← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

الكرخ فركبوا من وقتهم وهجموا على الرافضة بالكرخ وقتلوا منهم جماعة وارتكبوا معهم «١» العظائم فحنق الوزير ابن العلقمى ونوى الشرّ فى الباطن وأمر أهل الكرخ الرافضة بالصّبر والكفّ عن القتال، وقال لهم: أنا أكفيكم «٢» فيهم وكان الخليفة المستنصر بالله قد استكثر من الجند قبل موته حتّى بلغ عدد عسكره مائة ألف، وكان الوزير ابن العلقمىّ مع ذلك يصانع التّتار فى الباطن ويكاتبهم ويهاديهم، فلمّا استخلف المستعصم بعد موت أبيه المستنصر، وكان المستعصم خليّا من الرأى والتدبير، فأشار عليه ابن العلقمىّ المذكور بقطع أرزاق أكثر الجند، وأنّه بمصانعة التتار وإكرامهم يحصل بذلك المقصود، ولا حاجة لكثرة الجند ففعل الخليفة ذلك! قلت: وكلمة الشيخ مطاعة! ثم إنّ الوزير بعد ذلك كاتب التّتار وأطمعهم فى البلاد سرّا، وأرسل إليهم غلامه وأخاه وسهّل عليهم فتح العراق وأخذ بغداد، وطلب منهم أن يكون نائبهم بالبلاد فوعدوه بذلك، وتأهّبوا لقصد بغداد وكاتبوا لؤلؤا «٣» صاحب الموصل فى تهيئة الإقامات والسلاح، فكاتب لؤلؤ الخليفة سرّا وحذّره، ثم هيّأ لهم الآلات والإقامات. وكان الوزير ابن العلقمىّ المذكور ليس لأحد معه كلام فى تدبير أمر الخليفة، فصار لا يوصّل مكاتبات لؤلؤ ولا غيره للخليفة، وعمّى عنه الأخبار والنصائح، فكان يقرؤها هو ويجيب عنها بما يختار، فنتج أمر التّتار بذلك غاية النّتاج وأخذ أمر الخليفة والمسلمين فى إدبار! وكان تاج الدين بن صلايا نائب الخليفة بإربل «٤»

стр. 2172

حذّر الخليفة وحرّك عزمه، والخليفة لا يتحرّك ولا يستيقظ! فلمّا «١» تحقّق الخليفة حركة التّتار نحوه سيّر إليهم شرف «٢» الدين بن محيى الدين ابن الجوزى رسولا يعدهم بأموال عظيمة، ثم سيّر مائة رجل إلى الدّربند يكونون فيه يطالعون الخليفة بالأخبار، فمضوا فلم يطلع لهم خبر، لأنّ الأكراد الذين كانوا هناك دلّوا التّتار عليهم، فهجموا عليهم وقتلوهم أجمعين. ثم ركب هولاكو بن تولى خان بن چنكز خان فى جيوشه من المغل والتّتار وقصدوا العراق، وكان على مقدّمته الأمير بايجونوين «٣» ، وفى جيشه خلق من أهل الكرخ الرافضة ومن عسكر بركة خان ابن عمّ هولاكو، ومدد من صاحب الموصل مع ولده الملك الصالح ركن الدين إسماعيل، فوصلوا قرب بغداد واقتتلوا من جهة البرّ الغربىّ عن دجلة، فخرج عسكر بغداد وعليهم ركن الدين الدّوادار، فالتقوا على نحو مرحلتين من بغداد، فانكسر البغداديّون وأخذتهم السيوف، وغرق بعضهم فى الماء وهرب الباقون. ثم ساق بايجونوين مقدّمة هولاكو فنزل القرية «٤» مقابل دار الخلافة وبينه وبينها دجلة لا غير. وقصد هولاكو بغداد من البرّ الشرقىّ، وضرب سورا وخندقا على عسكره وأحاط ببغداد، فأشار الوزير ابن العلقمىّ على الخليفة المستعصم بالله بمصانعتهم. وقال له: أخرج إليهم أنا فى تقرير الصلح فخرج إليهم، واجتمع بهولاكو وتوثّق لنفسه وردّ إلى الخليفة، وقال: إنّ الملك قد رغب

стр. 2173

فى أن يزوّج بنته بآبنك الأمير أبى بكر، ويبقيك على منصب الخلافة كما أبقى صاحب الروم فى سلطنته، ولا يطلب إلّا أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع السلاطين السّلجوقيّة، وينصرف هو عنك بجيوشه! فتجيبه يا مولانا أمير المؤمنين لهذا، فإنّ فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن أن تفعل بعد ذلك ما تريد! والرأى أن تخرج إليه؛ فسمع له الخليفة وخرج إليه فى جمع من الأعيان من أقاربه وحواشيه وغيرهم. فلمّا توجّه إلى هولاكو لم يجتمع به هولاكو وأنزل فى خيمة؛ ثم ركب الوزير وعاد إلى بغداد بإذن هولاكو، واستدعى الفقهاء والأعيان والأماثل ليحضروا عقد بنت هولاكو على ابن الخليفة، فخرجوا من بغداد إلى هولاكو، فأمر هولاكو بضرب أعناقهم! ثم مدّ الجسر ودخل بايجونوين «١» بمن معه إلى بغداد وبذلوا السيف فيها واستمرّ القتل والنهب والسّبى فى بغداد بضعة وثلاثين يوما، فلم ينج منهم إلّا من اختفى. ثمّ أمر هولاكو بعدّ القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف وكسرا. وقال الذهبىّ- ﵀ فى تاريخ الإسلام: والأصحّ أنّهم بلغوا ثمانمائة ألف. ثم نودى بعد ذلك بالأمان، فظهر من كان اختفى وهم قليل من كثير. وأمّا الوزير ابن العلقمىّ فلم يتمّ له ما أراد، وما اعتقد أنّ التّتار يبذلون السيف مطلقا فى أهل السّنّة والرافضة معا، وراح مع الطائفتين أيضا أمم لا يحصون كثرة، وذاق ابن العلقمىّ الهوان والذّلّ من التّتار! ولم تطل أيامه بعد ذلك كما سيأتى ذكره. ثم ضرب هولاكو عنق مقدّم جيشه بايجونوين لأنّه بلغه عنه من الوزير ابن العلقمىّ أنّه كاتب الخليفة المستعصم لمّا كان بالجانب الغربىّ. وأمّا الخليفة فيأتى ذكره فى الحوادث على عادة هذا الكتاب فى محلّه غير أنّنا نذكره هنا على سبيل الاستطراد. ولمّا تمّ أمر هولاكو طلب الخليفة وقتله خنقا. وقيل

стр. 2174

غمّ فى بساط، وقيل جعله هو وولده فى عدلين وأمر برفسهما حتّى ماتا. ثم قتل الأمير مجاهد الدين الدّوادار، والخادم إقبال «١» الشّرابى صاحب الرّباط بحرم مكّة، والأستادار محيى «٢» الدين ابن الجوزىّ وولداه «٣» وسائر الأمراء الأكابر والحجّاب والأعيان، وانقضت الخلافة من بغداد وزالت أيامهم من تلك البلاد، وخربت بغداد الخراب العظيم، وأحرقت كتب العلم التى كانت بها من سائر العلوم والفنون التى ما كانت فى الدنيا؛ قيل: إنّهم بنوا بها جسرا من الطين والماء عوضا عن الآجرّ، وقيل غير ذلك. وكانت كسرة الخليفة يوم عاشوراء من سنة ستّ وخمسين وستّمائة المذكورة، ونزل هولاكو بظاهر بغداد فى عاشر المحرّم، وبقى السيف يعمل فيها أربعة وثلاثين يوما وآخر جمعة خطب الخطيب ببغداد، كانت الخطبة: الحمد لله الذي هدم بالموت مشيّد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدار، إلى أن قال: اللهمّ أجرنا فى مصيبتنا التى لم يصب الإسلام وأهله بمثلها، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون! ثم عمل الشعراء والعلماء قصائد فى مراثى بغداد وأهلها، وعمل الشيخ تقي الدين إسماعيل [بن إبراهيم «٤» ] بن أبى اليسر [شاكر بن عبد الله «٥» التّنوخىّ] قصيدته المشهورة، وهى: لسائل الدّمع عن بغداد أخبار ... فما وقوفك والأحباب قد ساروا يا زائرين إلى الزّوراء لا تفدوا ... فما بذاك الحمى والدار ديّار تاج الخلافة والرّبع الذي شرفت ... به المعالم قد عفّاه إقفار

стр. 2175

أضحى لعطف البلى فى ربعه أثر ... وللدّموع على الآثار آثار يا نار قلبى من نار لحرب وغى ... شبّت عليه ووافى الرّبع إعصار علا الصليب على أعلى منابرها ... وقام بالأمر من يحويه زنّار ومنها: وكم بدور على البدريّة «١» انخسفت ... ولم يعد لبدور منه إبدار وكم ذخائر أضحت وهى شائعة ... من النّهاب وقد حازته كفّار وكم حدود أقيمت من سيوفهم ... على الرّقاب وحطّت فيه أوزار ناديت والسّبى مهتوك يجرّهم ... إلى السّفاح من الأعداء دعّار ومنها: وهم يساقون للموت الذي شهدوا ... النار يا ربّ...... «٢» ...... ولا العار يا للرّجال لأحداث «٣» تحدّثنا ... بما غدا فيه إعذار وإنذار من بعد أسر بنى العبّاس كلّهم ... فلا أنار لوجه الصّبح إسفار ما راق لى قطّ شىء بعده بينهم ... إلّا أحاديث أرويها وآثار لم يبق للدّين والدنيا وقد ذهبوا ... شوق لمجد وقد بانوا وقد باروا إنّ القيامة فى بغداد قد وجدت ... وحدّها حين للإقبال إدبار آل النّبىّ وأهل العلم قد سبيوا «٤» ... فمن ترى بعدهم تحويه أمصار. ما كنت آمل أن أبقى وقد ذهبوا ... لكن أبى دون ما أختار أقدار

