Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
لصلاح الدين يوسف بن أيّوب قبل قدومه إلى مصر. وكان مع فضله ودينه له الشعر الجيّد، وكان بينه وبين صلاح الدين يوسف بن أيّوب، صاحب الترجمة فى أيام نور الدين مضاغنة. ومن شعره:
وجاءوا عشاء يهرعون وقد بدا ... بجسمى من داء الصبابة ألوان
فقالوا وكلّ معظم بعض ما رأى ... أصابتك عين قلت عين وأجفان
قلت: وهذا شبه قول القائل ولم أدر من السابق:
ولمّا رأونى العاذلون متيّما ... كئيبا بمن أهوى وعقلى ذاهب
رثوا لى وقالوا كنت بالأمس عاقلا ... أصابتك عين قلت عين وحاجب
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو [محمد «١» ] صالح ابن المبارك بن الرّخلة القزّاز. والمحدّث أبو [محمد «٢» ] عبد الله بن عبد الرحمن الأموىّ الدّيباجىّ الأصبهانىّ العثمانىّ الإسكندرانىّ. وأبو الحسن «٣» علىّ بن عساكر. وأبو بكر محمد بن أحمد بن ماه «٤» شاده الأصبهانىّ المقرئ، آخر من روى عن سليمان الحافظ.
وقاضى الشام كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفّر الشّهرزورىّ فى المحرّم. والقاضى أبو الفتح نصر بن سيّار بن صاعد الكتّانىّ الهروىّ الحنفىّ مسند خراسان يوم عاشوراء، وله سبع وتسعون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.
стр. 1822
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٣]
السنة السابعة من ولاية صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
فيها توفّى صدقة بن الحسين بن الحسن أبو الفرج «١» الناسخ الحنبلىّ، كان يعرف بابن الحدّد، كان فقيها مفتنّا مناظرا. قال أبو المظفّر: لكنّه قرأ «الشفاء» «٢» وكتب الفلاسفة، فتغيّر اعتقاده، وكان يبدو من فلتات لسانه ما يدلّ على ذلك. ومن شعره- رحمه الله تعالى-:
لا توطّنها فليست بمقام ... واجتنبها فهى دار الانتقام
أتراها صنعة من صانع ... أم تراها رمية من غير رام
وفيها توفّى كمشتكين خادم السلطان نور الدين الشهيد. كان من أكابر خدّامه (أعنى مماليكه) ، وكان ولّاه الموصل نيابة عنه. فلمّا مات نور الدين هرب إلى حلب، وخدم شمس الدين ابن الداية، ثم جاء إلى الملك الصالح ابن نور الدين الشهيد فأعطاه حارم، ثم غضب عليه لأمر وطلب منه قلعة حارم بعد أن قبض عليه، فامتنعوا أصحابه من تسليمها، فعلّقه الملك الصالح منكّسا، ودخّن تحت أنفه حتّى مات.
وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفّر، الوزير أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء، ولقبه عضد الدولة. وكان أبوه أستادار المقتفى وأقرّه المستنجد. فلمّا ولى المستضىء استوزره، فشرع ظهير الدين [بن العطّار «٣» ] أبو بكر صاحب المخزن فى عداوته،
стр. 1823
حتّى غيّر قلب الخليفة عليه، فطلب الحجّ فأذن له، فتجهّز جهازا عظيما واشترى ستّمائة جمل لحمل المنقطعين وزادهم، وحمل معه جماعة من العلماء والزهّاد، وأخذ معه بيمارستانا فيه جميع ما يحتاج إليه، وسافر بتجمّل زائد. فلمّا وصل إلى باب قطفتا «١» خرج إليه رجل صوفىّ بيده قصّة، فقال: مظلوم! فقال الغلمان: هات قصّتك. فقال: ما أسلّمها إلّا للوزير. فلمّا دنا منه ضربه بسكّين فى خاصرته، فصاح: قتلتنى، وسقط من دابّته، وبقى على قارعة الطريق ملقى، وتفرّق من كان معه إلّا حاجب الباب، فإنّه رمى بنفسه عليه، فضربه الباطنىّ بسكّين فجرحه، وظهر للباطنىّ رفيقان فقتلوا وأحرقوا. ثم حمل الوزير إلى داره فمات بها. وكان مشكور السّيرة محببّا إلى الرعيّة، غير أنّ القاضى الفاضل لمّا بلغه خبر قتله، أنشد:
وأحسن من نيل الوزارة للفتى ... حياة تريه مصرع الوزراء
وما ربّك بظلّام للعبيد. كان- عفا الله عنه- قد قتل ولدى الوزير ابن هبيرة وخلقا كثيرا.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الوزير أبو الفرج محمد بن عبد الله ابن رئيس الرؤساء، وثبت عليه الإسماعليّة فى ذى القعدة. وهارون ابن العبّاس أبو محمد بن المأمونىّ صاحب التاريخ. وأبو شاكر يحيى بن يوسف السّقلاطونىّ «٢» .
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وثلاث أصابع.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.
стр. 1824
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٤]
السنة الثامنة من ولاية صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
فيها جرى بحث فى مجلس ظهير الدين بن العطّار [صاحب المخزن «١» ] ، فى قتال «٢» عائشة لعلىّ. فقال ابن البغدادىّ الحنفىّ: كانت عائشة باغية على علىّ، فصاح عليه ابن العطّار وأقامه من مكانه وأخبر الخليفة، فجمع الفقهاء وسأل: ما يجب عليه؟ فقالوا: يعزّر. فقال ابن الجوزىّ: لا يجب عليه التعزير، لأنّه رجل ليس له علم بالنّقل، وقد سمع أنّه جرى قتال ولم يعلم أنّ السفهاء أثاروه بغير رضا الفريقين، وتأديبه «٣» العفو عنه، فأطلق.
وفيها توفّى سعد بن محمد بن سعد أبو الفوارس شهاب الدين [بن «٤» ] الصّيفىّ التّميمىّ، المعروف بالحيص بيص، كان شاعرا فاضلا، مدح الخلفاء والوزراء والأكابر، وله ديوان شعر، وكانت وفاته ببغداد فى شعبان. وسبب تسميته بالحيص بيص أنّه رأى الناس فى يوم حركة فقال: ما للناس فى حيص بيص! فغلب عليه هذا اللّقب. ومعنى هاتين الكلمتين: الشدّة والاختلاط. تقول العرب: وقع الناس فى حيص بيص [أى «٥» فى شدّة واختلاط] . ومن شعر الحيص بيص- ﵀ وعفا عنه-:
لم ألق مستكبرا إلّا تحوّل لى ... عند اللقاء له الكبر الذي فيه
ولا حلا لى من الدنيا ولذّتها ... إلّا مقابلتى للتّيه بالتّيه
стр. 1825
وكان الحيص بيص يلبس زىّ العرب، ويتقلّد سيفا، فعمل فيه أبو القاسم «١» ابن الفضل:
كم تنادى «٢» وكم تطوّل طرطو ... رك ما فيك شعرة من تميم
فكل الضّبّ واقرض الحنظل [اليا «٣» ... بس] واشرب ما شئت بول الظليم
ليس ذا وجه من يضيف ولا ... يقرى ولا يدفع الأذى عن حريم
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو أحمد أسعد بن بلدرك «٤» الجبريلىّ البوّاب. والحيص بيص الشاعر شهاب الدين أبو الفوارس سعد ابن محمد بن سعد بن صيفىّ التّميمىّ فى شوّال. وفخر النساء شهدة بنت أحمد ابن الفرج الإبرىّ فى المحرّم، وقد جاوزت التسعين. وأبو رشيد عبد الله بن عمر الأصبهانىّ فى شهر ربيع الآخر. وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق اليوسفىّ.
وأبو الخطّاب عمر بن محمد التاجر بدمشق. وأبو عبد الله محمد بن نسيم العيشونىّ.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثلاث عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٥]
السنة التاسعة من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
стр. 1826
فيها ختن السلطان صلاح الدين ولده الملك العزيز عثمان.
