Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
البندقدارىّ حلب. ثم جاء مرسوم السلطان بتوجّه البندقدارىّ إلى حلب، ويعود طبيرس إلى دمشق ويعود سنقر الرومىّ إلى مصر، فعاد الرومىّ إلى القاهرة. فلمّا اجتمع بالسلطان أوغر خاطره على طبيرس، فكان ذلك سببا للقبض على طبيرس المذكور وحبسه بالقاهرة مدّة سنين.
ثم وصل إلى الديار المصريّة فى السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر «١» الإمام الحاكم بأمر الله أبو العبّاس أحمد ابن الأمير أبى علىّ الحسن ابن الأمير أبى بكر بن الحسن «٢» بن علىّ القبّى «٣» ابن الخليفة المسترشد بالله أبى منصور الفضل ابن الخليفة المستظهر بالله أحمد العبّاسىّ.
قلت: ومن المستظهر يعرف نسبه من ترجمة المستنصر وغيره من أقاربه إلى العبّاس. ووصل صحبته شمس الدين صالح بن محمد بن أبى الرشيد الأسدىّ الحاكمىّ المعروف بابن البنّاء وأخوه محمد ونجم الدين محمد، واحتفل الملك الظاهر بيبرس بلقائه وأنزله بالبرج «٤» الكبير داخل قلعة الجبل، ورتّب له ما يحتاج إليه، ووصل معه ولده. وبايعه بالخلافة فى يوم الخميس تاسع المحرّم من سنة إحدى وستين بقلعة الجبل. وكانت المسلمون بلا خليفة منذ استشهد الخليفة المستنصر بالله فى أوائل
стр. 2242
السنة الحالية «١» ، وجلس السلطان بالإيوان لبيعته وحضر القضاة والأعيان وارباب الدولة، وقرئ نسبه على قاضى القضاة وشهد عنده جماعة بذلك، فأثبته ومدّ يده وبايعه بالخلافة، ثم بايعه السلطان ثم الوزير ثم الأعيان على طبقاتهم، وخطب له على المنابر، وكتب السلطان إلى الأقطار بذلك وأن يخطبوا باسمه، وأنزل إلى مناظر «٢» الكبش فسكن بها إلى أن مات فى ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة ودفن بجوار السيّدة نفيسة، وهو أوّل خليفة مات بالقاهرة من بنى العبّاس حسب ما يأتى ذكره- إن شاء الله تعالى- فى محلّه بأوسع من هذا.
وأمّا الملك الظاهر فإنّه تجهّز للسفر إلى البلاد الشاميّة، وخرج من الديار المصريّة فى يوم السبت سابع شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وستين وستمائة.
وفى هذه السّفرة قبض على الملك المغيث صاحب الكرك الذي كان معه تلك الأيّام على قتال المصريين وغيرهم، ولما قبض عليه الظاهر بعث به إلى قلعة الجبل صحبة الأمير آق سنقر «٣» الفارقانىّ، فوصل به إلى القاهرة فى يوم الأحد خامس عشر
стр. 2243
جمادى الآخرة، فكان ذلك آخر العهد به. ثمّ عاد الملك الظاهر إلى الديار المصريّة فى يوم السبت سادس عشر شهر رجب. ولمّا دخل إلى القاهرة قبض على الأمير بلبان الرشيدى وأيبك الدّمياطى وآقوش البرنلى.
ثم فى هذه السنة شرع الملك الظاهر فى عمارة المدرسة «١» الظاهريّة ببين القصرين، وتمّت فى أوائل سنة اثنتين وستين وستمائة. ورتّب فى تدريس الإيوان القبلىّ القاضى تقىّ الدين محمد بن الحسين «٢» بن رزين الشافعى، وفى تدريس الإيوان الذي يواجهه القاضى مجد الدين عبد «٣» الرحمن بن العديم، والحافظ شرف «٤» الدين الدّمياطى لتدريس الحديث فى الإيوان الشرقىّ، والشيخ كمال الدين المحلّى «٥» فى الإيوان [الذي] يقابله
стр. 2244
لإقراء القرآن بالروايات والطرق؛ ثم رتّب جماعة يقرءون السبع بهذا الإيوان أيضا بعد صلاة الصبح، ووقف بها خزانة كتب، وبنى إلى جانبها مكتبا لتعلم الأيتام وأجرى عليهم الخبز فى كلّ يوم، وكسوة الفصلين وسقاية تعين على الطّهارة؛ وجلس للتدريس بهذه المدرسة يوم الأحد ثالث «١» عشر صفر من سنة اثنين وستين، وحضر الصاحب بهاء الدين بن حنّا، والأمير جمال الدين بن يغمور؛ والأمير جمال الدين أيدغدى العزيزىّ وغيرهم من الأعيان.
