Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وقد نيّف على الثمانين. قيل: إنّه سأله سائل: هل يتحقّق العارف بما يبدوله؟
فقال: كيف يتحقّق بما لا يثبت! وكيف يطمئن الى ما يظهر! وكيف يأنس بما لا يخفى! فهو الظاهر الباطن؛ ثم أنشأ:
فمن كان في طول الهوى ذاق سلوة ... فإنّى من ليلى بها غير واثق
وأكثر شىء نلته من وصالها ... أمانىّ لم تصدق كلمحة بارق
وله:
تغنّى العود فاشتقنا ... الى الأحباب إذ غنّى
وكنّا حيثما كانوا ... وكانوا حيثما كنّا
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الفضل أحمد ابن عبد الله بن نصر بن هلال السّلمىّ، وأبو بكر الصّنوبرىّ الحلبىّ أحمد بن محمد، والحسين بن يحيى بن عبّاس القطّان، والمستكفى بالله عبد الله بن المكتفى خلع في جمادى الآخرة وسمل وسجن ثم مات بعد أربعة أعوام، وعلىّ بن إسحاق المادرانىّ «١» ، وأبو الحسن علىّ بن عيسى بن داود بن الجرّاح الوزير، وأبو القاسم عمر بن الحسين الخرقىّ الحنبلىّ صاحب «المختصر» ، وأبو علىّ محمد بن سعيد القشيرىّ الحرّانىّ الحافظ، والإخشيذ محمد بن طغج التركىّ في ذى الحجة بدمشق عن ستّ وستين سنة، والقائم بأمر الله نزار، ويقال: محمد بن المهدىّ عبيد الله، مات بالمهديّة في شوّال، وأبو بكر الشّبلىّ شيخ الصوفيّة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وعشر أصابع.
مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وستّ أصابع.
стр. 1017
ذكر ولاية أنوجور بن الإخشيذ على مصر
هو أنوجور «١» بن الإخشيذ محمد بن جفّ الأمير أبو القاسم الفرغانىّ التركىّ.
وأنوجور اسم أعجمىّ غير كنية، معناه باللغة العربية محمود «٢» . ولى مصر بعد وفاة أبيه الإخشيذ في يوم الجمعة لثمان بقين من ذى الحجّة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة؛ ولّاه الخليفة المطيع لله على مصر والشام وعلى كلّ ما كان لأبيه من الولاية؛ فإنّه كان أبوه استخلفه وجعله ولىّ عهده؛ فأقرّه الخليفة على ما عهده له أبوه. ولما ثبت أمر أنوجور المذكور صار الخادم كافور الإخشيذىّ مدبّر مملكته، فكان كافور يطلق في كلّ سنة لابن أستاذه أنوجور هذا أربعمائة ألف دينار، ويتصرّف كافور فيما يبقى. ثم قبض كافور على أبى بكر محمد بن علىّ بن مقاتل صاحب خراج مصر فى يوم ثالث المحرّم سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، وولّى مكانه على الخراج محمد بن علىّ الماذرائىّ «٣» . ولما تمّ أمر أنوجور بدمشق خرج منها وصحبته الأستاذ كافور الإخشيذى الى مصر؛ فدخلها بعساكره في أوّل صفر؛ فأقام بها مدّة، ثم خرج منها بعساكره الى الشام أيضا لقتال سيف الدولة علىّ بن عبد الله بن حمدان؛ فإنّ سيف الدولة كان بعد خروج أنوجور من دمشق ملكها. ولما خرج أنوجور من مصر الى الشام في هذه المرّة خرج معه عمّه الحسن بن طغج أخو الإخشيذ، ومدبّر دولته الخادم كافور الإخشيذىّ؛ فخرج سيف الدولة من دمشق وتوجّه نحو الديار المصريّة حتّى وصل الى الرّملة؛ فالتقى مع المصرييّن؛ فكان بينهم وقعة هائلة انكسر
стр. 1018
فيها سيف الدولة وانهزم الى السام، فسار المصريّون وراءه فانهزم الى حلب، فساروا خلفه فانهزم الى الرّقّة. وقال المسبّحىّ: كان بين سيف الدولة وبين أبى المظفّر الحسن بن طغج وهو أخو الإخشيذ- قلت: ذكر المسعودىّ الحسن هذا لصغر سنّ أنوجور- وقعة باللّجّون «١» ؛ فانكسر سيف الدولة ووصل الى دمشق بعد شدّة وتشتّت؛ وكانت أمّه بدمشق فنزل بالمرج «٢» خائفا، وأخرج حواصله، وسار نحو حمص على طريق قارة «٣» . وسار أخو الإخشيذ وكافور الإخشيذىّ الى دمشق.
واستقر أمرهم على الصلح، على أن يعود سيف الدولة الى ما كان بيده من حلب وغيرها. وأقرّ أنوجور يأنس المؤنسىّ على عادته في إمرة دمشق؛ فإنّه كان أولا انهزم من سيف الدولة وسلّمه دمشق بالأمان. وعاد أنوجور وعمّه الحسن بن طغج وكافور الإخشيذىّ الى الديار المصرية سالمين. ولما كان أنوجور بالشام خرج بمصر غلبون متولّى الريف في جموع ونهب مصر وتغلّب عليها؛ فقدم أنوجور فهرب غلبون من مصر، فتبعه أبو المظفر الحسن بن طغج أخو الإخشيذ حتى ظفر به وقتله.
ثم استوزر أنوجور أبا القاسم جعفر بن الفضل بن الفرات. ودام أنوجور على إمرة مصر سنين الى أن وقع بينه وبين كافور وحشة في سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة.
وسببها أنّ قوما كلّموا أنوجور وقالوا له: قد احتوى كافور على الأموال وانفرد بتدبير الجيوش، وأخذ أملاك أبيك وأنت معه مقهور، وحملوه على التنكّر؛ فلزم
стр. 1019
أنوجور الصيد والتباعد فيه الى المحلّة «١» وغيرها وانهمك في اللهو، ثمّ أجمع «٢» على المسير الى الرملة. فأعلمت أمّه كافورا بما عزم عليه ولدها خوفا عليه من كافور. فلمّا علم كافور بذلك راسله، ثم بعثت أمّه إليه تخوّفه الفتنة؛ فاصطلحا ودام الأمر على حاله. ولم يزل أنوجور على إمرة مصر الى أن مات بها في يوم السبت سابع أو ثامن ذى القعدة سنة تسع وأربعين وثلثمائة، وحمل الى القدس فدفن عند أبيه الإخشيذ. وكانت مدّة ولايته على مصر أربع عشرة سنة وعشرة أيّام. ولمّا مات أنوجور أقام كافور الإخشيذى أخاه عليّا أبا الحسين بن الإخشيذ مكانه، وأقرّه الخليفة المطيع على إمرة مصر على الجند والخراج، وأضاف إليه الشام، كما كان لأبيه الإخشيذ ولأخيه أنوجور. وقويت شوكة كافور في ولاية علىّ هذا أكثر مما كانت في ولاية أخيه لوجوه عديدة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٣٥]
السنة الأولى من ولاية أنوجور بن الإخشيذ على مصر، وهى سنة خمس وثلاثين وثلثمائة- فيها جدّد معزّ الدولة أحمد بن بويه الأمان بينه وبين الخليفة المطيع لله بعد أن انهزم ناصر الدولة بن حمدان في السنة الماضية من معزّ الدولة المذكور؛ ثم وقع الصلح بينهما على أن يكون لناصر الدولة من تكريت الى الشام.
وفيها استولى ركن الدولة الحسن بن بويه على الرىّ. وفيها أقيمت الدعوة بطرسوس لسيف الدولة علىّ بن عبد الله بن حمدان، فنفّذ لهم الخلع والذهب ونفّذ لهم ثمانين
стр. 1020
ألف دينار للفداء. وفيها توفّى أحمد بن أبى أحمد [بن القاصّ «١» ] أبو العباس الطبرىّ القاضى الفقيه صاحب أبى العباس بن سريج؛ كان إماما فقيها، صنّف في مذهبه كتاب «المفتاح» و «أدب القاضى» و «المواقيت» و «التلخيص» ، وتفقّه عليه أهل طبرستان.
وكانت وفاته بطرسوس. وفيها لم يحجّ أحد من العراق خوفا من القرامطة. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن الرّبيع بن سليمان أبو رجاء الفقيه الشافعىّ الشاعر؛ كان فاضلا شاعرا، وله قصيدة ذكر فيها أخبار العالم وقصص الأنبياء؛ وسئل قبل موته: كم بلغت قصيدتك إلى الآن؟ فقال: ثلاثين ألفا ومائة «٢» بيت. وفيها توفّى هارون ابن محمد بن هارون بن علىّ بن موسى أبو جعفر الضّبّىّ؛ كان أسلافه ملوك عمان، وكان معظّما عند السلطان، وانتشرت مكارمه وعطاياه، وقصده الشعراء من كلّ مكان، وأنفق أموالا عظيمة في [برّ «٣» ] العلماء والأشراف و [اقتناء «٤» ] الكتب النفيسة، وكان عارفا بالنحو واللغة والشعر ومعانى القرآن والكلام، وكانت داره مجمعا لأهل العلم.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو العباس القاضى صاحب ابن سريج، وأبو عمر حمزة بن القاسم الهاشمىّ، وأبو بكر محمد بن جعفر [الصّيرفىّ «٥» ] المطيرىّ «٦» ، وأبو بكر محمد بن يحيى الصّولىّ [الشّطرنجىّ «٧» ] ، والهيثم بن كليب الشّاشىّ «٨» .
