← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عمرو إشفاقاً على المسلمين، ثم قال عثمان: فاكتب إليه: إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل مصر فارجع إلى موضعك، وإن كنت دخلت فامض لوجهك. فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر توجه إلى موضع الفسطاط، فكان يجهز على عمرو الجيوش وكان على القصر (يعني قصر الشمع الذي بمصر القديمة) رجل من الروم يقال له الأعيرج والياً عليه، وكان تحت يد المقوقس، واسمه: جريج بن مينا، وأقبل عمرو حتى إذا كان بالعريش، فكان أول موضع قوتل فيه الفرما «١» قاتلته الروم قتالاً شديدًا نحواً من شهر ثم فتح الله على يديه، وكان عبد الله ابن سعد على ميمنة عمرو منذ خروجه من قيسارية إلى أن فرغ من حربه؛ ثم مضى عمرو نحو مصر وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له: أبو ميامين، فلما بلغه قدوم عمرو إلى مصر كتب إلى قبط مصر يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة وأن ملكهم قد أنقطع، وأمرهم بتلقي عمرو. ويقال: إن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعواناً؛ ثم توجه عمرو لا يدافع إلا بالأمر الأخف حتى نزل القواصر، فسمع رجل من لخم نفراً من القبط يقول بعضهم لبعض: ألا تعجبون من هؤلاء القوم يقدمون على جموع الروم وإنما هم في قلة من الناس! فأجابه رجل منهم فقال: إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه حتى يقتلوا أخيرهم؛ ثم تقدم عمرو أيضا لا يدافع إلا بالأمر

стр. 37

الخفيف حتى أتى بلبيس فقاتل نحواً من شهر حتى فتح الله عليه؛ ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى أم دنين «١» ، فقاتلوا من بها قتالاً شديداً وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر ﵁ يستمده فأمده بأربعة ّآلاف تمام ثمانية آلاف مع عمرو، فوصلوا إليه إرسالاً يتبع بعضهم بعضاً ثم أحاط المسلمون بالحصن وأميره يومئذ المندقور الذي يقال له الأعيرج من قبل المقوقس وهو ابن قرقب اليونانيّ وكان المقوقس ينزل بالإسكندرية وهو فى سلطان هرقل غير أنه كان حاضراً الحصن حين حاصره المسلمون، فقاتل عمرو بن العاص من بالحصن، وجاء رجل إلى عمرو وقال: اندب معي خيلاً حتى آتي من ورائهم عند القتال، فأخرج معه عمرو خمسمائة فارس عليهم خارجة بن حذافة، في قول، فساروا من وراء الجبل حتى وصلوا مغار بني وائل قبل الصبح، وكانت الروم قد خندقوا خندقاً وجعلوا له أبواباً وبثوا في أفنيتها حسك «٢» الحديد، فالتقاهم القوم حين أصبحوا وخرج خارجة من ورائهم فانهزموا حتى دخلوا الحصن وقاتلهم قتالا شديدا بصبحهم وعشيهم، فلما أبطأ الفتح على عمرو كتب إلى عمر ﵁ يستمده ويعلمه بذلك، فأمده بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود» ، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد- في قول- وقيل: خارجة بن حذافة الرابع، لا يعدون مسلمة. وقال عمر له: اعلم أن معك أثنى عشر ألفًا ولن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة.

стр. 38

وقيل غير ذلك، وهو أن الزبير ﵁ قدم إلى عمرو في اثني عشر ألفاً وأن عمراً لما قدم من الشأم كان في عدة قليلة فكان يفرق أصحابه ليرى العدو أنهم أكثر مما هم، فلما انتهى إلى الخندق بادره رجل بأن قال: قد رأينا ما صنعت وإنما معك من أصحابك كذا وكذا فلم يخطئوا برجل واحد، فأقام عمرو على ذلك أياماً يغدو في السحر فيصف أصحابه على أفواه الخندق عليهم السلاح، فبينماهم على ذلك إذ جاءه خبر الزبير بن العوام في اثني عشر ألفًا فتلقاه عمرو، ثم أقبلا فلم يلبث الزبير أن ركب وطاف بالخندق ثم فرق الرجال حول الخندق وألح عمرو على القصر ووضع عليه المنجنيق. ودخل عمرو إلى صاحب الحصن فتناظرا في شيء مما هم فيه، فقال عمرو: أخرج وأستشير أصحابي، وقد كان صاحب الحصن أوصى الذي على الباب إذا مر به عمرو أن يلقي عليه صخرة فيقتله، فمر عمرو وهو يزيد الخروج برجل من العرب فقال له: قد دخلت فأنظر كيف تخرج، فرجع عمرو إلى صاحب الحصن فقال له: إني أريد أن آتيك بنفر من أصحابي حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، فقال العلج في نفسه: قتل جماعة أحب إلي من قتل واحد، فأرسل إلى الذي كان أمره بما أمره من أمر عمرو ألا يتعرض له رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم، فخرج عمرو. وبينما عبادة بن الصامت في ناحية يصلي وفرسه عنده رآه قوم من الروم فخرجوا إليه وعليهم حلية وبزة، فلما دنوا منه سلم من الصلاة ووثب على فرسه ثم حمل عليهم، فلما رأوه ولوا هاربين وتبعهم، فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم، فصار لا يلتفت إليه حتى دخلوا إلى الحصن، ورمي عبادة من فوق الحصن بالحجارة، فرجع ولم يتعرض لشيء مما طرحوه من متاعهم حتى رجع إلى موضعه الذي كان فيه فاستقبل الصلاة؛ وخرج الروم إلى متاعهم وجمعوه.

стр. 39

فلما أبطأ الفتح على عمرو قال الزبير: إني أهب نفسي لله تعالى وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره يجيبونه جميعا؛ فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفاً أن ينكسر السلم، وكبر الزبير تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج، فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً الحصن فهربوا وعمد الزبير بأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن. فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو ابن العاص الصلح ودعاه إليه على أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو إلى ذلك. وكان مكثهم على القتال حتى فتح الله عليهم سبعة أشهر. انتهى كلام ابن عبد الحكم باختصار. وقال غيره في الفتح وجهاً آخر قال: لما حصر المسلمون بابليون وكان به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم وعليهم المقوقس فقاتلوهم شهراً، فلما رأى القوم الجد من العرب على فتحه والحرص، ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر الأقباط وخرجوا من باب القصر القبلي وتركوا به جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة (موضع «١» الصناعة اليوم) وأمروا بقطع الجسر وذلك في جري النيل. ويقال: إن الأعيرج تخلف بالحصن بعد المقوقس؛ فأرسل المقوقس إلى عمرو: «إنكم قد ولجتم في بلادنا وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلتكم الروم وجهزوا إليكم ومعهم من العدة والسلاح، وقد

стр. 40

أحاط بكم هذا النيل. وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالاً منكم نسمع من كلامهم فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب وينقطع عنا وعنكم القتال قبل أن يغشاكم جموع الروم، فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه. ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لمطلبكم ورجائكم، فابعثوا إلينا رجالاً من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء» . فلما أتت عمراً رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل [ويحبسونهم «١» ] ويستحلون ذلك في دينهم! وإنما أراد عمرو بذلك أنهم يرون حال المسلمين. فرد عليهم عمرو مع رسلهم: إنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما أن دخلتم فى الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا. وإن أبيتم فأعطيتم «٢» الجزية عن يد وأنتم صاغرون. وإما أن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين. فلما جاءت رسل المقوقس إليه قال: كيف رأيتموهم؟ قالوا: رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم فى الدنيا رغبة ولا نهمة، وإنما جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد؛ يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم.

