Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
وهو فيما بين الورّادة «١» والعريش «٢» ؛ واستمرّ الحال على ذلك. ثم إنّ الملك المعزّ تزوّج بالملكة شجرة الدّرّ أمّ خليل فى هذه السنة ودخل بها، وكان زواجه بها سببا لقتله على ما تقدّم فى ترجمتها، وعلى ما يأتى فى هذه الترجمة أيضا.
ولمّا تزوّجها وأقام معها مدّة أراد أن يتزوّج ببنت الملك الرحيم صاحب الموصل، وكانت شجرة الدرّ شديدة الغيرة، فعملت عليه وقتلته فى الحمّام، وأعانها على ذلك جماعة من الخدّام. وقد ذكرنا ذلك كلّه مفصّلا فى ترجمة شجرة الدرّ فيما مضى. وكان قتل الملك المعزّ فى يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وخمسين وستّمائة. وكان ملكا شجاعا كريما عاقلا سيوسا كثير البذل للاموال، أطلق فى مدّة سلطنته من الأموال والخيول وغير ذلك ما لا يحصى كثرة حتّى رضى الناس بسلطان مسّه الرّقّ. وأمّا أهل مصر فلم يرضوا بذلك إلى أن مات، وهم يسمعونه ما يكره، حتّى فى وجهه إذا ركب ومرّ بالطرقات، ويقولون: لا نريد إلّا سلطانا رئيسا مولودا على الفطرة. على أنّ الملك المعزّ كان عفيفا طاهر الذّيل بعيدا عن الظلم والعسف كثير المداراة لخشداشيته والاحتمال لتجنّيهم عليه وشرّ أخلاقهم، وكذلك مع الناس. وخلّف عدّة أولاد منهم الملك المنصور علىّ الذي تسلطن بعده، وناصر الدين قان.
стр. 2137
قال الشيخ قطب «١» الدين اليونينىّ فى الذيل على مرآة الزمان: «ورأيت له ولدا آخر بالديار المصريّة فى سنة تسع وثمانين وستمائة، وهو فى زىّ الفقراء الحريريّة «٢» » .
انتهى. وكان للمعزّ برّ ومعروف وعمائر، من ذلك: المدرسة المعزّيّة «٣» على النيل بمصر القديمة ووقف عليها أوقافا. ودهليز المدرسة متّسع طويل مفرط؛ قيل: إنّ بعض الأكابر دخل إلى هذه المدرسة المذكورة فرآها صغيرة بالنسبة إلى دهليزها، فقال:
هذه المدرسة مجاز بلا حقيقة! انتهى. وكان مدرّسها القاضى برهان «٤» الدين الخضر ابن الحسن السّنجارىّ إلى أن مات. وكانت مدّة سلطنة الملك المعزّ على مصر سبع سنين. ومات وقد ناهز الستّين سنة- رحمه الله تعالى-.
قلت: وقد تقدّم أنّ الملك المعزّ أيبك هذا هو أوّل من ملك الديار المصريّة من الأتراك الذين مسّهم الرّقّ. وقد ذكرنا مبدأ أمره وما وقع له من الحروب
стр. 2138
وغيرها على سبيل الاختصار. ولنذكر هنا أيضا من عاصره من ملوك الأقطار ليعلم الناظر فى هذه الترجمة بأصل جماعة كبيرة من الملوك الآتى ذكرهم فى الحوادث، وأيضا بحدّ مملكة الملك المعزّ يوم ذاك، وحد تحكّمه من البلاد؛ ومع هذا كان له من المماليك والحشم والعساكر أضعاف ما لملوك زماننا هذا مع اتّساع ممالكهم. انتهى.
ونذكر أيضا من أمر النار التى كانت بأرض الحجاز فى أيّام سلطنته فى سنة أربع وخمسين وستمائة، فنقول:
استهلّت سنة أربع وخمسين المذكورة والخليفة المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله العباسىّ ببغداد، وسلطان مصر الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ هذا، وسلطان الشام إلى الفرات الملك الناصر صلاح الدين يوسف الأيوبىّ ما خلا حماة وحمص والكرك وبلادا أخر نذكر ملوكها فيما يأتى- إن شاء الله تعالى- وهم: صاحب حماة الملك المنصور ناصر الدين محمد بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيّوب. وصاحب الكرك والشوبك الملك المغيث فتح الدين عمر ابن الملك العادل أبى بكر ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبى بكر بن أيّوب. وصاحب صهيون «١» وبرزيه «٢» وبلاطنس «٣» الأمير مظفّر الدين عثمان ابن الأمير ناصر الدين منكورس. وصاحب تلّ «٤» باشر والرّحبة «٥» وتدمر الملك الأشرف مظفّر الدين موسى بن إبراهيم بن شير كوه بن محمد بن شير كوه بن شادى.
وصاحب الموصل وأعمالها الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ الأتابكىّ. وصاحب ميّافارقين
стр. 2139
وديار بكر وتلك الأعمال الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك المظفّر شهاب الدين غازى بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب. وصاحب ماردين الملك السعيد إيلغازى الأرتقىّ. وصاحب إربل «١» وأعمالها الصاحب تاج الدين «٢» بن صلايا العلوىّ من جهة الخليفة. والنائب فى حصون الإسماعيليّة الثمانية «٣» بالشام رضىّ الدين أبو المعالى. وصاحب المدينة الشريفة- صلوات الله وسلامه على ساكنها- الأمير عزّ «٤» الدين أبو ملك منيف بن شيحة بن قاسم الحسينىّ. وصاحب مكّة المشرّفة- شرفّها الله تعالى- الشريف قتادة الحسينىّ. وصاحب اليمن الملك المظفّر شمس الدين يوسف بن عمر.
وأمّا ملوك الشرق: فسلطان ما وراء النهر وخوارزم السلطان «٥» ركن الدين وأخوه «٦» عزّ الدين والبلاد بينهما مناصفة، وهما فى طاعة هولاكو ملك التّتار.
وأمّا أمر النار التى ظهرت بالحجاز قال قاضى المدينة سنان «٧» الحسينىّ: «لمّا كان ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستّمائة، ظهر بالمدينة الشريفة
стр. 2140
دوىّ عظيم ثم زلزلة عظيمة رجفت «١» منها المدينة والحيطان والسّقوف ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة خامس الشهر المذكور ظهرت نار عظيمة، وقد سالت أودية منها بالنّار إلى وادى «٢» شظا حيث يسيل الماء، وقد سدّت مسيل شظا وما عاد يسيل.
ثم قال: والله لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا، وقد سدّت الحرّة طريق الحاجّ العراقىّ، وسارت إلى أن وصلت إلى الحرّة «٣» فوقفت بعد ما أشفقنا أن تجىء إلينا؛ ورجعت تسير فى الشرق، يخرج من وسطها مهود وجبال نيران تأكل الحجارة»
، كما أخبر الله فى كتابه العزيز فقال عزّ من قائل: (إنّها ترمى بشرر كالقصر. كأنّه جمالت صفر) . قال: وقد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين والنار فى زيادة ما تغيّرت؛ وقد عادت إلى الحرّة وفى قريظة طريق الحاجّ العراقىّ.
وأمّا أمر النار الكبيرة فهى جبال نيران حمر، والأمّ الكبيرة النار التى سالت النيران منها من عند قريظة وقد زادت، وما عاد الناس يدرون أىّ شىء يتمّ بعد ذلك، والله يجعل العاقبة إلى خير؛ وما أقدر أصف هذه النار» . انتهى كلام القاضى فى كتابه.
وقال غيره بعد ما ساق من أمر النار المذكورة عجائب نحوا ممّا ذكرناه وأعظم إلى أن قال: «وقد سال من هذه النار واد يكون مقداره أربعة فراسخ وعرضه
стр. 2141
أربعة أميال وعمقه قامة ونصفا، وهى تجرى على وجه الأرض، وتخرج منها أمهاد وجبال صغار تسير على الأرض، وهو صخر يذوب حتّى يبقى مثل الآنك «١» ، فإذا جمد صار أسود، وقبل الجمود لونه أحمر؛ وقد حصل بسبب هذه النار إقلاع عن المعاصى والتقرّب إلى الله تعالى بالطاعات؛ وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة» .
