← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الهلاك، ومتى أخذوا البلد عنوة ضربت رقابهم، وأنّهم صالحوا على أن يسلّموا البلد وجميع ما فيه من الآلات والأسلحة والمراكب، ومائتى ألف دينار وخمسمائة «١» أسير مجاهيل ومائة أسير معيّنين من جماعتهم، وصليب الصلبوت، على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين، وما معهم من الأموال والأقمشة المختصّة بهم وذراريهم ونسائهم، وصمنوا «٢» للمركيس- لأنه كان الواسطة فى هذا الأمر- أربعة آلاف دينار. فلمّا وقف السلطان على الكتب المشار إليها أنكر ذلك إنكارا عظيما، وعظم عليه هذا الأمر، وجمع «٣» أهل الرأى من أكابر دولته، وشاورهم فيما يصنع، واضطربت آراؤه، وتقسّم فكره وتشوّش حاله، وعزم أن تكتب فى تلك الليلة كتب مع الرجل العوّام الذي قدم عليه بهذا الخبر ينكر المصالحة على هذا الوجه، وبينما هو يتردّد فى هذا فلم يشعر إلّا وقد ارتفعت أعلام العدوّ وصلبانه «٤» وناره على سور البلد؛ وذلك فى يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة؛ وصاح الفرنج صيحة واحدة، وعظمت المصيبة على المسلمين، واشتدّ حزنهم، ووقع من الصباح والعويل والبكاء ما لا بذكر. ثم خرجت الفرنج بعد أن ملكوا عكّا قاصدين عسقلان ليأخذوها أيضا من المسلمين، وساروا على الساحل والسلطان وعساكره قبالتهم إلى أن وصلوا إلى أرسوف «٥» ، فكان بينهما قتال عظيم، ونال المسلمين وهن شديد. ثم ساروا على تلك الهيئة تتمّة عشر منازل من سيرهم من عكّا، فأتى السلطان الرّملة، فأتاه من أخبر بأنّ القوم على عزم عمارة يافا وتقويتها بالرجال والعدد والآلات، فأحضر السلطان أرباب

стр. 1787

مشورته، وشاورهم فى أمر عسقلان، وهل الصواب خرابها أو بقاؤها؟ فاتّفقت آراؤهم أن يبقى الملك العادل فى قبالة العدوّ، ويتوجّه السلطان بنفسه ويخربها خوفا من أن يصل العدوّ إليها ويستولى عليها وهى عامرة ويأخذ بها القدس، وينقطع بها طريق مصر، وامتنع العسكر من الدخول «١» وخافوا ممّا جرى على المسلمين بعكّا. فلا قوّة إلّا بالله. ورأوا أنّ حفظ القدس أولى، فتعيّن خرابها من عدّة جهات؛ وكان هذا الاجتماع يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان من سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فسار إليها السلطان فى سحر يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان المذكور. قال ابن شدّاد: وتحدّث معى فى معنى خرابها (يعنى عسقلان) بعد أن تحدّث مع ولده الملك الأفضل أيضا فى أمرها، ثم قال السلطان: لأن أفقد ولدى جميعهم أحبّ إلىّ من أهدم منها حجرا واحدا، ولكن إذا قضى الله تعالى ذلك، وكان فيه مصلحة للمسلمين، فما الحيلة فى ذلك! فلمّا اتّفق الرأى على خرابها أوقع الله ذلك فى نفسه، وأنّ المصلحة فيه لعجز المسلمين عن حفظها. وشرع فى إخرابها فى سحر يوم الخميس التاسع عشر من شعبان من السنة المذكورة، وقسّم السور على الناس وجعل لكلّ أمير وطائفة من العسكر بدنه معلومة وبرجا معلوما يخربه، ودخل الناس البلد ووقع فيهم الضّجيج والبكاء لفرقة بلدهم وأوطانهم، وكان بلدا خفيفا على القلب محكم الأسوار عظيم البناء مرغوبا فى سكنه، فلحق الناس على خرابه حزن عظيم. وشرع أهل البلد فى بيع ما لا يقدرون على حمله، فباعوا ما يساوى عشرة دراهم بدرهم واحد، حتّى باعوا اثنى عشر طير دجاج بدرهم، واختبط أهل البلد وخرجوا بأولادهم وأهليهم إلى الخيم وتشتّتوا، فذهب منهم قوم إلى مصر وقوم إلى الشام، وجرت عليهم أمور عظيمة، واجتهد السلطان وأولاده فى خراب البلد كى لا يسمع العدوّ فيسرع إليها؛

стр. 1788

فلا يمكن إخرابه، وكانت الناس على أصعب حال، واشتد تعب الناس مما قاسوه فى خرابها. وفى تلك الليلة وصل للملك العادل من حلب من أخبره أنّ الفرنج تحدّثوا معه فى الصلح، وطلبوا جميع البلاد الساحليّة، فرأى السلطان أنّ ذلك مصلحة لما علم من نفوس الناس والعساكر من الضّجر من القتال وكثرة ما عليه من الديون؛ فكتب السلطان إلى أخيه الملك العادل يأذن له فى ذلك، وفوّض الأمر إلى رأيه، وأصبح السلطان يوم الجمعة وهو مصرّ على الخراب، ويستعجل الناس عليه ويحثّهم على العجلة فيه؛ وأباحهم ما فى الهرى «١» الذي كان مدخرا للميرة خوفا من أن يهجم العدوّ والعجز عن نقله. ثمّ أمر السلطان بإحراق البلد فأضرمت النيران فى بيوته، ولم يزل الخراب يعمل فى البلد الى سلخ شعبان المذكور؛ ثم أصبح السلطان يوم الاثنين مستهلّ شهر رمضان، أمر ولده الملك الأفضل أن يباشر خراب البلد بنفسه وخواصّه. قال ابن شدّاد، ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه (يعنى الملك الأفضل) . وفى يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان أتى السلطان الرّملة وأشرف عليها، وأمر أيضا بإحراقها وإخراب قلعتها (يعنى الرملة) فأحرقت وأخربت قلعتها خوفا أيضا من الفرنج. وفى يوم السبت ثالث عشر رمضان تأخّر السلطان والعسكر إلى جهة الجبل ليتمكّن الناس من تسيير دوابّهم لإحضار ما يحتاجون إليه. ثم شرع السلطان أيضا فى خراب قلعة الماطرون «٢» ، وكانت قلعة منيعة فشرع الناس فى ذلك. ثم ذكر ابن شدّاد فصلا طويلا يتضمّن الصلح بين الأنكلتير «٣» ملك الفرنج وبين السلطان صلاح الدين المذكور إلى أن قال: وحاصل الأمر أنه تمّ الصلح بينهم، وكانت الأيمان يوم

стр. 1789

الأربعاء الثانى والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة؛ ونادى المنادى بانتظام الصلح، وأنّ البلاد الإسلامية والنّصرانية واحدة فى الأمن والمسالمة «١» ، فمن شاء «٢» من كلّ طائفة أن يتردّد إلى بلاد الطائفة الأخرى من غير خوف ولا محذور. وكان يوما مشهودا نال الطائفتين فيه من السرور ما لا يعلمه إلّا الله تعالى؛ وقد علم الله تعالى أنّ الصلح لم يكن عن مرضاة السلطان، لكنّه رأى المصلحة فى الصلح لسآمة العسكر من القتال، ومظاهرتهم للمخالة. وكان مصلحة فى علم الله تعالى، فإنّه اتّفقت وفاته بعد الصلح، فلو اتّفق ذلك فى أثناء وقعاته كان الإسلام على خطر ثم إنّ السلطان أعطى العساكر الوافدة عليه من البلاد البعيدة برسم الغزاة والنّجدة دستورا، فساروا عنه «٣» . وعزم السلطان على الحجّ لمّا فرغ باله من هذه الجهة، وأمن الناس وتردّد المسلمون إلى بلاد الفرنج، وجاءوا هم أيضا إلى بلاد المسلمين، وحملت البضائع والمتاجر إلى البلاد؛ وتوجّه السلطان إلى القدس ليتفقّد أحواله، وتوجّه أخوه الملك العادل إلى الكرك، وابنه الملك الظاهر إلى حلب، وابنه الملك الأفضل إلى دمشق. ثم تأهّب السلطان إلى المسير إلى الديار المصريّة، ولم يزل كذلك إلى أن صحّ عنده سير مركب الأنكلتير ملك الفرنج إلى بلاده فى مستهلّ شوّال، فعند ذلك قوى عزمه على أن يدخل الساحل جريدة يتفقّد أحواله وأحوال القلاع البحريّة إلى بانياس. ثم يدخل دمشق فيقيم بها قليلا، ثم يعود إلى القدس ومنه إلى الديار المصريّة.