стр. 1021
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وإحدى عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وثمانى أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٣٦]
السنة الثانية من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة ستّ وثلاثين وثلثمائة- فيها خرج الخليفة المطيع ومعزّ الدولة أحمد بن بويه إلى البصرة لمحاربة أبى القاسم عبد الله بن البريدىّ وسلكوا البرّيّة «١» اليها؛ فلما قاربوها استأمن إلى معزّ الدولة جيش البريدىّ، وهرب هو إلى القرامطة؛ وملك معزّ الدولة البصرة، وأقطع المطيع فيها من ضياعها. وفيها قدم عماد الدولة علىّ بن بويه إلى الأهواز؛ فبادر أخوه معزّ الدولة أحمد إلى خدمته، وجاء فقبّل الأرض ووقف، وتأدّب معه معزّ الدولة؛ ثم بعد أيّام ودّعه؛ وعاد معزّ الدولة وقد أخذ واسطا والبصرة. وفيها ظفر المنصور العبيدىّ بمخلد بن كيداد وقتل قوّاده ومزّق جيشه. وفيها أغارت الروم على أطراف الشام فسبوا وأسروا، فساق وراءهم سيف الدولة بن حمدان، ولحقهم فقتل منهم مقتلة عظيمة واستردّ ما أخذوا من المسلمين؛ ثم أخذ حصن برزوية «٢» من الأكراد بعد أن نازلهم مدّة.
وفيها وردت الأخبار أن نوحا صاحب خراسان أكحل أخويه وعمّه إبراهيم. وفيها توفّى أحمد بن جعفر بن محمد أبو الحسين المعروف بابن المنادىّ «٣» البغدادىّ؛ كان إماما
стр. 1022
محدّثا، سمع الكثير وصنّف كتبا كثيرة. قال أبو يوسف القزوينىّ: صنّف في علوم القرآن أربعمائة ونيّفا وأربعين كتابا ليس فيها شىء من الحشو، وجمع فيها حسن العبارة وعلوّ الرواية. وفيها توفّى العلّامة أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس ابن محمد بن صول تكين الصّولىّ، الإمام المفتنّ المعروف بالصولىّ الشّطرنجىّ الكاتب، وكان صول من ملوك خراسان وجرجان؛ كان أحد علماء الفنون كالأدب وحسن المعرفة بأيّام الناس وطبقات الشعراء، واسع الرواية كثيرا لحفظ؛ صنّف كتاب" الأوراق" وكتاب" الوزراء" وغيرهما؛ وانتهى إليه علم الهندسة [و] الشّطرنج؛ ونادم جماعة من الخلفاء؛ وكان له نظم رائق؛ من ذلك قوله:
أحببت من أجله من كان يشبهه ... وكلّ شىء من المعشوق معشوق
حتّى حكيت بجسمى ما بمقلته ... كأنّ سقمى من جفنيه مسروق
وفيها توفّى محمد بن علىّ بن إسماعيل أبو بكر الشاشىّ القفّال الكبير أحد أئمة الشافعيّة، كان إماما فاضلا، وهو أوّل من ضنّف في الجدل، مات في صفر؛ قاله العلامة يوسف بن قزأوغلى. وذكر الذهبىّ وفاته في سنة خمس وستين وثلثمائة، وهو المشهور.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الحسين أحمد ابن جعفر المنادىّ، وحاجب بن أحمد الطّوسىّ، وأبو العباس محمد بن أحمد «١» بن حمّاد الأثرم، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمىّ، وأبو علىّ محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميدانىّ «٢» ، وأبو طاهر محمد بن الحسين المحمّداباذىّ «٣» .
стр. 1023
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وثلاث عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٣٧]
السنة الثالثة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة سبع وثلاثين وثلثمائة- فيها كان الغرق ببغداد، وزادت دجلة إحدى وعشرين ذراعا، وهرب الناس ووقعت الدّور ومات تحت الرّدم خلق كثير. وفيها دخل بغداد أبو القاسم عبد الله ابن البريدىّ بأمان من معزّ الدولة، وأقطعه معزّ الدولة قرى بأعمال بغداد. وفيها اختلف معزّ الدولة أحمد بن بويه وناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان التّغلبىّ، وسار معزّ الدولة الى الموصل، فتأخّر ناصر الدولة الى نصيبين خائفا، ثم صالحه ناصر الدولة في كلّ سنة على ثمانية آلاف ألف درهم. وفيها خرجت الروم، فتلقّاهم سيف الدولة علىّ بن عبد الله بن حمدان التّغلبىّ على مرعش، فهزموه وملكوا مرعش. وفيها لم يحجّ أحد في هذه السنة من العراق. وفيها ولى إمرة دمشق أبو المظفّر الحسن بن طغج بن جفّ نيابة لابن أخيه أنوجور بن الإخشيذ؛ وقد وليها مرّة أخرى في أيّام القاهر من قبل أخيه الإخشيذ محمد بن طغج. وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم أبو محمد المعروف بالبيّع والد الحاكم [أبى عبد الله «١» ] النّيسابورىّ، صاحب التصانيف. أذّن عبد الله هذا بمسجد ثلاثا وثلاثين سنة، وغزا اثنتين وعشرين غزوة، وأنفق على العلماء والزهّاد مائة ألف درهم، وكان كثير العبادة، وروى عن مسلم وغيره. وفيها توفّى قدامة
стр. 1024
ابن جعفر أبو الفرج «١» الكاتب صاحب المصنفات: مثل «كتاب البلدان» و «الخراج» و «صناعة الكتابة» وغيرها، وكان عالما، جالس المبرّد وثعلبا وغيرهما.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو إسحاق إبراهيم ابن شيبان القرميسينىّ «٢» الزاهد، وأبو علىّ محمد بن علىّ بن عمر المذكّر «٣» النّيسابورىّ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وخمس عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٣٨]
السنة الرابعة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة- فيها وصلت تقادم «٤» أنوجور بن الإخشيذ عامل مصر صاحب الترجمة، وسأل معزّ الدولة أن يكون أخوه مشاركا له في إمرة مصر، ويكون من بعده، فأجابه.
وفيها تقلّد أبو السائب عتبة بن عبيد الله «٥» الهمذانىّ قضاء القضاة ببغداد. وفيها تحرّكت القرامطة، ولم يحجّ أحد في هذه السنة من العراق. وفيها عمّر المنصور «٦» العبيدىّ صاحب بلاد المغرب مدينة المنصوريّة. وفيها ولى إمرة دمشق شعلة
стр. 1025
ابن بدر الإخشيذىّ من قبل صاحب الترجمة، وكان أحد الأبطال الموصوفين بالشجاعة، وفيه ظلم. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن علىّ أبو بكر المراغىّ؛ روى عن الربيع بن سليمان أبياتا سمعها من الشافعىّ رضى الله عنه، وهى «١» :
شهدت بأنّ الله لا ربّ «٢» غيره ... وأشهد أنّ البعث حقّ وأخلص
وأنّ عرا الإيمان قول محسّن ... وفعل زكىّ قد يزيد وينقص
وأنّ أبا بكر خليفة ربّه ... وكان أبو حفص على الخير يحرص
وأشهد ربّى أنّ عثمان فاضل ... وأنّ عليّا فضله متخصّص «٣»
[أئمة «٤» قوم نهتدى بهداهم ... لحا الله من إيّاهم يتنقّص]
وفيها توفّى أمير المؤمنين المستكفى بالله عبد الله ابن الخليفة المكتفى بالله علىّ ابن الخليفة المعتضد بالله أحمد ابن ولىّ العهد طلحة الموفق ابن الخليفة جعفر المتوكّل الهاشمىّ العباسىّ البغدادىّ، مات معتقلا بعد أن خلع من الخلافة وسمل قبل تاريخه بسنين في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، حسب ما تقدّم ذكره في محلّه.
ومات برمى الدم، وكان محبوسا بدار معزّ الدولة بن بويه. ومات وله ستّ وأربعون سنة؛ وكان بويع بالخلافة بعد خلع المتقى بالله وسمله في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة. وأمّ المستكفى بالله هذا أمّ ولد تسمّى غصن «٥» . وفيها توفّى السلطان عماد الدولة أبو الحسن علىّ بن بويه بن فنّا خسرو الديلمىّ- وقد ذكرنا من أمر بنى بويه ومبدأ ملكهم نبذة في حوادث سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة- وكان قد ملك جميع بلاد
стр. 1026
فارس، وكان ملكا عاقلا شجاعا مهيبا، اعتلّ بقرحة في الكلى أنحلت جسمه، ومات بشيراز وله تسع وخمسون سنة. وأقام الخليفة المطيع لله مقامه أخاه أبا علىّ الحسن ركن الدولة والد السلطان عضد الدولة بن بويه. وكان معزّ الدولة أحمد بن بويه صاحب أمر الخلافة يومئذ يحبّ أخاه عماد الدولة المتوفّى ويحترمه ويكاتبه بالعبوديّة ويقبّل الأرض بين يديه اذا اجتمعا مع عظم سلطانه، لكونه «١» الأكبر سنّا. وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن دينار أبو عبد الله الفقيه الزاهد العدل النّيسابورىّ، وكان صالحا عابدا يحجّ دائما، ومات عند منصرفه من الحجّ في صفر؛ رضى الله عنه.