ثم قال قطب الدين فى الذّيل: «ومن كتاب شمس الدين سنان بن نميلة الحسينىّ قاضى المدينة إلى بعض أصحابه يصف الزّلزلة إلى أن ذكر قصّة النار وحكى منها شيئا إلى أن قال: وأشفقنا منها وخفنا خوفا عظيما، وطلعت إلى الأمير وكلّمته وقلت:
قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى الله! فاعتق كلّ مماليكه، وردّ على جماعة أموالهم، فلمّا فعل هذا قلت له: اهبط الساعة معنا إلى النّبيّ- ﷺ فهبط، وبتنا ليلة السبت والناس جميعهم والنسوان وأولادهم، وما بقى أحد لا فى النخيل ولا فى المدينة إلّا عند رسول الله- ﷺ وأشفقنا منها وظهر ضوءها إلى أن أبصرت من مكّة، ومن الفلاة جميعها. ثم سال من ذلك نهر من نار وأخذ فى وادى أحيلين «٢» وسدّ الطريق ثم طلع إلى بحرة الحاجّ، وهو بحر نار يجرى وفوقه جمر يسير إلى أن قطعت الوادى: وادى الشّظا، وما عاد يجرى سيل قطّ لأنّها حفرته نحو قامتين. والمدينة قد تاب جميع أهلها ولا بقى يسمع فيها رباب ولا دفّ. ثمّ ذكر أشياء مهولة من هذا الجنس إلى أن قال: والشمس والقمر من يوم طلعت النار ما يطلعان إلّا كاسفين! قال: وأقامت هذه النار أكثر من شهرين» . وفيها يقول بعضهم:
стр. 2142
يا كاشف الضّرّ صفحا عن جرائمنا ... لقد أحاطت بنا يا ربّ بأساء
نشكو إليك خطوبا لا نطيق «١» لها ... حملا ونحن بها حقّا أحقّاء
زلازلا تخشع الصمّ الصّلاب لها ... وكيف يقوى على الزّلزال شمّاء
أقام سبعا يرجّ الأرض فانصدعت ... عن منظر منه عين الشمس عشواء «٢»
والقصيدة طويلة جدّا كلّها على هذا المنوال. ولولا خشية الإطالة لذكرنا أمر هذه النار وما وقع منها، فرأينا أنّ الشرح يطول، والمقصود هنا بقيّة ترجمة السلطان الملك المعزّ أيبك.
ولمّا مات المعزّ رثاه سراج «٣» الدّين الورّاق بقصيدة أوّلها:
نقيم عليه مأتما بعد مأتم ... ونسفح دمعا دون سفح المقطّم
ولو أنّنا نبكى على قدر فقده ... لدمنا عليه نتبع الدّمع بالدم
وسل طرفى ينبيك عنّى أنّنى ... دعوت الكرى من بعده بالمحرّم
ومنها فى ذكر ولده الملك المنصور علىّ- ﵀:
بنى الله بالمنصور ما هدّم الرّدى ... وإنّ بناء الله غير مهدّم
مليك الورى بشرى لمضمر طاعة ... وبؤسى لطاغ فى زمانك مجرم
فما للذى قدّمت من متأخّر ... ولا للذى أخّرت من متقدّم
وأيبك صوابه كما هو مكتوب، وهو لفظ تركىّ مركّب من كلمتين. فأى هو القمر، وبك أمير، فمعنى الاسم باللغة العربية أمير قمر، ولا عبرة بالتقديم والتأخير فى اللفظ، وأيبك (بفتح الهمزة وسكون الياء المثناة من تحت وتفخيمهما معا) وبك معروف لا حاجة إلى التعريف به. انتهى.
стр. 2143
السنة التى حكم فى محرّمها الملك المعظّم توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين، ثم فى صفر والربيعين منها الملكة شجرة الدّرّ أمّ خليل الصالحيّة، ثمّ فى باقيها الملك المعزّ أيبك صاحب الترجمة، ومعه الملك الأشرف مظفّر الدين موسى، والعمدة فى ذلك على المعزّ هذا، وهى سنة ثمان وأربعين وستّمائة.
فيها كانت كسرة الفرنج على دمياط وقبض على الفرنسيس كما تقدّم.
وفيها قتل الملك المعظّم توران شاه، وقد مرّ أيضا.
وفيها كانت الوقعة بين الملك الناصر صلاح الدين يوسف وبين الملك المعزّ هذا.
وفيها حجّ طائفة من العراق، ولم يحجّ أحد من الشام ولا مصر فى هذه السنة.
وفيها ثارت الجند ببغداد لقطع أرزاقهم. وكلّ ذلك كان من عمل الوزير «١» ابن العلقمىّ الرافضىّ، فإنّه كان حريصا على زوال دولة بنى العبّاس ونقلها إلى العلوييّن، وكان يرسل إلى التّتار فى السرّ والخليفة المستعصم لا يطّلع على باطن الأمور.
وفيها لمّا فرغوا من حرب دمياط وتفرّق أهلها نقلوا أخشاب بيوتهم وأبوابهم منها وتركوها خاوية على عروشها، ثم بنيت بعد ذلك بليدة بالقرب منها تسمّى المنشيّة «٢» .
وكان سور دمياط من أحسن الأسوار.
стр. 2144
وفيها توفّيت أرغوان «١» الحافظية عتيقة الملك العادل أبى بكر بن أيّوب، سمّيت الحافظيّة لأنّها ربّت الملك الحافظ صاحب [قلعة] «٢» جعبر، وكانت امرأة عاقلة صالحة، وكانت مدّة حبس الملك المغيث ابن الملك الصالح نجم الدين أيّوب بدمشق تهيّي له الأطعمة والأشربة وتبعث له النياب، فحقد عليها الملك الصالح إسماعيل فصادرها وأخذ منها أموالا عظيمة، يقال: إنّه أخذ منها أربعمائة صندوق. ولها تربة ومسجد ووقفت عليهما أوقافا.
وفيها قتل الأمير شمس الدين لؤلؤ بن عبد الله مقدّم عسكر حلب، وهو الذي قتلته المماليك الصالحيّة فى الوقعة التى كانت بين الناصر والمعزّ صاحب الترجمة. وكان أميرا شجاعا مقداما زاهدا مدبّرا عظيم الشأن، وكان فيه قوّة وبأس غير أنّه كان مستخفّا بالمماليك، ويقول: كلّ عشرة من المماليك فى مقابلة كرىّ، ولا زال يمعن فى ذلك حتى كانت منيته بأيدى المماليك الصالحيّة كما تقدّم ذكره.
وفيها توفّى ابو «٣» الحسن المتطبّب وزير الملك الصالح إسماعيل، وهو الذي كان السبب زوال ملك مخدومه، فإنّه كان سيىء السّيرة كثير الظلم قليل الخير، وكان يتستّر بالإسلام، وكان يرمى فى دينه بعظائم؛ وقيل: إنّه كان أوّلا سامريّا فلم يحسن إسلامه؛ وظهر له بعد موته من الأموال والجواهر والتّحف والذخائر ما لا يوجد فى خزائن الخلفاء، وأقاموا ينقلونه مدّة سنين. وقيمة ما ظهر له غير ما ذهب عند الناس ثلاثة آلاف ألف دينار؛ ووجد له عشرة آلاف مجلّد من الكتب النفيسة والخطوط المنسوبة. قال الشيخ إسماعيل [بن علىّ «٤» ] الكورانىّ يوما وقد زاره الوزير
стр. 2145
المذكور: لو بقيت على دينك كان أصلح لأنّك تتمسّك بدين فى الجملة؛ وأمّا الآن فأنت مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء!.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الإمام أبو محمد إبراهيم بن محمود بن سالم بن الخيّر «١» فى شهر ربيع الاخر، وله خمس وثمانون سنة. والحافظ شمس الدين يوسف بن خليل الدّمشقىّ الأدمىّ بحلب فى جمادى الاخرة، وله ثلاث وتسعون سنة. والقاضى أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن الحبّاب «٢» التّميمىّ السّعدىّ، وله سبع وثمانون سنة فى شهر رمضان. والمحدّث أبو محمد عبد الوهاب ابن رواح «٣» ، واسمه ظافر بن علىّ بن فتوح القرشىّ المالكىّ، وله أربع وتسعون سنة.
وأبو المنصور مظفّر بن عبد الملك بن الفوّىّ المالكىّ. ونائب الملك الناصر الأمير شمس الدين لؤلؤ قتل فى جماعة فى الوقعة الكائنة بين المصريّين والشامييّن.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبعان.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٤٩]
السنة الثانية من ولاية السلطان الملك المعزّ أيبك الصالحىّ النّجمىّ التّركمانىّ على مصر، وهى سنة تسع وأربعين وستمائة.
стр. 2146
فيها عاد الملك الناصر صلاح الدين يوسف من غزّة إلى دمشق، وأرسل المعزّ عسكر مصر فنزل إلى غزّة والساحل، ثم عادوا إلى القاهرة «١» .
وفيها أيضا أخذ الملك المغيث ابن الملك العادل بن الملك الكامل الكرك والشّوبك، أعطاه إيّاهما الخادم «٢» . ولمّا سمع الملك المعزّ بذلك جهّز الأمير فارس الدين أقطاى الجمدار فى ألف فارس إلى غزّة.