стр. 41

فقال عند ذلك المقوقس: والذي يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها وما يقوى على قتال هؤلاء أحد! ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض وقووا على الخروج من موضعهم. فرد إليهم المقوقس رسله يقول لهم: ابعثوا إلينا رسلاً منكم نعاملهم ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه يكون فيه صلاح لنا ولكم. فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت، وكان طوله عشرة أشبار، وأمره عمرو أن يكون متكلم القوم وألا يجيبهم إلى شيء دعوه اليه إلا إحدى هذه الثلاث الخصال، فإن أمير المؤمنين قد تقدم إلي في ذلك وأمرني ألا أقبل شيئا إلا خصلة من هذه الثلاث الخصال، وكان عبادة أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس ودخلوا عليه تقدم عبادة، فهابه المقوقس لسواده وقال: نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني؛ فقالوا جميعاً: إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه وقد أمره الأمير دوننا بما أمره وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله. فقال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟ قالوا: كلا! إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعاً وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأياً وليس ينكر السواد فينا؛ فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإنني أهاب سوادك وإن اشتد كلامك علي ازددت لك هيبة، فتقدم إليه عبادة فقال: قد سمعت مقالتك وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل كلهم مثلي وأشد سواداً مني وأفظع منظراً ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم مني، وأنا قد وليت وأدبر

стр. 42

شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعاً وكذلك أصحابي، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في الله وأتباع رضوانه، وليس غزونا عدواً ممن حارب الله لرغبة في الدنيا ولا حاجة للاستكثار منها إلا أن الله قد أحل ذلك لنا وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يبالي أحدنا أكان له قناطير من ذهب أم كان لا يملك إلا درهماً، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد بها جوعته ليلته ونهاره، وشملة يلتحفها، وإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله تعالى، واقتصر على هذه «١» بيده ويبلغه ما كان في الدنيا لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، بذلك أمرنا الله وأمرنا به نبينا وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا في الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضاء ربه وجهاد عدوه. فلما سمع المقوقس ذلك منه قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط! لقد هبت منظره وإن قوله لأهيب عندي من منظره، إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها. ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصامت فقال: أيها الرجل الصالح، قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، قوم معروفون بالنجدة والشدة ممن لا يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإنّا لنعلم أنكم لم تقووا

стр. 43

عليهم ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهراً وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين ولأميركم مائة دينار ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوة لكم به. فقال عبادة: يا هذا، لا تغرّنّ نفسك ولا أصحابك. أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم وأنا لا نقوى عليهم، فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه، إن كان ما قلتم حقا فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم وأشد لحرصنا عليهم، لأن ذلك أعذر لنا عند الله إذا قدمنا عليه إن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا من رضوانه وجنته، وما من شيء أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك، وإنّا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين، إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله قال لنا في كتابه: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحاً ومساء أن يرزقه الشهادة وألا يرده إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا هم فيما خلفه وقد استودع كل واحد منا ربه أهله وولده وإنما همنا [ما «١» ] أمامنا. وأما قولك إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا فنحن في أوسع السعة لو كانت الدنيا كلّها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن فيه، فانظر الذي تريد فبينه لنا فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث،

стр. 44

فاختر أيتها شئت ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير وبها أمره أمير المؤمنين وهو عهد رسول الله ﷺ من قبله إلينا. إما إجابتكم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره وهو دين نبينا وأنبيائه ورسله وملائكته- صلوات الله عليهم- أمرنا الله تعالى أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا وكان أخانا في دين الإسلام، فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم في الدنيا والآخرة ورجعنا عن قتالكم ولم نستحل أذاكم ولا التعرض لكم؛ وإن أبيتم إلا الجزية فأدّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على شيء نرضاه نحن وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم فى ذمّتنا وكان لكم به عهد علينا؛ وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت عن أخرنا أو نصيب ما نريد منكم. هذا ديننا الذي ندين الله تعالى به ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم. فقال المقوقس: هذا لا يكون أبداً، ما تريدون إلا أن تتخذونا عبيداً ما كانت الدنيا. فقال عبادة: هو ذلك فاختر ما شئت. فقال المقوقس: أفلا تجيبونا الى خصلة غير هذه الثلاث الخصال؟ فرفع عبادة يديه وقال: لا ورب هذه السماء ورب هذه الأرض ورب كل شيء، ما لكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم. فالتفت المقوقس عند ذلك لأصحابه وقال: قد فرغ القوم فما ترون؟ فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل! أما ما أرادوا من دخولنا إلى دينهم فهذا ما لا يكون أبدا، نترك دين المسيح بن مريم وندخل في دين لا نعرفه! وأما ما أرادوا من أن

стр. 45

يسبونا ويجعلونا عبيداً فالموت أيسر من ذلك، لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مراراً كان أهون علينا. قال المقوقس لعبادة: قد أبى القوم فما ترى؟ فراجع صاحبك على أن نعطيكم في مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون. فقام عبادة وأصحابه. فقال المقوقس لأصحابه: أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة واحدة من هذه الثلاث، فو الله ما لكم بهم طاقة! ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين. فقالوا: وأي خصلة نجيبهم إليها؟ قال: إذا أخبركم، أما دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به؛ وأما قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم ولن تصبروا صبرهم؛ ولا بد من الثالثة؛ قالوا: فنكون لهم عبيداً أبداً؟ قال: نعم، تكونون عبيداً مسلطين في بلادكم آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم [خير «١» لكم من أن تموتوا من آخركم وتكونوا عبيداً تباعوا وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبداً أنتم وأهلكم وذراريكم] . قالوا: فالموت أهون علينا. وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط والجزيرة؛ وبالقصر من جمع القبط والروم كثير. فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من بالقصر حتى ظفروا بهم وأمكن الله منهم، فقتل منهم خلق كثير وأسر من أسر منهم وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة، وصار المسلمون قد أحدق بهم الماء من كل وجه لا يقدرون على أن يتقدموا نحو الصعيد ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: ألم أعلمكم هذا وأخافه عليكم، ما تنتظرون! فو الله لتجيبنهم إلى ما أرادوا طوعاً أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم من ذلك كرهاً، فأطيعوني من قبل أن تندموا. فلما رأوا منهم ما رأوا وقال لهم المقوقس ما قال أذعنوا بالجزية ورضوا بذلك على صلح يكون بينهم يعرفونه.

стр. 46

وأرسل المقوقس الى عمرو بن العاص ﵁: إني لم أزل حريصاً على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إلي بها، فأبى علي من حضرني من الروم والقبط، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم وقد عرفوا نصحي لهم وحبي صلاحهم ورجعوا إلى قولي؛ فأعطنى أمانا أجتمع أنا وأنت في نفر من أصحابي وأنت في نفر من أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تم [لنا «١» ] ذلك جميعا، وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه. فاستشار عمرو أصحابه في ذلك، فقالوا: لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا [وتصير «٢» الأرض كلها لنا فيئا وغنيمة كما صار لنا القصر وما فيه] فقال: قد علمتم ما عهد إلي أمير المؤمنين في عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلي فيها أجبتهم إليها وقبلت منهم مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم. فاجتمعوا على عهد بينهم واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط دينارين دينارين على كل نفس شريفهم ووضيعهم ممن بلغ منهم الحلم، ليس على الشيخ الفاني ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم ولا على النساء شيء؛ وعلى أن للمسلمين عليهم النزل بجماعتهم حيث نزلوا، ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين أو أكثر من ذلك، كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام مفترضة عليهم، وأن لهم أرضهم وأموالهم لا يتعرض لهم في شيء منها. فشرط ذلك كله على القبط خاصة. وأحصوا عدد القبط يومئذ خاصة من بلغ منهم الجزية وفرض عليهم الديناران؛ رفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكدة.

