداخل عند تيمور؛ مع ما في (القاموس) من خلل بسبب التّداخل، وكثرة ما ذكره العلماء عنه من تنبيهات، وبعضها مثبت في حواشي المطبوعات الَّتي اعتمدها تيمور.
٢- أحمد عبد الغفور عَطَّار:
صدر له، سنة ١٣٧٥هـ -، كتاب بعنوان (مقدّمة الصّحاح) درس فيه المعجم العربي في بعض جوانبه؛ كالنشأة، والرّواد، والمدارس، مع عناية خاصّة بمعجم (الصّحاح) للجوهريّ؛ الَّذي درسه من جوانب شتّى؛ كان توجيه النّقد له واحداً منها. وكان نقده إيّاه - وهو قليل - في تداخل الأصول من أهمّ نقداته؛ فقد كان العطّار يأخذ على الجوهريّ (غلطه في ترتيب الموادّ، ووضعه مادّة مكان مادّة، أو إنزاله مادّةً في غير تركيبها"٢.
وقد اقتصر العطّار في نقد التّداخل على إيراد الأمثلة. والمتأمّل لأمثلته الأربعة عشر؛ الَّتي نقد الجوهريّ فيها يلحظ تركيزه على جانب واحدٍ من التّداخل؛ وهو ما جاء في غير موضعه، وقد كان يراوح في نهجه
стр. 935
بين طريقتين:
إحداهما: أن يذكر الكلمة ناصّاً على موضعها في الصّحاح، ومنبّها على مكانها الصّحيح؛ كقوله: جَعَلَ: حانوت في (ح ي ن) وحقّها أن تكون في (ح ن ت) .
والدِّرْحَايِة في (د ر ح ي) وموضعها (د ر ح) .
والشَّاصِلَّى في (ش ص و) وموضعها (ش ص ل) .
والدَّيْمُومَة في (د م م) وحقّها (د وم) ١.
والأخرى: أن لا يكتفي بالتّنبيه على ما جاء في غير موضعه، وإنّما يناقش التّداخل في الكلمة ويورد آراء بعض العلماء فيها، ومثاله ما ذكره في نقده الجوهريّ في كلمة (مَذْحِج) الَّتي وضعها في الرُّباعيّ (م ذ ح ج) ٢ إذ يرى العطّار أنّ حقّها أن تكون في فصل الذّال من باب الجيم؛ أي: في الثّلاثيّ (ذ ح ج) لأنّ الميم زائدة.
وقد أبطل العطّار ما نسبه الجوهريّ إلى سيبويه في القول بأصالة الميم، وانتهى إلى أنّه لم يقل ذلك؛ وإنّما ذكر زيادة الميم في (مَفْعِل) نحو: مَجْلِس ومَسْجِد، وأنّ الميم في (مَنْبِج) بمن - زلة الألف؛ لأنّها كثرت مزيدة أولاً؛ فموضع زيادتها كموضع الألف، وكثرتها ككثرتها أوّلاً في الاسم والصِّفة؛ وأنّ سيبويه لم يقل بأصالة الميم إلاّ في ألفاظ محصورة؛
стр. 936
كـ (مأجَجٍ) و (مِجَنٍّ) و (مَعَدٍّ) ١.
ويضيف العطّار قائلاً: "وقد انعقد إجماع النّحويين على أنّ الميم زائدة؛ إذا تصدّرت وبعدها ثلاثة أحرف أصول مقطوع بأصالتها، ولم يشذّ عن هذا الإجماع أحد. ولو جعلنا الميم أصلاً في (مَذْحِجٍ) لكان مثل: جَعْفِرٍ؛ وزنها (فَعْلِل) وهو وزن غير موجود في أوزان الاسم الرُّباعيّ المجرد، ولم يثبته أحد من النّحويّين"٢. وقد أصاب العطّار فيما ذهب إليه؛ إذ اختار الرّاجح في أصل هذه الكلمة.