وفيها نقلوا تابوت الملك الصالح نجم الدين أيّوب إلى تربته بالقاهرة ببين القصرين، ولبس الأمراء ثياب العزاء وناحوا عليه ببين القصرين، وتصدّقت جاريته شجرة الدّرّ فى ذلك اليوم بمال عظيم.
وفيها أخرب الترك دمياط «٣» وحملوا «٤» آلاتها إلى مصر وأخربوا الجزيرة «٥» (أعنى الروضة) وأخلوها.
وفيها كثر الظلم بالديار المصريّة وعظم الجور والمصادرات لكلّ أحد حتى أخذوا مال الأوقاف ومال الأيتام على نيّة القرض، ومن أرباب الصنائع كالأطباء والشهود «٦» .
стр. 2147
وفيها توفّى الفقيه بهاء الدين علىّ بن هبة الله بن سلامة بن الجميزىّ، كان إماما فاضلا عارفا بمذهب الشافعىّ ديّنا، وكان يخالط الملوك. ولمّا حجّ قبل هدية صاحب اليمن فأعرض عنه الملك الصالح نجم الدين أيّوب لذلك. وكانت وفاته فى ذى الحجة بمصر، ودفن بالقرافة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفى الإمام عبد الظاهر ابن نشوان السّعدىّ «١» المقرئ النحوىّ الضرير فى جمادى الأولى. وأبو نصر عبد العزيز ابن يحيى بن الزبيدىّ، وله تسع وثمانون سنة. والإمام أبو المظفّر محمد بن مقبل ابن فتيان النّهروانىّ بن المنّىّ فى جمادى الآخرة. وأبو نصر الأعزّ بن فضائل ببغداد فى رجب. والأمير الصاحب جمال الدين يحيى بن عيسى المصرى ابن مطروح الأديب. وأبو القاسم عيسى بن أبى الحرم «٢» مكّىّ بن حسين العامرىّ المصرىّ المقرئ فى شوّال. والإمام أبو محمد عبد الخالق بن الأنجب بن المعمّر النّشتبرىّ «٣» بماردين فى ذى الحجة. والإمام العلّامة بهاء الدين أبو الحسن علىّ بن هبة الله بن سلامة بن الجمّيزىّ فى ذى الحجّة، وله تسعون سنة وأسبوعان. والفقيه عبيد «٤» الله بن عاصم خطيب رندة «٥» ، وله سبع وثمانون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا.
стр. 2148
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٥٠]
السنة الثالثة من ولاية الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ على مصر، وهى سنة خمسين وستّمائة.
فيها وصلت التّتار إلى الجزيرة ونهبوا ديار بكر وميّافارقين، وجاءوا إلى رأس «١» عين وسروج «٢» وغيرها، وقتلوا زيادة على عشرة آلاف إنسان، وصادفوا قافلة خرجت من حرّان «٣» تقصد بغداد، فأخذوا منها أموالا عظيمة: منها ستّمائة حمل سكّر مصرىّ وستّمائة ألف دينار، قاله أبو المظفّر فى مرآة الزمان، قال: وقتلوا الشيوخ والعجائز وساقوا من النساء والصّبيان ما أرادوا، ثم رجعوا إلى خلاط «٤» . وقطع أهل الشرق الفرات وخاض الناس فى القتلى من دنيسر «٥» إلى الفرات. قال بعض التّجار:
عددت على جسر بين حرّان ورأس عين فى مكان واحد ثلثمائة وثمانين قتيلا من المسلمين؛ ثم قتل ملك التّتار كشلوخان.
وفيها حجّ بالناس من بغداد بعد أن كان بطل الحجّ منذ عشر سنين من سنة مات الخليفة المستنصر.
وفيها قدم الشيخ نجم «٦» الدين البادرانىّ رسولا من الخليفة وأصلح بين المعزّ أيبك صاحب الترجمة وبين الناصر يوسف، وقد تقدّم ذلك، وكان كلّ واحد من الطائفتين قد سئم وضرس «٧» من الحرب، وسكنت الفتنة بين الملوك واستراح الناس.
стр. 2149
وفيها توفّى العلّامة رضىّ الدين أبو الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر بن علىّ القرشىّ العدوىّ العمرىّ الصاغانىّ «١» الأصل الهندىّ اللاهورىّ «٢» المولد البغدادىّ الوفاة المحدّث الفقيه الحنفىّ اللغوىّ الإمام صاحب التصانيف، ولد بمنية لاهور فى عاشر صفر سنة سبع وسبعين وخمسمائة ونشأ بغزنة «٣» ، ودخل بغداد فسمع الكثير فى عدّة بلاد ورحل. وكان إليه المنتهى فى علم العربية واللغة، وصنّف كتاب «مجمع البحرين» فى اللغة، اثنا عشر مجلّدا، وكتاب «العباب الزاخر» فى اللّغة أيضا عشرون مجلدا، وأشياء غير ذلك. قال الحافظ «٤» الدّمياطى: وكان شيخا صدوقا صالحا صموتا عن فضول الكلام إماما فى اللّغة والفقه والحديث؛ قرأت عليه يوم الأربعاء وتوفّى ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان، وحضرت دفنه بداره بالحريم «٥» الطاهرىّ ببغداد. ثم ترجمه الدمياطى ترجمة طويلة وأثنى على علمه وفضله ودينه.
وفيها توفّى الشيخ شمس الدين محمد بن سعد [ «٦» بن عبد الله بن سعد بن مفلح بن هبة الله] الكاتب المقدسىّ نشأ بقاسيون على الخير والصلاح وقرأ النحو والعربيّة وسمع الحديث الكثير، وبرع فى الأدب. وكان ديّنا حسن الخط وكتب للملك الصالح إسماعيل وللملك الناصر داود. ومن شعره:
стр. 2150
لنا بقدوم طلعتك الهناء ... وللأعداء ويحهم الفناء
قدمت فكنت شبه الغيث وافى ... بلادا قد أحلّ بها الظّماء
قلت: ويعجبنى فى هذا المعنى قول القائل ولم أدر لمن هو:
قدومك أشهى من زلال على ظما ... وأحسن من نيل المنى فى المآرب
حكى الغيث وافى الأرض من بعد جدبها ... وأطلع فيها النبت من كلّ جانب
وفيها توفّى الأمير الصاحب «١» جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عيسى بن إبراهيم ابن الحسين بن علىّ بن حمزة بن إبراهيم بن الحسين «٢» بن مطروح. كان أصله من صعيد «٣» مصر، وولد به ونشأ هناك، ثم قدم القاهرة واشتغل وبرع فى الأدب والكتابة واتّصل بخدمة الملك الصالح نجم الدين أيّوب. قال أبو المظفّر: كان فاضلا كيّسا شاعرا. ومن شعره لمّا فتح الناصر داود برج داود بالقدس، قال:
المسجد الأقصى له عادة ... سارت فصارت «٤» مثلا سائرا
إذا غدا للكفر مستوطنا ... أن يبعث الله له ناصرا
فناصر طهّره أوّلا ... وناصر طهّره آخرا
قال: وتوفى فى شعبان ودفن بسارية «٥» بالقرافة وكانت له أخبار عظيمة، وكان قد دخل بين الخوارزميّة والصالح أيّوب، واستنابه أيّوب بالشام ولبس ثياب الجند وما كانت تليق به. ثمّ غضب عليه الصالح وأعرض عنه إلى أن مات، فأقام خاملا
стр. 2151
إلى أن مات. وقد كان جوادا ذا مروءة متعصّبا سمحا حليما حسن الظنّ «١» بالفقراء عارفا فاضلا. انتهى كلام أبى المظفّر. قلت: وديوان شعره مشهور. ومن شعره القصيدة المشهورة:
هى رامة فخذوا يمين الوادى ... وذروا السيوف تقرّ فى الأغماد
وحذار من لحظات أعين عينها ... فلكم صرعن بها من الاساد
من كان منكم واثقا بفؤاده ... فهناك ما أنا واثق بفؤادى
يا صاحبىّ ولى بجرعاء الحمى ... قلب أسير ماله من فادى
سلبته منّى يوم بانوا مقلّة ... مكحولة أجفانها بسواد
وبحىّ «٢» من أنا فى هواه ميّت ... عين على العشّاق بالمرصاد
وأغنّ مسكىّ اللّمى معسوله ... لولا الرقيب بلغت منه مرادى
كيف السبيل إلى وصال محجّب ... ما بين بيض ظبا وسمر صعاد
فى بيت شعر نازل من شعره ... فالحسن منه عاكف فى بادى