стр. 47

فكان جميع من أحصي يومئذ بمصر أعلاها وأسفلها من جميع القبط فيما أحصوا وكتبوا أكثر من ستة آلاف «١» نفس، فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف دينار في كل سنة؛ وقيل غير ذلك. وقال عبد الله بن لهيعة عن يحيى بن ميمون الحضرمي: لما فتح عمرو مصر، صالح أهلها عن جميع من فيها من الرجال من القبط ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبي، فأحصوا بذلك على دينارين دينارين، فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف. قال: وشرط المقوقس للروم أن يخيروا، فمن أحب

стр. 48

منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على ذلك لازما له مفترضا عليه ممن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج؛ وعلى أن المقوقس له الخيار في الروم خاصة حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه بما فعل؛ فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم، وإلا كانوا جميعا على ما كانوا عليه. قلت: وقد اختلف بعد ذلك في فتح مصر: هل فتحت صلحاً أم عنوة، فمن قال: إن مصر فتحت بصلح، احتج بما ذكرناه ونحوه بمثل ما ذكره القضاعي وغيره، وقالوا: إن الأمر لم يتم إلا بما جرى بين عبادة بن الصامت وبين المقوقس؛ وعلى ذلك أكثر علماء أهل مصر، منهم عقبة بن عامر ويزيد بن أبى حبيب والليث ابن سعد وغيرهم. وذهب الذي قال إنها فتحت عنوة إلى أن الحصن فتح عنوة وكان حكم جميع الأرض كذلك؛ وهم عبيد الله بن المغيرة الشيباني ومالك بن أنس وعبد الله ابن وهب وغيرهم. وذهب قوم إلى أن بعضها فتح عنوة، وبعضها فتح صلحاً، منهم عبد الله ابن لهيعة وابن شهاب الزهري وغيرهما. قال عبيد الله بن أبي جعفر حدثني رجل ممن أدرك عمرو بن العاص قال: للقبط عهد عند فلان، وعهد عند فلان؛ فسمى ثلاثة نفر. وفي رواية: إن عهد أهل مصر كان عند كبرائهم. قال: وسألت شيخاً من القدماء عن فتح مصر، قلت له: فإن ناساً يذكرون أنه لم يكن لهم عهد؛ فقال: ما يبالي ألا يصلّى من قال إنه ليس لهم عهد؛ فقلت: فهل كان لهم كتاب؟ فقال: نعم، كتب ثلاثة: كتاب عند طلما صاحب إخنا،

стр. 49

وكتاب عند قزمان صاحب رشيد، وكتاب عند يحنس صاحب البرلس؛ قلت: كيف كان صلحهم؟ قال: دينارين على كل إنسان جزية وأرزاق المسلمين؛ قلت: أفتعلم ما كان من الشروط؟ قال: نعم، ستة شروط: لا يخرجون من ديارهم، ولا تنزع نساؤهم، ولا أولادهم، ولا كنوزهم، ولا أراضيهم، ولا يزاد عليهم. وكان فتح مصر يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين من الهجرة. وقال ابن كثير في تاريخه: قال محمد بن إسحاق: فيها (يعني سنة عشرين من الهجرة) كان فتح مصر. وكذا قال الواقدي: إنها فتحت هي والإسكندرية فى هذه السنة. وقال أبو معشر: فتحت مصر سنة عشرين والإسكندرية في سنة خمس وعشرين. وقال سيف: فتحت مصر والإسكندرية في ربيع الأول سنة ست عشرة. ورجح ذلك أبو الحسن بن الأثير في الكامل لقصة بعث عمرو الميرة من مصر عام الرمادة. وهو معذور فيما رجحه. انتهى كلام ابن كثير. وقال أيضاً في قول آخر: فتحت الإسكندرية في سنة خمس وعشرين بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوة، وقيل: صلحاً على اثني عشر ألف دينار، وشهد فتحها جماعة كثيرة من الصحابة ﵃ أجمعين. قال ابن عبد الحكم: وكان من حفظ من الذين شهدوا فتح مصر من أصحاب رسول الله ﷺ من قريش وغيرهم ومن لم يكن له برسول الله ﷺ صحبة، وذكرهم جملة واحدة، فقال: الزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وكان أمير القوم، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وخارجة بن حذافة العدوي، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيس بن أبى العاص السهمي، والمقداد بن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح العامرىّ، ونافع

стр. 50

ابن عبد قيس الفهري، وأبو رافع، مولى رسول الله ﷺ ، وابن عبدة، وعبد الرحمن وربيعة ابنا شرحبيل بن حسنة، ووردان، مولى عمرو ابن العاص، وكان حامل لواء عمرو بن العاص، ﵃. وقد اختلف في سعد بن أبي وقاص فقيل: إنما دخلها بعد الفتح. وشهد الفتح من الأنصار عبادة بن الصامت، وقد شهد بدراً وبيعة العقبة، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وقد شهد بدرا، وهو الذي أرسله عمر بن الخطاب ﵁ الى مصر فقاسم عمرو بن العاص ماله، وهو أحد من كان صعد الحصن مع الزبير بن العوام، ومسلمة بن مخلد الأنصاري، يقال: له صحبة، وأبو أيوب خالد بن زيد «١» الأنصاري، وأبو الدرداء عويمر بن عامر، وقيل: عويمر بن زيد. ومن أحياء القبائل: أبو بصرة «٢» حميل بن بصرة الغفاري، وأبو ذرّ جندب ابن جنادة الغفاري. وشهد الفتح مع عمرو بن العاص هبيب بن مغفل، وإليه ينسب وادي هبيب الذي بالمغرب، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وكعب بن ضنة «٣» العبسي،

стр. 51

ويقال: كعب بن يسار بن ضنة، وعقبة بن عامر الجهني، وهو كان رسول عمر ابن الخطاب الى عمرو بن العاص حين كتب إليه [يأمره «١» ] أن يرجع إن لم يكن دخل أرض مصر، وأبو زمعة «٢» البلوي، وبرح «٣» بن عسكل ويقال: برح بن عسكر، شهد فتح مصر واختط بها، وجنادة بن أبي أمية الأزدي، وسفيان بن وهب الخولاني وله صحبة، ومعاوية بن حديح الكندىّ، وهو كان رسول عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية، وقد اختلف فيه، فقال قوم: له صحبة، وقال آخرون: ليست له صحبة، وعامر، مولى حمل الذي يقال له: عامر حمل، شهد الفتح وهو مملوك، وعمار بن ياسر، ولكن دخل بعد الفتح في أيام عثمان، وجهه إليها في بعض أموره. انتهى كلام «٤» ابن عبد الحكم باختصار. وقال ابن كثير: في فتح مصر وجه آخر على ما أخبرنا به شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن عمر البلقيني الشافعي مشافهة بإجازته من الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير مجموعاً من كلام ابن إسحاق وغيره، قالوا:

стр. 52

لما استكمل المسلمون فتح الشأم، بعث عمر بن الخطاب عمرو بن العاص إلى مصر. وزعم سيف: أنه بعثه بعد فتح بيت المقدس، وأردفه بالزبير بن العوام وفي صحبته بسر بن أبي «١» أرطاة وخارجة بن حذافة وعمير «٢» بن وهب الجمحي، فاجتمعوا على باب مصر، فلقيهم أبو مريم جاثليق «٣» مصر ومعه الأسقف أبو مريام في أهل البنيات، بعثه المقوقس صاحب الإسكندرية لمنع بلادهم. فلما تصافّوا قال عمرو بن العاص: لا تعجلوا حتى نعذر إليكم، ليبرز إلي أبو مريم وأبو مريام راهبا هذه البلاد [فبرزا «٤» إليه، فقال لهما عمرو: أنتما راهبا هذه البلاد] فاسمعا: إن الله بعث محمدًا بالحق وأمره به وأمرنا به محمد وأدى إلينا كل الذي أمر به، ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الأعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة. وقد أعلمنا أننا مفتتحوكم وأوصينا بكم حفظا لرحمنا منكم، وأن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة؛ ومما عهد الينا أميرنا: «استوصوا بالقبطين خيراً» فإن رسول الله ﷺ أوصانا بالقبطيين خيراً، لأن لهم ذمة ورحماً. فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل «٥» مثلها إلا الأنبياء، معروفة شريفة كانت ابنة ملكنا وكانت من أهل منف والملك منهم، فأديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ملكهم وأغربوا، فلذلك صارت إلى إبراهيم ﵇. مرحبا به وأهلا وأمنا حتى نرجع إليك.

