Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
وفيها توفّى الشيخ أبو المعالى الزاهد الصالح البغدادىّ. كان مقيما بمسجد باب الطاق ببغداد؛ فحضر مجلس ابن أبى عمامة «١» فوقع كلامه فى قلبه فتزهّد. وكان لا ينام إلّا جالسا ولا يلبس إلّا ثوبا واحدا شتاء وصيفا. وكان منقطعا إلى العبادة، ويقصد للزيارة.
وفيها توفّى الشيخ أبو طاهر أحمد بن علىّ بن عبيد «٢» الله بن عمر بن سوار المقرئ المجوّد. كان إماما عارفا بالقراءات، وسمع الحديث واشتغل فى القراءات سنين.
وفيها توفّى الشيخ أبو داود سليمان بن نجاح المؤيّدىّ المقرئ الإمام. مات فى شهر رمضان وله ثلاث وثمانون سنة، وقد انتهت إليه رياسة القرّاء فى زمانه.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وثمانى أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبع واحدة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩٧]
السنة الثانية من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
فيها وقع الصلح بين الإخوة أولاد السلطان ملكشاه السلجوقىّ، وهم السلطان بركياروق ومحمد شاه وسنجر شاه، على أن يكون اسم السلطنة لبركياروق وضرب «٣» النّوبة (أعنى الطبلخانات) فى أوقات الصلوات الخمس على بابه، وأن يكون لمحمد شاه أرمينية وأذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل، وأن يكون لسنجر شاه خراسان
стр. 1542
على حاله أوّلا، وأن يكون لبركياروق الجبل وهمذان وأصبهان والرّىّ وبغداد وأعمالها والخطبة ببغداد، وأن محمد شاه وسنجر شاه يخطبان لنفوسهما «١» .
وفيها نزل الأمير سكمان بن أرتق صاحب ماردين، وجكرمش صاحب الموصل على رأس العين عازمين على لقاء الفرنج، وكان خرج ريمند وطنكرى صاحب أنطاكية بعساكر الفرنج إلى الرّهاء، فالتقوا فنصر الله المسلمين وقتلوا منهم عشرة آلاف، وانهزم ريمند وطنكرى فى نفر يسير من الفرنج.
وفيها نزل بغدوين صاحب القدس الفرنجىّ على عكّا فى البرّ والبحر فى نيّف وتسعين مركبا فحصروها من جميع الجهات، وكان واليها زهر الدولة الجيوشىّ، فقاتل حتّى عجز، فطلب الأمان له وللمسلمين فلم يعطوه لمّا علموا (الفرنج) من أهل مصر أنهم لم ينجدوه، ثم أخذوها بالسيف فى شهر رمضان. وقد قدّمنا ذكر ذلك فى ترجمة الآمر هذا بأكثر من هذا القول.
وفيها حاصر صنجيل الفرنجىّ طرابلس وبنى عليها حصنا؛ فخرج القاضى ابن عمّار صاحب طرابلس بعسكره فى ذى الحجة، وهدم الحصن وقتل من فيه من الفرنج ونهبه، وكان فيه شىء كثير.
وفيها توفّى أحمد بن الحسين بن حيدرة الأديب أبو الحسين، ويعرف بابن خراسان الطرابلسىّ الشاعر المشهور. وكان شاعرا مجيدا، هجا فخر الملك ابن عمّار قاضى طرابلس وصاحبها وأخاه؛ فأمر به قاضى طرابلس المذكور فضرب حتّى مات. ومن شعره من قصيدة:
[الطويل]
[جزى «٢» الله عنا النّيرب الفرد صالحا ... لقد جمع المعنى الذي يذهب الفكرا
]
خرجنا على أنّا نقيم ثلاثة ... فطاب لنا حتّى أقمنا به عشرا
стр. 1543
وفيها توفّى إسماعيل بن علىّ بن الحسن «١» بن علىّ الشيخ أبو علىّ الجاجرمىّ «٢» الأصمّ النّيسابورىّ. ولد سنة ستّ وأربعمائة، ورحل فى طلب العلم، وطاف البلاد وعاد إلى نيسابور فمات بها فى المحرّم. وكان فقيها واعظا زاهدا ورعا صدوقا ثقة حسن الطريقة.
وفيها توفّى دقماق بن تش الأمير أبو نصر شمس الملوك السلجوقىّ صاحب دمشق. وسمّاه الذهبىّ وصاحب مرآة الزمان دقاقا بلا ميم. ولعلّ الذي قلناه هو الصواب؛ فإننا لم نسمع باسم قبل ذلك يقال له دقاق، وأيضا فإنّ جدّ السلجوقيّين الأعلى اسمه دقماق، وهذا من أكبر الأدلّة على أنّ اسمه دقماق. ولى دمشق بعد قتل أبيه تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان؛ وقام بأمره الأتابك ظهير الدّين طغتكين، وتزوّج طغتكين والدته. فأقام فى مملكة دمشق حتّى مات. وملك دمشق بعده ابنه تتش وهو حدث السن، وأوصى أن يكون طغتكين أيضا القائم بدولته؛ فوقع ذلك، وقام طغتكين بالأمر أحسن قيام.
وفيها توفّى العلاء بن الحسن بن وهب بن الموصلا يا أبو سعد الكاتب الفاضل.
كتب فى الإنشاء للخلفاء خمسا وستّين سنة. وكان نصرانيّا، فأسلم فى سنة أربع وثمانين وأربعمائة على يد الخليفة المقتدى بالله العبّاسىّ. ومات فجاءة. وكان طاهر اللّسان كريم الأخلاق شاعرا مجيدا مترسّلا. ومن شعره:
[الوافر]
يا خليلىّ خليّانى ووجدى ... فملام «٣» العدول ما ليس يجدى
стр. 1544
ودعانى فقد دعانى إلى الحك ... م غريم الغرامة الّت «١» عندى
فعساه يرقّ إذ ملك الرّ «٢» ... قّ بنقد من وصله أو بوعد
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع واثنتا عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩٨]
السنة الثالثة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
فيها هلك صنجيل عظيم الفرنج وصاحب أنطاكية.
وفيها بعث ضياء الدّين محمد وزير ميّافارقين إلى قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش وهو بملطية يستدعيه إلى ميّافارقين؛ فتوجّه إليه قلج أرسلان وملك ميافارقين. وكان مبدأ قلج أرسلان هذا أنّه خدم ملكشاه السلجوقىّ، فأرسله على جيش لغزو الرّوم؛ فسار وافتتح ملطية وقيساريّة وأقصرى «٣» وقونية وسيواس «٤» وجميع ممالك الروم؛ فأقرّه ملكشاه بها، فأقام بها وعدّ من الملوك؛ إلى أن قدم ميافارقين واستولى عليها، وولّاها لمملوك والده خمرتاش السليمانىّ. واستوزر قلج أرسلان ضيا الدّين المذكور، وأخذه معه وولّاه أبلستين «٥» . ثمّ وقع بين قلج
стр. 1545
أرسلان هذا وبين جاولى مملوك السلطان محمد شاه بن ملكشاه وتقاتلا، فانكسر فلج أرسلان. فلمّا رأى الهزيمة عليه ألقى نفسه فى الخابور فغرق، فأخرج وحمل تابوته إلى ميّافارقين ودفن بها.
وفيها بعث يوسف بن تاشفين صاحب المغرب إلى الخليفة المستظهر بالله العبّاسىّ يخبره أنّه خطب له على منابر ممالكه، وأرسل يطلب منه الخلع والتقليد؛ فبعث إليه بما طلب.
وفيها توفّى السلطان ركن الدولة بركياروق ابن السلطان ملكشاه ابن السلطان ألب أرسلان بن داوود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق السلجوقىّ أبو المظفّر.
مات فى شهر ربيع الأوّل وهو ابن أربع وعشرين سنة. وكانت سلطنته اثنتى عشرة سنة. وعهد لولده ملكشاه، وأوصى به الأمير آياز؛ فتوجّه آياز بالصبىّ إلىّ بغداد، ونزل به دار المملكة، وعمره أربع سنين وعشرة أيام، وأجلسه على تخت الملك مكان أبيه بركياروق؛ وخطب له ببغداد فى جمادى الأولى. فلم يتمّ أمر الصبىّ، وملك عمّه محمد شاه الذي كان ينازع أخاه بركياروق، وقتل آياز المذكور.