حرسوا مهفهف قدّه بمثقّف ... فتشابه الميّاس بالميّاد
قالت لنا ألف العذار بخدّه ... فى ميم مبسمه شفاء الصادى
وهى أطول من ذلك اختصرتها خوف الإطالة. ويعجبنى قصيدة الجزّار «٣» فى مدح ابن مطروح هذا. أذكر غزلها:
هو ذا الرّبع ولى نفس مشوقه ... فاحبس الركب عسى «٤» أقضى حقوقه
فقبيح بى فى شرع الهوى ... بعد ذاك البرّ أن أرضى «٥» عقوقه
стр. 2152
لست أنسى فيه ليلات مضت ... مع من أهوى وساعات أنيقة
ولئن أضحى مجازا بعدهم ... فغرامى فيه ما زال حقيقة
يا صديقي والكريم الحرّ فى ... مثل هذا الوقت لا ينسى صديقه
ضع يدا منك على قلبى عسى ... أن تهدّى بين جنبىّ خفوقه
فاض دمعى مذ رأى ربع الهوى ... ولكم فاض وقد شام بروقه
نفد اللؤلؤ من أدمعه ... فغدا ينثر فى التّرب عقيقه
قف [معى «١» ] واستوقف الركب فإن ... لم يقف فاتركه يمضى «٢» وطريقه
فهى أرض قلّما يلحقها ... آمل والرّكب لم أعدم لحوقه
طالما استجليت فى أرجائها ... من يتيه البدر إذ يدعى شقيقه
يفضح الورد احمرارا خدّه ... وتودّ الخمر لو تشبه ريقه
فبه الحسن خليق لم يزل ... والمعالى بابن مطروح خليقه
وله بيتان ضمّنهما بيت المتنبّى الذي هو أوّل قصيدته، وهو:
تذكّرت ما بين العذيب وبارق ... مجرّ عوالينا ومجرى السوابق
فقال ابن مطروح مضمّنا:
إذا ما سقانى ريقه وهو باسم ... تذكّرت ما بين العذيب وبارق
ويذكرنى من قدّه ومدامعى ... مجرّ عوالينا ومجرى السوابق
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو البركات هبة الله ابن محمد بن الحسين [المعروف «٣» بآ] بن الواعظ المقدسىّ ثم الإسكندرانىّ عن إحدى
стр. 2153
وثمانين سنة. وأبو القاسم يحيى بن أبى السعود [نصر «١» ] بن قميرة «٢» التاجر فى جمادى الأولى، وله خمس وثمانون سنة. والعلّامة أبو الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن العدوى العمرىّ الصّغانىّ النحوىّ اللغوىّ. والأديب شمس الدين محمد بن سعد بن عبد الله المقدسىّ الكاتب فى شوّال. والمسند رشيد الدين أحمد بن المفرّج «٣» بن علىّ [بن عبد «٤» العزيز] بن مسلمة العدل فى ذى القعدة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٥١]
السنة الرابعة من ولاية الملك المعزّ أيبك الصالحىّ النّجمىّ التّركمانىّ على مصر، وهى سنة إحدى وخمسين وستمائة.
فيها كانت الوقفة الجمعة.
وفيها عظم بمصر أمر الأمير فارس الدين أقطاى الجمدار ورشّح للسلطنة، وكان من حزبه من خشداشيته بيبرس البندقدارىّ، وبلبان الرّشيدىّ، وسنقر الرّومىّ، وسنقر الأشقر «٥» . وصار الملك المعزّ فى خوف. وقد تقدّم ذكر هذه الحكاية فى ترجمة المعزّ.
وفيها كان الغلاء بمكّة المشرّفة، وأبيع فيها الشّربة الماء بدرهم، والشاة بأربعين درهما.
стр. 2154
وفيها توفّى الشيخ الإمام سعد الدين محمد بن المؤيّد [بن عبد «١» الله بن علىّ] بن حمّويه ابن عمّ شيخ الشيوخ صدر «٢» الدين. مات بخراسان، وكان زاهدا عابدا ديّنا متكلّما فى الحقيقة، وله مجاهدات ورياضات، وقدم الشام «٣» وحجّ وسكن بدمشق، ثمّ عاد إلى الشرق بعد أن افتقر بالشام، واجتمع بملك التّتار فأحسن به الظنّ وأعطاه مالا كثيرا، وأسلم على يده خلق كثير من التّتار، وبنى هناك خانقاه وتربة إلى جانبها، وأقام يتعبّد، وكان له قبول عظيم هناك- رحمه الله تعالى-.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو البقاء صالح بن شجاع بن محمد بن سيّدهم المدلجىّ الخيّاط فى المحرّم. وسبط السّلفىّ «٤» أبو القاسم عبد الرحمن بن أبى الحرم مكّىّ بن عبد الرحمن الطّرابلسىّ الإسكندرانىّ فى شوّال عن إحدى وثمانين سنة. وأبو محمد عبد القادر بن حسين [بن محمد «٥» بن جميل] البندنيجىّ البوّاب آخر من روى عن عبد الحق «٦» اليوسفىّ.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وتمانى أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٥٢]
السنة الخامسة من ولاية الملك المعزّ أيبك الصالحىّ النّجمىّ التّركمانىّ على مصر؛ وهى سنة اثنتين وخمسين وستمائة.
стр. 2155
فيها وصلت الأخبار من مكّة بأنّ نارا ظهرت فى أرض عدن «١» فى بعض جبالها، بحيث يطير شررها إلى البحر فى الليل، ويصعد منها دخان عظيم فى النهار، فما شكّوا أنّها النار التى ذكر النّبيّ ﷺ أنّها تظهر فى آخر الزمان. فتاب الناس وأقلعوا عمّا كانوا عليه من المظالم والفساد، وشرعوا فى أفعال الخير والصدقات.
قلت: وقد تقدّم «٢» ذكر هذه النار بأوسع من هذا فى ترجمة الملك المعزّ هذا.
وفيها وصلت الأخبار من الغرب باستيلاء إنسان على إفريقيّة وادّعى أنّه خليفة، وتلقّب بالمستنصر «٣» ، وخطب له فى تلك النواحى، وأظهر العدل وبنى برجا وأجلس الوزير والقاضى والمحتسب بين يديه يحكمون بين الناس، وأحبّته الرعيّة وتمّ أمره.
وفيها توفّى الإمام عبد الحميد بن عيسى الخسرو «٤» شاهىّ. كان إماما فاضلا فى فنون، وصحب الفخر الرازىّ ابن خطيب الرّىّ، وأقام عند الملك الناصر داود سنين كثيرة بدمشق والكرك، وكان متواضعا كبير القدر كثير الإحسان. مات بدمشق ودفن بقاسيون فى تربة المعظّم عيسى.
стр. 2156
وفيها توفّى الشيخ الإمام العلّامة مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله [ابن «١» أبى القاسم الخضر بن محمد بن علىّ] بن تيميّة الحرّانىّ الحنبلىّ جدّ الشيخ تقىّ الدين «٢» ابن تيميّة. ولد فى حدود سنة تسعين «٣» وخمسمائة وتفقّه فى صغره على عمّه الخطيب فخر الدين «٤» ؛ وسمع الكثير ورحل البلاد وبرع فى الحديث والفقه وغيره، ودرّس وأفتى وانتفع به الطلبة، ومات يوم الفطر بحرّان.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفى سديد [الدين «٥» ] أبو محمد مكّى [بن أبى الغنائم «٦» ] ابن المسلم [بن مكّى «٧» ] بن علّان القيسى فى صفر، وله تسع وثمانون سنة. والرشيد إسماعيل بن أحمد بن الحسين العراقىّ الحنبلىّ عن نيّف وثمانين سنة فى جمادى الأولى. والمفتى كمال الدين أبو سالم محمد بن طلحة النّصيبىّ بحلب عن سبعين سنة. وأبو البقاء محمد بن على بن بقاء [بن «٨» ] السبّاك. والعلّامة مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم ابن تيميّة بحرّان يوم الفطر عن اثنتين وستين سنة. وأبو الغيث فرج [بن عبد الله «٩» ] الحبشىّ فتى أبى جعفر «١٠» القرطبى فى شوّال. والإمام شمس الدين عبد الحميد بن عيسى الخسرو شاهىّ بدمشق. وأبو العزائم عيسى بن سلامة بن سالم الخيّاط بحرّان فى أواخر «١١» السنة، وله مائة وسنة. والفارس أقطاى مقدّم البحريّة، قتله المعزّ بمصر.