وفيها توفّى أحمد بن محمد بن إسماعيل العلّامة أبو جعفر النحاس المصرىّ النحوىّ، كان من نظراء ابن الأنبارىّ ونفطويه، وله كتاب «إعراب القرآن» وكتاب «المعانى» وكتاب «اشتقاق الأسماء الحسنى «٢» » ، ومصنّفات كثيرة غير ذلك. وفيها توفّى إبراهيم بن عبد الرزاق بن الحسن أبو إسحاق الأنطاكىّ الفقيه المقرئ؛ قرأ على هارون بن موسى الأخفش وأحمد بن أبى رجاء وغيرهما، وصنّف كتابا في القراءات الثمان، وسمع الكثير وحدّث.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أحمد بن سليمان ابن زبّان «٣» الكندىّ الدّمشقىّ، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحّاس، وإبراهيم بن عبد الرزّاق الأنطاكىّ، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبى ثابت، وأبو علىّ الحسن بن حبيب الحضائرىّ «٤» ، وعماد الدولة علىّ بن بويه الدّيلمىّ صاحب
стр. 1027
بلاد فارس، وكانت أيّامه ستّ عشرة سنة، وأبو الحسن علىّ بن محمد الواعظ المصرىّ، وعلى بن حمشاد «١» العدل.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وسبع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٣٩]
السنة الخامسة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة تسع وثلاثين وثلثمائة- فيها غزا سيف الدولة علىّ بن عبد الله بن حمدان بلاد الروم في ثلاثين ألفا، ففتح حصونا وقتل وسبى وغنم؛ فأخذ الروم عليه الدرب عند خروجه فاستولوا على عسكره قتلا وأسرا، واستردّوا جميع ما أخذ لهم، وأخذوا جميع خزائن سيف الدولة، [ونجا «٢» ] فى عدد يسير. وفيها استولى [منصور «٣» بن] قرا تكين على الرّىّ والجبال ودفع عنها عسكر ركن الدولة. وفيها ردّ الحجر الأسود الى موضعه، بعث به القرمطىّ مع [أبى] محمد بن سنبر «٤» الى الخليفة المطيع لله، وكان بجكم قد دفع فيه قبل تاريخه خمسين ألف دينار وما أجابوا، وقالوا: أخذناه بأمر وما نردّه إلا بأمر؛ فلما ردّوه في هذه السنة قالوا: رددناه بأمر من أخذناه بأمره. وكذبوا؛ فإن الله تعالى قال: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها)
. [فكذّبهم «٥» الله تعالى بقوله] : (قُلْ إِنَ
стр. 1028
اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ)
. وإن عنوا بالأمر القدر فليس ذلك حجّة لهم، فالله تعالى قدّر عليهم الضلال والمروق من الدين، وقدّر عليهم أن يدخلهم النار، فلا ينفعهم قولهم: «أخذناه بأمر» . ولما أتوا بالحجر الأسود أعطاهم المطيع مالا له جرم؛ وكان الحجر الأسود قد بقى اثنتين وعشرين سنة. وقال المسبّحىّ: وفيها وافى سنبر بن الحسن الى مكّة ومعه الحجر الأسود، وأمير مكّة معه. فلما صار بفناء البيت أظهر الحجر، وعليه ضباب فضّة قد عملت من طوله وعرضه تضبط شقوقا قد حدثت عليه بعد انقلاعه، وأحضر له صانعا معه جصّ يشدّه [به] . فوضع سنبر بن الحسن ابن سنبر الحجر الأسود بيده وشدّه الصانع بالجصّ. وقال لمّا ردّه: أخذناه بقدرة الله ورددناه بمشيئته. وفيها توفّى محمد بن أحمد الصّيمرىّ كاتب معزّ الدولة ووزيره، فقلّد مكانه أبا محمد الحسن بن محمد المهلّبىّ. وفيها في عيد الأضحى قتل الناصر لدين «١» الله عبد الرّحمن بن محمد الأموىّ صاحب الأندلس ولده عبد الله، وكان قد خاف من خروجه «٢» عليه؛ وكان الناصر من كبار العلماء، روى عن محمد بن عبد الملك بن أيمن وقاسم بن أصبغ وله تصانيف: منها مجلّد في" مناقب بقىّ بن مخلد" رواه عنه مسلمة «٣» ابن قاسم. وفيها توفّى عبد الرّحمن بن إسحاق أبو القاسم الزّجّاجىّ النحوىّ من أهل
стр. 1029
بغداد، وسكن طبريّة وأيلة وحدّث بدمشق وصنّف في النحو" مختصرا". وفيها غزا سيف الدولة في شهر ربيع الأوّل ووافاه عسكر طرسوس في أربعة آلاف عليهم القاضى أبو الحصين، فسار إلى قيساريّة وفتح عدّة حصون وسبى وقتل، ثم سار إلى سمندو «١» ثم إلى خرشنة يقتل ويسبى، ثم الى صارخة «٢» بينها وبين قسطنطينيّة سبعة أيّام. فلمّا نزل عليها واقع الدّمستق مقدّمته فظهرت عليه فلجأ إلى الحصن، وخاف على نفسه؛ ثم جمع والتقى بسيف الدولة، فهزمه الله أقبح هزيمة وأسرت بطارقته.
وكانت غزوة مشهورة، وغنم المسلمون مالا يوصف؛ وبقوا في الغزو أشهرا. وفيها توفّى الخليفة القاهر أبو منصور محمد ابن الخليفة المعتضد بالله أحمد ابن ولىّ العهد أبى أحمد طلحة الموفّق ابن الخليفة المتوكّل جعفر العباسى الهاشمىّ البغدادىّ.
استخلف أوّلا بعد خلع المقتدر بالله جعفر، ثم خلع بعد ثلاثة أيّام، ودام دهرا الى أن بويع ثانيا بالخلافة بعد قتل جعفر المقتدر سنة عشرين وثلثمائة؛ فأقام في الخلافة الى أن خلعوه من الخلافة في جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة بالراضى بالله أبى العباس محمد «٣» ، وسملت عيناه فسالتا على خدّه، وحبسوه مدّة ثم أهملوه وسيّبوه حتّى
стр. 1030
مات في هذه السنة في جمادى الأولى. وكان ربعة أسمر أصهب الشعر طويل الأنف؛ وكان قد افتقر وسأل قبل موته. وهو أوّل خليفة خلع وسمل. وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن أحمد أبو عبد الله الصّفّار الأصبهانىّ، كان محدّث عصره بخراسان، وكان مجاب الدعوة، أقام أربعين سنة لم يرفع رأسه الى السماء حياء من الله تعالى.
وكان يقول: اسم رسول الله ﷺ كاسمى، واسم أبيه اسم أبى.
