← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الأسدىّ، حججت أنا وأبو القاسم البغوىّ «١» وأبو بكر الأدمىّ، فلما صرنا بالمدينة وجدنا ضريرا قائما يروى أحاديث موضوعة؛ فقال بعضنا: ننكر عليه؛ فقال الأدمىّ: تثور علينا العامّة ولكن اصبروا وشرع يقرأ، فما هو إلّا أن أخذ يقرأ فانفضت العامة عن الضرير وجاءوا إليه، وسكت الضرير وكفى أمره. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الحسين أحمد ابن عثمان الأدمىّ [العطشىّ «٢» ] . وأبو الفوارس الصابونىّ أحمد بن محمد بن الحسين فى شوال وله خمس ومائة سنة، وأبو الوليد حسّان بن محمد الفقيه شيخ خراسان، والحسين بن علىّ بن يزيد النّيسابورىّ الحافظ، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم الخراسانىّ، وعبد الله بن محمد بن موسى الكعبىّ النيسابورىّ، وأبو طاهر عبد الواحد ابن عمر [بن محمد «٣» ] بن أبى هاشم «٤» شيخ القرّاء ببغداد، والقاضى أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم العسّال في رمضان، وأبو بكر محمد «٥» بن عبد الله بن عمرويه الصفّار. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وتسع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. ذكر ولاية علىّ بن الإخشيذ على مصر هو علىّ بن الإخشيذ محمد بن طغج بن جفّ الأمير أبو الحسن الفرغانىّ التركىّ. ولى سلطنة مصر بعد موت أخيه أنوجور بن الإخشيذ محمد في يوم السبت عشرين «٦»

стр. 1052

ذى القعدة سنة تسع وأربعين وثلثمائة. أقامه خادمه كافور «١» الإخشيذىّ الخصىّ في مملكة مصر باتفاق حواشى والده والجند، وأقرّه الخليفة المطيع لله على ذلك. وصار كافور الإخشيذىّ هو القائم بتدبير مملكته والمتصرّف فيها كما كان أيّام أخيه أنوجور. وجمع له الخليفة جميع ما كان لأبيه وأخيه من أعمال الديار المصريّة والممالك الشاميّة والثغور والحرمين الشريفين. وأطلق كافور لعلىّ هذا في السنة ما كان يطلقه لأخيه أنوجور؛ وهو في كلّ سنة أربعمائة ألف دينار. وقويت شوكة كافور بعد موت أنوجور وتولية علىّ هذا أعظم مما كانت أيّام أنوجور. ومولد علىّ المذكور (أعنى صاحب الترجمة) لأربع بقين من صفر سنة ستّ وثلثمائة. ودام علىّ هذا في الملك، وله الاسم فقط والمعنى لكافور، إلى سنة إحدى وخمسين وثلثمائة. [و] وقع بمصر الغلاء واضطربت أمور الديار المصريّة والإسكندرية بسبب المغاربة أعوان الخلفاء الفاطميّين الواردين إليها من المغرب، وتزايد الغلاء [وعزّ «٢» وجود القمح] . ثم قدم القرمطىّ الى الشام في سنة اثنتين «٣» وخمسين وثلثمائة ووقع له بها أمور، وعجز المصريّون عن دفعه عنها لشغلهم بالغلاء والمغاربة الفاطميّين. ومع هذا قلّ ماء النيل في هذه السنين فارتفعت الأسعار أكثر مما كانت عليه؛ ووهنت ضياع مصر وقراها من عدم زيادة النيل، وعظم الغلاء وكثرت الفتن؛ وسار ملك النوبة إلى أسوان ووصل الى إخميم وقتل ونهب وسبى وأحرق. وعظم اضطراب أعمال الديار المصريّة قبليّها وبحريّها. ثم فسد ما بين علىّ بن الإخشيذ صاحب مصر وبين مدبّر مملكته كافور الإخشيذىّ، ومنع كافور الناس من الاجتماع به، حتّى اعتل علىّ المذكور بعلّة أخيه أنوجور ومات لإحدى عشرة خلت من المحرّم سنة خمس وخمسين وثلثمائة، وحمل الى المقدس ودفن عند أبيه الإخشيذ وأخيه

стр. 1053

أنوجور. وبقيت مصر من بعده أيّاما بغير أمير، وكافور يدبّر أمرها على عادته في أيّام أولاد الإخشيذ ومعه أبو الفضل جعفر بن الفرات. ثم ولى كافور إمرة مصر باتفاق أعيان الديار المصريّة وجندها. وكانت مدّة سلطنة علىّ بن الإخشيذ المذكور على مصر خمس سنين وشهرين ويومين. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٠] السنة الأولى من ولاية علىّ بن الإخشيذ على مصر، وهى سنة خمسين وثلثمائة. أعنى بذلك أنّه ولى في ذى القعدة سنة تسع وأربعين وثلثمائة. وقد ذكرنا تلك السنة في أيّام أخيه أنوجور، فلذلك ذكرنا أن سنة خمسين وثلثمائة أوّل السنين لعلىّ هذا على مصر بهذا المقتضى- فيها (أعنى سنة خمسين وثلثمائة) دخل غلام «١» سيف الدولة بن حمدان الى بلاد الروم وسبى ألف نفس وغنم أموالا كثيرة. وفيها أخذ ملك الروم أرمانوس «٢» بن قسطنطين من المسلمين جزيرة أقريطش من بلاد المغرب. وكان الذي افتتح أقريطش عمر «٣» بن شعيب، غزاها وافتتحها «٤» فى حدود سنة ثلاثين ومائتين، وصارت في يد أولاده إلى هذا الوقت. وفيها شرع معزّ الدولة بن بويه في بناء دار هائلة عظيمة ببغداد وأخرب لأجلها دورا وقصورا، وقلع أبواب الحديد التى كانت على أبواب مدينة المنصور، وألزم الناس ببيع أملاكهم ليدخلها في البناء، ونزل في الأساسات ستّا وثلاثين ذراعا، فلزمه من الغرامات عليها الى أن مات ثلاثة عشر ألف ألف درهم، وصادر الدواوين وغيرها «٥» ، وجعل كلّما حصّل له شىء أخرجه في بنائها. وقد درست هذه الدار من قبل سنة ستمائة،

стр. 1054

ولم يبق لها أثر، وبقى مكانها دحلة «١» تأوى اليها الوحوش، وبقي شىء من الأساس يعتبر به من يراه. قلت: دار الظالم خراب ولو بعد حين. وفيها قلّد قضاء القضاة أبو العباس عبد الله بن الحسن بن أبى الشوارب، وركب بالخلع من دار معزّ الدولة وبين يديه الدبادب والبوقات وفي خدمته الجيش؛ وشرط على نفسه أن يحمل كلّ سنة الى خزانة معزّ الدولة مائتى ألف درهم، وكتب عليه بذلك سجلّا. فانظر الى هذه المصيبة!. وامتنع المطيع من تقليده ومن دخوله عليه، وأمر ألا يمكّن من الدخول عليه أبدا. وفيها أيضا ضمّن معزّ الدولة الحسبة والشرطة ببغداد. وفيها في شعبان توفّى بمصر متولّى خراجها أبو بكر محمد بن على بن مقاتل، فوجدوا فى داره ثلثمائة ألف دينار مدفونة. وفيها توفّى الحسين «٢» بن القاسم الإمام أبو علىّ الطبرىّ الشافعىّ الفقيه مصنّف «المحرّر» ، وهو أوّل كتاب صنّف في الخلاف؛ كان إماما عالما بارعا في عدّة فنون. وفيها توفّى الأمير عبد الملك بن نوح السامانىّ صاحب بلاد خراسان وغيرها، تقطّر «٣» به فرسه فحمل ميّتا، ونصبوا مكانه أخاه منصور ابن نوح السامانىّ، وأرسل إليه الخليفة المطيع لله بالخلع والتقليد. وفيها توفّى محدّث بغداد الحافظ أبو سهل أحمد بن محمد بن [عبد الله بن «٤» ] زياد القطّان في شعبان، كان إماما ورعا صوّاما قوّاما، سمع الحديث وروى الكثير، ومات وله إحدى وتسعون سنة. وفيها توفّى إسماعيل «٥» بن علىّ بن إسماعيل الشيخ أبو محمد الخطبىّ، كان إماما