٣- الدّكتور محمّد مصطفى رضوان:
صدر له سنة ١٣٩٣هـ - كتاب بعنوان: (دراسات في القاموس المحيط) وعلى الرّغمِ من أنّ صفتي الشّمول وعمق التّحليل كانتا ظاهرتين - بوضوح - في هذا الكتاب، إلا أن تداخل الأصول لم يظفر من المؤلّف بما يستحقّه من الدّراسة والنّقد، ولولا إشارات نادرة تعرّض فيها للتّداخل لخلا كتابه منه، وكان موضعاً للنّقد. ويضاف إلى هذا أنّ عرضه للتّداخل لم يكن مقصوداً لذاته؛ بل جاء في أثناء حديثه عمّا وهّم الفيروزآباديّ في الجوهريّ في الأصول وغيرها، وهي مصنَّفة عند المؤلف في سبعة أضرب؛
стр. 937
يعنينا منها ثلاثة:
أوّلها: ما وهمّ فيه الفيروزآباديُّ الجوهريَّ تعنّتاً وتحاملاً؛ كما يقول المؤلّف، فقد أورد فيه مثالين؛ كلاهما من تداخل الأصول؛ وهما (الغِرْقِئ) و (القِنْدَأو) وانتقد فيهما المجد، وردّ عليه بما قاله الشِّدياق١ ولكنّه لم يصب المحزَّ في نقده في (القِنْدَأو) إذ أوقعته متابعته الشِّدياق في أن تحامل على الفيروزآباديّ؛ وهو عكس المراد؛ الَّذي يفهم من عنوان هذا الضّرب؛ وهو (ما وهّم الفيروزآباديّ فيه الجوهريَّ تعنّتاً وتحاملاً) وذاك أنّ (القِنْدَأو) عند الجوهريّ من (ق ن د) فيكون وزنه (فِعْلأو) وهو عند الفيروزآباديّ من (ق د أ) ووزنه عنده (فنعلو) على المذهب الراجح.
قال الدّكتور رُضوان منتصراً للجوهريّ: "وجاء في الجاسوس ما يفيد أنّه لا وهم من أبي نصر في هذا اللّفظ، فقد اختلف فيه العلماء؛ فأورده طائفة في الدّال، وأخرى في الهمز، على أصالة هذه أو تلك، وجزم ابن عصفور بأنّ أصله (ق ن د) فذكره الجوهريّ في حرف الدّال، وقال الزَّبيدي: إنّ أصله (ق د أ) على رأي بعض الصّرفيّين"٢.
والحقّ أنّ هذا الرّأي الثاني، الَّذي أشار إليه الدّكتور رضوان في كلام الزبيدي، وجعله رأياً لبعض الصّرفيّين هو الرّاجح؛ لأسباب تقدَّم
стр. 938
بيانها١ وعليه كان الصّواب في جانب الفيروزآباديّ.
والثّاني ممَّا أخذه الدّكتور رضوان على المجد؛ وكان في تداخل الأصول؛ هو: ما وهّمَ المجدُ فيه صاحبَ الصّحاح ثمّ تابعه فيه، وقد اكتفى فيهما بمثالين كلاهما من التّداخل، وهما: (الأشاءُ) و (الآلاء) ذكرهما المجد في المهموز، وأعادهما في المعتلّ٢. والمؤلّف ينتقده - هنا أيضاً - بما قاله الشِّدياق٣.
وثالث ما انتقده الدكتور رضوان ممَّا عرض فيه للتّداخل، أنَّ المجدَ وهَّم الجوهريَّ، وهو الواهم، واستدلّ بمثالين؛ وهما (التَّخْرَبُوت) و (اكْلأَزَّ) ٤ وردّ على المجد بما قاله التّادلي في (الوشاح) ٥ والشِّدياق في (الجاسوس) ٦.
٤- الدّكتور مسعود بُوبُو:
صدر له كتاب، سنة ١٩٨٢م، بعنوان (أثر الدّخيل على العربيّة
стр. 939
الفصحى في عصر الاحتجاج) وموضوعه المعرّب والدّخيل، وعرض فيه لجذور الدّخيل في المعاجم العربيّة١.
يرى الدكتور بوبو أن الدَّخيل كان وراء الاضطراب؛ الَّذي شاع في بعضها؛ إذ "أخلّ بنُظُم ترتيبها وتبويبها، وأدّى إلى اختلاط الأصول اللّغويّة وتداخلها"٢ لوضعهم كثيراً من ألفاظه في غير مواضعها الصّحيحة. ويحاول الدكتور بوبو الاستدلال على رأيه باستعراضٍ متأنٍّ لطريقة المعجمييّن في تناولهم ثلاثين كلمة دخيلة.