وفيها توفّى الخليفة أمير المؤمنين المستضىء بأمر الله أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد بن المقتفى محمد العباسىّ الهاشمىّ البغدادىّ. كان أحسن الخلفاء سيرة، كان إماما عادلا شريف النفس حسن السيرة ليس للمال عنده قدر، حليما شفيقا على الرعيّة، أسقط المكوس والضرائب فى أيّام خلافته، وكانت وفاته ببغداد فى ثانى ذى القعدة عن ستّ «١» وثلاثين سنة، وكانت خلافته تسع سنين. وهو الذي عادت الخطبة باسمه فى الديار المصريّة والبلاد الشاميّة والثغور، واجتمعت الأمّة على خليفة واحد، وانقطع فى أيّامه دولة بنى عبيد الفاطميّين الرافضة من مصر وأعمالها.
ولله الحمد. وأمّه أمّ ولد مولّدة.
وفيها توفّيت الزاهدة العابدة علم بنت عبد الله بن المبارك. كانت تضاهى رابعة العدويّة فى زمانها، مرض ولدها أحمد بن الزّبيدىّ فاحتضر، وجاء وقت الصلاة، فقالت: يا بنى، ادخل فى الصلاة، فدخل وكبر ومات، فخرجت إلى النساء وقالت: هنّيننى! قلن ماذا؟ قالت: ولدى مات فى الصلاة. فتعجّب الناس من ذلك. وكانت وفاتها ببغداد، وعمرها مائة سنة وستّ سنين، ولم يتغيّر لها شىء من حواسّها.
وفيها توفّى منصور بن نصر بن الحسين الرئيس ظهير الدين صاحب المخزن للخلفاء، ونائب الوزارة. نال من الوجاهة والرياسة ما لم ينله غيره من أطباقه، إلى أن قبض عليه الخليفة الناصر لدين الله، وعلى أصحابه وحواشيه، وصادره وأجرى عليه العقوبة إلى أن مات.
стр. 1827
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة قال: وفيها توفّى أبو الفتح أحمد بن أبى الوفاء الحنبلىّ بحرّان. والمستضىء بأمر الله أبو محمد الحسن بن المستنجد يوسف ابن المقتفى فى شوّال. وأبو الحسين عبد الحقّ بن عبد الخالق اليوسفىّ فى جمادى الأولى. وأبو الفضل عبد الحسن بن تريك «١» الأزجىّ. وأبو الحسن علىّ بن أحمد الزّيدىّ المحدّث الزاهد. وأبو المعالى علىّ بن هبة الله [بن علىّ «٢» ] بن خلدون. والقاضى أبو المحاسن عمر بن علىّ القرشى عمّ كريمة. وأبو هاشم عيسى بن أحمد الهاشمىّ الدّوشابىّ «٣» .
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وستّ أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وسبع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٦]
السنة العاشرة من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة ستّ وسبعين وخمسمائة.
فيها قدمت امرأة إلى القاهرة عديمة اليدين، وكانت تكتب برجليها كتابة حسنة، فحصل لها القبول التام، ونالها مال جزيل.
وفيها حجّ من العراق الأمير طاشتكين «٤» ، ومن الشام الأمير سيف الدين علىّ بن المشطوب.
стр. 1828
وفيها توفّى أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ أبو طاهر السّلفىّ «١» الأصبهانىّ، ولد سنة سبعين وأربعمائة، وكان طاف الدنيا ولقى المشايخ، وكان يمشى حافيا لطلب العلم والحديث، وقدم دمشق وغيرها، وسمع بعدّة بلاد، ثم دخل مصر وسمع بها، واستوطن الإسكندريّة حتى مات بها فى يوم الجمعة خامس شهر ربيع الآخر، ودفن داخل الإسكندرية وقد جاوز المائة بخمس سنين. ومن شعره فى معنى كبر سنّه:
أنا إن بان شبابى ومضى ... فلربّى الحمد ذهنى حاضر
ولئن خفّت وجفّت أعظمى ... كبرا غصن علومى ناضر
وفيها توفّى الملك المعظّم فخر الدين شمس الدولة توران شاه بن أيّوب أخو السلطان صلاح الدين صاحب الترجمة لأبيه. كان أكبر من صلاح الدين فى السنّ، وكان يرى فى نفسه أنّه أحقّ بالملك من صلاح الدين يوسف المذكور، وكان تبدو منه كلمات فى سكره فى حقّ صلاح الدين، ويبلغ صلاح الدين، فأبعده وبعثه إلى اليمن، فسفك الدماء وقتل الأمائل وأخذ الأموال. ولم يطب له اليمن فعاد إلى الشام على مضض من صلاح الدين، فأعطاه بعلبكّ فبلغه عنه أشياء فأبعده إلى الإسكندريّة، فتوجّه إليها وأقام بها معتكفا على اللهو، ولم يحضر حروب أخيه صلاح الدين ولا غزواته؛ ومات بالإسكندريّة، فأرسلت أخته شقيقته ستّ الشام، فحملته فى تابوت إلى دمشق فدفنته فى تربتها التى أنشأتها بدمشق. وكان توران شاه المذكور جوادا ممدّحا حسن الأخلاق؛ إلّا أنّه كان أسوأ بنى أيّوب سيرة وأقبحهم طريقة.
стр. 1829
وفيها توفّى الملك غازى بن مودود بن زنكى بن آق سنقر التركىّ سيف الدين صاحب الموصل وابن أخى السلطان الملك العادل نور الدين محمود الشهيد. كان غازى من أحسن الناس صورة، وكان وقورا عاقلا غيورا، ما يدع خادما بالغا يدخل داره على حرمه، وكان طاهر اللّسان عفيفا عن أموال الناس، قليل السفك للدماء، مع شحّ كان فيه.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السّلفىّ فى شهر ربيع الآخر، وقد جاوز المائة بيقين. وشمس الدولة توران شاه بن أيّوب بن شادى صاحب اليمن بالإسكندرية فى صفر. وأبو المعالى عبد الله بن عبد الرحمن [بن أحمد «١» بن علىّ] بن صابر السلمىّ فى رجب. وأبو المفاخر سعيد بن الحسين المأمونىّ. وأبو الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز بن محمد الأزدىّ ابن أبى العجائز فى جمادى الآخرة. وأبو الحسن «٢» علىّ بن عبد الرحيم بن العصّار السّلمىّ البغدادىّ اللغوىّ فى المحرّم. وصاحب الموصل سيف الدين غازى بن مودود ابن اتابك فى صفر، وله ثلاثون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وستّ عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٧]
السنة الحادية عشرة من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
стр. 1830
فيها عاد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب صاحب الترجمة من دمشق إلى القاهرة، واستناب على الشام [ابن «١» ] أخيه عزّ الدين فرخشاه.
وفيها أمر السلطان صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغتكين بالمسير إلى اليمن، فأخذ يتجهّز للمسير.
وفيها بعث السلطان صلاح الدين الخادم بهاء الدين قراقوش إلى «٢» اليمن، فتوجّه وقبض على سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ، وطلب منه المال؛ وكان نائب أخيه توران شاه.
وفيها بنيت قلعة «٣» الجبل بالقاهرة.
وفيها توفّى الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى ابن آق سنقر صاحب حلب بمرض القولنج، وكان لمّا اشتدّ به مرض القولنج وصف له الحكماء قليل خمر، فقال: لا أفعل حتّى أسأل الفقهاء. فسأل الشافعيّة «٤» فأفتوه بالجواز فلم يقبل، وقال: إن الله تعالى قرّب أجلى، أيؤخّره شرب الخمر! قالوا: لا. قال: فو الله لا لقيت الله وقد فعلت ما حرّم علىّ، فمات ولم يشر به.