стр. 1055

عالما أخباريّا محدّثا، كان يرتجل الخطب ويخطب بها. وفيها توفّى «١» محمد بن أحمد بن يوسف أبو الطيّب المقرئ، ويعرف بغلام ابن شنّبود- وقد تقدّم ذكر ابن شنبود في محلّه- كان إماما عارفا بالقراءات زاهدا. وفيها توفّى عبد الله «٢» ابن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن الخليفة أبى جعفر المنصور الخطيب أبو جعفر الهاشمىّ العباسىّ خطيب جامع المنصور وابن خطيبه؛ كان عالى النسب من بنى العبّاس، كان في طبقة هارون الواثق في علوّ النسب. وفيها توفّى القاضى أبو السائب عتبة بن عبيد الله بن موسى الهمذانى، مولده بهمذان في سنة أربع وستين ومائتين، وكان أبوه تاجرا؛ ولى قضاء أذربيجان ثم قضاء همذان ثم آل به الأمر الى أن تقلّد قضاء القضاة؛ وكان إماما عالما، غلب عليه الزهد وسافر ولقى الجنيد في سفره وأخذ عنه؛ ثم تفقّه بجماعة من العلماء، وكان عالما فاضلا. وفيها توفّى الأمير فاتك الإخشيذىّ المجنون أبو شجاع، وكان أكبر مماليك الإخشيذ، وولى إمرة دمشق، وكان فارسا شجاعا؛ كان رومىّ الجنس، وكان رفيقا للأستاذ كافور الإخشيذىّ. فلما صار كافور مدبّر مملكة أولاد الإخشيذ وعظم أمره، أنف فاتك هذا من المقام بمصر كيلا يكون كافور أعلى مرتبة منه، فانتقل من مصر الى إقطاعه وهو بلاد الفيّوم؛ وكان كافور يخافه ويكرهه؛ فلم يصحّ مزاج فاتك بالفيّوم ومرض وعاد إلى مصر فمات بها. وكان فاتك المذكور كريما جوادا. ولما قدم المتنبىّ إلى مصر سمع بعظمة فاتك وتكرّمه، فلم يجسر أن يمدحه خوفا من كافور. وكان فاتك يراسله بالسلام ويسأل عنه. فاتفق اجتماعهما يوما بالصحراء، وجرت بينهما مفاوضات. فلما رجع فاتك إلى داره بعث إلى المتنبىّ هديّة قيمتها ألف دينار،

стр. 1056

ثم أتبعها بهدايا أخر. فاستأذن المتنبّى كافورا في مدحه فأذن له؛ فمدحه بقصيدته التى أوّلها: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال ويأتى شىء من ذكر فاتك أيضا في ترجمة كافور إن شاء الله تعالى. ولما مات فاتك رثاه المتنبى أيضا. وفيها توفّى أبو وهب «١» الزاهد أحد المشهورين بالأندلس. قال أبو جعفر أحمد [بن «٢» ] عون الله [بن حدير «٣» ] : سمعت أبا وهب يقول: «والله لا عانق الأبكار في جنّات النعيم والناس في الحساب إلّا من عانق الذلّ، وضاجع الصّبر، وخرج منها كما دخل فيها» . وفيها توفّى الناصر لدين الله أبو المطرّف صاحب الأندلس الملقّب بأمير المؤمنين؛ واسمه عبد الرّحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرّحمن الداخل، المقدّم ذكره، ابن معاوية، الأموىّ المروانىّ ثم الأندلسىّ؛ ولى الأمر بعد جدّه؛ وكان ذلك من غرائب الوجود لأنّه كان شابّا وبالحضرة أكابر من أعمامه وأعمام أبيه؛ وتقدّم هو وهو ابن اثنتين وعشرين سنة. فاستقام له الأمر وبنى مدينة الزّهراء- وقد ذكرنا أمر بنائها في محلّه- ومات في هذه السنة. وكانت مدّة أيّامه خمسين سنة، وكان من أجلّ ملوك الأندلس. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا سواء.

стр. 1057

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥١] السنة الثانية من ولاية علىّ بن الإخشيذ على مصر، وهى سنة إحدى وخمسين وثلثمائة- فيها نقلت سنة خمسين وثلثمائة [من حيث الغلّات «١» ] إلى سنة إحدى وخمسين الخراجيّة، وكتب بذلك عن المطيع كتاب في هذا المعنى. فمنه أنّ السنة الشمسيّة خمسة وستون وثلثمائة يوم وربع بالتقريب؛ وأنّ السنة الهلاليّة أربعة وخمسون وثلثمائة وكسر؛ وما زالت الأمم السالفة تكبس زيادات «٢» السنين على اختلاف مذاهبها، وفي كتاب الله تعالى شهادة «٣» بذلك؛ قال الله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) ؛ فكانت هذه الزيادة هى المشار إليها. وأما الفرس فإنّهم أجروا معاملاتهم على السنة المعتدلة التى شهورها اثنا عشر شهرا وأيّامها ستون وثلثمائة يوم، ولقّبوا الشهور اثنى عشر لقبا، وسمّوا الأيّام بأسامىّ، وأفردوا الأيّام الخمسة الزائدة وسمّوها المشرقة، وكبسوا الرّبع في كلّ مائة وعشرين سنة شهرا؛ فلما انقرض ملكهم بطل ذلك. وفيها دخل الدّمستق ملك الروم عين «٤» زربى في مائة وستّين ألفا- وعين زربى في سفح جبل مطلّ عليها- فصعد بعض جيشه الجبل، ونزل هو على بابها وأخذوا في نقب السور «٥» ؛ فطلبوا الأمان فأمّنهم وفتحوا له فدخلها، وندم حيث أمّنهم؛ ونادى بأن يخرج جميع من في البلد إلى الجامع. فلمّا

стр. 1058

أصبح بثّ رجاله وكانوا مائة ألف «١» ، وكلّ من وجدوه في منزله قتلوه، فقتلوا عالما لا يحصى؛ ثم فعل في البلد تلك الأفاعيل القبيحة. وفيها عاد الدّمستق الى حلب؛ فخرج إليه سيف الدولة بغير استعداد وحاربه، فحاربه الدّمستق بمائتى ألف مقاتل، فانهزم سيف الدولة في نفر يسير؛ وكانت داره بظاهر حلب، فنزلها الدّمستق وأخذ منها ثلثمائة وتسعين بدرة دراهم، وأخذ منها ألفا وأربعمائة بغل؛ ومن السلاح ما لا يحصى، ثم نهبها الدّمستق وأحرقها ثم أحرق بلاد حلب. وقاتله أهل حلب من وراء السور فقتلوا جماعة من الروم، فسقطت قائمة من السور على جماعة من أهل حلب فقتلتهم؛ فأكبّ الروم على تلك الثّلمة وقاتلوا حتى ملكوا حلب، ووضعوا فيها السيف حتّى كلّوا وملّوا، وأخربوا الجامع وأحرقوا ما عجزوا عن حمله؛ ولم ينج إلا من صعد القلعة؛ فألّح ابن أخت الملك في أخذ القلعة فقتل بحجر. وكان عند الدمستق ألف ومائتا أسير من أهل حلب فضرب أعناقهم. ثم عاد الى الروم ولم يعرض لأهل القرى، وقال لهم: ازرعوا فهذا بلدنا وعن قليل نعود إليكم. وفيها كتبت الشّيعة ببغداد على أبواب المساجد لعنة معاوية رضى الله عنه، ولعنة من غصب فاطمة رضى الله عنها حقّها من فدك «٢» ، ولعنة من منع الحسن أن يدفن «٣» مع جدّه

стр. 1059

صلّى الله عليه وسلم؛ ثم محى في الليل. فأراد معز الدّولة إعادته؛ فأشار عليه الوزير المهلّبىّ أن يكتب مكان ما محى: لعن الله الظالمين لآل رسول الله ﷺ ؛ وصرّحوا بلعنة معاوية رضى الله عنه فقط. وفيها أسرت الروم أبا فراس بن سعيد ابن حمدان من مدينة منبج «١» ، وكان واليها. وفيها وقع بالعراق برد وزن البعض منه رطل ونصف بالعراقىّ. وفيها توفّى الوزير أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون المهلّبىّ، أصله من بنى المهلّب بن أبى صفرة، أقام [فى «٢» ] وزارة معزّ الدولة ثلاث عشرة سنة. وكان فاضلا شاعرا فصيحا نبيلا سمحا جوادا ذا مروءة وكرم، وعاش أربعا وستيّن سنة. واستوزر معزّ الدولة عوضه أبا الفضل العبّاس «٣» بن الحسن الشّيرازىّ. ثم صادر معزّ الدولة أولاد المهلّبىّ من بعد موته. وفيها توفى دعلج بن أحمد بن دعلج أبو محمد السّجزىّ «٤» الفقيه العدل؛ ولد سنة ستّين ومائتين أو قبلها، وسمع الكثير. قال الحاكم «٥» : أخذ عن ابن خزيمة «٦» المصنّفات، وكان يفتى بمذهبه، وكان شيخ الحديث، له صدقات جارية على أهل الحديث بمكّة والعراق؛ مات في جمادى الآخرة وله نيّف وتسعون سنة. وفيها توفّى عبد الباقى بن قانع بن مرزوق بن واثق أبو الحسين «٧» الأموىّ مولاهم البغدادىّ الحافظ، سمع الكثير وروى عنه الدارقطنى وغيره، وصنّف معجم الصحابة، ومات في شوّال.