وكانت وفاته في ذى القعدة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في السنة، قال: وفيها توفّى علىّ بن عبد الله بن يزيد ابن أبى مطر الإسكندرىّ القاضى وله مائة سنة، وعمر بن الحسن أبو الحسين بن الأشنانىّ «١» القاضى، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفّار الأصبهانىّ، وأبو جعفر محمد بن عمر بن البخترىّ، وأبو نصر الفارابىّ صاحب الفلسفة محمد بن محمد بن طرخان. قلت: يأتى ذكر الفارابىّ أيضا في هذا الكتاب في غير هذه السنة على ما ورّخه صاحب المرآة وغيره.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإصبعان.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٤٠]
السنة السادسة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة أربعين وثلثمائة- فيها قصد صاحب عمان البصرة وساعده أبو يعقوب القرمطىّ، فسار اليهم أبو محمد [الحسن بن «٢» محمد] المهلّبىّ في الدّيلم والجند، فالتقوا فهزمهم المهلّبىّ واستباح عسكرهم،
стр. 1031
وعاد إلى بغداد بالأسارى والغنائم. وفيها جمع سيف الدولة بن حمدان جيوش الموصل والجزيرة والشام والأعراب ووغل في بلاد الروم، وقتل وسبى شيئا كثيرا وعاد الى حلب سالما. وفيها قلعت حجبة الكعبة الحجر الأسود الذي نصبه سنبر ابن الحسن صاحب القرمطىّ وجعلوه في الكعبة، فأحبّوا أن يجعلوا له طوقا من فضّة فيشدّ به كما كان قديما، كما عمله عبد الله بن الزبير. وأخذ في إصلاحه صانعان حاذقان فأحكماه. قال أبو الحسن محمد بن نافع الخزاعىّ: دخلت الكعبة فيمن دخلها فتأمّلت الحجر فإذا السواد في رأسه دون سائره وسائره أبيض، وكان طوله، فيما حزرت، مقدار عظم الذراع. قال: ومبلغ ما عليه من الفضّة، فيما قيل، ثلاثة آلاف وسبعمائة وسبعة وتسعون درهما ونصف. وفيها كثرت الزلازل بحلب والعواصم ودامت أربعين يوما وهلك خلق كثير تحت الردم؛ وتهدّم حصن رعبان «١» ودلوك «٢» وتلّ حامد «٣» ، وسقط من سور دلوك ثلاثة أبرجة. وفيها توفّى شيخ الحنفيّة
стр. 1032
بالعراق عبيد الله «١» بن الحسين «٢» الشيخ أبو الحسن الكرخىّ، سمع ببغداد إسماعيل [بن إسحاق «٣» ] القاضى ومحمد بن عبد الله الحضرمىّ مطيّنا، وروى عنه ابن شاهين «٤» وعبد الله «٥» ابن محمد الأكفانىّ القاضى، وكان علّامة كبير الشأن فقيها أديبا بارعا عارفا بالأصول والفروع، انتهت إليه رياسة السادة الحنفيّة في زمانه وانتشرت تلامذته في البلاد؛ وكان عظيم العبادة كثير الصلاة والصوم صبورا على الفقر والحاجة ورعا زاهدا صاحب جلالة. قال أبو بكر الخطيب: حدّثنى الصّيمرىّ «٦» حدّثنى أبو القاسم بن علّان الواسطىّ، قال: لما أصاب أبا الحسن الكرخىّ الفالج في آخر عمره حضرته وحضر أصحابه أبو بكر [الرازىّ «٧» وأبو عبد الله] الدامغانىّ وأبو علىّ الشاشىّ وأبو عبيد الله البصرىّ، فقالوا: هذا مريض يحتاج الى نفقة وعلاج، والشيخ مقلّ؛ فكتبوا الى سيف الدولة بن حمدان؛ فأحسّ أبو الحسن فيما هم فيه فبكى وقال: اللهم لا تجعل رزقى إلّا من حيث عوّدتنى، فمات قبل أن يحمل إليه شىء؛ ثم ورد من سيف الدولة عشرة آلاف درهم فتصدّق بها. توفّى وله ثمانون سنة، وأخذ عنه الفقه الذين ذكرناهم: الدّامغانىّ والشاشىّ والبصرىّ والإمام أبو بكر أحمد بن على الرازىّ وأبو القاسم علىّ بن محمد التّنوخىّ. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن زيّاد الغنوىّ «٨» البصرىّ
стр. 1033
الإمام أبو سعيد بن الأعرابىّ نزيل مكّة، كان إماما حافظا ثبتا، سمع الكثير، وروى عنه عالم كثير، وكان كثير العبادة، شيخ الحرم في وقته علما وزهدا وتسليكا وكان صحب الجنيد وعمرو بن عثمان المكىّ وأبا أحمد القلانسىّ وغيرهم.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو سعيد أحمد ابن محمد بن زياد بن بشر البصرىّ ابن الأعرابىّ، وإبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المروزىّ الشافعىّ، وأبو علىّ الحسين «١» بن صفوان البردعىّ، والكلاباذىّ المعروف بالأستاذ «٢» أحد أئمة الخليفة، والزجاجىّ صاحب «الجمل» أبو القاسم عبد الرّحمن بن إسحاق، وأبو محمد قاسم بن أصبغ القرطبىّ، وأبو جعفر محمد بن يحيى بن عمر بن علىّ ابن حرب، وأبو الحسن الكرخىّ شيخ حنفيّة العراق عبيد الله بن الحسين.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وأربع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٤١]
السنة السابعة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة إحدى وأربعين وثلثمائة- فيها ظفر الوزير المهلّبىّ بقوم التناسخيّة، وفيهم شاب يزعم أن روح علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه انتقلت فيه، وفيهم امرأة تزعم أن روح فاطمة رضى الله عنها انتقلت اليها، وفيهم آخر يزعم أنّه جبريل؛ فضربوا، فتعزّوا «٣» بالانتماء لأهل البيت؛ فأمر معزّ الدولة بإطلاقهم لتشيّع كان فيه. قلت: والمشهور عن بنى بويه
стр. 1034
التشيّع والرّفض. وفيها أخذت الروم سروج «١» فقتلوا وسبوا وأحرقوا البلد. وفيها حجّ بالناس أحمد بن عمر بن يحيى العلوىّ. وفيها في آخر شوال توفّى المنصور أبو طاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن عبيد الله المهدىّ العبيدىّ الفاطمىّ صاحب المغرب، مات بالمنصورة التى بناها ومصرها، وصلّى عليه ابنه ولىّ عهده أبو تميم معذ الملقّب بالمعزّ لدين الله؛ وهو الذي تولّى الخلافة بعده. وكان ملكا حادّ الذهن سريع الجواب فصيحا مفوّها يخترع الخطب، عادلا في الرعيّة، أبطل كثيرا من المظالم مما أحدثه آباؤه؛ ومات وله أربعون سنة، وكانت مدّة مملكته سبعة أعوام وأيّاما؛ وخلّف خمسة بنين وخمس بنات. وقام بعده ابنه المعزّ لدين الله فأحسن السّيرة وصفت له المغرب. ثم افتتح المعزّ لدين الله مصر وبنى القاهرة؛ على ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى بأطول من هذا في ترجمة المعزّ المذكور. وفيها توفّى أحمد بن محمد أبو العبّاس الدّينورىّ، كان من أجلّ المشايخ وأحسنهم طريقة، وكان يتكلّم على لسان أهل المعرفة بأحسن كلام. تكلّم يوما فصاحت عجوز في مجلسه؛ فقال لها: موتى؛ فقامت وخطت خطوات، ثم التفتت إليه وقالت: هأنا قد متّ، ووقعت ميّتة. وكان يقول:
مكاشفات الأعيان بالأبصار، ومكاشفات القلوب بالاتصال. وفيها توفّى الشيخ العابد القدوة أبو الخير التّيناتىّ «٢» الأقطع صاحب الكرامات- وتينات «٣» : قرية من قرى أنطاكية، وقيل: هى على أميال من المصّيصة- أقام بتينات مدّة سنين، وكان يسمّى الأقطع لأن يده كانت قطعت ظلما في واقعة جرت له يطول الشرح فى ذكرها. ومن كراماته [أن] كانت الوحوش تأنس به رضى الله عنه.
стр. 1035
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو طاهر أحمد بن أحمد «١» بن عمرو المدينىّ، وأبو علىّ إسماعيل بن محمد الصفّار في المحرّم، والمنصور إسماعيل ابن القائم العبيدىّ الرافضىّ صاحب المغرب، وأبو الطيب محمد بن حميد الحورانىّ، وأبو الحسن محمد «٢» بن النّضر الرّبعىّ المقرئ ابن الأخرم.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وعشر أصابع سواء.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٤٢]
السنة الثامنة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة- فيها جاء صاحب خراسان ابن محتاج إلى الرىّ محاربا لابن بويه وجرت بينهما حروب وعاد إلى خراسان. وفيها عاد سيف الدولة بن حمدان من الروم سالما غانما مؤيّدا، وقد أسر قسطنطين «٣» بن الدّمستق ملك الروم، ودخل سيف الدولة حلب وابن الدمستق بين يديه، وكان مليح الصورة، فبقى عنده مكرما حتّى مات. وفيها توفّى القاسم بن [القاسم «٤» بن] مهدىّ أبو العباس السيّارىّ «٥» ، كان من أهل مرو، كتب الحديث وتفقّه، وكان شيخ أهل مرو وأوّل من تكلّم عندهم
стр. 1036
