Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
وكم من مسجد جعلوه ديرا ... على محرابه نصب الصليب
دم الخنزير فيه لهم خلوق ... وتحريق المصاحف فيه طيب
أمور لو تأملهنّ طفل ... لطفّل «١» فى عوارضه المشيب
أتسبى المسلمات بكلّ ثغر ... وعيش المسلمين إذا يطيب
أمّا لله والإسلام حقّ ... يدافع عنه شبّان وشيب
فقل لذوى البصائر حيث كانوا ... أجيبوا الله ويحكم أجيبوا
وقال الناس فى هذا المعنى عدّة مراث. والمقصود أنّ القاضى ورفقته عادوا من بغداد إلى الشام بغير نجدة. ولا قوة إلّا بالله!. ثم إنّ الأفضل بن أمير الجيوش جهّز من مصر جيشا كثيفا وعليه سعد الدولة القواسىّ فى سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، فخرج سعد الدولة المذكور من مصر بعسكره فالتقى مع الفرنج بعسقلان؛ ووقف سعد الدولة فى القلب، فقاتل قتالا شديدا، فكبا به فرسه فقتل. وثبت المسلمون بعد قتله وحملوا على الفرنج فهزموهم إلى قيسارية «٢» . فيقال: إنّهم قتلوا من الفرنج ثلثمائة ألف، ولم يقتل من المسلمين سوى مقدّم عسكرهم سعد الدولة القواسىّ المذكور ونفر يسير. قاله صاحب مرآة الزمان. وقال الذهبىّ فى تاريخه: هذه مجازفة عظيمة (يعنى كونه قال قتل ثلثمائة ألف من الفرنج) . انتهى. قلت: ومن يومئذ بدأت الفرنج فى أخذ السواحل حتّى استولوا على الساحل الشامى بأجمعه إلى أن استولت الدولة الأيوبيّة والتركيّة واسترجعوها شيئا بعد شىء، حسب ما يأتى ذكره إن شاء الله فى هذا الكتاب.
стр. 1507
ومات المستعلى صاحب الترجمة فى يوم الثلاثاء تاسع صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وقيل: فى ثالث عشر صفر، والأوّل أشهر. ومات وله سبع وعشرون سنة، وكانت خلافته سبع سنين وشهرين وأياما. وتولّى الخلافة بعده ابنه الآمر بأحكام الله منصور. وكان المتصرّف فى دولته وزيره الأفضل سيف الإسلام شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالىّ. فانتظمت أحوال مصر بتدبيره؛ واشتغل بها عن السواحل الشاميّة حتى استولت الفرنج على غالبها؛ وندم على ذلك حين لا ينفع الندم.
وكان المستعلى حسن الطريقة فى الرعيّة، جميل السيرة فى كافّة الأجناد، ملازما لقصره كعادة أبيه، مكتفيا بالأفضل فيما يريده، إلا أنّه كان مع تقاعده عن الجهاد وتهاونه فى أخذ البلاد متغاليا فى الرّفض والتشيّع؛ كان يقع منه الأمور الشنيعة فى مأتم عاشوراء، وببالغ فى النّوح والمأتم، ويأمر الناس بلبس المسوح وغلق الحوانيت واللطم والبكاء زيادة عما كان يفعله آباؤه، مع أنّ الجميع رافضة، ولكنّ التفاوت نوع آخر.
وأما الذي كان يفعله آباؤه وأجداده من النّوح فى يوم عاشوراء والحزن وترتيبه، فإذا كان يوم العاشر من المحرّم احتجب الخليفة عن الناس، فإذا علا النهار ركب قاضى القضاة والشهود وقد غيروا زيّهم ولبسوا قماش الحزن، ثم صاروا إلى المشهد الحسينىّ بالقاهرة- وكان قبل ذلك يعمل المأتم بالجامع الأزهر- فإذا جلسوا فيه بمن معهم من الأمراء والأعيان وقرّاء الحضرة والمتصدّرين فى الجوامع، جاء الوزير فجلس صدرا، والقاضى وداعى الدّعاة من جانبيه، والقرّاء يقرءون نوبة بنوبة، ثم ينشد قوم من الشعراء غير شعراء الخليفة أشعارا يرثون بها الحسن والحسين وأهل البيت، وتصيح الناس بالضجيج والبكاء والعويل- فإن كان الوزير رافضيّا على
стр. 1508
مذهب القوم تغالوا فى ذلك وأمعنوا، وإن كان الوزير سنّيّا اقتصروا- ولا يزالون كذلك حتّى تمضى ثلاث ساعات، فيستدعون إلى القصر عند الخليفة بنقباء الرسائل؛ فيركب الوزير وهو بمنديل صغير إلى داره، ويدخل قاضى القضاة والداعى ومن معهما إلى باب الذهب (أحد أبواب القصر) فيجدون الدّهاليز قد فرشت مساطبها بالحصر والبسط «١» ، وينصب فى الأماكن الخالية الدكك لتلحق بالمساطب وتفرش؛ ويجدون صاحب الباب جالسا هناك، فيجلس القاضى والداعى إلى جانبه والناس على اختلاف طبقاتهم؛ فيقرأ القرّاء وينشد المنشدون أيضا. ثم يفرش وسط القاعة بالحصر المقلوبة (ليس على وجوهها، وإنما تخالف مفارشها) ؛ ثمّ يفرش عليها سماط الحزن مقدار ألف زبدية من العدس والملوحات والمخلّلات والأجبان والألبان الساذجة والأعسال النّحل والفطير والخبز المغيّر لونه بالقصد لأجل الحزن. فإذا قرب الظهر وقف صاحب الباب وصاحب المائدة (يعنى الحاجب والمشدّ) وأدخل الناس للأكل من السّماط. فيدخل القاضى والداعى ويجلس صاحب الباب ببابه؛ ومن الناس من لا يدخل من شدّة الحزن، فلا يلزم أحد بالدخول. فإذا فرغ القوم انفصلوا إلى مكانهم ركبانا بذلك [الزىّ «٢» ] الذي ظهروا فيه من قماش الحزن. وطاف النّوّاح بالقاهرة فى ذلك اليوم، وأغلق البيّاعون حوانيتهم إلى بعد العصر، والنّوح قائم بجميع شوارع القاهرة وأزقّتها. فإذا فات العصر يفتح الناس دكاكينهم ويتصرّفون فى بيعهم وشرائهم؛ فكان [ذلك] دأب الخلفاء الفاطميّين من أولهم المعزّ لدين الله معدّ إلى آخرهم العاضد عبد الله. انتهت ترجمة المستعلى. ويأتى بعض أخباره أيضا فى السنين المتعلّقة به على سبيل الاختصار، كما هو عادة هذا الكتاب.
стр. 1509
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٨٨]
السنة الأولى من ولاية المستعلى أحمد على مصر وهى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
فيها اصطلح أهل السّنة والرافضة ببغداد وعملوا الدعوات ودخل بعضهم إلى بعض.
وفيها قتل تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق أبو سعيد السلجوقىّ أخو السلطان ملكشاه. كان أوّلا فى المشرق، فاستنجده أتسز الخوارزمىّ صاحب الشام فقدم دمشق، وقتل أتسز المذكور واستولى على الشام، وامتدّت أيّامه. وهو الذي قتل آق سنقر وبوزان، ثمّ خالف على ابن أخيه بركيا روق بن ملكشاه، ووقع بينهما أمور آخرها فى هذه السنة؛ كانت بينهما وقعة هائلة على الرّىّ. وكان لمّا قتل آق سنقر وبوزان أخذ جماعة من أمرائهما فقتلتهم بين يديه؛ وكان بكجور من أكابر الأمراء، فقتل أولاده بين يديه صبرا، وهرب بكجور إلى بركيا روق. فلمّا انتصر على الرّىّ جاء بكجور إلى السلطان بركياروق وهو يبكى، فقال: قد قتل عمّك أولادى وأنا قاتله بأولادى؛ فقال:
افعل. وكان تش قد وقف بالقلب مقابل ابن أخيه السلطان بركياروق، فقصده الأمير بكجور المذكور وطعنه فألقاه عن فرسه؛ فنزل سنقرجه- وكان أيضا صاحب ثار- فحزّ رأسه، وقيل؛ رماه مملوك بوزان بسهم فى ظهره فوقع منه، وانهزم أصحابه؛ وطيف برأسه. وأسر وزيره فخر الملك علىّ بن نظام الملك، فعفا عنه السلطان بركياروق لأجل أخيه وزيره مؤيّد الملك بن نظام الملك. قلت: كان مؤيّد الملك وزير بركياروق، وفخر الملك وزير تتش، وهما ابنا نظام الملك. ثم وقع أيضا لأولاد تاج الدولة تتش هذا أمور وفتن بعد موت أبيهم؛ وهم رضوان وإخوته، على ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 1510
وفيها توفّى عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار أبو يوسف القزوينىّ شيخ المعتزلة. كان إماما فى فنون، فسّر القرآن فى سبعمائة مجلّد- وقيل فى أربعمائة، وقيل ثلثمائة- وكان الكتاب وقفا فى مشهد أبى حنيفة رضى الله عنه. وكان رحل إلى مصر وأقام بها أربعين سنة. وكان محترما فى الدول، ظريفا، حسن العشرة، صاحب نادرة. قيل: إنّه دخل على نظام الملك الوزير وكان عنده أبو محمد التميمىّ ورجل آخر أشعرىّ، فقال له القزوينىّ: أيّها الصدر قد اجتمع عندك رءوس أهل النار.