стр. 1060

الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى إبراهيم بن علىّ أبو إسحاق الهجيمى، والحسن بن محمد الوزير أبو محمد المهلّبىّ، ودعلج بن أحمد السّجزىّ، وعبد الله بن جعفر بن محمد بن الورد البغدادىّ بمصر، وعبد الباقى بن قانع أبو الحسين فى شوّال، وأبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقّاش في شوّال، وله خمس وثمانون سنة، وأبو جعفر محمد بن علىّ بن دحيم «١» الشّيبانىّ، وأبو محمد يحيى بن منصور قاضى نيسابور. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وإحدى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٢] السنة الثالثة من ولاية علىّ بن الإخشيذ على مصر، وهى سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة- فيها في يوم عاشوراء ألزم معزّ الدولة الناس بغلق الأسواق ومنع الطبّاخين من الطبخ، ونصبوا القباب في الأسواق وعلّقوا عليها المسوح، وأخرجوا النساء منشورات الشعور يقمن المأتم على الحسين بن علىّ رضى الله عنه. قلت: وهذا أوّل يوم وقع فيه هذه العادة القبيحة الشّيعيّة ببغداد. وكان ذلك في صحيفة معزّ الدولة بن بويه؛ ثم اقتدى به من جاء بعده من بنى بويه، وكلّ منهم رافضىّ خبيث. نذكر ذلك كلّه فيما يأتى في الحوادث إن شاء الله تعالى. وفيها أصاب سيف الدولة علىّ بن عبد الله بن حمدان فالج في يده ورجله. وفيها قال ثابت بن سنان: أرسل بعض بطارقة الأرمن الى ناصر الدولة الحسن بن حمدان رجلين ملتصقين عمرهما

стр. 1061

خمس وعشرون سنة ومعهما أبوهما؛ والالتصاق كان في الجنب، ولهما بطنان وسرّتان ومعدتان، وتختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبولهما، وكلّ واحد منهما يكمل الخلق، وكان أحدهما يميل الى النساء والآخر الى المرد. وقال القاضى [علىّ بن الحسن «١» التنوخىّ] : ومات أحدهما وبقى أيّاما وأنتن وأخوه حىّ. فجمع ناصر الدولة الأطباء على أن يقدروا على فصلهما فلم يقدروا؛ ومات الآخر من رائحة الميّت بعد أيّام. وفيها قتل ملك الروم وصار الدّمستق هو الملك واسمه تقفور. وفيها توفّيت خولة أخت سيف الدولة بن حمدان بحلب؛ وهى التى رثاها المتنبى بقوله: يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النّسب وفيها انتصرت الرّوم على الإسلام بكائنة «٢» حلب وضعف أمر سيف الدولة بعد تلك الملاحم الكبار التى طيّر فيها لبّ العدوّ ومزّقهم. ولله الأمر. وفيها خرج أيضا سيف الدولة غازيا، فسار الى حرّان «٣» وعطف على ملطية، وقتل من الروم خلائق وملأ يده سبيا وغنائم، ولله الحمد. وفيها في شعبان ورد غزاة خراسان نحو ستمائة رجل الى الموصل يريدون الجهاد نجدة لأهل الموصل. وفيها عبرت الروم الفرات لقصد الجزيرة؛ فتهيّأ ناصر الدولة بن حمدان لقتالهم. وفيها اجتمع أهل بغداد ووبّخوا الخليفة المطيع لله بكائنة حلب، وطلبوا منه أن يخرج بنفسه الى الغزو ويأخذ بثأر أهل حلب. وبينما هم في ذلك ورد الخبر بموت طاغية الرّوم وأن الخلف وقع بينهم فيمن يملّكونه عليهم، وأن أهل طرسوس غزوهم وانتصروا

стр. 1062

عليهم وعادوا بغنائم «١» لم يرفى دهر مثلها؛ فآنتدب المسلمون لغزو الروم من كلّ جانب. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أحمد «٢» [بن عبيد بن أحمد] أبو بكر الحمصّىّ الصفار، وأبو الحسين أحمد بن محمود البيهقىّ، وأبو بكر محمد [بن محمد «٣» ] بن أحمد بن مالك الإسكافىّ. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع سواء. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وستّ عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٣] السنة الرابعة من ولاية علىّ بن الإخشيذ على مصر، وهى سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة- فيها عمل يوم عاشوراء كعام أوّل من المأتم والنّوح الى الضّحا، فوقعت فتنة عظيمة بين أهل السنّة والرافضة، وجرح جماعة ونهب الناس. وفيها نزل ملك الروم الدّمستق المصّيصة في جيش ضخم، فأقام أسبوعا ونقب السور من أماكن؛ وقاتله أهلها الى أن رحل عنها بعد أن أهلك الضّياع. وكان رحيله لشدّة الغلاء؛ فإنّ القحط كان بالشام والثغور. وفيها بعث القرامطة الى سيف الدولة يستهدونه حديدا؛ فسيّر اليهم شيئا كثيرا، وحمل ذلك إليهم في الفرات ثم في البرّية الى هجر. وفيها خرج معزّ الدولة ابن بويه إلى الموصل لقتال ناصر الدولة بن حمدان، فلحقه ذرب شديد؛ وسار ناصر الدولة أمامه الى ميّا فارقين ثم عاد الى الموصل، واقتتل مع أعوان معزّ الدولة فاستأمن إليه الدّيلم واستأسر جميع الترك، وأخذ

стр. 1063

حواصل معزّ الدولة وثقله. فعاد معزّ الدولة يريد الموصل فوقع له مع ناصر الدولة فصول ثم اصطلحوا؛ وعاد معزّ الدولة الى بغداد خائبا. وفيها عمل سيف الدولة ابن حمدان خيمة عظيمة ارتفاع عمودها خمسون ذراعا. وفيها ورد الخبر أنّ الروم يريدون [أذنة و «١» ] المصّيصة؛ فاستنجد أهل أذنة بأهل طرسوس فجاءوهم بخمسة عشر ألفا من فارس وراجل، فالتقوا واشتدّ القتال وانهزم المشركون، فركب المسلمون أقفية الروم واتبعوهم؛ فخرج للروم كمين نحو أربعة آلاف مقاتل، فتحيّز المسلمون الى تلّ هناك فقاتلوهم يومين؛ ثم كثر عليهم جموع الروم فاستأصلوهم، وحاصروا أهل المصّيصة ونقبوا سورها من مواضع، فقاتلهم المسلمون أشدّ قتال الى أن ترحّلوا عنها مخذولين. وفيها ملك المسلمون حصن «٢» اليمانيّة وهو على ثلاثة فراسخ من آمد. وفيها جاء عسكر من الروم وكادوا أن يملكوا حصنا من نواحى حلب، فسار لحربهم عسكر سيف الدولة وقاتلوهم فلم يفلت من الروم أحد، وقتل منهم خمسمائة نفر، وتجرّح «٣» المسلمون وخيولهم. ثم جاء الخبر بنزول الروم أيضا الى المصّيصة [والى طرسوس «٤» ] مع تقفور ملك الروم، وأنهم في ثلثمائة ألف وعاثوا وأفسدوا؛ ثم ساروا لعظم القحط كما وقع لهم أوّلا؛ فتبعهم أهل المصّيصة وطرسوس فقتلوا وأسروا طائفة كثيرة من الروم. وفيها توفّى إبراهيم بن محمد بن حمزة بن عمارة الحافظ أبو إسحاق ابن حمزة الأصبهانىّ. قال أبو نعيم: كان أوحد زمانه في الحفظ لم ير بعد عبد الله ابن مظاهر «٥» فى الحفظ مثله، جمع الشيوخ والسند؛ وتوفّى في سابع رمضان. وعمارة