ولمّا أشرف على الموت أحضر الأمراء واستحلفهم لابن عمّه عزّ الدين [مسعود «٥» ابن مودود] صاحب الموصل؛ فقيل له: لو أوصيت لابن عمك عماد الدين صاحب سنجار! فإنّه صعلوك ليس له غير سنجار، وهو تربية أبيك وزوج أختك،
стр. 1831
وشجاع كريم، وعزّ الدين له من الفرات إلى همذان؛ فقال: هذا لم يخف عنىّ، ولكن قد علمتم استيلاء صلاح الدين على الشام، [سوى «١» ما بيدى] ، ومصر واليمن، وعماد الدين لا يثبت له إذا أراد أخذ البلاد؛ وعزّ الدين له العساكر والأموال فهو أقدر على حفظ حلب وأثبت من عماد الدين، ومتى ذهبت حلب ذهب الجميع؛ فاستحسنوا قوله.
قلت: ولم يخطر ببال أحد أخذ صلاح الدين بن أيّوب الشام من الملك الصالح هذا قبل تاريخه، فإنّه كان غرس نعمة أبيه الملك العادل، فلم يلتفت صلاح الدين للأيادى السالفة، وانتهز الفرصة حيث أمكنته، وقاتل الملك الصالح هذا حتّى أخذ منه دمشق، فلهذا صار عند الصالح كمين من صلاح الدين.
وفيها توفّى عبد الرحمن «٢» بن محمد [بن «٣» عبيد الله] بن أبى سعيد أبو البركات الأنبارىّ النحوىّ، مصنّف كتاب «الأسرار «٤» فى علم العربيّة» وكتاب «هداية الذاهب فى معرفة المذاهب» . كان إماما فى فنون كثيرة مع الزهد والورع والعبادة، وكانت وفاته فى شعبان.
وفيها توفّى عمر «٥» بن حموّيه عماد الدين والد شيخ الشيوخ صدر الدين وتاج الدين، وهو من ولد حموّيه بن علىّ الحاكم على خراسان إمام السامانيّة.
стр. 1832
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة فى كتاب الإشارة «١» ، قال: وفيها توفّى الملك الصالح إسماعيل ابن السلطان نور الدين بحلب فى رجب، وله ثمانى عشرة سنة.
والكمال أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنبارىّ النحوىّ العبد الصالح. وشيخ الشيوخ أبو الفتوح «٢» عمر بن علىّ الجوينىّ.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وخمس أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٨]
السنة الثانية عشرة من ولاية الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة.
فيها سار سيف الإسلام طغتكين أخو صلاح الدين من مصر إلى اليمن إلى أن نزل زبيد، وبها حطّان [بن منقذ «٣» الكنانىّ] ، فأمره أن يسير إلى الشام، فجمع أمواله وذخائره ونزل بظاهر زبيد فقبض عليه سيف الإسلام، وأخذ جميع ما كان معه، وقيمته ألف ألف دينار، ثم قتله بعد ذلك. وكان عثمان الزنجبيلىّ بعدن، فلمّا بلغه ذلك سافر إلى الشام بعد أن أثّر باليمن آثارا كبيرة ووقف الأوقاف؛ وله مدرسة أيضا بمكّة، ورباط بالمدينة وغيرها.
وفيها فى خامس المحرّم خرج صلاح الدين من مصر فنزل البركة «٤» قاصدا الشام، وخرج أعيان الدولة لوداعه، وأنشده الشعراء أبياتا فى الوداع، فسمع قائلا يقول فى ظاهر المخيّم:
стр. 1833
تمتّع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار
فطلب القائل فلم يجده. فوجم الناس وتطيّر الحاضرون، فكان كما قال.
قلت: وقول من قال، فكان كما قال، ليس بشىء، فإنّ صلاح الدين عاش بعد ذلك نحو العشر سنين، غير أنّه ما دخل مصر بعدها فيما أظنّ، فإنّه اشتغل بفتح الساحل وقتال الفرنج، كما تقدّم ذكره فى ترجمته.
وفهيا توفّى أحمد بن علىّ بن أحمد الشيخ أبو العبّاس المعروف بابن الرّفاعىّ، إمام وقته فى الزهد والصلاح والعلم والعبادة. كان من الأفراد الذين أجمع الناس على علمه وفضله وصلاحه. كان يسكن أمّ عبيدة بالعراق، وكان شيخ البطائحة «١» ، وكان له كرامات ومقامات، وأصحابه يركبون السّباع ويلعبون بالحيّات، ويتعلّق أحدهم فى أطول النخل ثم يلقى نفسه إلى الأرض ولا يتألّم، وكان يجتمع عنده كلّ سنة فى المواسم خلق عظيم. قال الشيخ شمس الدين يوسف فى تاريخه مرآة الزمان:
«حكى لى بعض أشياخنا قال: حضرت عنده ليلة نصف شعبان، وعنده نحو من مائة ألف إنسان قال: فقلت له: هذا جمع عظيم، فقال لى: حشرت محشر هامان إن خطر ببالى أنّى مقدّم هذا الجمع. قال: وكان متواضعا سليم الصدر مجرّدا من الدنيا ما ادّخر شيئا قطّ» . انتهى.
قلت: وعلم الشيخ أحمد بن الرفاعىّ وفضله وورعه أشهر من أن يذكر، وهو أكثر الفقراء أتباعا شرقا وغربا، والأعاجم يسمّونه: سيّدى أحمد الكبير، وقيل:
стр. 1834
إنّ سبب مرضه الذي مات منه، أنّ عبد الغنىّ بن محمد بن نقطة الزاهد مضى إلى زيارته، فأنشد «١» أبياتا منها:
إذا جنّ ليلى هام قلبى ذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوّق
وفوقى سحاب يمطر الهمّ والأسى ... وتحتى بحار بالأسى تتدفّق
سلوا أمّ عمرو كيف بات أسيرها ... تفكّ الأسارى دونه وهو موثق
فلا هو مقتول ففى القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيعتق «٢»
وكانت وفاة الشيخ أحمد فى يوم الخميس ثانى عشر «٣» جمادى الأولى، وقد جاوز سبعين «٤» سنة.
وفيها توفّى الأمير فرخشاه بن شاهنشاه بن أيّوب أبو سعد عزّ الدين. كان من الأماثل الأفاضل، كان متواضعا سخيّا جوادا شجاعا مقداما، وكان عمّه صلاح الدين قد استنابه بالشام، وكان فصيحا شاعرا. مات بدمشق فى جمادى الأولى. ومن شعره- رحمه الله تعالى-:
أقرضونى زمنا قرّبهم ... واستعادوا بالنّوى ما أقرضوا
أنا راض بالذى يرضيهم ... ليت شعرى بالتلاقى هل رضوا؟
وفيها توفّى الأمير يوسف بن عبد المؤمن بن علىّ أبو يعقوب صاحب المغرب، أمير الموحّدين. كان حسن السيرة عادلا ديّنا ملازما للصلوات الخمس، لا بسا للصوف، مجاهدا فى سبيل الله تعالى.
стр. 1835
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الشيخ الكبير أبو العبّاس أحمد بن علىّ بن أحمد الرفاعىّ بالبطائح. وأبو طالب الخضر بن هبة الله بن أحمد بن طاوس فى شوّال. والحافظ أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى ابن بشكوال الأنصارىّ القرطبىّ فى شهر رمضان، وله أربع وثمانون سنة. وأبو طالب أحمد بن المسلم بن رجاء اللّخمىّ التّنوخىّ فى شهر رمضان بالإسكندريّة. وخطيب الموصل أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطّوسىّ فى شهر رمضان عن اثنتين وتسعين سنة. وعزّ الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيّوب نائب دمشق فى جمادى الأولى. والقطب النّيسابورىّ أبو المعالى مسعود بن محمد بن مسعود شيخ الشافعيّة فى آخر شهر رمضان. وأبو محمد هبة الله بن محمد بن هبة الله الشّيرازىّ بدمشق فى شهر ربيع الأوّل.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبعان.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٧٩]
السنة الثالثة عشرة من ولاية صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة تسع وسبعين وخمسمائة.