стр. 2157
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وستّ أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٥٣]
السنة السادسة من ولاية الملك المعزّ أيبك الصالحىّ النّجمىّ التّركمانىّ على مصر، وهى سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
فيها عزمت المماليك العزيزيّة على القبض على الملك المعزّ وكاتبوا الملك الناصر فلم يوافقهم أيدغدىّ العزيزىّ، واستشعر الملك المعزّ منهم بذلك وعلم الخبر، وعلموا هم أيضا فهربوا على حميّة، وكبيرهم آقوش البرنلى، ولم يهرب أيدغدى وأقام بمخيّمه، فجاء الملك المعزّ راكبا إلى قرب خيمته فخرج إليه أيدغدى فأمر المعزّ بحمله، وقبض أيضا على الأمير الأتابكى ونهبت خيام العزيزيّة وكانوا بالعبّاسة، والأعيان الذين هربوا: هم بلبان الرّشيدىّ، وعزّ الدين أزدمر، وبيبرس البندقدارىّ، وسنقر الأشقر، وسيف الدين قلاوون الألفى، وبدر الدين بيسرى، وسنقر الرّومى، وبلبان المستنصرىّ. «١»
وفيها عاد الملك الناصر داود من الأنبار إلى دمشق بعد أن حبسه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بقلعة حمص ثلاث سنين وبعث به إلى بغداد، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها، ثم عاد فى سنة ثلاث وخمسين إلى العراق، وحجّ وأقام بالحلّة «٢» ، وكان قد جرى بين الحجّ العراقىّ وأصحاب أمير مكّة فتنة، فأصلح بينهم.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى المفتى ضياء الدين صقر بن يحيى بن سالم الحلبىّ فى صفر عن نيّف وتسعين سنة. والمحدّث
стр. 2158
شهاب الدين أبو العرب إسماعيل بن حامد الأنصارى القوصىّ فى شهر ربيع الأوّل عن ثمانين سنة. والنور محمد بن أبى بكر بن أحمد بن خلف البلخىّ ثم الدّمشقىّ، فى شهر ربيع الآخر، وقد رأى السّلفىّ.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع واثنتا عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا سواء.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٥٤]
السنة السابعة من ولاية الملك المعزّ أيبك الصالحىّ النّجمىّ التّركمانىّ على مصر، وهى سنة أربع وخمسين وستمائة.
فيها فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف مدرسته التى أنشأها بدمشق بباب الفراديس.
وفيها غرقت بغداد الغرق العظيم الذي لم يعهد مثله بحيث انتقل الخليفة، ودخل الماء إلى دار الوزير وغرقت خزائن الخليفة، وجرى شىء لم يجر مثله، وكان ذلك فى شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى.
وفيها توفّى الشيخ الزاهد العابد الورع المجاهد عماد الدين عبد الله [بن «١» أبى المجد الحسن بن الحسين بن علىّ الأنصارىّ] ابن النحّاس، خدم فى مبادئ أمره الملوك، وولى الوزارة لبعضهم، ثم انقطع فى آخر عمره بقاسيون بزاويته، فأقام بها ثلاثين سنة صائما قائما مشغولا بالله تعالى ويقضى حوائج الناس بنفسه وماله، ودفن بقاسيون، وكان له مشهد هائل.
стр. 2159
وفيها كان ظهور النار العظيمة بالمدينة الشريفة وهى غير التى ذكرناها فى السنة الماضية «١» ، وهذه النار التى تقدّم ذكرها فى ترجمة الملك المعزّ هذا.
وفيها احترق مسجد رسول الله ﷺ فى شهر رمضان، وهذا غير النار التى ظهرت بنواحى المدينة، فإن هذا الحريق له سبب «٢» ، ابتدأ من زاوية الحرم النبوىّ [الغربية «٣» من الشمال] ، فعلقت فى آلات الحرم ثم دبّت فى السّقوف، فما كان إلّا ساعة حتّى احترقت سقوف المسجد أجمع، ووقع بعض أساطينه، وكان ذلك قبل أن ينام الناس، واحترق أيضا سقف الحجرة، وأصبح الناس فى يوم الجمعة فعزلوا موضعا للصلاة. ونظم فى حريق المسجد غير واحد من الشعراء، فقال معين الدين بن تولو المغربىّ:
قل للرّوافض بالمدينة مالكم ... يقتادكم للذّمّ كلّ سفيه
ما أصبح الحرم الشريف محرّقا ... إلّا لسبّكم الصحابة فيه
وقال غيره:
لم يحترق حرم النبي لحادث ... يخشى عليه ولا دهاه العار
لكنها أيدى الرّوافض لامست ... ذاك الجناب فطهّرته النار
قال: وعدّ ما وقع من تلك النار الخارجة وحريق المسجد من جملة الآيات.
وقال أبو شامة: فى ليلة السادس عشر من جمادى الآخرة خسف القمر أوّل الليل، وكان شديد الحمرة ثم انجلى، وكسفت الشمس فى غده، احمرّت وقت طلوعها
стр. 2160
و [قريب «١» ] غروبها، واتّضح بذلك ما صوّره الإمام الشافعىّ من اجتماع الخسوف والكسوف، واستبعده أهل النّجامة.
وفيها تواترت الأخبار بوصول هولاكو إلى أذربيجان قاصدا بلاد الشام، فتصالح العسكر المصرىّ والشامىّ على قتاله وتهيّأ كلّ منهم للقاء التّتار.
وفيها توفّى الأمير مجاهد الدين إبراهيم بن أونبا [بن عبد الله] «٢» الصّوابى نائب دمشق، وليها بعد حسام الدّين بن أبى علىّ، وكان فى أوّل أمره أمير جاندار الملك الصالح نجم «٣» الدين أيّوب، وكان أميرا كبيرا عاقلا فاضلا شاعرا. ومن شعره- رحمه الله تعالى-:
أشبهك الغصن فى خصال ... القدّ واللّين والتثنّى
لكن [تجنّيك «٤» ] ما حكاه ... الغصن يجنى وأنت تجنى
وفيها توفّى الإمام العلّامة عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن محمد بن جعفر بن الحسن زكىّ الدين أبو محمد البغدادىّ ثم المصرىّ المعروف بابن أبى الإصبع. كان أحد الشعراء المجيدين، وهو صاحب التصانيف المفيدة فى الأدب وغيره. ومولده فى سنة خمس وقيل سنة تسع وثمانين وخمسمائة بمصر وتوفّى بها.
ومن شعره فى نوع «التصدير» وسمّاه الأوائل «ردّ العجز على الصدر» على خلاف وقع فى ذلك:
اصبر على خلق من تصاحبه «٥» ... واصحب صبورا على أذى خلقك
стр. 2161
وذكر أيضا فى نوع «المدح فى معرض الذم» أبياتا يعارض بها القاضى السعيد ابن سناء الملك فى قوّاد. فقال هو فيمن ادّعى الفقه والكرم:
إنّ فلانا أكرم الناس لا ... يمنع ذا الحاجة من فلسه «١»
وهو فقيه ذو اجتهاد وقد ... نصّ على التقليد فى درسه
فيحسن البحث على وجهه ... ويوجب الدّخل على نفسه
وأمّا قول ابن سناء الملك فى قوّاد:
لى صاحب أفديه من صاحب ... حلو التأتّى حسن الاحتيال
لو شاء من رقّة ألفاظه ... ألّف [ما «٢» ] بين الهدى والضلال
يكفيك منه أنّه ربّما ... قاد إلى المهجور طيف الخيال
قلت: ويعجبنى قول من قال فى هذا المعنى- أعنى فى قوّاد-:
إذا كان الذي تهواه غصنا ... وأقسم لا يرقّ لمن يهيم «٣»
فدونك والنّسيم له رسولا ... فإنّ الغصن يعطفه النسيم
وأحسن من هذا قول من قال:
لى صاحب ما زلت أشكر فعله ... قد عمّنى بلطائف الإحسان
لو لم يكن مثل النسيم لطافة ... ما كان يعطف لى غصون البان
стр. 2162
وفيها توفّى الشيخ الإمام الفقيه الواعظ المؤرّخ العلّامة شمس الدين أبو المظفّر يوسف بن قزأوغلى بن عبد الله البغدادىّ ثم الدّمشقىّ الحنفىّ سبط الحافظ أبى الفرج ابن الجوزىّ. كان والده حسام الدين قزأوغلى من مماليك الوزير «١» عون الدين يحيى ابن هبيرة، وكان عنده بمنزلة الولد، ربّاه وأعتقه وأدّبه. ومولد الشيخ شمس الدين هذا فى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ببغداد، وبها نشأ تحت كنف جدّه لأمّه الحافظ أبى الفرج ابن الجوزىّ إلى أن مات فى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، واشتغل وبرع فى عدّة علوم، ووعظ ببغداد وغيرها، وقدم دمشق واستوطنها، ونالته السعادة والوجاهة عند الملوك، لا سيّما الملك المعظّم عيسى، فإنّه كان عنده بالمنزلة العظمى؛ ورحل البلاد وسمع الحديث وجلس للوعظ فى الأقطار، وكان له لسان حلو فى الوعظ والتّذكار، ولكلامه موقع فى القلوب، وعليه قابليّة من الخاص والعام؛ وله مصنّفات مفيدة: تاريخه المسمّى «مرآة الزمان» وهو من أجلّ الكتب فى معناها. ونقلت منه فى هذا الكتاب معظم حوادثه. وكانت وفاته فى ذى الحجّة. رحمه الله تعالى.