قال نظام الملك: وكيف ذلك؟ قال: أنا معتزلىّ، وهذا مشبّه (يعنى التميمىّ) وذلك أشعرىّ، وبعضنا يكفّر بعضا؛ فضحك النظام. وقيل: إنّه اجتمع مع ابن البراج متكلّم الشّيعة، فقال له ابن البراج: ما تقول فى الشيخين؟ فقال: سفلتين ساقطين. قال: من تعنى؟ قال: أنا وأنت. وكانت وفاة القزوينىّ هذا فى ذى القعدة، وقد بلغ ستّا وتسعين سنة، ودفن بمقابر الخيزران عند أبى حنيفة، رضى الله عنه.
وفيها توفّى محمد بن فتوح بن عبد الله بن حميد أبو عبد الله بن أبى نصر الحميدىّ الأندلسىّ. كان من جزيرة «١» ميورقة. ولد قبيل الأربعمائة، وسمع الكثير ورحل إلى الأقطار ثم استوطن بغداد. وكان مختصّا بصحبة ابن حزم الظاهرىّ، وحمل عنه أكثر كتبه. قال ابن ماكولا: «صديقنا أبو عبد الله الحميدىّ من أهل العلم والفضل، ورد بغداد وسمع أصحاب الدارقطنىّ وابن شاهين وغيرهم، وسمع منه خلق كثير، وصنّف «تاريخ الأندلس» ، ولم أر مثله فى عفّته ونزاهته» .
стр. 1511
وفيها توفّى منصور [بن نظام «١» الدين] بن نصر الدولة بن مروان صاحب ميّافارقين، وكان استولى على الجزيرة فمات بها، فحمل إلى آمد فدفن بقبّة بنتها له زوجته ستّ الناس بنت عميد «٢» الأمّة. وأوّل ولاية بنى مروان لديار بكر فى سنة ثمانين وثلثمائة، واستولى الوزير ابن جهير على بلادهم سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ومات منصور فى هذه السنة. فكانت ولايتهم نيّفا ومائة سنة. وأعيان ملوكهم أوّلهم پاد الكردىّ، وبعده مروان وهو جدّهم، ثم بعده ولده أحمد، ثم بعده ولده نظام الدين ثم ولداه «٣» سعيد ومنصور هذا.
وفيها توفى محمد بن عبّاد بن محمد بن إسماعيل بن قريش السلطان المعتمد على الله أبو القاسم ابن السلطان المعتضد بالله أبى عمرو ابن الفقيه قاضى إشبيلية ثم سلطانها الظافر ابن المؤيّد بالله أبى العباس بن أبى الوليد اللّحمىّ، من ولد النّعمان بن المنذر صاحب الحيرة. كان المعتمد هذا صاحب إشبيلية وقرطبة. وأصلهم من بلد العريش «٤» التى كانت فى أوّل رمل مصر. وكان المعتمد عالما ذكيا شاعرا عادلا فى الرعيّة، كان من محاسن الدنيا.
стр. 1512
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٨٩]
السنة الثانية من ولاية المستعلى أحمد على مصر وهى سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
فيها حكم المنجّمون بأن يكون طوفان مثل طوفان نوح ﵇. فسأل الخليفة ابن عيسون المنجّم، فقال: أخطأ المنجّمون، طوفان نوح قد اجتمع فى برج الحوت الطوالع السبعة، والآن قد اجتمع فيه ستة، زحل لم يجتمع معها؛ ولكنّى أقول: إنّ بقعة من البقاع يجتمع بها عالم من بلاد كثيرة فيغرقون. فقيل:
ما ثمّ أكبر من بغداد، ويجتمع فيها ما لا يجتمع فى غيرها، وربّما كانت هى؛ فقال ابن عيسون: لا أدرى غير ما قلت. فأمر الخليفة بإحكام المسنّيات «١» وسدّ الفروج، وكان الناس يتوقّعون الغرق؛ فوصل الخبر بأن الحاج نزلوا فى واد عند نخلة «٢» ، فأتاهم سيل عظيم وأخذ الجميع بالجمال «٣» والرجال، وما نجا منهم إلّا من تعلّق برءوس الجبال. فخلع الخليفة على ابن عيسون وأجرى له الجراية وأمن الناس.
وفيها ورد كتاب المستعلى صاحب مصر وكتاب وزيره الأفضل أمير الجيوش إلى رضوان بن تتش السلجوقىّ بالدخول فى الطاعة. فأجاب وخطب للمستعلى صاحب الترجمة.
стр. 1513
وفيها خرج العسكر المصرىّ إلى الساحل ونزل على صور وفتحوها عنوة، وأخذوا منها أموالا عظيمة، وكان بها رجل يعرف بالكتيلة، فأسر وحمل إلى مصر.
وفيها سار الأفضل أمير الجيوش المذكور من مصر بالعساكر إلى القدس، وكان به سكمان بن أرتق وأخوه ايلغازى؛ فحصّر البلد ونصب عليها المجانيق وقاتلهم أربعين يوما؛ وأرسل أهل القدس فواطئوه على فتح الباب، وطلبوا منه الأمان فأمّنهم وفتحوا له الباب، وخرج سكمان من باب آخر ومضى إلى الرّها، ومضى أخوه ايلغازى إلى بغداد. وهما أول ملوك الارتقيّة ظهورا.
وفيها تواترت الأخبار بخروج ملك الروم من بلاد الروم بقصد البلاد الشاميّة.
وفيها قتل رضوان بن تاج الدولة تتش السلجوقىّ وقتل ولده ونهبت داره.
وكان ظالما فاتكا. كان استوزر أبا الفضل بن الموصلىّ مشيّد الدين.
وفيها توفّى عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله أبو حكيم الخيرىّ- وخير: إحدى بلاد فارس- وهو جدّ [أبى «١» ] الفضل بن ناصر لأبيه «٢» . تفقّه على أبى إسحاق الشيرازىّ وبرع فى الفرائض، وله فيها مصنّف. وكان فقيها صالحا حسن الطريقة.
وفيها توفّى عبد الرزّاق بن عبد الله بن المحسّن أبو غانم التّنوخىّ المعرّىّ. كان فاضلا شاعرا. ومن شعره فى كوز فقّاع «٣» :
[الوافر]
ومحبوس بلا ذنب جناه ... له سجن بباب من رصاص
يضيّق بابه خوفا [عليه «٤» ] ... ويوثق بعد ذلك بالعفاص «٥»
إذا أطلقته خرج أرتقاصا ... وقبل فاك من فرح الخلاص
стр. 1514
وفيها توفّى منصور بن محمد بن عبد الجبّار الشيخ أبو المظفّر السمعانىّ، جدّ أبى سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور صاحب «الذيل» . وكان أبو المظفّر هذا من أهل مرو، وتفقّه على مذهب أبى حنيفة حتى برع، ثمّ ورد بغداد وانتقل لمذهب الشافعىّ لمعنى من المعانى، ورجع إلى بلده فلم يقبلوه وقام عليه العوامّ، فخرج إلى طوس، ثم قصد نيسابور. وصنّف «التفسير» و «البرهان» و «الاصطلام» و «القواطع فى أصول الفقه» وغير ذلك. ومات فى شهر ربيع الأول بمرو.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وسبع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثلاث عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩٠]
السنة الثالثة من ولاية المستعلي أحمد على مصر وهى سنة تسين وأربعمائة.
فيها أخذت الفرنج نيقية وهى أوّل بلد أخذوه، ثم [فتحوا «١» حصون الدورب] شيئا بعد شىء، كما ذكرناه مفصّلا فى أوّل ترجمة المستعلى هذا.
وفيها توفّى المعمّر»
بن محمد بن المعمّر بن أحمد بن محمد أبو الغنائم الحسينىّ «٣» الطاهر ذو المناقب نقيب الطالبيّين. مات بالكرخ، فحمل إلى مقابر قريش فدفن بها. وكان من كبار الشيعة. وولى النقابة بعده ولده أبو الفتوح حيدرة، ولقّب بالرضىّ ذى الفخرين.
وفيها توفّى نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم أبو الفتح الفقيه القدسىّ الشافعىّ.
أصله من نابلس، وأقام بالقدس مدّة ودرس بها. وكان فقيها عابدا زاهدا ورعا.
مات فى المحرّم من هذه السنة.
стр. 1515
وفيها توفّى يحيى بن أحمد السّيبىّ «١» . مات فى شهر ربيع الاخر وعاش مائة وثلاثا وخمسين سنة وثلاثة أشهر وأياما، وكان صحيح الحواسّ، يقرأ عليه القرآن، ويسمع الحديث، ورحل الناس إليه. وكان ثقة صالحا صدوقا.