وبركياروق: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء والكاف وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف راء مضمومة وبعد الراء واو وقاف.
وفيها توفّى محمد بن علىّ بن الحسن بن أبى الصقر أبو الحسن الواسطىّ. تفقّه على أبى إسحاق الشّيرازىّ، وسمع الحديث الكثير. وكان أديبا عالما. ومن شعره لمّا كبر سنّه وصار لا يستطيع القيام لأصحابه:
[الوافر]
علّة سمّيت ثمانين عاما ... منعتنى للأصدقاء القياما
فإذا عمّروا تمهّد عذرى ... عندهم بالذى ذكرت وقاما
стр. 1546
وفيها توفّى الحافظ أبو علىّ الحسين بن محمد الغسّانىّ الجيّانىّ «١» عن إحدى وتسعين سنة. كان إماما حافظا، سمع الكثير وحدّث وكتب وصنّف.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩٩]
السنة الرابعة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
فيها ظهر رجل من نواحى نهاوند وادّعى النبوّة، وكان ممخرقا «٢» بالسّحر والنجوم فتبعه خلق كثير وحملوا إليه أموالهم. وكان يعطى جميع ما عنده لمن يقصده، وسمّى أصحابه بأسماء الصحابة الخلفاء، رضوان الله عليهم. وكان خرج أيضا فى هذه السنة بنهاوند رجل من ولد ألب أرسلان السلجوقىّ يطلب الملك؛ فخرج إليهما العساكر، وأخذوا الرجل المدّعى النبوّة، والذي طلب الملك معا وقتلا.
وفيها كان بين الفرنج وبين طغتكين واقعة عظيمة على سواد طبريّة.
وفيها ملكت الإسماعيليّة «٣» حصن فامية، وقتلوا خلف بن ملاعب صاحب الحصن بأمر أبى طاهر الصائغ العجمىّ المقيم بحلب. وهذا الصائغ هو الذي أظهر مذهب الباطنية الرافضة، وقتلته الفرنج، وأراح الله المسلمين منه.
стр. 1547
وفيها توفّى عمر بن المبارك بن عمر أبو الفوارس البغدادىّ. ولد سنة ثلاث عشرة «١» وأربعمائة، وبرع فى علم القرآن، وقرأ الناس عليه سنين كثيرة، وسمع الحديث الكثير، وكان من الصالحين.
وفيها توفّى مهارش البدوىّ بن مجلّى الأمير أبو الحارث صاحب الحديثة، الذي خدم الخليفة القائم بأمر الله، فيما تقدّم ذكره لمّا حصل عنده بالحديثة. وكان مهارش هذا كثير الصلاة والصوم والصدقة صالحا محبّا لأهل العلم. وعاش نيّفا وثمانين سنة. ﵀.
وفيها توفّى الشيخ الإمام المقرئ أبو البركات محمد بن عبد الله بن يحيى بن الوكيل المقرئ المحدّث؛ مات وله ثلاث وتسعون سنة. وكان عالما بفنون كثيرة، عارفا بعلوم القرآن.
وفيها توفّى الشيخ الإمام أبو البقاء المعمّر بن محمد بن علىّ الكوفىّ الحبّال؛ ومات وله ستّ وثمانون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثمانى أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٠٠]
السنة الخامسة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة خمسمائة.
فيها ولى الخليفة المستظهر بالله أبا جعفر عبد الله «٢» الدّامغانىّ أخا قاضى القضاة حجبة الباب؛ فرمى الطّيلسان وتزيّا بزىّ الحجبة، فشقّ ذلك على أخيه.
стр. 1548
وفيها بعث «١» السلطان محمد شاه برأس أحمد بن عبد الملك بن عطّاش مقدّم الباطنيّة، ورأس ولده. وكان ابن عطّاش هذا فى قلعة عظيمة بأصبهان.
وفيها توفّى جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد الشيخ أبو محمد السّراج القارئ البغدادىّ. ولد سنة ستّ عشرة وأربعمائة. وقرأ بالروايات وأقرأ سنين، وسافر إلى مصر والشام، وسمع الحديث وصنّف المصنّفات الحسان، منها كتاب «مصارع العشّاق» وغيره. وكان فاضلا شاعرا لطيفا. نظم «كتاب التنبيه» وغيره. ولم يمرض فى عمره سوى مرض الموت. ومن شعره:
[السريع]
يا ساكنى الدّير «٢» حلولا به ... يطربهم فيه النواقيس
قيسوا لنا القرب وكم بينه ... وبين أيّام النّوى قيسوا
وفيها قتل السلطان محمد شاه بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقىّ وزيره سعد الملك، سعد بن محمد أبا المحاسن «٣» ، واستوزر عوضه أبا نصر أحمد بن نظام الملك.
وكان سبب قتله أنه بلغه أنّه دبّر عليه هو وجماعة، وكاتب أخاه سنجر شاه، فقبض عليه وصلبه وأصحابه.
وفيها قتل أيضا الوزير فخر الملك علىّ بن الوزير نظام الملك حسن، وكنيته أبو المظفّر. كان استوزره بركياروق، ثم توجّه إلى نيسابور، فوزر إلى سنجر شاه.
وثب عليه شخص فى زىّ الصوفيّة من الباطنيّة وناوله قصّة ثم ضربه بسكّين فقتله.
قلت: وهكذا أيضا وقع لأبيه نظام الملك. حسب ما ذكرناه فى محلّه. فأخذ الباطنىّ وفصّل على قبر فخر الملك عضوا عضوا.
стр. 1549
وفيها توفّى محمد بن إبراهيم أبو عبد الله الأسدىّ. ولد بمكّة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وسافر البلاد ولقى العلماء. وكان إماما فاضلا شاعرا. ومن شعره:
[الخفيف]
قلت ثقّلت «١» إذ أتيت مرارا ... قال ثقّلت كاهلى بالأيادى
قلت طوّلت قال لا بل تطوّل ... ت وأبرمت قال حبل ودادى
ورأيت هذين البيتين فى شرح البديعيّة لابن حجّة «٢» فى القول بالموجب، ونسبهما لابن حجّاج. والله أعلم.
وفيها توفّى الحافظ أبو الفتح أحمد بن محمد بن أحمد الحدّاد الإمام العالم المحدّث.
مات فى ذى القعدة بأصبهان وله اثنتان وتسعون سنة.
وفيها توفّى الشيخ الإمام أبو غالب محمد بن الحسن الكرخىّ الباقلّانىّ العالم المشهور. مات وله ثمانون سنة.
وفيها توفّى أبو الكرم «٣» المبارك بن فاخر النحوىّ البغدادىّ. كان إماما عالما بالنحو واللغة والعربيّة، وله مصنّفات حسان. وتوفّى ببغداد.
وفيها توفّى سلطان المسلمين بالمغرب يوسف بن تاشفين اللّمتونىّ «٤» صاحب المغرب، كان من عظماء ملوك الغرب.
стр. 1550
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثمانى أذرع وتسع أصابع.
مبلغ الزيادة تسع عشرة ذراعا وإصبع واحدة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٠١]
السنة السادسة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة إحدى وخمسمائة.
فيها ظهرت ببغداد صبيّة عمياء تتكلّم عن أسرار الناس؛ فكانت تسأل عن نقوش الخواتم وما عليها، وألوان الفصوص، إلى غير ذلك.
وفيها حاصر بغدوين الفرنجىّ صاحب القدس صيداء وضايقها. حسب ما ذكرناه فى أوّل هذه الترجمة.
وفيها توفّى الحسين بن أحمد بن النّقّار الشيخ أبو طاهر. ولد بالكوفة ونشأ ببغداد. وكان أديبا شاعرا فاضلا. ومن شعره:
[السريع]
وزائر زار على غفلة ... وقد أماط الصبح ثوب الظلام
راح وقد سهّلت الراح من ... أخلاقه ما كان صعب المرام
وفيها قتل صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد الأمير أبو الحسن سيف الدولة صاحب الحلّة. كان كريما عفيفا عن الفواحش، وكانت داره ببغداد حرما للخائفين.
لم يتزوّج غير امرأة واحدة فى عمره، ولا تسرى قطّ. قتل فى واقعة كانت بينه وبين عسكر السلطان محمد شاه.
قلت: وكانت سيرته مشكورة، وخصاله محمودة وما سلم «١» من مذهب أهل الحلّة «٢» ، فإنّ أباه كان من كبار الرافضة.