стр. 1790

قال ابن شدّاد: وأمرنى بالمقام بالقدس إلى حين عوده إليه لعمارة بيمارستان أنشأه به، وتكميل المدرسة التى أنشأها به، وسار ضحوة «١» نهار الخميس السادس من شوّال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. فلمّا فرغ السلطان من افتقاد أحوال القلاع وإزاحة خللها دخل دمشق بكرة يوم الأربعاء سادس «٢» عشرين شوّال، وفيها أولاده: الملك الأفضل، والملك الظاهر، والملك الظافر مظفّر الدّين الخضر المعروف بالمشمّر «٣» وأولاده الصغار؛ وكان السلطان يحبّ البلد (يعنى دمشق) ويؤثر الإقامة به على سائر البلاد، وجلس للناس فى بكرة يوم الخميس السابع والعشرين منه، وحضروا عنده وبلّوا أشواقهم منه، وأنشده الشعراء، ولم يتخلّف عنه أحد من الخاصّ والعامّ، وأقام ينشر جناح عدله بدمشق إلى أن كان يوم الاثنين «٤» مستهلّ ذى القعدة، عمل الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر أخيه لأنّه لمّا وصل إلى دمشق وبلغه حركة السلطان أقام بها [حتّى «٥» يتملّى بالنظر إليه ثانيا] ، ولمّا عمل الأفضل الدعوة أظهر فيها من الهمم العالية ما يليق بهمّته، وكان أراد بذلك مجازاته لما خدمه [به «٦» ] حين وصوله إلى بلده، وحضر الدعوة المذكورة أرباب الدنيا والآخرة، وسأل الأفضل والده السلطان فى الحضور فحضر، وكان يوما مشهودا على ما بلغنى. قال: ولمّا أصلح الملك العادل الكرك سار قاصدا الديار الفراتيّة «٧» ، وأحبّ أن يدخل دمشق،

стр. 1791

فوصل إليها وخرج السلطان إلى لقائه، وأقام يتصيّد «١» حول غباغب إلى الكسوة حتّى لقى أخاه الملك العادل وسارا جميعا «٢» يتصيّدان، ثم عادا إلى دمشق؛ فكان دخولهما دمشق آخر نهار يوم الأحد حادى عشرين «٣» ذى القعدة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وأقام السلطان بدمشق يتصيّد هو وأخوه الملك العادل وأولاده ويتفرّجون فى أراضى دمشق، وكأنه وجد راحة ممّا كان فيه من ملازمة التعب والنّصب وسهر الليل، فكان ذلك كالوداع لأولاده، ونسى عزمه إلى مصر، وعرضت له أمور أخر وعزمات غير ما تقدّم. قال ابن شدّاد: ووصلنى كتابه إلى القدس يستدعينى لخدمته، فخرجت من القدس فى يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرّم سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وكان الوصول إلى دمشق يوم الثلاثاء ثانى عشر صفر من السنة. وركب السلطان ليتلقى الحاج فى يوم الجمعة خامس عشر صفر، وكان ذلك آخر ركوبه. ولمّا كانت ليلة السبت وجد كسلا عظيما وما انتصف الليل حتّى غشيته حمّى صفراوية، وكانت فى باطنه أكثر ممّا فى ظاهره، وأصبح يوم السبت متكسّلا، عليه أثر الحمّى، ولم يظهر ذلك للناس، لكن حضرت عنده أنا والقاضى الفاضل، فدخل ولده الملك الأفضل وطال جلوسنا عنده وأخذ يشكو قلقه بالليل، وطاب له الحديث إلى وقت الظهر، ثم انصرفنا وقلوبنا عنده، فتقدّم إلينا بالحضور على الطعام فى خدمة

стр. 1792

ولده الأفضل، ولم يكن للقاضى الفاضل فى ذلك عادة فآنصرف، ودخلت إلى الإيوان القبلىّ وقد مدّ السّماط، وابنه الملك الأفضل قد جلس موضعه، فانصرفت وما كانت لى قوّة للجلوس استيحاشا له، وبكى فى ذلك اليوم جماعة تفاؤلا بجلوس ولده الأفضل موضعه. ثمّ أخذ المرض يترايد به من حينئذ، ونحن نلازم التردّد له طرفى النهار، وكان مرضه فى رأسه. وكان من أمارات انتهاء العمر غيبة طبيبه الذي كان قد عرف مزاجه سفرا وحضرا، ورأى الأطباء فصده ففصدوه فى الرابع، فاشتدّ مرضه وحلّت «١» رطوبات بدنه، وكان يغلب على مزاجه اليبس، فلم يزل المرض يتزايد به حتّى انتهى إلى غاية الضعف، واشتدّ مرضه فى السادس والسابع والثامن، ولم يزل يتزايد ويغيب ذهنه؛ ولمّا كان التاسع حدثت له غشية وامتنع من تناول المشروب، واشتدّ الخوف فى البلد؛ وخاف الناس ونقلوا أقمشتهم من الأسواق، وعلا الناس من الكآبة والحزن ما لا يمكن حكايته. ولمّا كان اليوم العاشر من مرضه أيس منه الأطبّاء. ثم شرع ولده الملك الأفضل فى تحليف الناس له. ثم إنّه توفّى- إلى رحمة الله تعالى- بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وكان يوم موته يوما لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله بعد فقد الخلفاء الراشدين- رضى الله عنهم- وغشى القلعة والملك والدنيا وحشة لا يعلمها إلّا الله تعالى. وبالله لقد كنت أسمع من الناس أنّهم يتمنّون فداء من يعزّ عليهم بنفوسهم، وكنت أتوهّم أنّ هذا على ضرب من التجوّز والترخّص إلى ذلك اليوم، فإنّى علمت من نفسى ومن غيرى أنّه لو قبل الفداء لفدى

стр. 1793

بالأنفس. تم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء وغسّله أبو القاسم ضياء الدّين عبد الملك بن زيد الدّولعىّ «١» خطيب دمشق، وأخرج تابوت السلطان- رحمه الله تعالى- بعد صلاة الظهر مسجّى بثوب فوط، فارتفعت الأصوات عند مشاهدته، وعظم الضّجيج وأخذ الناس فى البكاء والعويل، وصلّوا عليه أرسالا، ثم أعيد إلى داره التى فى البستان، وهى التى كان متمرضا بها، ودفن فى الضّفّة الغربيّة منها. وكان نزوله فى حفرته قريبا من صلاة العصر. ثم أطال ابن شدّاد القول فى هذا المعنى إلى أن أنشد فى آخر السيرة بيت أبى تمّام الطائىّ، وهو قوله: ثمّ انقضت تلك السّنون وأهلها ... فكأنّها وكأنّهم أحلام ولقد كان- رحمه الله تعالى-. من محاسن الدنيا وغرائبها. ثم ذكر ابن شدّاد أنّه مات ولم يخلّف فى خزائنه من الذهب والفضّة إلا سبعة وأربعين درهما ناصريّة ودينارا «٢» واحدا ذهبا صوريّا، ولم يخلّف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة. وفى ساعة موته كتب القاضى الفاضل إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب بطاقة مضمونها: «لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة. إنّ زلزلة الساعة شىء عظيم. كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر، أحسن الله عزاءه وجبر مصابه؛ وجعل

стр. 1794

فيه الخلف لمماليك المرحوم «١» وأصحابه، وقد زلزل المسلمون زلزالا شديدا؛ [وقد حفرت «٢» الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر؛ وقد ودّعت أباك ومخدومى وداعا لا تلافىّ بعده] ؛ وقد قبلّت وجهه عنّى وعنك، وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة، ضعيف القوّة، راضيا عن الله، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله؛ وبالباب من الجنود المجنّدة، والأسلحة المغمدة؛ ما لا يدفع البلاء، ولا يردّ القضاء «٣» ؛ وتدمع العين ويخشع القلب، ولا نقول إلّا ما يرضى الربّ؛ وإنّا عليك يا يوسف لمحزونون. وأمّا الوصايا فما يحتاج إليها، والآراء فقد شغلنى المصاب عنها؛ وأمّا لائح الأمر فإنّه إن وقع اتّفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غير ذلك فالمصائب المستقبلة أهونها موته، وهو الهول العظيم والسلام» . انتهى كلام القاضى الفاضل بما كتبه للملك الظاهر. قال ابن خلّكان: «واستمرّ السلطان صلاح الدين مدفونا بقلعة دمشق إلى أن بنيت له قبّة شمالىّ الكلّاسة «٤» التى هى شمالىّ جامع دمشق، ولها بابان، أحدهما إلى الكلّاسة والآخر زقاق غير نافذ؛ وهو مجاور المدرسة العزيزيّة. ثم نقل من مدفنه بالقلعة إلى هذه القبّة فى يوم عاشوراء فى يوم الخميس من سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. ثم إنّ ولده الملك العزيز عثمان لمّا ملك دمشق من أخيه الملك الأفضل بنى إلى جانب هذه القبّة المدرسة العزيزيّة» . قلت: فى أيّامه بنى الخصىّ