وقد استوعبنا ترجمته فى تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» بأوسع من هذا إذ هو كتاب تراجم وليس للإطناب فى ذكره هنا محلّ، كون أننا شرطنا فى هذا الكتاب ألّا نطنب إلّا فى تراجم ملوك مصر الذين تأليف هذا الكتاب بصددهم، وما عداهم يكون على سبيل الاختصار فى ضمن الحوادث المتعلقة بالمترجم من ملوك مصر. انتهى.
وفيها توفّى الأمير سيف الدين أبو الحسن يوسف بن أبى الفوارس بن موسك القيمرىّ واقف المارستان بجبل الصالحيّة «٢» ، كان أكبر الأمراء فى آخر عمره وأعظمهم
стр. 2163
مكانة، وجميع أمراء الأكراد القيمريّة «١» وغيرهم كانوا يتأدّبون ويقفون فى خدمته إلى أن مات فى شعبان، وهو أجلّ الأمراء مرتبة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى العماد أبو بكر عبد الله بن أبى المجد الحسن بن الحسين الأنصارىّ ابن النحّاس الأصمّ فى المحرّم، وله اثنتان وثمانون سنة. والإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد [بن عبد الرحمن «٢» ] بن وثيق الإشبيلىّ المقرئ بالإسكندريّة، وله سبع وثمانون سنة، توفّى فى شهر ربيع الآخر.
والقاضى أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام بن المقدسيّة السّفاقسىّ «٣» ، آخر من حضر على السّلفىّ فى جمادى الأولى. والمفتى شمس الدين عبد الرحمن بن نوح المقدسىّ. والواعظ شمس الدين يوسف بن قزأوغلى سبط ابن الجوزىّ فى ذى الحجّة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وستّ عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وثلاث أصابع.
стр. 2164
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٥٥]
ذكر سلطنة الملك المنصور علىّ بن أيبك التّركمانى على مصر
السلطان الملك المنصور نور الدين علىّ ابن السلطان الملك المعزّ عزّ الدين أيبك التّركمانىّ الصالحىّ النجمىّ، ملك الديار المصريّة بعد قتل أبيه المعزّ أيبك فى يوم الخميس خامس عشرين شهر ربيع الأوّل سنة خمس وخمسين وستمائة، وتمّ أمره وخطب له من الغد فى يوم الجمعة سادس عشرينه على منابر مصر وأعمالها. والمنصور هذا هو الثانى من ملوك مصر من الترك بالديار المصريّة.
وتسلطن المنصور هذا وعمره خمس عشرة سنة، وركب فى يوم الخميس ثانى شهر ربيع الآخر بشعار السلطنة من القلعة إلى قبة «١» النصر فى موكب هائل، ثم عاد ودخل القاهرة من باب النصر، وترجّل الأمراء ومشوا بين يديه ما خلا الأتابك علم الدين سنجر الحلبىّ، ثم صعد المنصور إلى القلعة وجلس بدار السلطنة ومدّ السّماط للأمراء فأكلوا، ووزر له وزير أبيه شرف الدين «٢» الفائزىّ وانفضّ الموكب.
وفى يوم الجمعة ثالث «٣» شهر ربيع الآخر خطب للملك المنصور وبعده لأتابكه
стр. 2165
علم الدين «١» سنجر الحلبىّ المذكور. وفوّض القضاء بالقاهرة وأعمالها إلى القاضى بدر الدين «٢» السّنجارىّ، وعزل تاج الدين «٣» ابن بنت الأعزّ وأبقى عليه قضاء مصر القديمة وأعمالها.
وفى عاشر شهر ربيع الآخر قبض الأمير قطز وسنجر [الغتمى «٤» ] وبهادر وغيرهم من الأمراء المعزّيّة على الأتابك سنجر الحلبىّ، وأنزلوه إلى الجبّ «٥» بالقلعة، وكان القبض عليه لأمور: أحدها أنّه كان طمع فى السلطنة بعد قتل الملك المعزّ أيبك لمّا طلبته شجرة الدّرّ وعرضت عليه الملك، والثانى أنه بلغهم أنه ندم على ترك الملك وهو فى عزم الوثوب؛ فعاجلوه وقبضوا عليه. ولمّا قبض عليه اضطربت خشداشيته من المماليك الصالحيّة النّجميّة وخاف كلّ أحد على نفسه، فهرب أكثرهم إلى جهة الشام، فخرج فى إثرهم جماعة من الأمراء المعزّيّة وغيرهم، وتقنطر بالأمير عزّ الدين أيبك «٦» الحلبىّ الكبير فرسه، وكذلك الأمير خاصّ ترك الصغير فهلكا خارج القاهرة وأدخلا ميتين، وكانوا ركبوا فى جماعة من المماليك الصالحيّة فى قصد الشام أيضا. واتّبع العسكر المهزومين إلى الشام، فقبض على أكثرهم وحملوا إلى القلعة واعتقلوا بها. وقبض أيضا على الوزير شرف الدين الفائزى. وفوّض أمر الوزارة إلى القاضى بدر الدين يوسف السّنجارىّ مضافا إلى القضاء، وأخذ موجود الفائزى
стр. 2166
وكان له مال كثير. ثم قبض على بهاء الدين علىّ [بن محمد بن سليم «١» ] بن حنّا وزير شجرة الدّرّ، وأخذ خطّه بستّين ألف دينار. ثم خلع الملك المنصور على الأمير أقطاى «٢» المستعرب باستقراره أتابكا عوضا عن سنجر الحلبىّ. ثم فى شهر رجب رفعت يد القاضى بدر الدين السّنجارىّ من الوزارة وأضيف إليه قضاء مصر القديمة، فكمل له قضاء الإقليم بكماله، وولى القاضى تاج الدين ابن بنت الأعزّ الوزارة.
ثم فى شعبان كثرت الأراجيف بين الناس بأنّ الأمراء والأجناد اتّفقوا على إزالة حكم مماليك الملك المعزّ من الدولة، وأنّ الملك المنصور تغيّر على الأمير سيف الدين قطز المعزّى، واجتمع الأمراء فى بيت الأمير بهاء الدين بغدى «٣» مقدّم الحلقة، وتكلّموا إلى أن صلح الأمر بين الملك المنصور وبين مملوك أبيه الأمير قطز. وخلع عليه وطيّب قلبه؛ ثم وقع الكلام أيضا من المعزّيّة وغيرهم. فلمّا كان رابع شهر رمضان ركب الأمير بغدى وبدر الدين «٤» بلغان وانضاف إليهما جماعة ووقفوا بآله الحرب، فخرج إليهم حاشية السلطان فقاتلوهم وهزموهم وقبضوا على بغدى بعد أن جرح وعلى بلغان وحملا إلى القلعة؛ ودخلت المعزّية إلى القاهرة، فقبضوا على الأمير عزّ الدين أيبك الأسمر وأرزن الرّومىّ وسابق الدين بوزنا الصّيرفىّ وغيرهم من المماليك الأشرفيّة ونهبت دورهم، فاضطربت القاهرة حتّى نودى بالأمان لمن دخل فى الطاعة وسكن الناس، وركب السلطان الملك المنصور فى خامس
стр. 2167
شهر رمضان وشقّ القاهرة وفى خدمته الأمير قطز وباقى مماليك أبيه، ثم نزل أيضا فى عيد الفطر وصلّى بالمصلّى. وركب وعاد إلى القلعة ومدّ السّماط.
ثم ورد كتاب الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام وحلب على الملك المنصور بمفارقة البحريّة والصالحيّة له (أعنى الأمراء والمماليك الذين خرجوا من القاهرة بعد القبض على علم الدين سنجر الحلبىّ المقدّم ذكره) . فلمّا وقف المصريّون على الكتاب ظنّوا أن ذلك خديعة من الملك الناصر فآحترزوا لأنفسهم.