стр. 2176

وهى أطول من ذلك. وجملة القصيدة ستة وستون بيتا. وقال غيره فى فقد الخلافة من بغداد بيتا مفردا وأجاد: خلت المنابر والأسرّة منهم ... فعليهم حتّى الممات سلام انتهى ذكر بغداد هنا، ولا بدّ من ذكر شىء منها أيضا فى الحوادث. وأمّا أمر البحريّة فإنّه لمّا دخلت سنة سبع وخمسين وستمائة رحل الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام بعساكر فى أثر البحريّة، فاندفعوا البحريّة أمامه إلى الكرك، فسار الناصر حتى نزل بركة «١» زيزاء ليحاصر الكرك، وصحبته الملك المنصور صاحب حماة؛ فأرسل الملك المغيث عمر «٢» بن العادل بن الكامل صاحب الكرك رسله إلى الملك الناصر يطلب الصلح، وكان مع رسله الدار «٣» القطبيّة ابنة الملك المفضّل «٤» قطب الدّين بن العادل، وهى من عمّات الناصر والمغيث يتضرّعون إلى الناصر ويطلبون الصلح ورضاه على ابن عمه المغيث، فشرط عليه الناصر أن يقبض على من عنده من البحريّة، فأجاب إلى ذلك وقبض عليهم وجهّزهم إلى الملك الناصر على الجمال، وهو نازل ببركة زيزاء. فحملهم الملك الناصر إلى حلب واعتقلهم بقلعتها ما خلا الأمير بيبرس البندقدارىّ، فإنّه لمّا أحسّ بما وقع عليه الصلح هرب من الكرك فى جماعة من البحريّة وأتى إلى الملك الناصر صلاح الدين المذكور داخلا تحت طاعته، فأكرمه الملك الناصر وأكرم رفقته إكراما زائدا؛ وعاد الناصر إلى دمشق وفى خدمته الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارىّ وغيره من البحريّة.

стр. 2177

وأمّا المصريّون فإنّه لمّا بلغ الملك المنصور عليّا والأمير قطز المعزّىّ ما وقع للبحريّة فرحا فرحا زائدا، وزيّنت مصر أيّاما لذلك؛ وصفا الوقت للأمير قطز. وبينما هو فى ذلك ورد الخبر عليه بنزول هولاكو على مدينة آمد من ديار بكر، وأنّه فى قصد البلاد الشاميّة، وأنّ هولاكو بعث رسله إلى الملك السعيد نجم الدين إيلغازى صاحب ماردين يستدعيه إلى طاعته وحضرته، فسيّر إليه الملك السعيد ولده الملك المظفّر «١» قرا أرسلان وقاضى القضاة مهذّب الدين محمد [بن «٢» مجلّى] والأمير سابق الدين بلبان وعلى أيديهم هديّة، وحمّلهم رسالة تتضمّن الاعتذار عن الحضور بمرض منعه الحركة، ووافق وصولهم إلى هولاكو أخذه لقلعة اليمانيّة وإنزاله من بها من حريم صاحب ميّافارقين وأولاده وأقاربه، وهم: ولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف جفتاى، والملك السعيد عمر وابن أخيه الملك الأشرف أحمد وتاج الدين على ابن الملك العادل، فأدّوا الرسالة؛ فقال هولاكو: ليس مرضه بصحيح، وإنّما هو يتمارض مخافة الملك الناصر صاحب الشام، فإن انتصرت عليه اعتذر لى بزيادة المرض، وإن انتصر علىّ كانت له اليد البيضاء عنده، ثم قال: ولو كان للملك الناصر قوّة يدفعنى لم يمكّنى من دخول هذه البلاد؛ وقد بلغنى أنّه بعث حريمه إلى مصر؛ ثم أمر بردّ القاضى وحده فردّ القاضى وأخبر الملك السعيد بالجواب. وأمّا هولاكو فإنّه لا زال يأخذ بلدا بعد أخرى إلى أن استولى على حلب والشام، واضمحلّ أمر الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام بعد أمور ووقائع وقعت له، وانفلّ عنه أصحابه. فلمّا وقع ذلك فارقه الأمير بيبرس البندقدارىّ وقدم إلى مصر ومعه جماعة من البحريّة طائعا للملك المنصور هذا فأكرمه قطز

стр. 2178

وأكرم رفقته وصاروا الجميع من عساكر مصر على العادة أوّلا. يأتى تفصيل ذلك فى ترجمة الملك المظفّر قطز. إن شاء الله تعالى. ولمّا استفحل أمر قطز بديار مصر وصار هو المشار إليه فيها لصغر السلطان الملك المنصور علىّ، ولكثرة حواشى قطز المذكور، ثم تحقّق قطز مجىء التّتار إلى البلاد الشاميّة، وعلم أنّه لا بدّ من خروجه من الديار المصريّة بالعساكر للذّبّ عن المسلمين، فرأى أنّه لا يقع له ذلك، فإنّ الآراء مغلولة لصغر السلطان ولاختلاف الكلمة، فجمع قطز كمال الدّين بن العديم الحنفىّ وغيره من الأعيان والأمراء بالديار المصريّة، وعرّفهم أنّ الملك المنصور هذا صبّى لا يحسن التدبير فى مثل هذا الوقت الصّعب، ولا بدّ أن يقوم بأمر الملك رجل شهم يطيعه كلّ أحد، وينتصب للجهاد فى التّتار، فأجابه الجميع: ليس لها غيرك! وكان قطز قبل ذلك قد قبض على الملك المنصور علىّ هذا وعوّقه بالدور السلطانيّة، فخلع الملك المنصور فى الحال من الملك وبويع الأمير قطز ولقّب بالملك المظفّر سيف الدين قطز، واعتقل الملك المنصور ووالدته بالدور السلطانيّة من قلعة الجبل، وحلّف قطز الناس لنفسه وتمّ أمره، وذلك فى يوم السبت سابع عشر ذى القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة. وكانت مدّة الملك المنصور فى السلطنة بالديار المصريّة سنتين وسبعة «١» أشهر واثنين وعشرين يوما، وبقى معتقلا سنين «٢» كثيرة إلى أن تولّى الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارىّ، فنفاه هو ووالدته وأخاه ناصر الدين قاقان «٣» إلى بلاد الأشكرى «٤» فى ذى القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة.

стр. 2179

قلت: والملك المظفر قطز هذا هو أوّل مملوك خلع ابن أستاذه من الملك وتسلطن عوضه، ولم يقع ذلك قبله من أحد من الملوك. وتمّت هذه السّنّة السيّئة فى حاصد إلى يوم القيامة. وبهذه الواقعة فسدت أحوال مصر. السنة الأولى من ولاية الملك المنصور علىّ ابن الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ على مصر، وهى سنة خمس وخمسين وستمائة، على أنّ والده الملك المعزّ حكم فيها نحوا من ثلاثة أشهر. فيها أرسل الملك الناصر يوسف صاحب الشام ولده الملك العزيز بهديّة إلى هولاكو ملك التّتار وطاغيتهم. وفيها قتلت الملكة شجرة الدرّ الملك المعزّ أيبك، ثم قتلت هى أيضا. وقد تقدّم ذكر ذلك كلّ واحد على حدته فى ترجمته من هذا الكتاب، فلا حاجة إلى الإعادة. وفيها توفّى الأمير «١» عزّ الدين أيبك بن عبد الله الحلبىّ الكبير، كان من أعيان المماليك الصالحيّة النجميّة، وممّن يضاهى الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ فى موكبه، وكانت له المكانة العظمى فى الدولة، كان الأمراء يعترفون له بالتقدّم عليهم، وكان له عدّة مماليك نجباء صاروا من بعده أمراء، منهم: ركن «٢» الدين إياجى الحاجب، وبدر الدين بيليك الجاشنكير، وصارم «٣» الدين أزبك الحلبىّ وغيرهم. ولما قتل الملك

стр. 2180

المعزّ أيبك التركمانىّ حدّثته نفسه بالسلطنة، فلمّا قبض قطز على الأمير سنجر الحلبى، ركب أيبك هذا ومعه الأمراء الصالحيّة فتقنطر به فرسه فهلك خارج القاهرة وأدخل إليها ميتا؛ وكذلك وقع للامير خاصّ ترك. وقد تقدّم ذكر ذلك فى ترجمة الملك المنصور. وفيها توفّى الشيخ الإمام العلّامة نجم الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن ابن عبد الله البغدادىّ البادرائىّ، ولد فى سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع الكثير وتفقّه وبرع وأفتى ودرّس، وترسّل عن الخليفة إلى ملوك الشام ومصر غير مرّة إلى هذه السنة، ولى قضاء القضاة ببغداد. ومات فى سلخ ذى القعدة. وفيها توفّى الشيخ الأديب أبو الحسن علىّ بن محمد بن الرضا الموسوىّ الحسينىّ الشريف المعروف بابن دفتر خوان. ولد سنة تسع وثمانين بحماة، وكان فاضلا وله تصانيف وشعر جيّد، من ذلك قوله: إذا لمت قلبى قال عيناك أبصرت ... وإن لمت عينى قالت الذنب للقلب فعينى وقلبى قد تشاركن فى دمى ... فيا ربّ كن عونى على العين والقلب وفيها توفّيت الصاحبيّة غازيّة خاتون بنت الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر ابن أيّوب، والدة الملك المنصور «١» صاحب حماة. كانت صالحة ديّنة دبّرت ملك ولدها المنصور بعد وفاة زوجها الملك المظفّر أحسن تدبير، وهى والدة الملك الأفضل نور الدين أبى الحسن علىّ أيضا. وكانت وفاتها فى أواخر ذى القعدة أو فى ذى الحجّة من السنة.