فيها فى يوم الأحد عاشر المحرّم تسلّم السلطان صلاح الدين آمد من ديار بكر، ودخل إليها وجلس فى دار الإمارة، ثم سلّمها وأعمالها إلى نور الدين محمد»
بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا، وكان قد وعده بها لمّا جاء إلى خدمته. ثم عاد
стр. 1836
إلى حلب وحاصرها حتى أخذها من عماد الدين زنكى ابن أخى نور الدين الشهيد، وبذل له عوضها سنجار، وعمل الناس فى ذلك أشعارا كثيرة، منها:
وبعت بسنجار خير القلاع ... ثكلتك من بائع مشترى
وكان فى أيّام حصار حلب أصاب تاج الملوك بورى بن أيّوب سهم فى عينه فمات بعد أيّام، فحزن أخوه السلطان صلاح الدين عليه حزنا شديدا، وكان يبكى ويقول:
ما وفت حلب بشعرة من أخى تاج الملوك بورى. وخرج عماد الدين من حلب وسار إلى سنجار. ولمّا طلع صلاح الدين إلى قلعة حلب فى سلخ صفر [أنشدنا «١» ] القاضى [محيى الدين «٢» بن] زكىّ الدين محمد بن علىّ القرشىّ قاضى دمشق أبياتا منها:
وفتحه «٣» حلبا بالسيف فى صفر ... مبشّر بفتوح القدس فى رجب
فكان كما قال، لكن بعد سنين؛ وهو الذي [خطب «٤» ] بالقدس لمّا فتحه صلاح الدين فى رجب.
وفيها توفّى محمد بن بختيار الأديب، أبو عبد الله المولّد «٥» المعروف بالأبله البغدادىّ الشاعر المشهور، كان شاعرا ماهرا جمع فى شعره بين الصناعة والرقّة.
ومن شعره:
زار من أحيا بزورته ... والدّجى فى لون طرّته
قمر يثنى معاطفه ... بانة فى ثنى بردته
стр. 1837
بتّ أستجلى المدام على ... غرّة الواشى وغرّته
يا لها من زورة قصرت ... فأماتت طول جفوته
يا له فى الحسن من صنم ... كلّنا فى جاهليّته
وله قصيدة طنّانة أولها:
دعنى أكابد لوعتى وأعانى ... أين الطّليق من الأسير العانى
وفيها توفّى الملك تاج الملوك بورى بن أيّوب بن شادى أبو سعيد أخو السلطان صلاح الدين من سهم أصابه فى حصار حلب كما تقدّم ذكره. كان مولد تاج الملوك فى ذى الحجّة سنة ستّ وخمسين وخمسمائة، وكان قد جمع فيه محاسن الأخلاق: من مكارم وشيم ولطف طباع، مع شجاعة «١» وفضل وفصاحة، وكان شاعرا بليغا. ومن شعره:
رمضان بل مرضان إلّا أنّهم ... غلطوا إذا فى قولهم وأساءوا
مرضان فيه تخالفا ... فنهاره سلّ وأما ليله استسقاء
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى إسماعيل بن قاسم الزّيات بمصر. وتقيّة بنت [غيث «٢» بن] علىّ الأرمنازيّة «٣» الشاعرة. وأبو الفتح عبد الله بن أحمد الأصبهانىّ الخرقىّ فى رجب، وله تسع وثمانون سنة. ومحمد بن بختيار البغدادىّ الشاعر المعروف بالأبله. وأبو العلاء محمد بن جعفر بن عقيل، وله ثلاث وتسعون سنة. وأبو طالب محمد بن علىّ الكتّانىّ المحتسب. والعلّامة رضىّ الدين يونس بن محمد بن منعة فقيه الموصل.
стр. 1838
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٨٠]
السنة الرابعة عشرة من ولاية صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة ثمانين وخمسمائة.
فيها حجّ بالناس من العراق طاشتكين.
وفيها توفّى إيلغازى بن ألبى بن تمرتاش بن إيلغازى بن أرتق قطب الدين صاحب ماردين، كانت وفاته فى جمادى الآخرة. وخلّف ولدين صغيرين. وكان ملكا شجاعا عادلا منصفا عاقلا.
وفيها توفّى عبد الرحيم «١» بن إسماعيل بن أبى «٢» سعد شيخ الشيوخ صدر الدين وابن شيخ الشيوخ النّيسابورىّ. ولد سنة ثمان وخمسمائة، وكان فاضلا رسولا «٣» بين الخليفة وصلاح الدين، وكان يلبس الثياب الفاخرة، ويتخصّص بالأطعمة الطّيبة، فكان أهل بغداد يعيبون عليه حيث لم يسلك طريق المشايخ فى التعفّف عن الدنيا، ولمّا مات رثاه ابن «٤» المنجّم المصرىّ:
يا أخلّائى وحقّكم ... ما بقى من بعدكم فرح
أىّ صدر فى الزمان لنا ... بعد صدر الدين ينشرح
стр. 1839
وتولّى مشيخة الرّباط بعده الشيخ صفىّ الدين إسماعيل.
وفيها توفّى محمد بن قرا أرسلان نور الدين صاحب حصن كيفا؛ الذي كان أعطاه السلطان صلاح الدين آمد. وترك ابنه ظهير الدين سكمان صغيرا، عمره عشر سنين.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل بن أبى سعد شيخ الشيوخ فى رجب بالرّحبة راجعا فى الرسليّة «١» .
وأبو عبد الله محمد بن حمزة بن أبى الصّقر القرشىّ. وأبو الوفا محمود بن أبى القاسم [عمر «٢» ] الأصبهانىّ فى شهر ربيع الآخر، وله إحدى وسبعون سنة. أجاز له طرّاد [الزّينبى «٣» النّقيب] وسمع من أبى الفتح [أحمد «٤» بن محمد] البيود رحانىّ «٥» . وصاحب المغرب أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن «٦» شهيدا على حصار شنترين «٧» بالأندلس فى رجب.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وثلاث عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٨١]
السنة الخامسة عشرة من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
стр. 1840
فيها قطع السلطان صلاح الدين الفرات ونزل على الموصل وافتتح عدّة بلاد.
وفيها توفّى عبد السلام بن يوسف بن محمد الأديب أبو الفتوح «١» الجماهرىّ «٢» .
كان فاضلا شاعرا. ومن شعره من قصيدة:
على ساكنى بطن العقيق سلام ... وإن أسهرونى بالفراق وناموا
حرمتم «٣» علىّ النوم وهو محلّل ... وحلّلتم التعذيب وهو حرام
ألا يا حمامات الأراك إليكم ... فمالى فى تغريدكّنّ مرام
فوجدى وشوقى مسعد ومؤانس ... ونوحى ودمعى مطرب ومدام
وفيها توفّيت عصمة الدين خاتون بنت معين الدين أنر زوجة السلطان صلاح الدين صاحب الترجمة، تزوّجها بعد زوجها الملك العادل نور الدين الشهيد.
كانت من أعفّ الناس وأكرمهنّ، كان لها صدقات كثيرة وبرّ عظيم؛ بنت بدمشق مدرسة للحنفيّة فى حجر «٤» الذهب، ورباطا للصوفيّة، وبنت تربة بقاسيون على نهر «٥» بردى، وبها دفنت؛ وأوقفت على هذه الأماكن أوقافا كثيرة. وماتت فى رجب، فبلغ صلاح الدين موتها وهو مريض بحرّان فتزايد مرضه لموتها ولحزنه عليها. ثم مات بعدها أخوها سعد الدين مسعود بن أنر في هذه السنة، وكان من أكابر الأمراء، زوّجه صلاح الدين أخته ربيعة خاتون. فلمّا توفّى تزوّجها بعده الأمير مظفّر الدين بن زين الدين.
وفيها توفّى محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادى الأمير ناصر الدين ابن عمّ السلطان صلاح الدين. كان السلطان صلاح الدين يخافه لأنّه
стр. 1841
كان يدّعى أنّه أحقّ بالملك منه. وكان السلطان صلاح الدين يبلغه عنه هذا، وكان زوج أخت السلطان صلاح الدين ستّ الشام بنت أيّوب. ومات بحمص فى يوم عرفة، وتناثر لحمه حتّى قيل إنّه سمّ، وقيل: مات فجأة، فنقلته زوجته ستّ الشام إلى تربتها، ودفنته عند أخيها الملك المعظّم توران شاه بن أيّوب المقدّم ذكره. ولمّا بلغ صلاح الدين موته أبقى على ولده أسد الدين شيركوه بن محمد المذكور ما كان بيد والده: حمص وتدمر والرّحبة وسلمية، وخلع عليه وكتب منشورا بذلك.