وفى سنة إحدى وستين أيضا تسلّم الأمير بيليك العلائىّ حمص بعد وفاة صاحبها الملك الأشرف الأيّوبى. ثم أمر الملك الظاهر أيضا بإنشاء خان فى القدس الشريف للسبيل، وفوّض بناءه ونظره إلى الأمير جمال الدين محمد بن نهار «٢» ؛ ولمّا تمّ الخان المذكور أوقف عليه قيراطا ونصفا بالمطر «٣» ، وثلث وربع قرية المشيرفة من بلد بصرى «٤» ، ونصف قرية لبنى «٥» ، يصرف ريع ذلك فى خبز وفلوس وإصلاح نعال من يرد عليه من المسافرين المشاة. وبنى له طاحونا وفرنا، واستمر ذلك كلّه.
ثم ولّى الملك الظاهر فى سنة ثلاث وستين وستمائة فى كلّ مذهب قاضيا مستقلّا بذاته، فصارت قضاة القضاة أربعة، وسبب «٦» ذلك كثرة توقّف قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعزّ فى تنفيذ الأحكام، وكثرة الشكاوى منه بسبب ذلك. فلمّا كان يوم الاثنين ثانى عشر ذى الحجّة شكا «٧» القاضى المذكور الأمير جمال الدين أيدغدى العزيزىّ فى المجلس، وكان يكره القاضى تاج الدين
стр. 2245
المذكور؛ فقال أيدغدى بحضرة السلطان: يا تاج الدين، نترك مذهب الشافعىّ لك، ونولّى معك من كلّ مذهب قاضيا، فمال الملك الظاهر إلى كلامه، وكان لأيدغدى منه محلّ عظيم؛ فولّى السلطان الشيخ صدر «١» الدين سليمان الحنفى قاضى قضاة الحنفيّة بالديار المصريّة، وكان للقضاة الحنفيّة أزيد من ثلثمائة سنة من أوّل الدولة الفاطميّة قد بطل حكمهم من ديار مصر استقلالا عند ما أبطل الفاطميّون القضاة من سائر المذاهب، وأقاموا قضاة الشّيعة بمصر. انتهى. وولىّ القاضى شرف «٢» الدين عمر السّبكىّ المالكىّ قاضى قضاة المالكيّة. وولّى الشيخ شمس «٣» الدين محمد ابن الشيخ العماد الحنبلى قاضى القضاة الحنابلة، وفوّض لكلّ واحد منهم أن يستنيب بالأعمال وغيرها؛ وأبقى على تاج الدين النّظر فى مال الأيتام، وكتب لهم التقاليد وخلع عليهم؛ ثم فعل ذلك ببلاد الشام كلّه.
قلت: وقد جمعت أسماء من ولى القضاء من المذاهب الأربعة من يوم رتّب الملك الظاهر بيبرس القضاة (أعنى من سنة ثلاث وستين وستمائة) إلى يومنا هذا على الترتيب على سبيل الاختصار لتكثر الفائدة فى هذا الكتاب، وإن كان يأتى ذكر غالبهم فى الوفيات فى حوادث الملوك على عادة هذا الكتاب، فذكرهم هنا جملة أرشق وأهون على من أراد ذلك، والله المستعان. فنقول:
стр. 2246
[ذكر قضاة الشافعيّة]
كان قاضى قضاة الشافعيّة يوم ذاك القاضى تاج «١» الدين عبد الوهاب، وهى ولايته الثانية؛ وتوفّى سنة خمس وستين وستمائة. ثم القاضى تقىّ الدين محمد «٢» بن رزين العامرىّ «٣» سنة خمس وستين وستمائة، ومولده فى شعبان سنة ثلاث وستمائة، وتوفّى ثالث رجب سنة ثمانين وستمائة. ثم القاضى صدر «٤» الدين عمر بن عبد الوهاب بن بنت الأعزّ سنة ثمان وسبعين وستمائة. ثم أعيد القاضى تقىّ الدين محمد بن رزين سنة تسع وسبعين وستمائة. ثمّ القاضى وجيه «٥» الدين عبد الوهّاب البهنسىّ سنة ثمانين وستمائة. ثم القاضى تقىّ «٦» الدين عبد الرحمن ابن القاضى تاج الدين عبد الوهّاب بن بنت الأعزّ سنة خمس وثمانين وستمائة. ثم القاضى بدر «٧» الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الحموىّ الكنانىّ سنة تسعين وستمائة. ثم أعيد القاضى تقىّ الدين عبد الرحمن بن بنت الأعزّ فى صفر سنة ثلاث وتسعين وستمائة. ثم ولى القاضى تقىّ «٨» الدين محمد بن على بن دقيق العيد سنة خمس وتسعين وستمائة، ومولده فى شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة، وتوفّى سنة اثنتين وسبعمائة. ثم أعيد القاضى بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الحموىّ فى سنة أربع وسبعمائة. ثمّ ولى القاضى جمال «٩» الدين