وفيها قتل الملك أرسلان أرغون بن السلطان ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق السلجوقىّ بمرو، كان قد حكم على خراسان. وسبب قتله أنه كان مؤذيا لغلمانه جبّارا عليهم؛ فوثب عليه رجل منهم فقتله بسكّين. وكان قد ملك مرو ونيسابور وبلخ وترمذ، وأساء السيرة وخرّب أسوار مدن خراسان، وصادر وزيره عماد الملك بن نظام الملك، وأخذ منه ثلثمائة ألف دينار ثم قتله.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وإحدى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبع واحدة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩١]
السنة الرابعة من ولاية المستعلى أحمد على مصر وهى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
فيها تواترت الشّكايات من الفرنج، وكتب السلطان بركياروق السلجوقىّ إلى العساكر يأمرهم بالخروج مع عميد «٢» الدولة للجهاد، وتجهّز سيف الدولة صدقة، وبعث مقدّماته إلى الأنبار. ثمّ وردت الأخبار إلى بغداد بأنّ الفرنج ملكوا أنطاكية وساروا إلى معرّة النعمان فى ألف ألف إنسان، فقتلوا وسبوا، حسب ما ذكرنا فى أول ترجمة المستعلى هذا.
стр. 1516
وفيها عزل السلطان بركياروق وزيره مؤيّد الملك بن نظام الملك عن وزارته، واستوزر أخاه فخر الملك. وكان مؤيّد الملك فى غاية من العقل والفضل وحسن التدبير؛ وفخر الملك بعكس ذلك كلّه. فلحق مؤيّد الملك بأخى بركياروق محمد بن ملكشاه، وأطمعه فى الملك. وكان عزل مؤيد الملك بإشارة [مجد «١» الملك] القمّى المستوفى.
وفيها خرج محمد بن ملكشاه المذكور على أخيه بركياروق. وكان لملكشاه عدّة أولاد، منهم بركياروق السلطان بعده وأمّه زبيدة «٢» ، ومحمود وأمه خاتون، ومحمد شاه هذا الذي خرج، وسنجر؛ ومحمد وسنجرهما أخوان لأب وأم. وكان محمد هذا رباه أخوه بركياروق وأقطعه كنجة «٣» وأعمالها، ورتّب معه شخصا كالأتابك، واسمه أيضا محمد؛ فوثب عليه محمد شاه وقتله لكونه كان يحجر عليه، ولا يبتّ أمرا حتى يراجع بركياروق. ووافق ذلك مجىء مؤيّد الملك بن نظام الملك إليه، فجرت له مع أخيه بركياروق حروب ووقائع.
وفيها توفّى طرّاد بن محمد بن علىّ أبو الفوارس الزينبىّ العبّاسىّ الهاشمىّ. هو من ولد زينب بنت سليمان بن علىّ بن عبد الله بن عباس. ولد سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، وسمع الكثير، ورحل الناس إليه من الأقطار، وأملى بجامع المنصور، وحجّ سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وأملى بمكة والمدينة، وولى نقابة العباسيّين بالبصرة، وكانت له رياسة وجلالة. ومات فى شوّال وقد جاوز تسعين سنة.
стр. 1517
وفيها توفّى نصر بن علىّ بن المقلّد بن نصر بن منقذ أبو المرهف الكنانىّ عزّ الدولة. ملك شيزر بعد أبيه، وقام بتربية إخوته أحسن قيام. وفيه يقول أبوه علىّ بن المقلّد من قصيدة:
[الطويل]
جزى الله نصرا خير ما جزيت به ... رجال قضوا فرض العلا وتنفلّوا
ومنها:
سألقاك يوم الحشر أبيض واضحا ... وأشكر عند الله ما كنت تفعل
ومنها:
إلى الله أشكو من فراقك لوعة ... توقّد فى الأحشاء ثم ترحّل
ومن شعر نصر هذا:
[الخفيف]
كنت أستعمل البياض من الأم ... شاط عجبا بلمّي وشبابى
فاتّخذت السواد فى حالة الشّي ... ب سلوّا عن الصّبا بالتّصابى
وفيها توفى الحافظ أبو العباس أحمد بن بشرويه «١» الأصبهانىّ الإمام المحدّث.
مات وله ست وتسعون سنة. وكان إماما حافظا، سمع الحديث وروى عنه غير واحد، وكان من أئمة المحدّثين. رحمه الله تعالى.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثمانى عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩٢]
السنة الخامسة من ولاية المستعلى أحمد على مصر وهى سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
стр. 1518
فيها استولى الفرنج على بيت المقدس فى يوم الجمعة ثالث عشر شعبان، حسب ما ذكرناه فى ترجمة المستعلي هذا.
وفيها توفّى السلطان إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وغيرها من بلاد الهند. كان ملكا عادلا منصفا منقادا إلى الخير كثير الصدقات، كان لا يبنى لنفسه مكانا حتى يبنى لله مسجدا أو مدرسة. قال الفقيه أبو الحسن الطّبرى.
أرسلنى إليه بركياروق فى رسالة، فرأيت فى مملكته ما لا يتأتّى وصفه. ومات فى شهر رجب وقد جاوز السبعين، وأقام ملكا نيّفا وأربعين سنة.
وفيها توفّى الشيخ عبد الباقى بن يوسف بن علىّ بن صالح أبو تراب المراغىّ الفقيه الشافعىّ. كان إماما فقيها زاهدا مدرّسا. مات فى ذى القعدة عن اثنتين «١» وتسعين سنة، وقد انتهت إليه رياسة العلم بنيسابور.
وفيها توفّى علىّ بن الحسن بن الحسين بن محمد القاضى أبو الحسن «٢» الموصلىّ الأصل المصرىّ الفقيه الشافعىّ المعروف بالخلعىّ. ولد بمصر فى أوّل سنة خمس وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير ورواه، وكان مسند الديار المصريّة فى وقته.
ومات فى ذى الحجة.
وفيها توفّى الحافظ أبو القاسم «٣» مكىّ بن عبد السلام الرّميلىّ ببيت المقدس شهيدا حين أخذته الفرنج فى شعبان، واستشهد به عالم لا يحصى. وكان إماما محدّثا حافظا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ست أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا.
стр. 1519
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩٣]
السنة السادسة من ولاية المستعلي أحمد على مصر وهى سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة.
فيها عادت الخطبة ببغداد باسم بركياروق بعد الخليفة، وكان بطل اسمه وخطب لأخيه محمد شاه؛ وهذا بعد أن وقع بينهما حروب إلى أن ملك بركياروق وأخرج أعوان محمد شاه من بغداد.
وفيها توفّى عبد الله بن أحمد بن علىّ بن صابر أبو القاسم السلمىّ الدمشقىّ ويعرف بابن سيدة. ولد سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، ومات فى شهر ربيع الآخر بدمشق. وأنشد:
[الوافر]
صبرا لحكمك أيّها الدهر ... لك أن تجور ومنّى الصبر
آليت لا أشكوك مجتهدا ... حتى يردّك من له الأمر
وفيها توفّى محمد بن سلطان بن محمد بن حيّوس أبو الفتيان الأمير الشاعر.
ولد سنة إحدى «١» وأربعمائة، وهو من بيت الفضل والعلم والرياسة. ومات فى شهر رجب وقد جاوز تسعين سنة. ومن شعره من قصيدة أوّلها:
[الطويل]
لكم أن تجوروا معرضين وتغضبوا ... وعادتكم أن تزهدوا حين تغضبوا
جنيتم علينا واعتذرنا إليكم ... ولولا الهوى لم يسأل الصّفح مذنب
وفيها توفّى الوزير محمد بن محمد [بن محمد «٢» ] بن جهير الصاحب شرف الدين عميد الدولة. كان حسن التدبير، كافيا فى المهام، شجاعا جوادا عظيما فى الدول. وزر للخليفة القائم، ثم من بعده للمقتفى فعزله بأبى شجاع، ثم أعاده المستظهر فدبّر أموره ثمانى
стр. 1520
سنين وأحد عشر شهرا وأربعة أيام. وكان له ترسّل بديع، وتوقيعات وجيزة وأشعار رقيقة. ومدحه شعراء عصره؛ وفيه يقول أبو منصور علىّ بن الحسن المعروف بصرّدرّ الشاعر قصيدته العينية المشهورة التى أوّلها:
[الكامل]
قد بان عذرك والخليط مودّع ... وهوى النفوس مع الهوادج يرفع
وفيها توفّى يحيى بن عيسى بن جزلة أبو علىّ المتطبّب صاحب «المنهاج «١» » فى الطب. كان نصرانيّا يقرأ على أبى علىّ بن الوليد المعتزلىّ، فلم يزل يدعوه إلى الإسلام حتى أسلم وحسن إسلامه. واستخدمه أبو عبد الله «٢» الدامغانى قاضى القضاء فى كتب السّجلّات. وكان يطبّ أهل محلّته بغير عوض، ويعود الفقراء ويحسن إليهم. ووقف كتبه على مشهد أبى حنيفة- رضى الله عنه.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم عشر أذرع وستّ عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩٤]
السنة السابعة من ولاية المستعلى أحمد على مصر وهى سنة أربع وتسعين وأربعمائة.
فيها قتل السلطان بركياروق خلقا من الباطنية، وكانوا ثلثمائة ونيّفا، وكتب إلى الخليفة بالقبض على من اتّهم أنّه منهم.
стр. 1521
وفيها التقى بركياروق مع أخيه محمد شاه، وكان مع محمد شاه خمسة عشر ألفا، ومع بركياروق خمسة وعشرون ألفا؛ فاقتتلوا قتالا شديدا، قتل من الفريقين عدّة كبيرة؛ فانهزم محمد شاه وهرب وزيره مؤيّد الملك بن نظام الملك، فتبعه غلمان بركياروق وأخذوه وجاءوا به إلى بركياروق، فقام وضرب عنقه بيده. ومضى محمد شاه واستجار بأخيه سنجر شاه؛ فأرسل سنجر شاه إلى بركياروق يسأله فيه؛ فقال بركياروق: لا بدّ أن يطأ بساطى. ثم وقع أمور؛ وانتصر سنجر شاه لأخيه محمد شاه، ولا زال حتّى دخل محمد بغداد وخالب له بها، وتوجّه بركياروق إلى واسط.