стр. 1064

جدّهم، هو ابن «١» حمزة بن يسار بن عبد الرّحمن بن حفص؛ وحفص هو أخو أبى مسلم الخراسانىّ صاحب الدولة العباسيّة. وفيها توفّى سعيد بن عثمان بن سعيد بن السّكن الحافظ أبو علىّ البغدادىّ ثم المصرىّ البزّاز؛ ولد سنة أربع وتسعين ومائتين، وسمع بمصر والشام والجزيرة والعراق وخراسان وما وراء النهر، وكان كبير الشأن مكثرا متقنا مصنّفا بعيد الصيت، له تجارة في البريّة، ومات في المحرّم. وقد روى عنه صحيح البخارىّ [عبد الله «٢» بن محمد] بن أسد الجهمىّ وأبو عبد الله محمد بن أحمد «٣» ابن محمد بن يحيى بن مفرّج وأبو جعفر بن عون «٤» الله. وفيها توفّى بندار «٥» بن الحسين محمد بن المهلّب أبو الحسين الشّيرازىّ؛ كان يسكن بمدينة أرّجان، كان عالما بالأصول وله لسان في علوم الحقائق، وكان الشّبلىّ يعظّمه. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو إسحاق إبراهيم ابن محمد بن حمزة الأصبهانىّ الحافظ في رمضان، وأبو عيسى بكّار بن أحمد [بن بكّار ابن بنان «٦» ] المقرئ، وأبو علىّ سعيد بن عثمان [بن سعيد] بن السكن الحافظ بمصر،

стр. 1065

وابن أبى «١» الفوارس شجاع بن جعفر الورّاق الواعظ في عشر والمائة، وعبد الله بن الحسن بن بندار الأصبهانىّ، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن العبّاس الفاكهىّ، وأبو القاسم علىّ بن يعقوب الهمذانىّ بن أبى العقب «٢» فى ذى الحجّة عن اثنتين وتسعين سنة، وأبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خروف بمصر، وأبو علىّ محمد بن هارون ابن شعيب الأنصارىّ. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وأربع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٤] السنة الخامسة من ولاية علىّ بن الإخشيذ على مصر، وهى سنة أربع وخمسين وثلثمائة- فيها عمل في يوم عاشوراء المأتم ببغداد كالسنة الماضية، ولم يتحرّك لهم السّنيّة خوفا من معزّ الدولة بن بويه. وفيها وثب غلمان سيف الدولة بن حمدان على غلامه نجا الكبير وضربوه بالسيوف، وكان أكبر غلمانه [و] مقدّم جيشه وغلمانه (أعنى مماليكه) . وفيها توفّيت أخت معزّ الدولة بن بويه ببغداد، فنزل الخليفة المطيع في طيّارة الى دار معزّ الدولة يعزّيه؛ فخرج إليه معزّ الدولة ولم يكلّفه الصعود من الطيّارة وقبّل الأرض مرّات، ورجع الخليفة الى داره. وفيها حجّ الركب من بغداد. وفيها بنى تقفور ملك الروم قيساريّة قريبا من بلاد المسلمين وسكنها. وكان الناس في هذه السنة الماضية «٣» فى شغل بالغلاء والقحط بسائر بلاد حلب وديار بكر.

стр. 1066

وفيها توفّى أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد أبو الطيب المتنبىّ الجعفىّ الكوفىّ الشاعر المشهور حامل لواء الشعر في عصره، ولد سنة ثلاث وثلثمائة وأكثر المقام بالبادية لاقتباس اللغة، ونظر في فنون الأدب، وتعاطى قول الشعر من صغره حتّى بلغ فيه الغاية، وفاق أهل زمانه؛ ومدح الملوك وسار شعره في الدنيا، ومدح سيف الدولة بن حمدان وكافورا الإخشيدىّ وغيرهما. وقال أبو القاسم التنوخىّ: وقد كان خرج المتنبىّ الى كلب «١» وأقام فيهم وادّعى أنه علوىّ، ثم ادّعى بعد ذلك النبوّة، الى أن شهد عليه بالكذب في الدعويين وحبس دهرا وأشرف على القتل، ثم استتابوه وأطلقوه. وقال: وحدّثنى أبى الى أن قال: وكان المتنبّى قرأ على البوادى «٢» كلاما ذكر أنّه قرآن أنزل عليه، نسخت منه سورة فصاحته، وبقى أوّلها فى حفظى، وهو:" والنجم السيّار، والفلك الدوّار، والليل والنهار، [إنّ «٣» ] الكافر لفى أخطار؛ امض على سننك واقف أثر من كان قبلك من المسلمين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في الدين، وضلّ عن السبيل". قال: وكان المتنبىّ ينكر ذلك ويجحده. وقال له ابن خالويه «٤» النحوىّ يوما في مجلس سيف الدولة: لولا أن الآخر جاهل لما رضى أن يدعى المتنبّى، لأن المتنبّى معناه كاذب؛ [ومن رضى أن يدعى «٥» بالكاذب فهو جاهل] . فقال: إنى لم أرض أن أدعى به. انتهى. ومن شعر المتنبىّ- وهو أشهر من أن يذكر- قوله:

стр. 1067

وما أنا بالباغى على الحبّ رشوة ... قبيح «١» هوى يرجى عليه ثواب إذا نلت منك الودّ فالمال هيّن ... وكلّ الذي فوق التراب تراب ومن [شعره «٢» ]- وهو البيت الذي ذكروا أنه ادّعى النبوّة فيه-: ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من صداقته بدّ ومن [شعره «٣» ] قصيدته التى أوّلها: لك يا منازل في القلوب منازل ومنها: جمح الزمان فلا لذيذ خالص ... مما يشوب ولا سرور كامل فإذا أتتك مذمّتى من ناقص ... فهى الشهادة لى بأنّى فاضل وهذا البيت الأخير الذي وقع لأبى العلاء المعرىّ مع الشريف المرتضى «٤» الموسوىّ ما وقع بسببه.

стр. 1068

ومن شعر المتنبىّ قصيدته التى أولها: أجاب دمعى وما الداعى سوى طلل ... [دعا فلبّاه قبل الركب «١» والإبل] فمنها قوله: والهجر أقتل لى ممّا «٢» أراقبه ... أنا الغريق فما خوفى من البلل ومنها: لعلّ عتبك محمود عواقبه ... فربّما صحّت الأجسام بالعلل ويعجبنى قوله «٣» من شعره: خير أعضائنا الرءوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام وما أحسن مطلع قصيدته: إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم ومنها: فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم ومنها: وكلّ شجاعة في المرء تغنى ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الأذهان منه ... على قدر القرائح والعلوم مات المتنبىّ قتيلا بالنّعمانيّة «٤» . وفيها توفّى محمد بن حبّان بن أحمد بن حبّان الحافظ العلامة أبو حاتم التّميمى البستىّ صاحب التصانيف المشهورة، كان عالما بالفقه

стр. 1069

والحديث والطبّ والنجوم وفنون من العلوم، وألّف «المسند الصحيح» و «التاريخ» و «الضعفاء» . قال الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ. وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدويه «١» أبو بكر البزّاز «٢» الشافعىّ المحدّث، ولد سنة ستين ومائتين وسكن بغداد، وسمع الكثير وحدّث، روى عنه الدارقطنىّ وجماعة. الذين ذكر الذهبى وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفىّ المتنبّى وله إحدى وخمسون سنة، وأبو حاتم محمد بن حبّان ابن أحمد التّميمىّ البستىّ في شوّال، وأبو بكر محمد بن الحسن «٣» بن يعقوب بن مقسّم العطّار المقرئ، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعىّ البزّاز في ذى الحجّة وله خمس وتسعون سنة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. انتهى الجزء الثالث من النجوم الزاهرة ويليه الجزء الرابع وأوّله ذكر ولاية كافور الإخشيذى على مصر

стр. 1070

[الجزء الرابع] بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحابته والمسلمين الجزء الرابع من كتاب النجوم الزاهرة [تتمة ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٤] ذكر ولاية كافور الإخشيذىّ على مصر الأستاذ أبو المسك كافور بن عبد الله الإخشيذىّ الخادم الأسود الخصىّ صاحب مصر والشام والثغور، اشتراه سيّده أبو بكر محمد الإخشيذ بثمانية عشر دينارا من الزيّاتين، وقيل: من بعض رؤساء مصر، وربّاه وأعتقه؛ ثم رقّاه حتّى جعله من كبار القوّاد لمّا رأى منه الحزم والعقل وحسن التدبير. ولمّا مات الإخشيذ فى سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، أقام كافور هذا أبناءه واحدا بعد واحد. وكان الذي ولّى أوّلا أبا القاسم أنوجور بن الإخشيذ- ومعنى أنوجور بالعربية محمود- وقد تقدّم ذلك كلّه. فدام أنوجور في الملك إلى أن مات في يوم السبت لثمان خلون من ذى القعدة سنة تسع وأربعين وثلثمائة. ثم بعد موت أنوجور أقام أخاه أبا الحسن علىّ بن الإخشيذ كما تقدّم ذكر ذلك كلّه في ترجمتهما. وكان كافور هذا هو مدبّر ملكهما. ودخل كافور في أيّام ولايتهما في ضمان البلاد مع الخليفة، ووفّى بما ضمنه. ولمّا مات الإخشيذ اضطربت أحوال الديار المصريّة، فخرج كافور منها بآبنى الإخشيذ وتوجّه بهما إلى الخليفة المطيع لله، وأصلح أمرهما معه، والتزم كافور