стр. 2181

وفيها توفّى الشيخ الإمام العالم العلّامة المقرئ أبو عبد الله محمد بن أبى القاسم [قاسم «١» ] بن فيّره «٢» بن خلف الرّعينىّ «٣» الشاطبىّ الأصل المصرىّ المولد والدار الضّرير راوى «٤» القصيدة المشهورة فى القراءات التى لم يسبق إلى مثلها التى سمّاها «حرز الأمانى ووجه التهانى» . ومولده فى حادى عشر ذى الحجّة سنة ست أو سبع وسبعين وخمسمائة بمصر، وتوفّى بها فى حادى عشر شوّال ودفن من يومه بسفح المقطّم، ولم يخلف بعده مثله. وكان الشيخ كثيرا ما ينشد هذا اللّغز وهو «نعش الموتى» واللّغز المذكور للخطيب أبى زكريّا يحيى بن سلامة الحصكفىّ، وهو: أتعرف شيئا فى السماء نظيره ... إذا سار صاح الناس حين يسير فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا ... وكلّ أمير يعتليه أسير يحضّ على التّقوى وتكره قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير وفيها توفّى الوزير الصاحب شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزىّ، كان أوّلا نصرانيّا يلقّب بالأسعد، وهو منسوب بالفائزىّ إلى الملك الفائز إبراهيم ابن الملك العادل أبى بكر بن أيّوب، ثم أسلم وتنقّل فى الخدم حتّى ولى الوزارة. وكان عنده رياسة ومكارم وعقل وحسن تدبير، وخدم عدّة ملوك وكان محفوظا عندهم، وهو الذي هجاه الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح، وقيل بهاء الدين زهير بقوله: لعن الله صاعدا ... وأباه فصاعدا وبنيه فنازلا ... واحدا ثم واحدا

стр. 2182

وفيها توفّى أبو الحسن المغربىّ المورقىّ «١» الشيخ نور الدين، كان من أقارب المورقى الملك المشهور ببلاد الغرب، مات بدمشق ودفن بقاسيون، وكان فاضلا أديبا شاعرا. ومن شعره من أبيات: القضب راقصة والطير صادحة ... والستر مرتفع والماء منحدر وقد تجلّت من اللذات أوجهها ... لكنّها بظلال الدّوح تستتر فكلّ واد به موسى يفجّره ... وكلّ روض على حافاته الخضر قلت: وهذا يشبه قول من قال فى مليح حليق: مرّت الموسى على عارضه ... فكأنّ الماء بالآس غمر مجمع البحرين أضحى خدّه ... إذ تلاقى فيه موسى والخضر الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى المحدّث أبو محمد عبد الرحمن بن أبى الفهم اليلدانىّ «٢» فى شهر ربيع الأوّل، وله سبع وثمانون سنة. والإمام شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبى الفضل السّلمىّ المرسىّ فى نصف شهر ربيع الأوّل، وله ست وثمانون سنة. والإمام نجم الدين أبو محمد عبد الله بن أبى الوفاء البادرانىّ الشافعىّ فى ذى القعدة ببغداد. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وخمس وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٥٦] السنة الثانية من ولاية الملك المنصور علىّ ابن الملك المعزّ أيبك على مصر، وهى سنة ست وخمسين وستمائة.

стр. 2183

فيها استولى الطاغية هولاكو على بغداد، وقتل الخليفة المستعصم بالله ومعظم أهل بغداد؛ وقد تقدّم ذلك. وفيها كان الوباء العظيم بدمشق وغيرها. وفيها توفّى الأديب البارع شرف الدين أبو الطيب أحمد بن محمد بن أبى الوفا الربعىّ الموصلىّ المعروف بابن الحلاوى الشاعر المشهور، كان من أحسن الناس صورة وألطفهم أخلاقا مع الفضيلة التامة، ورحل البلاد ومدح الخلفاء والملوك وخدم الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤا صاحب الموصل ولبس زىّ الجند. وشعره فى نهاية الرّقّة والجزالة «١» ، وهو صاحب القصيدة التى أوّلها: حكاه من الغصن الرّطيب وريقه ... وما الخمر إلّا وجنتاه وريقه هلال ولكن أفق قلبى محلّه ... غزال ولكن سفح عينى عقيقه وأسمر يحكى الأسمر اللّدن قدّه ... غدا راشقا قلب المحبّ رشيقه على خدّه جمر من الحسن مضرم ... يشبّ ولكن فى فؤادى حريقه أقرّ له من كلّ حسن جليله ... ووافقه من كلّ معنى دقيقه بديع التّثنّى راح قلبى أسيره ... على أنّ دمعى فى العرام طليقه على سالفيه للعذار جريرة ... وفى شفتيه للسّلاف عتيقه يهدّد منه الطّرف من ليس خصمه ... ويسكر منه الرّيق من لا يذوقه على مثله يستحسن الصّبّ هتكه ... وفى حبّه يجفو الصديق صديقه من التّرك لا يصبيه وجد إلى الحمى ... ولا ذكر بانات الغوير تشوقه ولا حلّ فى حىّ تلوح قبابه ... ولا سار فى ركب يساق وسوقه

стр. 2184

ولا بات صبّا بالفريق «١» وأهله ... ولكن إلى خاقان يعزى فريقه له مبسم ينسى المدام بريقه ... ويخجل نوّار الأقاحى بريقه تداويت من حرّ الغرام ببرده ... فأضرم من ذاك الحريق رحيقه إذا خفق البرق اليمانىّ موهنا ... تذكّرته فاعتاد قلبى خفوقه حكى وجهه بدر السماء فلو بدا ... مع البدر قال الناس هذا شقيقه رآنى خيالا حين وافى خياله ... فأطرق من فرط الحياء طروقه فأشبهت منه الخصر سقما فقد غدا ... يحمّلنى كالخصر ما لا أطيقه فما بال قلبى كلّ حبّ يهيجه ... وحتّام طرفى كلّ حسن يروقه فهذا ليوم البين لم تطف ناره ... وهذا لبعد الدار ما جفّ موقد ولله قلبى ما أشدّ عفافه ... وإن كان طرفى مستمرّا فسوقه فما فاز إلّا من يبيت صبوحه ... شراب ثناياه ومنها غبوقه وفيها توفّى الأمير بكتوت بن عبد الله سيف الدين العزيزىّ أستادار الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام، كان من أكابر الأمراء فى الدولة الناصريّة، وكان حسن السّيرة مليح الشكل متجمّلا، كان موكبه يضاهى مواكب الملوك. وفيها توفّى الملك الناصر أبو المظفّر وقيل أبو المفاخر داود صاحب الكرك ابن الملك المعظّم عيسى صاحب الشام ابن الملك العادل أبى بكر صاحب مصر ابن الأمير نجم الدين أيّوب. مولده فى جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة؛ ووقع له أمور وحوادث ومحن تكرّر ذكرها فى عدّة تراجم من هذا الكتاب. وكان تغلّب على الشام بعد موت عمّه الملك الكامل محمد، وقدم مصر بعد ذلك غير مرّة وتوجّه إلى الشّرق، ووقع له أمور يطول شرحها إلى أن مات فى جمادى الأولى. وكان ملكا شجاعا

