Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
يوسف بن تغري بردي
أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي (حوالي ٨١٢ ج ٨٧٤ هـ) ، مؤرخ مسلم.
ولد بالقاهرة في دار الأمير منجك اليوسفى بجوار مدرسة السلطان حسن.
توفي والده الأمير الكبير تغري بردي المذكور بدمشق على نيابتها في محرّم سنة ٨١٥ هـ، فربّاه زوج أخته قاضي القضاة ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي إلى أن مات ابن العديم المذكور في ٨١٩ هـ، فتولى تربيته قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني الشافعي، وحفّظه القرآن العزيز إلى أن كبر وانتشا وترعرع، وحفظ مختصر القدوري في الفقه، وطلب العلم وتفقه بالشيخ شمس الدين محمد الرومي الحنفي، وبقاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء الحنفي قاضي مكة وغيرهم. وأخذ النحو عن الشيخ تقيّ الدين الشّمنّي الحنفي. وأخذ التصريف عن الشيخ علاء الدين الرومي وغيرهم. وقرأ المقامات الحريرية على قوام الدين الحنفي وأخذ عنه العربية أيضاً وقطعة جيّدة من علم الهيئة. وأخذ البديع والأدبيّات عن شهاب الدين أحمد بن عربشاه الدمشقيّ الحنفيّ وغيره.
كما وأفاد من علماء كثيرين أمثال المقريزي وعبد الرحمن الزركشي وتسلم منهم إجازة الرواية.
وكان ولعاً بعلم التاريخ فلازم مؤرّخي عصره مثل قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني، والشيخ تقي الدين المقريزي، واجتهد في ذلك إلى الغاية، وساعده جودة ذهنه، وحسن تصوّره، وصحيح فهمه، حتى برع ومهر وكتب وحصّل وصنّف وألّف وانتهت إليه رئاسة هذا الشأن في عصره.
آثاره
ومن مصنفاته: النجوم الزاهرة، المنهل الصافي، حوادث الدهور، مورد اللطافة، البشارة، البحر الزاخر وغيرها.
стр. 2
[الجزء الأول]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة لكتب التراث العربى
بقلم السيد الدكتور محمد عبد القادر حاتم وزير الثقافة والإرشاد القومى إن الأمم العظيمة لا ترضى، ولا تستطيع، أن تنسلخ عن تاريخها، وتاريخها هو وعاء ثقافتها وحضارتها، فى حقب هذا التاريخ نشأت ونمت وتطوّرت، واجتازت محنا، وحققت مجدا. وكما أن سجل هذه الأحداث تشهد به الآثار الباقية من عمارة ومشروعات فإن الكلمة المكتوبة كانت منذ قديم سجلا لتراث الأمم، سردا لتاريخها، وتصويرا لآمالها وعواطفها شعرا ونثرا، وتسجيلا للآراء السائدة فى عصورها المختلفة، مما يرتفع أحيانا الى مرتبة الحكمة والمذهب الفلسفى، ومما لا يزيد على أن يكون خطرات لأفراد.
ونهضتنا الحاضرة، التى انبثقت فى جميع ميادين الحياة، منذ فجر ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢، لم تتنكر لماضى أمتنا العربية، ولم تغفل تراثنا الاسلامى العريق.
ففى الوقت الذي تعمل فيه على التطوّر تحت راية العلم، وفى ركبه الزاحف، ترعى تراثها العريق الذي كانت أشعته تضىء ظلام العالم فى أيام ازدهار ماضينا.
فكما أن رئيسنا وقائد ثورتنا يعلن فى" الميثاق الوطنى" أن العلم هو السلاح الحقيقى للإرادة الثورية، ومن هنا الدور العظيم الذي لا بد للجامعات ولمراكز العلم على مستوياتها المختلفة أن تقوم به...... والعلم هو السلاح الذي يحقق النصر الثورى، يعلن كذلك أن العمل العظيم الذي تمكن الشعب من إنجازه بالثورة الشاملة ذات الاتجاهات المتعدّدة، قد تحقق بفضل ضمانات تمكن النضال الشعبى من توفيرها، ومنها وعيه العميق بالتاريخ وأثره على الإنسان المعاصر من ناحية، ومن ناحية أخرى لقدرة هذا الإنسان على التأثير فى التاريخ؛ ومنها إيمان لا يتزعزع بالله، وبرسله، ورسالاته القدسية التى بعثها بالحق والهدى إلى الإنسان فى كل زمان ومكان.
وأن مشعل الحضارة انتقل من بلد إلى بلد، لكنه فى كل بلد كان يحصل على زيت جديد يقوى به ضوءه على امتداد الزمان.
وأن شعبنا، إلى جانب ما قام به من تحمل المسئولية المادية والعسكرية فى صدّ أول موجات الاستعمار الأوربى، وردّ غزوات التتار، قد تحمل كذلك المسئولية الأدبية فى حفظ التراث الحضارى العربى وذخائره الحافلة.
وأنه يتعين علينا أن نذكر دائما أن الطاقات الروحية التى تستمدها الشعوب من مثلها العليا النابعة من أديانها السماوية، أو من تراثها الحضارى، قادرة على صنع المعجزات.
وفى ضوء هذه التوجيهات تقوم المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر بمساهمتها فى نشر التراث العربى، كجزء من برامجها التى تساهم فيها بنشر الثقافة الحديثة بجميع فروعها.
وهى فى ذلك تقدم هذه الخدمة الثقافية للأمة العربية فى جميع أجزاء الوطن العربى الكبير، فإن هذا التراث ثمرة العقول العربية فى خمسة عشر قرنا من الزمان، وفى جميع الوطن العربى من غربيه إلى شرقيه، ومن شماليه إلى جنوبيه، متضمنا ما كتبه أسلافنا فى إفريقيا وآسيا وأوروبا نفسها فى الأندلس العظيمة.
وحسبنا فى بيان أهمية هذا التراث أنه باللغة العظيمة التى تجمعنا- نحن العرب جميعا- وأنه يتصل بتاريخنا، نحن العرب جميعا.
فلقد قال الرئيس جمال عبد الناصر فى" الميثاق الوطنى":
" يكفى أن الأمة العربية تملك وحدة اللغة التى تصنع وحدة الفكر والعقل ...
ويكفى أن الأمة العربية تملك وحدة التاريخ التى تصنع وحدة الضمير والوجدان".
والله الموفق فيما نقصد وما نعمل.
الدكتور محمد عبد القادر حاتم
القاهرة فى المحرم سنة ١٣٨٣ هـ يونيه (حزيران) ١٩٦٣ م بسم الله الرّحمن الرّحيم كتاب النجوم الزاهرة
تصدير
هذا كتاب كبير يؤرخ لمصر منذ الفتح الإسلامى من سنة ٢٠ هـ إلى خلال سنة ٨٧٢ هـ ألفه جمال الدين يوسف بن تغرى بردى الأتابكى القاهرى المولد والوفاة.
وقبل أن يصدر القسم الأدبى بدار الكتب الجزء الأوّل من هذا الكتاب كان المستشرق الهولندى «يونبل» قد نشر منه بين سنتى (١٨٥١، ١٨٥٥) مجلدين كبيرين يشتملان على الأحداث من سنة ٢٠ هـ إلى سنة ٣٦٥ هـ، ومن بعده نشر المستشرق الإمريكي «وليم پوپر» عشرة مجلدات تبدأ من حيث انتهى سلفه المستشرق الهولندى وتنتهى إلى آخر الكتاب أى سنة ٨٧٢ هـ، غير أنها تنقصها الأحداث من سنة ٥٦٥ هـ إلى سنة ٨٠٠ هـ.
وحين استقبل القسم الأدبى بدار الكتب المصرية العمل فى هذا الكتاب استقبله بإضافات جديدة:
١- فقد استأنس بمخطوطة جديدة.
٢- وحرّر من متنه الكثير بالرجوع إلى الأمهات المنقول عنها.
٣- وضم إليه دراسات علمية جديدة عن الأماكن المذكورة فيه.
٤- وعرض لمغلقه بالشروح الكثيرة.
٥- ثم أضاف إلى كل جزء فهرسا جامعا خاصا به.
€
стр. 3
ولقد تسلمت المؤسسة الكتاب بأجزائه التى لم يتم تحقيقها- فيما تسلمته من القسم الأدبى- وكان منهجها فيه بعد أن لم تجد له مخطوطات أخرى:
١- أن تصوّر الأجزاء التى طبعت منه محذوفا منها فهارسها.