стр. 1071

للخليفة بأمر الديار المصريّة، ثم عاد كافور بهما إلى الديار المصريّة. وكان غلبون قد تغلّب على مصر بعد موت الإخشيذ في غيبة كافور لمّا توجّه إلى العراق؛ فقدم كافور إلى مصر وتهيّأ لحرب غلبون المذكور وحاربه وظفر به وقتله، وأصلح أحوال الديار المصريّة؛ واستمر مدبّرها إلى أن مات أنوجور وتولّى أخوه علىّ؛ ثم مات علىّ أيضا في سنة خمس وخمسين وثلثمائة؛ واستقل كافور بالأمر وخطب له على المنابر وتمّ أمره. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبىّ في تاريخ الإسلام: كافور الإخشيذىّ الحبشىّ الأستاذ السلطان أبو المسك اشتراه الإخشيذ من بعض رؤساء مصر، كان أسود بصّاصا «١» . ثم ساق الذهبىّ نحو ما حكيناه، إلى أن قال: تقدّم عند الإخشيذ صاحب مصر لعقله ورأيه وسعده إلى أن صار من كبار القوّاد، وجهّزه الإخشيذ فيّ جيش لحرب سيف الدولة بن حمدان. ثم إنه لمّا مات أستاذه صار أتابك «٢» ولده أبى القاسم أنوجور وكان صبيّا؛ فغلب كافور على الأمر، وبقى الاسم لأبى القاسم والدّست «٣» لكافور، حتّى قال وكيله: خدمت كافورا وراتبه في اليوم ثلاث عشرة جراية، وتوفّى وقد بلغت جرايته على يدى في كلّ يوم ثلاثة عشر ألف جراية. قلت: وهو أتابك السلطان أنوجور، أمّا لمّا استقلّ بالملك فكان أكثر من ذلك. وقال أبو المظفّر في تاريخه مرآة الزمان: كان كافور شجاعا مقداما جوادا يفضل على الفحول. وقصده المتنبىّ ومدحه فأعطاه أموالا كثيرة، ثم فارقه إلى

стр. 1072

العراق. وقال أبو الحسن بن أذين «١» النحوىّ: حضرت مع أبى مجلس كافور وهو غاصّ بالناس، فقام رجل «٢» فدعا له، وقال في دعائه: أدام الله أيّام مولانا (بكسر الميم من أيّام) فأنكر كافور والحاضرون ذلك؛ فقام رجل «٣» من أوساط الناس فقال: لا غرو إن لحن الداعى لسيّدنا ... أو غصّ من دهش «٤» بالريق أو بهر ومثل سيّدنا حالت مهابته ... بين البليغ وبين القول بالحصر فإن يكن خفض الأيام من غلط ... فى موضع النصب لا من قلّة البصر فقد تفاءلت من هذا لسيّدنا ... والفأل مأثورة عن سيّد البشر بأنّ أيامه خفض بلا نصب ... وأنّ أوقاته صفو بلا كدر فعجب الحاضرون من ذلك، وأمر له كافور بجائزة. وقال أبو جعفر مسلم بن عبيد الله بن طاهر العلوىّ النّسابة: ما رأيت أكرم من كافور! كنت أسايره يوما وهو في موكب «٥» خفيف يريد التنزّه وبين يديه عدّة جنائب بمراكب ذهب وفضة وخلفه بغال المراكب؛ فسقطت مقرعته من يده ولم يرها ركابيّته «٦» ، فنزلت عن دابّتى وأخذتها من الأرض ودفعتها إليه؛ فقال: أيّها الشريف، أعوذ بالله من بلوغ الغاية، ما ظننت أن الزمان يبلّغنى حتى تفعل بى أنت هذا! وكاد يبكى؛ فقلت: أنا صنيعة الأستاذ ووليّه. فلما بلغ باب داره ودّعنى؛ فلما سرت التفتّ فإذا بالجنائب والبغال كلّها خلفى؛ فقلت: ما هذا؟

стр. 1073

قالوا: أمر الأستاذ أن يحمل مركبه كلّه إليك، فأدخلته دارى؛ وكانت قيمته تزيد على خمسة عشر ألف دينار. وراوى هذه الحكاية مسلم بن عبيد الله المذكور من صالحى الأشراف. ووقع له حكاية غريبة نذكرها في ضمن هذه الترجمة، ثمّ نعود إلى ما نحن فيه من ترجمة كافور، وهى «١» أنّه كان لمسلم بن عبيد الله المذكور غلام قد ربّاه من أحسن الغلمان، فرآه بعض القوّاد فبعث إليه ألف دينار مع رجل، وقال له: اشتر لى منه هذا الغلام؛ قال الرجل: فوافيته- يعنى الشريف مسلم ابن عبيد الله- فى الحمّام ورأيت الغلام عريانا فرأيت منظرا حسنا؛ فقلت فى نفسى: لا شكّ أنّ الشريف لا يفوته هذا الغلام، وأدّيت الرسالة؛ فقال الشريف ما دفع فيه «٢» هذا الثمن إلّا وهو يريد [أن «٣» ] يعصى الله فيه، ارجع إليه بماله فلا أبيعه. فعدت إليه وأخبرته ونمت تلك الليلة، فرأيت النّبيّ ﷺ في المنام، فسلّمت عليه فما ردّ علىّ، وقال: ظننت في ولدى مسلم الخنا مع الغلام امض إليه واسأله أن يجعلك في حلّ. فلما طلع الفجر مضيت إليه وأخبرته وبكيت وقبّلت يديه ورجليه وسألته أن يجعلنى في حلّ؛ فبكى وقال: أنت في حلّ والغلام حرّ لوجه الله تعالى. وأمّا كافور فإنّه لمّا صار قبل سلطنته مدبّر الممالك المصرية وعظم أمره أنف من ذلك خشداشه «٤» الأمير أبو شجاع فاتك الرومىّ الإخشيذىّ المقدّم ذكره في سنة نيّف وخمسين وثلثمائة. وكان فاتك يعرف بالمجنون، وكان الإخشيذ قد اشترى

стр. 1074

فاتكا هذا من أستاذه بالرملة كرها وأعتقه، وحظى عند الإخشيذ، وكان رفيقا لكافور هذا، وهو الأعظم مع طيش وخفّة وحبورة، وكان كافور عاقلا سيوسا؛ فكان كلّما تزايد أمر كافور وعظم يزيد جنون فاتك وحسده، فلا يلتفت كافور إليه بل يدرّ عليه الإحسان ويراعيه إلى الغاية. وكان الفيّوم إقطاع فاتك المجنون، فاستأذن فاتك كافورا أن يتوجّه إلى إقطاعه بالفيّوم ويسكن هناك حتى لا يرى عظمة كافور؛ فأذن له كافور في ذلك وودّعه؛ فخرج فاتك إلى الفيّوم، فلم يصحّ مزاجه بها لو خامتها «١» فعاد بعد مدّة مريضا إلى مصر ليتداوى بها. وكان المتنبىّ الشاعر بمصر قد مدح كافورا بغرر القصائد، فسمع المتنبىّ بكرم المجنون فأحبّ أن يمدحه ولم يجسر خوفا من كافور. وكان كافور يكره فاتّكا في الباطن ويخافه، وصار فاتك يراسل المتنبىّ ويسأل عنه إلى أن اتّفق اجتماعهما يوما بالصحراء وجرت بينهما مفاوضات. فلمّا رجع فاتك إلى داره بعث إلى المتنبىّ بهديّة قيمتها ألف دينار، ثم أتبعها بهدايا أخر. فاستأذن المتنبىّ كافورا في مدح فاتك فأذن له خوفا من فاتك وفي النفس شىء من ذلك؛ فمدحه المتنبىّ بقصيدته التى أوّلها: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال إلى أن قال: كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال فحقد كافور على المتنبّى لذلك، وفطن المتنبىّ بعدوانه. فخرج من مصر هاربا، وكان هذا سببا لهجو المتنبىّ كافورا بعد أن كان مدحه بعدّة مدائح، على ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1075