стр. 2185

مقداما فاضلا أديبا شاعرا، وقد تقدّم من شعره عدّة أبيات يستعطف بها الملك الصالح نجم الدين أيّوب فى ترجمة الملك الصالح المذكور. ومن شعره أيضا: لئن عاينت عيناى أعلام جلّق ... وبان من القصر المشيد قبابه تيقّنت أنّ البين قد بان والنّوى ... نأى شحطها والعيش عاد شبابه «١» وفيها توفّى العلّامة المفتن أبو الفضل وقيل أبو العلاء بهاء الدين زهير بن محمد ابن على بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن المنصور بن عاصم الأزدى المكّىّ القوصىّ المنشأ المصرىّ الدار، الكاتب الشاعر المشهور المعروف بالبهاء زهير صاحب الديوان المشهور. مولده بوادى نخلة بقرب مكّة فى خامس ذى الحجّة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة؛ وربّى بصعيد مصر بقوص «٢» ، وقرأ الأدب وسمع الحديث وبرع فى النّظم والنّثر والترسّل، وله الشعر الرائق الفائق، وكان رئيسا فاضلا حسن الأخلاق، اتّصل بخدمه الملك الصالح نجم الدين أيّوب فى حياة أبيه الملك الكامل، ودام فى خدمته إلى أن توفّى. وقد تقدّم من ذكره فى ترجمة الملك الصالح نبذة جيّدة. وكانت وفاة البهاء زهير هذا فى يوم الأحد قبل المغرب رابع ذى القعدة وقيل خامسه. ومن شعره- ﵀: ولمّا جفانى «٣» من أحبّ وخاننى ... حفظت له الودّ الذي كان ضيّعا ولو شئت قابلت الصدود بمثله ... ولكنى أبقيت للصلح موضعا وقد كان ما قد كان بينى وبينه ... أكيدا ولكنّى رعيت وما رعى سعى بيننا الواشى ففرّق بيننا ... لك الذنب يا من خاننى لا لمن سعى

стр. 2186

ومن شعره أيضا قصيدته التى أوّلها: رويدك قد أفنيت يا بين أدمعى ... وحسبك قد أحرقت يا شوق أضلعى إلى كم أقاسى لوعة بعد لوعة ... وحتّى متى يا بين أنت معى معى وقالوا علمنا ما جرى منك بعدنا ... فلا تظلمونى ما جرى غير أدمعى وفيها توفّى الإمام الحافظ الحجّة أبو محمد زكىّ الدين عبد العظيم بن عبد القوىّ ابن عبد الله بن سلامة «١» بن سعد بن سعيد المنذرىّ الدّمشقىّ الأصل المصرىّ المولد والدار والوفاة. ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وسمع الكثير ورحل وكتب وصنّف وخرّج وأملى وحدّث بالكثير، وتخرّج به جماعة، وهو أحد الحفّاظ المشهورين. وفيها توفّى الخليفة أمير المؤمنين المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله ابن الخليفة المستنصر بالله منصور ابن الخليفة الظاهر بأمر الله محمد ابن الخليفة الناصر لدين الله أبى العباس أحمد ابن الخليفة المستضىء بالله أبى محمد الحسن ابن الخليفة المستنجد بالله أبى المظفّر يوسف ابن الخليفة المقتفى بالله أبى عبد الله محمد ابن الخليفة المستظهر بالله أبى العبّاس أحمد ابن الخليفة المقتدى بالله أبى القاسم عبد الله ابن الأمير محمد الذّخيرة، وهو غير خليفة، ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ابن الخليفة القادر بالله أبى العباس أحمد ابن الأمير إسحاق، وإسحاق غير خليفة، ابن الخليفة المقتدر بالله أبى الفضل جعفر ابن الخليفة المعتضد بالله أبى العباس أحمد ابن الأمير طلحة الموفّق، وطلحة غير خليفة أيضا، ابن الخليفة المتوكّل على الله أبى الفضل جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد بالله هارون ابن الخليفة

стр. 2187

المهدىّ بالله محمد ابن الخليفة أبى جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علىّ بن عبد الله ابن العبّاس بن عبد المطلب الهاشمىّ البغدادىّ، آخر خلفاء بنى العباس ببغداد، وبموته انقرضت الخلافة من بغداد. ولى الخلافة بعد وفاة والده المستنصر بالله فى العشرين من جمادى الأولى سنة أربعين وستمائة، ومات قتيلا بيد هولاكو طاغية التّتار فى هذه السنة. وقد تقدّم كيفية قتله فى ترجمة الملك المنصور علىّ هذا، وكانت مدّة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيّاما. وتقدير عمره سبع وأربعون سنة. وكان قليل المعرفة بتدبير الملك نازل الهمة مهملا للأمور المهمّة محبّا لجمع الأموال يقدم على فعل ما يستقبح، أهمل أمر هولاكو حتّى كان فى ذلك هلاكه. وشغرت الخلافة بعده سنين، وبقيت الدّنيا بلا خليفة حتّى أقام الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ بعض بنى العبّاس فى الخلافة. على ما يأتى ذكر ذلك فى ترجمة الظاهر بيبرس البندقدارىّ إن شاء الله تعالى. وفيها توفّى الأمير الأديب الشاعر سيف الدين أبو الحسن علىّ بن عمر بن قزل المعروف بالمشدّ الشاعر المشهور. مولده بمصر فى شوّال سنة اثنتين وستمائة، وتولّى شدّ «١» الدواوين بمصر «٢» مدّة سنين، وكان من أكابر الأمراء الفضلاء وهو قريب «٣» الأمير جمال الدين بن يغمور، وله ديوان شعر مشهور بأيدى الناس، وتوفّى بدمشق فى يوم عاشوراء. ورثاه «٤» بعض الفضلاء، فقال:

стр. 2188

عاشور يوم قد تعاظم ذنبه ... إذ حلّ فيه كلّ خطب مشكل لم يكفه قتل الحسين وما جرى ... حتّى تعدّى بالمصاب على على ومن شعره- ﵀ بيت مفرد كلّ كلمة منه قلب نفسها وهو: ليل أضاء هلاله ... أنّى يضيء بكوكب ومن شعره أيضا، قوله: وشادن أو ردنى جبّه ... لهيب حرّ الشوق والفرقه أصبحت حرّانا إلى ريقه ... فليت لى من قلبه الرّقّه وله أيضا مضمّنا مقتبسا: وافى إلىّ وكأس الراج فى يده ... فخلت من لطفه أنّ النسيم سرى لا تدرك الراح معنى من شمائله ... والشمس لا ينبغى أن تدرك القمرا وله فى خود عمياء: علقتها نجلاء مثل المها ... فخان فيها الزمن الغادر أذهب عينيها فإنسانها ... فى ظلمة لا يهتدى حائر تجرح قلبى وهى مكفوفة ... وهكذا قد يفعل الباتر ونرجس اللحظ غدا ذابلا ... وا حسرتا لو أنّه ناظر وله فى لاعب شطرنج: لعبت بالشّطرنج مع شادن ... رشاقة الأغصان من قدّه أحلّ عقد البند من خصره ... وألثم الشامات من خدّه «١»

стр. 2189

وفيها توفّى الشيخ الإمام الأديب الرّبانىّ جمال الدين أبو زكريّا يحيى بن يوسف ابن يحيى بن منصور بن المعمّر بن عبد السلام الصّرصرىّ «١» الضّرير الشاعر المشهور. كان من العلماء الفضلاء الزّهّاد العبّاد، وكان له اليد الطّولى فى النظم، وشعره فى غاية الجودة، ومدح النّبيّ ﷺ بقصائد لا تدخل تحت الحصر كثرة؛ قيل: إنّ مدائحه فى النّبيّ ﷺ تقارب عشرين مجلّدا. ومن شعره من المدائح النبويّة قوله: زار وهنّا ونحن بالزّوراء ... فى مقام خلا من الرّقباء من حبيب القلوب طيف خيال ... فجلا نوره دجى الظّلماء يا لها زورة على غير وعد ... بتّ منها فى ليلة سرّاء نعمت عيشتى وطابت حياتى ... فى دجاها يا طلعة الغرّاء ومنها: يا هلال السرور يا قمر الأذ ... س ونجم الهدى وشمس البهاء يا ربيع القلوب يا قرّة العي ... ن وباب الإحسان والنّعماء ومنها: سيّد حبّه فخار وتشري ... ف وعزّ باق لأهل الصّفاء أحمد المصطفى السّراج المنير ال ... خير خاتم الأنبياء «٢» ومن شعره فى عدد الخلفاء بنى العبّاس إلى المستعصم آخر خلفاء بنى العبّاس ببغداد، قال

стр. 2190

لكرب بنى العبّاس سفّاحهم جلا ... وجرّ لمنصور ومهدىّ الولا وهاد وهارون الرشيد تلاهما ... أمين ومأمون ومعتصم الملا وواثقهم من بعده متوكّل ... ومنتصر والمستعين بنو العلا وطاب بمعتزّ جنى مهتد كما ... بمعتضد عيش لمعتمد حلا قلت: لعله ما قال إلا: ... ... ... ... كما ... بمعتضد عيش لمعتضد حلا لأن المعتمد عمّ المعتضد وتولى المعتضد الخلافة بعده. انتهى. ومكتفيا فاعدد ومقتدرا وقد ... تلا قاهرا راض لمتّقى تلا ومستكفيا ثم المطيع وطائعا ... وقادرهم والقائم أعدد محصّلا وبالمقتدى مستظهر ساد مثلما ... بمسترشد والراشد المقتفى علا بمستنجد والمستضىء وناصر ... وظاهر والمستنصر اجل مقفّلا ومستعصم لا زال بالنصر قاهرا ... لأعدائه ما حنّت العيس فى الفلا قال الذهبىّ: «حكى لنا شيخنا ابن الدّباهىّ «١» - وكان خال أمّه (يعنى الصّرصرىّ) - قال: بلغنا أنّه دخل عليه التّتار وكان ضريرا، فطعن بعكّازه بطن واحد فقتله، ثم قتل شهيدا بيد التّتار» . انتهى. قلت: كلّ ذلك فى واقعة هولاكو المقدّم ذكرها. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الأمير سيف الدين المشدّ الشاعر صاحب الديوان، واسمه علىّ بن عمر بن قزل فى المحرّم، والشيخ يحيى ابن يوسف بن يحيى الصّرصرىّ الزاهد صاحب «الديوان» ، استشهد ببغداد