وفيها توفّى محمد بن أحمد بن فتح الدين البغدادىّ الحنفىّ، كان فقيها شاعرا أديبا.
ومن شعره فى مليح عليه قباء كمّه مطرّز:
ضممت معذّبى لمّا أتانى ... ورقم طرازه قد راق عينى
فياطرزيه هل يدنى زمانى ... ليالى وصلنا بالرّقمتين
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الطاهر إسماعيل ابن مكّىّ [بن «١» إسماعيل بن عيسى] بن عوف الزّهرىّ شيخ المالكيّة بالثغر فى شعبان.
وصاحب أذربيجان البهلوان [محمد «٢» ] بن إيلدكز. والشيخ حياة بن قيس الحرّانىّ العابد فى جمادى الأولى. وأبو اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد التّنوخىّ كاتب نور الدين. والمهذّب عبد الله بن أسعد [بن علىّ «٣» ] بن الدهّان الموصلىّ الشافعىّ النحوىّ الشاعر فى شعبان بحمص. والحافظ أبو محمد عبد الحقّ بن عبد الرحمن الأزدىّ الإشبيلىّ فى شهر ربيع الآخر بيجاية «٤» ، وله سبعون سنة. والحافظ أبو زيد «٥» عبد الرحمن
стр. 1842
ابن عبد الله السّهيلىّ المالقىّ «١» الأديب فى شعبان. وعبد الرازق بن نصر بن المسلم النجّار الدمشقىّ. وأبو الفتح [عبيد الله»
بن] عبد الله [بن محمد «٣» بن نجا] بن شاتيل «٤» الدبّاس فى رجب، وله تسعون سنة. وأبو الجيوش عساكر بن علىّ المقرئ بمصر. وأبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشىّ «٥» بمكّة. وأبو المجد الفضل بن الحسين البانياسىّ فى شوّال.
وصاحب حمص ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه. والحافظ أبو سعد «٦» محمد بن عبد الواحد الصائغ بأصبهان فى ذى القعدة. والحافظ العلّامة أبو موسى محمد بن أبى بكر عمر بن أبى عيسى المدينىّ فى جمادى الأولى، وله ثمانون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وتسع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبع واحدة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٨٢]
السنة السادسة عشرة من ولاية صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
فيها حكم المنجّمون فى الآفاق بخراب العالم فى جمادى الآخرة، وقالوا: تقترن الكواكب السيّارة: الشمس والقمر وزحل والمرّيخ [والزّهرة «٧» ] وعطارد والمشترى فى برج الميزان أو السّرطان، فتؤثّر تأثيرا يضمحلّ به العالم، وتهبّ سموم محرقة تحمل
стр. 1843
وملا أحمر، فاستعدّ الناس وحفروا السراديب وجمعوا فيها الزاد. وانقضت المدّة المعيّنة، وظهر كذب المنجّمين. فقال [أبو الغنائم «١» محمد] بن المعلّم فى أبى الفضل «٢» المنجّم قصيدة طنّانة:
قل لأبى الفضل قول معترف ... مضى جمادى وجاءنا رجب
وما جرت «٣» زعزع كما حكموا ... ولا بدا كوكب له ذنب
ومنها:
مدبّر الأمر واحد ليس للسب ... عة فى كلّ حادث سبب
لا المشترى سالم ولا زحل ... باق ولا زهرة ولا قطب
ومنها:
فليبطل المدّعون ما وضعوا ... فى كتبهم ولتحرق الكتب
قلت: وهذا الكذب متداول بين القوم إلى زماننا هذا، حتّى إنّه لا يمضى شهر إلّا وقد أوعدوا الناس بشىء لا حقيقة له. والعجب أنّ الشخص من العامّة إذا كذب مرّة على رجل يستحى ولا يعود إلى مثلها، وهؤلاء القوم لا عرض لهم ولا دين ولا مروءة. ولله درّ القائل ولم أدر لمن هو:
دع النجوم لصوفىّ يعيش بها ... وبالعزائم فانهض أيّها الملك
إنّ النّبيّ وأصحاب النبي نهوا ... عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا
стр. 1844
وفيها عاد السلطان صلاح الدين إلى الشام وتلقّاه شيركوه بن محمد بن شيركوه وأخته سفرى خاتون أولاد ابن عمّه محمد بن أسد الدين شيركوه وزوجته ستّ الشام، وهى أخت السلطان صلاح الدين؛ فقال السلطان لأخيه العادل أبى بكر بن أيّوب: اقسم التركة بينهم على فرائض الله تعالى. وكان محمد قد خلّف أموالا عظيمة، فكان مبلغ التركة ألف ألف دينار.
وفهيا دخل سيف الإسلام أخو صلاح الدين إلى مكّة، ومنع من الأذان فى الحرم ب «حىّ على خير العمل» .
وفيها قسّم السلطان صلاح الدين يوسف البلاد بين أهله وولده برأى القاضى الفاضل، فأعطى مصر لولده العزيز عثمان؛ والشام لولده الأفضل؛ وحلب لولده الظاهر؛ وأعطى أخاه العادل أبا بكر إقطاعات كثيرة بمصر، وجعله أتابك العزيز؛ وأعطى لابن أخيه تقىّ الدين حماة والمعرّة ومنبج وأضاف إليه ميّافارقين.
وفيها توفّى الحسن بن علىّ بن بركة أبو محمد المقرئ النحوىّ، كان إماما فاضلا انتفع بعلمه خلائق كثيرة، وكان أديبا بارعا ومات فى شوّال. ومن شعره:
وما شنآن الشّيب من أجل لونه ... ولكنّه حاد «١» إلى الموت مسرع
إذا ما بدت منه الطّليعة آذنت ... بأنّ المنايا بعدها تتطلّع
وفيها توفّى عبد الله [بن برّىّ «٢» ] بن عبد الجبّار المعروف بآبن برّىّ النحوىّ بمصر، كان إماما أديبا فاضلا بارعا فى علم النحو والعربيّة، وانتفع به خلق كثير، ومات بمصر فى شوّال. وكان حجّة ثقة. ومن شعره- ﵀:
стр. 1845
خدّ وثغر فجلّ ربّ ... بمبدع الحسن قد تفرّد
فذا عن الواقدىّ يروى ... وذاك يروى عن المبرّد
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو محمد عبد الله ابن برّى النحوىّ بمصر فى شوّال، وله ثلاث وثمانون سنة. وأبو محمد عبد الله بن محمد بن جرير القرشىّ الناسخ ببغداد. وأبو محمد الحسن بن علىّ [بن بركة «١» ] بن عبيدة الكوفىّ النحوىّ المقرئ فى شوّال.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع واثنتا عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبع واحدة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٨٣]
السنة السابعة عشرة من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
فيها فتح السلطان صلاح الدين بيت المقدس وعكّا وحصونا كثيرة بالساحل، بعد أمور وحروب ذكرناها فى ترجمته.
وفيها توفّى علىّ بن أحمد بن علىّ بن محمد قاضى القضاة أبو الحسن بن الدامغانىّ الحنفىّ قاضى قضاة بغداد. قال أبو المظفّر: قاضى ابن قاضى ابن قاضى ابن قاضى ابن قاضى ابن قاضى. ولد سنة ثلاث عشرة «٢» وخمسمائة، وولّاه الخليفة المقتفى القضاء بمدينة السلام وسائر البلاد مشرقا ومغربا، وأقرّه المستنجد ثم عزله؛ ثم أعاده
стр. 1846
المستضىء سنة سبعين وخمسمائة؛ ثم أقرّه الناصر لدين الله تعالى إلى أن توفّى ببغداد فى ذى القعدة ودفن بالشّونيزيّة عند جدّه لأمّه أبى الفتح الشاوى «١» . وكان إماما فقيها عالما نزها عفيفا معدودا من كبار فقهاء السادة الحنفية- رحمه الله تعالى-.