فى حقائق الأحوال. ومن كلامه: من حفظ قلبه مع الله بالصدق أجرى الله الحكمة على لسانه. وفيها توفّى أحمد بن إسحاق بن أيّوب بن يزيد أبو بكر النّيسابورىّ الفقيه الشافعىّ المعروف بالصّبغىّ، «١» سمع الحديث وروى عنه جماعة، وكان إماما فقيها عالما عابدا؛ ولد سنة ثمان وخمسين ومائتين، وله تصانيف كثيرة في عدّة علوم، منها: كتاب «الأسماء والصفات» وكتاب «الإيمان والقدر» وكتاب «فضائل الخلفاء الأربعة» وعدّة تصانيف أخر. وفيها توفّى الحسن بن طغج بن جفّ الأمير أبو المظفّر الفرغانىّ التركىّ أخو الإخشيذ. ولى إمرة دمشق من قبل أخيه الإخشيذ مدّة، ثم عزله أخوه الإخشيذ وولّى أخاه عبيد الله بن طغج مكانه. ثم ولى الحسن هذا إمرة دمشق مرّة أخرى من قبل ابن أخيه أنوجور صاحب الترجمة، ثم ردّ الى الرملة فمات بها ودفن بالقدس. وكان أميرا جليلا شجاعا مقداما، باشر الحروب وولى الأعمال الجليلة إلى أن مات. وفيها توفّى عثمان بن محمد بن علىّ أبو الحسين الذهبىّ البغدادىّ، سكن مصر وحدّث بها وبدمشق. وفيها توفّى علىّ بن محمد بن أبى الفهم داود بن إبراهيم بن تميم أبو القاسم التّنوخىّ، أصله من ملوك تنوخ الأقدمين من ولد قضاعة، ولد بأنطاكية في سنة ثمان وسبعين ومائتين، وهو صاحب كتاب «الفرج بعد الشدّة» ؛ كان فقيها حنفيّا بارعا في الفقه والأصول والنحو، وكان شاعرا فصيحا، وله ديوان شعر. وكانت وفاته بالبصرة في شهر ربيع الأول. ومن شعره فى مليح دخل الحمّام:
رأيت في الحمّام بدر الدّجى ... وشعره الأسود محلول
قد عمّموه بدجى شعره ... ونقّطوا الفضّة باللول «٢»
стр. 1037
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيّوب الصبغىّ الشافعىّ، وأحمد بن عبد الأسد الجذامىّ، وإبراهيم بن المولد «١» الزاهد، والحسن بن يعقوب أبو الفضل البخارىّ، وعبد الرّحمن بن حمدان الهمذانىّ الجلّاب، وأبو الحسن «٢» محمد بن أحمد الأسوارىّ الأصبهانىّ، ومحمد بن داود بن سليمان النّيسابورىّ الحافظ الزاهد.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا سواء.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٤٣]
السنة التاسعة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة- فيها خطب أبو علىّ بن محتاج الى المطيع بخراسان ولم يكن خطب له قبل ذلك، فبعث إليه المطيع بالخلع واللواء. وفيها مرض معزّ الدولة أحمد بن بويه بعلّة الإنطاظ «٣» الدائم وأرجف بموته واضطربت بغداد، فركب معزّ الدولة بكلفة لتسكين الناس. وفيها كانت وقعة عظيمة بين سيف الدولة بن حمدان وبين الدّمستق، وكان الدمستق قد جمع أمما من الترك والروس والخزر، فكانت الدائرة عليه ولله الحمد، وقتل معظم بطارقته، وهرب هو وأسر صهره وجماعة من بطارقته؛ وأمّا القتلى فلا يحصون؛ وغنم سيف الدولة عسكرهم بما فيه. وفيها توفّى الأمير نوح بن نصر السامانىّ عامل بخارى في جمادى الأولى. وأظنّ أن نوحا هذا من ذريّة نوح عامل بخارى في زمن المأمون، الذي أهدى إليه طولون والد أحمد، وهذا أهداه
стр. 1038
الى الخليفة عبد الله المأمون. وفيها توفّى خيثمة بن سليمان بن حيدرة الحافظ أبو الحسن «١» القرشىّ الأطرابلسىّ أحد الحفّاظ الثّقات المشهورين، ومولده سنة خمسين ومائتين، وقيل غير ذلك؛ ومات في ذى القعدة من هذه السنة. وفيها توفّى محمد بن العبّاس بن الوليد القاضى أبو الحسين البغدادىّ، كان فاضلا بارعا، مات ببغداد في شوّال، وكان ثقة صدوقا.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أحمد ابن الزاهد أبى عثمان سعيد بن إسماعيل الحيرىّ، وخيثمة بن سليمان الأطرابلسىّ، وعلىّ بن الفضل [بن إدريس «٢» ] السامرىّ، وأبو الحسن علىّ بن محمد [بن محمد «٣» ] بن عقبة الشّيبانىّ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٤٤]
السنة العاشرة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة أربع وأربعين وثلثمائة- فيها تحرّك ابن محتاج صاحب خراسان على ركن الدولة الحسن بن بويه، فنجده أخوه معزّ الدولة بجيش من العراق. وفيها في المحرّم عقد معزّ الدولة بن بويه إمرة الأمراء لابنه أبى منصور بختيار. وفيها دخل [محمد] بن ما كان «٤» الديلمىّ أحد قوّاد صاحب خراسان الى أصبهان، فخرج عن أصبهان أبو منصور بن ركن الدولة، فتبعه ابن ما كان، فأخذ خزائنه؛ وعارضه أبو الفضل بن العميد وزير ركن الدولة ومعه
стр. 1039
القرامطة، فأوقعوا به وأثخنوه بالجراح وأسروا قوّاده، وسار ابن العميد الى أصبهان.
وفيها وقع وباء عظيم بالرّىّ، وكان الأمير أبو علىّ بن محتاج صاحب خراسان قد نزلها فمات في الوباء. وفيها فلج أبو الحسين علىّ بن أبى علىّ بن مقلة وأسكت وله تسع وثلاثون سنة. وفيها زلزلت مصر زلزلة عظيمة هدمت البيوت ودامت مقدار ثلاث ساعات زمانيّة، وفزع الناس الى الله تعالى بالدعاء. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر أبو بكر بن الحدّاد الكنانىّ المصرىّ الفقيه الشافعىّ شيخ المصريّين، ولد يوم وفاة المزنىّ، وكان إماما فقيها له وجه في مذهب الشافعىّ رضى الله عنه. وفيها توفّى شعلة بن بدر الأمير أبو العباس الإخشيذىّ، ولى إمرة دمشق من قبل أبى القاسم أنوجو بن الإخشيذ، وكان شجاعا بطلا «١» قتل في طبريّة في حرب كان بينه وبين مهلهل العقيلى. وفيها توفى محمد «٢» بن يعقوب بن يوسف الحافظ أبو عبد الله الشّيبانىّ النّيسابورىّ ابن الأخرم «٣» ، ويعرف أبوه بابن الكرمانىّ. قال الحاكم: كان أبو عبد الله صدرا من أهل الحديث ببلادنا بعد أبى حامد بن الشّرقىّ، وكان يحفظ ويفهم، وصنّف على صحيح البخارىّ ومسلم، وصنّف المسند الكبير؛ وسأله أبو العباس بن السراج أن يخرّج له على صحيح مسلم ففعل ذلك. وفيها حجّ الناس من غير أمير. وفيها توفّى محمد بن محمد بن يوسف بن الحجّاج الشيخ أبو النّضر «٤» الطّوسىّ الزاهد العابد، كان يصوم النهار ويقوم الليل ويتصدّق بالفاضل من قوته،
стр. 1040
ورحل [الى] البلاد في طلب الحديث وسمع الكثير، وكان يجزّئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءا لقراءة القرآن، وجزءا للتصنيف، وجزءا يستريح فيه.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الحسين أحمد ابن عثمان بن بويان «١» المقرئ، وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن هاشم الأذرعىّ «٢» ، وأبو عمرو عثمان بن أحمد الدقّاق بن السّماك في [شهر] ربيع الأول، وأبو بكر بن الحدّاد الكنانىّ محمد بن أحمد شيخ الشافعيّة بمصر وله نحو ثمانين سنة، وأبو النّضر محمد بن محمد بن يوسف الطّوسىّ الفقيه في شعبان، وأبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم الحافظ، وأبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبرىّ الحافظ المفسّر الأديب.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وستّ أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٤٥]
السنة الحادية عشرة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة خمس وأربعين وثلثمائة- فيها أوقع الروم بأهل طرسوس وقتلوا وسبوا وأحرقوا قراها. وفيها زاد السلطان معزّ الدولة في إقطاع الوزير أبى محمد المهلّبىّ وعظم قدره عنده. وفيها خرج روزبهان «٣» الدّيلمىّ على معز الدولة، فسيّر معزّ الدولة لقتاله الوزير المهلّبىّ؛ فلمّا كان
стр. 1041