стр. 53

فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع، ولكني أؤجلكما ثلاثاً، لتنظرا ولتناظرا قومكما، وإلا ناجزتكم؛ قالا: زدنا، فزادهم يوماً؛ فقالا: زدنا، فزادهم يوماً، فرجعا إلى المقوقس، فأبى أرطبون «١» أن يجيبهما، وأمر بمناهدتهم، وقال لأهل مصر: أما نحن فنجتهد أن ندفع عنكم، لا نرجع إليهم، وقد بقيت أربعة أيام؛ وأشار عليهم بأن يبيّتوا المسلمين؛ فقال الملأ منهم: ما تقاتلون من قوم قتلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم! فألح الأرطبون فى أن يبيّتوا المسلمين؛ ففعلوا فلم يظفروا بشيء، بل قتل منهم طائفة، منهم الأرطبون. وحاصر المسلمون عين شمس من مصر في اليوم الرابع، وارتقى الزبير عليهم سور البلد. فلما أحسوا بذلك خرجوا إلى عمرو من الباب الآخر فصالحوه؛ واخترق الزبير البلد حتى خرج من الباب الذي عليه عمرو. فأمضوا الصلح وكتب لهم عمرو كتاب أمان: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقض ولا تساكنهم النوبة. وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لصوتهم «٢» ؛ فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزية بقدرهم؛ وذمتنا ممن أبى بريئة. وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك؛ ومن دخل في صلحهم من الروم والنوبة فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم؛ ومن أبى [منهم «٣» ] واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا؛ عليهم

стр. 54

ما عليهم أثلاثا [فى كل «١» ثلث جباية ثلث ما عليهم] على ما في هذا الكتاب، عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا، على ألا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة «٢» صادرة ولا واردة» . وشهد عليه الزبير وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر. فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح واجتمعت الخيول بمصر وعمروا الفسطاط. وظهر أبو مريم وأبو مريام فكلما عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة؛ فأبى عمرو أن يردها عليهما وأمر بطردهما وإخراجهما من بين يديه. فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، أمر أن كل سبي أخذ في الخمسة الأيام التي آمنهم فيها أن يرد عليهم، وكل شيء أخذ ممن لم يقاتل فكذلك، ومن قاتل فلا ترد عليه سباياه. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عتاب حدثنا عبد الله أخبرني عبد الله بن عقبة- وهو عبد الله بن لهيعة بن عقبة- حدثني يزيد بن أبي حبيب عمّن سمع عبد الله ابن المغيرة بن أبي بردة يقول: سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول: لما افتتحنا مصر بغير عهد قام الزبير بن العوام فقال: يا عمرو بن العاص، اقسمها، فقال عمرو: لا أقسمها؛ فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، فقال عمرو: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، وكتب إلى عمر؛ فكتب إليه عمر: أقرها حتى يغزو منها حبل «٣» الحبلة. تفرد به أحمد، وفي إسناده

стр. 55

ضعف من جهة ابن لهيعة لكنه عليم بأمور مصر ومن جهة المبهم الذي لم يسم، فلو صح لدل على فتحها عنوة ولدل على أن الإمام يخير في الأراضي العنوة، إن شاء قسمها، وإن شاء أبقاها. قلت: قد رواه الطحاوىّ بسند صحيح. وذكر سيف: أن عمرو بن العاص لما التقى مع المقوقس جعل كثير من المسلمين يفر من الزحف، فجعل عمرو يذمرهم ويحثهم على الثبات؛ فقال له رجل من أهل اليمن: إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد! فقال له عمرو: اسكت، فإنما أنت كلب؛ فقال له الرجل: فأنت إذا أمير الكلاب! فأعرض عنه عمرو، ونادى بطلب أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فلما اجتمع إليه من هناك من الصحابة، قال لهم عمرو: تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين؛ فهدوا إلى القوم ففتح الله عليهم وظفروا أتم الظفر. انتهى كلام ابن كثير وغيره. وقد سقنا ما ذكره ابن كثير هنا لزيادة فيما ذكره، ولكونه حافظاً محدثاً، فيصير بذلك ما ذكرناه من فتح مصر من طرق عديدة لتكثر في هذا الكتاب الفائدة إن شاء الله تعالى.

стр. 56

ذكر ما ورد في فضل مصر من الآيات الشريفة والأحاديث النبوية قال الكندي وغيره من المؤرخين: فمن فضائل مصر أن الله ذكرها في كتابه العزيز في أربعة وعشرين موضعاً، منها ما هو بصريح اللفظ، ومنها ما دلت عليه القرائن والتفاسير. فأما صريح اللفظ فمنه قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ ، وقوله تعالى يخبر عن فرعون: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ، وقوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ومنه قوله مخبراً عن نبيه يوسف ﵇: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ. وأما ما دلت عليه القرائن فمنه قوله : وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ . وقوله : وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ . قال ابن عباس وسعيد بن المسيب ووهب بن منبه وغيرهم: هي مصر «١» . وقوله تعالى: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وقوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها . يعني مصر. وقوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ . يعني قوم فرعون، وأن بني إسرائيل

стр. 57

أورثوا مصر. وقوله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ . وقوله مخبراً عن نبيه موسى ﵇: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ وقوله مخبرا عن فرعون: يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ . وقوله : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ . وقوله تعالى مخبراً عن فرعون: أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ، يعنى أرض مصر. وقوله تعالى مخبرا عن نبيه يوسف ﵇: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ، وقوله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وقوله تعالى مخبرا عن بني إسرائيل: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وقوله تعالى مخبراً عن نبيه موسى ﵇: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ وقوله تعالى: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ . يعني أرض مصر. وقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى . وقوله : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً . وقوله تعالى مخبرا عن ابن يعقوب ﵇: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ . يعني مصر. وقوله تعالى: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ. وأما ما ورد في حقها من الأحاديث النبوية فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيراً فإن لهم «١» ذمة

стр. 58

ورحماً» قال ابن كثير ﵀: والمراد بالرحم أنهم أخوال إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ﵉، أمه هاجر القبطية، وهو الذبيح على الصحيح، وهو والد عرب الحجاز الذين منهم النبي ﷺ ، وأخوال إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وأمه مارية القبطية من سنى كورة أنصنا «١» ، وقد وضع عنهم معاوية الجزية إكراما لإبراهيم بن رسول الله ﷺ . انتهى كلام ابن كثير. وعنه ﷺ أنه قال: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر ﵁: ولم [ذلك «٢» ] يا رسول الله؟ فقال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» وعنه ﷺ ، وذكر مصر: «ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مئونته» . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أهل مصر أكرم الأعاجم كلها، وأسمحهم يداً، وأفضلهم عنصراً، وأقربهم رحماً بالعرب عامة، وبقريش خاصة. وقال أيضا: لما خلق الله آدم، مثّل له الدنيا: شرقها وغربها وسهلها وجبلها وأنهارها وبحارها وعامرها وخرابها، ومن يسكنها من الأمم، ومن يملكها من الملوك؛