ثم جهّز الملك المنصور عسكرا من المماليك والأمراء ومقدّمهم الدّمياطىّ «١» إلى الشام، فتوجّهوا ونزلوا بالعبّاسة؛ فوردت الأخبار على السلطان الملك المنصور بأنّ عساكر الملك الناصر وصلت إلى نابلس لقتال البحريّة الذين قدموا عليه من مصر ثم فارقوه، وكان البحرية نازلين بغزّة، ثم وردت الأخبار بأنّ البحريّة، وكان مقدّم البحريّة بلبان الرّشيدىّ وبيبرس البندقدارىّ، خرجوا من غزّة وكبسوا عسكر الملك الناصر وقتلوا منهم جماعة كثيرة ليلا. ثم ورد الخبر ثانيا بأنّ عسكر الملك الناصر كسروا البحريّة وأنّ البحريّة انحازوا إلى ناحية زغر «٢» من الغور. ثم ورد الخبر أيضا بمجيء البحريّة إلى جهة القاهرة طائعين للسلطنة، فقدم منهم الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم ومعه جماعة، فتلقّوا بالإكرام، وأفرج عن أملاك الأفرم وأرزاقه ونزل بداره بمصر. ثم بلغ السلطان أنّ البحرية (أعنى الذي بقى منهم) رحلوا من زغر طالبين بعض الجهات، فاتّضح من أمرهم أنّهم خرجوا من دمشق على حميّة وأنّهم قصدوا القدس الشريف، ومقطع القدس يوم ذاك سيف الدين كبك من جهة الملك الناصر
стр. 2168
يوسف صاحب الشام وحلب، فطلبوا منه البحريّة أن يكون معهم فامتنع فاعتقلوه، وخطبوا بالقدس للملك المغيث بن العادل بن الكامل بن العادل بن أيّوب.
ثم جاءوا إلى غزّة وقبضوا على واليها (أعنى نائبها) وأخذوا حواصل الملك الناصر من غزّة والقدس وغيرهما «١» . ثم إنّهم أطمعوا الملك المغيث صاحب الكرك فى ملك مصر، وقالوا له: هذا ملك أبيك وجدّك وعمّك، ثم عزموا على قصد الديار المصريّة، فجاء الخبر إلى مصر بذلك فخرج إليهم العسكر المصرىّ، واجتمعوا بالصالحيّة «٢» وأقاموا بها، فلمّا كان سحر ليلة السبت منتصف ذى القعدة وصلت البحريّة بمن معهم من عسكر الملك المغيث، ووقعت «٣» الحرب بين الفريقين واشتدّ القتال بينهم وجرح جماعة، والمصريّون مع ذلك يزدادون كثرة وطلعت الشمس، فرأت البحريّة كثرة المصريّين فانهزموا وأسر منهم بلبان الرّشيدىّ وبه جراحات وهو من كبار القوم، وهرب بيبرس البندقدارىّ وبدر «٤» الصّوابى إلى الكرك، وبعض البحريّة دخل فى العسكر المصرىّ، ودخل العسكر المصرىّ القاهرة، وزيّن البلد لهذا النصر وفرح الملك المنصور والأمير قطز بذلك.
وأمّا البحريّة فإنّهم توجّهوا إلى الملك المغيث صاحب الكرك وحسنّوا له أن يركب ويجيء معهم لأخذ مصر فأصغى لهم وتجهّز وخرج بعساكره من الكرك فى أوّل سنة ستّ وخمسين وستّمائة، وسار حتّى قدم غزّة، وأمر البحريّة راجع إلى بيبرس البندقدارىّ. فلمّا بلغ ذلك المصريّين خرج الأمير سيف الدين قطز بعساكر
стр. 2169
مصر ونزل بالعبّاسة، فلمّا تكامل عسكره سار منه قاصدا الشاميّين، وخرج الملك المغيث من غزّة إلى الرمل فالتقى بالعسكر المصرىّ وتقاتلا قتالا شديدا فى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر، فانكسر الملك المغيث بمن معه من البحريّة، وقبض على جماعة كثيرة من المماليك البحرية الصالحيّة، وهم: الأمير عزّ الدين أيبك الرّومى وعزّ الدين أيبك الحموىّ وركن الدين الصّيرفىّ «١» وابن أطلس خان الخوارزمىّ وجماعة كثيرة، فأحضروا بين يدى الأمير سيف الدين قطز والأمير الغتمىّ والأمير بهادر المعزّيّة فأمروا بضرب أعناقهم فضربت، وحملت رءوسهم إلى القاهرة وعلّقت بباب زويلة، ثم أنزلت من يومها لمّا أنكر قتلهم على المعزّية بعض أمراء مصر واستشنع ذلك.
وأمّا الملك المغيث فإنّه هرب هو والطواشى بدر الصّوابىّ وبيبرس البندقدارىّ ومن معهم، ووصلوا إلى الكرك فى أسوأ حال بعد أن نهب ما كان معهم من الثّقل والخيام والسلاح وغير ذلك وأقاموا بالكرك؛ وبينما هم فى ذلك أرسل الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام جيشا مقدّمه الأمير «٢» مجير الدين إبراهيم [بن «٣» أبى بكر] بن أبى زكرى والأمير نور الدين علىّ بن الشجاع الأكتع فى طلب البحريّة، وخرجت البحريّة لمّا بلغهم ذلك إلى غزّة، والتقوا مع العسكر الشامىّ وتقاتلوا فآنكسر العسكر الشامىّ، وقبض على مجير الدين ونور الدين وحملوها البحريّة إلى الكرك، وقوى أمر البحريّة بهذه الكسرة واشتدّوا.
وأمّا الملك الناصر لمّا بلغه كسر عسكره تجهّز وخرج بنفسه لقتال البحريّة، وضرب دهليزه قبلى دمشق، فلمّا بلغ البحريّة ذلك توجّهوا نحو دمشق وضربوا
стр. 2170
أطراف عساكر الملك الناصر، وخفّ بيبرس البندقدارىّ حتّى إنّه أتى فى بعض الأيام وقطع أطناب خيمة الملك الناصر المضروبة، وذلك قبل خروج الناصر من دمشق. وبينما الناس فى ذلك ورد الخبر بأخذ التّتار لبغداد وقتل هولاكو الخليفة المستعصم بالله وإخراب بغداد.
قلت: نذكر سبب أخذ هولاكو لبغداد ثم نعود إلى أمر المصريّين والشاميّين والبحريّة.
فأمّا أمر هولاكو فإنّه هولاكو: وقيل: هولاو [وقيل هلاوون «١» ] بن تولى خان ابن چنكز خان المغليّ، ولى الملك بعد موت أبيه تولى قان، واتّسعت ممالكه وعظم أمره وكثرت جيوشه من المغل والتّتار، ولا زال أمره فى زيادة حتى ملك مدينة ألموت «٢» وقتل متولّيها شمس «٣» الشموس وأخذ بلاده، ثم أخذ الروم وأبقى بها ركن الدين كيقباد بن غياث الدين كيخسرو صورة بلا معنى والحكم والتصرّف لغيره؛ وكان وزير الخليفة المستعصم بالله مؤيّد الدّين بن العلقمىّ ببغداد، وكان رافضيّا خبيثا حريصا على زوال الدولة العباسيّة ونقل الخلافة إلى العلويّين، يدبّر ذلك فى الباطن ويظهر للخليفة المستعصم خلاف ذلك، ولا زال يثير الفتن بين أهل السّنّة والرافضة حتّى تجالدوا بالسيوف، وقتل جماعة من الرافضة ونهبوا، فاشتكى أهل باب البصرة إلى الأمير مجاهد «٤» الدين الدّوادار وللأمير أبى بكر ابن الخليفة فتقدّما إلى الجند بنهب
стр. 2171
الكرخ فركبوا من وقتهم وهجموا على الرافضة بالكرخ وقتلوا منهم جماعة وارتكبوا معهم «١» العظائم فحنق الوزير ابن العلقمى ونوى الشرّ فى الباطن وأمر أهل الكرخ الرافضة بالصّبر والكفّ عن القتال، وقال لهم: أنا أكفيكم «٢» فيهم وكان الخليفة المستنصر بالله قد استكثر من الجند قبل موته حتّى بلغ عدد عسكره مائة ألف، وكان الوزير ابن العلقمىّ مع ذلك يصانع التّتار فى الباطن ويكاتبهم ويهاديهم، فلمّا استخلف المستعصم بعد موت أبيه المستنصر، وكان المستعصم خليّا من الرأى والتدبير، فأشار عليه ابن العلقمىّ المذكور بقطع أرزاق أكثر الجند، وأنّه بمصانعة التتار وإكرامهم يحصل بذلك المقصود، ولا حاجة لكثرة الجند ففعل الخليفة ذلك! قلت: وكلمة الشيخ مطاعة!
ثم إنّ الوزير بعد ذلك كاتب التّتار وأطمعهم فى البلاد سرّا، وأرسل إليهم غلامه وأخاه وسهّل عليهم فتح العراق وأخذ بغداد، وطلب منهم أن يكون نائبهم بالبلاد فوعدوه بذلك، وتأهّبوا لقصد بغداد وكاتبوا لؤلؤا «٣» صاحب الموصل فى تهيئة الإقامات والسلاح، فكاتب لؤلؤ الخليفة سرّا وحذّره، ثم هيّأ لهم الآلات والإقامات.