وفيها أخذ الفرنج جبلة من بلاد الساحل وأرسوف «١» وقيساريّة بالسيف.
وفيها توفّى محمد بن منصور أبو سعد شرف الملك المستوفى الخوارزمىّ. كان جليل القدر فاضلا نبيلا متعصّبا لأصحاب أبى حنيفة- رضى الله عنه- وهو الذي بنى على أبى حنيفة القبّة والمدرسة الكبيرة بباب الطّاق- وقد قدّمنا ذكره فى وفاة أبى حنيفة فى هذا الكتاب- وبنى أيضا مدرسة بمرو، ووقف فيها كتبا نفيسة، وبنى الرّباطات فى المفاوز، وعمل خيرات كثيرة. ثم انقطع فى آخر عمره. وبذل لملكشاه مائة ألف دينار حتى أعفاه من الخدمة. ومات بأصبهان فى جمادى الآخرة.
وفيها قتل أبو المحاسن «٢» وزير بركياروق. كان قد نقم على أبى سعيد «٣» شيئا فقتله؛ فركب بعد ذلك وسار على باب أصبهان، فوثب عليه غلام أبى سعيد الحدّاد فقتله وأخذ بثأر أستاذه. فأمر بركياروق بسلخ الغلام فسلخ وعلّق.
стр. 1522
وفيها توفّى الشيخ أبو الحسن علىّ بن أحمد بن الأخرم «١» المدينىّ المؤذّن. كان إماما محدّثا فاضلا. مات فى المحرّم وله تسع وثمانون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ست أذرع وثمانى عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وسبع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩٥]
السنة التى حكم فى أوّلها المستعلي أحمد ثم الآمر ولده، وهى سنة خمس وتسعين وأربعمائة.
فيها جلس الخليفة المستظهر بالله أحمد العباسىّ لمحمد شاه وسنجر شاه ابنى ملكشاه جلوسا عامّا ودخلا عليه وقبلا الأرض له، فأدناهما وأفاض عليهما الخلع، وتوّجهما وطوّقهما وسوّرهما، وقرأ الخليفة: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ...
الآية. ثم خرجا إلى قتال أخيهما بركياروق؛ فوقع بينهما وقائع وحروب أسفرت عن نصرة بركياروق وانهزام محمد شاه.
وفيها قبض بركياروق على الكيا «٢» الهرّاسىّ الفقيه الشافعىّ، لأنه بلغه عنه أنه باطنىّ شيعىّ؛ فكتب الخليفة إليه ببراءة ساحته وحسن عقيدته ودينه، فأطلقه.
وفيها كانت وفاة صاحب الترجمة المستعلي بالله أحمد، كما تقدّم ذكره فى ترجمته.
وفيها توفّى حسين بن ملاعب جناح الدولة صاحب حمص. كان أميرا مجاهدا شجاعا يباشر الحروب بنفسه. دخل جامع «٣» حمص يوم الجمعة فصلّى الجمعة، فوثب
стр. 1523
عليه ثلاثة من الباطنيّة فقتلوه. وكان سبب قتله أنه كان عند رضوان بن تتش ملك حلب منجّم باطنىّ، وهو أوّل من أظهر مذهب الباطنيّة بالشام، فندب لقتل جناح الدولة هذا أولئك النفر. ثمّ قتل المنجم بحلب بعد ذلك بأربعة عشر يوما.
وفيها توفّى الشيخ أبو العلاء صاعد بن سيّار الكنانىّ الهروى الفقيه العالم المشهور.
كان إماما فقيها مفتيا مدرّسا صالحا ثقة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وثمانى أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا.
стр. 1524
ذكر ولاية الآمر بأحكام الله على مصر
الآمر اسمه منصور، وكنيته أبو علىّ، ولقبه الآمر بأحكام الله بن المستعلى بالله أبى القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبى تميم معدّ بن الظاهر بالله علىّ بن الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بالله نزار بن المعزّ لدين الله معدّ بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدىّ عبيد الله العبيدىّ الفاطمىّ السابع من خلفاء مصر من بنى عبيد والعاشر منهم ممن ملك بالمغرب.
قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدّين محمد الذهبىّ فى تاريخ الإسلام: «كان رافضيّا كآبائه فاسقا ظالما «١» جبّارا متظاهرا بالمنكر واللهو، ذا كبر وجبروت، وكان مدبّر سلطانه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش. ولى الآمر وهو صبىّ فلما كبر قتل الأفضل وأقام فى الوزارة المأمون أبا عبد الله محمد بن مختار بن فاتك البطائحىّ «٢» ، فظلم وأساء السّيرة إلى أن قبض عليه الآمر سنة تسع عشرة وخمسمائة، وصادره ثم قتله فى سنة اثنتين وعشرين وصلبه، وقتل معه خمسة من إخوته. وفى أيّام الآمر أخذ الفرنج عكّا سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وأخذوا طرابلس «٣» فى سنة اثنتين وخمسمائة، فقتلوا وسبوا، وجاءتها نجدة المصريّين بعد فوات المصلحة؛ وأخذوا عرقة «٤» وبانياس.
وتسلّموا فى سنة إحدى عشرة وخمسمائة تبنين «٥» وتسلمّوا صور سنة ثمانى عشرة، وأخذوا بيروت بالسيف فى سنة ثلاث وخمسمائة، وأخذوا صيداء «٦» سنة أربع وخمسمائة.
стр. 1525
ثم قصد الملك بردويل الإفرنجىّ مصر ليأخذها، ودخل الفرما «١» وأحرق جامعها ومساجدها؛ فأهلكه الله قبل أن يصل إلى العريش «٢» . فشقّ أصحابه بطنه وصبرود، ورموا حشوته «٣» هناك؛ فهى ترجم إلى اليوم بالسبخة «٤» ، ودفنوه بقمامة «٥» . وهو الذي أخذ بيت المقدس وعكا وعدّة حصون من السواحل. وهذا كله بتخلّف هذا المشئوم الطلعة. وفى أيّامه ظهر ابن تومرت «٦» بالغرب.
وولد الآمر فى أوّل سنة تسعين وأربعمائة، واستخلف وله خمس سنين، وبقي فى الملك تسعا وعشرين سنة وتسعة أشهر، إلى أن خرج من القاهرة يوما فى ذى القعدة
стр. 1526
وعدّى على الجسر «١» إلى الجزيرة «٢» ؛ فكمن له قوم بالسلاح. فلما عبر نزلوا عليه بأسيافهم، وكان فى طائفة يسيرة، فردّوه «٣» إلى القصر وهو مثخن بالجراح، فهلك من غير عقب. وهو العاشر من أولاد المهدىّ عبيد الله الخارج بسجلماسة وبايعوا
стр. 1527
بالآمر ابن عمه الحافظ أبا الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر بالله. وكان الآمر ربعة، شديد الأدمة، جاحظ العينين، حسن الخط، جيدّ العقل والمعرفة.
وقد ابتهج بقتله لفسقه وسفكه للدماء وكثرة مصادرته واستحسانه الفواحش.
وعاش خمسا وثلاثين سنة. وبنى وزيره المأمون بالقاهرة الجامع «١» الأقمر» . انتهى كلام الذهبىّ برمّته. ونذكر إن شاء الله قتله وأحواله بأوسع مما قاله الذهبىّ من أقوال جماعة من المؤرّخين أيضا.
وقال العلّامة أبو المظفّر فى مرآة الزمان: «لما كان يوم الثلاثاء ثالث ذى القعدة خرج من القاهرة (يعنى الآمر) وأتى الجزيرة وعبر بعض الجسر، فوثب عليه قوم فلعبوا عليه بالسيوف- وقيل: كانوا غلمان الأفضل- فحمل فى مركب إلى القصر فمات فى ليلته، وعمره أربع وثلاثون سنة- وزاد غيره فقال: وتسعة أشهر وعشرون يوما- وكانت أيّامه أربعا وعشرين سنة وشهرا.
قلت: وهم صاحب مرآة الزمان فى قوله: «وكانت مدّته أربعا وعشرين سنة وشهرا» . والصواب ما قاله الذهبىّ، فإنّه وافق فى ذلك جمهور المؤرخين.
ولعل الوهم يكون من الناسخ. وما آفة الأخبار إلّا رواتها.