стр. 1795

بهاء الدين قراقوش قلعة الجبل «١» ثم قلعة «٢» المقس ثم سور القاهرة، وذرع السور المذكور سبعة «٣» وعشرون ألف ذراع وثلثمائة ذراع. قال ابن خلّكان: «وكان السلطان صلاح لمّا ملك الديار المصرية لم يكن بها شىء من المدارس، فإنّ الدولة المصريّة كان مذهبها مذهب الإماميّة «٤» ، فلم يكونوا يقولون بهذه الأشياء، فعمّر السلطان صلاح الدين بالقرافة الصغرى المدرسة «٥»

стр. 1796

المجاورة للإمام الشافعىّ- رضى الله عنه- وبنى مدرسة «١» مجاورة للمشهد المنسوب للحسين ابن علىّ- رضى الله عنهما- بالقاهرة. وجعل دار سعيد السعداء خادم الخلفاء المصريّين خانقاه «٢» ، ووقف عليها وقفا هائلا؛ وكذلك وقف على كلّ مدرسة عمّرها وقفا جيّدا، وجعل دار عبّاس الوزير العبيدى مدرسة «٣» للحنفيّة، وأوقف عليها وقفا جيّدا أيضا وهى بالقاهرة، وبنى المدرسة التى بمصر المعروفة [بابن «٤» ] زين التجّار للشافعيّة، ووقف عليها وقفا جيّدا، وبنى بالقصر داخل القاهرة بيمارستانا «٥» ، وأوقف له وقفا جيدا؛ وله بالقدس مدرسة وخانقاه. قال ابن خلّكان: «ولقد فكّرت فى نفسى فى أمور هذا الرجل، وقلت: إنه سعيد فى الدنيا والآخرة، فإنّه فعل فى الدنيا هذه الأفعال المشهورة من الفتوحات الكثيرة وغيرها، ورتّب هذه الأوقاف العظيمة، وليس شىء منسوبا إليه فى الظاهر،

стр. 1797

فإنّ المدرسة التى بالقرافة ما يسمّونها الناس إلّا بالشافعىّ، والمجاورة للمشهد لا يقولون إلّا المشهد، والخانقاه لا يقولون إلّا سعيد السعداء، والمدرسة الحنفيّة لا يقولون إلا السيوفيّة، والتى بمصر لا يقولون إلّا مدرسة زين التّجّار، والتى بمصر أيضا مدرسة المالكيّة، وهذه صدقة السّرّ على الحقيقة. والعجب أنّ له بدمشق فى جانب البيمارستان النّورىّ مدرسة أيضا، ويقال لها: الصلاحيّة، وهى منسوبة إليه وليس لها وقف. قال: وكان مع هذه المملكة المتّسعة والسلطنة العظيمة كثير التواضع واللّطف قريبا من الناس رحيم القلب كثير الاحتمال والمداراة، وكان يحبّ العلماء وأهل الخير ويقرّبهم ويحسن إليهم؛ وكان يميل إلى الفضائل، ويستحسن الأشعار الجيّدة ويردّدها فى مجالسه، حتّى قيل: إنّه كان كثيرا ما ينشد قول أبى المنصور محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن إسحاق الحميرىّ، وهو قوله: وزارنى طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة وداعى الصبح قد هتفا فكدت أوقظ من حولى به فرحا ... وكاد يهتك سترا لحبّ بى شفغا ثم انتبهت وآمالى تخيّل لى ... نيل المنى فاستحالت غبطتى أسفا وقيل: إنّه كان يعجبه قول نشو الملك أبى الحسن علىّ بن مفرّج المعروف بابن المنجّم المغربىّ «١» الأصل المصرىّ الدار والوفاة، وهو فى خضاب الشّيب وأجاد: وما خضب الناس البياض لفبحه ... وأقبح منه حين يظهر ناصله ولكنّه مات الشباب فسوّدت ... على الرسم من حزن عليه منازله قالوا: فكان [إذا قال «٢» : مات الشباب] يمسك كريمته وينظر إليها ويقول: إى والله مات الشباب!. وذكر العماد الكاتب الأصبهانىّ فى كتابه الخريدة أنّ السلطان صلاح الدين فى أوّل ملكه كتب إلى بعض أصحابه بدمشق:

стр. 1798

أيّها الغائبون عنّا وإن كن ... تم لقلبى بذكركم جيرانا إنّنى مذ فقدتكم لأراكم ... بعيون الضمير عندى عيانا قال ابن خلّكان: وأمّا القصيدتان اللتان ذكرت أنّ سبط بن التّعاويذىّ أنفذهما إليه من بغداد، وأنّ إحداهما وازن بها قصيدة صرّدرّ «١» الشاعر، وقد ذكرت منها أبياتا فى ترجمة الكندرىّ «٢» وأوّلها: أكذا يجازى ودّ كلّ قرين ... أم هذه شيم الظّباء العين ثم ذكر قصيدة سبط [بن] التّعاويذىّ. وهى على هذا الوزن أضربت عن ذكرها لطولها. ثم قال ابن خلّكان: وأمّا القصيدة الثانية (يعنى التى كتبها إليه الخليفة فى أوائل أمر صلاح الدين) قال: فمنها قوله: حتّام أرضى فى هواك وتغضب ... وإلى متى تجنى علىّ وتعتب ما كان لى لولا ملالك زلّة ... لمّا مللت زعمت أنّى مذنب خذ فى أفانين الصدود فإنّ لى ... قلبا على العلّات لا يتقلّب أتظنّنى أضمرت بعدك سلوة ... هيهات عطفك من سلوّى أقرب لى فيك نار جوانح ما تنطفى ... حزنا وماء مدامع ما ينضب أنسيت أيّاما لنا ولياليا ... للهو فيها والبطالة ملعب أيام لا الواشى يعدّ ضلالة ... ولهى عليك ولا العذول يؤنّب قد كنت تنصفنى المودّة راكبا ... فى الحبّ من أخطاره ما أركب

стр. 1799

واليوم أفنع أن يمرّ بمضجعى ... فى النوم طيف خيالك المتأوّب ما خلت «١» أنّ جديد أيّام الصّبا ... يبلى ولا ثوب الشّبيبة يسلب حتّى انجلى ليل الغواية واهتدى ... سارى الدجى وانجاب «٢» ذاك الغيهب وتنافر البيض الحسان فأعرضت ... عنّى سعاد وأنكرتنى زينب قالت وريعت من بياض مفارقى ... ونحول جسمى بان منك الأطيب إن تنكرى سقمى فخصرك ناحل ... أو تنكرى شيبى فثغرك أشنب يا طالبا بعد المشيب غضارة ... من عيشه ذهب الزمان المذهب أتروم بعد الأربعين تعدّها ... وصل الدّمى هيهات عزّ المطلب والقصيدة طويلة ذكرها ابن خلّكان، وقد نقلتها من خط عسر. ثم قال ابن خلّكان: وقد مدحه جميع شعراء عصره، فمنهم العلم الشّاتانىّ «٣» واسمه الحسن- ﵀ مدحه بقصيدة أوّلها: أرى النصر مقرونا برايتك الصّفرا ... فسرو املك الدنيا فأنت بها أحرى ومدحه المهذّب أبو حفص عمر بن محمد بن علىّ بن أبى نصر المعروف بابن الشّحنة الموصلىّ الشاعر المشهور بقصيدته التى أوّلها: سلام مشوق قد براه التشوّق ... على جيرة الحىّ الذين تفرّقوا وعدد أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتا، وفيها البيتان السائران أحدهما: وإنّى امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق

стр. 1800

وقد أخذ هذا المعنى من قول بشّار بن برد، وهو: يا قوم أذنى لبعض الحى عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا والبيت الثانى من قول ابن الشّحنة المذكور. وقالت لى الآمال إن كنت لا حقا ... بأبناء أيّوب فأنت الموفّق قال: ومدحه ابن قلاقس «١» وابن الذّروىّ «٢» وابن «٣» المنجّم وابن سناء «٤» الملك وابن الساعاتى «٥» والإربلىّ «٦» ومحمد بن إسماعيل بن حمدان. انتهى ما أوردته من كلام ابن خلّكان ومن كلام ابن شدّاد وابن الأثير وابن الجوزىّ وغيرهم باختصار. وقال العلّامة أبو المظفّر فى تاريخه مرآة الزمان: «ولمّا كان فى سادس عشر صفر وجد السلطان كسلا وحمّ حمّى صفراويّة، ثم ذكر نحوا ممّا ذكره ابن شدّاد إلى أن قال: وأحضر الأفضل (يعنى ولده) الأمراء: سعد الدين مسعودا أخا بدر الدين مودود شحنة دمشق، وناصر الدّين صاحب صهيون، وسابق الدين عثمان صاحب شيزر ابن الداية، وميمونا «٧» القصرىّ، والبكى الفارسى، وأيبك فطيس، وحسام الدين

стр. 1801

بشارة، وأسامة الحلبىّ» وغيرهم، فاستحلفهم لنفسه. وكان عند السلطان أبو جعفر إمام الكلّاسة يقرأ القرآن، فلمّا انتهى إلى قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ، وكان قد غاب ذهنه فتح عينيه، وقال: صحيح. ثم قال أبو المظفّر: وغسّله ابن الدّولعىّ، وصلّى عليه القاضى محيى الدّين بن الزّكىّ. وبعث القاضى الفاضل له الأكفان والحنوط من أجلّ الجهات. ثم قال: «وقال العماد الكاتب: دخلنا عليه ليلة الأحد للعيادة، ومرضه فى زيادة؛ وفى كلّ يوم تضعف القلوب، وتتضاعف الكروب؛ ثم انتقل من دار الفناء، إلى دار البقاء، سحر يوم الأربعاء؛ ومات بموته رجاء الرجال، وأظلم «٢» بغروب شمسه فضاء الإفضال. ورثاه الشعراء؛ فمن ذلك قول بعضهم «٣» : شمل «٤» الهدى والملك عمّ شتاته ... والدهر ساء وأقلعت حسناته بالله أين الناصر الملك الذي ... لله خالصة صفت نيّاته أين الذي [مذ «٥» ] لم يزل مخشيّة ... مرجوّة رهباته وهباته أين الذي كانت له طاعاتنا ... مبذولة ولربّه طاعاته أين الذي ما زال سلطانا لنا ... يرجى نداه وتتّقى سطواته أين الذي شرف الزمان بفضله ... وسمت على الفضلاء تشريفاته

стр. 1802

لا تحسبوه مات شخصا واحدا ... قد عمّ «١» كلّ العالمين مماته ملك عن الإسلام كان محاميّا ... أبدا لماذا أسلمته حماته قد أظلمت مذ غاب عنّا دوره ... لمّا خلت من بدره داراته دفن السماح فليس تنشر بعدما ... أودى إلى يوم النشور رفاته الدين بعد أبى المظفّر يوسف ... أقوت «٢» قراه وأقفرت ساحاته بحر خلا من وارديه ولم تزل ... محفوفة بوروده حافاته من لليتامى والأرامل راحم ... متعطّف مفضوضة صدقاته لو كان فى عصر النّبيّ لأنزلت ... فى ذكره من ذكره آياته بكت الصوارم والصواهل إذ خلت ... من سلّها «٣» وركوبها عزماته يا وحشة الإسلام حين تمكّنت ... من كلّ قلب مؤمن روعاته يا راعيا للدين حين تمكنت ... منه الذئاب وأسلمته رعاته ما كان ضرّك لو أقمت مراعيا ... دينا تولّى مذ رحلت ولاته فارقت ملكا غير باق متعبا ... ووصلت ملكا باقيا راحاته فعلى صلاح الدين يوسف دائما ... رضوان ربّ العرش بل صلواته «٤»

стр. 1803

ذكر أولا السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب- ﵀ كانوا ستة «١» عشر ذكرا وابنة واحدة، أكبرهم الأفضل علىّ، ولد بمصر سنة خمس وستين يوم عيد الفطر. وأخوه لأبيه وأمّه الملك الظافر خضر، ولد بمصر سنة ثمان وستين. وأخوهما أيضا لأبيهما وأمّهما قطب الدين موسى، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين. فهؤلاء الثلاثة أشقّاء. ثم الملك العزيز عثمان الذي ملك مصر بعد أبيه، ولد بها سنة سبع «٢» وستين. وأخوه لأبيه وأمّه الأعز يعقوب، ولد بمصر سنة اثنتين وسبعين. والملك الظاهر غازى صاحب حلب، ولد بمصر سنة ثمان وستين. وأخوه لأبيه وأمّه الملك الزاهر داود، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين. والملك المعز إسحاق، ولد سنة سبعين. والملك المؤيّد مسعود، ولد بدمشق سنة إحدى وسبعين. والملك الأشرف محمد، ولد بالشام سنة خمس وسبعين. وأخوه أيضا لأبيه وأمّه الملك المحسن أحمد، ولد بمصر سنة سبع وسبعين. وأخوه أيضا لأبيه وأمّه الملك الغالب ملكشاه، ولد بالشام سنة ثمان وسبعين. وأخوهم أيضا لأبيهم وأمّهم أبو بكر النصر «٣» ، ولد بحرّان بعد وفاة أبيه سنة تسع وثمانين. والبنت مؤنسة خاتون تزوّجها ابن عمّها الملك الكامل- الآتى ذكره- ابن الملك العادل وماتت عنده. وملك بعد السلطان صلاح الدين مصر ابنه الملك العزيز عثمان الآتى ذكره إن شاء الله تعالى وملك دمشق بعده ابنه الملك الأفضل علىّ، وملك حلب ابنه

стр. 1804

الظاهر غازى كما كانوا أيام أبيهم. ثم وقع بين الملك العزيز والأفضل أمور نذكرها فيما يأتى إن شاء الله تعالى. انتهت ترجمة السلطان صلاح الدين- ﵀. ونذكر الآن ما وقع فى أيامه من الحوادث، ومن توفّى من الأعيان فى زمانه على سبيل الاختصار على عادة هذا الكتاب. وبالله المستعان. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٦٧] السنة الأولى من ولاية الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة سبع وستين وخمسمائة. (أعنى سلطنته بعد موت العاضد العبيدىّ آخر خلفاء الفاطميّين بمصر) . وأمّا وزارته فكانت قبل ذلك بمدّة من يوم مات عمّه الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن أيّوب فى يوم السبت ثانى عشر جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة. وقد ذكرنا حوادث وزارته فيما مضى، ونذكر الآن من يوم سلطنته بعد الخليفة العاضد (أعنى حوادث سنة سبع وستين وخمسمائة) . فيها خطب لبنى العباس بمصر وأبطل الخطبة لبنى عبيد حسب ما تقدّم ذكره فى ترجمة العاضد، وفى ترجمة صلاح الدين أيضا؛ ولمّا وقع ذلك كتب العماد الكاتب عن السلطان صلاح الدين لنور الدين الشهيد يخبره بذلك: قد خطبنا للمستضىء بمصر ... نائب المصطفى إمام العصر ولدينا تضاعفت نعم اللّ ... هـ وجلّت عن كلّ عدّ وحصر واستنارت عزائم الملك العا ... دل نور الدين الهمام الأغرّ وفيها بعث الملك العادل نور الدين محمود المذكور بالبشارة للخليفة المستضىء على يد الشيخ شهاب الدين المطهّر بن شرف الدين بن أبى عصرون، فلمّا وصل