стр. 59

فلما رأى مصر، رآها أرضاً سهلة ذات نهر جارٍ، مادته من الجنة تنحدر فيه البركة، ورأى جبلاً من جبالها مكسواً نوراً لا يخلو من نظر الرب إليه بالرحمة، في سفحه أشجار مثمرة، فروعها في الجنة تسقى بماء الرحمة، فدعا آدم في النيل بالبركة، ودعا في أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات؛ قال: «يا أيها الجبل المرحوم، سفحك جنة، وتربتك مسكة، تدفن فيها عرائس الجنة، أرض حافظة مطبقة رحيمة، لا خلتك يا مصر بركة، ولا زال بك حفظة، ولا زال منك ملك «١» وعز، يا أرض مصر، فيك الخبايا والكنوز، ولك البر والثروة، سال نهرك عسلاً، كثر الله رزقك، ودر ضرعك، وزكا نباتك، وعظمت بركتك وخصبت، ولا زال فيك يا مصر خير ما لم تتجبري وتتكبّرى أو تخونى؛ فإذا فعلت ذلك، عداك «٢» شر ثم يغور خيرك» . فكان ﵇ أول من دعا لها بالرحمة والخصب والرأفة والبركة. وقال عبد الله بن عباس: دعا نوح ﵇ لابنه بيصر بن حام- وهو أبو مصر الذي سميت مصر على اسمه- فقال: اللهم إنه قد أجاب دعوتي، فبارك فيه وفي ذريته، وأسكنه الأرض الطيبة المباركة التى هى أمّ البلاد. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: لما قسم نوح ﵇ الأرض بين ولده، جعل لحامٍ مصر وسواحلها والغرب وشاطئ النيل، فلما قدم بيصر ابن حام وبلغ العريش، قال: «اللهم إن كانت هذه الأرض التي وعدتنا على لسان نبيك نوح وجعلتها لنا منزلاً، فاصرف عنا وباها «٣» ، وطيب لنا ثراها، واجمع ماها «٤» ، وأنبت كلاها «٥» ، وبارك لنا فيها، وتمم لنا وعدك؛ إنك على كل شيء قدير، وإنك

стр. 60

لا تخلف الميعاد» وجعلها بيصر لابنه مصر وسماها به. يأتي ذكر ذلك عند ذكر من ملك مصر قبل الإسلام في هذا المحل إن شاء الله تعالى. والقبط ولد مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. وقال كعب الأحبار: لولا رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر؛ فقيل له: ولم؟ قال: لأنها معافاة من الفتن، ومن أراد بها سوءاً كبه «١» الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه. وروى ابن يونس عنه قال: من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلى مصر إذا زخرفت؛ وفي رواية: إذا أزهرت. وروى ابن يونس بإسناده إلى أبي بصرة الغفاري قال: سلطان مصر سلطان الأرض كلها. قلت: ولهذا الخبر الصحيح جعلنا في آخر تراجم ملوك مصر حوادث سائر الأقطار كلها. وقال: في التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض كلها، فمن أراد بها سوءاً قصمه الله. وقال عمرو بن العاص ﵁: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: خلقت الدنيا على خمس صور: على صورة الطير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه؛ فالرأس مكة والمدينة واليمن،

стр. 61

والصدر الشأم ومصر، بالجناح الأيمن العراق، وخلف العراق أمة يقال لها: واق واق «١» وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله، والجناح الأيسر السند والهند، وخلف الهند أمة يقال لها: باسك، وخلف باسك أمة يقال لها: منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله، والذّنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس؛ وشر ما في الطير الذنب. وقال ابن عبد الحكم حدثنا أشهب بن عبد العزيز وعبد الملك بن مسلمة قالا حدّثنا مالك عن ابن شهاب عن كعب بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيراً فإن لهم ذمة ورحماً» ثم ساق ابن عبد الحكم عدة أحاديث أخر بأسانيد مختلفة في حق مصر ونيلها في هذا المعنى. وقال أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز قاضي العراق: سألت أحمد بن المدبر عن مصر، فقال: كشفتها فوجدت غامرها أضعاف عامرها، ولو عمرها السلطان لوفت له بخراج الدنيا. وقال بعض المؤرخين: إنه لما استقر عمرو بن العاص ﵁ على ولاية مصر كتب إليه عمر بن الخطاب ﵁: أن صف لي مصر؛ فكتب إليه: ورد كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يسألني عن مصر: اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر قرية غبراء، وشجرة خضراء؛ طولها شهر، وعرضها عشر «٢» ؛ يكنفها جبل أغبر، ورمل أعفر؛ يخطّ وسطها نيل مبارك الغدوات، ميمون الروحات؛ تجري فيه الزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر؛ له أوان يدرّ حلابه، ويكثر فيه دبابه، تمده عيون الأرض وينابيعها حتى إذا ما اصلخم عجاجه، وتعظمت أمواجه، فاض

стр. 62

على جانبيه فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب، وخفاف القوارب، وزوارق كأنهن في المخايل ورق الأصائل؛ فإذا تكامل في زيادته، نكص على عقبيه كأول ما بدأ في جريته، وطما في درته؛ فعند ذلك تخرج أهل ملة محقورة، وذمة مخفورة، يحرثون بطون الأرض ويبذرون بها الحب، يرجون بذلك النماء من الرب؛ لغيرهم ما سعوا من كدهم، فناله منهم بغير جدهم؛ فإذا أحدق الزرع وأشرق، سقاه الندى وغذاه من تحته الثرى؛ فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء، إذا هي عنبرة سوداء، فإذا هي زمردة خضراء، فإذا هى ديباجة رقشاء، فتبارك الله الخالق لما يشاء. الذي يصلح هذه البلاد وينميها ويقر قاطنيها فيها، ألّا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وألا يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها، في عمل جسورها وترعها؛ فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال؛ والله تعالى يوفق في المبدأ والمآل. فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب ﵁ قال: لله درك يا بن العاص! لقد وصفت لي خبراً كأني أشاهده. وقال المسعودي في تاريخه: قال النبي ﷺ : «استوصوا بأهل مصر خيراً فإن لهم نسباً وصهراً» أراد بالنسب: هاجر زوجة إبراهيم الخليل ﵇ وأم ولده إسماعيل. وأراد بالصهر: مارية القبطية أم ولد النبي ﷺ التى أهداها له المقوقس اهـ. ذكر ما ورد في نيل مصر روى يزيد بن أبي حبيب: أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ سأل كعب الأحبار: هل تجد لهذا النيل في كتاب الله خبرا؟ قال: إى والذي فلق البحر لموسى

стр. 63

عليه السلام! إني لأجد في كتاب الله أن الله يوحي إليه في كل عام مرتين: يوحي إليه عند جريه: إن الله يأمرك أن تجري، فيجري ما كتب الله؛ ثم يوحي إليه بعد ذلك: يا نيل عد حميداً. وروى ابن يونس من طريق حفص بن عاصم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة» . وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب الأحبار أنه كان يقول: أربعة أنهار من الجنة وضعها الله في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة. وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: نيل مصر سيد الأنهار، وسخر الله له كل نهر من المشرق إلى المغرب، فإذا أراد الله تعالى أن يجري نيل مصر أمر الله كل نهر أن يمده فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونًا، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. وقد ورد أن مصر كنانة الله في أرضه. وعن أبي جنادة الضبىّ: أنه سمع عليا يقول: النيل في الآخرة عسل أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله ؛ ودجلة (يعني جيحان) في الآخرة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله ؛ والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله ؛ وسيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله . وقال بعض الحكماء: مصر ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، فإن في شهر أبيب (وهو تموز) ومسرى (وهو آب) وتوت (وهو أيلول) يركبها الماء فيها فترى الدنيا بيضاء