قال (أعنى صاحب مرآة الزمان) : ومولده سنة تسعين وأربعمائة. قلت:
وزاد غيره وقال: فى يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرّم. قال: وكانت سيرته قد ساءت بالظلم والعسف والمصادرة. قال: ولمّا قتل الامر وثب غلام له أرمنىّ فاستولى على القاهرة، وفرّق الأموال فى العساكر، وأراد أن يتأمر على الناس؛ فخالفه جماعة
стр. 1528
ومضوا إلى أحمد بن الأفضل (يعنى الوزير) فعاهدوه وجاءوا به إلى القاهرة، فخرج الغلام الأرمنىّ فقتلوه، وولّوا أبا الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر، وولى الخلافة، ولقّبوه بالحافظ؛ ووزر له أبو علىّ أحمد بن الأفضل بن أمير الجيوش، وسمّاه أمير الجيوش. فأحسن إلى الناس، وأعاد إليهم ما صادرهم به الآمر وأسقطه؛ فأحبّه الناس؛ فحسده مقدّمو الدولة فاغتالوه. وقيل: إنّ الآمر لم يخلّف ولدا وترك امرأة حاملا؛ فماج أهل مصر وقالوا: لا يموت أحد من أهل هذا البيت إلّا ويخلّف ولدا ذكرا، منصوصة عليه الإمامة؛ وكان قد نصّ على الحمل قبل موته، فوضعت الحامل بنتا، فعدلوا إلى الحافظ؛ وانقطع النّسل من الآمر وأولاده. وهذا مذهب طائفة من شيعة المصريّين؛ فإنّ الإمامة عندهم من المستنصر إلى نزار.
وكان نقش خاتم الآمر هذا «الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين» . وابتهج الناس بقتله.
انتهى كلام صاحب مرآة الزمان أيضا برمّته.
قلت: ونذكر إن شاء الله قتلة الآمر هذا بأوسع من هذا فى آخر ترجمته بعد أن نذكر أقوال المؤرّخين فى أمره.
وقال قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن محمد بن خلّكان- ﵀:
«وكان الآمر سيّئ الرأى جائر السّيرة مستهترا متظاهرا باللهو واللّعب. وفى أيّامه أخذت الفرنج مدينة عكّا- ثم ذكر ابن خلّكان نحوا ممّا ذكره الذهبىّ من أخذ الفرنج للبلاد الشامية. إلى أن قال:- خرج من القاهرة (يعنى الآمر) صبيحة يوم الثلاثاء ثالث عشر «١» ذى القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ونزل إلى مصر وعدّى على الجسر إلى الجزيرة التى قبالة مصر (يعنى الرّوضة) ؛ فكمن له قوم بالأسلحة
стр. 1529
وتواعدوا على قتله فى السكة التى يمرّ بها. فلمّا مرّ بها وثبوا عليه ولعبوا عليه بالسيوف، وكان قد جاوز الجسر وحده فى عدّة قليلة من غلمانه وبطانته وخاصّته وشيعته، فحمل فى زورق فى النيل ولم يمت، وأدخل القاهرة وهو حىّ وجىء به إلى القصر فمات من ليلته، ولم يعقب. وكان قبيح السّيرة، ظلم الناس وأخذ أموالهم، وسفك الدماء، وارتكب المحظورات، واستحسن القبائح، وابتهج الناس بقتله» .
انتهى كلام ابن خلّكان.
وقيل: إنّ الآمر كان فيه هوج عند طلوعه المنبر فى خطبته فى الجمع والأعياد، فاستحيا وزيره المأمون بن البطائحىّ أن يشافهه بما يقع له من الهوج؛ وأراد أن يفهمها له من غير مشافهة، فقال له: يا مولانا، قد مضى من الشهر أيّام ولم يبق إلا الرّكوب إلى الجمعة الأولى- قلت: وقد تقدّم فى ترجمة المعزّ لدين الله ترتيب خروج الخلفاء الفاطميّين إلى صلاة الجمعة- ويصلّوا بالناس ثلاث جمع، والجمعة الأخيرة «١» من كلّ شهر يصلّى بالناس الخطيب وتسمّى تلك الجمعة جمعة الراحة (أعنى يستريح فيها الخليفة) . ونستطرد فى هذه الترجمة أيضا لذكر شىء من ذلك مما لم نذكره فى ترجمة المعزّ. قال الوزير: يا مولانا، وبعد غد جمعة الراحة، فإن حسن فى الرأى أن يخرج مولانا بحاشيته خاصّة من باب النوبة «٢» إلى القصر النافعىّ «٣» فما فيه سوى عجائز وقرائب وألزام، ويجلس مولانا على القبّة التى على المحراب قبالة الخطيب ليشاهد نائبه فى الخطابة كيف يخطب، فإنّه رجل شريف فصيح اللّسان حافظ القرآن.
стр. 1530
فأجابه الخليفة الآمر إلى ذلك. ولمّا حضر الجامع وجلس فى القبّة وفتح الرّوشن وقام الخطيب فخطب، فهو فى الصلاة على النّبيّ ﷺ فى الخطبة الثانية وإذا بالهوى قد فتح الطاق فرفع الخطيب رأسه فوقع وجهه فى وجه الخليفة فعرفه فأرتج عليه وارتاع ولم يدر ما يقول، حتّى فتح عليه فقال: معاشر المسلمين، نفعكم الله وإيّاى بما سمعتم، وعن الضلال عصمكم. قال الله تعالى فى كتابه العزيز:
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ...
. إلى آخر الآية، وصلّى بالناس. فلما انفصل المجلس تكلم الآمر مع وزيره المذكور بما وقع للخطيب. فانفتح الكلام للوزير وتكلّم فيما كان بصدده، فرجع الآمر عن الخطّابة واستناب وزيره المذكور؛ فصار الوزير يخطب بجامع القاهرة وجامع ابن طولون وجامع مصر.
وقال ابن أبى المنصور فى تاريخه: إنّ ابتداء خطبة الوزير المأمون كانت فى شهر رمضان سنة خمس وثمانين؛ وترك الآمر الخطابة مع ما كان له فى ذلك من الرغبة الزائدة، حتّى إنّه كان اقترح أشياء أخرى فى خروجه إلى الجامع زيادة على ما كانت آباؤه تفعله، غير أنّه كان يخطب فى الأعياد بعد ما استناب وزيره المأمون ابن البطائحىّ فى خطبة الجمع. فكان الآمر إذا خرج فى خطبة العيد خرج إلى المصلّى، ويخرجون قبله، على العادة السابقة المذكورة فى ترجمة المعزّ، بالفرش والآلات، وعلّق بالمحاريب الشروب المذهبة، وفرش فيه ثلاث سجّادات متراكبة، وبأغلاها السجادة اللطيفة التى كانت عندهم معظّمة، وهى قطعة من حصير، ذكر أنّها كانت من حصير لجعفر الصادق- رضى الله عنه- وكانت مما أخذه الحاكم بأمر الله عند فتح دار جعفر الصادق. ثم تغلق الأبواب الثلاثة التى بجنب القبّة التى فى صدرها المحراب.
قلت: والذي ذكرناه فى ترجمة المعزّ لدين الله كانت صلاته بالجامع الأزهر،
стр. 1531
والآمر هذا كانت صلاته فى الجمعة بالجامع الحاكمىّ، وفى العيد بالمصلّى.
ونذكر أيضا هيئة خروج الامر إلى الجامع بنحو ما ذكرناه هناك وزيادة أخرى لم نذكرها؛ فبهذا المقتضى يكون للإعادة نتيجة. قال: ثمّ تفرش أرض القبّة المذكورة جمعيا بالحصر المحاريب المبطّنة، ثم تعلّق الستور بالمحراب وجانبى المنبر، ويفرش درجه، وينصب اللواءان ويعلّقان عليه، ويقف متولّى ذلك والقاضى تحت المنبر، ويطلق البخور، ويتقدّم «١» الوزير بألّا يفتح الباب أحد، وهو الباب الذي يدخل الخليفة منه ويقف عليه، ويقعد الداعى فى الدّهليز، ويقرأ المقرئون بين يديه، ويدخل الأمراء والأشراف والشهود والشيوخ، ولا يدخل غيرهم إلّا بضمان من الداعى. فإذا استحقّت الصلاة أقبل الخليفة فى زيه الذي ذكرناه فى ترجمة المعزّ لدين الله وقصيب الملك بيده، وجميع إخوته وبنو عمّه فى ركابه. فعند ذلك يتلقّاه المقرئون ويرجع من كان حوله من بنى عمه وإخوته. ويخرج من باب الملك إلى أن يصل إلى باب العيد، فتنشر المظلّة عليه- وقد ذكرنا أيضا زىّ المظلّة فى ترجمة المعزّ- ويترتّب الموكب فى دعة لا يتقدّم أحد ولا يتأخّر عن مكانه، وكذلك وراء الموكب العماريات- هم عوض المحفّات- والزّرافات والفيلة والأسود عليها الأسرّة مزيّنة بالأسلحة. ولا يدخل من باب المصلّى أحد راكبا إلا الوزير خاصّة، ثم يدخل الباب الثانى فيترجّل الوزير ويتسلّم شكيمه فرس الخليفة حتّى ينزل الخليفة ويمشى إلى المحراب، والقاضى والداعى عن يمينه ويساره يوصّلان التكبير لجماعة المؤذّنين. وكاتب الدّست وجماعة الكتّاب يصلّون تحت عقد المنبر، لا يمكن غيرهم أن يكون معهم. ويكبّر فى الأولى سبعا وفى الثانية خمسا على
стр. 1532
سنّة القوم، ثم يطلع الوزير ثمّ يسلّم الدعو «١» القاضى، فيستدعى من جرت عادته بطلوع المنبر، وكلّ لا يتعدّى مكانه. ثم ينزل الخليفة بعد الخطبة ويعود فى أحسن زىّ على هيئة خروجه من رحبة باب العيد حتّى يأكل الناس السّماط. وقد ذكرنا كيفيّة السّماط وزىّ لبس الخليفة والمظلّة وصفة ركوبه وطلوعه إلى المنبر ونزوله، فى ترجمة المعزّ لدين الله أوّل خلفائهم، فينظر هناك من هذا الكتاب.