٢- وأن تصوّر الأجزاء المحققة ليكون الكتاب كله على نسق واحد.
٣- وأن تضم الفهارس كلها فى قسم مستقل.
٤- وأن تضم إلى هذا القسم الأخير تصحيح ما وقع فى الأجزاء التى طبعت من الكتاب من أخطاء، وكذلك الاستدراكات التى تهدى إليها إعادة النظر فى الكتاب.
وبهذا يخرج الكتاب كاملا بفهارس موحدة جامعة.
والله ولى التوفيق ها
المحرّم سنة ١٣٨٣ هـ المؤسسة المصرية العامة يونيه (حزيران) ١٩٦٣ م للتأليف والترجمة والطباعة والنشر
€
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم رسله سيدنا محمد ﵌.
وبعد، فهذا هو الجزء الأوّل من كتاب «النجوم الزاهرة» لأبى المحاسن بن تغرى بردى الذي تقوم بطبعه دار الكتب المصرية مع بقية الموسوعات العلمية والأدبية والتاريخية فى عهد حامل لواء النهضة فى مصر حضرة صاحب الجلالة مولانا المليك المعظم «فؤاد الأوّل» حفظه الله. وإنا نضعه بين أيدى القرّاء بعد أن بذلنا الجهد فى سبيل إصداره على هذا النحو خاليا، على ما نعتقد، من التحريف والتصحيف اللذين ملئ بهما أصلاه، وهما النسخة الأوربية والنسخة الفتو غرافية اللتان اعتمدنا عليهما كمصدرين لطبع هذا الكتاب.
وصفه
هو كتاب كبير جمّ الفائدة فى تاريخ مصر مرتب على السنين، ابتدأ فيه مؤلفه بفتح عمرو بن العاص من سنة ٢٠ هـ (٦٤٠ م) إلى أثناء سنة ٨٧٢ هـ (١٣٦٧ م) وقد ذكر فيه من ولى مصر من الملوك والسلاطين والنوّاب ذكرا وافيا مع ذكر ملوك الأطراف بطريق إجمالىّ، آتيا فى كل سنيه على ما وقع من الحوادث المهمة، ومن
€
стр. 5
توفى من رجالات الأمة الإسلامية. وقد انفرد بعد أبى بكر «١» بن عبد الله بن أيبك مؤرّخ مصر بإشارته فى آخر كل سنة إلى زيادة النيل ونقصانه، حتى كاد يكون كتابه المرجع الوحيد لحضرة صاحب السعادة الأستاذ أمين سامى باشا فى كتابه:
«تقويم النيل» .
ومن الأصل العربى لهذا الكتاب نسخ فى الأستانة وبرلين وغوطا وأبسالا وبطرسبورج وباريس والمتحف البريطانى.
ترجمته الى اللغات الأوربية
وقد ترجم هذا الأثر الجليل الى اللغة اللاتينية والى لغات أوروبية أخرى عدّة مرات «٢» .
ترجمته إلى اللغة التركية
ولما فتح السلطان سليم العثمانى مصر واطلع على هذا الكتاب أمر بنقله إلى التركية فنقله شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا قاضى العسكر بالأناضول يومئذ فترجم فى منزله جزءا وبيضه المولى حسن المعروف بآشجي زاده ثم عرضه على السلطان فى الطريق فأعجبه وأمر بنقله هكذا الى تمامه «٣» .
€
стр. 6
اختصاره
وقد لخص المؤلف كتابه وسماه «الكواكب الباهرة من النجوم الزاهرة» وذكر أنه اختصره حذرا من أن يختصره غيره على تبويبه وفصوله واقتدى فى ذلك بجماعة من العلماء المؤلفين كالذهبى والمقريزى وغيرهما «١» .
اهتمام علماء أوروبا بنشره
ولما كان هذا الكتاب من أهمّ المصادر التاريخية، اهتم بنشره علماء أوروبا فنشر المستشرق جونبل الهولاندى منه مجلدين ضخمين فى أربعة أجزء بمطبعة بريل فى مدينة ليدن من سنة ١٨٥١- ١٨٥٥ م؛ ويبتدئ الجزء الأوّل من سنة ٢٠ من الهجرة لغاية سنة ٢٥٣ هـ، والجزء الثانى من سنة ٢٥٤- ٣٦٥ هـ. وقد صدّرهما بمقدّمة وملاحظات باللغة اللاتينية. ونشر المستشرق وليم بوبر العالم الإمريكي منه عشرة مجلدات مع مقدّمة باللغة الانجليزية لكل جزء من أجزائه، وطبعت بجامعة كاليفورنيا من سنة ١٩٠٩- ١٩١٥ ومن سنة ١٩١٦- ١٩٢٣ وسنة ١٩٢٦ وسنة ١٩٢٩، وتشتمل على السنين من سنة ٣٦٥- ٥٦٦ هـ ومن سنة ٨٠١- ٨٧٢ هـ.
ويتبين من هذا أن باقى الأجزاء التى تشتمل على السنين من سنة ٥٦٧- ٨٠٠ هـ لم تطبع بعد.
اهتمام دار الكتب المصرية بنقل نسخة منه
ولذا اهتمت دار الكتب المصرية بنقل نسخة منه بالتصوير الشمسى عن النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة أياصوفيا بالآستانة تحت رقمى ٣٤٩٨، ٣٤٩٩
€
стр. 7
وهى محفوظة بدار الكتب تحت رقم ١٣٤٣ تاريخ، وتشمل سبعة مجلدات ينقصها المجلد الثانى، وبيانها كالآتى:
المجلد
الأوّل: القسم الأوّل- من سنة ٢٠- ١٤٦ هـ: القسم الثانى- من سنة ١٤٧- ٢٥٤ الثالث: القسم الأوّل- من سنة ٥٢٤- ٦٣٧: القسم الثانى- من سنة ٦٣٧- ٦٧٥ الرابع: القسم الأوّل- من سنة ٦٧٦- ٧٢٣: القسم الثانى- من سنة ٧٢٣- ٧٤٥ الخامس: القسم الأوّل- من سنة ٧٤٦- ٧٨٢: القسم الثانى- من سنة ٧٨٣- ٧٩٩ السادس: القسم الأوّل- من سنة ٨٠٠- ٨١٥: القسم الثانى- من سنة ٨١٦- ٨٣٦ السابع: القسم الأوّل- من سنة ٨٣٦- ٨٥٤: القسم الثانى- من سنة ٨٥٤- ٨٧٢
اهتمام الحكومة المصرية بطبعه
ولما كان اهتمام علماء أوروبا بنشر هذا الكتاب وطبعه بلغ شأنا كبيرا لأنه خاص بتاريخ مصر وهى أكبر دولة شرقية إسلامية لها من الحضارة والمدنية ما لم يبلغه سواها من الأمم الشرقية الأخرى، كان جديرا بحكومة الدولة المصرية أن تقوم بطبع هذا الكتاب على نفقتها، ولذا أشار رئيس الحكومة وقتئذ ساكن الجنان المغفور له عبد الخالق ثروت باشا على دار الكتب المصرية بطبع هذا الكتاب القيّم
€
стр. 8
ضمن مطبوعاتها، فلبت طلبه وباشرت طبعه بمطبعتها لا سيما بعد أن حصلت على نسخة منه بالتصوير الشمسى.
العناية التامة بتصحيحه
ولذلك قام القسم الأدبى بترقيمه وضبطه وتصحيحه، متوخّيا فيه تحقيق الأعلام وأسماء البلدان والوقائع بمراجعة المصادر التاريخية المطبوعة والمخطوطة لتحرّى الصواب مع كتابة التعليقات وذكر المراجع. وطالما وفّق فى مراجعته إلى أكثر الكتب التى نقل عنها المؤلف، لتكون هذه الطبعة أصح نسخة يعوّل عليها.
ويجدر بنا أن نذكر أسماء الكتب التى نقل عنها المؤلف وراجعناها فيما صححناه من كتابه مع بعض المصادر الأخرى التى اعتمدنا عليها فى تصحيح هذا الكتاب:
(١) تاريخ ابن كثير المسمى بالبداية والنهاية- نسخة فتوغرافية محفوظة بدار الكتب تحت رقم ١١١٠ تاريخ.
(٢) تاريخ الإسلام للذهبى- نسخة مخطوطة تحت رقم ٤٢ تاريخ.