стр. 1551
وفيها توفّى عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الشيخ الإمام أبو المحاسن الرّويانىّ الطّبرىّ فخر الإسلام. ولد فى ذى الحجّة سنة خمس عشرة وأربعمائة، وتفقّه ببخارى مدة؛ وبرع فى مذهب الشافعىّ- رضى الله عنه- وله مصنّفات فى مذهبه منها كتاب «بحر المذهب» وهو أطول كتب الشافعيّة، وكتاب «مناصيص «١» الشافعىّ» وكتاب «الكافى» وصنّف فى الأصول والخلاف. وكان قاضى طبرستان؛ فقتلته الملاحدة فى يوم الجمعة حادى عشر المحرّم- ورويان:
بلدة بنواحى طبرستان- وقيل: إنّه مات فى سنة اثنين وخمسمائة.
وفيها توفّى يحيى بن علىّ بن محمد بن الحسن بن بسطام أبو زكريّاء الشّيبانى.
التّبريزىّ الخطيب اللغوىّ. كان إماما فى علم اللّسان. رحل إلى الشام، وقرأ اللغة على أبى العلاء المعرّىّ، وسمع الحديث وحدّث؛ وأقرأ اللغة. ومات فى جمادى الآخرة، وله إحدى وثمانون سنة.
وفيها توفّى الملك تميم بن المعزّ بن باديس صاحب إفريقية وما والاها من بلاد المغرب. امتدّت أيّامه وكان من أجلّ ملوك المغرب، أقام هو وأبوه المعزّ نحوا من مائة سنة وأكثر؛ ومات وله تسع وسبعون سنة. والصحيح أنه مات فى القابلة.
حسب ما يأتى ذكره. وقد أثبت الذهبىّ وفاته فى هذه السنة.
وفيها توفّى الشيخ المسلّك أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الدّونىّ «٢» الصوفىّ، أحد كبار مشايخ الصوفيّة فى شهر رجب. وكان له قدم فى علم التصوّف.
стр. 1552
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٠٢]
السنة السابعة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة اثنتين وخمسمائة.
فيها توفّى إسماعيل بن إبراهيم بن العبّاس بن الحسن الشريف أبو الفضل الحسينىّ الدمشقىّ المعروف بابن أبى الجنّ. كان فقيها فاضلا ثقة. ولى قضاء دمشق مدّة، وبها توفّى.
وفيها توفّى ملك المغرب تميم بن المعزّ بن باديس أبو يحيى صاحب إفريقيّة، وينتهى نسبه إلى يعرب بن قحطان، قاله السمعانىّ. ولد سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وعاش ثمانين سنة، وأقام فى الإمرة ستّا وأربعين سنة، وخلّف مائة ولد لصلبه، قاله صاحب مرآة الزمان؛ قال: لأنّه كان مغرى بالجوارى مع اهتمامه بالملك؛ وقيل: إنّه مات وله خمسون ولدا. وكان مقامه بالمهديّة. وكان عظيم القدر شاعرا جوادا ممدّحا. وله ديوان شعر. ومن شعره:
[الكامل]
ما بان عذرى فيه حتّى عذّرا «١» ... ومشى الدّجى فى خدّه فتحيّرا
همّت تقبّله عقارب صدغه ... فأسلّ ناظره عليها خنجرا
والله لولا أن يقال تغنى «٢» ... وصبا وإن كان التّصابى أجدرا
لأعدت تفّاح الخدود بنفسجا ... لثما وكافور الترائب عنبرا
стр. 1553
وله أيضا:
[الطويل]
أما والذي لا يعلم السّرّ غيره ... ومن هو بالسّر المكتّم أعلم
لئن كان كتمان المصائب مؤلما ... لإعلامها عندى أشدّ وآلم
وفيها توفّى الحسن العلوىّ أبو هاشم رئيس همذان. كان جوادا ممدّحا مموّلا شجاعا صاحب صدقات وصلوات. صادره السلطان محمد شاه السلجوقىّ على تسعمائة ألف دينار، أدّاها فى نيّف وعشرين يوما، ولم يبع فيها عقارا.
وفيها توفّى الشيخ أبو القاسم علىّ بن الحسين الربعىّ البغدادىّ الفقيه المحدّث.
مات فى شهر رجب.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وثمانى عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وستّ عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٠٣]
السنة الثامنة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة ثلاث وخمسمائة.
فيها كاتب السلطان محمد شاه السلجوقىّ الأمير سكمان بن أرتق صاحب أرمينية وأخلاط وميّافارقين، والأمير شرف الدّين مودودا صاحب الموصل، ونجم الدين إيلغازى صاحب ماردين بالاجتماع على جهاد الفرنج؛ فآجتمعوا وبدءوا بالرّهاء.
وبلغ الفرنج، فاجتمع طنكرى صاحب أنطاكية، وابن صنجيل صاحب طرابلس، وبغدوين صاحب القدس، وتحالفوا هم أيضا على قتال المسلمين، وساروا؛ فكانت وقعة عظيمة نصر الله المسلمين فيها وغنموا منهم شيئا كثيرا.
стр. 1554
وفيها توفّى [عمر «١» بن] عبد الكريم بن سعدويه الحافظ ابو الفتيان الدّهستانىّ.
كان إماما حافظا محدّثا، رحل البلاد وسمع الكثير، وروى عنه أبو بكر الخطيب وغيره، واتّفقوا على صدقه وثقته ودينه. ومات فى شهر ربيع الأول.
وفيها توفّى وجيه «٢» بن عبد الله بن نصر الأديب الفاضل أبو المقدام التّنوخىّ.
كان شاعرا فصيحا. ولمّا أخربت الفرنج المعرّة، أنشد فى المعنى لمحمود بن علىّ:
[الخفيف]
هذه صاح «٣» بلدة قد قضى اللّ ... هـ عليها كما ترى بالخراب
وقّف العيس وقفة وابك من كا ... ن بها من شيوخها والشّباب
واعتبر إن دخلت يوما إليها ... فهى كانت منازل الأحباب
وفيها توفّى الشيخ الإمام أبو سعيد محمد بن محمد بن محمد الأصبهانىّ المعروف بالمطرّز. مات فى شوّال.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وثمانى عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٠٤]
السنة التاسعة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة أربع وخمسمائة.
فيها بنى الخليفة المستظهر بالله العباسىّ على الخاتون بنت ملكشاه السلجوقىّ أخت السلطان محمد شاه.
стр. 1555
وفيها أيضا جهّز السلطان محمد شاه المذكور العساكر إلى الشام لقتال الفرنج، وندب جماعة من الملوك معهم، منهم شرف الدّين مودود صاحب الموصل، وقطب الدين سكمان بن أرتق صاحب ديار بكر فاجتمعوا ونزلوا على تلّ «١» باشر ينتظرون البرسقىّ صاحب همذان، فوصل إليهم وهو مريض، فاختلفت آراؤهم لأمور وقعت، ورجع كلّ واحد إلى بلاده.
وفيها توفّى الأمير قطب الدّين سكمان بن أرتق- المقدّم ذكره- صاحب ديار بكر. عاد من الرّهاء مريضا فى محفّة حتّى وصل ميّافارقين فمات بها. وحمل تابوته من ميّافارقين إلى أخلاط فدفن به. وكان ملكا عادلا مجاهدا. وأبوه أرتق مات بالقدس. ونجم الدّين إيلغازى بن أرتق أخو سكمان المذكور هو الذي ولى بعده. توجّه إيلغازى المذكور إلى السلطان محمد شاه السلجوقىّ، فولاه شحنجية «٢» العراق عوضا عن أخيه سكمان، ثم أخذ منه ماردين فى سنة ثمان وخمسمائة، وميّافارقين فى سنة اثنتى عشرة وخمسمائة، ثم أخذ منه حلب أيضا. ولسكمان هذا وقائع مع الفرنج كثيرة ومواقف. ﵀.