стр. 64

وضياعها على رواب وتلال مثل الكواكب، وقد أحاطت بها المياه من كل وجه؛ وثلاثة أشهر مسكة سوداء، فإن في شهر بابه (وهو تشرين الأول) وهاتور (وهو تشرين الثاني) وكيهك (وهو كانون الأول) ينكشف الماء عنها فتصير أرضها سوداء وفيها تقع الزراعات؛ وثلاثة أشهر زمردة خضراء، فإن في شهر طوبة (وهو كانون الثانى) وأمشير (وهو شباط) وبرمهات (وهو آذار) تلمع ويكثر حشيشها ونباتها، فتصير مصر خضراء كالزمردة؛ وثلاثة أشهر سبيكة حمراء وهو وقت إدراك الزرع وهو شهر برمودة (وهو نيسان) وبشنس (وهو أيار) وبؤونة (وهو حزيران) ، ففي هذه الشهور تبيض الزروع ويتورد العشب فهو مثل السبيكة الذهب. وقيل: إنه لما ولي عمرو بن العاص ﵁ مصر أتاه أهلها حين دخل بؤونة من أشهر القبط المذكورة فقالوا له: أيها الأمير، إن لنيلنا عادة أو سنة لا يجري إلا بها؛ فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه إذا كان في اثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر (يعني بؤونة) عمدنا إلى جارية بكر من عند أبويها وأرضينا أبويها وأخذناها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل فيجري؛ فقال لهم عمرو ابن العاص: إن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله. فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى لا يجري النيل قليلاً ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء؛ فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إليه عمر بن الخطاب: قد أصبت، إن الإسلام يهدم ما قبله، وقد أرسلنا إليك ببطاقة ترميها في داخل النيل إذا أتاك كتابي. فلما قدم الكتاب على عمرو بن العاص ﵁ فتح البطاقة فإذا فيها: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر.

стр. 65

أما بعد، فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك» . فعرّفهم عمرو بكتاب أمير المؤمنين وبالبطافة؛ ثم ألقى عمرو البطاقة في النيل قبل يوم عيد الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها لأنه لا يقيم بمصالحهم فيها إلا النيل، فأصبحوا يوم عيد الصليب وقد أجراه الله ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، وقطع تلك السنة القبيحة عن أهل مصر ببركة سيدنا عمر بن الخطاب ﵁. ونظير ذلك أمر قرافة مصر ودفن المسلمين بها. فقد روينا بإسناد عن ابن عبد الحكم حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد: سأل المقوقس عمرو ابن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك وقال: أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك، وهي لا تزرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع بها! فسأله، فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب أن فيها غراس الجنة؛ فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنا لا نعلم غراس الجنة ألا للمؤمنين، فاقبر فيها من مات قبلك من المسلمين ولا تبعه بشيء. فكان أول من قبر فيها رجل من المعافر يقال له: عامر [فقيل عمرت «١» ] . قلت: والقرافة سميت بطائفة من المعافر يقال لهم القرافة، نزلوا هناك. *** وقال بعض علماء الهيئة: إن مصر واقعة من المعمورة في قسم الإقليم الثاني والإقليم الثالث، ومعظمها في الثالث. وقال أبو الصلت: هي مسافة أربعين يوماً طولاً في ثلاثين يوماً عرضاً.

стр. 66

وقال غيره: هي مسافة شهر طولاً في شهر عرضاً. وطولها من الشجرتين اللتين ما بين رفح والعريش إلى مدينة أسوان من صعيد مصر الأعلى؛ وعرضها من آيلة إلى برقة، ويكتنفها جبلان متقاربان من مدينة أسوان المذكورة إلى أن ينتهيا إلى الفسطاط (يعني إلى مصر) ، ثم يتسع بعد ذلك ما بينهما وينفرج قليلا، ويأخذ الجبل المقطم منهما مشرقاً والآخر مغرباً على وراب متسع من مصر إلى ساحل البحر الرومي، وهناك تنقطع في عرضها الذي هو مسافة ما بين أوغلها فى الجنوب وأوغلها في الشمال. وقال بعض الحكماء: ليس في الدنيا نهر يصب في بحر الروم والصين والهند غير النيل. وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال غير النيل. وليس فى الدنيا نهر يزيد فى أشدّ ما يكون من الحر غير النيل. وليس في الدنيا نهر يزيد وينقص على ترتيبٍ فيهما غير النيل. وليس في الدنيا نهر يزيد إذا نقص مياه الدنيا غير النيل. وبهذا النيل أشياء لم تكن في غيره من الأنهار، من ذلك: السمكة الرّعّادة التي إذا وضع الشخص يده عليها اضطرب جسمه جميعه حتى يرفع يده عنها، ومنها التمساح ولم يكن في غيره من المياه؛ وفي مصر أعاجيب كثيرة. وقال الكندي في حق مصر وأعمالها: جبلها مقدس، ونيلها مبارك، وبها الطور حيث كلم الله تعالى نبيه موسى، وبها الوادي المقدس، وبها ألقى موسى عصاه وبها فلق الله البحر لموسى، وبها ولد موسى وهارون ﵉ ويوشع بن نون ودانيال وأرميا ولقمان وعيسى بن مريم، ولدته أمه بأهناس، وبها النخلة التي ذكرها الله تعالى لمريم؛ ولما سار عيسى إلى الشأم وأخذ على سفح المقطم ماشياً، عليه جبة صوف مربوط الوسط بشريط وأمه تمشي خلفه، فالتفت إليها وقال: يا أماه،

стр. 67

هذه مقبرة أمة محمد؛ وكان بمصر إبراهيم الخليل وإسماعيل ويعقوب ويوسف واثنا عشر سبطاً. ومن فضائلها: أنها فرضة الدنيا يحمل من خيرها إلى سواحلها؛ وبها ملك يوسف ﵇؛ وبها مساجد إبراهيم ويعقوب وموسى ويوسف ﵈؛ وبها البرابي العجيبة والهرمان، وليس على وجه الأرض بناء باليد حجراً على حجر أطول منهما. وقال أبو الصّلت: طول كل عمود منهما ثلثمائة وسبعة عشر ذراعاً، ولكل أربعة أسطحة ملسات متساويات الأضلاع، طول كل ضلع أربعمائة وسبعون ذراعاً؛ واختلف فيمن بناهما، فقيل: شداد بن عاد «١» ، وقيل: سويرد، وقيل: سويد، بناهما في ستة أشهر وغشاهما بالديباج الملون، وأودعهما الأموال والذخائر والعلوم خوفاً من طوفان يأتي. وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب: بناهما سويرد بن سلهوق بن سرياق بن ترميل دون بن قدرشان بن هو صال، أحد ملوك مصر قبل الطوفان الذين كانوا يسكنون مدينة الاشمونين. والقبط تنكر أن تكون العادية دخلت بلادهم لقوة سحرهم. وهذا يؤيد قول من قال بعدم بناء شداد بن عاد لهما. قال: وسبب بناء الهرمين العظيمين اللذين بمصر أنه كان قبل الطوفان بثلاثمائة سنة قد رأى سو يرد في منامه كأن الأرض قد انقلبت بأهلها، وكأن الناس قد هربوا على وجوههم، وكأن الكواكب تتساقط ويصدم «٢» بعضها بعضاً بأصوات هائلة، فأغمه ذلك ولم يذكره