(٣) عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان للعينى- نسخة فتو غرافية تحت رقم ١٥٨٤ تاريخ.
(٤) مرآة الزمان للحافظ شمس الدين يوسف بن قزأوغلى- نسخة فتوغرافية تحت رقم ٥٥١ تاريخ.
(٥) فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم- نسخة طبعة أوروبا رقم ١١٢٩ تاريخ.
(٦) تاريخ الرسل والملوك للطبرى- نسخة طبعة أوروبا.
(٧) التاريخ الكامل لابن الأثير- نسخة طبعة أوروبا.
€
стр. 9
(٨) فضائل مصر للكندى- نسخة طبعة أوروبا.
(٩) الطبقات الكبرى لابن سعد- نسخة طبعة أوروبا.
(١٠) المشتبه فى أسماء الرجال للذهبى- نسخة طبعة أوروبا.
(١١) فتوح البلدان للبلاذرى- نسخة طبعة أوروبا.
(١٢) معجم البلدان لياقوت- نسخة طبعة أوروبا.
(١٣) معجم ما استعجم للبكرى- نسخة طبعة أوروبا.
(١٤) ولاة مصر وقضاتها للكندى- نسخة طبعة بيروت.
(١٥) أسد الغابة فى معرفة الصحابة لابن الجزرى- نسخة طبعة مصر.
(١٦) الإصابة فى تمييز الصحابة لابن حجر العسقلانى- نسخة طبعة مصر.
(١٧) تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانى- نسخة طبعة مصر.
(١٨) مروج الذهب للمسعودى- نسخة طبعة بولاق.
(١٩) الخطط للمقريزى- نسخة طبعة بولاق.
(٢٠) وفيات الأعيان لابن خلكان- نسخة طبعة بولاق.
(٢١) صحيح مسلم- نسخة طبعة بولاق.
(٢٢) حوادث الدهور لابن تغرى بردى المؤلف- الجزء الأوّل بالتصوير الشمسى تحت رقم ٢٣٩٧ تاريخ.
وما الى ذلك من المصادر الأخرى من كتب التاريخ والأدب واللغة لضبط الأعلام والأماكن وتصحيح العبارات. وقد خصصنا فهرسا شاملا لكل هذه الكتب التى راجعناها فى نهاية هذا الجزء مع فهارس أخرى.
€
стр. 10
ترجمة المؤلف
كتبها تلميذه وصديقه أحمد بن حسين التركمانى المعروف بالمرجى بآخر كتاب «المنهل «١» الصافى» للمؤلف وقد كتبه بخطه، قال:
ذكر نبذة من ترجمة مؤلف هذا التاريخ أسبغ الله عليه ظلاله، وختم بالصالحات أعماله.
قال كاتب هذه النسخة تلميذ المؤلف، وغرس نعمه، وأكبر محبّيه، وأصغر خدمه «أحمد بن حسين التركمانى الحنفى الشهير بالمرجى» لطف الله به:
لما اتصلت بخدمة مؤلف هذا الكتاب الجناب العالى المولوىّ الأميرىّ الكبيرىّ الفاضلىّ الكاملىّ الرئيسىّ الأوحدىّ العضدىّ الذّخرىّ النصيرىّ؛ نادرة الزمان، وعين الأعيان، وعمدة المؤرّخين، ورأس الرؤساء المعتبرين، وأهّلنى لكتابة هذا التاريخ، فضلا وإحسانا منه وصدقة علىّ. استوعبته كتابة ومطالعة وتأمّلا، فلم أر فيه مثله فى زمانه، لاختبارى ما اشتمل عليه من المحاسن التى لم توجد فى مثله من أبناء عصره، من لطيف المحاضرة، وفكاهة المنادمة، والعقل التامّ، وكرامة الأصالة الكريمة، والحرمة الوافرة، والعظمة الزائدة، وحسن الخلق، وبشاشة الوجه، وحسن الملتقى، والشكالة الحسنة التى يضرب بها المثل. وعلى ما قلته بلسان التقصير، وأعظم من ذلك من الأوصاف الجميلة التى لو استوعبها منطلق اللسان لملأ منها كتبا مجلدة، جميع من جالسه وحاضره من المتردّدين الى بابه، ومشنّفى أسماعهم بحسن
€
стр. 11
منادمته وخطابه؛ فأحببت ألا يخلو مثل هذا التاريخ من ترجمة مثل هذا المؤرّخ، إذ جرت العادة أن المؤرّخين لا يترجمون أنفسهم؛ ورأيت من بعض ما يجب على أن أذكر نبذة من ذكر بعض أحواله على سبيل الاختصار فأقول:
هو يوسف بن تغرى بردى بن عبد الله الأمير جمال الدين أبو المحاسن بن الأمير الكبير سيف الدين تغرى بردى اليشبغاوى الظاهرى أتابك العساكر بالديار المصرية، ثم كافل المملكة الشامية. سألته عن مولده فقال:
مولدى بالقاهرة بدار الأمير منجك «١» اليوسفى بجوار مدرسة السلطان حسن، فى حدود سنة اثنتى عشرة وثمانمائة تقريبا.
قلت: وتوفى والده الأمير الكبير تغرى بردى المذكور بدمشق على نيابتها فى محرّم سنة خمس عشرة وثمانمائة، فربّاه زوج أخته قاضى القضاة ناصر الدين محمد بن «٢» العديم الحنفى الى أن مات ابن العديم المذكور فى سنة تسع عشرة وثمانمائة، وتزوّج بأخته شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين «٣» عبد الرحمن البلقينى الشافعى، فتولى تربيته وحفّظه القرآن العزيز الى أن كبر وانتشا وترعرع، وحفظ مختصر القدورى فى الفقه، وطلب العلم وتفقه بالشيخ شمس الدين محمد الرومى الحنفى، وبقاضى القضاة
€
стр. 12
بهاء الدين أبى البقاء الحنفى قاضى مكة، وبقاضى القضاة بدر الدين محمود «١» العينى الحنفى. وأخذ النحو عن شيخنا العلامة تقىّ الدين «٢» الشّمنّى الحنفى، ولازمه كثيرا وتفقه عليه أيضا. وأخذ التصريف عن الشيخ علاء الدين الرومى وغيرهم. وقرأ المقامات الحريرية على العلامة قوام الدين «٣» الحنفى وأخذ عنه العربية أيضا وقطعة جيّدة من علم الهيئة. وأخذ البديع والأدبيّات عن العلامة شهاب الدين أحمد «٤» بن عربشاه الدمشقىّ الحنفىّ وغيره. وكتب عن شيخ الاسلام حافظ عصره شهاب الدين أحمد «٥»
€
стр. 13
ابن حجر كثيرا من شعره، وحضر دروسه، وانتفع بمجالسته. وعن قاضى القضاة جلال الدين «١» أبى السعادات بن ظهيرة قاضى مكة من شعره وشعر غيره. وعن العلامة بدر الدين «٢» بن العليف، والشيخ قطب الدين أبى الخير «٣» بن عبد القوى شاعرى مكة كثيرا من شعرهما. وكتب عن شعراء عصره واجتهد وحصل ونثر ونظم وبرع فى عدّة علوم وشارك فى عدّة فنون.
ثم حبّب اليه علم التاريخ فلازم مؤرّخى عصره مثل قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى، والشيخ تقىّ الدين «٤» المقريزى، واجتهد فى ذلك الى الغاية، وساعده جودة ذهنه، وحسن تصوّره، وصحيح فهمه، حتى برع ومهر وكتب وحصّل وصنّف وألّف وانتهت اليه رياسة هذا الشأن فى عصره.
€
стр. 14
سمع الحديث واستجاز، ومن مسموعاته العوالى كتاب «السنن لأبى داود» على المشايخ الثلاثة المسندين المعمرين: زين الدين عبد الرحمن «١» بن يوسف بن أحمد بن الطحان الدمشقى الحنبلى المشهور بابن قريج (بقاف وجيم مصغر) ، وعلاء الدين على «٢» ابن إسماعيل بن محمد بن بردس البعلبكى الحنبلى أيضا، وشهاب «٣» الدين أحمد بن عبد الرحمن المشهور بابن الناظر الصاحبة الحنبلى أيضا. وكتاب «جامع الترمذى» سمعه على الشيخين الأخيرين ابن بردس وابن ناظر الصاحبة بعد موت ابن الطحان، وسمع عليهما أيضا «شمائل المصطفى للترمذى» ومشيخة الفخر بن البخارى، و «مسند ابن عباس» ، وقطعة كبيرة من «مسند أحمد» فى عدّة مجالس.