قال الذهبىّ: وكان كافور يدنى الشعراء ويجيزهم، وكان تقرأ عنده في كلّ ليلة السّير وأخبار الدولة الأموية والعباسيّة وله ندماء، وكان عظيم الحرمة وله حجاب يمتنع «١» عن الأمراء، وله جوار مغنّيات، وله من الغلمان الروم والسّود ما يتجاوز الوصف؛ زاد ملكه على ملك مولاه الإخشيذ؛ وكان كريما كثير الخلع والهبات خبيرا بالسياسة فطنا ذكيّا جيّد العقل داهية؛ كان يهادى المعزّ صاحب المغرب ويظهر ميله إليه، وكذا يذعن بالطاعة لبنى العبّاس ويدارى ويخدع هؤلاء وهؤلاء وتمّ له الأمر. وكان وزيره أبو الفضل جعفر بن الفرات راغبا في الخير وأهله. ولم يبلغ أحد من الخدّام ما بلغ كافور؛ وكان له نظر في العربيّة والأدب والعلم. وممّن كان في خدمته أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النّجيرمىّ «٢» النحوىّ صاحب الزّجاج. وقال إبراهيم بن إسماعيل إمام مسجد الزبير: كان كافور شديد الساعد لا يكاد أحد يمدّ قوسه، فإذا جاءوه برام دعا بقوسه [وقال: ارم عليه «٣» ] ؛ فإن أظهر الرجل العجز ضحك وقدّمه وأثبته؛ وإن قوى على مدّها واستهان بها عبس وسقطت منزلته من عنده. ثم ذكر له حكايات تدلّ على أنه كان مغرى بالرمى. قال: وكان يداوم الجلوس غدوة وعشيّة لقضاء حوائج الناس، وكان يتهجّد ويمرّغ وجهه ساجدا ويقول: اللهمّ لا تسلّط علىّ مخلوقا. انتهى.

стр. 1076

قلت: ونذكر حينئذ «١» أحوال المتنبىّ معه وما مدحه به من القصائد. لما فارق المتنبىّ سيف الدولة بن حمدان مغاضبا له، قصد كافورا الإخشيذىّ ودخل مصر ومدحه بقصيدته التى منها: قواصد كافور توارك غيره ... ومن ورد «٢» البحر استقلّ السواقيا فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلّت بياضا خلفها ومآقيا وهو أوّل مديح قاله فيه، وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلثمائة. وقال ابن خلّكان: وأنشده أيضا في شوّال سنة سبع وأربعين وثلثمائة قصيدته البائية «٣» التى يقول فيها: وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملى علىّ فأكتب «٤» إذا ترك الإنسان أهلا وراءه ... ويممّ كافورا فما يتغرّب ومنها أيضا: فإن لم يكن إلّا أبو المسك أوهم ... فإنّك أحلى في فؤادى وأعذب وكلّ امرئ يولى الجميل محبّب ... وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب وآخر شىء أنشده في شوّال سنة تسع وأربعين وثلثمائة- ولم يلقه بعدها- قصيدته البائيّة: أرى لى بقربى منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب

стр. 1077

وهل نافعى أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أمّلت منك حجاب أقلّ سلامى حبّ ما خفّ عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب ومنها: وما أنا بالباغى على الحبّ رشوة ... ضعيف هوى يبغى عليه ثواب وما شئت ألا أن أدلّ عواذلى ... على أنّ رأيى في هواك صواب وأعلم قوما خالفونى فشّرقوا ... وغرّبت أنى قد ظفرت وخابوا ومنها: وإنّ مديح الناس حقّ وباطل ... ومدحك حقّ ليس فيه كذاب إذا نلت منك الودّ فالمال هيّن ... وكلّ الذي فوق التراب تراب وما كنت لولا أنت إلّا مهاجرا ... له كلّ يوم بلدة وصحاب ولكنّك الدنيا إلىّ حبيبة ... فما عنك لى إلّا إليك ذهاب وأقام المتنبىّ بعد إنشاد هذه القصيدة سنة لا يلقى كافورا غضبا عليه، لكنه يركب في خدمته [خوفا منه «١» ] ولا يجتمع به؛ واستعدّ للرحيل في الباطن وجهّز جميع ما يحتاج إليه. وقال في يوم عرفة قبل مفارقته مصر بيوم واحد قصيدتّه الداليّة التى هجا كافورا فيها. وفي آخر هذه القصيدة المذكورة يقول: من علّم الأسود المخصىّ مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصّيد أم أذنه في يد النخّاس دامية ... أم قدره وهو بالفلسين مردود ومنها: وذاك أنّ الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السّود

стр. 1078

وله فيه أهاج كثيرة تضمّنها ديوان شعره. ورحل المتنبىّ من مصر إلى عضد الدّولة بن بويه. وقال ابن زولاق: أقام كافور الإخشيذىّ الأستاذ إحدى وعشرين سنة وشهرين وعشرين يوما- يعنى أقام مدبّر مملكة مصر- من قبل ولدى أستاذه، وهما أنوجور وعلىّ ابنا الإخشيذ محمد بن طغج، وأقام هو فيها سنتين وأربعة أشهر وسبعة أيّام ملكا مستقلّا بنفسه. قلت: ونذكر ذلك محرّرا بعد ذلك. قال ابن زولاق: وكان كافور ديّنا كريما. وسماطه، على ما ذكره صاحب كنز الدّرر «١» ، فى اليوم: مائتا خروف كبار، ومائة خروف رميس، ومائتان وخمسون إوزّة، وخمسمائة دجاجة، وألف طير من الحمام، ومائة صحن حلوى كلّ صحن عشرة أرطال، ومائتان وخمسون قرابة أقسما «٢» . قال: ولما توفّى كافور اجتمع الأولياء وتعاقدوا وتعاهدوا ألّا يختلفوا، وكتبوا بذلك كتابا ساعة توفّى كافور وعقدوا الولاية لأحمد بن علىّ الإخشيذ، وكان إذ ذاك صبيّا ابن إحدى عشرة سنة- وكافور بعد في داره لم يدفن- ودعى له على المنابر بمصر وأعمالها والشامات والحرمين، ثم من بعده للحسن

стр. 1079

ابن عبيد الله. ثم عقد للحسن بن عبيد الله المذكور على بنت عمّه فاطمة بنت الإخشيذ بوكيل سيّره من الشام؛ وجعل التدبير بمصر فيما يتعلّق بالأموال إلى الوزير أبى الفضل جعفر بن الفرات، وما يتعلّق بالرجال والعساكر لسمول «١» الإخشيذىّ صاحب الحمّام بمصر. وكلّ ذلك كان في يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلثمائة. انتهى كلام ابن زولاق رضى الله عنه. وأمّا وفاة كافور المذكور فإنّه توفّى بمصر في جمادى الأولى سنة ستّ وخمسين وثلثمائة، وقيل: سنة سبع وخمسين وثلثمائة، وقيل: سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، والأصحّ سنة سبع وخمسين وثلثمائة، قبل دخول القائد جوهر المعزّىّ إلى مصر. وقيل: إنّه لمّا دخل جوهر القائد إلى مصر خرج منها كافور هذا؛ وليس بشىء، والأوّل أصحّ. وملك بعده أحمد بن علىّ بن الإخشيذ الآتى ذكره. وعاش كافور بضعا وستين سنة، وكانت إمارته على مصر اثنتين وعشرين سنة، منها استقلالا بالملك سنتان وأربعة أشهر، خطب له فيها على منابر مصر والشام والحجاز والثغور، مثل طرسوس والمصّيصة وغيرهما، وحمل تابوته إلى القدس فدفن به؛ وكتب على قبره: ما بلل قبرك يا كافور منفردا ... بالصحصح المرت «٢» بعد العسكر اللّجب يدوس قبرك آحاد الرجال وقد ... كانت أسود الشّرى تخشاك في الكتب وقال الوليد بن بكر العمرىّ وجدت على قبر كافور مكتوبا: انظر إلى عبر الأيّام ما صنعت ... أفنت أناسا بها كانوا وما فنيت «٣» دنياهم ضحكت أيّام دولتهم ... حتّى إذا فنيت ناخت لهم وبكت