стр. 2191

فى صفر فى أمم لا يحصون: منهم المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله بن المستنصر، وله سبع وأربعون سنة، وكانت خلافته ستّ عشرة سنة. ومنهم أستاداره محيى الدين يوسف بن الشيخ أبى الفرج بن الجوزىّ. ومدرّس المستنصريّة الإمام أبو المناقب محمود بن أحمد بن محمود الزّنجانىّ «١» الشافعىّ، وله ثلاث وثمانون سنة. والمحدّث شمس الدين علىّ بن المظفّر بن القاسم النّشبىّ «٢» فى شهر ربيع الأوّل. وأبو عمرو عثمان ابن علىّ القرشىّ بن خطيب القرافة فى شهر ربيع الآخر، وله أربع وثمانون سنة. وأبو العزّ عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن محمد بن صديق المؤدّب الحرّانىّ بدمشق. والملك الناصر أبو المظفّر داود بن الملك المعظّم بن العادل فى جمادى الأولى، وله ثلاث وخمسون سنة. والمحدّث نجيب الدين نصر الله [ «٣» بن المظفّر بن عقيل بن حمزة أبو الفتح] بن أبى العزّ الشّيبانىّ بن شقيشقة فى جمادى الآخرة، وقد جاوز السبعين. وأبو الفضل عبد العزيز بن عبد الوهاب بن بنان «٤» الكفر طابىّ فى شوّال، وله تسع وسبعون سنة. والأديب شرف الدين الحسين «٥» بن إبراهيم الإربلىّ اللغوىّ فى ذى القعدة، وله ثمان وثمانون سنة. والحافظ زكىّ الدين عبد العظيم ابن عبد القوىّ المنذرىّ فى ذى القعدة، وله ستّ وسبعون سنة. والبهاء زهير بن محمد ابن علىّ المهلّبى الكاتب الشاعر. والعارف أبو الحسن علىّ بن عبد الله بن عبد الجبّار «٦»

стр. 2192

الشّاذلىّ الضّرير [بصحراء «١» ] عيذاب «٢» فى ذى القعدة. وأبو العبّاس القرطبى أحمد بن عمر بن إبراهيم العدل بالإسكندريّة، وله ثمان وسبعون سنة. وخطيب مردا «٣» أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد الحنبلىّ فى ذى الحجّة. والحافظ صدر الدين أبو على الحسن بن محمد بن محمد بن محمد البكرىّ بالقاهرة فى ذى الحجّة، وله اثنتان وثمانون سنة. والشيخ أبو عبد الله الفاسىّ محمد بن حسن شيخ الإقراء بحلب فى شهر ربيع الآخر. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وتسع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٥٧] السنة الثالثة من ولاية الملك المنصور علىّ ابن الملك المعزّ أيبك على مصر، وهى سنة سبع وخمسين وستمائة.

стр. 2193

فيها خلع الملك المنصور علىّ المذكور بمملوك ابيه الملك المظفّر قطز المعزّىّ. وقد تقدّم ذلك. وفيها دخل هولاكو ديار بكر قاصدا حلب. يأتى ذكر ذلك كلّه فى ترجمة الملك المظفّر قطز إن شاء الله تعالى. وفيها توفى الملك «١» الرحيم أبو الفضائل بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله الأتابكىّ صاحب الموصل، كان من أجلّ الملوك. وطالت أيّامه بالموصل لأنّه أقام بتدبير أستاذه نور الدين أرسلان شاه بن عزّ الدين مسعود بن مودود بن زنكى بن آق سنقر التّركيّ، فلمّا توفّى نور الدين قام بتدبير ولده الملك القاهر عزّ الدين مسعود، فلما توفّى الملك القاهر سنة أربع عشرة وستمائة أقام صبّيين من ولده هما ابنا بنت مظفّر «٢» الدين صاحب إربل [ثم إنّه أخنى على أولاد أستاذه فقتلهم غيلة «٣» ] واحدا بعد واحد، ثم بعد ذلك استبدّ بمملكة الموصل وأعمالها سبعا وأربعين سنة. وكان كثير التجمّل بالرّسل والوافدين عليه، وكان له همّة عالية ومعرفة تامّة، وكان شديد البحث عن أخبار رعاياه ما يخفى عنه من أحوالهم إلّا ما قلّ، وكان يغرم على القصّاد والجواسيس فى كلّ سنة مالا عظيما، وكان إذا عدم من بلاده ما قيمته مائة درهم هان عليه أن يبذل عشرة آلاف دينار ليبلغ غرضه فى عوده، ولا يذهب مال رعيّته. قلت: لله درّ هذا الملك! ما أحوج الناس إلى ملك مثل هذا يملك الدنيا بأسرها. وكانت وفاته بالموصل وهو فى عشر التسعين سنة.

стр. 2194

وفيها توفّى الأديب الفاضل أبو عبد الله بهاء الدين محمد بن مكّى بن محمد بن الحسن القرشىّ الدمشقىّ العدل المعروف بابن الدّجاجيّة، كان فاضلا شاعرا مطبوعا. ومن شعره قوله: كم تكتم الوجد يا معنّى ... منّا وما يختفى اللهيب سل عرب الواديين عمّن ... بانوا فما بيننا غريب الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال وفيها توفّى أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد الأنصارىّ الإشبيلىّ بن السّرّاج مسند الغرب ببجاية «١» فى صفر، وله سبع وتسعون سنة، وكانت الرّحلة إليه من الأقطار. وصدر الدين أسعد بن عثمان [بن أسعد «٢» ] بن المنجّى، ودفن بمدرسته الصّدريّة «٣» فى شهر رمضان، والمقرئ شمس الدين أبو الفتح محمد [بن علىّ «٤» ] بن موسى الأنصارىّ بدمشق فى المحرّم. والملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل فى شعبان. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وست وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإصبع واحدة.

стр. 2195

ذكر سلطنة الملك المظفّر قطز على مصر السلطان الملك المظفّر سيف الدين قطز بن عبد الله المعزّى الثالث من ملوك الترك بالديار المصريّة. وقطز (بضم القاف والطاء المهملة وسكون الزاى) ، وهو لفظ مغلىّ. تسلطن بعد خلع ابن أستاذه الملك المنصور علىّ ابن الملك المعزّ أيبك فى يوم السبت سابع عشر ذى القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة، وذلك بعد أن عظمت الأراجيف بتحريك التّتار نحو البلاد الشاميّة وقطعهم الفرات وهجمهم بالغارات على البلاد الحلبيّة، وكان وصل إليه بسبب ذلك الصاحب كمال الدّين «١» عمر بن العديم رسولا من الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب والشام يطلب منه النّجدة على قتال التّتار، فأنزله قطز بالكبش «٢» وجمع القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتهم فيما يعتمد عليه فى أمر التّتار وأن يؤخذ من الناس ما يستعان به على جهادهم، فحضروا فى دار السّلطنة بقلعة الجبل، وحضر الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام والقاضى بدر الدين السّنجارىّ قاضى الديار المصرية وغيرهما من العلماء، وجلس الملك المنصور علىّ فى دست السلطنة، وأفاضوا فى الحديث، فكان الاعتماد على ما يقوله ابن عبد السّلام، وخلاصة ما قال: إنّه إذا طرق العدوّ بلاد الإسلام وجب على العالم قتالهم، وجاز لكم أن تاخذوا من الرعيّة ما تستعينون به

стр. 2196

على جهادكم، بشرط ألّا يبقى فى بيت المال شىء، وتبيعوا مالكم من الحوائص «١» المذهبة والآلات النفيسة، ويقتصر كلّ الجند على مركوبه وسلاحه ويتساووا هم والعامّة. وأمّا أخذ الأموال من العامّة مع بقايا فى أيدى الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا، وانفضّ المجلس على ذلك، ولم يتكلّم السلطان بكلمة فى المجلس لعدم معرفته بالأمور ولصغر سنّه؛ فلهج الناس بخلع المنصور وسلطنة قطز حتّى يقوم بهذا الأمر المهمّ، واتّفق ذلك بعد أيّام، وقبض قطز هذا على الملك المنصور علىّ، واحتجّ لكمال الدّين بن العديم وغيره بأنّه صبىّ لا يحسن تدبير الملك، وفى مثل هذا الوقت الصّعب لا بدّ أن يقوم بأمر الملك رجل شهم يطيعه الناس وينتصب للجهاد. وكان الأميران: علم الدين سنجر [الغتمىّ المعظّمىّ «٢» ] وسيف الدين بهادر حين جرى هذا الأمر غائبين فى الصيد، فاغتنم قطز لغيبتهما الفرصة، فلمّا حضرا قبض عليهما واعتقلهما، وتسلطن. وركب بشعار الملك، وجلس على كرسىّ السلطنة وتمّ أمره. ولمّا وقع ذلك تقدّم قطز إلى برهان الدين الخضر «٣» أن يتوجّه فى جواب رسالة الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام صحبة الصاحب كمال الدين ابن العديم، ويعد الملك الناصر بالنّجدة وإنفاذ العساكر إليه؛ فتوجّها ووصلا إلى دمشق وأدّيا الرسالة؛ ولم يزل البرهان بدمشق إلى أن رحل الملك الناصر من دمشق إلى جهة الديار المصريّة جافلا من التّتار.