стр. 2247
سليمان بن عمر الزّرعىّ سنة عشر وسبعمائة. ثم أعيد القاضى بدر الدين محمد بن إبراهيم ابن جماعة سنة إحدى عشرة وسبعمائة. ثم ولى القاضى جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزوينىّ سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وتوفّى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ثم ولى القاضى «١» عزّ الدين عبد العزيز ابن القاضى بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الحموىّ سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. ثم ولى القاضى بهاء الدين عبد الله [بن عبد الرحمن «٢» ] ابن عقيل سنة تسع وخمسين وسبعمائة. ثم أعيد القاضى عزّ الدين عبد العزيز بن جماعة سنة تسع وخمسين وسبعمائة. ثم ولى القاضى بهاء الدين «٣» محمد أبو البقاء بن عبد البرّ السّبكىّ فى سنة ست وستين وسبعمائة. ثم ولى القاضى برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحيم [بن محمد «٤» بن إبراهيم بن سعد الله] بن جماعة سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة. ثم ولى القاضى بدر الدين «٥» محمد بن بهاء الدين محمد بن عبد البرّ السّبكىّ فى صفر سنة تسع وسبعين وسبعمائة. ثم أعيد القاضى برهان الدين إبراهيم بن جماعة سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. ثم أعيد القاضى بدر الدين محمد بن أبى البقاء السّبكىّ فى صفر سنة أربع وثمانين وسبعمائة. ثم ولى القاضى ناصر الدين محمد [بن عبد الدائم ابن «٦» محمد بن سلامة] ابن بنت الميلق فى شعبان سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وامتحن وعزل. ثم ولى القاضى صدر الدين «٧» محمد بن إبراهيم السلمىّ المناوىّ فى ذى القعدة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. ثم أعيد القاضى بدر الدين محمد بن أبى البقاء
стр. 2248
السّبكىّ سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. ثم ولى القاضى عماد الدين أحمد «١» الكركىّ فى رجب [سنة «٢» اثنتين وتسعين، ثم عزل فى ذى الحجّة] سنة أربع وتسعين وسبعمائة. ثم أعيد القاضى صدر الدين محمد بن إبراهيم المناوىّ فى شعبان سنة خمس «٣» وتسعين وسبعمائة. ثم أعيد القاضى بدر الدين محمد بن أبى البقاء السّبكىّ فى شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وسبعمائة. ثم أعيد القاضى صدر الدين محمد ابن إبراهيم المناوىّ فى شعبان سنة سبع وتسعين وسبعمائة. ثم ولى القاضى تقىّ «٤» الدين الزّبيرىّ فى جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وسبعمائة. ثم أعيد القاضى صدر الدين المناوىّ فى شهر رجب سنة إحدى وثمانمائة. ثم ولى القاضى ناصر الدين «٥» الصّالحىّ فى سلخ شعبان سنة ثلاث وثمانمائة. ثم ولى القاضى جلال الدين عبد الرحمن بن عمر ابن رسلان بن نصير البلقينىّ «٦» فى جمادى الأولى سنة أربع وثمانمائة فى حياة والده.
ثم أعيد القاضى ناصر الدين الصالحى فى شوّال سنة خمس وثمانمائة، ومات فى المحرّم سنة ست وثمانمائة «٧» . ثم ولى القاضى شمس الدين محمد الإخنائىّ «٨» فى شهر الله المحرّم سنة ستّ وثمانمائة. ثم أعيد القاضى جلال الدين عبد الرحمن البلقينىّ فى شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وثمانمائة، ومولده سنة إحدى «٩» وستين وسبعمائة؛ وهكذا حكى لى
стр. 2249
من لفظه،﵀ وتوفّى بالقاهرة فى شوّال سنة أربع وعشرين وثمانمائة.