стр. 1080

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٥] السنة الأولى من ولاية كافور الإخشيذىّ على مصر- وهى سنة خمس وخمسين وثلثمائة. فيها أقيم المأتم على الحسين رضى الله عنه في يوم عاشوراء ببغداد على العادة. وفيها ورد الخبر بأنّ ركب الشام ومصر والمغرب من الحجّاج أخذوا وهلك أكثرهم ووصل الأقلّ إلى مصر، وتمزّق الناس كلّ ممزّق، وأخذتهم بنو سليم؛ وكان ركبا عظيما نحو عشرين ألف جمل، معهم الأمتعة والذهب؛ فما أخذ لقاضى طرسوس المعروف بالخواتيمى [مائة «١» ألف و] عشرون ألف دينار. وفيها قدم أبو الفوارس محمد بن ناصر الدولة من الأسر إلى ميّافارقين؛ كانت أخت ملك الروم أخذته لتفادى به أخاها، فنفّذ سيف الدولة أخاها في ثلثمائة إلى حصن الهياج «٢» ، فلما شاهد بعضهم بعضا سرّح المسلمون أسيرهم في خمسة فوارس وسرّح الروم أسيرهم أبا الفوارس في خمسة؛ فآلتقيا في وسط الطريق وتعانقا، ثم صار كلّ واحد إلى أصحابه فترجّلوا له وقبّلوا الأرض؛ واحتفل سيف الدولة بن حمدان لقدوم ابن أخيه وعمل الأسمطة الهائلة، وقدّم له الخيل والمماليك والعدد التامّة؛ فمن ذلك مائة مملوك بمناطقهم وسيوفهم وخيولهم. وفيها جاء الخبر بأنّ نائب أنطاكية محمد بن موسى الصّلحىّ أخذ الأموال التى فى خزائن أنطاكية وخرج بها كأنّه متوجّه إلى سيف الدولة بن حمدان فدخل بلاد الروم مرتدّا. وقيل: إنه كان عزم على تسليم أنطاكية إلى الروم، فلم يمكنه ذلك

стр. 1081

لاجتماع أهل البلد على ضبطه، فخشى أن ينمّ خبره إلى سيف الدولة فيتلفه فهرب بالأموال. وفيها قدم الغزاة الخراسانية من الغزو إلى ميّافارقين، فتلقّاهم أبو المعالى بن سيف الدولة وبالغ في إكرامهم بالأطعمة والعلوفات. وكان رئيس الغزاة المذكورين محمد بن عيسى. وفيها سار طاغية الروم بجموعه إلى الشام، فعاث وأفسد وأقام به نحو خمسين يوما؛ فبعث سيف الدولة يستنجد أخاه ناصر الدولة لبعده؛ ووقع لسيف الدولة مع الروم حروب ووقائع كثيرة. وفيها توفّى محمد بن عمر بن محمد بن سالم أبو بكر [بن «١» ] الجعابىّ التميمىّ البغدادىّ الحافظ قاضى الموصل، سمع الكثير ورحل وكان حافظ زمانه، يحب أبا العباس ابن عقدة، وصنّف الأبواب والشيوخ والتاريخ، وكان يتشيّع؛ وروى عنه الدارقطنىّ وأبو حفص بن شاهين والحاكم أبو عبد الله وآخرون آخرهم وفاة «٢» أبو نعيم الحافظ. ومولده في صفر سنة أربع وثمانين ومائتين. قال أبو علىّ «٣» الحافظ النيسابورىّ: ما رأيت في المشايخ أحفظ من عبدان «٤» ، ولا رأيت في أصحابنا أحفظ من أبى بكر [بن] الجعابىّ!.

стр. 1082

وفيها توفّى محمد بن الحسين بن علىّ بن الحسن الأنبارىّ الشاعر المشهور، كان انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن مات بها في شهر رمضان. وكان من فحول الشعراء. ومن شعره وقد رأيته لغيره: أبكى وتبكى الحمام لكن ... شتّان ما بينها وبينى تبكى بعين بغير دمع ... وابكى بدمع «١» بغير عين ويعجبنى في هذا قول أمير المؤمنين عبد الله بن المعتز: بكت عينى غداة البين حزنا ... وأخرى بالبكا بخلت علينا فعاقبت التى بخلت بدمع ... بأن غمّضتها يوم التقينا ومما يجيش ببالى أيضا في هذا المعنى قول القائل، ولم أدر لمن هو غير أننى أحفظه قديما: قالت سعاد أتبكى ... بالدمع بعد الدماء فقلت قد شاب دمعى ... من طول عمر بكائى الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الحسن «٢» علىّ بن الحسن بن علّان الحرّانى الحافظ يوم النحر، وأبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سالم التميمىّ [ابن] الجعابىّ، وأبو الحكم منذر بن سعيد البلّوطىّ قاضى الأندلس وعالمها ومفتيها. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وثمانى أصابع. مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا.

стр. 1083

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٦] السنة الثانية من ولاية كافور الإخشيذىّ على مصر- وهى سنة ست وخمسين وثلثمائة. فيها عملت الرافضة المأتم في يوم عاشوراء ببغداد على العادة. وفيها مات السلطان معزّ الدولة بن بويه الآتى ذكره، وتولّى مملكة العراق من بعده ابنه عزّ الدولة بختيار «١» بن أحمد بن بويه. وفيها قبض على الملك ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان ولده أبو تغلب، لأنّ أخلاقه ساءت وظلم وقتل جماعة وشتم أولاده وتزايد أمره؛ فقبص عليه ولده المذكور بمشورة [رجال] الدولة فى جمادى الأولى، وبعثه إلى القلعة ورتّب له كل ما يحتاج إليه ووسّع عليه. وفيها توفى السلطان معزّ الدولة أبو الحسن أحمد بن بويه بن فنّا خسرو بن تمام بن كوهى؛ كان أبوه بويه يصطاد السمك وكان ولده هذا ربما احتطب. وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه في محلّه في هذا الكتاب؛ مآل أمره إلى الملك. وكان قدومه إلى بغداد سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، وكان موته بالبطن، فعهد إلى ولده عزّ الدولة أبى منصور بختيار، وكان الرّفص في أيّامه ظاهرا ببغداد؛ ويقال: إنه تاب قبل موته وتصدّق وأعتق. قلت: وجميع بنى بويه على هذا المذهب القبيح غير أنهم لا يفشون ذلك خوفا على الملك. ومات معزّ الدولة في سابع عشر شهر ربيع الآخر عن ثلاث وخمسين سنة؛ وكانت دولته اثنتين وعشرين سنة. وكان قد ردّ المواريث إلى ذوى الأرحام. ويقال: إنه من ذرّيّة سابور «٢» ذى الأكتاف.

стр. 1084

وهو أخو ركن الدولة الحسن، وعماد الدّولة علىّ. وكان معزّ الدولة يعرف بالأقطع؛ كان أصابته جراح طارت بيده اليسرى وبعض أصابع اليمنى. وهو عمّ عضد الدولة الآتى ذكره أيضا. وفيها توفى علىّ بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم الإمام العلّامة أبو الفرج الأصبهانىّ الكاتب، مصنّف كتاب الأغانى وغيره؛ سمع الحديث وتفقّه وبرع واستوطن بغداد من صباه، وكان من أعيان أدبائها؛ كان أخباريّا نسّابة شاعرا ظاهرا بالتشيّع. قال أبو علىّ التّنوخىّ: كان أبو الفرج يحفظ من الشعر والأغانى والأخبار والمسندات والأنساب مالم أر قطّ مثله، ويحفظ سوى ذلك من علوم أخر، منها: اللغة والنحو والمغازى والسّير. قلت: وكتاب الأغانى في غاية الحسن. وكان منقطعا إلى الوزير المهلّبىّ وله فيه غرر مديح، وله فيه من جملة قصيدة يهنّئه بمولود من سرّيّة: اسعد بمولود أتاك مباركا ... كالبدر أشرق جنح ليل مقمر سعد لوقت سعادة جاءت به ... أمّ حصان «١» من بنات الأصفر متبحبح «٢» فى ذروتى شرف العلا ... بين «٣» المهلّب منتماه وقيصر شمس الضحى قرنت إلى بدر الدّجى ... حتى إذا اجتمعا «٤» أتت بالمشترى

стр. 1085

وشعره كثير ومحاسنه مشهورة «١» . ولادته في سنة أربع وثمانين ومائتين، وهى السنة التى مات فيها البحترىّ الشاعر. ومات في يوم الأربعاء رابع عشر ذى الحجة. وفيها توفّى سيف الدولة أبو الحسن علىّ بن عبد الله بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد بن المثنّى بن رافع بن الحارث بن غطيف بن محربة «٢» بن حارثة بن مالك بن عبيد بن عدىّ بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو «٣» ابن غنم بن تغلب التغلبىّ، ومولده في يوم الأحد سابع عشر ذى الحجة سنة ثلاث وثلثمائة، وقيل: سنة إحدى وثلثمائة. قال أبو منصور الثعالبى: «كان بنو حمدان ملوكا، و [أمراء «٤» ] ؛ أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرّجاحة؛ وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم «٥» . وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود؛ وقبلة الآمال، ومحطّ الرحال؛ وموسم الأدباء، وحلبة الشعراء» . وكان سيف الدولة ملكا شجاعا مقداما كريما شاعرا فصيحا ممدّحا. وقصده الشعراء من الآفاق، ومدحه المتنبىّ بغرر المدائح. ومن شعر سيف الدولة فى قوس قزح: وساق صبيح للصّبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فمن بين منقضّ علينا ومنفضّ وقد نشرت أيدى الجنوب مطارفا ... على الجود كنا والحواشى على الأرض