وفيها توفّى محمد بن عبد الملك «٢» بن المقدّم الأمير شمس الدين، كان من أكابر أمراء الملك العادل نور الدين، ثم صلاح الدين يوسف بن أيّوب. وله المواقف المشهودة، وحضر جميع فتوحات السلطان صلاح الدين، ثم إنّه استأذن صلاح الدين فى الحجّ فأذن له على كره من مفارقته؛ فلمّا وصل إلى عرفات أراد أن يرفع علم صلاح الدين ويضرب الطّبل، فمنعه طاشتكين وقال: لا يرفع هنا سوى علم الخليفة.
فقال ابن المقدّم هذا: والسلطان مملوك الخليفة. فمنعه طاشتكين، فأمر ابن المقدّم غلمانه فرفع العلم فنكّسوه، فركب ابن المقدّم ومن معه، وركب طاشتكين له، واقتتلوا فقتل من الفريقين، ورمى مملوك طاشتكين ابن المقدّم بسهم فوقع فى عينه فخرّ صريعا، وجاء طاشتكين وحمله إلى خيمته فتوفّى فى يوم الخميس يوم النحر ودفن بالمعلى. ثم أرسل الخليفة يعتذر لصلاح الدين أنّ ابن المقدّم كان الباغى، فلم يقبل صلاح الدين، وقال: أنا الجواب عن الكتاب. ولولا اشتغاله بالجهاد لكان له وللخليفة شأن.
وفيها توفّى محمد بن عبيد الله الأديب أبو الفتح البغدادىّ، المعروف بسبط [ابن] التّعاويذىّ. الشاعر المشهور. وله ديوان شعر كبير، الموجود غالبه فى المديح.
ومن شعره- ﵀ فى غير المديح، فى الزهد:
стр. 1847
اجعل همومك واحدا ... وتخلّ عن كلّ الهموم
فعساك أن تحظى بما ... يغنيك عن كلّ الهموم
وله:
فكم ليلة قد بتّ أرشف ريقه ... وجرت على ذاك الشّنيب المنضّد
وبات كما شاء الغرام معانقى ... وبتّ وإيّاه كحرف مشدّد
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى شيخ الفتوى عبد الجبّار بن يوسف ببغداد. والمحدّث أبو العزّ «١» عبد المغيث بن زهير الحربىّ.
وقاضى القضاة أبو الحسن علىّ بن أحمد ابن قاضى القضاة علىّ بن محمد بن الدامغانىّ الحنفىّ. وأبو الفتح محمد بن يحيى بن محمد بن مواهب البردانىّ «٢» . والأمير الكبير شمس الدين محمد [بن عبد «٣» الملك] بن المقدّم النّورىّ، قتل بعرفات. وأبو السعادات نصر الله بن عبد الرحمن بن محمد [يعرف «٤» ] بابن زريق القزّاز فى شهر ربيع الآخر، وله اثنتان وتسعون سنة. وشيخ الحنابلة ناصح «٥» الدين أبو الفتح نصر بن فتيان [بن «٦» مطرّف المعروف با] بن المنّى فى رمضان عن إحدى وثمانين سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وثمانى أصابع.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٨٤]
السنة الثامنة عشرة من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
стр. 1848
فيها توفّى الأمير أسامة بن مرشد بن علىّ بن المقلّد بن نصر بن منقذ الأمير أبو الحارث «١» مؤيّد الدولة مجد الدين الكنانىّ. مولده بشيزر فى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وكانت له اليد الطّولى فى الأدب والكتابة والشعر، وكان فارسا شجاعا عاقلا مدبّرا، كان يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب الجاهليّة، وطاف البلاد ثم استوطن حماة فتوفّى فيها «٢» فى شهر رمضان، وقد بلغ ستا وتسعين سنة.
وله ديوان شعر مشهور، وكان السلطان صلاح الدين مغرى بشعره. ومن شعره فى قلع الضّرس:
وصاحب لا «٣» أملّ الدهر صحبته ... يشقى لنفعى ويسعى سعى مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ «٤» وقعت ... عينى عليه افترقنا فرقة الأبد
وقال فى أيّام الملك العادل نور الدين الشهيد:
سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا ... له فكلّ على الخيرات منكمش
أيّامه مثل شهر الصّوم طاهرة ... من المعاصى وفيها الجوع والعطش
وفيها توفّى مجاهد الدين خالص بن عبد الله الناصرىّ خادم الخليفة الناصر لدين الله، كان قريبا من الخليفة سلّم إليه مماليكه الخواص؛ وكان سليم الباطن ديّنا، صلى به إمامه صلاة الفجر فقرأ الإمام فيها: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ
فلمّا سمع خالص ذلك رفع صوته وهو فى الصلاة وقال: صلّى الله عليك يا رسول الله.
стр. 1849
فضحك القوم وقطعوا الصلاة. فقال لهم خالص المذكور: مجانين أنتم! يقول الله:
صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
وأسكت أنا!
وفيها توفّى محمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفّر بن علىّ؛ أبو حامد محيى الدين «١» الشّهرزورىّ الإمام الفقيه؛ ولى القضاء بالموصل، وقدم بغداد رسولا من صاحب الموصل، فأكرمه الخليفة وخلع عليه. ثم عاد فمات فى جمادى الأولى.
ومن شعره:
ولمّا شاب رأس الدهر غيظا ... لما قاساه من فقد الكرام
أقام «٢» يميط عنه الشيب عمدا ... وينشر ما أماط على الأنام
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الأمير مؤيّد الدولة أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علىّ بن مقلّد بن نصر بن منقذ الكنانىّ فى شهر رمضان عن سبع «٣» وتسعين سنة. وظاعن بن محمد الزّبيرىّ الخيّاط. وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله «٤» [بن يوسف بن أبى عيسى «٥» القاضى] بن حبيش الأنصارىّ بمرسية «٦» ، وكان خطيبها وقاضيها ومحدّثها ومسندها، توفّى فى صفر. وأبو»
القبائل ابن علىّ عن مائة سنة وزيادة. والعلّامة شمس الأئمّة عماد الدين عمر بن شمس الأئمّة بكر بن محمد الزّرنجرىّ «٨» البخارىّ شيخ الحنفيّة فى شوّال، وله خمس وستون سنة.
стр. 1850
وأبو عبد الله محمد بن علىّ بن محمد بن الحسن بن صدقة الحرّانىّ التاجر، وله سبع وتسعون سنة. والحافظ أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان الحازمىّ الهمذانىّ فى جمادى الأولى شابّا، وله خمس وثلاثون سنة. وأبو الفرج يحيى بن محمود الثّقفىّ الصّوفىّ فى نواحى همذان غريبا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع واثنتا عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٨٥]
السنة التاسعة عشرة من ولاية صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
فيها ولّى السلطان صلاح الدين على عكّة حسام الدين بشارة، وولّى على عمارة سورها الخادم بهاء الدين قراقوش.
وفيها توفّى الأمير طمان بن عبد الله النّورىّ صاحب الرّقّة، كان شجاعا جوادا محبّا للخير كثير الصدقات يحبّ الفقهاء والعلماء، بنى مدرسة بحلب للحنفيّة. وكانت وفاته فى ليلة نصف شعبان؛ وحزن السلطان صلاح الدين عليه والمسلمون لحرصه على الجهاد ولمواقفة المشهودة.
وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن هبة الله بن المطهّر «١» بن علىّ أبو سعد بن أبى السّرىّ التّميمىّ الموصلىّ القاضى شرف الدين بن أبى عصرون. كان إماما فاضلا مصنّفا، وكان خصيصا بالملك العادل نور الدين، ثم اقتضى «٢» به السلطان صلاح الدين، وولى القضاء بعدّة بلاد وضرّ قبل وفاته بعشر سنين. ومن شعره قوله:
стр. 1851
كلّ جمع إلى الشتات يصير ... أىّ صفو ما شانه التكدير
أنت فى اللهو والأمانى مقيم ... والمنايا فى كلّ وقت تسير
وفيها توفّى الفقيه عيسى «١» الهكّارىّ ضياء الدين، حضر فتح مصر مع أسد الدين شيركوه، وهو الذي مشى بين الأمراء وبين السلطان صلاح الدين لمّا ولى وزارة العاضد بعد موت عمّه أسد الدين شيركوه، حسب ما تقدّم ذكره حتّى تمّ أمره.