ثم أعيد القاضى شمس الدين محمّد الإخنائىّ فى شهر شعبان سنة ستّ وثمانمائة.
ثم أعيد القاضى جلال الدين عبد الرحمن البلقينىّ فى ذى الحجّة من سنة ست وثمانمائة.
ثم أعيد القاضى شمس الدين الإخنائى فى ثانى عشرين جمادى الأولى سنة سبع وثمانمائة. ثم أعيد القاضى جلال الدين البلقينىّ فى ثالث عشر ذى القعدة سنة سبع وثمانمائة. ثم أعيد القاضى شمس الدين محمد الإخنائى فى حادى عشر صفر سنة ثمان وثمانمائة. ثم أعيد القاضى جلال الدين البلقينىّ فى خامس شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانمائة، وهى ولايته الخامسة، ولم يزل فى هذه المرة قاضيا إلى أن توجّه صحبة الملك الناصر فرج إلى الشام سنة أربع عشرة وثمانمائة. ثم عزل بالقاضى شهاب الدين أحمد الباعونىّ «١» بدمشق فى المحرّم سنة خمس عشرة وثمانمائة. ثم أعيد القاضى جلال الدين البلقينىّ المذكور فى أوّل صفر من سنة خمس عشرة وثمانمائة، فاستمرّ فى القضاء إلى آخر جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. ثم عزل بالقاضى شمس الدين محمد الهروىّ «٢» فى سلخ جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة.
ثم أعيد القاضى جلال الدين البلقينىّ فى شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، واستمرّ إلى أن مات فى شوّال كما تقدّم ذكره.
قلت: وقاضى القضاة جلال الدين المذكور هو صهرى وزوج كريمتى، ومات عنها. رحمهما الله تعالى وعفا عنهما.
стр. 2250
ثم ولى القاضى ولىّ الدين أحمد «١» ابن الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقىّ فى شوّال سنة أربع وعشرين وثمانمائة. ثم ولى القاضى علم الدين «٢» صالح بن عمر البلقينىّ فى يوم السبت سادس ذى الحجّة سنة خمس وعشرين وثمانمائة. ثم ولى القاضى شهاب الدين «٣» أحمد بن علىّ بن حجر فى سابع عشرين المحرّم سنة سبع وعشرين وثمانمائة. ثم أعيد القاضى شمس الدين الهروىّ فى سابع ذى القعدة سنة سبع وعشرين وثمانمائة. ثم أعيد القاضى شهاب الدين أحمد بن حجر فى ثانى رجب سنة ثمان وعشرين وثمانمائة. ثم أعيد القاضى علم الدين صالح البلقينىّ فى خامس عشرين صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. ثم أعيد القاضى شهاب الدين أحمد بن حجر فى رابع عشرين جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثمانمائة. ثم أعيد القاضى علم الدين صالح البلقينىّ فى خامس شوّال سنة أربعين وثمانمائة. ثم أعيد القاضى شهاب الدين أحمد بن حجر فى يوم الثلاثاء سادس شوّال سنة إحدى وأربعين وثمانمائة.
ثم ولى القاضى شمس «٤» الدين محمد القاياتىّ فى يوم الخميس رابع عشر المحرّم سنة تسع وأربعين وثمانمائة، ومات فى ثامن عشرين المحرّم سنة خمسين وثمانمائة- رحمه الله تعالى- ثم أعيد القاضى شهاب الدين أحمد بن حجر فى خامس صفر سنة خمسين وثمانمائة.
ثم أعيد القاضى علم الدين صالح البلقينىّ فى يوم السبت مستهلّ سنة إحدى وخمسين
стр. 2251
وثمانمائة. ثم ولى القاضى ولىّ «١» الدين محمد السّفطىّ فى يوم الخميس خامس عشر شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وخمسين وثمانمائة. ثم أعيد القاضى شهاب الدين أحمد بن حجر فى ثامن شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، ثم عزل نفسه ومات معزولا- رحمه الله تعالى-. ثم أعيد القاضى علم الدين صالح البلقينىّ فى سادس عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة. ثم ولى القاضى شرف «٢» الدين يحيى المناوىّ فى يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. ثم أعيد القاضى علم الدين صالح البلقينىّ فى يوم السبت ثامن عشرين صفر سنة سبع وخمسين وثمانمائة.