стр. 1086

يطرّزها قوس السحاب بأصفر ... على أحمر في أخضر إثر «١» مبيضّ كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبّغة والبعض أقصر من بعض قال ابن خلّكان: وهذا من التشبيهات الملوكيّة التى لا يكاد يحضر مثلها السوقة. ويحكى أنّ ابن عمّه أبا فراس الأمير الشاعر كان يوما بين يدى سيف الدولة في نفر من ندمائه؛ فقال لهم سيف الدولة: أيّكم يجيز قولى؟ وليس له إلّا سيّدى (يعنى ابن عمّه أبا فراس المذكور) وقال: لك جسمى تعلّه ... فدمى لم تحلّه فارتجل أبو فراس وقال: أنا إن كنت مالكا ... فلى الأمر كلّه فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال منبج تغلّ ألفى دينار في كلّ سنة. ومن شعر سيف الدولة أيضا: تجنّى علىّ الذنب والذنب ذنبه ... وعاتبنى ظلما وفي شقّه العتب وأعرض لمّا صار قلبى بكفّه ... فهلّا جفانى حين كان لى القلب إذا برم المولى بخدمة عبده ... تجنّى له ذنبا وإن لم يكن ذنب وله: أقبّله على جزع ... كشرب الطائر الفزع رأى ماء فأطمعه ... وخاف عواقب الطمع فصادف خلسة فدنا ... ولم يلتذّ بالجرع وأما ما قيل في سيف الدولة من المديح فكثير يضيق هذا المحلّ عن ذكر شىء منه. وكانت وفاته يوم الجمعة في ثالث ساعة، وقيل: رابع ساعة، لخمس بقين من

стр. 1087

صفر بحلب. ونقل إلى ميّافارقين ودفن في تربة أمّه وهى داخل البلد. وكان مرضه بعسر البول. وكان قد جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئا، وجعله لبنة بقدر الكفّ، وأوصى أن يوضع خدّه عليها في لحده، فنفّذت وصيّته فى ذلك. وكان ملك حلب في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة؛ انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابىّ صاحب الإخشيذ، وكان قبل ذلك ملك واسط وتلك النواحى. وفيها توفّى جعفر بن محمد بن الحارث الشيخ أبو محمد المراغى المحدّث المشهور؛ كان فاضلا رواية للشعر. قال: أنشدنى منصور بن إسماعيل الفقيه: لى حيلة فيمن ينمّ ... وليس في الكذّاب حيله من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتى فيه قليله أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة اثنتا عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٧] السنة الثالثة من ولاية كافور الإخشيذىّ على مصر- وهى سنة سبع وخمسين وثلثمائة، وهى التى مات فيها كافور المذكور حسب ما تقدّم ذكره. فيها عملت الرافضة مأتم الحسين بن علىّ في بغداد على العادة في كلّ سنة في يوم عاشوراء. وفيها لم يحجّ أحد من الشام ولا من مصر. وفيها في ذى القعدة أقبل تقفور عظيم الروم بجيوشه إلى الشام فخرج من دربند «١» ونازل أنطاكية فلم يلتفتوا إليه؛ فقال أرحل وأخرّب الشام ثم أعود إليكم من الساحل؛ ورحل ونازل معرّة

стр. 1088

مصرين «١» فأخذها وغدر بهم وأسر منهم أربعة آلاف وستمائة نسمة. ثم نزل على معرّة النّعمان «٢» فأحرق جامعها؛ وكان الناس قد هربوا في كلّ وجه إلى الحصون والبرارىّ والجبال. ثم سار إلى كفرطاب «٣» وشيزر «٤» ، ثم إلى حماة وحمص وخرج من بقى بها فأمّنهم ودخلها وصلّى في البيعة وأخذ منها رأس يحيى بن زكريا، وأحرق الجامع. ثمّ سار إلى عرقة «٥» فافتتحها، ثم سار إلى طرابلس فأخذ ربضها. وأقام فى الشام أكثر من شهرين ورجع؛ فأرضاه أهل أنطاكية بمال عظيم. وفيها تزوّج عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة أحمد بن بويه بابنة عسكر الرومىّ الكردىّ على صداق مائة ألف دينار. وفيها قتل أبو فراس [الحارث «٦» ] بن أبى العلاء سعيد بن حمدان التغلبىّ العدوىّ الأمير الشاعر الفصيح، تقدّم بقية نسبه في ترجمة ابن عمّه سيف الدولة بن حمدان، ومولده بمنبج في سنة عشرين وثلثمائة، وكان يتنقّل في بلاد الشام في دولة ابن عمّه سيف الدولة بن حمدان؛ وكان من الشّجعان والشعراء المفلقين؛ وديوان «٧» شعره موجود. ومن شعره قصيدة: رأيت الشيب لاح فقلت أهلا ... وودّعت الغواية والشبابا وما إن شبت من كبر ولكن ... لقيت من الأحبّة ما أشابا

стр. 1089

وله أيضا: من يتمنّ العمر فليدّرع ... صبرا على فقد أحبّائه ومن يؤجّل ير في نفسه ... ما يتمنّاه لأعدائه وفيها توفّى حمزة بن محمد بن علىّ بن العبّاس الحافظ أبو القاسم الكنانىّ المصرىّ، سمع الكثير ورحل وطوّف وجمع وصنّف، وروى عنه ابن مندة والدارقطنىّ والحافظ عبد الغنى [بن سعيد «١» الأزدىّ] وغيرهم. وقال ابن مندة: سمعت حمزة ابن محمد الحافظ يقول: كنت أكتب الحديث فلا أكتب «وسلّم» ؛ فرأيت النّبيّ ﷺ في المنام، فقال [لى «٢» ] : أما تختم الصلاة علىّ في كتابك! الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أحمد بن الحسن «٣» ابن إسحاق بن عتبة الرّازى بمصر، وأبو سعيد أحمد بن محمد «٤» بن رميح النّسوىّ، وحمزة بن محمد أبو القاسم الكنانىّ بمصر، وأبو العباس عبد الله بن الحسين النّضرىّ «٥» المروزىّ في شعبان عن سبع وتسعين سنة، وعمر بن جعفر البصرىّ الحافظ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن علىّ بن محرم المحتسب، وأبو سليمان محمد بن الحسين الحرّانىّ، وأبو علىّ محمد [بن محمد بن عبد الحميد «٦» بن خالد بن إسحاق] ابن آدم الفزارىّ. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراع واحدة وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا.

стр. 1090

ذكر ولاية أحمد بن علىّ بن الإخشيذ على مصر هو أحمد بن علىّ بن الإخشيذ محمد بن طغج بن جفّ الأمير أبو الحسن التّركىّ الفرغانىّ المصرىّ. ولى سلطنة مصر بعد موت مولى جدّه كافور الإخشيذىّ فى العشرين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلثمائة وهو يوم مات «١» كافور، وسنّه يوم ولى إحدى عشرة سنة؛ وصار الحسن «٢» بن عبيد الله بن طغج- أعنى ابن عمّ أبيه-[خليفته «٣» ] ، وأبو الفضل جعفر بن الفرات [وزيره «٤» ] ، ومعهما أيضا سمول الإخشيذىّ مدبّر العساكر. فأساء أبو الفضل جعفر بن الفرات السيرة وقبض على جماعة وصادرهم، منهم يعقوب بن كلّس الآتى ذكره؛ فهرب يعقوب بن كلّس المذكور إلى المغرب، وهو من «٥» أكبر أسباب حركة المعزّ، وإرسال جوهر القائد إلى الديار المصريّة. ولما زاد أمر ابن الفرات اختلف عليه الجند واضطربت أمور الديار المصريّة على ما سنذكره بعد أن نذكر مقالة ابن خلكان إن شاء الله تعالى. قال ابن خلّكان:" وكان عمر أبى الفوارس أحمد بن علىّ بن الإخشيذ يوم ولى إحدى عشرة سنة، وجعل الجند «٦» خليفته في تدبير أموره أبا محمد الحسن بن
следующие страницы →