ومن مسموعاته العوالى أيضا كتاب «فضل الخيل» للحافظ شرف الدين الدمياطى سمعه على الحافظ تقىّ الدين المقريزى بسماعه على الشيخ المسند ناصر الدين محمد بن يوسف بن طبرزد الحراوى بسماعه من مؤلفه، وله مسموعات كثيرة بالطالع والنازل.
€
стр. 15
وأجازه بالقاهرة حافظ العصر شيخ الاسلام قاضى القضاة شهاب الدين أحمد ابن حجر، والشيخ الحافظ تقي الدين أحمد بن على بن عبد القادر المقريزى الشافعى، والحافظ العلامة أبو محمد محمود بن أحمد العينى الحنفى، وأحمد بن عبد الرحمن بن أحمد الحنبلى، وأبو ذرّ عبد الرحمن «١» بن محمد الزركشى الحنبلى، وعز الدين عبد «٢» الرحيم ابن الفرات الحنفى، وإبراهيم بن «٣» صدقة بن إبراهيم بن إسماعيل الصالحى الحنبلى، ومحمد بن يحيى بن محمد الحنبلى، وأحمد بن محمد بن محمد الحنفى، وأحمد بن محمد بن إبراهيم الفيشى «٤» المالكى، والمسند محمد بن عبد «٥» الله الرشيدى، وعبد الله «٦» بن محمد الميمونى
€
стр. 16
وعبد الله بن أحمد «١» القمنى، وجلال الدين عبد الرحمن «٢» بن على بن عمر بن الملقّن، والحافظ أبو النعيم زين الدين رضوان «٣» بن محمد بن يوسف العقبى المستملى، وقاضى القضاة بدر الدين محمد «٤» أحمد بن محمد بن محمد، والعلامة شمس الدين «٥» محمد النواجى، والشيخ عز الدين أحمد «٦» بن إبراهيم بن نصر الله الحنبلى، ومحمد «٧» بن على بن أحمد الشهير بابن المغيربى وآخرون.
€
стр. 17
وبالحجاز قاضى القضاة جلال الدين أبو السعادات أحمد بن محمد بن ظهيرة الشافعى المكى، وقاضى القضاة بهاء الدين محمد أبو البقاء الحنفى المكى، وشاعرا مكة بدر الدين بن العليف، والشيخ أبو الخير بن عبد القوى وغيرهم.
وأجازه من حلب العلامة شهاب الدين أحمد «١» بن أبى بكر المرعشى الحنفى، وابن الشماع وغيرهما.
وبرع فى فنون الفروسية كلعب الرمح ورمى النشّاب وسوق البرجاس ولعب الكرة والمحمل. وأخذ هذه الفنون عن عظماء هذا الشأن، وفاق فيهم على أنداده، وساد على أقرانه علما وعملا؛ هذا مع الديانة والصيانة والعفّة عن المنكرات والفروج والاعتكاف «٢» عن الناس، وترك الترداد الى أعيان الدولة حتى ولا الى السلطان؛ مع حسن المحاضرة، ولطيف المنادمة، والحشمة الزائدة، والحياء الكثير، واتساع الباع فى علوم الآداب والتاريخ وأيام الناس، قلّ أن يخلو مجلسه من مذكّرات العلوم، جالسته كثيرا وتأدّبت بتربيته، وحسن رأيه وسياسته وتدبيره. يضرب به المثل فى الحياء والسكون، ما سمعته شتم أحدا من غلمانه، ولا من حاشيته، ولا تكبّر على أحد من جلسائه قط، كبيرا كان أو صغيرا، جليلا كان أو حقيرا.
وصحب بعض الأصلاء الأعيان كالقاضى كمال الدين بن البارزى، وقاضى القضاة شهاب الدين بن حجر وغيرهما من العلماء والرؤساء، ونكرّر ترداد غالبهم الى بابه، وحضروا مجلسه كثيرا وأحبّوه محبة زائدة.
€
стр. 18
هذا مع ما اشتمل عليه من الكرم الزائد، والميل الى الخير، ومحبته أهل العلم والفضل والصلاح، والإحسان اليهم بما تصل القدرة اليه.
وله اليد الطولى فى علم النغم والضروب والإيقاع حتى لعلّه لم يكن فيه مثله فى زمانه، انتهت اليه الرياسة فى ذلك وكتب كثيرا وحصّل وصنّف وألّف.
ومن مصنفاته هذا الكتاب الجليل وهو المسمى ب «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» فى سبعة مجلدات، هذه الستة ومجلد آخر يسمى «بالكنى» استوعب فيه ذكر الأعيان المشهورين بكنيتهم على هذا الشرط، وهو من أوّل دولة الترك ومختصره المسمى «بالدليل الشافى على المنهمل الصافى» ومختصره سماه «مورد اللطافة فى ذكر من ولى السلطنة والخلافة» وذيل على الإشارة للحافظ الذهبى مختصرا سماه «بالبشارة فى تكملة الإشارة» وكتاب «حلية الصفات فى الأسماء والصناعات» مرتبا على الحروف، يشتمل على مقاطيع وتواريخ وأدبيات، بديع فى معناه، وغير ذلك. كل ذلك فى عنفوان شبيبته.
ونرجو، إن أطال الله عمره وفسح فى أجله، ليملأنّ خزائن من العلوم والمصنفات فى كل فنّ، لعلمى باتساع باعه فى التصنيف والتأليف.
ومن شعره ما أنشدنى من لفظه لنفسه- حفظه الله تعالى- فى مليح اسمه «حسن» قوله:
طرفه الأحور زاه شاقنى ... وبه قد ضاع علمى بالوسن
جوره عدل علينا فى الهوى ... كلّ فعل منه لى فهو حسن
€
стр. 19
وله أيضا:
تجارة الصبّ غدت ... فى حبّ خود كاسده
ورأس مالى هبة ... لفرحتى بفائده
وله أيضا:
أيبك قطز يعقبو بيبرس ذو الإكمال ... بعدو قلاوون بعدو كتبغا المفضال
لاجين بيبرس برقوق شيخ ذو الإفضال ... ططر برسباى جقمق ذو العلا إينال
ترجمة المؤلف عن الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع للسخاوى «١»
يوسف بن تغرى بردى الجمال أبو المحاسن بن الأتابكى بالديار المصرية، ثم نائب الشام اليشبغاوى الظاهرىّ القاهرىّ الحنفىّ. ولد فى شوّال تحقيقا سنة ثلاث عشرة وثمانمائة تقريبا بدار منجك اليوسفى، جوار المدرسة الحسنيّة، ومات أبوه بدمشق على نيابتها وهو صغير، فنشأ فى حجر أخته عند زوجها الناصرىّ بن العديم الحنفىّ، ثم عند الجلال البلقينى، لكونه كان خلفه عليها. وحفظ القرآن، ثم فى كبره- فيما زعم- مختصر القدورى وألفية النحو وإيساغوجى، واشتغل يسيرا وقال إنه قرأ فى الفقه على الشمس والعلاء الروميين، وفى الصرف على ثانيهما، وكذا اشتغل فى الفقه على العينى وأبى البقاء بن الضياء المكى والشمنى ولازمه أكثر، وعليه اشتغل فى شرح الألفية لابن عقيل والكافياجى
€
стр. 20
وعليه حضر فى الكشاف والزين قاسم، واختص به كثيرا وتدرّب به، وقرأ فى العروض على النّواجى، والمقامات الحريرية على القوام الحنفى، وعليه اشتغل فى النحو أيضا بل أخذ عنه قطعة جيدة من علم الهيئة، وقرأ أقراباذين فى الطب على سلام الله، وفى البديع وبعض الأدبيات على الشهاب بن عربشاه، وكتب عن شيخنا من شعره وحضر دروسه وانتفع، فيما زعم، بمجالسته؛ وكذا كتب بمكة عن قاضيها أبى السعادات بن ظهيرة من شعره وشعر غيره، وعن البدر بن العليف وأبى الخير بن عبد القوىّ وغيرهم من شعراء القاهرة؛ وتدرّب كما ذكر فى الفنّ بالمقريزى والعينى وسمع عليهما الحديث، وكذا بالقلعة عند نائبها تغرى برمش الفقيه على بن الطحان وابن بردس وابن ناظر الصاحبة، وأجاز له الزين الزركشى وابن الفرات وآخرون. وحج غير مرة أوّلها فى سنة ست وعشرين، واعتنى بكتابة الحوادث من سنة أربعين، وزعم أنه أوقف شيخه المقريزى على شىء من تعليقه فيها فقال: دنا الأجل، إشارة إلى وجود قائم بأعباء ذلك بعده، وأنه كان يرجع إلى قوله فيما يذكره له من الصواب بحيث يصلح ما كان كتبه أوّلا فى تصانيفه، بل سمعته يرجح نفسه على من تقدّمه من المؤرّخين من ثلاثمائة سنة بالنسبة لاختصاصه دونهم بمعرفة الترك وأحوالهم ولغاتهم، ورأيته إذ أرّخ وفاة العينى قال فى ترجمته: إن البدر البغدادى الحنبلى قال له وهما فى الجنازة: خلا الجوّ، إشارة إلى أنه تفرّد؛ وما رأيته ارتضى وصفه له بذلك من حينئذ فقط، فانه قال إنه رجع من الجنازة فأرسل له ما يدل على أن العينى كان يستفيد منه، بل سمعته يصف نفسه بالبراعة فى فنون الفروسية كلعب الرمح ورمى النشّاب وسوق البرجاس ولعب الكرة والمحمل ونحو ذلك.