قلت: وكان الآمر يتناهى فى العظمة ويتقاعد عن الجهاد. وما قاله الذهبىّ فى ترجمته فبحقّ؛ فإنّه مع تلك المساوى التى ذكرت عنه كان فيه تهاون فى أمر الغزو والجهاد حتّى استولت الفرنج على غالب السواحل وحصونها فى أيّامه، وإن كان وقع لأبيه المستعلى أيضا ذلك وأخذ القدس فى أيامه فإنّه اهتمّ لقتال الفرنج وأرسل [الأفضل «٢» بن] بدر الجمالىّ أمير الجيوش بالعساكر، فوصلوا بعد فوات المصلحة بيوم. فكان له فى الجملة مندوحة، بخلاف الآمر هذا، فإنّه لم ينهض لقتال الفرنج البتّة، وإن كان أرسل مع الأسطول عسكرا فهو كلا شىء. وسنبيّن ذلك عند استيلاء الفرنج على طرابلس وغيرها على سبيل الاختصار فى هذا المحلّ، فنقول:
أوّل ما وقع فى أيّامه من طمع الفرنج فى البلاد فإنّهم خرجوا فى أوّل سنة سبع وتسعين وأربعمائة من الرّهاء، وانقسموا قسمين، قسم قصد حرّان، وقسم قصد الرّقّة. فالذى توجّه إلى الرّقّة خرج لهم سكمان بن أرتق صاحب ماردين، وكان سالم بن بدر العقيلىّ فى بنى عقيل، وقد نزلوا على رأس «٣» العين، فخرج بهم سكمان
стр. 1533
المذكور، والتقوا مع الفرنج واقتتلوا قتالا شديدا أسر فيه سالم بن بدر المذكور، ثم كانت الدائرة على الفرنج، فانهزموا وقتل منهم خلق كثير. والقسم الآخر من الفرنج الذي قصد حرّان والبلاد الشاميّة لم ينهض لقتالهم وصالحهم ابن عمّار قاضى طرابلس وصاحبها وهادنهم، على أن يكون لصنجيل ملك الفرنج ظاهر البلد، وألّا يقطع الميرة عنها وأن يكون داخل البلد لابن عمّار. وهلك فى أثناء ذلك صنجيل المذكور ملك الروم. ولم ينهض أحد من المصريّين لقتال المذكورين.
فعلمت الفرنج ضعف من بمصر. ثم بعد ذلك فى سنة اثنتين وخمسمائة قصد الفرنج طرابلس وأخذوها، بعد أن اجتمع عليها ملوك الفرنج مع ريمند «١» بن صنجيل المقدّم ذكره فى ستين مركبا فى البحر مشحونة بالمقاتلة؛ وطنكرى الفرنجىّ صاحب أنطاكية، وبغدوين الفرنجىّ صاحب القدس بمن معهم، جاءوا من البرّ وشرعوا فى قتالها وضايقوها من أوّل شعبان إلى حادى عشر ذى الحجّة، وأسندوا أبراجهم إلى سور البلد. فلمّا رأى أهل طرابلس ذلك أيقنوا بالهلاك مع تأخّر أسطول مصر عنهم. ثم حضر أسطول مصر من البحر. وصار كلّما سار نحو البلد ردّه الفرنج إلى نحو مصر.
قلت: ومن هذا يظهر عدم اكتراث أهل مصر بالفرنج من كلّ وجه. الأوّل:
من تقاعدهم عن المسير فى هذه المدّة الطويلة. والثانى: لضعف العسكر الذي أرسلوه مع أسطول مصر، ولو كان لعسكر الأسطول قوّة لدفع الفرنج من البحر عن البلد على حسب الحال. والثالث: لم لا خرج الوزير الأفضل بن أمير الجيوش بالعساكر المصرية كما كان فعل والده بدر «٢» الجمالىّ فى أوائل الأمر. هذا مع قوّتهم
стр. 1534
من العساكر والأموال والأسلحة. فلله الأمر من قبل ومن بعد. ولله درّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب فيما فعله فى أمر الجهاد وفتح البلاد، كما يأتى ذلك كلّه إن شاء الله مفصّلا فى وقته وساعته فى ترجمة السلطان صلاح الدين- ﵀.
ثمّ إنّ الفرنج لما علموا بحال أهل طرابلس وتحقّقوا أمرهم حملوا حملة رجل واحد فى يوم الاثنين حادى عشر ذى الحجة وهجموا على طرابلس، فأخذوها ونهبوها وأسروا رجالها وسبوا نساءهم وأخذوا أموالها وذخائرها؛ وكان فيها ما لا يحصى ولا يحصر واقتسموها بينهم. وطمعوا فى الغنائم، فساروا إلى جبلة وبها فخر الملك ابن عمّار الذي كان صاحب طرابلس وقاضيها، وتسلّموها منه بالأمان فى ثانى عشر ذى الحجّة فى يوم واحد، وخرج منها ابن عمّار سالما. ثم وصل بعد ذلك الأسطول المصرىّ بالعساكر، فوجدوا البلاد قد أخذت فعادوا كما هم إلى مصر. وسار ابن عمّار إلى شيزر، فأكرمه صاحبها سلطان بن علىّ بن منقذ واحترمه وعرض عليه المقام عنده فأبى، وتوجّه إلى الأمير طغتكين صاحب دمشق، فأكرمه طغتكين وأنزله وأقطعه الزّبدانىّ «١» وأعماله. ثم وقع بين بغدوين صاحب القدس وبين طغتكين المذكور أمور، حتّى وقع الاتفاق بينهما على أن يكون السّواد «٢» وجبل عوف مثلّثة، الثّلث للفرنج والباقى للمسلمين. ثم انقضى ذلك فى سنة خمس وخمسائة. وقصد بغدوين الفرنجىّ المذكور صور؛ فكتب واليها وأهلها إلى طغتكين يسألونه أنهم يسلّمونها إليه قبل مجىء الفرنج لأنّهم يئسوا من نصرة مصر؛ فأبى وبعث إليهم الفرسان والرّجالة، وجاءهم هو من جبل عاملة ثمّ عاد. ثمّ سار إليهم بغدوين فى «٣» الخامس
стр. 1535
والعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وخمسمائة فقطع أشجارها وقاتلها أياما، وهو يعود خاسرا. وخرج طغتكين وخيّم ببانياس وجهّز الخيّالة والرّجالة إلى صور نجدة، فلم يقدروا على الدخول إليها من الفرنج وثمّ رحلت الفرنج عنها، ونزلوا على الحبيس «١» (وهو حصن عظيم) وحاصروه حتى فتحوه عنوة؛ وقتلوا كلّ من كان فيه، ثم عاد بغدوين إلى صور وشرع فى عمل الأبراج، وأخذ فى قتالها «٢» والزحف فى كلّ يوم.
فلمّا بلغ ذلك طغتكين زحف عليهم ليشغلهم، فخندق عليهم وهجم الشتاء فلم يبال الفرنج به لأنّهم كانوا فى أرض رملة، والميرة تصل إليهم من صيداء فى المراكب.
ثمّ ركب طغتكين البحر وسار إلى نحو صيداء، وقتل جماعة من الفرنج وغرّق مراكبهم وأوصل مكاتبته إلى أهل صور، فقوّى قلوبهم. ثم عمل الفرنج برجين عظيمين، طول الكبير منهما زيادة على خمسين ذراعا، وطول الصغير زيادة على أربعين ذراعا، وزحفوا بهما أوّل شهر رمضان، وخرج أهل صور بالنّفط والقطران ورموا النار، فهبّت الريح فاحترق البرج الصغير بعد المحاربة العظيمة، ونهب منه زرديات «٣» وطوارق «٤» وغير ذلك؛ ولعبت النار فى البرج الكبير أيضا فأطفأها الفرنج.
ثم إنّ الفرنج طمّوا الخندق، وواتروا الزّحف طول شهر رمضان، وأشرف أهل البلد على الهلاك. فتحيّل واحد من المسلمين له خبرة بالحرب، فعمل كباشا من أخشاب تدفع البرج الذي يلصقونه بالسور. ثم تحيّل فى حريق البرج الكبير حتّى أحرقه، وخرج المسلمون فأخذوا منه آلات وسلاحا. فحينئذ يئس الفرنج من
стр. 1536
أخذها، ورحلوا عنها بعد ما أحرقوا جميع ما كان لهم من المراكب على الساحل والأخشاب والعمائر والعلوفات وغيرها. وجاءهم طغتكين فما سلّموا إليه البلد؛ فقال طغتكين: أنا ما فعلت الذي فعلته إلّا لله تعالى لا لرغبة فى حصن ولا مال، ومتى دهمكم عدوّكم جئتكم بنفسى وبرجالى، ثمّ رحل عنهم- فلله درّه من ملك- كلّ ذلك ولم تأت نجدة المصريّين. ودام الأمر بين أهل صور والفرنج، تارة بالقتال وتارة بالمهادنة، إلى أن طال على أهل صور الأمر ويئسوا من نصرة مصر، فسلّموها للفرنج بالأمان فى سنة ثمانى عشرة وخمسمائة.
قلت: وما أبقى أهل صور- رحمهم الله تعالى- ممكنا فى قتالهم مع الفرنج وثباتهم فى هذه السنين الطويلة مع عدم المنجد لهم من مصر. وقيل فى أخذ صور وجه آخر.