ذكر القضاة الحنفيّة
فالذى ولى أوّلا قاضى القضاة صدر «٣» الدين سليمان. ثمّ من بعده قاضى القضاة معزّ الدين النّعمان بن الحسن [بن «٤» يوسف] إلى أن توفّى فى سابع عشر شعبان سنة اثنتين وتسعين وستمائة. ثم ولى قاضى القضاة شمس الدين أحمد «٥» السّروجىّ فاستمرّ إلى أن تسلطن الملك المنصور لاچين عزله. ثم ولى قاضى القضاة «٦» حسام الدين الرازىّ فاستمرّ إلى أن قتل لاچين، نقل إلى قضاء دمشق سنة
стр. 2252
ثمان وتسعين. ثم أعيد شمس الدين السّروجىّ، ثمّ عزل أوّل شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة. ثم ولى بعده قاضى القضاة شمس «١» الدين محمد الحريرىّ إلى أن مات يوم السبت رابع جمادى الآخرة- ﵀ سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. ثم ولى بعده قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم «٢» بن عبد الحقّ إلى أن عزل يوم الأحد ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. ثم ولى بعده قاضى القضاة حسام «٣» الدين الغورىّ إلى أن كانت واقعة الأمير قوصون نهبوا الرسل والعامّة بيته وطلبوه ليقتلوه فهرب. ثم ولى بعده قاضى القضاة «٤» زين الدين عمر البسطامىّ فى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة إلى أن عزل فى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. ثم تولّاها من بعده قاضى القضاة علاء «٥» الدين التّركمانىّ فى جمادى منها إلى أن توفّى عاشر المحرّم سنة خمسين. فولى بعده ولده قاضى القضاة جمال الدين عبد الله ابن التّركمانىّ إلى أن مات فى شعبان سنة تسع وستين وسبعمائة. فولى بعده قاضى القضاة سراج الدين عمر «٦» الهندىّ إلى أن مات فى شهر رجب سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، ثم ولى بعده قاضى القضاة صدر «٧» الدين بن جمال الدين التّركمانىّ إلى أن
стр. 2253
مات فى ذى القعدة سنة ست وسبعين. فوليها بعده قاضى القضاة «١» نجم الدين بن الكشك، طلب من دمشق فى المحرّم سنة سبع وسبعين وسبعمائة، ثم عزل عنها.
وتولى من بعده قاضى القضاة صدر «٢» الدين علىّ بن أبى العز الأذرعىّ، ثم اعتفى عنها.
فتولّاها قاضى القضاة شرف الدين أبو العبّاس أحمد [بن «٣» علىّ] بن منصور فى سنة سبع وسبعين، فاستمرّ إلى سادس عشرين شهر رجب عزل. ثم تولّاها بعده قاضى «٤» القضاة جلال الدين جار الله، فاستمر قاضيا إلى أن مات فى يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة. فتولى بعده قاضى القضاة صدر الدين محمد بن علىّ بن منصور فى شهر رمضان سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، فاستمرّ إلى أن مات فى شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وثمانين وسبعمائة. فتولّاها بعده قاضى القضاة شمس الدين محمد «٥» بن أحمد بن أبى بكر الطّرابلسىّ، فاستمرّ إلى بعد فتنة الأتابك «٦» يلبغا الناصرىّ ومنطاش «٧» مع الظاهر برقوق سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة عزل عنها. ثم تولّاها قاضى القضاة مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم [بن محمد «٨» بن علىّ بن موسى] الكنانىّ، أقام فيها قليلا ثمّ عزل. ثم تولّاها من بعده قاضى القضاة جمال الدين محمود [بن «٩» محمد بن علىّ بن عبد الله] القيصرىّ العجمىّ مضافا لنظر
стр. 2254
الجيش، فاستمرّ إلى أن مات فى ليلة الأحد سابع شهر ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين وسبعمائة. ثم تولّاها من بعده قاضى القضاة شمس الدين الطّرابلسىّ ثانيا فى الشهر والسنة، فاستمرّ إلى أن مات فى آخر السنة المذكورة. وتولّى بعده قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن موسى الملطىّ الحلبىّ فى يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الآخر [سنة «١» ثمانمائة] ، طلب من حلب واستمرّ إلى أن مات فى ليلة الاثنين تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانمائة. وتولّاها من بعده قاضى القضاة أمين «٢» الدين عبد الوهّاب ابن القاضى شمس الدين الطرابلسىّ فى يوم الخميس ثانى عشر جمادى الآخرة من السنة، فاستمرّ إلى سادس عشرين شهر رجب سنة خمس وثمانمائة، عزل. فتولّاها من بعده قاضى «٣» القضاة كمال الدين عمر بن العديم الحلبى، واستمرّ إلى أن مات فى ليلة السبت ثانى عشر جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثمانمائة، ومولده بحلب سنة إحدى «٤» وسبعين وسبعمائة. فتولّاها من بعده ابنه القاضى ناصر الدين «٥» محمد فى يوم الاثنين رابع عشر الشهر المذكور مضافا لمشيخة الشّيخونيّة «٦» ، واستمرّ إلى أن صرف. وأعيد القاضى أمين الدين الطرابلسى ثانيا فى رابع عشرين
стр. 2255
شهر رجب من سنة إحدى عشرة وثمانمائة، فاستمرّ القاضى أمين الدين إلى سابع المحرّم من سنة اثنتى عشرة وثمانمائة صرف. وأعيد قاضى القضاة ناصر الدين ابن العديم ثانيا؛ واستقرّ القاضى أمين الدين الطرابلسىّ فى مشيخة الشّيخونيّة عوضا عن ناصر الدين بن العديم المذكور.