منها (النِّبْراس) فابن منظور وضعها في (ب ر س) إشارة إلى أنّها ثلاثيّة؛ بزيادة النّون، وأنّها مشتقّة من البُرْسِ؛ وهو: القطن؛ لأنّ الفتيلة إنّما تكون - في الأغلب - من القطن٣؛ فيسأل الدكتور بوبو متعجّباً عن سرِّ زيادة النّون قائلاً: "فما علّة زيادة النّون إذا كان من البُرْسِ؟ وهل عرفت العربية حذف النّون من الرُّباعيّ ابتداءً، أم هل يجوز أن تحذف النّون من أيِّ أصل يبقى لثلاثيّه معنى يمكن قبوله؛ فنقول مثلاً: النِّقْرِس من القَرْسِ، والنُّمْرُقُ من المَرْقِ؟ وهما أشهر أصلين رباعييّن في باب النّون"٤.
стр. 940
ولنا أن نسأل مع الدكتور بوبو عن السّر في وضع (النِّبْرَاس) و (البُرْسِ) و (البَرْنَسَاء) بمعنى: ابن الإنسان بالنبطيّة في مادّة (ب ر س) فهل يكون الإنسان من البُرْسِ؛ أي: القطن - أيضاً - أو مالرّابط بين هذه الكلمات الثلاث حتّى توضع في أصل واحد؟
وأنا أوافق الدكتور بوبو في أنّ الأظهر أن يكون (النِّبْرَاس) معرّباً من السّريانيّ من فعل Nabreshe:ألْهَبَ وأَضْرَمَ١.
ومنها كلمة (جَهَنَّم) فهي: من التّجهّم والتّكرّه عن بعضهم؛ أو من الجهومة؛ وهي الغِلَظُ كما ذكر النووي٢، ويقال: رَكِيَّة جِهِنَّام؛ أي: بعيدة القعر، وبه سمّت جهنّم؛ لبعد قعرها، وبهذا يكون أصلها ثلاثياً وهو (ج هـ - م) وهو موضعها في المعاجم. وقيل: إنّها أعجميّة معرّبة من بعض اللّغات.
قال الدكتور بوبو: "وإذا أخذنا بأقوالهم: إنّها أعجميّة أو فارسيّة أو عبرانيّة؛ كما نصّوا؛ فهي مادّة بذاتها وبحروفها كاملةً؛ لأنّها كلّها عندهم أصول"٣.
ونحو ذلك ما في (القِنْطَار) و (الطَّيلَسَان) و (الفَالُوذَج) و (الأطَرِبون) وغيرها.
стр. 941
وأرى مع الدكتور بوبو في أنّ ظاهرة تداخل الأصول من أبرز ما يخلّفه الدّخيل في تصنيف المعاجم من أثر سيّء ينبغي تداركه إن أريد تحرّي السّلامة والأصالة في اللّغة؛ لأنّ تسرّب الدّخيل إلى أصول العربيّة، وانصهاره فيها يفضي - مع الزّمن - إلى أن يكون شريكاً في النّظام الصّرفي؛ وهو ما يترك أثراً غير حسن في بنيان العربيّة المتميّز، ولعلّ هذا ما جعل بعض الباحثين المتأخّرين يصف العربيّة بأنّها غير منطقيّة في بعض الأبنية الصّرفيّة، ويستدلّ على ما يرى بأمثلة دخيلة. ومن أجل هذا وغيره فإنّه لا بدّ من بذل قصارى الجهد من قِبَل المعجميّين المعاصرين، لتمييز الدخيل من الأصيل؛ لدرء ما يسبّبه الدخيل من تداخل بين الأصول في المعاجم.
٥- الدكتور هاشم طَهَ شَلاَش:
له دراسة لمختار الصِّحاح للرّازي نشرت، سنة ١٤٠٣هـ -، في مجلة المجمع العلمي العراقيّ ببغداد١. وقد أتى الدكتور شلاش على نقد التّداخل؛ عند حديثه عن النّقد المعجمي؛ في (مختار الصِّحاح) بيد أنّ ما ورد من ذلك لا يتجاوز ثلاثة أمثلة؛ تحت عنوانين مختلفين٢.