ثمّ حضر مع السلطان صلاح الدين فتح القدس والغزوات، وكان صلاح الدين يميل إليه ويستشيره، وكأنّ الله قد أقامه لقضاء حوائج الناس والتفريج عن المكروبين مع الورع والعفّة والدين- ﵀.
وفيها توفّى الأمير موسك بن جكو [ابن «٢» ] خال صلاح الدين. كان حافظا للقرآن سامعا للحديث، وكان محسنا إلى الناس ملازما للسلطان فى غزواته، وكان ديّنا صالحا جوادا، مرض بمرج عكّا فأمره السلطان أن يمضى إلى دمشق ليتطبّب بها، فتوجّه إلى دمشق ومات بها- ﵀.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو العبّاس التّرك أحمد بن أحمد بن محمد بن ينّال شيخ الصوفيّة بأصبهان ومسندها فى شعبان. وأبو الحسين «٣» أحمد بن حمزة الموازينىّ فى المحرّم. وقاضى القضاة شرف الدين أبو سعد عبد الله ابن محمد بن أبى عصرون التّميمىّ الموصلىّ فى رمضان. وأبو الفضل عبد المجيد بن [الحصينىّ «٤» بن يوسف بن الحسن بن أحمد بن] دليل الإسكندرانىّ المعدّل. وشيخ
стр. 1852
الشافعيّة أبو طالب المبارك بن المبارك [بن المبارك «١» ] الكرخىّ «٢» صاحب ابن الخلّ.
وأبو المعالى [وأبو «٣» النجاح] منجب بن عبد الله المرشدىّ الخادم فى المحرّم. والحافظ يوسف بن أحمد الشّيرازىّ ثم البغدادىّ الصوفىّ.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وخمس عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٨٦]
السنة العشرون من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة ستّ وثمانين وخمسمائة.
فيها ملك سيف الإسلام أخو السلطان صلاح الدين صنعاء من بلاد اليمن.
وفيها حجّ بالناس من العراق طاشتكين المذكور فى السنة الماضية.
وفيها توفّى مسعود [بن «٤» علىّ] بن عبيد الله أبو الفضل بن النادر الصفّار الأديب الشاعر، كان بارعا فى الأدب، وكتب خطّا حسنا نحوا من مائة ربعة. ومن شعره قوله:
تولّوا فأولوا الجسم من بعدهم ضنا ... وحراّ شديدا فى الحشا يتزايد
وزاد بلائى بالذين أحبّهم ... وللناس فيما يذهبون مقاصد
وفيها توفّى يوسف بن علىّ بن بكتكين الأمير زين الدين صاحب إربل.
كان قدم إلى السلطان صلاح الدين نجدة فمرض ومات، وفرح بموته أخوه مظفّر
стр. 1853
الدين، وتولّى إربل مكانه من قبل السلطان صلاح الدين. وكان زين الدين أميرا كبيرا شجاعا مقداما مدبرا.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الحافظ أبو المواهب الحسن «١» بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى التّغلبىّ الدمشقىّ، وله تسع واربعون سنة.
وأبو الطيّب عبد المنعم بن يحيى [بن خلف «٢» بن نفيس] بن الخلوف الغرناطىّ المقرئ.
وأبو عبد الله محمد بن سعيد [بن أحمد «٣» بن عبد العزيز بن عبد البرّ بن مجاهد المعروف ب] ابن زرقون الإشبيلىّ المالكىّ المسند. وأبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الفرح بن الجدّ الفهرىّ الحافظ بإشبيلية. وقاضى القضاة محيى «٤» الدين أبو حامد محمد ابن قاضى القضاة كمال الدين بن الشّهرزورىّ، وله اثنتان وستون سنة. ولى حلب ثم الموصل.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وخمس وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وأربع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٨٧]
السنة الحادية والعشرون من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
فيها كان استيلاء الفرنج على عكّا، كما تقدّم فى ترجمة السلطان صلاح الدين من هذا الكتاب.
стр. 1854
وفيها توفّى الموفّق أسعد بن [إلياس «١» بن جرجس] المطران الطبيب. كان نصرانيّا فأسلم على يد السلطان، وكان غزير المروءة حسن الأخلاق كريم العشرة. وكان يصحبه صبىّ حسن الصورة اسمه عمر. وكان الموفّق يحبّ أهل البيت ويبغض ابن عنين «٢» الشاعر لخبث لسانه، وكان يحرّض السلطان صلاح الدين عليه ويقول له:
أليس هذا هو القائل:
سلطاننا أعرج وكاتبه ... أعمش والوزير منحدب
فهجاه ابن عنين بقوله:
قالوا الموفّق شيعىّ فقلت لهم ... هذا خلاف الذي للناس منه ظهر
فكيف يجعل دين الرّفض مذهبه ... وما دعاه إلى الإسلام غير عمر
وفيها توفّى سليمان بن جندر. كان من أكابر أمراء حلب، ومشايخ الدولتين:
النّوريّة والصلاحيّة، شهد مع السلطان صلاح الدين حروبه كلّها، وهو الذي أشار بخراب عسقلان مصلحة للمسلمين. ومات فى أواخر ذى الحجّة.
وفيها توفّى عمر بن شاهنشاه بن أيّوب الملك المظفّر تقىّ الدين. قد ذكرنا من أمره: أنّ عمّه السلطان صلاح الدين كان أعطاه حماة، وعدّة بلاد من حماة إلى دياربكر، فطمع فى ملكة الشرق فنفرت عنه وعن عمّه صلاح الدين القلوب لعظم طمعهما. ووقع لتقىّ الدين هذا مع بكتمر [بن عبد الله «٣» مملوك شاه أرمن] صاحب خلاط وقائع وحروب، فمات تقىّ الدين بتلك البلاد، فكتم محمد ولده موته، وحمله
стр. 1855
إلى ميّافارقين، فدفن بها. وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر شهر رمضان، ثم بنيت له مدرسة بظاهر حماة، فنقل إليها. وكان السلطان صلاح الدين يكره ابنه محمدا فأخذ منه بلاد أبيه، وأبقى معه حماة لا غير. ولقّب محمد هذا بالملك المنصور. وهو أبو ملوك حماة من بنى أيّوب الآتى ذكرهم. وكان تقىّ الدين شجاعا مقداما شاعرا فاضلا، عاشر العلماء والأدباء وتخلّق بأخلاقهم، وله ديوان شعر. ومن شعره:
يا ناظريه ترفّقا ... ما فى الورى لكما مبارز
هبكم حجبتم أن أرا ... هـ فهل لقلب الصّب حاجز
وفيها توفّى يحيى «١» السّهروردىّ المقتول بحلب، كان يعانى علوم الأوائل والمنطق والسيمياء وأبواب النّيرنجيّات «٢» ، فاستمال بذلك خلقا كثيرا وتبعوه، وله تصانيف فى هذه العلوم. واجتمع بالملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب، فأعجب الظاهر كلامه ومال إليه. فكتب أهل حلب إلى السلطان صلاح الدين:
أدرك ولدك وإلّا تتلف عقيدته؛ فكتب إليه أبوه صلاح الدين بإبعاده فلم يبعده، فكتب بمناظرته، فناظره العلماء فظهر عليهم بعبارته، فقالوا: إنّك قلت فى بعض تصانيفك: إنّ الله قادر على أن يخلق نبيّا، وهذا مستحيل. فقال: ما وجه استحالته؟
فإنّ الله القادر هو الذي لا يمتنع عليه شىء. فتعصّبوا عليه، فحبسه الظاهر وجرت بسببه خطوب وشناعات. وكان السّهروردىّ ردىء الهيئة، زرىّ الخلقة، دنس الثياب، وسخ البدن، لا يغسل له ثوبا ولا جسما، ولا يقصّ ظفرا ولا شعرا، فكان القمل يتناثر على وجهه، وكان من رآه يهرب منه لسوء منظره، وقبح زيّه.