المهلّبىّ بقرب الأهواز تسلّل «١» رجال المهلّبىّ إلى روزبهان؛ فانحاز المهلّبىّ بمن معه الى حصن. فخرج معزّ الدولة بنفسه لقتال روزبهان المذكور، وانحدر معه الخليفة المطيع لله، فقاتله حتى ظفر به في المصافّ وفيه ضربات، وأسر قوّاده. وقدم معزّ الدولة بغداد وروزبهان بين يديه على جمل، ثم غرّق. وفيها غزا سيف الدولة بلاد الروم وافتتح حصونا وسبى وغنم وعاد الى حلب؛ ثم أغارت «٢» الروم على نواحى ميّافارقين. وفيها توفّيت أمّ المطيع بعلّة الاستسقاء، وخرج المطيع في جنازتها في وجوه دولته وعظم عليه مصابها؛ وكانت تسمّى مشعلة «٣» . وفيها توفّى على بن إبراهيم بن سلمة «٤» بن بحر أبو الحسن القزوينىّ الحافظ القطّان. قال الخليلىّ: كان عالما بجميع العلوم والتفسير والفقه والنحو واللغة، ارتحل وسمع أبا حاتم الرازىّ، وإبراهيم [بن الحسين «٥» بن ديزيل بن سيفنّة] ، ومحمد بن الفرج الأزرق، وخلقا سواهم؛ وانتهت اليه رياسة العلم وعلوّ السند بتلك الديار. ومولده سنة أربع وخمسين ومائتين، وروى عنه خلائق كثيرة. قال ابن فارس في بعض أماليه: سمعت أبا الحسن القطّان يقول: بعد ما علّمت سنة كنت حين رحلت أحفظ مائة ألف حديث، وأنا اليوم لا أقوم على حفظ مائة حديث. وفيها توفّى علىّ بن الحسين بن على الشيخ الإمام المؤرّخ العلامة أبو الحسن المسعودىّ صاحب التاريخ المسمّى «بمروج الذهب» قيل: إنه من ذريّة ابن مسعود، وكان أصله من بغداد ثم أقام بمصر الى أن مات بها في جمادى الآخرة. قاله المسبّحىّ في تاريخه: وكان أخباريا علّامة صاحب
стр. 1042
غرائب وملح ونوادر وله عدّة مصنّفات: التاريخ المقدّم ذكره وهو غاية في معناه، وكتاب «تحف الأشراف والملوك» وكتاب «ذخائر العلوم» و «كتاب الرسائل «١» » ، وكتاب «الاستذكار لما مرّ في سالف الأعصار» وكتاب «المقالات في أصول الديانات» وكتاب «أخبار الخوارج» وغير ذلك؛ ومات قبل أن يطول عمره. قال الذهبىّ وكان معتزليّا، فإنّه ذكر غير واحد من المعتزلة ويقول فيه: «كان من أهل العدل» . وله رحلة الى البصرة التى فيها أبو خليفة «٢» . وفيها توفّى محمد بن عبد الواحد ابن أبى هاشم أبو عمر الزاهد الصالح، ولد سنة إحدى وستين ومائتين، وكان بارعا فى العربيّة والنحو واللغة عابدا غزير العلم.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفى أبو بكر أحمد بن سليمان ابن أيّوب العبّادانىّ «٣» وله سبع وتسعون سنة، وأبو [بكر «٤» ] أحمد بن عثمان بن غلام السبّاك «٥» المقرئ، وإسماعيل بن يعقوب بن الجراب البزّاز «٦» بمصر، وأبو أحمد «٧» بكر بن محمد بن حمدان المروزىّ الصّيرفىّ، وأبو على الحسن بن [الحسين بن «٨» ] أبى هريرة شيخ الشافعيّة ببغداد، وأبو عمرو عثمان بن محمد بن أحمد السّمرقندىّ، وأبو الحسن على بن إبراهيم بن سلمة القزوينىّ القطّان الزاهد؛ وله إحدى وتسعون سنة، وأبو عمر
стр. 1043
الزاهد غلام ثعلب واسمه محمد بن عبد الواحد اللغوىّ، وأبو بكر محمد بن علىّ بن أحمد بن رستم الماذرائىّ بمصر، وله ثمان وثمانون سنة، وأبو بكر مكرم بن أحمد القاضى، والمسعودىّ صاحب مروج الذهب في جمادى الآخرة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٤٦]
السنة الثانية عشرة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة ستّ وأربعين وثلثمائة- فيها كان بالرىّ ونواحيها زلازل عظيمة خارجة عن الحدّ، ثم خسف ببلاد الطّالقان في ذى الحجّة فلم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين رجلا، وخسف بمائة وخمسين قرية من قرى الرّىّ؛ واتصل الخسف الى حلوان، فخسف بأكثرها.
وقذفت الأرض عظام الموتى وتفجّرت منها المياه، وتقطّع بالرّىّ جبل، وعلّقت قرية بين السماء والأرض بمن فيها نصف نهار ثم خسف بها؛ وانخرقت الأرض خروقا عظيمة وخرج منها مياه نتنة ودخان عظيم. هكذا نقل الحافظ أبو الفرج ابن الجوزىّ في تاريخه. وفيها نقص البحر ثمانين ذراعا «١» وظهر فيه جبال وجزائر وأشياء لم تعدّ. قلت: لعلّه البحر المالح، والله أعلم. وفيها توفّى محمد بن يعقوب ابن يوسف بن معقل بن سنان الحافظ أبو العبّاس الأموىّ النّيسابورىّ مولى بنى أمية المعروف بالأصمّ، صمّ بعد أن رحل الى البلاد وسمع الحديث، كان إماما محدّث عصره بلا مدافعة، حدّث ستّا وسبعين سنة، لأنّ مولده سنة سبع وأربعين ومائتين، ومات في شهر ربيع الاخر وله تسع وتسعون سنة، وقد انتهت إليه رياسة أهل الحديث بخراسان.
стр. 1044
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الحسن أحمد ابن مهران «١» السّيرافىّ، وأحمد بن جعفر [بن أحمد «٢» ] بن معبد السّمسار، وأحمد ابن محمد بن عبدوس، وسعيد بن فحلون «٣» البيرىّ الأندلسىّ آخر أصحاب يوسف [بن يحيى «٤» ] المغامىّ، وعبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، وأبو الحسين عبد الصمد ابن على الطّستىّ «٥» ، وأبو يعلى عبد المؤمن بن خلف النّسفىّ، وأبو العبّاس محمد [بن أحمد «٦» ] ابن محبوب المروزىّ، وأبو بكر محمد بن بكر بن محمد [بن عبد الرّزاق «٧» ] بن داسة، وأبو منصور محمد بن القاسم العتكىّ، وأبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله بن خالد «٨» البغدادىّ بما وراء النهر، وأبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف الأصمّ في شهر ربيع الآخر وله تسع وتسعون سنة، وأبو الحزم وهب بن مسرّة التّميمىّ الحجارىّ «٩» الأندلسىّ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا.
стр. 1045
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٤٧]
السنة الثالثة عشرة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة سبع وأربعين وثلثمائة- فيها عادت الزّلازل بحلوان وقمّ والجبال فقتلت «١» خلقا عظيما وهدمت [حصونا «٢» ] ، ثم جاء بعد ذلك جراد طبّق الدنيا، فأتى على جميع الغلّات والأشجار. وفيها فى شهر ربيع الأول خرجت الروم إلى آمد وأرزن وميّافارقين «٣» ففتحوا حصونا كثيرة وقتلوا خلائق كثيرة وهدموا سميساط. وفيها في شهر ربيع الآخر شغبت الترك والدّيلم بالموصل على ناصر الدولة بن حمدان وأحاطوا بداره؛ فحاربهم بغلمانه والعامّة، فظفر بهم فقتل جماعة وأمسك جماعة، وهرب أكثرهم الى بغداد. وفيها في شعبان كانت وقعة عظيمة بنواحى حلب بين الروم وسيف الدولة علىّ بن عبد الله بن حمدان، وانكسر سيف الدولة وقتلوا معظم رجاله وغلمانه وأسروا أهله، وهرب في عدد يسير.
وفيها سار معزّ الدولة بن بويه إلى الموصل فدخلها، فنزح عنها ناصر الدولة بن حمدان المقدّم ذكره وتوجّه إلى نصيبين، فسار معزّ الدولة وراءه إلى نصيبين «٤» ، وخلّف على الموصل سبكتكين الحاجب ونزل على نصيبين؛ فسار ناصر الدولة بن حمدان إلى ميّافارقين بعد أن استأمن معظم عسكره إلى معزّ الدولة؛ فهرب ناصر الدولة إلى حلب مستجيرا بأخيه سيف الدولة؛ فأكرم سيف الدولة مورده وبالغ في خدمته. وجرت فصول إلى أن قدم في الرسالة أبو محمد القاضى بكتاب سيف الدولة إلى الموصل وتقرّر الأمر على أن يكون الموصل وديار «٥» ربيعة والرّحبة «٦» لسيف الدولة على مال يحمله في كلّ سنة، لأن معزّ الدولة لم يثق بناصر الدولة، فإنّه غدر به مرارا ومنعه الحمل، فقال معزّ
стр. 1046
الدولة المذكور: أنت عندى ثقة، غير أنّه يقدّم لى ألف ألف درهم. ثم انحدر معز الدولة إلى بغداد، وتأخّر الوزير المهلّبىّ وسبكتكين الحاجب الموصل إلى أن يحمل ناصر الدولة مال التعجيل. وفيها توفّى قاضى دمشق أبو الحسن أحمد بن سليمان ابن أيّوب بن حذلم «١» الأسدىّ الأوزاعىّ المذهب، كان إماما عالما فقيها على مذهب الأوزاعىّ، وكان له حلقة بالجامع. وفيها توفّى علىّ بن أحمد بن سهل، ويقال:
علىّ بن «٢» إبراهيم، أبو الحسن البوشنجىّ الزاهد شيخ الصوفيّة، صحب أبا عمرو الدمشقى وأبا العبّاس «٣» بن عطاء، وسمع بهراة من محمد بن عبد الرّحمن الشامىّ والحسين ابن إدريس، وروى عنه أبو عبد الله الحاكم وأبو الحسن العلوىّ وعبد الله بن يوسف الأصبهانىّ. قال السّلمىّ: هو أحد أئمّة خراسان وله معرفة بعلوم عديدة. وكان أكثر الخراسانيّين تلامذته؛ وكان عارفا بعلوم القوم. قال الحاكم: وسمعته يقول وسئل ما التوحيد، قال: ألّا تشبّه «٤» الذات، ولا تنفى الصفات. وفيها توفّى محمد بن الحسن «٥» بن عبد الله [بن علىّ «٦» ] بن محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب أبو الحسن القرشىّ الأموىّ القاضى، ولى القضاء بمدينة السلام، ثم ولى أعمالا كثيرة فى أيّام المطيع، ثم صرف عن الجميع؛ وكان جوادا واسع الأخلاق كريما مع قبح سيرة فى الأحكام. وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن الجنيد أبو الحسين الرازىّ الحافظ، كان عالما فاضلا زاهدا ثقة صدوقا.