стр. 942
أحدهما: التناقض في عبارات الجوهريّ؛ وذكر فيه أنّه قال في مادّة (ف م م) ما يناقض قوله في (ف وهـ) فيما يتّصل بأصل (الفم) إذ كان الجوهريّ يرى، في المادّة الأولى، أنّ الفمَ أصله (فَوَهٌ) نُقصت منه الهاء؛ فلم تحتمل الواو الإعراب؛ لسكونها؛ فعُوِّض عنها الميم١ بينما قال في المادّة الثّانية إنّ الميم في (فَمٍ) عوض عن الهاء في (فَوَهٍ) لا عن الواو. وذكر الدكتور شلاش أنّ الرّازي أشار إلى ما بين النّصين من تناقض٢.
والآخر: وضع الألفاظ في غير مواضعها، وقد عرض فيه لكمتين؛ وهما: (الأيْدِ) بمعنى القوّة، و (العَنْدَلِيب) واكتفى بإيراد ما قاله الرّازي في التّداخل فيهما؛ دون أن يعلّق عليه بشيء٣.
٦- عبد الله بن عمر البارودي الحُسَيني:
صدر له، سنة ١٤٠٧هـ -، كتاب بعنوان (الحُسن والإحسان فيما خلا عنه اللّسان) وهو معدود من كتب الاستدراك، وهو نوع من النّقد؛ وقد حدّد الباروديّ فيه هدفه بقوله في المقدّمة: "هذا كتاب جمعتُ فيه ما فات صاحب اللّسان محمّد بن مكرّم بن منظور...ولا أقول: إنّي جمعت فيه كلَّ ما خلا عنه اللّسان؛ إنّما استدركت عليه كلّ ما تناهى إلينا،
стр. 943
وعلمت أنّه أهمله، ورتّبته ترتيب اللّسان"١.
والحقّ أنّه استدرك على صاحب (اللّسان) عدداً غير قليل ما الموادّ بشروحها؛ على الرّغم من وجودها في (اللّسان) ولكنّها جاءت في مواضع لم يقف عليها المؤلّف بسبب تداخل الأصول؛ فلا وجه لاستدراكها - إذن - وعدِّها ممَّا فات (اللّسان) .
واكتفي - هنا - بإيراد بعض الأمثلة من ذلك؛ ممَّا جاء في بابي الهمزة والباء فحسب.
فمنه: مادّة (س د أ) الَّتي ذكر فيها (السَّندَأْوَةَ) وهو: الرجل الضعيف أو الشّديد المُقْدِم٢ وما ذكره فيها مذكور في (اللّسان) ولكن في مادّة (س ن د) ٣ فلا يعدّ استدراكاً.
ومنه: مادّة (س ل ط) الَّتي ذكر فيها قولهم: اسْلَنطَأتُ؛ أي: ارتفعتُ إلى الشّيء أنظر إليه٤.وهو مذكور في غير موضعه من (اللّسان) إذ جاء في مادّة (س ل ن ط) ٥.
ومنه: مادّة (خ ن ت ب) الَّتي قال فيها: (الخُنْتُبُ والخُنْتَبُ، مثل:
стр. 944
جُنْدُبٍ وجُنْدَبٍ: نَوفُ الجارية قبل أن تُخفض، والخُنْتُبُ - أيضاً: المخنّث) ١ وقد جاء هذا كّله في مادّة (خ ت ب) من (اللّسان) ٢.
ومنها: استدراكه على صاحب (اللّسان) مادّة (ر ع ب ل ب) الَّتي أورد فيها ما نصّه: (قال شَمِر: الرَّعْبَليب: الملاطِفة، قال الكميت يصف ذئباً:
يَرَانِي في المَنَامِ لهُ صَدِيقاً ... وَشَادِنَةُ العَسَابِرِ رَعْبَلِيبٌ
شادنة العسابر: أولادها. وقال غيره: رَعْبَليبٌ: يمزّق ما قدر عليه، من رَعْبَلتُ الجلدَ؛ إذا مزَّقته) ٣. وهذا النّص مذكور في (اللّسان) ولكنّه جاء في باب اللام في (ر ع ب ل) على أنّ الباء زائدة٤.
ومنه: مادّة (د د ب) وذكر فيها: الدَّيدبان: الطَّليعة، والدَّيدَبُون: اللهو٥. وإذا بحثنا في (اللّسان) نجد أنّ صاحبه ذكر الدَّيدبان، والدَّيدبون في ثلاثة مواضع مختلفة وهي (د ب ب) ٦ و (د ب ن) ٧ و (د د ن) ٨.