قال ابن القلانسىّ: وفى سنة تسع عشرة وخمسمائة، ملك الفرنج صور بالأمان.
وسببه خروج سيف الدولة مسعود منها، وكان قد حمل إلى مصر، وأقام الوالى الذي بها فى البلد. قلت: وهذه زيادة فى النّكاية للمسلمين من صاحب مصر؛ فإنّ سيف الدولة المذكور كان قائما بمصالح المسلمين، وفعل ما فعل مع الفرنج من قتالهم وحفظ سور المدينة هذه المدّة الطويلة، فأخذوه منها غصبا وخلّوا البلد مع من لا قبل له بمحاربة الفرنج. فكان حال المصريّين فى أوّل الأمر أنّهم تقاعدوا عن نصرة المسلمين، والآن بأخذهم سيف الدولة من صور صاروا نجدة للفرنج.
وهذا ما فعله إلا الآمر هذا صاحب الترجمة بنفسه بعد أن قبض على الأفضل ابن أمير الجيوش وقتله، وقتل غيره أيضا معه.
стр. 1537
ونعود إلى كلام ابن القلانسىّ قال: وعرف الفرنج (يعنى بخروج سيف الدولة) فتأهّبوا للنزول عليها، وعرف الوالى أنه لا قبل له بهم لقلّة النجدة والميرة بها؛ فكتب إلى صاحب مصر يخبره. فكتب إليه: قد رددنا أمرها إلى ظهير الدين- أظنه يعنى بظهير الدين طغتكين المقدّم ذكره أمير دمشق- قال: ليتولّى حمايتها والذّب عنها، وبعث منشورا له بها. ونزل الفرنج عليها وضايقوها بالحصار والقتال حتّى خفّت الأقوات، وجاء طغتكين فنزل ببانياس، وتواترت المكاتبات.
إلى مصر باستدعاء المؤن، فتمادت الأيّام إلى أن أشرف أهلها على الهلاك. ولم يكن للأتابك طغتكين قدرة على دفع الفرنج، ويئس من مصر؛ فراسل أهلها الفرنج وطلبوا الأمان على نفوسهم وأهاليهم وأموالهم، ومن أراد الخروج خرج ومن أراد الإقامة أقام. وجاء الاتابك بعسكره فوقف بإزاء الفرنج، وركبت الفرنج ووقفوا بإزائه وصاروا صفّين؛ وخرج أهل البلد يمرّون بين الصّفّين ولم يعرض لهم أحد، وحملوا ما أطاقوه، ومن ضعف منهم أقام. فمضى بعضهم إلى دمشق، وبعضهم إلى غزّة، وتفرّقوا فى البلاد، وعاد الأتابك إلى دمشق. ودخل الفرنج صور وملكوها سنين إلى حين فتحت ثانيا، حسب ما سيأتى ذكره فى ترجمة السلطان الذي يتولّى فتحها. قلت: وهذا الذي ذكرناه هو كالشرح لكلام الذهبىّ وغيره من المؤرّخين فيما ذكروه عن الآمر هذا. ونعود إلى ترجمة الآمر.
وكان للآمر نظم ونظر فى الأدب. ومما نسب إليه من الشعر قوله:
[السريع]
أصبحت لا أرجو ولا أتّقي ... إلّا إلهى وله الفضل
جدّى نبيّى وإمامى أبى ... ومذهبى التوحيد والعدل
стр. 1538
وقد نسب هذا الشعر لغيره من الفاطميّين «١» أيضا. وكان الآمر يحفظ القرآن، انفرد بذلك دون جميع خلفاء مصر من الفاطميّين، وكان ضعيف «٢» الخطّ. وأمّا ما وعدنا به من ذكر قتله فنقول: كان الامر صاحب الترجمة مطلوبا من جماعة من أعوان عمه نزار المقتول بيد أبيه بعد واقعة الإسكندرية المقدّم ذكرها؛ لأنّ الآمر وأباه المستعلي غصبا الخلافة، وأن النّص كان على نزار. وقد ذكرنا ذلك كلّه فى أوّل ترجمة المستعلى. فاتّصل بالآمر أنّ جماعة من النّزارية حصلوا بالقاهرة ومصر يريدون قتله، فاحترز الآمر على نفسه وتحيّل فى قبضهم، فلم يقدّر له ذلك لما أراده الله. وفشا أمر النّزارية وكانوا عشرة، فخافوا أن يقع عليهم الآمر فيقتلهم قبل قتله، فآجتمعوا فى بيت وقال بعضهم لبعض: قد فشا أمرنا ولا نأمن أن يظفر بنا الآمر فيقتلنا، ومن المصلحة والرأى أن نقتل واحدا منّا ونلقى رأسه بين القصرين، وحلانا «٣» عندهم؛ فإن عرفوه فلا مقام لنا عندهم، وإن لم يعرفوه تمّ لنا ما نريد، لأنّ القوم فى غفلة. فقالوا للذى أشار عليهم: ما يتّسع لنا قتل واحد منّا، ينقص عددنا وما يتمّ بذلك أمرنا، فقال الرجل: أليس هذا من مصلحتنا ومصلحة من تلزمنا طاعته؟ فقالوا نعم. فقال: وما دللتكم إلّا على نفسى، وشرع فى قتل نفسه بيده بسكّين فى جوفه فمات من وقته. فأخذوا رأسه فرموه فى الليل بين القصرين، وأصبحوا متفرّقين ينظرون ما يجرى فى البلد بسبب الرأس. فلمّا وجد الرأس اجتمع عليه الناس وأبصروه، فلم يقل أحد منهم أنا أعرفه. فحمل إلى الوالى، فأحضر الوالى عرفاء الأسواق وأرباب المعايش فلم يعرف؛ فأحضر أيضا
стр. 1539
أصحاب الأرباع والحارات فلم يعرف؛ ففرح التسعة بذلك ووثقوا بالمقام بالقاهرة لقضاء مرادهم. واتّفق للخليفة الآمر أن يمضى إلى الرّوضة- حسب ما ذكر فى أوّل ترجمته- وأنّه يجوز على الجسر الذي من مصر إلى جزيرة الرّوضة للمقام بها أياما للفرجة. وكان من شأن الخلفاء أنهم يشيعون الركوب فى أرباب خدمتهم حيثما قصدوا حتّى لا يتفرّقوا عنه، وأيضا لا يتخلّف أحد عن الركوب؛ فعلم النّزارية التسعة بركوبه فجاءوا إلى الجزيرة، ووجدوا قبالة الطالع من الجسر فرنا، فدخلوا فيه قبل مجىء الخليفة الآمر، ودفعوا إلى الفرّان دراهم وافرة ليعمل لهم بها فطيرا بسمن وعسل؛ ففرح الفرّان بها وعمل لهم الفطير؛ فما هو بأكثر ممّا أكلوه، ولم يتموا أكلهم إذ طلع الخليفة الآمر من آخر الجسر، وقد تفلّل عنه الرّكابيّة ومن يصونه لحرج الجواز على الجسر لضيقه، فلمّا قابلوه وثبوا عليه وثبة رجل واحد وضربوه بالسكاكين حتى إنّ واحدا منهم ركب وراءه وضربه عدّة ضربات؛ وأدوكهم الناس فقتل التسعة. وحمل الآمر فى عشارىّ «١» إلى قصر «٢» اللّؤلؤة، وكان ذلك فى أيّام النيل، ففاضت نفس الآمر قبل وصوله إلى اللؤلؤة. وقد تقدّم عمر الآمر ومدّة خلافته فى أوّل ترجمته، فلا حاجة لذكر ذلك ثانيا. وقيل: إنّ بعض منجّميه كان عرّفه أنّه يموت مقتولا بالسكاكين، فكان الآمر كثيرا ما يلهج بقوله: الآمر مسكين، المقتول بالسكين.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩٦]
السنة الأولى من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة ستّ وتسعين وأربعمائة.
стр. 1540
فيها أعيدت الخطبة ببغداد إلى السلطان بركياروق السلجوقىّ بعد أن التقى مع أخيه محمد شاه وهزمه بركياروق. فتوجّه محمد شاه إلى أرمينية وأخلاط، ثم عاد إلى تبريز فى جمادى الآخرة، ومضى بركياروق إلى زنجان. ووقع بينهما فى الآخر الاتّفاق على شىء فعلوه.
وفيها استوزر الخليفة المستظهر بالله العبّاسىّ زعيم الرؤساء أبا القاسم علىّ بن محمد [بن محمد «١» ] بن جهير على كره منه، وعزل وزيره سديد الملك أبا الفضل «٢» بن عبد الرزّاق.
فكانت ولايته عشرة أشهر.
وفيها توفّى أردشير بن منصور أبو الحسين العبّادىّ الواعظ الأستاذ. كان أصله من أهل مرو، وكان يخاطب بالأمير قطب الدين. قدم بغداد وجلس فى النّظاميّة، وحضر أبو حامد الغزالىّ مجلس وعظه، وكان يحضر مجلسه من الرجال والنساء ثلاثون ألفا. وكان صمته أكثر من نطقه، وإذا تكلّم هابته الناس؛ وبوعظه حلق أكثر الصّبيان رءوسهم، ولزموا المساجد وبدّدوا الخمور وكسروا الملاهى. ولمّا قدم بغداد ووعظ بها، وكان البرهان «٣» الغزنوىّ يعظ بها قبله فانكسر «٤» سوقه. فقال الدّهّان الشاعر المشهور فى ذلك:
[السريع]
لله قطب الدّين من عالم ... منفرد بالعلم والباس
قد ظهرت حجّته للورى ... قام بها البرهان للناس
ومات قطب الدين فى غرّة جمادى الآخرة. ﵀.