стр. 1805

شهاب الدين المذكور للخليفة قال فى المعنى ابن الحرستانىّ «١» الشاعر المشهور قصيدة أوّلها: جاء البشير فسرّ الناس وابتهجوا ... فما على ذى سرور بعدها حرج وخلع الخليفة على شهاب الدين المذكور. ثم بعث جواب الملك العادل على يد الخادم صندل «٢» وعلى يديه الخلع والتقاليد له، وفى الخلعة الطّوق وفيه ألف دينار والفرجيّة والعمامة، ثم أرسل مع الخادم المذكور لصلاح الدين صاحب الترجمة خلعا دون خلع نور الدين. وبعث أيضا لنور الدين سيفا قلّده للشام «٣» ، ثم سيفا آخر قلّده بمصر، ويكون صلاح الدين نائبه بمصر. وزيّنت بغداد وضربت القباب لذلك. وفيها وقعت الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين. هذا لأمر ذكرناه فى أوائل ترجمة صلاح الدين، ثم سكن ذلك. وفيها توفّى حسّان بن نمير الكلبىّ أبو النّدى الشاعر المشهور المعروف بعرقلة الدمشقىّ، ويقال له عرقلة من حاضرة دمشق، كان شيخا خليعا أعور مطبوعا لطيفا ظريفا، كان اختصّ بالسلطان صلاح الدين وله فيه مدائح، وله شعر رائق كثير. من ذلك قصيدته المشهورة: كتم الهوى فوشت عليه دموعه ... من حرّ نار تحتويه ضلوعه صبّ تشاغل بالربيع وزهره ... زمنا «٤» وفى وجه الحبيب ربيعه

стр. 1806

يا لائمى فيمن تمتّع وصله ... عن صبّه «١» أحلى الهوى ممنوعه كيف التخلّص إن تجنّى أو جنى ... والحسن شىء ما يردّ شفيعه شمس ولكن فى فؤادى حرّها ... بدر ولكن فى القباء «٢» طلوعه قال العواذل ما الذي استحسنته ... منه وما يسبيك قلت جميعه وفيها توفّى عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد العلّامة أبو محمد المعروف بابن الخشّاب النحوىّ اللغوىّ حجّة العرب، برع فى فنون العلوم وانفرد بعلم النحو والعربيّة حتّى فاق أهل عصره. وفيها توفّى عبد الله بن أحمد بن الحسين [بن أحمد «٣» بن الحسين] بن إسحاق أبو محمد الحميرىّ «٤» ويعرف بابن النّقّار «٥» الكاتب. ولد بطرابلس سنة تسع وسبعين وأربعمائة. ولمّا استولى الفرنج على طرابلس انتقل منها إلى دمشق؛ وكان شاعرا ماهرا. ومن شعره- ﵀ القصيدة المشهورة التى أوّلها: بادر إلى اللّذات فى أزمانها ... واركض خيول اللهو فى ميدانها واستقبل الدنيا بصدر واسع ... ما أوسعت لك من رحيب مكانها وله: الله يعلم أنّنى ما خلته ... يصبو إلى الهجران حين وصلته من منصفى من ظالم متعنّت «٦» ... يزداد ظلما كلّما حكّمته

стр. 1807

ملّكته روحى ليحفظ ملكه ... فأضاعنى وأضاع ما ملّكته لا ذنب لى إلّا هواه لأنّه «١» ... لمّا دعانى للسّقام أجبته وفيها توفّى العاضد خليفة مصر، حسب ما ذكرناه فى ترجمته. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو علىّ أحمد بن محمد ابن علىّ الرّحبىّ الحرمىّ «٢» فى صفر. وأبو محمد عبد الله بن منصور بن الموصلىّ. وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد [بن أحمد «٣» ] بن الخشّاب النحوىّ. والعاضد عبد الله بن يوسف بن الحافظ العبيدىّ فى المحرّم، وانقضت دولة الرّفض عن مصر. وأبو الحسن علىّ بن عبد الله بن خلف بن النّعمة الأندلسىّ بسبتة «٤» فى رمضان. وأبو المطهّر القاسم بن الفضل بن عبد الواحد الصّيدلانىّ بأصبهان فى جمادى الأولى، وقد نيّف على التسعين. وأبو المظفّر محمد بن أسعد [بن محمد بن نصر «٥» ] بن حكيم العراقىّ الواعظ شيخ الحنفيّة بدمشق. وأبو المكارم المبارك بن محمد بن المعمّر البادرايىّ «٦» . وأبو العلاء وجيه بن عبد الله السّقطىّ. وأبو بكر يحيى بن سعدون القرطبىّ الأزدىّ «٧» ونزيل الموصل يوم الفطر. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا.

стр. 1808

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٦٨] السنة الثانية من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة ثمان وستين وخمسمائة. فيها سار الملك العادل نور الدين محمود صاحب دمشق إلى الموصل، وصلّى بالجامع الذي بناه وسط الموصل وتصدّق بمال عظيم. ولمّا علم صلاح الدين صاحب الترجمة بتوجّهه إلى الموصل خرج بعساكره من مصر إلى الشام، وحصر الكرك والشّوبك ونهب أعمالهما؛ ثم عاد لمّا بلغه عود نور الدين إلى الشام. وهذه أوّل غزوات صلاح الدين. وفيها توفّى الأمير نجم الدين أيّوب بن شادى بن مروان والد صلاح الدين المذكور. كان أميرا عاقلا حازما شجاعا جوادا عاطفا على الفقراء والمساكين محبّا للصالحين، قليل الكلام جدّا لا يتكلّم إلّا لضرورة. ولمّا قدم مصر سأله ولده السلطان صلاح الدين صاحب الترجمة أن يكون هو السلطان، فقال: أنت أولى. وكان سبب موته أنّه ركب يوما وخرج من باب النّصر يريد الميدان «١» ، فشبّ به فرسه فوقع على رأسه، فأقام ثمانية أيام ومات فى ليلة الثلاثاء السابع والعشرين من ذى الحجّة، ودفن إلى جانب أخيه أسد الدين شيركوه بن أيوب فى الدار

стр. 1809

السلطانية «١» ثم نقلا بعد سنتين «٢» إلى مدينة النّبيّ ﷺ . وكان ابنه السلطان، صلاح الدين قد عاد من الكرك فبلغه خبر موته فى الطريق، فوجد عليه وتأسّف حيث لم يحضره. وخلّف من الذكور ستة: السلطان صلاح الدين يوسف، وأبا بكر العادل الآتى ذكره فى ملوك مصر، وشمس الدولة توران شاه وهو أكبر الجميع، وشاهنشاه، وسيف الإسلام طغتكين، وتاج الملوك بورى وهو الأصغر. وفيها توفّى الحسن بن أبى الحسن صافى ملك النحاة مولى الحسين بن الأرموىّ التاجر البغدادىّ، قرأ النحو وأصول الدين والفقه والخلاف والحديث وبرع فى النحو وفاق أهل زمانه، وسافر البلاد وصنّف الكتب فى فنون العلوم، من ذلك «المقامات» التى من جنس «مقامات الحريرىّ» ؛ وكان يقول: مقاماتى جدّ وصدق، ومقامات الحريرىّ هزل وكذب. قلت: ولكن بين ذلك أهوال. ومن مصنّفاته كتاب أربعمائة كراسة، سمّاها «التذكرة السفريّة «٣» » . وفيها توفى سعد الدين بن علىّ بن القاسم بن علىّ أبو المعالى الكتبىّ الحظيرىّ الحنفىّ، كان شاعرا فاضلا. والحظيرة: قرية فوق بغداد وهى (بفتح الحاء المهملة وكسر الظاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء) وإلى هذه القرية ينسب كثير من العلماء. ومن شعر الحظيرىّ- رحمه الله تعالى وعفا عنه-: صبح مشيبى بدا وفارقنى ... ليل شبابى فصحت وا قلقى وصرت أبكى دما عليه ولا ... بدّ لصبح المشيب من شفق

стр. 1810

الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى نجم الدين أيّوب بن شادى والد الملوك. وملك النحاة أبو نزار الحسن بن صافى البغدادىّ بدمشق. وأبو جعفر محمد بن الحسن الصّيدلانىّ بأصبهان، وله خمس وتسعون سنة. وصالح ابن إسماعيل أبو طالب ابن بنت معافى المالكىّ مفتى الإسكندريّة- ﵀. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٦٩] السنة الثالثة من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة تسع وستّين وخمسمائة. فيها كتب صلاح الدين صاحب الترجمة لنور الدين يستأذنه فى إنفاذ جيش إلى اليمن فأذن له، فبعث صلاح الدين أخاه شمس الدولة توران شاه بن أيّوب، فسار إليها، وكان فيها عبد النّبيّ بن مهدىّ من أصحاب المصريّين «١» ، وكان ظالما فاتكا، فحصره شمس الدولة توران شاه فى قصره بزبيد «٢» مدّة، حتّى طلب الأمان فأمّنه؛ فلمّا نزل إليه قيّده ووكّل به، وفتح صنعاء وحصون اليمن والمدائن، يقال: إنّه فتح ثمانين حصنا ومدينة واستولى على أموالها وذخائرها، وقتل عبد النّبيّ المذكور. وولّى على زبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ «٣» ، وعزّ الدّين عثمان بن الزّنجيلىّ «٤» على باقى «٥» البلاد.