стр. 945
وصاحب الاستدراك معذور؛ لأنّه لم يجد المادّة في موضعها؛ فحكم عليها بالإهمال فاستدركها.
وبعد؛ فإنّنا نستطيع القول: إنّ تداخل الأصول لم يلق في النّقد المعجميّ من العناية عند هؤلاء ما يتناسب مع أهميّته، ولولا ما قدّمه الشّدياق في كتابه القيّم (الجاسوس على القاموس) لصحّ أن نقول: إنّهم لم يطرقوا بابه، خلا ما ورد لهم فيه من شذرات مبعثرة هنا وهناك؛ لا تشفي غليلاً، ولا تبلّ صدًى؛ فإنّ أكثر ما ورد من نقد تداخل الأصول عند المتأخّرين من معاصرينا إنّما جاء عرضاً في غضون نقداتهم المعاجم، ولم يقصدوا إليه قصداً، ولعلّهم شغلوا عنه بجوانب نقديّة أخرى.
ونستطيع - في الجملة في نهاية هذا الباب - أن نقول: إنّ ما قدّمه القدامى والمُحْدَثُون في نقدهم المعجميِّ لتداخل الأصول لا يكاد يتعدّى التَّنبيهات والملحوظات الجزئيّة المتناثرة، الَّتي كان ينقلها الّلاحق عن السّابق، والتي خلت - في الغالب - من العُمْقِ والشُّمُولِ.
стр. 946
الخاتمة
والآن؛ وقد انتهى بي المطاف إلى هذا الحد الذي اقتضاه المنهج وارتضاه البحث؛ وإذ انتهيت فيه إلى الصورة التي رجوت - يجدر بي أعرض لأهم النتائج؛ التي توصّل إليها البحث في (تداخل الأصول، وأثره في بناء المعجم العربي؛ من خلال مدرسة القافية) وفي العناصر الثلاثة التالية: (الأصول والتداخل) و (آثار التداخل) و (والحلول والتوصيات)
أوّلاً في الأصول والتداخل:
أ- كثر تداخل الأصول في العربية، وظهر جلياً في معاجمها، ولا سيما معاجم القافية، وقد جمعت منه قدراً صالحاً فاق ما كنت أتوقع الوقوف عليه؛ إذ زاد ما وقفت عليه من الكلمات المتداخلة عن ألفي كلمة؛ منها ما هو شديد التداخل؛ بحيث خفي على كثير من العلماء، ومنها ما هو دون ذلك.
ب- لم يخرج تداخل الأصول عن قسمين:
أوّلهما: التداخل في البناء (الأصل) الواحد؛ كتداخل الثلاثيّ بالثلاثيّ، والرباعيّ بالرباعيّ، والخماسيّ بالخماسيّ.
وثانيهما: التداخل بين بناءين (أصلين) مختلفين؛ كتداخل الثلاثيّ بالرباعيّ، والثلاثيّ بالخماسيّ، والرباعيّ بالخماسيّ.
وقد وقع التداخل في جميع هذه الأبنية، ولكن بنسب متفاوتة، ويمكن الخروج بالنتيجة التالية في ترتيب التداخل في الأبنية - بحسب وفرة مادته - على النحو التالي:
стр. 947
١- التداخل بين الثلاثيّ والثلاثيّ.
٢- التداخل بين الثلاثيّ والرباعيّ.
٣- التداخل بين الرباعيّ والخماسيّ.
٤- التداخل بين الثلاثيّ والخماسيّ.
٥- التداخل بين الرباعيّ والباعيّ.
٦- التداخل بين الخماسيّ والخماسيّ.
وترتيب التداخل في الثلاثيّ، على النحو التالي:
١-بين المعتلّ والمعتلّ.
٢- بين المعتلّ والمهموز.
٣- بين المعتلّ والصّحيح.
٤- بين الصّحيح والصّحيح.
وكثر التداخل في المعتلّ بين الناقص والناقص، ثم الأجوف والأجوف، ويقلّ في المثال مع المثال؛ لقلّة تأثّر المثال بعوامل الإعلال والإبدال؛ وذلك راجع لطبيعة فاء الكلمة في التصريف العربي.
ولا جرم أن يكثر التّداخل بين الثلاثيّ والثلاثيّ؛ فأكثر كلام العرب ثلاثيّ الأصول؛ وندرة التداخل بين الخماسيّ والخماسيّ - في المقابل - تعزى لسببين:
أحدهما:قلّة ما جاء في اللغة من الخماسيّ.