стр. 1047
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى القاضى أبو الحسن أحمد بن سليمان بن أيّوب بن حذلم الأسدىّ الأوزاعىّ المذهب. قلت: وقد تقدّم ذكره. قال: وأبو أحمد حمزة [بن محمد «١» ] بن العبّاس، والزبير بن عبد الواحد الأسداباذىّ «٢» ، وعبد الله بن جعفر درستويه النحوىّ، وأبو الميمون عبد الرّحمن ابن عبد الله بن عمر بن راشد البجلىّ، والحافظ المؤرخ أبو سعيد عبد الرّحمن بن أحمد ابن يونس بن عبد الأعلى وله ستّ وستون سنة، وأبو الحسن «٣» علىّ بن عبد الرّحمن ابن عيسى بن زيد بن مانى «٤» الكوفى الكاتب، ومحمد بن أحمد بن الحسن الكسائىّ «٥» الأصبهانىّ، ومحمد بن عبد الله بن جعفر أبو الحسين الرازى بدمشق، وأبو علىّ محمد ابن القاسم بن معروف الدّمشقى.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٤٨]
السنة الرابعة عشرة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة ثمان وأربعين وثلثمائة- فيها خلع الخليفة المطيع على بختيار بن معزّ الدولة خلعة السلطنة، وعقد له لواء ولقّبه «عزّ الدولة «٦» أمير الأمراء» . وفيها خرج محمد بن ناصر الدولة بن حمدان
стр. 1048
فى سريّة نحو بلاد الروم، وكانت الروم قد وصلوا إلى الرّها وحران فأسروا أبا الهيثم ابن القاضى أبى الحصين، وسبوا وقتلوا. وفيها في سابع ذى القعدة غرق من الحجّاج الواردين من الموصل إلى بغداد في دجلة بضعة [عشر زورقا «١» ] فيها من الرجال والنساء نحو ستمائة نفس. وفيها مات ملك الروم وطاغيتهم الأكبر بالقسطنطينيّة وأقعد ابنه مكانه، ثم قتل ونصب في الملك غيره. وفيها وصلت الروم الى طرسوس، فقتلوا جماعة وفتحوا حصن الهارونيّة «٢» وخرّبوا الحصن المذكور وقتلوا أهله، ثم كرّت الروم الى ديار بكر ووصلوا ميافارقين؛ فعمل في ذلك الخطيب عبد الرّحيم بن نباتة الخطب الجهاديّة. وفيها هرب عبد الواحد ابن الخليفة المطيع لله من بغداد الى دمشق. وفيها توفّى الوزير عبد الرّحمن بن عيسى بن داود بن الجرّاح. وفيها توفّى الشيخ أبو بكر أحمد ابن سليمان الفقيه النّجّاد شيخ الحنابلة؛ كان إماما عالما فقيها، مات في ذى الحجّة وله خمس وتسعون سنة. وفيها توفّى جعفر بن محمد بن نصير الخلدىّ «٣» الزاهد المحدّث أبو محمد الخوّاص في شهر رمضان عن خمس وتسعين سنة وله ستّ وخمسون حجّة؛ صحب الجنيد وإليه كان منتميا وكان المرجع إليه في علوم القوم؛ حجّ قريبا من «٤» ستّين حجة. قال: ما حججت إلّا على التوكّل «٥» ، وكانت الأعطية حولى كثيرة. وفيها توفّى أبو بكر محمد بن جعفر الأدمىّ المحدّث القارئ كان فاضلا محدّثا مقرئا. وفيها توفّى جعفر بن حرب الوزير «٦» ، كان جليل القدر يتقلّد كبار الأعمال؛ فاجتاز يوما بموكبه
стр. 1049
فسمع قارئا يقرأ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)
، فصاح: بلى! والله قد آن؛ ونزل عن دابّته ودخل الماء ولم يخرج منه حتّى فرّق جميع أمواله، وبقى في الماء حتّى أعطاه رجل قميصا فلبسه وخرج إلى المسجد ولزم العبادة حتى مات.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وثلاث عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٤٩]
السنة الخامسة عشرة من ولاية أنوجور على مصر، وهى سنة تسع وأربعين وثلثمائة، وهى السنة التى مات فيها أنوجور صاحب الترجمة كما تقدّم ذكره- فيها أوقع نجا غلام سيف الدولة بن حمدان بالروم فقتل وسبى وأسر. وفيها جرت وقعة هائلة ببغداد في شعبان بين السّنيّة والشّيعة، وتعطّلت الصلوات في الجوامع سوى جامع براثا «١» الذي يأوى إليه الرافضة. وكان جماعة بنى هاشم قد أثاروا الفتنة؛ فاعتقلهم معزّ الدولة بن بويه فسكنت الفتنة. وفيها ظهر ابن لعيسى بن المكتفى بالله بناحية أرمينية وتلقّب بالمستجير بالله، يدعو إلى الرّضى من آل رسول الله ﷺ ، ولبس الصوف وأمر بالمعروف، ومضى إلى جبال الديلم فاستنصر بهم؛ فخرج معه جماعة منهم وساروا إلى أذربيجان، فاستولى المستجير بالله على عدّة بلدان؛ وبعض البلاد التى استولى عليها كانت في يد سلار الدّيلمىّ، فسار سلار فهزمه، ويقال: قتله، لأنه لم يظهر له حسّ بعد ذلك. وفيها في شوال عرض «٢» للسلطان
стр. 1050
معزّ الدولة أحمد بن بويه مرض كلاه فبال الدم، ثم احتبس بوله، ثم رمى حصى صغارا ورملا وأرجفوا بموته. وفيها جمع سيف الدولة بن حمدان جموعا كثيرة وغزا بلاد الروم فقتل وأسر وسبى، فسارت الروم وكثروا عليه، فعاد في ثلثمائة من خواصّه، وذهب جميع ما كان معه وقتل أعيان قوّاده، وخرج من ناحية طرسوس. وفيها مات أحمد بن محمد بن ثوابة كاتب ديوان الرسائل لمعزّ الدولة؛ فقلّد معزّ الدولة مكانه أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابئ. وفيها أسلم من الترك مائتا الف خركاه «١» ، كذا ذكر أبو المظفّر سبط بن الجوزىّ. وفيها بذل القاضى الحسين بن محمد الهاشمىّ مائتى ألف درهم على أن يقلّد قضاء البصرة، فأخذ منه المال ولم يقلّد. قلت: يرحم الله من فعل معه ذلك وخاتله «٢» ، ويرحم من يقتدى بفعله مع كلّ من يسعى في القضاء بالبذل والبرطيل «٣» . وفيها توفّى الإمام أبو الوليد حسّان بن محمد الفقيه شيخ أهل الحديث والفقه بخراسان عن اثنتين وثمانين سنة. وفيها توفّى الحسين بن علىّ بن يزيد «٤» ابن داود الحافظ أبو علىّ النيسابورىّ. قال الحاكم: هو واحد عصره في الحفظ والإتقان والورع والمذاكرة والتصنيف، ومولده في سنة سبع وسبعين ومائتين، وأوّل سماعه سنة أربع وتسعين ومائتين؛ ومات في جمادى الأولى. قال أبو عبد الرّحمن السّلمىّ: سألت الدارقطنىّ عن أبى علىّ النيسابورىّ فقال: إمام مهذّب. وفيها توفّى محمد بن جعفر [بن محمد] بن فضالة الأدمىّ القارئ صاحب الألحان، كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن يسمع صوته من فرسخ. قال محمد [بن عبد الله «٥» ]
стр. 1051
الأسدىّ، حججت أنا وأبو القاسم البغوىّ «١» وأبو بكر الأدمىّ، فلما صرنا بالمدينة وجدنا ضريرا قائما يروى أحاديث موضوعة؛ فقال بعضنا: ننكر عليه؛ فقال الأدمىّ: تثور علينا العامّة ولكن اصبروا وشرع يقرأ، فما هو إلّا أن أخذ يقرأ فانفضت العامة عن الضرير وجاءوا إليه، وسكت الضرير وكفى أمره.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الحسين أحمد ابن عثمان الأدمىّ [العطشىّ «٢» ] . وأبو الفوارس الصابونىّ أحمد بن محمد بن الحسين فى شوال وله خمس ومائة سنة، وأبو الوليد حسّان بن محمد الفقيه شيخ خراسان، والحسين بن علىّ بن يزيد النّيسابورىّ الحافظ، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم الخراسانىّ، وعبد الله بن محمد بن موسى الكعبىّ النيسابورىّ، وأبو طاهر عبد الواحد ابن عمر [بن محمد «٣» ] بن أبى هاشم «٤» شيخ القرّاء ببغداد، والقاضى أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم العسّال في رمضان، وأبو بكر محمد «٥» بن عبد الله بن عمرويه الصفّار.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وتسع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء.
ذكر ولاية علىّ بن الإخشيذ على مصر
هو علىّ بن الإخشيذ محمد بن طغج بن جفّ الأمير أبو الحسن الفرغانىّ التركىّ.