€
стр. 21
وبالجملة فقد كان حسن العشرة، تامّ العقل- إلا فى دعواه فهو حمق- والسكون، لطيف المذاكرة، حافظا لأشياء من النظم ونحوه، بارعا حسبما كنت أتوهّمه فى أحوال الترك ومناصبهم وغالب أحوالهم، منفردا بذلك لا عهد له بمن عداهم، ولذلك تكثر فيه أوهامه، وتختلط ألفاظه وأقلامه، مع سلوك أغراضه، وتحاشيه عن مجاهرة من أدبر عنه بإعراضه، وما عسى أن يصل اليه تركى!.
وقد تقدّم عند الجمالى ناظر الخاص بسبب ما كان يطريه به فى الحوادث، وتأثّل منه دنيا، وصار بعده الى جانبك الجداوى فزادت وجاهته، واشتهرت عند أكثر الأتراك ومن يلوذ بهم من المباشرين وشبههم فى التاريخ براعته. وبسفارته عند جانبك خلص البقاعى من ترسيمه حين ادعى عليه عنده بما فى جهته لجامع الفكّاهين، لكون البقاعى ممن كان يكثر التردّد لبابه، ويسامره بلفظه وخطابه؛ وربما حمله على إثبات مالا يليق فى الوقائع والحوادث مما يكون موافقا لغرضه، خصوصا فى تراجم الناس وأوصافهم، لما عنده من الضّغن والحقد، كما وقع له فى أبى العباس الواعظ وابن أبى السعود. وكان إذا سافر يستخلف فى كتابة الحوادث ونحوها التقىّ القلقشندى.
وقد صنف المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى فى ستة مجلدات تراجم خاصة على حروف المعجم من أوّل دولة الترك؛ والدليل الشافى على المنهل الصافى؛ ومورد اللطافة فيمن ولى السلطنة والخلافة؛ والبشارة فى تكملة الإشارة للذهبى؛ وحلية الصفات فى الأسماء والصناعات، مشتمل على مقاطيع وتواريخ وأدبيات، رتبه على حروف المعجم وغير ذلك «١» .
€
стр. 22
وفيها الوهم الكثير والخلط الغزير مما يعرفه النقاد، والكثير من ذلك ظاهر لكل. ومنه السّقط فى الأنساب كتسمية الحجار أحمد بن نعمة مع كون نعمة جدّه الأعلى. وكحذفه ما يتكرر من الأسماء فى النسب أو الزيادة فيه بأن يكون فى النسب ثلاثة محمدين فيجعلهم أربعة، أو أربعة فيجعلهم خمسة. والقلب كأن يكون المترجم طالبا لواحد فيجعله شيخا له. والتصحيف والتحريف كالغرافى بالفاء والغين المعجمة يجعله مرة بالقاف، ومرة بالعين والقاف مخففا، وكالحسامية بالخسابية، وتسعين بسبعين وعكسه، وابن سكّر حيث ضبطه بالشين المعجمة، وفريد الدين بمؤيد الدين. والتغيير كسليمان من سلمان وعكسه، وعبد الله من أبى عبد الله، وسعد من سعد الله، وثبا «١» حيث جعله عليا، وعبد الغفار صاحب الحاوى حيث جعله عبد الوهاب، وابن أبى جمرة الولى الشهير حيث جعله محمدا، وصلاح الدين خليل بن السابق أحد رؤساء الشام سماه محمدا، وعبد الرحمن البوتيجى الشهير جعله أبا بكر، وأحمد بن على القلقشندى صاحب صبح الأعشى سمى والده عبد الله.
والتكرير فيكتب الرجل فى موضعين مرة فى إبراهيم ومرة فى أحمد، وربما تنبه لذلك فيجوّز كونه أخا ثانيا. وإشهار المترجم بما لا يكون به مشهورا حيث يروم التشبه بابن خلكان أو الصفدى فيما يكتبانه بهامش أوّل الترجمة لسهولة الكشف عنه ككتابته مقابل ترجمة أحمد بن محمد بن عبد المعطى جدّ قاضى المالكية بمكة المحيوى عبد القادر ما نصه: ابن طراد النحوى الحجازى. أو وصفه بما لم يتصف به كالصلاح بن أبى عمر حيث وصفه بالحافظ، والجمال الحنبلى بالعلامة، وناصر الدين ابن المخلّطة بقوله: إنه لم يخلف بعده مثله ضخامة وعلما ومعرفة ودينا وعفة. وتعبيره
€
стр. 23
بما لا يطابق الواقع كقوله فى البرهان بن خضر: تفقه بابن حجر. أو شرحه لبعض الألقاب بما لا أصل له حيث قال فى ابن حجر: نسبة الى آل حجر يسكنون الجنوب الآخر على بلاد الخربة وأرضهم قابس. أو لحنه الواضح وما أشبهه كأزوجه فى زوّجه، والحياة فى الحيا، والمجاز فى المزاح، وأجعزه فى أزعجه، والكيابة فى الكآبة، والحطيط فى الحضيض، ومنتضمة فى منتظمة، وظنين فى ضنين.
بل ويذكر فى الحوادث ما لم يتفق كأنه كان يكتب بمجرّد السماع كقوله فى الشهاب ابن عربشاه- مع زعمه أنه من شيوخه-: إنه استقر فى قضاء الحنفية بحماة فى صفر سنة أربع وخمسين عوضا عن ابن الصوّاف، وإن ابن الصوّاف قدم فى العشر الثانى من الشهر الذي يليه فأعيد فى أواخر جمادى الآخرة، وهذا لم يتفق كما أخبرنى به الجمالى بن السابق الحموى، وكفى به عمدة سيما فى أخبار بلده.
وكقوله عن جانم: إنه لما أمر برجوعه من الخانقاه الى الشام توجه كاتب السر ابن الشّحنة لتحليفه فى يوم الثلاثاء ثامن عشر رمضان سنة خمس وستين، فإن هذا كما قال ابن الشحنة المشار إليه لم يقع. وكقوله: إن صلاح الدين بن الكويز استقرّ فى وكالة بيت المال عوضا عن الشرف الأنصارى فى رجب سنة ثلاث وستين، وفى ظنى أن المستقرّ حينئذ فيها إنما هو الزين بن مزهر. ويذكر فى الوفيات تعيين محالّ دفن المترجمين فيغلط: كقوله فى نصر الله الرويانى: إنه دفن بزاويته، الى غير ذلك من تراجمه التى يقلد فيها بعض المتعصبين كما تقدّم. أو يسلك فيها الهوى، كترجمته لمنصور بن صفىّ وجانبك الجداوى، بل سمعت غير واحد من أعيان الترك ونقادهم العارفين بالحوادث والذوات يصفونه بمزيد الخلل فى ذلك. وحينئذ فما بقى ركون لشىء مما يبديه، وعلى كل حال فقد كان لهم به جمال. وقد اجتمعت به مرارا وكان يبالغ
€
стр. 24
فى إجلالى اذا قدمت عليه ويخصنى بتكرمة للجلوس، والتمس منى اختصار الخطط للمقريزى، وكتبت عنه ما قال إنه من نظمه فيمن اسمها «فائدة» وهو:
تجارة الصبّ غدت ... فى حبّ خود كاسده
ورأس مالى هبة ... لفرحتى بفائده
وابتنى له تربة هائلة بالقرب من تربة الأشرف إينال، ووقف كتبه وتصانيفه بها وتعلل قبل موته بنحو سنة بالقولنج واشتدّ به الأمر من أواخر رمضان بإسهال دموىّ بحيث انتحل وتزايد كربه، وتمنى الموت لما قاساه من شدّة الألم إلى أن قضى فى يوم الثلاثاء خامس ذى الحجة سنة أربع وسبعين ودفن من الغد بتربته، وعسى أن يكون كفّر عنه، ﵀ وعفا عنه وإيانا «١» .