стр. 68

لأحد، وعلم أنه سيحدث في العالم أمر عظيم؛ ثم رأى بعد مدة مناماً آخر أزعجه أكثر من الأول، فدخل إلى هيكل الشمس وتضرع ومرغ وجهه على التراب وبكى، فلما أصبح جمع رؤساء الكهنة من جميع أهل مصر، وكانوا مائة وثلاثين كاهناً، فخلا بهم وذكر لهم ما رآه أولاً وآخراً، فأولوه بأمر عظيم يحدث في العالم؛ ثم حكى بعض الكهنة أيضاً: أنه رأى مناماً أعظم من هذا المنام في معناه، ثم أخذوا الارتفاع وأخبروه بالطوفان وبعده بالنار التي تخرج من برج الأسد؛ فقال: انظروا، هل تلحق هذه الآفة بلادنا؟ فقالوا: نعم، فأمر ببناء الأهرام وجعل في داخله الطلسمات والأموال وأجساد ملوكهم، وأمر الكهنة أن يزبروا عليها جميع ما قالته الحكماء، فزبروا فيها وفي سقوفها وحيطانها جميع العلوم الماضية، وصوروا فيها صور الكواكب وعليها الطلسمات، وجعل طول كل هرم مائة ذراع، بالذراع الملكي (وهو خمسمائة ذراع بذراعنا الآن «١» ) . ولما فرغت كساها الديباج الملون وعمل لهم عيداً حضره أهل ملتهم؛ ثم عمل فى الهرم الغربىّ حجارة صوان ملونة ملئت بالأموال الجمة، والآلات والتماثيل المعمولة من الجواهر النفيسة، وآلات الحديد الفاخرة، والسلاح الذي لا يصدأ، والزجاج الذي ينطوى ولا ينكسر، وأصناف العقاقير والسموم القاتلة؛ ثم عمل في الهرم الشرقي أصناف القباب الفلكية والكواكب، وما عمله أجداده من أشياء يطول شرحها اهـ. [ويقال «٢» : إنّ هرمس المثلث بالحكمة وهو الذي تسميه العبرانيون خنوخ وهو إدريس ﵇ استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان، فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم، وما يخاف عليه الذهاب والدّثور؛ وكل

стр. 69

هرم منها ارتفاعه ثلثمائة ذراع وسبعة عشر ذراعاً، يحيط به أربعة سطوح متساويات الأضلاع، كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعاً، ويرتفع إلى أن يكون سطحه مقدار ستة أذرع في مثلها. ويقال: إنه كان عليه حجر شبه المكبة فرمته الرياح العواصف، وطول الحجر منها خمسة أذرع في سمك ذراعين. ويقال: إن لهما أبوابا مقبية في الأرض، وكل باب من حجر واحد يدور بلولب إذا أطبق لم يعلم أنه باب، يدخل من كل باب منها إلى سبعة بيوت، كل بيت على اسم كوكب من الكواكب السبعة، وكلها مقفلة بأقفال حديد؛ وحذاء كل بيت منها صنم من ذهب مجوف إحدى يديه على فيه، وفي جبهته كتابة بالمسند إذا قرئت انفتح فوه، فيوجد فيه مفاتيح ذلك القفل فيفتح بها. والقبط يزعمون أنهما والهرم الصغير قبور ملوكهم وأكابرهم. ولما ولي المأمون الخلافة وورد مصر أمر بفتح واحد منها ففتح بعد طويل، واتفق لسعادته أنه وقع النقب على مكان يسلك منه إلى الغرض المطلوب وهو زلاقة ضيقة من الحجر الصوان المانع الذي لا يعمل فيه الحديد بين حاجزين ملتصقين بالحائط، قد نقر في الزلاقة حفر يتمسك السالك بتلك الحفر ويستعين بها على المشي في الزلاقة لئلا يزلق، وأسفل الزلاقة بئر عظيمة بعيدة القعر؛ ويقال: إن أسفل البئر أبواب يدخل منها إلى مواضع كثيرة وبيوت ومخادع وعجائب، وانتهت بهم الزلاقة إلى موضع مربع في وسطه حوض من حجر مغطى، فلما كشف عنه غطاؤه لم يوجد فيه إلا رمة بالية، فأمر المأمون بالكف عما سواه. وهذا الموضع يدخله الناس إلى وقتنا هذا. ويقال: إن المأمون أنفق على النقب جملة اختلف المؤرخون في كميتها. فلما انتهى به النقب إلى الموضع المربع المذكور وجد فيه جاماً من زمرد مغطى، فكشف فوجد فيه ذلك المقدار الذي أنفقه من غير زيادة على ذلك- واستمر ذلك

стр. 70

إلجام في ذخائر الخلفاء إلى وقعة هولاكو ببغداد- فقال: الحمد لله الذي رد علينا ما أنفقناه] . وقيل: إن الأمير أحمد بن طولون سأل بعض علماء الأقباط المعمرين ممن رأى الرابع عشر من ولد ولده عن الأهرام؛ فقال: إنها قبور الملوك، كان الملك منهم إذا مات وضع في حوض حجارة يسمّى الجرون، ثم يبنى عليه الهرم، ثم يقنطر عليه البنيان والقباب، ثم يرفعون البناء على هذا المقدار الذي ترونه ويجعل باب الهرم تحت الهرم، ثم يجعل له طريق في الأرض بعقد أزج، فيكون طول الأزج تحت الأرض مائة ذراع أو أكثر، ولكل هرم من هذه الأهرام باب مدخله على ما وصفت؛ فقيل له: كيف بنيت هذه الأهرام المملسه، وعلى أي شيء كانوا يصعدون ويبنون، وعلى أي شيء كانوا يضعون الآلات ويحملون الحجارة العظيمة التي لا يقدر أهل زماننا هذا على أن يحركوا الحجر الواحد إلا بجهد؟ فقال: كان القوم يبنون الهرم مدرجا فإذا فرغوا منه نحتوه من فوق إلى أسفل، قلت: وهذا أصعب من الأول، قال: فكانت هذه حيلتهم، وكانوا مع هذا لهم قدرة وصبر وطاعة لملوكهم ديانة؛ فقيل له: ما بال هذه الكتابة التي على الأهرام والبرابي لا تقرأ؟ قال: ذهب الحكماء الذين كان هذا قلمهم «١» ، وتداول أرض مصر الأمم، فغلب على أهلها القلم الرومي كأشكال أحرف القبط والروم؛ فالقبط تقرؤه على حسب تعارفها إياه وخلطها لأحرف الروم بأحرفها على حسب ما ولدوا من الكتابة بين الرومي والقبطي الأول، فذهب عنهم كتابة آبائهم السالفة وصاروا لا يعرفونها، وهي هذه الكتابة التي على الأهرام وغيرها. انتهى أمر الهرم.

стр. 71

[و «١» قد نظم عمارة اليمنىّ فيهما فقال: خليلي ما تحت السماء بنية ... تماثل في إتقانها هرمي مصر بناء يخاف الدهر منه وكل ما ... على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر تنزه طرفي في بديع بنائها ... ولم يتنزه في المراد بها فكري وقال سعد الدين بن جبارة فى المعنى: لله أي غريبة وعجيبةٍ ... في صنعة الأهرام للألباب أخفت عن الأسماع قصة أهلها ... ونضت عن الإبداع كل نقاب فكأنما هي كالخيام مقامة ... من غير ما عمدٍ ولا أطناب وبالقرب من الأهرام صنم على صورة إنسان تسميه العامة «أبا الهول» لعظمه، والقبط يزعمون أنه طلسم للرمل الذي هناك لئلا يغلب على أرض الجيزة] . وأما السحرة الذين كانوا بمصر في زمان فرعون فكانوا، كما ذكر يزيد بن أبي حبيب، اثني عشر ساحراً رؤساء، وتحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفاً، تحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة؛ فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألفا ومائتين واثنين وخمسين إنسانا بالرؤساء والعرفاء. وعن محمد بن المنكدر: كان السحرة ثمانين ألفاً، فلما عاينوا ما عاينوا أيقنوا أن ذلك من السماء وأن السحر لا يقوم أمر الله، فخر الرؤساء الاثنا عشر عند ذلك سجدا، فاتبعهم العرفاء واتبع العرفاء من بقي؛ قالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون، وكانوا من أصحاب موسى ولم يفتتن أحد منهم مع من افتتن من بني إسرائيل فى عبادة العجل.