стр. 1541
وفيها توفّى الشيخ أبو المعالى الزاهد الصالح البغدادىّ. كان مقيما بمسجد باب الطاق ببغداد؛ فحضر مجلس ابن أبى عمامة «١» فوقع كلامه فى قلبه فتزهّد. وكان لا ينام إلّا جالسا ولا يلبس إلّا ثوبا واحدا شتاء وصيفا. وكان منقطعا إلى العبادة، ويقصد للزيارة.
وفيها توفّى الشيخ أبو طاهر أحمد بن علىّ بن عبيد «٢» الله بن عمر بن سوار المقرئ المجوّد. كان إماما عارفا بالقراءات، وسمع الحديث واشتغل فى القراءات سنين.
وفيها توفّى الشيخ أبو داود سليمان بن نجاح المؤيّدىّ المقرئ الإمام. مات فى شهر رمضان وله ثلاث وثمانون سنة، وقد انتهت إليه رياسة القرّاء فى زمانه.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وثمانى أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبع واحدة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩٧]
السنة الثانية من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
فيها وقع الصلح بين الإخوة أولاد السلطان ملكشاه السلجوقىّ، وهم السلطان بركياروق ومحمد شاه وسنجر شاه، على أن يكون اسم السلطنة لبركياروق وضرب «٣» النّوبة (أعنى الطبلخانات) فى أوقات الصلوات الخمس على بابه، وأن يكون لمحمد شاه أرمينية وأذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل، وأن يكون لسنجر شاه خراسان
стр. 1542
على حاله أوّلا، وأن يكون لبركياروق الجبل وهمذان وأصبهان والرّىّ وبغداد وأعمالها والخطبة ببغداد، وأن محمد شاه وسنجر شاه يخطبان لنفوسهما «١» .
وفيها نزل الأمير سكمان بن أرتق صاحب ماردين، وجكرمش صاحب الموصل على رأس العين عازمين على لقاء الفرنج، وكان خرج ريمند وطنكرى صاحب أنطاكية بعساكر الفرنج إلى الرّهاء، فالتقوا فنصر الله المسلمين وقتلوا منهم عشرة آلاف، وانهزم ريمند وطنكرى فى نفر يسير من الفرنج.
وفيها نزل بغدوين صاحب القدس الفرنجىّ على عكّا فى البرّ والبحر فى نيّف وتسعين مركبا فحصروها من جميع الجهات، وكان واليها زهر الدولة الجيوشىّ، فقاتل حتّى عجز، فطلب الأمان له وللمسلمين فلم يعطوه لمّا علموا (الفرنج) من أهل مصر أنهم لم ينجدوه، ثم أخذوها بالسيف فى شهر رمضان. وقد قدّمنا ذكر ذلك فى ترجمة الآمر هذا بأكثر من هذا القول.
وفيها حاصر صنجيل الفرنجىّ طرابلس وبنى عليها حصنا؛ فخرج القاضى ابن عمّار صاحب طرابلس بعسكره فى ذى الحجة، وهدم الحصن وقتل من فيه من الفرنج ونهبه، وكان فيه شىء كثير.
وفيها توفّى أحمد بن الحسين بن حيدرة الأديب أبو الحسين، ويعرف بابن خراسان الطرابلسىّ الشاعر المشهور. وكان شاعرا مجيدا، هجا فخر الملك ابن عمّار قاضى طرابلس وصاحبها وأخاه؛ فأمر به قاضى طرابلس المذكور فضرب حتّى مات. ومن شعره من قصيدة:
[الطويل]
[جزى «٢» الله عنا النّيرب الفرد صالحا ... لقد جمع المعنى الذي يذهب الفكرا
]
خرجنا على أنّا نقيم ثلاثة ... فطاب لنا حتّى أقمنا به عشرا
стр. 1543
وفيها توفّى إسماعيل بن علىّ بن الحسن «١» بن علىّ الشيخ أبو علىّ الجاجرمىّ «٢» الأصمّ النّيسابورىّ. ولد سنة ستّ وأربعمائة، ورحل فى طلب العلم، وطاف البلاد وعاد إلى نيسابور فمات بها فى المحرّم. وكان فقيها واعظا زاهدا ورعا صدوقا ثقة حسن الطريقة.
وفيها توفّى دقماق بن تش الأمير أبو نصر شمس الملوك السلجوقىّ صاحب دمشق. وسمّاه الذهبىّ وصاحب مرآة الزمان دقاقا بلا ميم. ولعلّ الذي قلناه هو الصواب؛ فإننا لم نسمع باسم قبل ذلك يقال له دقاق، وأيضا فإنّ جدّ السلجوقيّين الأعلى اسمه دقماق، وهذا من أكبر الأدلّة على أنّ اسمه دقماق. ولى دمشق بعد قتل أبيه تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان؛ وقام بأمره الأتابك ظهير الدّين طغتكين، وتزوّج طغتكين والدته. فأقام فى مملكة دمشق حتّى مات. وملك دمشق بعده ابنه تتش وهو حدث السن، وأوصى أن يكون طغتكين أيضا القائم بدولته؛ فوقع ذلك، وقام طغتكين بالأمر أحسن قيام.
وفيها توفّى العلاء بن الحسن بن وهب بن الموصلا يا أبو سعد الكاتب الفاضل.
كتب فى الإنشاء للخلفاء خمسا وستّين سنة. وكان نصرانيّا، فأسلم فى سنة أربع وثمانين وأربعمائة على يد الخليفة المقتدى بالله العبّاسىّ. ومات فجاءة. وكان طاهر اللّسان كريم الأخلاق شاعرا مجيدا مترسّلا. ومن شعره:
[الوافر]
يا خليلىّ خليّانى ووجدى ... فملام «٣» العدول ما ليس يجدى
стр. 1544
ودعانى فقد دعانى إلى الحك ... م غريم الغرامة الّت «١» عندى
فعساه يرقّ إذ ملك الرّ «٢» ... قّ بنقد من وصله أو بوعد
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع واثنتا عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٩٨]
السنة الثالثة من ولاية الآمر منصور على مصر وهى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
فيها هلك صنجيل عظيم الفرنج وصاحب أنطاكية.
وفيها بعث ضياء الدّين محمد وزير ميّافارقين إلى قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش وهو بملطية يستدعيه إلى ميّافارقين؛ فتوجّه إليه قلج أرسلان وملك ميافارقين. وكان مبدأ قلج أرسلان هذا أنّه خدم ملكشاه السلجوقىّ، فأرسله على جيش لغزو الرّوم؛ فسار وافتتح ملطية وقيساريّة وأقصرى «٣» وقونية وسيواس «٤» وجميع ممالك الروم؛ فأقرّه ملكشاه بها، فأقام بها وعدّ من الملوك؛ إلى أن قدم ميافارقين واستولى عليها، وولّاها لمملوك والده خمرتاش السليمانىّ. واستوزر قلج أرسلان ضيا الدّين المذكور، وأخذه معه وولّاه أبلستين «٥» . ثمّ وقع بين قلج
стр. 1545
أرسلان هذا وبين جاولى مملوك السلطان محمد شاه بن ملكشاه وتقاتلا، فانكسر فلج أرسلان. فلمّا رأى الهزيمة عليه ألقى نفسه فى الخابور فغرق، فأخرج وحمل تابوته إلى ميّافارقين ودفن بها.
وفيها بعث يوسف بن تاشفين صاحب المغرب إلى الخليفة المستظهر بالله العبّاسىّ يخبره أنّه خطب له على منابر ممالكه، وأرسل يطلب منه الخلع والتقليد؛ فبعث إليه بما طلب.
وفيها توفّى السلطان ركن الدولة بركياروق ابن السلطان ملكشاه ابن السلطان ألب أرسلان بن داوود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق السلجوقىّ أبو المظفّر.
مات فى شهر ربيع الأوّل وهو ابن أربع وعشرين سنة. وكانت سلطنته اثنتى عشرة سنة. وعهد لولده ملكشاه، وأوصى به الأمير آياز؛ فتوجّه آياز بالصبىّ إلىّ بغداد، ونزل به دار المملكة، وعمره أربع سنين وعشرة أيام، وأجلسه على تخت الملك مكان أبيه بركياروق؛ وخطب له ببغداد فى جمادى الأولى. فلم يتمّ أمر الصبىّ، وملك عمّه محمد شاه الذي كان ينازع أخاه بركياروق، وقتل آياز المذكور.
وبركياروق: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء والكاف وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف راء مضمومة وبعد الراء واو وقاف.
وفيها توفّى محمد بن علىّ بن الحسن بن أبى الصقر أبو الحسن الواسطىّ. تفقّه على أبى إسحاق الشّيرازىّ، وسمع الحديث الكثير. وكان أديبا عالما. ومن شعره لمّا كبر سنّه وصار لا يستطيع القيام لأصحابه:
[الوافر]
علّة سمّيت ثمانين عاما ... منعتنى للأصدقاء القياما
فإذا عمّروا تمهّد عذرى ... عندهم بالذى ذكرت وقاما
следующие страницы →