€
стр. 25
ترجمة المؤلف عن شذرات الذهب فى أخبار من ذهب «١» لابن العماد الحنبلى فى حوادث سنة ٨٧٤ هـ
جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن الأمير الكبير سيف الدين تغرى بردى الحنفى الإمام العلامة. ولد بالقاهرة سنة اثنتى عشرة وثمانمائة ورباه زوج أخته قاضى القضاة ناصر الدين بن العديم الحنفى إلى أن مات، فتروّج بأخته جلال الدين البلقينى الشافعى فتولى تربيته وحفظ القرآن العزيز. ولما كبر اشتغل بفقه الحنفية وحفظ القدورى وتفقّه بشمس الدين محمد الرومى وبالعينى وغيرهما، وأخذ النحو عن التقىّ الشّمنّى ولازمه كثيرا وتفقه به أيضا، وأخذ التصريف عن الشيخ علاء الدين الرومى وغيره، وقرأ المقامات الحريرية على قوام الدين الحنفىّ وأخذ عنه العربية أيضا وقطعة جيدة من علم الهيئة، وأخذ البديع والأدبيات عن الشهاب بن عربشاه الحنفىّ وغيره،
€
стр. 26
وحصر على ابن حجر العسقلانى وانتفع به، وأخذ عن أبى السعادات بن ظهيرة وابن العليف وغيرهما.
ثم حبّب إليه علم التاريخ فلازم مؤرّخى عصره مثل العينىّ والمقريزىّ، واجتهد فى ذلك إلى الغاية وساعدته جودة ذهنه وحسن تصوّره وصحة فهمه، ومهر وكتب وحصّل وصنّف وانتهت إليه رآسة هذا الشأن فى عصره، وسمع شيئا كثيرا من كتب الحديث، وأجازه جماعات لا تحصى مثل ابن حجر والمقريزىّ والعينىّ.
ومن مصنفاته كتاب المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى فى ستة مجلدات، ومختصره المسمى بالذيل الشافى على المنهل الصافى، ومختصر سماه مورد اللطافة فى ذكر من ولى السلطنة والخلافة، والنجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، وذيل على الإشارة للحافظ الذهبى سماه بالبشارة فى تكملة الإشارة، وكتاب حلية الصفات فى الأسماء والصناعات مرتبا على الحروف، وغير ذلك. ومن شعره:
تجارة الحب غدت ... فى حب خود كاسده
ورأس مالى هبة ... لفرحتى بفائده
ومنه مواليا فى عدّة ملوك الترك:
أبيك قطز يعقب بيبرس ذو الإكمال ... بعدو قلاوون بعدو كتبغا المفضال
لاچين بيبرس برقوق شيخ ذو الإفضال ... ططر برسباى چقمق ذو العلا إينال
وتوفى فى ذى الحجة.
حديث ابن إياس عن المؤلف
وقد أشار ابن إياس فى تاريخه (ج ٢ ص ١١٨) الى ترجمته عند ذكر وفاته فى حوادث سنة أربع وسبعين وثمانمائة فقال:
€
стр. 27
«وفيه كانت وفاة الجمالى يوسف بن الأتابكى تغرى بردى اليشبغاوى الرومى نائب الشام. وكان الجمالى يوسف رئيسا حشما فاضلا حنفىّ المذهب وله اشتغال بالعلم، وكان مشغوفا بكتابة التاريخ وألف فى ذلك عدّة تواريخ منها تاريخه الكبير الموسوم بالنجوم الزاهرة؛ والمنهل الصافى؛ ومورد اللطافة فيمن ولى السلطنة والخلافة؛ وله تاريخ فى وقائع الأحوال على حروف الهجاء؛ وله غير ذلك عدّة مصنفات. وكان نادرة فى أولاد الناس. ومولده سنة ثلاث عشرة وثمانمائة» اهـ.
مؤلفاته ولابن تغرى بردى عدا كتاب «النجوم الزاهرة» الكتب الآتية «١» :
١- مورد اللطافة فيمن ولى السلطنة والخلافة: اقتصر فيه على ذكر الخلفاء والسلاطين بغير مزيد، واستفتح بذكر النّبيّ ﷺ فالخلفاء الراشدين الى الخليفة القائم بأمر الله. ثم ذكر العبيديين ومن خلفهم على مصر الى أيامه.
منه نسخة فى مكتبة محمد الفاتح ومكتبة بشير أغا فى الأستانة، وفى غوطا مع ذيل الى سنة ٩٠٦ هـ، وفى باريس وأكسفورد وكمبريدچ وتونس. وطبع فى كمبريدچ سنة ١٧٩٢ م وله ذيول منها: «منهل الظرافة، لذيل مورد اللطافة» بأسماء أمراء مصر الى سنة ٨٨٤ هـ فى برلين.
٢- منشأ اللطافة، فى ذكر من ولى الخلافة: وهو تاريخ مصر من أقدم أزمانها الى سنة ٧١٩ هـ فى باريس.
€
стр. 28
٣- المنهل الصافى، والمستوفى بعد الوافى: هو معجم لمشاهير الرجال العظام من سنة ٦٥٠ هـ الى آخر أيام المؤلف، أراد به أن يكون ذيلا للوافى تأليف الصفدى.
منه نسخة فى دار الكتب المصرية فى ثلاثة مجلدات كبيرة صفحاتها نحو ٣٠٠٠ صفحة منقولة عن مكتبة عارف بك بالمدينة. ترجم فيها مئات من الأعيان والعلماء، وأسند كل رواية الى صاحبها.
ومن لطيف ما جاء فى مقدّمته- وقد خالف به أكثر مؤلفى عصره- قوله:
«كنت قد اطلعت على نبذ من سيرهم وأخبارهم (يعنى رجال التاريخ) ووقفت فى كتب التاريخ على الكثير من آثارهم فحملنى ذلك على سلوك هذه المسالك، وإثبات شىء من أخبار أمم الممالك، غير مستدعى الى ذلك من أحد من أعيان الزمان، ولا مطالب به من الأصدقاء والخلّان، ولا مكلّف لتأليفه وترصيفه من أمير ولا سلطان؛ بل اصطفيته لنفسى، وجعلت حديقته مختصة بباسقات غرسى؛ ليكون فى الوحدة لى جليسا، وبين الجلساء مسامرا وأنيسا ... الخ» .
وهذا يخالف طريقة سائر المؤلفين فى ذلك العهد، وقد اختصره فى كتاب سماه: «الدليل الشافى على المنهل الصافى» منه نسخة فى مكتبة بشير أغا بالآستانة.
٤- نزهة الرائى فى التاريخ: هو تاريخ مفصل على السنين والشهور والأيام فى عدّة مجلدات، منها الجزء التاسع فى اكسفورد لحوادث سنة ٦٧٨- ٧٤٧
٥- حوادث الدهور فى مدى الأيام والشهور: جعله ذيلا على كتاب السلوك للمقريزى بدأ به حيث انتهى ذاك الى سنة ٨٥٦ هـ، لكنه خالف المقريزى فى طريقته فأطال فى التراجم إلا ما جاء ذكره منها فى المنهل الصافى. منه نسخ فى برلين والمتحف البريطانى وأيا صوفيا.
€
стр. 29
٦- البحر الزاخر فى علم الأوائل والأواخر: مطوّل فى التاريخ على السنين، منه جزء صغير فى باريس من سنة ٣٢- ٧١ هـ.
فهارس الكتاب
وإتماما للفائدة وتعميما للنفع قام القسم الأدبى بعمل فهارس وافية لهذا الجزء شملت ذكر الولاة الذين ولوا حكم مصر والأعلام التى وردت فيه والقبائل والأماكن ووفاء النيل وغير ذلك مرتبة على حروف المعجم، وقد بذل كل من حضرتى محمد عبد الجواد الأصمعىّ افندى وعلى أحمد الشهداوىّ افندى المصححين بالقسم الأدبى مجهودا فى هذا الشأن يستحقان عليه الثناء.