ولى سلطنة مصر بعد موت أخيه أنوجور بن الإخشيذ محمد في يوم السبت عشرين «٦»
стр. 1052
ذى القعدة سنة تسع وأربعين وثلثمائة. أقامه خادمه كافور «١» الإخشيذىّ الخصىّ في مملكة مصر باتفاق حواشى والده والجند، وأقرّه الخليفة المطيع لله على ذلك. وصار كافور الإخشيذىّ هو القائم بتدبير مملكته والمتصرّف فيها كما كان أيّام أخيه أنوجور. وجمع له الخليفة جميع ما كان لأبيه وأخيه من أعمال الديار المصريّة والممالك الشاميّة والثغور والحرمين الشريفين. وأطلق كافور لعلىّ هذا في السنة ما كان يطلقه لأخيه أنوجور؛ وهو في كلّ سنة أربعمائة ألف دينار. وقويت شوكة كافور بعد موت أنوجور وتولية علىّ هذا أعظم مما كانت أيّام أنوجور. ومولد علىّ المذكور (أعنى صاحب الترجمة) لأربع بقين من صفر سنة ستّ وثلثمائة. ودام علىّ هذا في الملك، وله الاسم فقط والمعنى لكافور، إلى سنة إحدى وخمسين وثلثمائة. [و] وقع بمصر الغلاء واضطربت أمور الديار المصريّة والإسكندرية بسبب المغاربة أعوان الخلفاء الفاطميّين الواردين إليها من المغرب، وتزايد الغلاء [وعزّ «٢» وجود القمح] . ثم قدم القرمطىّ الى الشام في سنة اثنتين «٣» وخمسين وثلثمائة ووقع له بها أمور، وعجز المصريّون عن دفعه عنها لشغلهم بالغلاء والمغاربة الفاطميّين. ومع هذا قلّ ماء النيل في هذه السنين فارتفعت الأسعار أكثر مما كانت عليه؛ ووهنت ضياع مصر وقراها من عدم زيادة النيل، وعظم الغلاء وكثرت الفتن؛ وسار ملك النوبة إلى أسوان ووصل الى إخميم وقتل ونهب وسبى وأحرق. وعظم اضطراب أعمال الديار المصريّة قبليّها وبحريّها. ثم فسد ما بين علىّ بن الإخشيذ صاحب مصر وبين مدبّر مملكته كافور الإخشيذىّ، ومنع كافور الناس من الاجتماع به، حتّى اعتل علىّ المذكور بعلّة أخيه أنوجور ومات لإحدى عشرة خلت من المحرّم سنة خمس وخمسين وثلثمائة، وحمل الى المقدس ودفن عند أبيه الإخشيذ وأخيه
стр. 1053
أنوجور. وبقيت مصر من بعده أيّاما بغير أمير، وكافور يدبّر أمرها على عادته في أيّام أولاد الإخشيذ ومعه أبو الفضل جعفر بن الفرات. ثم ولى كافور إمرة مصر باتفاق أعيان الديار المصريّة وجندها. وكانت مدّة سلطنة علىّ بن الإخشيذ المذكور على مصر خمس سنين وشهرين ويومين.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٠]
السنة الأولى من ولاية علىّ بن الإخشيذ على مصر، وهى سنة خمسين وثلثمائة.
أعنى بذلك أنّه ولى في ذى القعدة سنة تسع وأربعين وثلثمائة. وقد ذكرنا تلك السنة في أيّام أخيه أنوجور، فلذلك ذكرنا أن سنة خمسين وثلثمائة أوّل السنين لعلىّ هذا على مصر بهذا المقتضى- فيها (أعنى سنة خمسين وثلثمائة) دخل غلام «١» سيف الدولة بن حمدان الى بلاد الروم وسبى ألف نفس وغنم أموالا كثيرة.
وفيها أخذ ملك الروم أرمانوس «٢» بن قسطنطين من المسلمين جزيرة أقريطش من بلاد المغرب. وكان الذي افتتح أقريطش عمر «٣» بن شعيب، غزاها وافتتحها «٤» فى حدود سنة ثلاثين ومائتين، وصارت في يد أولاده إلى هذا الوقت. وفيها شرع معزّ الدولة بن بويه في بناء دار هائلة عظيمة ببغداد وأخرب لأجلها دورا وقصورا، وقلع أبواب الحديد التى كانت على أبواب مدينة المنصور، وألزم الناس ببيع أملاكهم ليدخلها في البناء، ونزل في الأساسات ستّا وثلاثين ذراعا، فلزمه من الغرامات عليها الى أن مات ثلاثة عشر ألف ألف درهم، وصادر الدواوين وغيرها «٥» ، وجعل كلّما حصّل له شىء أخرجه في بنائها. وقد درست هذه الدار من قبل سنة ستمائة،
стр. 1054
ولم يبق لها أثر، وبقى مكانها دحلة «١» تأوى اليها الوحوش، وبقي شىء من الأساس يعتبر به من يراه. قلت: دار الظالم خراب ولو بعد حين. وفيها قلّد قضاء القضاة أبو العباس عبد الله بن الحسن بن أبى الشوارب، وركب بالخلع من دار معزّ الدولة وبين يديه الدبادب والبوقات وفي خدمته الجيش؛ وشرط على نفسه أن يحمل كلّ سنة الى خزانة معزّ الدولة مائتى ألف درهم، وكتب عليه بذلك سجلّا. فانظر الى هذه المصيبة!. وامتنع المطيع من تقليده ومن دخوله عليه، وأمر ألا يمكّن من الدخول عليه أبدا. وفيها أيضا ضمّن معزّ الدولة الحسبة والشرطة ببغداد.
وفيها في شعبان توفّى بمصر متولّى خراجها أبو بكر محمد بن على بن مقاتل، فوجدوا فى داره ثلثمائة ألف دينار مدفونة. وفيها توفّى الحسين «٢» بن القاسم الإمام أبو علىّ الطبرىّ الشافعىّ الفقيه مصنّف «المحرّر» ، وهو أوّل كتاب صنّف في الخلاف؛ كان إماما عالما بارعا في عدّة فنون. وفيها توفّى الأمير عبد الملك بن نوح السامانىّ صاحب بلاد خراسان وغيرها، تقطّر «٣» به فرسه فحمل ميّتا، ونصبوا مكانه أخاه منصور ابن نوح السامانىّ، وأرسل إليه الخليفة المطيع لله بالخلع والتقليد. وفيها توفّى محدّث بغداد الحافظ أبو سهل أحمد بن محمد بن [عبد الله بن «٤» ] زياد القطّان في شعبان، كان إماما ورعا صوّاما قوّاما، سمع الحديث وروى الكثير، ومات وله إحدى وتسعون سنة. وفيها توفّى إسماعيل «٥» بن علىّ بن إسماعيل الشيخ أبو محمد الخطبىّ، كان إماما
стр. 1055
عالما أخباريّا محدّثا، كان يرتجل الخطب ويخطب بها. وفيها توفّى «١» محمد بن أحمد بن يوسف أبو الطيّب المقرئ، ويعرف بغلام ابن شنّبود- وقد تقدّم ذكر ابن شنبود في محلّه- كان إماما عارفا بالقراءات زاهدا. وفيها توفّى عبد الله «٢» ابن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن الخليفة أبى جعفر المنصور الخطيب أبو جعفر الهاشمىّ العباسىّ خطيب جامع المنصور وابن خطيبه؛ كان عالى النسب من بنى العبّاس، كان في طبقة هارون الواثق في علوّ النسب. وفيها توفّى القاضى أبو السائب عتبة بن عبيد الله بن موسى الهمذانى، مولده بهمذان في سنة أربع وستين ومائتين، وكان أبوه تاجرا؛ ولى قضاء أذربيجان ثم قضاء همذان ثم آل به الأمر الى أن تقلّد قضاء القضاة؛ وكان إماما عالما، غلب عليه الزهد وسافر ولقى الجنيد في سفره وأخذ عنه؛ ثم تفقّه بجماعة من العلماء، وكان عالما فاضلا.
وفيها توفّى الأمير فاتك الإخشيذىّ المجنون أبو شجاع، وكان أكبر مماليك الإخشيذ، وولى إمرة دمشق، وكان فارسا شجاعا؛ كان رومىّ الجنس، وكان رفيقا للأستاذ كافور الإخشيذىّ. فلما صار كافور مدبّر مملكة أولاد الإخشيذ وعظم أمره، أنف فاتك هذا من المقام بمصر كيلا يكون كافور أعلى مرتبة منه، فانتقل من مصر الى إقطاعه وهو بلاد الفيّوم؛ وكان كافور يخافه ويكرهه؛ فلم يصحّ مزاج فاتك بالفيّوم ومرض وعاد إلى مصر فمات بها. وكان فاتك المذكور كريما جوادا. ولما قدم المتنبىّ إلى مصر سمع بعظمة فاتك وتكرّمه، فلم يجسر أن يمدحه خوفا من كافور.
وكان فاتك يراسله بالسلام ويسأل عنه. فاتفق اجتماعهما يوما بالصحراء، وجرت بينهما مفاوضات. فلما رجع فاتك إلى داره بعث إلى المتنبىّ هديّة قيمتها ألف دينار،
следующие страницы →