وفيها توفّى علىّ بن محمد بن علىّ الشيخ الإمام العلّامة الفقيه العالم المشهور بالكيا الهرّاسىّ الشافعىّ العجمىّ. لقبه عماد «٣» الدّين. كان من أهل طبرستان وخرج إلى نيسابور، وتفقّه على أبى المعالى الجوينىّ، وقدم بغداد ودرس بالنظاميّة ووعظ
стр. 1556
وذكر مذهب الأشعرىّ، فرجم وثارت الفتن، واتّهم بمذهب الباطنيّة. فأراد السلطان قتله، فمنعه الخليفة المستظهر بالله وشهد له بالبراءة. وكانت وفاته فى يوم الخميس غرّة المحرم، ودفن عند الشيخ أبى إسحاق الشيرازىّ، وحضر لدفنه الشيخ أبو طالب الزّينبىّ وقاضى القضاة أبو الحسن الدامغانىّ- وكانا مقدّمى طائفة السادة الحنفية- فوقف أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الدّامغانىّ متمثّلا بهذا البيت:
[الوافر]
وما تغنى النوادب والبواكى ... وقد أصبحت مثل حديث أمس
وأنشد الزّينبىّ أيضا متمثّلا بهذا البيت:
[الكامل]
عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إنّ النساء بمثله عقم
ولمّا مات رثاه أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزّىّ الشاعر المشهور ارتجالا بقصيدة أوّلها:
[البسيط]
هى الحوادث لا تبقى ولا تذر ... ما للبريّة من محتومها وزر
لو كان ينجى علوّ من بوائقها ... لم تكسف الشمس بل لم يخسف القمر
والكيا: بكسر الكاف وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها ألف. والهرّاسىّ معروف. والكيا بلغة الأعجام: الكبير القدر.
وفيها توفّى أبو يعلى حمزة بن محمد الزّينبىّ أخو الإمام العالم طرّاد. مات فى شهر رجب وله سبع وتسعون سنة.
وفيها توفّى الشيخ الإمام المقرئ أبو الحسين يحيى بن علىّ بن الفرج الخشّاب بمصر. كان عالم مصر ومقرئها.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع.
стр. 1557
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٠٥]
السنة العاشرة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة خمس وخمسمائة.
فيها عزل السلطان محمد شاه بن ملكشاه السلجوقىّ وزيره أحمد بن نظام الملك، وكانت وزارته أربع سنين وأحد عشر شهرا.
وفيها توفّى الشيخ الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالىّ الطّوسىّ الفقيه الشافعىّ. كان إمام عصره. تفقّه على أبى المعالى الجوينىّ حتى برع فى عدّة علوم كثيرة، ودرس وأفتى، وصنّف التصانيف المفيدة فى الأصول والفروع، ودرّس بالنّظاميّة، ثم ترك ذلك كلّه ولبس الخام الغليظ، ولازم الصوم وحجّ وعاد، ثم قدم إلى القدس، وأخذ فى تصنيف كتابه «الإحياء» وتمّمه بدمشق. وله من المصنفات «البسيط» «والوسيط» «والوجيز» وله غير ذلك. وذكره ابن السمعانىّ فى الذيل فقال: ومن شعره:
[الكامل]
حلّت عقارب صدغه فى خدّه ... قمرا يجلّ بها عن التشبيه
ولقد عهدناه يحلّ ببرجها ... ومن العجائب كيف حلّت فيه
وفيها توفّى محمود بن علىّ بن المهنأ بن أبى المكارم الفضل بن عبد القاهر أبو سلامة المعرّىّ القائل فى حق المعرّة لما استولى عليها الفرنج الأبيات التى مرّت فى ترجمة وجيه بن عبد الله فى سنة ثلاث وخمسمائة التى أوّلها:
[الخفيف]
هذه صاح بلدة قد قضى اللّ ... هـ عليها كما ترى بالخراب
وجد والد محمود هذا الفضل بن عبد القاهر هو القائل:
[البسيط]
ليلى وليلى نفى نومى اختلافهما ... بالطّول والطّول يا طوبى لو اعتدلا
يجود بالطّول ليلى كلّما بخلت ... بالطّول ليلى وإن جادت به بخلا
стр. 1558
وفيها توفّى مقاتل بن عطيّة بن مقاتل الأمير شبل الدوله أبو الهيجاء البكرىّ من ولد أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه. قال العماد الكاتب: «كان شبل الدولة من أولاد العرب، وقع بينه وبين إخوته خشونة ففارقهم، وسار إلى خراسان وغزنة ومدح أعيانها، واختصّ بنظام الملك الوزير» . انتهى كلام العماد. قلت وهو الذي رثى نظام الملك بقوله:
[البسيط]
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... نفيسة صاغها الرحمن من شرف
أضحت ولا تعرف الأيّام قيمتها ... فردّها غيرة منه إلى الصّدف
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٠٦]
السنة الحادية عشرة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة ست وخمسمائة.
فيها توفّى محمد بن موسى بن عبد الله اللّامشىّ «١» التركىّ الإمام الفقيه الحنفىّ، مصنّف «أصول الفقه» على مذهب أبى حنيفة رضى الله عنه. كان إماما عالما فقيها مفتنّا. ولى قضاء بيت المقدس مدّة. وكانت وفاته بدمشق فى يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الآخرة. وسمّاه الذهبىّ البلاساغونىّ «٢» الحنفىّ قاضى دمشق عدوّ الشافعيّة.
وفيها توفّى قاضى القضاة أبو العلاء صاعد بن منصور النيسابورىّ الواعظ. كان إماما فقيها عالما واعظا، كان له لسان حلو فى الوعظ.
стр. 1559
وفيها توفّى الشيخ أبو سعد المعمّر بن علىّ [بن المعمّر «١» ] بن أبى عمامة الحنبلىّ الفقيه الواعظ، كان فقيه بغداد وواعظها.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثمانى أذرع وخمس عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإصبعان.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٠٧]
السنة الثانية عشرة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة سبع وخمسمائة.
فيها توفّى إسماعيل بن أحمد بن الحسين بن علىّ بن موسى أبو علىّ البيهقىّ ولد أبى بكر «٢» أحمد صاحب التصانيف. رحل البلاد، ولقى الشيوخ، وسكن خوارزم ودرس بها، ثم عاد إلى بيهق فتوفى بها. وكان إماما فاضلا صدوقا ثقة.
وفيها توفّى الأمير رضوان ابن الأمير تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان بن داود ابن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق السلجوقىّ المنعوت بفخر الملك صاحب حلب.
ملكها بعد قتل أبيه تتش فى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وكان غير مشكور السّيرة.
قتل أخويه أبا طالب وبهرام؛ وقتل خواصّ أبيه. وهو أوّل من بنى بحلب دار الدعوة. وكان ظالما بخيلا شحيحا قبيح السّيرة، ليس فى قلبه رأفة ولا شفقة على المسلمين. وكانت الفرنج تغاور وتسبى وتأخذ من باب حلب ولا يخرج إليهم.
ومرض أمراضا مزمنة، ورأى العبر فى نفسه، حتّى مات فى ثامن عشر جمادى
стр. 1560
الاخرة، وملك بعده ابنه ألب أرسلان وعمره ستّ عشرة سنة، وقام بكفالته لؤلؤ الخادم.
وفيها توفّى محمد بن أحمد بن الحسين أبو بكر الشّاشىّ الفقيه الشافعىّ. ولد سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وكان يعرف بالمستظهرىّ، تفقّه بجماعة وقرأ على ابن الصّبّاغ «١» كتابه «٢» «الشامل» ودرس بالنظاميّة. ومات فى شوّال، ودفن عند أبى إسحاق الشّيرازىّ. وكان كثيرا ما ينشد:
[الوافر]
تعلّم يافتى والعود رطب ... وطينك ليّن والطبع قابل
فحسبك يا فتى شرفا وفخرا ... سكوت الحاضرين وأنت قائل
وفيها توفّى محمد «٣» بن أحمد بن محمد الإمام العلّامة أبو المظفّر الأبيوردىّ، وهو من ولد معاوية بن محمد بن عثمان بن عتبة بن عنبسة بن أبى سفيان صخر بن حرب.
كان عالما بالأنساب وفنون اللغة والآداب، وسمع الحديث ورواه، وصنّف لأبيورد «٤» تاريخا، وصنّف «المختلف والمؤتلف» فى أنساب العرب. وكان له الشعر الرائق.
وكان فيه كبروتيه بحيث إنّه كان إذا صلّى يقول: اللهم ملّكنى مشارق الأرض ومغاربها. وكتب قصّة للخليفة وعلى رأسها «الخادم المعاوىّ» (يريد بذلك نسبه إلى
стр. 1561
معاوية) . فأمر الخليفة بكشط الميم وردّ القصة؛ فبقيت «الخادم العاوى» .