أحمد زكى العروى
رئيس قسم التصحيح بنار الكتب المصرية
стр. 30
[خطبة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحابته وسلم الحمد لله الذي أيد الإسلام بمبعث سيد الأنام، وجعل مدده شاملا لكل خليفة وإمام، فهم ظل الله فى أرضه يأوى اليه كل ملهوف، والزعماء القائمون بنهى كلّ منكر وأمر كل معروف؛ قلّبهم فى أطوارها دولا، وخالف بينهم اعتقادا وقولا وعملا؛ وجعل قصصهم عبرة لأولى الألباب، وتذكرة فى كل خبر وكتاب؛ فمن عدل منهم كان أوّل السبعة «١» ، ومن ظلم كان فى أخباره شنعة؛ أحمده حمدا كثيرا على أن عرّفنا من صلح منهم ومن فسد، ومن هو فى الوغى مدد، وبين الأنام عدد؛ ونشكره على أن أخّرنا عن كل الأمم، وهذا لعمرى من أعظم الإحسان وأسبغ النعم؛ لنعاين ممن «٢» تقدّم آثارهم، ونشاهد منازلهم وديارهم، ونسمع كما وقعت وجرت أخبارهم؛ أعظم بها من منّة جليلة، وكرامة وفضيلة؛ إذ أخبرنا عنهم ما لم يخبروه عنا، ورأينا منهم ما لم يروه منا؛ فلنقابل هذه المنة بالإنصاف، فى كل مترجم ومن اليه انضاف؛ فنخبر بذلك من تأخر عصره من الأقوام، بأفواه المحابر وألسن الأقلام؛
стр. 31
ليقتدى كل ملك يأتى بعدهم بجميل الخصال، ويتجنب ما صدر منهم من اقتراح «١» المظالم وقبيح الفعال؛ ولم أقل كمقالة الغير إننى مستدعى الى ذلك من أمير أو سلطان، ولا مطّلب به من الأصدقاء والإخوان؛ بل ألّفته لنفسى، وأينعته بباسقات غرسى؛ ليكون لى فى الوحدة جليسا، وبين الجلساء مسامرا وأنيسا؛ ولا أنزّهه من خلل وإن حوى أحسن الخلال، ولا من زلل وإن طاب مورده الزلال؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادة لا ينقص قدر إيمانها بعد تأكده، ولا يخفض مجد إتقانها بعد تشيّده؛ وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي كان لقول الحق أهلا، ومن جعل بتشريعه طرق الفلاح لسالك سننه سهلا؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرّيته وأتباعه.
أما بعد فلما كان لمصر ميزة على كل بلد بخدمة الحرمين الشريفين، أحببت أن أجعل تاريخا لملوكها مستوعبا من غير مين؛ فحملنى ذلك على تأليف هذا الكتاب وإنشائه، وقمت بتصنيفه وأعبائه؛ واستفتحته بفتح مصر وما وقع لهم فى المسالك، ومن حضرها من الصحابة ومن كان المتولّى لذلك؛ وعلى أىّ وجه فتحت: صلح أم عنوة من أصحابها، وأجمع فى ذلك أقوال من اختلف من المؤرّخين وأهل الأخبار وأربابها؛ وذلك بعد اتصال سندى الى من لى عنه منهم رواية، ليجمع الواقف عليه بين صحة النقل والدراية؛ وأطلق عنان القلم فيما جاء فى فضلها وذكرها من الكتاب العزيز، وما ورد فى حقها من الأحاديث وما اختصت به من المحاسن فصار لها على غيرها بذلك التمييز؛ ثم أذكر من وليها من يوم فتحت وما وقع فى دولته من العجب، واحدا بعد واحد لا أقدّم أحدا منهم على أحد باسم ولا كنية ولا لقب؛ ثم أذكر أيضا فى كل ترجمة ما أحدث صاحبها فى أيام ولايته من الأمور، وما جدّده من
стр. 32
القواعد والوظائف والولايات فى مدى الدهور؛ ولا أقتصر على ذلك بل أستطرد الى ذكر ما بنى فيها من المبانى الزاهرة، كالميادين والجوامع ومقياس النيل وعمارة القاهرة؛ أوّلا بأوّل أذكره فى يوم مبناه وفى زمان سلطانه، مستوعبا لهذا المعنى ضابطا لشانه؛ على أننى أذكر من توفى من الأعيان فى دولة كل خليفة وسلطان باقتصار، بعد فراغ ترجمة المقصود من الملوك مع ذكر بعض الحوادث فى مدّة ولاية المذكور فى أيما قطر من الأقطار؛ وأبدأ فيه بعد التعريف بأحوال مصر بولاية عمرو ابن العاص فى المملكة الإسلامية، ثم ملك بعد ملك كل واحد على حدته وما وقع فى أيامه الى الدولة الأشرفية الإينالية؛ وسميته:
«النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة»
والله الموفّق والمنّان وبالله المستعان.
стр. 33
ذكر فتح مصر لابن عبد الحكم وغيره
قال المؤلف: أخبرنا حافظ العصر قاضي القضاة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي مشافهة عن أبي هريرة بن الذهبي قال:
أخبرنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي روى خليفة عن غير واحد: «أن في سنة عشرين كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر، فسار وبعث عمر الزبير بن العوام مردفاً له ومعه بسر بن أبى «١» أرطاة وعمير بن وهب الجمحي وخارجة بن حذافة العدوي حتى أتى بابليون «٢» ، فحصنوا، فافتتحها عنوة وصالحه أهل الحصن؛ وكان الزبير أول من ارتقى سور المدينة ثم تبعه الناس، فكلم الزبير عمرًا أن يقسمها بين من افتتحها، فكتب عمرو إلى عمر بذلك ثم رقي إلى المنبر وقال: «لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر علي عهد ولا عقد، إن شئت قتلت، وإن شئت بعت، وإن شئت خمست» . انتهى كلام الذهبىّ.
стр. 34
وقال علي- وعليّ مصغر- بن رباح: المغرب «١» كله عنوة، فتدخل مصر فيها اهـ.
وقال ابن عمر: افتتحت مصر بغير عهد. وقال يزيد بن أبي حبيب:
مصر كلها صلح إلا الإسكندرية.
وأما فتوح مصر لابن عبد الحكم فقد أخبرنا به حافظ العصر شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي مشافهة قال: قرأت على أبي المعالي عبد الله بن عمر بن علي أخبرنا، إجازة إن لم يكن سماعًا، عن زهرة بنت عمر أخبرنا الكمال أبو الحسن عليّ بن شجاع أخبرنا أبو القاسم هبة الله ابن علي البوصيري أخبرنا أبو صادق مرشد بن يحيى المديني أخبرنا أبو الحسن علي بن منير الخلال وأبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج الأنصاري أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن خلف بن قديد الأزدي أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله ابن عبد الحكم قال:
لما قدم عمر بن الخطاب ﵁ الجابية «٢» قام إليه عمرو بن العاص ﵁ فخلا به وقال: يا أمير المؤمنين، ائذن لي أن أسير إلى مصر، وحرضه عليها وقال: إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونًا لهم، وهي أكثر الأرض أموالا وأعجز [ها] «٣» عن القتال والحرب، فتخوف عمر بن الخطاب على المسلمين وكره ذلك، فلم يزل عمرو يعظم أمرها عنده ويخبره بحالها ويهون عليه فتحها، حتى ركن إليه عمر وعقد له على أربعة آلاف رجل [كلهم من «٤» عك] ، ويقال: [بل] «٥»
стр. 35
ثلاثة آلاف وخمسمائة، وقال له عمر: سر وأنا مستخير الله في مسيرك، وسيأتيك كتابي سريعًا إن شاء الله تعالى، فإن أدركك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئاً من أرضها فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك واستعن بالله واستنصره.
فسار عمرو بن العاص من جوف الليل ولم يشعر به أحد من الناس فاستخار عمر «١» وكاتبه يتخوف على المسلمين بالرجوع، فأدرك الكتاب عمرا وهو برمح؛ فتخوف عمرو إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه وسار كما هو حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل [عنها] «٢» فقيل: إنها من أرض مصر، فدعا بالكتاب وقرأه على المسلمين؛ فقال عمرو لمن معه: ألستم تعلمون أنّ هذه القرية من أرض مصر؟ قالوا: بلى، قال:
فإن أمير المؤمنين عهد إلي وأمرني إن لحقني كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، ولم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض مصر، فسيروا وامضوا على بركة الله. وقيل غير ذلك: وهو أن عمر أمره بالرجوع وخشن عليه في القول.