стр. 1856
وطال أمره إلى أن أمر السلطان بقتله فقتل فى يوم الجمعة منسلخ ذى الحجّة من هذه السنة، أخرج من الحبس ميّتا. وممّا ينسب إليه من الشعر القصيدة «١» التى أوّلها:
أبدا تحنّ إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى كمال جمالكم ترتاح
وقال السيف «٢» الآمدىّ: اجتمعت بالسّهروردىّ بحلب، فقال لى: لا بدّ أن أملك الأرض. فقلت: من أين لك هذا؟ فقال رأيت فى المنام أنّى شربت ماء البحر؛ فقلت: لعلّ ذلك يكون اشتهار العلم فلم يرجع؛ فرأيته كثير العلم قليل العقل. ويقال: إنّه لمّا تحقّق القتل كان كثيرا ما ينشد:
أرى قدمى أراق دمى ... وهان دمى فهاندمى
والأوّل قول أبى الفتح «٣» البستى وهو قوله:
إلى حتفى سعى قدمى ... أرى قدمى أراق دمى
فلا أنفك من ندم ... وليس بنافعى ندمى
وفيها توفّى الشيخ نجم الدين الخبوشانىّ «٤» . قال صاحب المرآة: «قدم إلى الديار المصريّة وأظهر الناموس وتزهّد، وكان يركب الحمار فيقف على السلطان صلاح الدين وأهله. وأعطاه السلطان مالا فبنى به المدرسة «٥» التى بجانب الشافعىّ- رحمة الله عليه-. وكان كثير الفتن- منذ دخل مصر إلى أن مات- ما زالت الفتنة قائمة
стр. 1857
بينه وبين الحنابلة [و] ابن الصابونىّ وزين الدين بن نجيّة «١» ، يكفّرونه ويكفرهم؛ وكان طائشا متهوّرا، نبش على ابن الكيزانىّ «٢» وأخرج عظامه من عند الشافعىّ، وقد تقدّم ذلك. وكان يصوم ويفطر على خبز الشعير، فلمّا مات وجد له ألوف الدنانير، وبلغ صلاح الدين فقال: يا خيبة المسعى! ومات فى صفر. وتولّى بعده- تدريس مدرسة الشافعىّ التى بناها- شيخ الشيوخ صدر الدين ابن حمّويه «٣» » . انتهى كلام صاحب المرآة باختصار بعد أن ثلب الخبوشانىّ المذكور بمساوئ أضربت عن ذكرها- رحمه الله تعالى-.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفى الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن علىّ الحرقىّ اللّحمىّ فى ذى القعدة، وله ثمان وثمانون سنة. وأبو المعالى عبد المنعم بن عبد الله بن محمد الفراوىّ «٤» فى شعبان. وصاحب حماة المظفّر عمر بن شاهنشاه بن أيّوب. ونجم الدين محمد بن الموفّق الخبوشانىّ الشافعى الزاهد. والشهاب السّهروردىّ الفيلسوف. ويعقوب بن يوسف الحربىّ «٥» المقرئ.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا.
стр. 1858
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٨٨]
السنة الثانية والعشرون من ولاية صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
فيها توفّى سنان بن سليمان «١» ، صاحب الدعوة «٢» بقلاع الشام. كان أصله من البصرة من حصن ألموت «٣» ، فرأى منه صاحب الأمر بتلك البلاد نجابة وشهامة وعقلا وتدبيرا، فسيّره إلى حصون الشام، فسار حتّى وصل إلى البلاد الشاميّة، وكان فيه معرفة وسياسة. وجدّ فى إقامة الدعوة واستجلاب القلوب، وكان مجيئه إلى الشام فى أيّام السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد. فجرت له معه حروب وخطوب، واستولى سنان هذا على عدّة قلاع وأقام واليا ثلاثين سنة والبعوث ترد عليه فى كلّ قليل من قبل نور الدين. ثم إنّ السلطان نور الدين عزم على قصده فتوفّى. وأقام سنان على ذلك إلى أن توفّى ببلاد الشام فى هذه السنة.
وفيها توفّى علىّ بن أحمد الأمير سيف الدين بن المشطوب ملك الهكّاريّة «٤» .
وكان أميرا شجاعا صابرا فى الحروب مطاعا فى قبيلته، دخل مع أسد الدين شيركوه إلى مصر فى مرّاته الثلاث، ثم عاد بعد سلطنة صلاح الدين إلى البلاد الشاميّة، فدام بها إلى أن مات فى آخر شوّال. وقال ابن شدّاد: مات بالقدس وصلّى عليه بالجامع الأقصى.
وفيها توفّى السلطان قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق، الملك عزّ الدين السلجوقىّ صاحب بلاد الروم.
стр. 1859
طالت أيّامه واتّسعت ممالكه. ولمّا أسنّ أصابه الفالج فتعطّلت حركته، وتنافس أولاده فى الملك، وحكم عليه ولده قطب الدين ملكشاه، وقتل كثيرا من خواصّه فى حياة أبيه. وكان قطب الدين مقيما بسيواس «١» وأبوه بقونية «٢» . ثم جاء إلى أبيه يقاتله فأخرج إليه العساكر، فالتقاهم قطب الدين وكسرهم وبدّد شمل أصحاب أبيه، ثم ظفر بأبيه فأخذه مكرها وحمله إلى قيساريّة «٣» ، ووقع له معه أمور أخر. وآخر الأمر أنّه عهد إلى ولده غياث الدين بالملك ولم يعهد لقطب الدين. وكانت وفاته فى نصف شعبان.
وفيها توفّى نصر بن منصور أبو المرهف النّميرىّ الشاعر المشهور، منسوب إلى نمير بن عامر بن صعصعة «٤» . ولد برقّة الشام، وأمّه بنت سالم بن مالك صاحب الرّحبة، وربّى بالشام وعاشر الأدباء وقال الشعر وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وقلّ بصره بالجدرىّ وله أربع عشرة سنة. وقدم بغداد ليداوى عينيه فآيسه الأطبّاء، فحفظ القرآن وتفقّه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل- رضى الله عنه- وكان طاهر اللسان عفيفا ديّنا. وله مدائح فى صلاح الدين وغيره. ومن شعره- رحمه الله تعالى-:
ترى يتألّف الشمل الصديع ... وآمن من زمان ما يروع
وتأنس بعد وحشتنا بنجد ... منازلنا القديمة والرّبوع
ذكرت بأيمن العلمين عصرا ... مضى والشمل «٥» ملتئم جميع
стр. 1860
فلم أملك لدمعى ردّ غرب ... وعند الشوق تعصيك الدموع
ينازعنى إلى خنساء قلبى ... ودون لقائها بلد شسوع
وأخوف ما أخاف على فؤادى ... إذا ما أنجد البرق اللّموع
لقد حملّت من طول التنائى ... عن الأحباب ما لا أستطيع
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الفقيه أحمد ابن الحسين بن علىّ العراقىّ الحنبلىّ بدمشق. والمحدّث أبو الفضل إسماعيل بن علىّ الجنزوىّ «١» الشّروطىّ «٢» بدمشق فى سلخ جمادى الأولى. وأبو ياسر عبد الوهاب [بن «٣» هبة الله بن عبد الوهاب] بن أبى حبّة الدقاق بحرّان فى شهر ربيع الأول. وأبو جعفر عبيد الله بن أحمد [بن «٤» علىّ بن علىّ] بن السّمين. والأمير الكبير سيف الدين علىّ بن أحمد الهكّارىّ المشطوب فى شوّال بالقدس. وصاحب الروم قليج أرسلان بن مسعود السلجوقىّ. والنّسابة أبو علىّ محمد بن أسعد الحسينىّ الجوّانىّ بمصر.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا.
следующие страницы →