وكانت وفاته بأصبهان. ومن شعره وأجاد إلى الغاية:
[الطويل]
تنكّر لى دهرى ولم يدر أننى ... أعزّ وأحداث الزمان تهون
وظلّ يرينى الخطب كيف اعتداؤه ... وبتّ أريه الصبر كيف يكون
وفيها توفّى الأمير مودود صاحب الموصل. كان قدم الشام لمساعدة الأتابك ظهير الدين طغتكين وكسر الفرنج. وكان مودود هذا يدخل كلّ جمعة فيصلى بجامع دمشق ويتبرّك بمصحف عثمان رضى الله عنه. فدخل على عادته ومعه الأتابك طغتكين يمشى فى خدمته والغلمان حوله بالسيوف مسلّلة؛ فلمّا صار فى صحن الجامع وثب عليه رجل لا يؤبه له، وقرب من مودود هذا كأنّه يدعو له، وضربه بخنجر أسفل سرّته ضربتين، إحداهما نفذت إلى خاصرته، والأخرى إلى فخذه، والسيوف تأخذه من كلّ ناحية؛ وقطع رأسه ليعرف شخصه فما عرف.
ومات مودود من يومه، وكان صائما فلم يفطر، وقال: والله ما ألقى الله إلّا صائما.
وكان من خيار الملوك دينا وشجاعة وخيرا. ولمّا بلغ السلطان محمدا شاه السلجوقىّ موته أقطع الموصل والجزيرة لآق سنقر البرسقىّ، وأمره بتقديم عماد الدين زنكى والرجوع إلى إشارته. وزنكى هذا هو والد الملك العادل نور الدين محمود المعروف بالشهيد، المنشئ «١» لدولة بنى أيوب.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثمانى أذرع وخمس عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإصبعان.
стр. 1562
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٠٨]
السنة الثالثة عشرة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة ثمان وخمسمائة.
فيها واطأ لؤلؤ خادم رضوان على قتل ابن أستاذه ألب أرسلان، ففتكوا به فى قلعة حلب.
وفيها نزل الأمير نجم الدين إيلغازى بن أرتق على حمص، وفيها خيرخان «١» بن قراجا. وكان عادة نجم الدين إذا شرب الخمر وتمكّن منه أقام أيّاما مخمورا لا يفيق، لتدبيره، ولا يستأمر فى أمور. وعرف منه خيرخان هذه العادة فتركه حتّى سكر، فهجم عليه برجاله وهو فى خيمته، فقبض عليه وحمله إلى قلعة حمص وسجنه بها أيّاما، حتى أرسل إليه طغتكين يوبّخه ويلومه فأطلقه.
وفيها هلك بغدوين الفرنجىّ صاحب القدس من جرح أصابه فى وقعة طبريّة، وأراح الله المسلمين منه، ومصيره إلى سقر.
وفيها قتل الأمير أحمديل «٢» الرّوّادى صاحب مراغة «٣» ، قتله باطنىّ ضربه بسكّين فى دار السلطان محمد شاه ببغداد. وكان شجاعا جوادا، وكان يركب فى خمسة آلاف فارس. وكان إقطاعه أربعمائة ألف دينار فى السنة.
وفيها توفّى علىّ بن محمد بن محمد بن محمد بن جهير الصاحب أبو القاسم الوزير ابن الوزير ابن الوزير، وزر لجماعة من الخلفاء غير مرّة. ومات فى سابع عشرين شهر ربيع الأوّل. وكان وزيرا عاقلا حليما سديد الرأى، حسن التدبير والثبات، من بيت رياسة ووزر.
وفيها توفى الشريف الحسيب النسيب أبو القاسم علىّ بن إبراهيم الحسينىّ خطيب دمشق فى شهر ربيع الآخر. وكان فاضلا فصيحا خطيبا.
стр. 1563
وفيها توفّى الحافظ الفقيه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله الخولانىّ القرطبىّ، كان عالم بلاده ومفتيها.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وأربع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٠٩]
السنة الرابعة عشرة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة تسع وخمسمائة.
فيها صالح الأفضل أمير الجيوش مدبّر مملكة الآمر صاحب الترجمة بردويل الفرنجىّ صاحب القدس. وكان بردويل قد أخذ قافلة عظيمة من المسلمين بالسبخة المعروفة الآن بسبخة «١» بردويل. فرأى الأفضل مهادنته لعجزه عنه، وأمر الناس بذلك، وساروا إلى الشام وغيره.
وفيها توفّى علىّ بن جعفر بن القطّاع «٢» أبو القاسم السعدىّ الصقلىّ، من أولاد كبار علماء صقلّية. وقدم مصر ومدح الأفضل أمير الجيوش. وكان شاعرا بارعا.
ومن شعره:
[الطويل]
ألا فليوطّن نفسه كلّ عاشق ... على سبعة محفوفة بغرام
رقيب وواش كاشح ومفنّد ... ملحّ ودمع واكف وسقام «٣»
стр. 1564
وفيها توفّى محمد بن علىّ- وقيل محمد بن محمد- بن صالح الشيخ الأديب أبو يعلى العبّاسىّ المعروف بابن الهبّاريّة «١» الشاعر البغدادىّ. كان فيه إقدام بالهجو على أرباب المناصب. وقدم أصبهان وبها السلطان ملكشاه السلجوقىّ ووزيره نظام الملك حسن الطّوسىّ، فدخل على النظام المذكور ومعه رقعتان، رقعة فيها هجوه والأخرى فيها مدحه؛ فأعطاه التى فيها الهجو يظنّ أنها التى فيها المدح. وكان الهجو:
[الكامل]
لا غرو أن ملك ابن إس ... حاق وساعده القدر
وصفا لدولته وخص ... أبا المحاسن «٢» بالكدر
فالدهر كالدّولاب لي ... س يدور إلّا بالبقر
- وأبو المحاسن الذي أشار إليه كان صهر نظام الملك، وكان بينهما عداوة- فكتب نظام الملك: يصرف لهذا القوّاد رسمه مضاعفا. ثم هجاه بعد ذلك فأهدر دمه. قال العماد الكاتب: كان ابن الهبّاريّة من شعراء نظام الملك، غلب على شعره الهجاء والهزل والسّخف، وسلك فى قالب ابن «٣» حجّاج وفاقه فى الخلاعة والمجون.
ومن شعره أيضا:
[الكامل]
وإذا البيادق فى الدّسوت تفرزنت ... فالرأى أن يتبيدق الفرزان
وإذا النفوس مع الدنوّ تباعدت ... فالحزم أن تتباعد الأبدان
خد جملة البلوى ودع تفصيلها ... ما فى البريّة كلّها إنسان
قلت: وابن الهبّاريّة هذا هو صاحب «الصادح «٤» والباغم» .
стр. 1565
وفيها توفّى الحافظ البارع أبو شجاع شيرويه بن شهردار «١» بن شيرويه الديلمىّ الهمذانى بهمذان. كان إماما حافظا، سمع الكثير ورحل البلاد وحدّث، وكان من أوعية العلم.
وفيها توفّى- فى قول الذهبىّ- الأمير يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس صاحب بلاد المغرب. وقد تقدّم ذكر أبيه وجدّه فى هذا الكتاب. كان ملك بعد أبيه تميم فى سنة اثنتين وخمسمائة إلى أن مات فى هذه السنة ﵀.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وسبع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا سواء.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥١٠]
السنة الخامسة عشرة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة عشر وخمسمائة.
فيها قتل الأمير لؤلؤ الذي كان قتل ابن أستاذه ألب أرسلان. والصحيح أنّه قتل فى الآتية.
وفيها حجّ بالناس أمير الجيوش الجيوشى الحبشىّ المستظهرى العباسىّ، ودخل مكّة وعلى رأسه الأعلام وخلفه الكوسات «٢» والبوقات والسيوف فى ركابه، وقصد بذلك إذلال «٣» أمير مكة والسودان؛ فوقع له بمكة أمور، ولم يقاومه أحد.
стр. 1566
وفيها توفّى محمد بن علىّ بن ميمون الحافظ أبو الغنائم بن النّرسىّ الكوفىّ، محدّث مشهور ويعرف بأبىّ «١» لأنّه كان جيّد القراءة، وسمع الحديث الكثير وسافر البلاد، وختم به علم الحديث بالكوفة. قال محمد بن ناصر: ما رأيت مثل أبى الغنائم فى ثقته «٢» وحفظه، ما كان أحد يقدر أن يدخل فى حديثه ما ليس منه. وعاش ستا وثمانين سنة.