стр. 1811

وفيها قبض صلاح الدين على جماعة من أعيان الدولة العبيديّة: مثل داعى الدّعاة «١» ، وعمارة اليمنىّ وغيرهما، بلغه أنّهم يجتمعون على إثارة الفتن، واتّفقوا مع السّودان وكاتبوا الفرنج، فقتل داعى الدعاة، وصلب عمارة اليمنىّ. قال القاضى شمس الدين ابن خلّكان: هو أبو محمد عمارة بن أبى الحسن على بن زيدان «٢» ابن أحمد بن محمد الحكمىّ اليمنىّ، الملقّب نجم الدين الشاعر؛ وهو من جبال «٣» اليمن من مدينة مرطان «٤» ، بينها وبين مكّة من جهة الجنوب أحد عشر يوما. وكان فقيها فصيحا، أقام بزبيد مدّة يقرأ عليه مذهب الشافعىّ، وله فى الفرائض مصنّف مشهور باليمن، ومدح خلفاء مصر، فقرّبوه وأعطوه الأموال، فكان عندهم بمنزلة الوزير، وكان أيضا معظّما قبل ذلك فى اليمن؛ ثم ظهرت أمور اقتضت خروجه منها، فقدم إلى مصر فى سنة خمسين وخمسمائة. وقيل: إنّ سبب قتله أنّه مدح توران شاه، وحرّضه على أخذ اليمن بقصيدة أوّلها: العلم مذ كان محتاج إلى العلم ... وشفرة السيف تستغنى عن القلم إلى أن قال: هذا ابن تومرت قد كانت بدايته ... كما يقول الورى لحما على وضم وكان أوّل هذا الدّين من رجل ... سعى إلى أن دعوه سيّد الأمم قال العماد الكاتب: اتّفقت لعمارة اتّفاقات: منها أنّه نسب إليه قول هذا البيت فكان أحد أسباب قتله؛ وأفتى قضاة مصر بقتله، وقيل: إنّه لمّا أمر صلاح الدين

стр. 1812

بصلبه، مرّوا به على دار القاضى الفاضل، فرمى بنفسه على بابه وطلب الدخول إليه ليستجير به فلم يؤذن له، فقال: عبد الرحيم قد احتجب ... إنّ الخلاص من العجب فصلب وهو صائم فى شهر رمضان. وفيها توفّى السلطان الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكى بن آق سنقر صاحب الشام ومصر المعروف بنور الدين الشهيد. قال ابن عساكر: «ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان معتدل القامة أسمر اللّون واسع الجبهة حسن الصورة، لحيته شعرات خفيفة فى حنكه، ونشأ على الخير والصلاح. وكان زنكى يقدّمه على أولاده، ويرى فيه مخايل النّجابة. وفتح فى أيام سلطنته نيّفا وخمسين حصنا» . قلت: ومصر أيضا من جملة فتوحاته، وأيضا ما فتحه صلاح الدين من البلاد والحصون هو شريكه فى الأجر والثواب، ولولاه إيش كان صلاح الدين! حتّى ملك مصر من أيدى تلك الرافضة من بنى عبيد خلفاء مصر وقوّة بأسهم!. قلت: وترجمة الملك العادل طويلة، يضيق هذا المحلّ عن ذكرها، وأحواله أشهر من أن تذكر. غير أنّنا نذكر مرض موته ووفاته. وكان ابتداء مرضه أنّه ختن ولده الملك الصالح إسماعيل يوم عيد الفطر، فهنّىء بالعيد والطهور، فقال العماد الكاتب- ﵀: عيدان فطر وطهر ... فتح قريب ونصر كلاهما لك فيه ... حقّا هناء وأجر فمرض بعد عوده من صلاة العيد بالخوانيق، وما كان يرى الطبّ؛ على قاعدة الأتراك، فأشير عليه بالفصد فى أوّل مرضه فامتنع؛ وكان مهيبا فما روجع؛ فمات يوم الأربعاء حادى عشر شوّال، ودفن بالقلعة، ثم نقل إلى مدرسته التى أنشأها مجاورة

стр. 1813

الخوّاصين بدمشق. وعاش ثمانيا وخمسين سنة. وكانت سلطنته ثمانيا وعشرين سنة وستة أشهر. ورثاه العماد الكاتب بعدّة مراث؛ من ذلك قوله: يا ملكا أيّامه لم تزل ... لفضله فاضلة فاخره ملكت دنياك وخلّفتها ... وسرت حتّى تملك الآخره قال أبو اليسر «١» شاكر بن عبد الله [التّنوخىّ «٢» المعرّىّ] : تعدّى بعض أمراء صلاح الدين بن أيّوب [على رجل «٣» ] وأخذ ماله، فجاء إلى صلاح الدين فلم يأخذ له بيد؛ فجاء إلى قبر نور الدين وشقّ ثيابه، وحثا التراب على رأسه، وجعل يستغيث: يا نور الدين أين أيّامك! ويبكى. فبلغ صلاح الدين فاستدعاه وأعطاه ماله، فازداد بكاؤه؛ فقال له صلاح الدين: ما يبكيك وقد أنصفناك؟ فقال: إنّما أبكى على ملك أنصفت ببركاته وبعد موته، كيف يأكله التراب ويفقده المسلمون!. وتسلطن بعده ولده الملك الصالح إسماعيل ولم يبلغ الحلم. وقد مرّ من أخباره نبذة كبيرة فى ترجمة صلاح الدين. الذي ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى النقيب أبو عبد الله أحمد [بن علىّ «٤» ] بن المعمّر العلوىّ ببغداد فى جمادى الأولى. والحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمذانىّ العطّار المقرئ فى جمادى الأولى، وله إحدى وثمانون سنة. ودهبل بن علىّ [بن «٥» منصور بن إبراهيم بن عبد الله المعروف با] بن كارة الحنبلىّ. وناصح الدين سعيد بن المبارك بن الدهّان النحوىّ ببغداد، وله خمس وسبعون سنة. وأبو تميم سلمان بن علىّ الرّحبىّ الخبّاز بدمشق. وعبد النبي بن المهدىّ صاحب اليمن،

стр. 1814

وكان باطنيّا استأصله أخو صلاح الدين. وأبو الحسن علىّ بن أحمد الكنانىّ القرطبىّ بفاس، وله ثلاث وتسعون سنة. والفقيه عمارة بن علىّ بن زيدان اليمنىّ الشاعر؛ شنق فى جماعة سعوا فى إعادة الدولة العبيديّة. والسلطان نور الدين محمود بن زنكى الأتابكىّ بن آق سنقر التركىّ الملكشاهىّ فى شوّال، وله ثمان وخمسون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وستّ عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٠] السنة الرابعة من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة سبعين وخمسمائة. فيها ملك السلطان صلاح الدين دمشق من الملك الصالح ابن الملك العادل نور الدين محمود، حسب ما ذكرناه فى ترجمته. وكان أخذه لدمشق بمكاتبة القاضى كمال الدين الشّهرزورىّ و [صدّيق «١» ] بن الجاولىّ والأعيان، وكان بالقلعة ريحان الخادم، فعزم على قتاله، فجهّز إليه عسكر دمشق، وركب صلاح الدين من الجسور، فالتقاه أهل دمشق بأسرهم وأحدقوا به، فنثر عليهم الدراهم والدنانير، ودخل دمشق فلم يغلق فى وجهه باب ولا منعه مانع، فملكها عناية لا عنوة. وفيها استخدم صلاح الدين العماد الكاتب الأصبهانىّ، وسببه أنه التقى بالقاضى الفاضل ومدحه بأبيات منها: عاينت طود سكينة ورأيت شم ... س فضيلة ووردت بحر فواضل «٢» ورأيت سحبان البلاغة ساحبا ... ببيانه ذيل الفخار لوائل