стр. 2197

وكان الناصر لمّا تحقّق بحركة التّتار رحل إلى برزة شمالى دمشق، ونزل بها بعساكره واجتمع إليه أمم عظيمة من العرب والعجم والتّركمان والأتراك والمطوّعة؛ فلم يعجب الناصر حاله لما رأى من تخاذل عسكره، وعلم انّه إذا لاقى التّتار لم يثبت عسكره لهم لكثرتهم ولقوّتهم، فإنّ هولاكو فى خلق لا يحصيهم إلّا الله تعالى من المغل والكرج والعجم وغيرهم، ولم يكن من حين قدومهم على بلاد المسلمين من سنة ستّ عشرة وستمائة إلى هذه السنة يلقاهم عسكر إلّا فلّوه سوى وقائع كانت بينهم وبين جلال الدين «١» بن خوارزم شاه، انتصف جلال الدين فى بعضها، ثمّ كبسوه على باب آمد وبدّدوا جمعه، وأعقب ذلك موت جلال الدين بالقرب من ميّافارقين. وأمّا أمر هلاكو فإنّه فى جمادى الأولى من هذه السنّة نزل حرّان واستولى عليها وملك بلاد الجزيرة، ثمّ سيّر ولده أشموط «٢» بن هولاكو إلى الشام وأمره بقطع الفرات وأخذ البلاد الشاميّة، وسيّره فى جمع كثيف من التّتار فوصل أشموط إلى نهر الجوز «٣» وتلّ باشر «٤» ، ووصل الخبر إلى حلب من البيرة «٥» بذلك. وكان نائب السلطان صلاح الدين يوسف بحلب ابنه الملك المعظّم توران شاه، فجفل الناس بين يدى

стр. 2198

التّتار إلى جهة دمشق وعظم الخطب، واجتمع الناس من كلّ فجّ عند الملك الناصر بدمشق، واحترز الملك المعظّم توران شاه ابن الملك الناصر بحلب غاية الاحتراز. وكذلك جميع نوّاب البلاد الحلبيّة؛ وصارت حلب فى غاية الحصانة بأسوارها المحكمة البناء وكثرة الآلات. فلمّا كان العشر الأخير من ذى الحجّة [سنة «١» سبع وخمسين وستمائة] قصد التّتار حلب ونزلوا على قرية يقال لها سلمية «٢» وامتدوا إلى حيلان «٣» والحارى «٤» ، وسيّروا جماعة من عسكرهم أشرفوا على المدينة. فخرج عسكر حلب ومعهم خلق عظيم من العوام والسّوقة، وأشرفوا على التّتار وهم نازلون على هذه الأماكن، وقد ركبوا جميعهم لانتظار المسلمين، فلمّا تحقّق المسلمون كثرتهم كرّوا راجعين إلى المدينة؛ فرسم الملك المعظّم بعد ذلك ألّا يخرج أحد من المدينة. ولمّا كان غد هذا اليوم رحلت التّتار من منازلهم طالبين مدينة حلب، واجتمع عسكر المسلمين بالنّواشير وميدان «٥» الحصا وأخذوا فى المشورة فيما يعتمدونه، فأشار عليهم الملك المعظّم أنّهم لا يخرجون أصلا لكثرة التّتار ولقوّتهم وضعف المسلمين على لقائهم، فلم يوافقه جماعة من العسكر وأبوا إلّا الخروج إلى ظاهر البلد لئلّا يطمع العدوّ فيهم؛ فخرج العسكر إلى ظاهر حلب وخرج معهم العوامّ والسّوقة واجتمعوا الجميع بجبل بانقوسا «٦» ؛ ووصل جمع التّتار إلى أسفل الجبل فنزل إليهم جماعة من العسكر ليقاتلوهم؛ فلما رآهم التّتار اندفعوا بين أيديهم مكرا منهم وخديعة،

стр. 2199

فتبعهم عسكر حلب ساعة من النهار؛ ثم كرّ التّتار عليهم فولّوا منهزمين إلى جهة البلد والتّتار فى أثرهم. فلما حاذوا جبل بانقوسا وعليه بقيّة عسكر المسلمين والعوامّ اندفعوا كلّهم نحو البلد والتّتار فى أعقابهم، فقتلوا من المسلمين جمعا كثيرا من الجند والعوامّ. وممّن استشهد فى ذلك اليوم الأمير علم الدين زريق العزيزىّ- ﵀ وكان من أعيان الأمراء. ونازل التّتار المدينة فى ذلك اليوم إلى آخره، ثم رحلوا طالبين أعزاز فتسلّموها بالأمان. ثم عادوا إلى حلب فى ثانى صفر من سنة ثمان وخمسين وستمائة وحاصروها حتّى استولوا عليها فى تاسع صفر بالأمان، فلمّا ملكوها غدروا بأهل حلب وقتلوا ونهبوا وسبوا وفعلوا تلك الأفعال القبيحة على عادة فعلهم. وبلغ الملك الناصر يوسف أخذ حلب فى منتصف صفر، فخرج الناصر من الشام بأمرائه نحو القبلة. وكان رسل التّتار بقرية حرستا «١» فأدخلوا دمشق ليلة الاثنين سابع عشر صفر. وقرئ بعد صلاة الظهر فرمان (أعنى مرسوما) جاء من عند ملك التّتار يتضمّن الأمان لأهل دمشق وما حولها، وشرع الأكابر فى تدبير أمرهم. ثم وصلت التّتار إلى دمشق فى سابع عشر شهر ربيع الأوّل، فلقيهم أعيان البلد أحسن ملتقى وقرئ ما معهم من الفرمان المتضمّن الأمان، ووصلت عساكرهم من جهة الغوطة مارّين من وراء الضّياع إلى جهة الكسوة «٢» وأهلكوا فى ممرّهم جماعة كانوا قد تجمّعوا وتحزّبوا «٣» . وفى السادس والعشرين منه جاء منشور من هولاكو للقاضى كمال الدين عمر بن بندار «٤»

стр. 2200

التّفايسىّ بتفويض قضاء القضاة إليه بمدائن الشام إلى الموصل وميّافارقين وغير ذلك، وكان القاضى قبله صدر «١» الدين أحمد بن سنىّ الدولة. وتوجّه الملك الناصر نحو الديار المصريّة ونزل العريش ثم قطيا «٢» بعد أن تفرّق عسكره عنه وتوجّه معظم عسكره إلى مصر قبله مع الأثقال. فلمّا وصل الناصر إلى قطيا عاد منها إلى جهة الشام لشىء بلغه عن الملك المظفّر صاحب مصر، ونزل بوادى «٣» موسى ثم نزل بركة زيزاء «٤» ، فكبسه التّتار بها وهو فى خواصّه وقليل من مماليكه، فاستأمن الناصر من التّتار وتوجّه إليهم، فلمّا وصل إليهم احتفظوا به وبقى معهم فى ذلّ وهوان إلى أن قتل على ما يأتى ذكره فى محله إن شاء الله تعالى. وأمّا التّتار فإنّه بلغت غارتهم إلى غزّة وبلد الخليل «٥» ﵇ فقتلوا الرجال وسبوا النساء والصّبيان واستاقوا من الأسرى والأبقار والأغنام والمواشى شيئا كثيرا. كلّ ذلك والسلطان الملك المظفّر قطز سلطان مصر يتهيّأ للقاء التّتار.

стр. 2201

فلمّا اجتمعت العساكر الإسلاميّة بالديار المصريّة ألقى الله تعالى فى قلب الملك المظفّر قطز الخروج لقتالهم بعد أن كانت القلوب قد أيست من النّصرة على التّتار، وأجمعوا على حفظ مصر لا غير لكثرة عددهم واستيلائهم على معظم بلاد المسلمين، وأنّهم ما قصدوا إقليما إلّا فتحوه ولا عسكرا إلّا هزموه، ولم يبق خارج عن حكمهم فى الجانب الشرقىّ إلّا الديار المصريّة والحجاز واليمن، وهرب جماعة من المغاربة الذين كانوا بمصر إلى الغرب، وهرب جماعة من الناس إلى اليمن والحجاز، والباقون بقوا فى وجل عظيم وخوف شديد يتوقّعون دخول العدوّ وأخذ البلاد؛ وصمّم الملك المظفّر- ﵀ على لقاء التّتار، وخرج من مصر فى الجحافل» الشاميّة والمصريّة فى شهر رمضان، وصحبته الملك المنصور صاحب حماة؛ وكان الأتابك فارس الدين أقطاى المستعرب، الأمور كلّها مفوّضة إليه؛ وسيّر الملك المظفّر قطز إلى صاحب حماة، وهو بالصالحيّة، يقول: له لا تحتفل فى مدّ سماط، بل كلّ واحد من أصحابك يفطر على قطعة لحم فى صولقه «٢» . وسافر الملك المظفّر بالعساكر من الصالحيّة ووصل غزّة والقلوب وجلة. وأما كتبغانوين «٣» مقدّم التّتار على عسكر هولاكو لمّا بلغه خروج الملك المظفّر قطز كان بالبقاع؛ فاستدعى الملك الأشرف [موسى «٤» ابن المنصور صاحب حمص] وقاضى القضاة محيى «٥» الدين واستشارهم فى ذلك، فمنهم من أشار بعدم الملتقى