وفيها توفّى محفوظ بن أحمد بن الحسن أبو الخطّاب الكلواذانىّ «٣» الفقيه الحنبلىّ.
تفقّه على القاضى أبى يعلى، وسمع الحديث وحدّث وأفتى ودرّس، وصنّف «الهداية «٤» » وغيرها، وشهد عند قاضى القضاة أبى عبد الله الدّامغانىّ الحنفىّ. وكان فاضلا شاعرا. وله قصيدة «٥» من جنس العقيدة؛ أولها:
[الكامل]
دع عنك تذكار الخليط المنجد ... والشّوق نحو الآنسات الخرّد
والنوح فى أطلال سعدى إنّما ... تذكار سعدى شغل من لم يسعد
وله أيضا من غير هذه القصيدة:
[الوافر]
لئن جار الزمان علىّ حتّى ... رمانى منه فى ضنك وضيق
فإنّى قد خبرت له صروفا ... عرفت بها عدوّي من صديقى
ومات وله ثمان وسبعون سنة.
стр. 1567
وفيها توفى المسند المعمّر أبو بكر عبد الغفّار بن محمد الشّيرويىّ «١» ، مسند نيسابور فى ذى الحجة، وله ستّ وتسعون سنة، ورحل إليه الناس من الأقطار.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وتسع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥١١]
السنة السادسة عشرة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
فيها زلزلت بغداد يوم عرفة زلزلة عظيمة ارتجّت لها الدنيا؛ فكانت الحيطان تذهب وتجىء، ووقع الدّور على أهلها فمات تحتها خلق كثير. ثم كان عقبها موت السلطان محمد شاه السّلجوقى، ثم موت الخليفة المستظهر العباسىّ فى السنة الآتية، وحارب دبيس بن مزيد الخليفة المسترشد بالله، وغلت الأسعار حتى بلغ الكرّ القمح أو الدقيق ثلثمائة دينار، وفقد أصلا، ومات الناس جوعا، وأكلوا الكلاب والسنانير. ثم جاء سيل عظيم فأخرب سنجار «٢» . قال ذلك صاحب مرآة الزمان.
وفيها نزل آق سنقر البرسقى على حلب وبها يارقتاش «٣» الخادم بعد لؤلؤ، فحاصرها فلم يظفر منه بطائل، وعاد إلى الموصل.
стр. 1568
وفيها توفّى محمد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان أبو علىّ الكاتب سبط هلال ابن المحسّن الصابئ المقدّم ذكره، مات فى شوّال ودفن بداره بالكرخ. وكان فاضلا فصيحا شاعرا، إلّا أنّه كان شيعيّا رافضيّا. ومن شعره:
[السريع]
لى أجل قدّره خالقى ... نعم ورزق أتوفّاه
حتّى إذا استوفيت منه الذي ... قدّر لى لم أتعدّاه
وفيها توفّى السلطان محمد شاه ابن السلطان ملكشاه ابن السلطان ألب أرسلان ابن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق، أبو شجاع غياث الدين السّلجوقىّ. كان ملكا عادلا مهيبا شجاعا كريما. خرج فى السنة الماضية إلى أصبهان، فمرض بها مرضا طال به إلى أن مات فى حادى عشر ذى الحجّة، وعمره سبع وثلاثون سنة، ومدّة ملكه بعد وفاة أخيه بركياروق اثنتا عشرة سنة. وخلّف خمسة أولاد: مسعودا ومحمودا وطغرل وسليمان وسلجوق. وولى السلطنة من بعده ولده محمود.
وفيها توفّى يمن بن عبد الله الخادم أبو الخير الحبشى خادم المستظهر العباسىّ.
كان مهيبا جوادا حسن التدبير ذا رأى وفطنة، مات بأصبهان.
وفيها توفّى المحدّث الفاضل أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر [ابن محمد «١» ] بن يوسف راوى سنن الدّار قطنىّ. كان من كبار المحدّثين.
وفيها توفّى الشيخ الإمام الفقيه الواعظ الحافظ أبو زكرياء يحيى بن عبد الوهاب ابن مندة «٢» بأصبهان. سمع الكثير ورحل البلاد وبرع فى فنون وحدّث، وروى عنه غير واحد.
стр. 1569
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع واثنتا عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥١٢]
السنة السابعة عشرة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة اثنتى عشرة وخمسمائة.
فيها فى يوم الجمعة ثالث عشرين المحرّم خطب ببغداد لمحمود بن محمد شاه السلجوقىّ بعد موت أبيه على المنابر.
وفيها توفّى الخليفة أمير المؤمنين المستظهر بالله أبو العبّاس أحمد ابن الخليفة المقتدى بالله أبى القاسم عبد الله ابن الأمير محمد الذخيرة ابن الخليفة القائم بأمر الله أبى جعفر عبد الله ابن الخليفة القادر بالله أحمد ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة المقتدر بالله جعفر ابن الخليفة المعتضد بالله أبى العباس أحمد ابن الأمير الموفّق طلحة ابن الخليفة المتوكّل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد بالله هارون ابن الخليفة المهدىّ بالله محمد ابن الخليفة أبى جعفر المنصور بن محمد بن علىّ ابن عبد الله بن عبّاس العبّاسىّ الهاشمىّ البغدادىّ. وأمّه أمّ ولد تركيّة تسمّى الطن «١» .
بويع بالخلافة بعد موت أبيه المقتدى بالله فى ثامن عشر المحرّم سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وعمره سبع عشرة سنة وشهران. وكان ميمون الطّلعة حميد الأيّام. قال ابن الأثير: كان ليّن الجانب، كريم الأخلاق، يسارع فى أعمال البرّ، وكانت أيّامه أيّام سرور للرعيّة، فكأنّها من حسنها أعياد. وكان حسن الخطّ جيّد
стр. 1570
التوقيعات لا يقار به فيها أحد، تدلّ على فضل غزير وعلم واسع. ومات بعلّة التّراقى وهى دمّل يطلع فى الحلق. ومن شعره:
[البسيط]
أذاب حرّ الهوى فى القلب ما جمدا ... يوم «١» مددت إلى رسم الوداع يدا
وكيف أسلك «٢» نهج الاصطبار وقد ... أرى طرائق فى مهوى الهوى قددا
وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة وأيّاما. ولم تصف له الخلافة، بل كانت أيّامه مضطربة كثيرة الحروب. وتولّى الخلافة من بعده ابنه المسترشد.
وفيها خرجت والدة السلطان محمود بن محمد شاه من أصبهان إلى السلطان سنجر شاه، فلقيها ببلخ فأكرمها. فقالت له: أدرك ابن أخيك وإلّا تلف، فإنّ الأموال قد تمزّقت، والبلاد قد أشرفت على الأخذ، وهو صبىّ وحوله من يلعب بالملك. فقال لها: سمعا وطاعة. وكان وزير محمود ومدبّر مملكته أبو القاسم، وكان سيئ التدبير ظالما، وكان يخاف من مجىء سنجر شاه المذكور إلى البلاد؛ فأنفق ما فى خزائن محمد شاه فى أربعة أشهر، وباع الجواهر [والأثاث] وأنفقه «٣» فى العساكر فلم يفده ذلك، على ما سيأتى ذكره.
وفيها توفّى بكر بن محمد بن علىّ بن الفضل بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم، الإمام الفقيه الحافظ المحدّث أبو الفضل الأنصارىّ الزّرنجرىّ- وزرنجر: قرية على خمسة فراسخ من بخارى- سمع الحديث الكثير من جماعة كثيرة، وتفرّد بالرواية عن جماعة منهم، لم يحدّث عنهم غيره. وكان بارعا فى الفقه يضرب به المثل، ويقولون: هو أبو حنيفة الصغير. وكان إذا طلب منه أحد من المتفقهة الدرس ألقى
стр. 1571
عليه من أىّ موضع أراد من غير مطالعة ولا نظر فى كتاب، وكان إذا أشكل على الفقهاء شىء رجعوا إلى قوله ونقله.