стр. 1815

حلف [الحصافة «١» ] والفصاحة والسما ... حة والحماسة والتّقى والنّائل بحر من الفضل «٢» الغزير خضمّه ... طامى العباب وماله من ساحل فى كفّه قلم يعجّل جريه ... ما كان من أجل ورزق آجل أبصرت قسّا فى الفصاحة معجزا ... فعرفت أنّى فى فهاهة باقل فدخل القاضى الفاضل على السلطان صلاح الدين وقال: غدا تأتيك تراجم الأعاجم، وما يحلّها مثل العماد الكاتب. فقال: [مالى «٣» ] عنك مندوحة، أنت كاتبى ووزيرى، وقد رأيت على وجهك البركة، فإذا استكبت غيرك تحدّث الناس؛ فقال الفاضل: هذا يحلّ التراجم، وربّما أغيب «٤» أنا ولا أقدر على ملازمتك، فإذا غبت قام العماد الكاتب مقامى، وقد عرفت فضل العماد، وخدمته للدولة النورية، فاستكنبه. وفيها توفّى السلطان أرسلان «٥» شاه بن طغرل [بن محمد «٦» ] بن ملكشاه بن ألب أرسلان ابن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق السّلجوقىّ. وقام بعده فى الملك ابنه طغرل شاه، وكان صغير السّن، فتولّى تدبير ملكه محمد بن إيلدكز الأتابك وكان يلقّب بالبهلوان. وفهيا توفّى يحيى بن جعفر أبو الفضل زعيم الدّين، صاحب مخزن الخلفاء: المقتفى والمستنجد والمستضىء، وناب فى الوزارة، وتقلّب فى الأعمال نيّفا

стр. 1816

وعشرين سنة، وكان حافظا للقرآن فاضلا عارفا منصفا، محبّا للعلماء والصالحين؛ ومات فى شهر ربيع الأوّل، وكانت جنازته مشهودة. قال العماد الكاتب: جلس يوما فى ديوان الوزارة فقام شهاب «١» الدين بن الصّيفىّ فأنشده: لكلّ زمان من أمائل أهله ... برامكة يمتارهم كلّ معسر «٢» أبو الفضل يحيى مثل يحيى بن خالد ... يدا «٣» وأبوه جعفر مثل جعفر ثم قام ثابت «٤» الواعظ- ﵀ فأنشد بديها: وفى الجانب الشرقىّ يحيى بن جعفر ... وفى الجانب الغربىّ موسى بن جعفر فذاك «٥» إلى الله الكريم شفيعنا ... وهذا إلى المولى الإمام المطهّر (يعنى ساكن الجانب الشرقىّ صاحب الترجمة، وبالجانب الغربىّ موسى بن جعفر الصادق) . الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى قاضى القضاة أبو طالب روح بن أحمد الحديثىّ «٦» ، وله ثمان وستّون سنة. وفخر النساء خديجة بنت أحمد النّهروانيّة فى شهر رمضان. وعبد الله [بن عبد الصمد «٧» ] بن عبد الرّزاق السّلمىّ العطّار. وأبو بكر محمد بن علىّ بن محمد الطّوسىّ. وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن خليل القيسىّ مسند المغرب.

стр. 1817

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧١] السنة الخامسة من ولاية صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. فيها عزل الخليفة المستضىء بالله الحسن صندل الخادم «١» عن الأسناداريّة، وضيّق على ولده الأمير أبى العبّاس أحمد، لأمر بلغه عنهما، وولّى [ابن «٢» ] الصاحب الأستادارية عوضا عن صندل المذكور. وفيها وثبت الإسماعيليّة على السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب وهو على اعزاز، جاءه ثلاثة فى زىّ الأجناد، فضربه واحد بسكّين فى رأسه فلم يجرحه وخدشت السكّين خدّه وقتل الثلاثة، فرحل صلاح الدين إلى حلب، فلمّا نزل عليها بعث إليه الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل نور الدين محمود أخته خاتون بنت نور الدين فى اللّيل، فدخلت عليه فقام قائما وقبّل الأرض لها وبكى على نور الدين؛ فسألته أن يردّ عليهم اعزاز، فأعطاها إيّاها، وقدّم لها من الجواهر والتّحف شيئا كثيرا؛ واتّفق مع الملك الصالح أنّ من حماة وما فتحه إلى مصر له، وباقى البلاد الحلبيّة للصالح. وفيها قدم شمس الدولة توران شاه بن أيّوب أخو صلاح الدين من اليمن إلى دمشق فى سلخ ذى الحجّة. وفيها فوّض سيف الدولة غازى أمر الموصل إلى مجاهد الدين قيماز الخادم.

стр. 1818

وفيها توفّى علىّ بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الحافظ أبو القاسم الدمشقى المعروف بابن عساكر، مولده فى أوّل المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة. كان أحد أئمة الحديث المشهورين، والعلماء المذكورين، سمع الكثير وسافر، وصنّف تاريخا لدمشق، وصنّف كتبا كثيرة، وكان إماما فى الفنون، فقيها محدّثا حافظا مؤرّخا. قال العماد الكاتب: أنشدنى لنفسه بالمزّة «١» : أيا نفس ويحك جاء المشيب ... فماذا التّصابى وماذا الغزل تولّى شبابى كأن لم يكن ... وجاء مشيبى كأن لم يزل [كأنّى «٢» بنفسى على غرة ... وخطب المنون بها قد نزل] فياليت شعرى ممّن أكون ... وما قدّر الله لى فى الأزل الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الحافظ ثقة الدّين أبو القاسم علىّ بن الحسن بن هبة الله بن عساكر فى رجب، وله ثلاث وسبعون سنة إلا شهرا. ومجد الدين أبو منصور محمد بن أسعد بن [محمد «٣» المعروف ب] حفدة الطّوسىّ العطّارىّ الشافعىّ الواعظ. وأبو حنيفة محمد بن عبيد «٤» الله الأصبهانىّ الخطيبىّ فى صفر. وأبو جعفر هبة الله بن يحيى بن البوقىّ «٥» الشافعىّ. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وعشر أصابع.

стр. 1819

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٢] السنة السادسة من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. فيها تزوّج السلطان صلاح الدين يوسف بالخاتون عصمة الدّين بنت الأمير معين الدين أنر «١» زوجة الملك العادل نور الدين محمود، وكانت بقلعة دمشق. وفيها كانت فتنة مقدّم السّودان من صعيد مصر، سار من الصعيد إلى مصر فى مائة ألف أسود، ليعيد الدولة المصريّة الفاطميّة، فخرج إليه أخو صلاح الدين الملك العادل أبو بكر، وأبو الهيجاء الهكّارىّ، وعزّ الدين موسك بمن معهم من عساكر مصر؛ والتقوا مع السّودان، فكانت بينهم وقعة هائلة، قتل كبير السودان المذكور ومن معه. قال الشيخ شمس الدين يوسف فى مرآة الزمان: «يقال إنهم قتلوا منهم ثمانين ألفا وعادوا إلى القاهرة» . وفيها خرج السلطان صلاح من دمشق إلى مصر، واستناب أخاه شمس الدولة توران شاه على الشام. وجاءت الفرنج إلى داريّا «٢» ، فأحرقوا ونهبوا وعادوا. وفيها أمر السلطان صلاح الدين قراقوش الخادم بعمارة سور القاهرة ومصر، وضيّع فيه أموالا كثيرة ولم ينتفع به أحد. وفيها أبطل صلاح الدين المكوس التى كانت تؤخذ من الحاج بجدّة، ممّا يحمل فى البحر؛ وعوّض صاحب مكّة عنها فى كلّ سنة ثمانية آلاف اردبّ قمحا تحمل إليه فى البحر، [ويحمل «٣» مثلها] فتفرّق فى أهل الحرمين.