وروي نحو مما ذكرنا من وجه آخر، من ذلك: أن عثمان بن عفان ﵁ دخل على عمر بن الخطاب ﵄، فقال عمر له: كتبت إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر من الشأم، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، إن عمراً لمجرأ وفيه إقدام وحب للإمارة، فأخشى أن يخرج في غير ثقة ولا جماعة فيعرض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدرى تكون أم لا، فندم عمر على كتابه إلى
стр. 36
عمرو إشفاقاً على المسلمين، ثم قال عثمان: فاكتب إليه: إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل مصر فارجع إلى موضعك، وإن كنت دخلت فامض لوجهك.
فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر توجه إلى موضع الفسطاط، فكان يجهز على عمرو الجيوش وكان على القصر (يعني قصر الشمع الذي بمصر القديمة) رجل من الروم يقال له الأعيرج والياً عليه، وكان تحت يد المقوقس، واسمه:
جريج بن مينا، وأقبل عمرو حتى إذا كان بالعريش، فكان أول موضع قوتل فيه الفرما «١» قاتلته الروم قتالاً شديدًا نحواً من شهر ثم فتح الله على يديه، وكان عبد الله ابن سعد على ميمنة عمرو منذ خروجه من قيسارية إلى أن فرغ من حربه؛ ثم مضى عمرو نحو مصر وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له: أبو ميامين، فلما بلغه قدوم عمرو إلى مصر كتب إلى قبط مصر يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة وأن ملكهم قد أنقطع، وأمرهم بتلقي عمرو.
ويقال: إن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعواناً؛ ثم توجه عمرو لا يدافع إلا بالأمر الأخف حتى نزل القواصر، فسمع رجل من لخم نفراً من القبط يقول بعضهم لبعض: ألا تعجبون من هؤلاء القوم يقدمون على جموع الروم وإنما هم في قلة من الناس! فأجابه رجل منهم فقال: إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه حتى يقتلوا أخيرهم؛ ثم تقدم عمرو أيضا لا يدافع إلا بالأمر
стр. 37
الخفيف حتى أتى بلبيس فقاتل نحواً من شهر حتى فتح الله عليه؛ ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى أم دنين «١» ، فقاتلوا من بها قتالاً شديداً وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر ﵁ يستمده فأمده بأربعة ّآلاف تمام ثمانية آلاف مع عمرو، فوصلوا إليه إرسالاً يتبع بعضهم بعضاً ثم أحاط المسلمون بالحصن وأميره يومئذ المندقور الذي يقال له الأعيرج من قبل المقوقس وهو ابن قرقب اليونانيّ وكان المقوقس ينزل بالإسكندرية وهو فى سلطان هرقل غير أنه كان حاضراً الحصن حين حاصره المسلمون، فقاتل عمرو بن العاص من بالحصن، وجاء رجل إلى عمرو وقال: اندب معي خيلاً حتى آتي من ورائهم عند القتال، فأخرج معه عمرو خمسمائة فارس عليهم خارجة بن حذافة، في قول، فساروا من وراء الجبل حتى وصلوا مغار بني وائل قبل الصبح، وكانت الروم قد خندقوا خندقاً وجعلوا له أبواباً وبثوا في أفنيتها حسك «٢» الحديد، فالتقاهم القوم حين أصبحوا وخرج خارجة من ورائهم فانهزموا حتى دخلوا الحصن وقاتلهم قتالا شديدا بصبحهم وعشيهم، فلما أبطأ الفتح على عمرو كتب إلى عمر ﵁ يستمده ويعلمه بذلك، فأمده بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود»
، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد- في قول- وقيل: خارجة بن حذافة الرابع، لا يعدون مسلمة. وقال عمر له: اعلم أن معك أثنى عشر ألفًا ولن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة.
стр. 38
وقيل غير ذلك، وهو أن الزبير ﵁ قدم إلى عمرو في اثني عشر ألفاً وأن عمراً لما قدم من الشأم كان في عدة قليلة فكان يفرق أصحابه ليرى العدو أنهم أكثر مما هم، فلما انتهى إلى الخندق بادره رجل بأن قال: قد رأينا ما صنعت وإنما معك من أصحابك كذا وكذا فلم يخطئوا برجل واحد، فأقام عمرو على ذلك أياماً يغدو في السحر فيصف أصحابه على أفواه الخندق عليهم السلاح، فبينماهم على ذلك إذ جاءه خبر الزبير بن العوام في اثني عشر ألفًا فتلقاه عمرو، ثم أقبلا فلم يلبث الزبير أن ركب وطاف بالخندق ثم فرق الرجال حول الخندق وألح عمرو على القصر ووضع عليه المنجنيق.
ودخل عمرو إلى صاحب الحصن فتناظرا في شيء مما هم فيه، فقال عمرو:
أخرج وأستشير أصحابي، وقد كان صاحب الحصن أوصى الذي على الباب إذا مر به عمرو أن يلقي عليه صخرة فيقتله، فمر عمرو وهو يزيد الخروج برجل من العرب فقال له: قد دخلت فأنظر كيف تخرج، فرجع عمرو إلى صاحب الحصن فقال له:
إني أريد أن آتيك بنفر من أصحابي حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، فقال العلج في نفسه: قتل جماعة أحب إلي من قتل واحد، فأرسل إلى الذي كان أمره بما أمره من أمر عمرو ألا يتعرض له رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم، فخرج عمرو.
وبينما عبادة بن الصامت في ناحية يصلي وفرسه عنده رآه قوم من الروم فخرجوا إليه وعليهم حلية وبزة، فلما دنوا منه سلم من الصلاة ووثب على فرسه ثم حمل عليهم، فلما رأوه ولوا هاربين وتبعهم، فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم، فصار لا يلتفت إليه حتى دخلوا إلى الحصن، ورمي عبادة من فوق الحصن بالحجارة، فرجع ولم يتعرض لشيء مما طرحوه من متاعهم حتى رجع إلى موضعه الذي كان فيه فاستقبل الصلاة؛ وخرج الروم إلى متاعهم وجمعوه.
стр. 39
فلما أبطأ الفتح على عمرو قال الزبير: إني أهب نفسي لله تعالى وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره يجيبونه جميعا؛ فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفاً أن ينكسر السلم، وكبر الزبير تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج، فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً الحصن فهربوا وعمد الزبير بأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن. فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو ابن العاص الصلح ودعاه إليه على أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو إلى ذلك.
وكان مكثهم على القتال حتى فتح الله عليهم سبعة أشهر. انتهى كلام ابن عبد الحكم باختصار.
وقال غيره في الفتح وجهاً آخر قال: لما حصر المسلمون بابليون وكان به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم وعليهم المقوقس فقاتلوهم شهراً، فلما رأى القوم الجد من العرب على فتحه والحرص، ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر الأقباط وخرجوا من باب القصر القبلي وتركوا به جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة (موضع «١» الصناعة اليوم) وأمروا بقطع الجسر وذلك في جري النيل. ويقال: إن الأعيرج تخلف بالحصن بعد المقوقس؛ فأرسل المقوقس إلى عمرو:
«إنكم قد ولجتم في بلادنا وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلتكم الروم وجهزوا إليكم ومعهم من العدة والسلاح، وقد
стр. 40
أحاط بكم هذا النيل. وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالاً منكم نسمع من كلامهم فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب وينقطع عنا وعنكم القتال قبل أن يغشاكم جموع الروم، فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه.
ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لمطلبكم ورجائكم، فابعثوا إلينا رجالاً من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء» .
فلما أتت عمراً رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل [ويحبسونهم «١» ] ويستحلون ذلك في دينهم! وإنما أراد عمرو بذلك أنهم يرون حال المسلمين.
فرد عليهم عمرو مع رسلهم: إنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال:
إما أن دخلتم فى الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا. وإن أبيتم فأعطيتم «٢» الجزية عن يد وأنتم صاغرون. وإما أن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين. فلما جاءت رسل المقوقس إليه قال: كيف رأيتموهم؟ قالوا:
رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم فى الدنيا رغبة ولا نهمة، وإنما جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد؛ يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم.
следующие страницы →