وفيها توفّى الحسين بن محمد بن علىّ بن الحسن الإمام العلّامة أبو طالب الزينبىّ الحنفىّ فريد عصره. ولد سنة عشرين وأربعمائة، وقرأ القرآن وسمع الحديث وبرع فى الفقه وأفتى ودرّس. انتهت إليه رياسة السادة الحنفيّة فى زمانه ببغداد، ولقّب بنور الهدى. وترسّل إلى ملوك الأطراف من قبل الخليفة، وولى نقابة الطالبيّين والعباسيّين. وكان شريف النفس والحسب، كثير العلم جليل القدر.
ومات يوم الاثنين حادى عشر صفر، وصلّى عليه ابنه القاسم، وحمل إلى قبّة أبى حنيفة فدفن داخل القبّة، وله اثنتان وتسعون سنة. وكان سمع من غيلان وغيره، وانفرد ببغداد بروايته صحيح البخارىّ عن كريمة بنت «١» أحمد.
وفيها توفّى محمد بن عتيق بن محمد التميمىّ القيروانىّ. قدم الشام مجتازا إلى العراق. وكان يقرئ علم الكلام بالنّظاميّة، وكان يحفظ كتاب سيبويه. وسمع يوما قائلا ينشد أبيات أبى العلاء المعرّى:
[الطويل]
ضحكنا وكان الضّحك منّا سفاهة ... وحقّ لسكّان البسيطة أن يبكوا
وتحطمنا الأيّام حتّى كأنّنا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
فقال مجيبا:
كذبت وبيت الله حلفة صادق ... سيسبكنا بعد النّوى من له الملك
ونرجع أجساما صحاحا سليمة ... تعارف فى الفردوس ما عندنا شكّ
стр. 1572
وفيها توفّى أبو الفضل «١» بن الخازن الشاعر المشهور. كان ديّنا فاضلا شاعرا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وأربع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥١٣]
السنة الثامنة عشرة من ولاية الامر منصور على مصر وهى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
فيها قدم السلطان سنجر شاه السلجوقىّ الرىّ وملكها؛ واصطلح مع ابن أخيه محمود بن محمد شاه بعد حروب، وزوّجه ابنته، وأقرّه على ملكه.
وفيها وقعت المباينة بين الآمر خليفة مصر (أعنى صاحب الترجمة) وبين مدبّر مملكته الأفضل بن أمير الجيوش؛ واحتجب الآمر عنه وتعلّل بمرض.
واجتهد الأفضل أن يغتاله بالسمّ فلم يقدر، ودسّ إليه السمّ مرارا فلم يصل إليه.
وكان للآمر قهرمانة كاتبة فاضلة تعرف أنواع العلوم: الطب والنجوم والموسيقى، حتّى كانت تعمل التحويلات وتحكم على الحوادث، فاحترزت على الآمر؛ ولم تزل تدبّر على الأفضل بن أمير الجيوش حتى قتل، حسب ما يأتى ذكره.
قال ابن القلانسىّ: وفيها ظهرت صور الأنبياء ﵈: الخليل وولديه إسحاق ويعقوب «٢» - صلوات الله عليهم- وهم مجتمعون فى مغارة بأرض بيت المقدس، وكأنّهم أحياء لم يبل لهم جسد ولا رمّ لهم عظم، وعليهم قناديل من ذهب وفضّة معلّقة، فسدّوا باب المغارة وأبقوا على حالهم.
стр. 1573
وفيها توفّى علىّ بن محمد بن علىّ بن محمد بن الحسن بن عبد الملك بن حمّويه قاضى القضاة أبو الحسن الدامغانىّ الحنفىّ. ولد فى رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وقلّد القضاء وهو ابن ستّ عشرة سنة بعد موت أبيه؛ وولى القضاء لأربعة خلفاء. وهذا لم يقع لغيره إلّا للقاضى شريح. وأمّا القاضى أبو طاهر محمد ابن أحمد الكوفىّ فذاك ولى لخمسة خلفاء.
قلت: الشيء بالشيء يذكر؛ وهذا قاضى قضاة زماننا، جلال الدين عبد الرحمن بن عمر البلقينىّ، ولى القضاء لستة سلاطين: الناصر فرج، والمنصور عبد العزيز ابنى الظاهر برقوق، والخليفة المستعين بالله العباسى، والمؤيّد شيخ، وابنه المظفّر أحمد، والظاهر ططر. ووقع مثل هذا كثير فى آخر الزمان؛ والمقصود غير ذلك. وكان الدامغانىّ إماما عالما عفيفا ديّنا معظّما عند الخلفاء والملوك. وناب عن الوزارة، وانفرد بأخذ البيعة للخليفة المسترشد. وكان ذا مروءة وصدقات وإحسان، ومعرفة بصناعتى القضاء والشروط. ومات ليلة رابع عشر المحرّم، ودفن فى مشهد أبى حنيفة- رضى الله عنه- وعاش ثلاثا وستين سنة وأشهرا.
ولى القضاء منها تسعا وعشرين سنة وخمسة أيّام. وسمع الحديث من القاضى أبى يعلى الفرّاء والخطيب وغيرهما، وكان صدوقا ثقة.
وفيها توفّى الإمام العلّامة أبو الوفاء علىّ بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادىّ الحنبلىّ شيخ الحنابلة فى عصره. كان إماما عالما صالحا مفتنّا؛ ومات ببغداد وله اثنتان وثمانون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ست أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وسبع أصابع.
стр. 1574
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥١٤]
السنة التاسعة عشرة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة أربع عشرة وخمسمائة.
فيها خطب ببغداد لسنجر شاه السلجوقىّ ولابن أخيه محمود بن محمد شاه جميعا فى المحرّم، ولقب سنجر شاه بالسلطان عضد الدولة، ومحمود بجلال الدولة.
وفيها توفّى الحسين «١» بن علىّ بن محمد الإمام العلّامة مؤيّد الدين الطّغرائىّ الكاتب وزير السلطان محمود بن محمد شاه السلجوقىّ، المقدّم ذكره، والطغرائى هذا جدّ محمد بن الحسين وزير الظاهر غازى ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. وكان السلطان محمود نسب خروج أخيه مسعود عليه إلى الطّغرائىّ فقتله.
وقال الذهبىّ: وزير السلطان مسعود قتل فى المصافّ بين مسعود وأخيه محمود.
وكان أفصح الفصحاء، وأفضل الفضلاء، وأمثل العلماء؛ وهو صاحب «لاميّة العجم» ، وديوانه مشهور بأيدى الناس. ومن شعره يمدح الوزير نظام الملك على قافيتين «٢» :
[الكامل]
يا أيّها المولى الذي اص ... طنع الورى، شرقا وغربا
والقصيدة كلها على هذا المنوال.
стр. 1575
ومن شعره أيضا:
[السريع]
قوموا إلى لذّاتكم يا نيام ... ونبّهوا العود وصفّوا المدام
هذا هلال الفطر قد جاءنا ... بمنجل يحصد شهر الصيام
وفيها توفى الحافظ أبو منصور محمود بن إسماعيل الأشقر الأصبهانىّ عالم أصبهان ومحدّثها، مات فى ذى القعدة.
وفيها توفّى الشيخ الإمام المقرئ أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع الأندلسىّ المرىّ «١» المقرئ المجوّد. كان رأسا فى علوم القرآن، وأفاد وأقرأسنين.
وفيها توفّى الشيخ أبو الحسن علىّ بن الحسن بن الموازينىّ العالم المحدّث المشهور.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم تسع أذرع واثنتا عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإصبع واحدة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥١٥]
السنة العشرون من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة خمس عشرة وخمسمائة.
فيها كتب الخليفة المسترشد بالله العباسىّ والسلطان محمود بن محمد شاه السلجوقىّ إلى إيلغارى يأمرانه بإبعاد بيس بن صدقة، وفسخ الكتاب الذي عقده له على ابنته.
стр. 1576
وفيها توفّى عبد الرزّاق بن عبد الله بن علىّ بن إسحاق الطوسىّ ابن أخى نظام الملك. كان فاضلا، تفقّه على أبى المعالى الجوينىّ، وأفتى وناظر، ووزر للسلطان سنجر شاه السلجوقىّ. ومات بنيسابور.
وفيها توفّى محمد بن محمد بن عبد العزيز أبو علىّ بن المهتدى الخطيب. كان فاضلا، شهد عند القاضى أبى عبد الله الدامغانىّ الحنفىّ، وكان ظريفا صالحا ديّنا.
ومات فى شوّال، ودفن بباب حرب من بغداد.