стр. 1820

وفيها عمّر صلاح الدين مدرسة الشافعىّ «١» بالقرافة، وتولّى الشيخ نجم الدين الخبوشانىّ عمارتها. وعمّر البيمارستان «٢» فى القصر، ووقف عليه الأوقاف. وفيها حجّ بالناس من الشام قيماز النّجمىّ. وفيها توفّى علىّ بن منصور أبو الحسن السّروجىّ الأديب، مؤدّب أولاد الأتابك زنكى بن آق سنقر، كان يأخذ الماء بفيه ويكتب به على الحائط كتابة حسنة كأنّها كتبت بقلم الطومار، وينقط ما يكتب ويشكله. ومن شعره فى فصل الربيع وفضل دمشق، ومدح نور الدين قصيدة طنّانة أوّلها: فصل الربيع زمان نوره نور ... أنفاس «٣» أشجاره مسك وكافور وفيها توفّى محمد بن مسعود أبو المعالى، خرج إلى الحجّ فى هذه السنة فتوفّى يفند «٤» ، كان أديبا فاضلا. ومن شعره هجو فى قاض ولى القضاء: ولمّا [أن «٥» ] تولّيت القضايا ... وفاض الجور من كفّيك فيضا ذبحت بغير سكّين وإنّى ... لأرجو الذبح بالسّكّين أيضا وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن القاسم أبو الفضل كمال الدين الشهرزورىّ قاضى دمشق. مولده فى سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، كان إماما فاضلا فقيها مفتنّا، كان إليه فى أيّام نور الدين الشهيد مع القضاء أمر المساجد والمدارس والأوقاف والحسبة، والأمور الدينيّة والشرعيّة. وكان صاحب القلم والسيف، وكانت شحنجية دمشق إليه، ولّى فيها بعض غلمانه؛ ثم ولّاها نور الدين بعد ذلك

стр. 1821

لصلاح الدين يوسف بن أيّوب قبل قدومه إلى مصر. وكان مع فضله ودينه له الشعر الجيّد، وكان بينه وبين صلاح الدين يوسف بن أيّوب، صاحب الترجمة فى أيام نور الدين مضاغنة. ومن شعره: وجاءوا عشاء يهرعون وقد بدا ... بجسمى من داء الصبابة ألوان فقالوا وكلّ معظم بعض ما رأى ... أصابتك عين قلت عين وأجفان قلت: وهذا شبه قول القائل ولم أدر من السابق: ولمّا رأونى العاذلون متيّما ... كئيبا بمن أهوى وعقلى ذاهب رثوا لى وقالوا كنت بالأمس عاقلا ... أصابتك عين قلت عين وحاجب الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو [محمد «١» ] صالح ابن المبارك بن الرّخلة القزّاز. والمحدّث أبو [محمد «٢» ] عبد الله بن عبد الرحمن الأموىّ الدّيباجىّ الأصبهانىّ العثمانىّ الإسكندرانىّ. وأبو الحسن «٣» علىّ بن عساكر. وأبو بكر محمد بن أحمد بن ماه «٤» شاده الأصبهانىّ المقرئ، آخر من روى عن سليمان الحافظ. وقاضى الشام كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفّر الشّهرزورىّ فى المحرّم. والقاضى أبو الفتح نصر بن سيّار بن صاعد الكتّانىّ الهروىّ الحنفىّ مسند خراسان يوم عاشوراء، وله سبع وتسعون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.

стр. 1822

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٣] السنة السابعة من ولاية صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. فيها توفّى صدقة بن الحسين بن الحسن أبو الفرج «١» الناسخ الحنبلىّ، كان يعرف بابن الحدّد، كان فقيها مفتنّا مناظرا. قال أبو المظفّر: لكنّه قرأ «الشفاء» «٢» وكتب الفلاسفة، فتغيّر اعتقاده، وكان يبدو من فلتات لسانه ما يدلّ على ذلك. ومن شعره- رحمه الله تعالى-: لا توطّنها فليست بمقام ... واجتنبها فهى دار الانتقام أتراها صنعة من صانع ... أم تراها رمية من غير رام وفيها توفّى كمشتكين خادم السلطان نور الدين الشهيد. كان من أكابر خدّامه (أعنى مماليكه) ، وكان ولّاه الموصل نيابة عنه. فلمّا مات نور الدين هرب إلى حلب، وخدم شمس الدين ابن الداية، ثم جاء إلى الملك الصالح ابن نور الدين الشهيد فأعطاه حارم، ثم غضب عليه لأمر وطلب منه قلعة حارم بعد أن قبض عليه، فامتنعوا أصحابه من تسليمها، فعلّقه الملك الصالح منكّسا، ودخّن تحت أنفه حتّى مات. وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفّر، الوزير أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء، ولقبه عضد الدولة. وكان أبوه أستادار المقتفى وأقرّه المستنجد. فلمّا ولى المستضىء استوزره، فشرع ظهير الدين [بن العطّار «٣» ] أبو بكر صاحب المخزن فى عداوته،

стр. 1823

حتّى غيّر قلب الخليفة عليه، فطلب الحجّ فأذن له، فتجهّز جهازا عظيما واشترى ستّمائة جمل لحمل المنقطعين وزادهم، وحمل معه جماعة من العلماء والزهّاد، وأخذ معه بيمارستانا فيه جميع ما يحتاج إليه، وسافر بتجمّل زائد. فلمّا وصل إلى باب قطفتا «١» خرج إليه رجل صوفىّ بيده قصّة، فقال: مظلوم! فقال الغلمان: هات قصّتك. فقال: ما أسلّمها إلّا للوزير. فلمّا دنا منه ضربه بسكّين فى خاصرته، فصاح: قتلتنى، وسقط من دابّته، وبقى على قارعة الطريق ملقى، وتفرّق من كان معه إلّا حاجب الباب، فإنّه رمى بنفسه عليه، فضربه الباطنىّ بسكّين فجرحه، وظهر للباطنىّ رفيقان فقتلوا وأحرقوا. ثم حمل الوزير إلى داره فمات بها. وكان مشكور السّيرة محببّا إلى الرعيّة، غير أنّ القاضى الفاضل لمّا بلغه خبر قتله، أنشد: وأحسن من نيل الوزارة للفتى ... حياة تريه مصرع الوزراء وما ربّك بظلّام للعبيد. كان- عفا الله عنه- قد قتل ولدى الوزير ابن هبيرة وخلقا كثيرا. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الوزير أبو الفرج محمد بن عبد الله ابن رئيس الرؤساء، وثبت عليه الإسماعليّة فى ذى القعدة. وهارون ابن العبّاس أبو محمد بن المأمونىّ صاحب التاريخ. وأبو شاكر يحيى بن يوسف السّقلاطونىّ «٢» . أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.

стр. 1824

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٤] السنة الثامنة من ولاية صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة أربع وسبعين وخمسمائة. فيها جرى بحث فى مجلس ظهير الدين بن العطّار [صاحب المخزن «١» ] ، فى قتال «٢» عائشة لعلىّ. فقال ابن البغدادىّ الحنفىّ: كانت عائشة باغية على علىّ، فصاح عليه ابن العطّار وأقامه من مكانه وأخبر الخليفة، فجمع الفقهاء وسأل: ما يجب عليه؟ فقالوا: يعزّر. فقال ابن الجوزىّ: لا يجب عليه التعزير، لأنّه رجل ليس له علم بالنّقل، وقد سمع أنّه جرى قتال ولم يعلم أنّ السفهاء أثاروه بغير رضا الفريقين، وتأديبه «٣» العفو عنه، فأطلق. وفيها توفّى سعد بن محمد بن سعد أبو الفوارس شهاب الدين [بن «٤» ] الصّيفىّ التّميمىّ، المعروف بالحيص بيص، كان شاعرا فاضلا، مدح الخلفاء والوزراء والأكابر، وله ديوان شعر، وكانت وفاته ببغداد فى شعبان. وسبب تسميته بالحيص بيص أنّه رأى الناس فى يوم حركة فقال: ما للناس فى حيص بيص! فغلب عليه هذا اللّقب. ومعنى هاتين الكلمتين: الشدّة والاختلاط. تقول العرب: وقع الناس فى حيص بيص [أى «٥» فى شدّة واختلاط] . ومن شعر الحيص بيص- ﵀ وعفا عنه-: لم ألق مستكبرا إلّا تحوّل لى ... عند اللقاء له الكبر الذي فيه ولا حلا لى من الدنيا ولذّتها ... إلّا مقابلتى للتّيه بالتّيه

стр. 1825

وكان الحيص بيص يلبس زىّ العرب، ويتقلّد سيفا، فعمل فيه أبو القاسم «١» ابن الفضل: كم تنادى «٢» وكم تطوّل طرطو ... رك ما فيك شعرة من تميم فكل الضّبّ واقرض الحنظل [اليا «٣» ... بس] واشرب ما شئت بول الظليم ليس ذا وجه من يضيف ولا ... يقرى ولا يدفع الأذى عن حريم الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو أحمد أسعد بن بلدرك «٤» الجبريلىّ البوّاب. والحيص بيص الشاعر شهاب الدين أبو الفوارس سعد ابن محمد بن سعد بن صيفىّ التّميمىّ فى شوّال. وفخر النساء شهدة بنت أحمد ابن الفرج الإبرىّ فى المحرّم، وقد جاوزت التسعين. وأبو رشيد عبد الله بن عمر الأصبهانىّ فى شهر ربيع الآخر. وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق اليوسفىّ. وأبو الخطّاب عمر بن محمد التاجر بدمشق. وأبو عبد الله محمد بن نسيم العيشونىّ. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثلاث عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٥] السنة التاسعة من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
следующие страницы →