стр. 2202

والاندفاع بين يدى الملك المظفّر إلى حيث يجيئه مدد من هولاكو ليقوى على ملتقى العسكر المصرىّ، ومنهم من أشار بغير ذلك وتفرّقت الآراء، فاقتضى رأى كتبغانوين الملتقى، وتوجّه من فوره لما أراد الله تعالى من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشّرك وحزبه، بعد أن جمع كتبغانوين من فى الشام من التّتار وغيرهم، وقصد محاربة المسلمين، وصحبته الملك السعيد [حسن «١» ] ابن الملك العزيز عثمان. ثم رحل الملك المظفّر قطز بعساكره من غزّة ونزل الغور بعين جالوت «٢» ، وفيه جموع التّتار فى يوم الجمعة خامس عشرين شهر رمضان، ووقع المصافّ بينهم فى اليوم المذكور، وتقاتلا قتالا شديدا لم ير مثله حتّى قتل من الطائفتين جماعة كثيرة وانكسرت ميسرة المسلمين كسرة شنيعة، فحمل الملك المظفّر- ﵀ بنفسه فى طائفة من عساكره وأردف الميسرة حتّى تحايوا وتراجعوا، واقتحم الملك المظفّر القتال وباشر ذلك بنفسه وأبلى فى ذلك اليوم بلاء حسنا، وعظم الحرب وثبت كلّ من الفريقين مع كثرة التتار. والمظفّر مع ذلك يشجّع أصحابه ويحسّن إليهم الموت، وهو يكرّ بهم كرّة بعد كرّة حتّى نصر الله الإسلام وأعزّه، وانكسرت التّتار وولّوا الأدبار على أقبح وجه بعد أن قتل معظم أعيانهم وأصيب مقدّم العساكر التّتاريّة كتبغانوين، فإنّه أيضا لمّا عظم الخطب باشر القتال بنفسه فأخزاه الله تعالى وقتل شرّ قتلة. وكان الذي حمل عليه وقتله الأمير جمال الدين آقوش الشّمسىّ- رحمه الله تعالى- وولّوا التّتار الأدبار لا يلوون على شىء، واعتصم منهم طائفة بالتلّ المجاور لمكان الوقعة، فأحدقت بهم العساكر وصابروهم على القتال حتّى أفنوهم قتلا، ونجا من نجا. وتبعهم الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارىّ فى جماعة من الشّجعان إلى أطراف البلاد؛

стр. 2203

واستوفى أهل البلاد والضّياع من التّتار آثارهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة حتّى إنّه لم يسلم منهم إلّا القليل جدّا. وفى حال الفراغ من المصافّ حضر الملك السعيد [حسن] ابن الملك العزيز عثمان ابن الملك العادل بين يدى السلطان الملك المظفّر قطز؛ وكان التّتار لمّا ملكوا قلعة البيرة وجدوه فيها معتقلا فأطلقوه وأعطوه باياس وقلعة الصّبيبة «١» فانضمّ على التّتار وبقى منهم، وقاتل يوم المصافّ «٢» المسلمين قتالا شديدا، فلما أيّد الله المسلمين بنصره وحضر الملوك عند الملك المظفّر فحضر الملك السعيد هذا من جملتهم على رغم أنفه، فلم يقبل المظفّر عذره، وأمر بضرب عنقه فضربت فى الحال. ثم كتب الملك المظفّر كتابا إلى أهل دمشق يخبرهم فيه بالفتح وكسر العدوّ المخذول ويعدهم بوصوله إليهم ونشر العدل فيهم، فسرّ عوامّ دمشق وأهلها بذلك سرورا زائدا، وقتلوا فخر الدين محمد بن يوسف بن محمد الكنجىّ «٣» فى جامع دمشق، وكان المذكور من أهل العلم، لكنّه كان فيه شرّ، وكان رافضيّا خبيثا وانضم على التّتار. وقتلوا أيضا بدمشق من أعوان التّتار ابن الماسكينى «٤» ، وابن النّفيل «٥» وغيرهما. وكان النّصارى بدمشق قد شمخوا وتجرّءوا على المسلمين واستطالوا بتردّد التّتار إلى كنائسهم. وذهب بعضهم إلى هولاكو وجاءوا من عنده بفرمان يتضمّن الوصيّة بهم والاعتناء بأمرهم، ودخلوا بالفرمان من باب توما «٦» وصلبانهم مرتفعة، وهم ينادون بارتفاع دينهم واتّضاع دين المسلمين، ويرشّون الخمر على الناس وفى أبواب المساجد، فحصل

стр. 2204

عند «١» المسلمين من ذلك همّ عظيم. فلمّا هرب نوّاب التّتار حين بلغتهم الكسرة أصبح الناس وتوجّهوا إلى دور النّصارى ينهبونها ويأخذون ما استطاعوا منها، وأخربوا كنيسة اليعاقبة «٢» وأحرقوا كنيسة مريم «٣» حتّى بقيت كوما، وقتلوا منهم جماعة واختفى الباقون. وكانت النصارى فى تلك الأيام ألزموا المسلمين بالقيام فى دكاكينهم للصّليب، ومن لم يقم أخرقوا «٤» به وأهانوه، وشقّوا السّوق على هذا الوجه إلى عند القنطرة آخر سويقة كنيسة مريم؛ فقام بعضهم على الدّكّان الوسطى من الصف الغربىّ بين القناطر وخطب وفضّل دين النّصارى ووضع من دين الإسلام، وكان ذلك فى ثانى عشرين شهر رمضان. ثم من الغد طلع المسلمون مع قضاتهم وشهودهم إلى قلعة دمشق وبها التّتار فأهانوهم التتار، ورفعوا قسّيس النّصارى عليهم، ثم أخرجوهم بالضرب؛ فصار ذلك كلّه فى قلوب المسلمين. انتهى. ثمّ إنّ أهل دمشق هموا أيضا بنهب اليهود فنهبوا منهم يسيرا، ثم كفّوا عنهم. ثمّ وصل الملك المظفّر قطز إلى دمشق مؤيّدا منصورا فانجبرت بذلك قلوب الرّعايا وتضاعف شكرهم لله تعالى. والتقاه أهل دمشق بعد أن عفّوا آثار النصارى وخرّبوا كنائسهم جزاء لما كانوا سلفوه من ضرب النواقيس على رءوس المسلمين، ودخولهم بالخمر إلى الجامع. وفى هذا المعنى يقول بعض شعراء دمشق:

стр. 2205

هلك الكفر فى الشآم جميعا ... واستجدّ الإسلام بعد دحوضه بالمليك المظفّر الملك الأر ... وع سيف الإسلام عند نهوضه ملك [جاءنا «١» ] بعزم وحزم ... فآعتززنا بسمره وبيضه أوجب الله شكر ذاك علينا ... دائما مثل واجبات فروضه وفى نصرة الملك المظفّر هذا يقول الشيخ شهاب الدين أبو شامة: غلب التّتار على البلاد فجاءهم ... من مصر تركى يجود بنفسه بالشام أهلكهم وبدّد شملهم ... ولكلّ شىء آفة من جنسه ثم قدم الخبر على السلطان بدمشق فى شوّال بأنّ المنهزمين من رجال التّتار ونسائهم لحقهم الطّلب من الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارىّ، فإنّ بيبرس كان تقدّم قبل السلطان إلى دمشق يتتبّع آثار التّتار إلى قرب حلب، فلمّا قرب منهم بيبرس سيّبوا ما كان فى أيديهم من أسارى المسلمين، ورموا أولادهم فتخطّفهم النّاس، وقاسوا من البلاء ما يستحقّونه. وكان الملك المظّفر قطز قد وعد الأمير بيبرس بحلب وأعمالها، فلمّا انتصر على التّتار انثنى عزمه عن إعطائه حلب، وولّاها لعلاء الدّين [علىّ ابن «٢» بدر الدين لؤلؤ] صاحب الموصل، فكان ذلك سبب الوحشة بين بيبرس وبين الملك المظفّر قطز. على ما يأتى ذكره. ولمّا قدم الملك المظفّر إلى دمشق أحسن إلى الناس وأجراهم على عوائدهم وقواعدهم إلى آخر أيّام الملك الناصر صلاح الدين يوسف. وسيّر الملك الأشرف صاحب حمص يطلب منه أمانا على نفسه وبلاده، وكان الأشرف أيضا ممّن انضاف