والآخر: قلّة ما يعتريه من الزّوائد.
стр. 948
ج- ثمة أوزان في العربية يكثر التّداخل بين الكلمات التي تأتي عليها، ومن أظهرها:
١- مَفْعِل وفَعِيل؛ نحو: مسيل.
٢- مَفْعُول وفَعِيل؛ نحو: مَهين.
٣- مُفْعَل وفُعَال؛ نحو: مُراد.
٤- مِفْعَل وفِعَال؛ نحو: مِحَال.
٥- مَفْعَل وفَعَال؛ نحو: مَجَاج.
٦- فَعَلان وفَيْعال؛ نحو: شَيْطان.
٧- فَعْلان وفاعل؛ نحو: راذان.
٨- فُعْلان وفُوعال؛ نحو: خُوْذان.
٩- فَعْلون وفَيْعول؛ نحو: زيتون.
١٠- فَعْلان وفَعَّال؛ نحو: حَسّان.
١١- فِعْلان وفِعّال؛ نحو: حِطّان.
١٢- فُعْلان وفُعَّال؛ نحو: رُبّان.
١٣- فَعَولى وفَعَوعل وفَعَلْعَل؛ نحو: خَجَوجَى.
د- لم يقع التداخل في الثلاثيّ بين اللفيف والصّحيح في اللغة العربية.
?- لم أجد ثمة صلة بين تداخل الأصول وتداخل اللغات في عين المضارع؛ ولكني وجدت أن تداخل الأصول قد نتج عنه ما يشبه تداخل اللغات، ولا سيما في الأجوف والناقص ومهموز اللام في الثلاثيّ.
стр. 949
و اعتمدت مدرسة القافية في بنائها على الأصول؛ فظهر التداخل فيها جلياً، وقلّ في مدرسة التقليبات؛ لأن الأصول لم تكن الأساس الوحيد للبناء في هذه المدرسة وترتيبها؛ فليس ثمة حصر للكلمة من طرفيها، بل طوعت الأصول، وأخضعت - في هذه المدرسة - لخدمة نظام التقليبات؛ لأن الحكم على الحرف؛ من حيث الأصالة أو الزيادة؛ قد يتغير بتقليب الكلمة.
ز- ثمة أسباب أدت إلى تداخل الأصول، ولا سيما في معاجم القافية؛ ومن أهمها:
١- اتحاد المعنى (تقارب الأصلين والمعنى واحد) .
٢- القلب المكاني.
٣- الإبدال.
٤- الهمز والتخفيف.
٥- التعريبب.
٦- الحذف والتعويض.
٧- الإلحاق.
٨- الضّرورة الشّعرية.
٩- تصريف الحروف وما أشبهها.
١٠- الإدغام.
١١- الجمع.
١٢- توهّم أصالة الحرف.
стр. 950
١٣- اختلاف الحركات.
١٤- التّصحيف والتّحرريف.
١٥- متابعة مدرسة التّقليبات.
ج- ثمة مقاييس للتّفريق بين الأصول يمكن أن تلحق بما ذكره العلماء؛ وهي:
١- الدخول في أوسع البابين.
٢- الصّرف أو منعه.
٣- إهمال أحد الأصلين.
٤- الإعراب بالحروف.
٥- الإدغمام.
٦- الموازنات السّامية.
ط- إنّ السّر في وضع الثلاثيّ المضعّف، والرّباعيّ المضاعف، في باب الثنائيّ؛ من معاجم التقليبات - يكمن في أنّ هذه الأنواع الثلاثة تتساوى في أنّ التقليب فيها لا يعطي سوى صورتين مستعملتين فحسب؛ وهذا يؤكّد أنّ مجيء هذه الأنواع الثلاثة في أصلٍ واحدٍ لم يكن بسبب تداخل الأصول. ومع هذا فقد فهم صنيعهم - من قبل بعض الباحثين المعاصرين - على غير وجهه؛ فاستنتجوا من ذلك أنّ علماء العربية كانوا ينظرون إلى بنية الكلمات على أنّها قد تكون ثنائية الأصول.
و اتخاذ ابن فارس - في الزيادة - منهجاً تطبيقياً خاصاً به في معجمه (مقاييس اللغة) لا يعتدّ فيه بحصر حروف الزيادة؛ فأدّى ذلك إلى