стр. 72

وأما ما بمصر من الأعاجيب والمباني- فبها عمود مدينة عين شمس الذي تسميه العامة «مسلة فرعون» . وبها «صدع أبي قير» ، وهو موضع في الجبل يجتمع إليه في يوم مخصوص في السنة جميع جنس الطير، وبالجبل طاقة يدخل فيها كل طير يأتي إليه ثم يخرج من وقته حتى ينتهي إلى آخر الطير فتقبض عليه ويموت فيها. وبها «مجمع البحرين» وهو البرزخ، وهما بحر الروم والصين، والحاجز بينهما مسيرة ليلة واحدة ما بين القلزم والفرما. وبها ما ليس في غيرها، وهو حيوان السقنقور والنمس ولولاه أكلت الثعابين أهلها؛ وهو كقنافذ سجستان لأهلها. وبها «دهن البلسان» ، وليس ينبت عرقه إلا بمصر خاصة. وبها «معدن الذهب والزمرد» ، وليس في الدنيا معدن زمرد سواه. وبها «معدن النفط والشب والبرام والرخام» . وبها «الأفيون» ، وهو عصارة الخشخاش؛ وقيل: بها سائر المعادن؛ وبها «الأبنوس» . وبها «حجر السّنباذج» الذي بقطع به سائر الأحجار؛ وأشياء غير ذلك سكتنا عنها خوف الإطالة. *** وأما مصر تلك الأيام فكان مبانيها وأماكنها في غير مصر الآن. وموضع مصر قديماً هي البقعة الآن الخراب عند حدرة ابن قميحة والكيمان التي عند قبر القاضي بكار إلى المشهد النفيسي. وأما قطائع ابن طولون فيأتي ذكرها في ترجمته وبيان أماكنها. قال الشريف النسابة الثقة محمد بن أسعد الجوّانىّ فى كتابه المسمى «بالنّقط لمعجم ما أشكل من الخطط» : سمعت الأمير تأييد الدولة تميم بن محمد المعروف بالصمصام يقول: في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة حدثني القاضي أبو الحسن علي بن الحسين الخلعي «١» عن

стр. 73

القاضي القضاعي «٢» أبي عبد الله أنه قال: كان في مصر من المساجد ستة وثلاثون ألف مسجد، وثمانية آلاف شارع مسلوك، وألف ومائة وسبعون حماما؛ وأنّ أبا الحسن ابن حمزة الحسني ذكر أنه عرض له دخول حمام سالم الذي عند درب سالم في أول القرافة، يعني حمام جنادة بن عيسى المعافري الذي عند مصبغة الحفارين المعروفة بفسقية ابن طولون- قلت: وفسقية ابن طولون هي عند المقبرة الكبيرة على يسرة المتوجه إلى القرافة بالقرب من قبر القاضى بكّارا هـ- قال: وإنه ما وصل إليه إلا بعد عناء من الزحام، وإنه كانت قبالة الحمام في كل يوم جمعة خمسمائة درهم. قلت: وكانت الخمسمائة درهم يوم ذاك نحو اثنين وأربعين دينارا إلا ثلثاً، لأن الدينار كان صرفه يوم ذاك اثني عشر درهماً. انتهى كلام الشريف. قلت: وذهبت تلك الأماكن بأجمعها عند خراب قطائع ابن طولون لمّا أخر بها محمد بن سليمان الكاتب، لا سيما لما بنيت القاهرة فى سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، على ما يأتي ذكر ذلك في ترجمة جوهر القائد. *** وأما ظاهر القاهرة من جهاتها الأربع فقد تجدد ذلك كله في الدولة التركية، ومعظمه في دولة ابن قلاوون محمد، على ما يأتي بيان ذلك في ترجمته، لأننا نذكر كل مكان تجدد في أيام سلطانه كما شرطناه في أول هذا الكتاب. اهـ.

стр. 74

*** وأما محاسن مصر فكثيرة: من ذلك ما قاله الشيخ الإمام الفقيه أبو محمد الحسن ابن إبراهيم بن زولاق: إن من محاسن مصر اعتدال هوائها في حرها وبردها؛ وإن مزاج هوائها لا يقطع أحدا عن التصرف كما يقطع حر بغداد أهلها عن التصرف في معايشهم، ويخلو أكثر الطرقات بها نهاراً، وكذلك بردها، وإن برد مصر ربيع وحرها قيظ. وقدم رجل من بغداد إلى مصر فقيل له: ما أقدمك؟ فقال: فررت من كثرة الصياح في كل ليلة: «يا غافلين الصلاة» لاختفائهم من الحر والبرد، فإن حر بغداد وبردها يقطعان أهلها عن التصرف حتى إنهم يكمنون في بطن الأرض من شدة الحر في الصيف، وتطوف الحراس في بعض المواضع نهاراً لاختفاء الناس في بطون الأرض من شدة الحر. انتهى كلام ابن زولاق. قلت: وأما برد الشمال والروم فلا حاجة لذكره لعظم البرد وكثرة الثلوج والأمطار وغير ذلك. قال ابن زولاق أيضاً: ومن ذلك الأقوات والميرة التي لا قوام لأحد في بلد إلا بها، فإن مصر تمير أهلها والساكنين بها وبأعمالها، وتمير الحرمين الشريفين والوافدين إليها من الأقطار، وما تجد بلداً إلا وتصل إليها ميرة مصر؛ وبغداد لا تمير أهلها فضلاً عن غيرهم لأن طعامها وأقوات ساكنيها من الموصل وأعماله والفرات وأعماله وديار مضر وربيعة. وأما بغداد فإنها تميز نفسها أربعة أشهر، وتميرها الموصل أربعة أشهر، وتميرها واسط أربعة أشهر؛ وكذلك البصرة أيضاً لا تمير نفسها، وإنما تميرها واسط والأهواز؛ ولما حل الغلاء ببغداد نزح عنها أهلها وأثر فيها إلى اليوم، وكان بمصر

стр. 75

غلاء في سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وغلاء في سنة أربع عشرة وثلاثمائة، وغلاء في سنة عشرين وثلاثمائة، وغلاء في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وغلاء في سنه ست وسبع وثمان وخمسين وثلثمائة، فما أثر ذلك فيها. قلت: هذا، وما وصل القائل إلى غلاء سني المستنصر بالديار المصرية من سنة ست وخمسين إلى سنة خمس وستين وخمسمائة التي شبهت بأيام يوسف ﵇، ولم يقع بمصر غلاء مثله قبله ولا بعده، وبعد ذلك تراجع أمر مصر فى مدّة يسيرة وعادت إلى ما كانت عليه أولاً. يأتي ذكر هذا الغلاء وغيره في ترجمة الخليفة المعز العبيدي في هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى. قلت: وهذا القياس الذي ذكرناه بين مصر وبغداد إنما كان تلك الأيام التي كان بها يومئذ عظماء خلفاء بني العباس، وكانت مصر تلك الأيام يليها عامل من قبل أمير من أمراء الخلفاء؛ وأما يومنا هذا فلا تقاس مصر بالعراق جميعه بل تزيد محاسنها على جميع أقطار الأرض، ولولا خشية الإطالة لبينا ذلك، ولكن فيما ذكرناه من محاسن مصر وما اشتملت عليه من الطرائف كفاية عن الإطناب فيها. *** وأما خراج مصر قديماً فقيل: إن كيقاوس أحد ملوك القبط الأول جبى خراجها فجاء مائة ألف ألف وثلاثين ألف دينار، وجباه عزيز مصر مائة ألف ألف دينار، وجباه عمرو بن العاص ﵁ في الإسلام اثني عشر ألف ألف دينار، ثم رذل «١» إلى أن جباه أحمد بن طولون في سنة ستين ومائتين أربعة آلاف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار مع ما يضاف إليه من ضياع الأمراء، ثم جباه جوهر القائد خادم المعز العبيدي ثلاثة آلاف ألف دينار ومائتي ألف دينار فى سنة ستين وثلثمائة.
следующие страницы →