стр. 2206

إلى التّتار فأمّنه وأعطاه بلاده وأقرّه عليها؛ فحضر الأشرف إلى خدمة الملك المظفّر ثم عاد إلى بلده. ثم توجّه الملك المظفّر صاحب حماة إلى حماة على ما كان عليه، وكان حضر مع الملك المظفّر قطز من مصر. قلت: والملك المظفّر قطز هو أوّل من ملك البلاد الشاميّة واستناب بها من ملوك الترك. ثمّ إنّ الملك المظفّر قطز رتّب أمور الشام واستناب بدمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ الكبير. ثم خرج المظفّر من دمشق عائدا إلى مصر إلى أن وصل إلى القصير «١» ، وبقى بينه وبين الصالحيّة مرحلة واحدة، ورحلت العساكر إلى جهة الصالحيّة وضرب الدهليز السلطانىّ بها وبقى المظفّر مع بعض خواصّه وأمرائه؛ وكان جماعة قد اتّفقوا مع الأمير بيبرس البندقدارىّ على قتل الملك المظفّر: منهم الأمير سيف الدين أنص «٢» من مماليك [نجم الدين «٣» ] الرومى الصالحى، وعلم الدين صنغلى «٤» ، و [سيف «٥» الدين بلبان] الهارونىّ وغيرهم؛ كلّ ذلك لكمين كان فى نفس بيبرس، لأجل نيابة حلب. واتّفق عند القصير بعد توجّه العساكر إلى الصالحيّة أن ثارت أرنب فساق الملك المظفّر قطز عليها، وساق هؤلاء المتّفقون على قتله معه، فلمّا أبعدوا ولم يبق معه غيرهم، تقدّم إليه الأمير بيبرس البندقدارىّ وشفع عنده

стр. 2207

شفاعة فى إنسان فأجابه، فأهوى بيبرس ليقبّل يده فقبض عليها؛ وحمل أنص «١» عليه، وقد أشغل بيبرس يده، وضربه بالسيف، ثمّ حمل الباقون عليه ورموه عن فرسه، ورشقوه بالنّشّاب فقتلوه، ثم حملوا على العسكر وهم شاهرون سيوفهم حتّى وصلوا إلى الدّهليز السلطانىّ بالصالحيّة؛ فنزلوا ودخلوا والأتابك «٢» على باب الدّهليز فأخبروه بما فعلوا؛ فقال: من قتله منكم؟ فقال بيبرس: أنا، فقال: يا خوند، اجلس على مرتبة السلطان! يأتى بقية ذلك فى أوّل ترجمة الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ المذكور. إن شاء الله تعالى. ولمّا وقع ذلك وبلغ الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ الكبير نائب دمشق عزّ عليه قتل الملك المظفّر، ثم دعا الناس لنفسه واستحلفهم وتلقّب بالملك المجاهد. على ما يأتى ذكره أيضا. أمّا الملك المظفّر قطز فإنّه دفن موضع قتله- رحمه الله تعالى- وكثر أسف الناس وحزنهم عليه. قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبىّ فى تاريخه- رحمه الله تعالى- بعد ما سمّاه ونعته قال: وكان المظفّر أكبر مماليك الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ، وكان بطلا شجاعا مقداما حازما حسن التدبير، يرجع إلى دين وإسلام وخير، وله اليد البيضاء فى جهاد التّتار، فعوّض الله شبابه بالجنّة ورضى عنه. وحكى الشيخ شمس «٣» الدين الجزرىّ فى تاريخه

стр. 2208

عن أبيه، قال: كان قطز فى رقّ ابن الزعيم «١» بدمشق فى القصّاعين «٢» ، فضربه أستاذه فبكى ولم يأكل شيئا يومه، ثم ركب أستاذه للخدمه وأمر الفرّاش أن يترضّاه ويطعمه، قال: فحدّثنى الحاجّ علىّ الفراش قال: فجئته وقلت: ما هذا البكاء من لطشة؟ فقال: إنّما بكائى من لعنة أبى وجدّى وهم خير منه، فقلت: من أبوك؟ واحد كافر! فقال: والله ما أنا إلّا مسلم ابن مسلم، أنا محمود بن ممدود «٣» ابن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك، فسكّتّه وترضّيته. وتنقّلت به الأحوال إلى أن تملّك مصر، ولمّا تملك أحسن إلى الحاج علىّ الفراش المذكور، وأعطاه خمسمائة دينار وعمل له راتبا. قال الذهبىّ أيضا: ولمّا تسلطن لم يبلغ ريقه ولا تهنّى بالسلطنة حتى امتلأت الشامات المباركة بالتّتار؛ ثم ساق الذهبىّ أمره مع التّتار بنحو ما حكيناه. وقال الشيخ قطب الدين: حكى عن الملك المظفّر قطز أنّه قتل جواده يوم القتال مع التّتار، ولم يصادف المظفّر أحد من الأوشاقية «٤» فبقى راجلا، فرآه بعض الأمراء الشجعان فترجّل له وقدّم له حصانه، فامتنع المظفّر من ركوبه وقال: ما كنت لأمنع المسلمين الانتفاع بك فى هذا الوقت! ثم تلاحقت الأوشاقيّة إليه. وقال ابن الجزرىّ فى تاريخه: حدّثنى أبى قال حدّثنى أبو بكر بن الدّريهم الإسعردىّ والزكىّ إبراهيم أستاذ الفارس أقطاى قالا: كنّا عند سيف الدين قطز لمّا تسلطن أستاذه الملك المعزّ أيبك التركمانىّ، فأمرنا قطز بالقعود، ثم أمر المنجّم فضرب الرّمل،

стр. 2209

ثم قال له قطز: اضرب لمن يملك بعد أستاذى الملك المعزّ أيبك، ومن يكسر التّتار، فضرب وبقى زمانا يحسب، فقال: يطلع معى خمس حروف بلا نقط. فقال له قطز: لم لا تقول محمود بن ممدود، فقال: يا خوند لا ينفع غير هذا الاسم، فقال: أنا هو، أنا محمود بن ممدود، وأنا أكسر التّتار وآخذ بثأر خالى خوارزم شاه، فتعجّبنا من كلامه، وقلنا: إن شاء الله يكون هذا يا خوند، فقال: اكتموا ذلك، وأعضى المنجّم ثلثمائة درهم. قلت: ونقل الشيخ قطب الدين اليونينىّ فى تاريخه الذي ذيلّه على مرآة الزمان، فقال فى أمر المنجّم غير هذه الصورة. وسنذكرها فى سياق كلام قطب الدين المذكور. قال (أعنى قطب الدين) : كان المظفّر أخصّ مماليك الملك المعزّ وأقربهم إليه وأوثقهم عنده. وهو الذي قتل الأمير فارس الدين أقطاى الجمدار. قال: وكان الملك المظفّر بطلا شجاعا مقداما حازما حسن التدبير لم يكن يوصف بكرم ولا شحّ بل كان متوسّطا فى ذلك، وذكر حكايته لمّا أن قتل جواده يوم الوقعة بنحو ممّا حكيناه، لكنّه زاد بأن قال: فلام المظفّر بعض خواصّه على عدم ركوبه، وقال: يا خوند- لو صادفك، والعياذ بالله تعالى- بعض المغل وأنت راجل كنت رحت وراح الإسلام! فقال: أما أنا فكنت رحت إلى الجنّة- إن شاء الله تعالى- وأما الإسلام فما كان الله ليضيعه؛ فقد مات الملك الصالح نجم الدين أيّوب، وقتل بعده ابنه الملك المعظّم توران شاه، وقتل الأمير فخر الدين ابن الشيخ مقدّم العساكر يوم ذاك، ونصر الله الإسلام بعد اليأس من نصره! (يعنى عن نوبة أخذ الفرنج دمياط) . ثم قال قطب الدين، بعد ما ساق توجّهه إلى دمشق وإصلاح أمرها إلى أن قال: وقتل الملك المظفّر قطز مظلوما بالقرب من القضير وهى المنزلة التى بقرب الصالحية، وبقى ملقى بالعراء فدفنه بعض من كان فى خدمته

стр. 2210

بالقصير، وكان قبره يقصد للزيارة دائما. قال: واجتزت به فى شهر رمضان سنة تسع وخمسين وستمائة، وترحّمت عليه وزرته. وكان كثير الترحّم عليه والدعاء على من قتله. فلمّا بلغ بيبرس ذلك أمر بنبشه ونقله إلى غير» ذلك المكان وعفّى أثره، ولم يعفّ خبره- رحمه الله تعالى وجزاه عن الإسلام خيرا- قال: ولم يخلّف ولدا ذكرا، وكان قتله يوم السبت سادس عشر ذى القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة. قلت: فعلى هذا تكون مدّة سلطنة الملك المظفّر قطز سنة إلّا يومنا واحدا، فإنّه تسلطن فى يوم السبت سابع عشر ذى القعدة من سنة سبع وخمسين وستمائة، وقتل فيما نقله الشيخ قطب الدين فى يوم السبت سادس عشر ذى القعدة من سنة ثمان وخمسين وستمائة: انتهى. قال: حكى لى المولى علاء الدين بن غانم فى غرّة شوّال سنة إحدى وتسعين وستّمائة ببعلبكّ، قال: حدّثنى المولى تاج «٢» الدين أحمد ابن الأثير- تغمده الله برحمته- ما معناه: أنّ الملك الناصر صلاح الدين يوسف- ﵀ لمّا كان على برزة فى أواخر سنة سبع وخمسين وصله قصّاد من الديار المصريّة بكتب يخبرونه فيها أنّ قطز تسلطن وملك الديار المصريّة وقبض على ابن أستاذه، قال المولى تاج الدين- ﵀: فطلبنى السلطان الملك الناصر قرأت عليه الكتب، وقال لى: خذ هذه الكتب ورح إلى الأمير ناصر «٣» الدين القيمرىّ، والأمير جمال «٤» الدين بن يغمور أوقف كلّا منهما عليها، قال: فأخذتها
следующие страницы →