وكان الوزير ابن العلقمىّ المذكور ليس لأحد معه كلام فى تدبير أمر الخليفة، فصار لا يوصّل مكاتبات لؤلؤ ولا غيره للخليفة، وعمّى عنه الأخبار والنصائح، فكان يقرؤها هو ويجيب عنها بما يختار، فنتج أمر التّتار بذلك غاية النّتاج وأخذ أمر الخليفة والمسلمين فى إدبار! وكان تاج الدين بن صلايا نائب الخليفة بإربل «٤»
стр. 2172
حذّر الخليفة وحرّك عزمه، والخليفة لا يتحرّك ولا يستيقظ! فلمّا «١» تحقّق الخليفة حركة التّتار نحوه سيّر إليهم شرف «٢» الدين بن محيى الدين ابن الجوزى رسولا يعدهم بأموال عظيمة، ثم سيّر مائة رجل إلى الدّربند يكونون فيه يطالعون الخليفة بالأخبار، فمضوا فلم يطلع لهم خبر، لأنّ الأكراد الذين كانوا هناك دلّوا التّتار عليهم، فهجموا عليهم وقتلوهم أجمعين.
ثم ركب هولاكو بن تولى خان بن چنكز خان فى جيوشه من المغل والتّتار وقصدوا العراق، وكان على مقدّمته الأمير بايجونوين «٣» ، وفى جيشه خلق من أهل الكرخ الرافضة ومن عسكر بركة خان ابن عمّ هولاكو، ومدد من صاحب الموصل مع ولده الملك الصالح ركن الدين إسماعيل، فوصلوا قرب بغداد واقتتلوا من جهة البرّ الغربىّ عن دجلة، فخرج عسكر بغداد وعليهم ركن الدين الدّوادار، فالتقوا على نحو مرحلتين من بغداد، فانكسر البغداديّون وأخذتهم السيوف، وغرق بعضهم فى الماء وهرب الباقون. ثم ساق بايجونوين مقدّمة هولاكو فنزل القرية «٤» مقابل دار الخلافة وبينه وبينها دجلة لا غير. وقصد هولاكو بغداد من البرّ الشرقىّ، وضرب سورا وخندقا على عسكره وأحاط ببغداد، فأشار الوزير ابن العلقمىّ على الخليفة المستعصم بالله بمصانعتهم. وقال له: أخرج إليهم أنا فى تقرير الصلح فخرج إليهم، واجتمع بهولاكو وتوثّق لنفسه وردّ إلى الخليفة، وقال: إنّ الملك قد رغب
стр. 2173
فى أن يزوّج بنته بآبنك الأمير أبى بكر، ويبقيك على منصب الخلافة كما أبقى صاحب الروم فى سلطنته، ولا يطلب إلّا أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع السلاطين السّلجوقيّة، وينصرف هو عنك بجيوشه! فتجيبه يا مولانا أمير المؤمنين لهذا، فإنّ فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن أن تفعل بعد ذلك ما تريد! والرأى أن تخرج إليه؛ فسمع له الخليفة وخرج إليه فى جمع من الأعيان من أقاربه وحواشيه وغيرهم.
فلمّا توجّه إلى هولاكو لم يجتمع به هولاكو وأنزل فى خيمة؛ ثم ركب الوزير وعاد إلى بغداد بإذن هولاكو، واستدعى الفقهاء والأعيان والأماثل ليحضروا عقد بنت هولاكو على ابن الخليفة، فخرجوا من بغداد إلى هولاكو، فأمر هولاكو بضرب أعناقهم! ثم مدّ الجسر ودخل بايجونوين «١» بمن معه إلى بغداد وبذلوا السيف فيها واستمرّ القتل والنهب والسّبى فى بغداد بضعة وثلاثين يوما، فلم ينج منهم إلّا من اختفى. ثمّ أمر هولاكو بعدّ القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف وكسرا.
وقال الذهبىّ- ﵀ فى تاريخ الإسلام: والأصحّ أنّهم بلغوا ثمانمائة ألف.
ثم نودى بعد ذلك بالأمان، فظهر من كان اختفى وهم قليل من كثير.
وأمّا الوزير ابن العلقمىّ فلم يتمّ له ما أراد، وما اعتقد أنّ التّتار يبذلون السيف مطلقا فى أهل السّنّة والرافضة معا، وراح مع الطائفتين أيضا أمم لا يحصون كثرة، وذاق ابن العلقمىّ الهوان والذّلّ من التّتار! ولم تطل أيامه بعد ذلك كما سيأتى ذكره. ثم ضرب هولاكو عنق مقدّم جيشه بايجونوين لأنّه بلغه عنه من الوزير ابن العلقمىّ أنّه كاتب الخليفة المستعصم لمّا كان بالجانب الغربىّ.
وأمّا الخليفة فيأتى ذكره فى الحوادث على عادة هذا الكتاب فى محلّه غير أنّنا نذكره هنا على سبيل الاستطراد. ولمّا تمّ أمر هولاكو طلب الخليفة وقتله خنقا. وقيل
стр. 2174
غمّ فى بساط، وقيل جعله هو وولده فى عدلين وأمر برفسهما حتّى ماتا. ثم قتل الأمير مجاهد الدين الدّوادار، والخادم إقبال «١» الشّرابى صاحب الرّباط بحرم مكّة، والأستادار محيى «٢» الدين ابن الجوزىّ وولداه «٣» وسائر الأمراء الأكابر والحجّاب والأعيان، وانقضت الخلافة من بغداد وزالت أيامهم من تلك البلاد، وخربت بغداد الخراب العظيم، وأحرقت كتب العلم التى كانت بها من سائر العلوم والفنون التى ما كانت فى الدنيا؛ قيل: إنّهم بنوا بها جسرا من الطين والماء عوضا عن الآجرّ، وقيل غير ذلك. وكانت كسرة الخليفة يوم عاشوراء من سنة ستّ وخمسين وستّمائة المذكورة، ونزل هولاكو بظاهر بغداد فى عاشر المحرّم، وبقى السيف يعمل فيها أربعة وثلاثين يوما وآخر جمعة خطب الخطيب ببغداد، كانت الخطبة: الحمد لله الذي هدم بالموت مشيّد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدار، إلى أن قال:
اللهمّ أجرنا فى مصيبتنا التى لم يصب الإسلام وأهله بمثلها، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون! ثم عمل الشعراء والعلماء قصائد فى مراثى بغداد وأهلها، وعمل الشيخ تقي الدين إسماعيل [بن إبراهيم «٤» ] بن أبى اليسر [شاكر بن عبد الله «٥» التّنوخىّ] قصيدته المشهورة، وهى:
لسائل الدّمع عن بغداد أخبار ... فما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزّوراء لا تفدوا ... فما بذاك الحمى والدار ديّار
تاج الخلافة والرّبع الذي شرفت ... به المعالم قد عفّاه إقفار
стр. 2175
أضحى لعطف البلى فى ربعه أثر ... وللدّموع على الآثار آثار
يا نار قلبى من نار لحرب وغى ... شبّت عليه ووافى الرّبع إعصار
علا الصليب على أعلى منابرها ... وقام بالأمر من يحويه زنّار
ومنها:
وكم بدور على البدريّة «١» انخسفت ... ولم يعد لبدور منه إبدار
وكم ذخائر أضحت وهى شائعة ... من النّهاب وقد حازته كفّار
وكم حدود أقيمت من سيوفهم ... على الرّقاب وحطّت فيه أوزار
ناديت والسّبى مهتوك يجرّهم ... إلى السّفاح من الأعداء دعّار
ومنها:
وهم يساقون للموت الذي شهدوا ... النار يا ربّ...... «٢» ...... ولا العار
يا للرّجال لأحداث «٣» تحدّثنا ... بما غدا فيه إعذار وإنذار
من بعد أسر بنى العبّاس كلّهم ... فلا أنار لوجه الصّبح إسفار
ما راق لى قطّ شىء بعده بينهم ... إلّا أحاديث أرويها وآثار
لم يبق للدّين والدنيا وقد ذهبوا ... شوق لمجد وقد بانوا وقد باروا
إنّ القيامة فى بغداد قد وجدت ... وحدّها حين للإقبال إدبار
آل النّبىّ وأهل العلم قد سبيوا «٤» ... فمن ترى بعدهم تحويه أمصار.
ما كنت آمل أن أبقى وقد ذهبوا ... لكن أبى دون ما أختار أقدار
следующие страницы →