وفيها قتل الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش أبو القاسم بن أمير الجيوش بدر الجمالىّ الأرمنىّ وزير مصر ومدبّر ممالكها. ولى مملكة مصر بعد موت أبيه بدر الجمالىّ فى أيّام المستعلى إلى أن مات المستعلى؛ فأقام الأفضل هذه ولده مكانه فى الخلافة، ولقّبه بالآمر (أعنى صاحب الترجمة) ودبّر دولته وحجر عليه. وكان الخليفة المستنصر جدّ الآمر هذا وولده المستعلى والد الآمر كلاهما أيضا تحت حجر بدر الجمالى والد الأفضل هذا. فلمّا ملك الأفضل سار على سيرة أبيه مع الخلفاء من الحجر والتضييق عليهم. وزاد الأفضل هذا فى حقّ الآمر صاحب الترجمة حتّى إنّه منعه من شهواته، وأراد قتله بالسّم. فحمله ذلك على قتله، واتّفق الآمر مع جماعة، وكان الأفضل يسكن بمصر؛ فلمّا ركب فى غير موكب وثبوا عليه وقتلوه فى سلخ شهر رمضان بعد أمور وقعت. وخلّف الأفضل من الأموال والنقود والقماش والمواشى ما يستحيا من ذكره كثرة. وقد ذكرنا ذلك فى «كتاب الوزراء» وهو محلّ الإطناب فى الوزراء، وليس لذكره هنا محلّ. والمقصود فى هذا الكتاب تراجم ملوك مصر لا غير، وما عدا ذلك يكون على سبيل الاستطراد.
قال ابن الأثير: كانت ولايته (يعنى الأفضل) ثمانيا وعشرين سنة، وكان حسن السيرة عادلا. ثم أخذ فى تعداد أمواله.
стр. 1577
وفيها توفّى الإمام الحافظ المحدّث أبو محمد الحسين بن مسعود البغوىّ المعروف بابن الفرّاء. كان إماما حافظا، رحل إلى البلاد وسمع الكثير وحدّث وألّف وصنّف. وكان يقال له محيى السنة. ومات فى شوّال.
وفيها توفّى الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن عمر «١» السّمرقندىّ الإمام الحافظ المشهور. سمع الكثير وروى عنه غير واحد، وكان صدوقا ثقة دينّا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع، وقيل: خمس أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥١٦]
السنة الحادية والعشرون من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة ست عشرة وخمسمائة.
فيها كانت وقعة عظيمة بين الأمير إيلغازى بن أرتق صاحب ماردين وبين الكفّار على تفليس، فعاد مريضا فمات بعد أيّام.
ذكر وفاته- هو نجم الدين إيلغازى بن أرتق صاحب ماردين وديار بكر وحلب، وهو ثالث من ظهر أمره من ملوك بنى أرتق الأعيان. وكان ملكا شجاعا جوادا، له غزوات ومواقف مشهورة مع الفرنج. وكانت وفاته فى هذه السنة عند عوده من تفليس بميافارقين فى شهر رمضان. وذكر الذهبىّ وفاته فى الخالية؛ والأصحّ ما قلناه؛ فإنّه عاد إلى ميّافارقين مريضا، فنزل بظاهرها ومعه زوجته الخاتون بنت الأمير ظهير الدين طغتكين صاحب دمشق؛ فمات يوم الخميس سابع عشر شهر
стр. 1578
رمضان فى قرية تعرف بالفحول؛ فحمل تابوته إلى ميّافارقين. وكان عنده ابنه شمس الدولة سليمان فاستولى على ميّافارقين؛ واستولى ابنه الآخر حسام الدولة تمرتاش «١» على ماردين.
وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان أبو محمد والد أبى اليسر شاكر التنوخىّ المعرّىّ. ولد بالمعرّة، وقرأ الأدب، وقال الشعر.
ومن شعره:
[الكامل]
يا من تنكّب قوسه وسهامه ... وله من اللّحظ السقيم سيوف
يغنيك عن حمل السلاح إلى العدا ... أجفانك المرضى وهنّ حتوف
وفيها توفّى عبد الله بن يحيى بن البهلول الأندلسىّ. كان أصله من مدينة سر قسطة من الغرب، وكان فاضلا أديبا شاعرا. ومن شعره قوله: [الطويل]
ولست بمن يبغى على الشعر رشوة ... أبّى ذاك لى جدّ كريم ووالد
وإنّى من قوم قديما ومحدثا ... تباع عليهم بالألوف القصائد
وفيها توفّى الحسين بن مسعود بن محمد الشيخ الإمام العلّامة أبو محمد البغوىّ الشافعىّ المعروف بابن الفرّاء، الفقيه المحدّث المفسر. وقد تقدّم ذكر وفاته فى الماضية. والصحيح أنّه مات فى هذه السنة. وهو مصنّف «شرح السنّة» و «معالم التنزيل» و «المصابيح» وكتاب «التهذيب فى الفقه» «والجمع بين الصحيحين» . وكان أبوه يعمل الفراء ويبيعها. ومات بمرو الرّوذ فى شوّال.
стр. 1579
وفيها توفّى عبد الرحمن بن أبى بكر عتيق بن خلف أبو القاسم الصّقلّىّ المقرئ المجوّد المعروف بابن الفحّام، مصنّف «التجريد «١» » فى القراءات السبع. كان من كبار شيوخ القرّاء، سكن الإسكندريّة، وقصده الناس من النواحى لعلوّ إسناده وإتقانه.
وفيها توفّى القاسم بن علىّ بن محمد بن عثمان الشيخ الإمام العلّامة الأديب اللغوىّ النحوىّ أبو محمد البصرىّ الحرامىّ الحريرىّ، مصنّف «المقامات» . كان يسكن بنى حرام «٢» أحد محالّ البصرة مما يلى الشطّ. مولده ومرباه بقرية المشان «٣» من أعمال البصرة فى حدود سنة ستّ وأربعين وأربعمائة، وكان أحد أئمة عصره فى الأدب والبلاغة والفصاحة، وله مصنّفات كثيرة، منها كتاب «المقامات» الذي لا نظير له فى معناه، وقد سلك فيه منوال بديع الزمان صاحب المقامات الذي عملها قبل الحريرىّ؛ وقد تقدّم ذكره فى هذا الكتاب فى محلّه. وفى مقامات الحريرى هذا يقول إمام الدنيا محمود الزمخشرىّ:
[السريع]
أقسم بالله وآياته ... ومعشر الحجّ وميقاته
إنّ الحريرى حرىّ بأن ... نكتب بالتّبر مقاماته
ومن شعر الحريرىّ:
[البسيط]
لا تخطونّ إلى خطء ولا خطأ ... من بعد ما الشيب فى فوديك قد وخطا
وأىّ عذر لمن شابت ذوائبه ... إذا سعى فى ميادين الصّبا وخطا
وقد أرّخ الذهبىّ وفاته فى السنة الماضية. والله أعلم
стр. 1580
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ست أذرع وست وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وثلاث أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥١٧]
السنة الثانية والعشرون من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة سبع عشرة وخمسمائة.
فيها قبض السلطان محمود السلجوقىّ على وزيره عثمان بن نظام الملك، وبعث الخليفة بعزل أخيه أحمد عن وزارته. فبلغ أحمد فانقطع عن الديوان.
وفيها سار الأمير نور الدولة بلك [بن بهرام «١» ] بن أرتق إلى غزو مدينة الرّهاء فى شهر رجب.
وفيها توفّى الأمير الحاجب فيروز شحنة دمشق. وكان أميرا صالحا ديّنا، وله آثار جميلة بدمشق وغيرها.
وفيها توفّى أحمد بن محمد بن علىّ أبو عبد الله بن الخيّاط التغلبىّ الدمشقىّ الكاتب الشاعر المجيد، طاف البلاد ومدح الأكابر والملوك؛ قيل: إنّه دخل حلب فى حداثة سنّه، فقصد دار أبى الفتيان بن حيّوس الشاعر وقد أسنّ، قال: فدخلت عليه؛ فقال: من أين أنت؟ فقلت: من دمشق. فقال: ما صناعتك؟ قلت: الشعر.
قال: فأنشدنى من شعرك. فأنشدته قولى:
[الكامل]
لم يبق عندى ما يباع بحبّة ... وكفاك شاهد منظرى عن مخبرى
إلّا صبابة ماء وجه صنتها ... من أن تباع وأين أين المشترى
следующие страницы →