قلت: وناصر الدين المذكور هو صهرى زوج كريمتى. انتهى.
واستمرّ ناصر الدين بن العديم إلى أن عزل، فتولّاها قاضى القضاة صدر الدين علىّ [بن محمد «١» بن محمد المعروف با] بن الأدمىّ الدّمشقىّ فى سنة خمس عشرة وثمانمائة، واستمرّ إلى أن مات فى يوم السبت ثامن شهر رمضان من سنة ست عشرة وثمانمائة.
ثم أعيد ناصر الدين بن العديم ثالثا، فاستمرّ إلى أن مات فى ليلة السبت تاسع شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وثمانمائة، وشغرت الوظيفة الى أن طلب الملك المؤيّد شيخ شمس الدين محمد «٢» الدّيرىّ من القدس، وقدم القاهرة فى ثالث عشر جمادى الأولى من سنة تسع عشرة المذكورة، ونزل بقاعة الحنفيّة بالمدرسة الصالحيّة «٣» إلى أن استقرّ فى القضاء يوم الاثنين سابع عشره، واستمرّ إلى أن عزل برغبة منه.
стр. 2256
وتولّاها من بعده قاضى القضاة «١» زين الدين عبد الرحمن التّفهنىّ فى يوم الجمعة سادس ذى القعدة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، واستمرّ إلى أن عزل. ثم تولّاها من بعده قاضى القضاة «٢» بدر الدين محمود العينى فى يوم الخميس سابع عشرين شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثمانمائة، واستقرّ التّفهنىّ المذكور فى مشيخة خانقاه شيخون، بعد موت شيخ الإسلام سراج «٣» الدين عمر قارئ «الهداية» ، واستمرّ العينىّ إلى أن عزل.
ثم أعيد التّقهنىّ فى يوم الخميس سادس عشرين صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، فدام إلى أن صرف لطول مرضه. ثم أعيد قاضى القضاة العينى ثانيا فى سابع عشرين جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، فاستمرّ العينىّ إلى أن صرف فى دولة الملك العزيز «٤» يوسف ابن الملك الأشرف برسباى بقاضى القضاة سعد الدين سعد «٥» ابن القاضى شمس الدين محمد بن الدّيرىّ فى أوّل سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة «٦» ...
قلت: وهؤلاء القضاة الذين استجدّهم الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ.
حسب ما ذكرناه فى أوّل الترجمة. وذلك بعد انقضاء الدولة الأيّوبيّة. وأمّا قبل خراب الديار المصرية فى الدّولة العبيديّة فكانت قضاة الحنفيّة هم حكّام مصر بل حكّام المشرق والمغرب إلى حدود نيّف وأربعمائة، لمّا حمل المعزّ بن باديس الناس
стр. 2257
ببلاد المغرب على اتّباع مذهب الإمام مالك- رضى الله عنه- ثم ملكت العبيديّة مصر فمحوا آثار السّنّة وولّوا قضاة الشّيعة وبطل الأربعة مذاهب من مصر إلى أن زالت دولتهم وتولّى السلطان صلاح يوسف بن أيّوب- ﵀ فولّى قاضيا شافعيّا فقط كونه كان شافعيّا، وأذهب الرافضة، واستمرّ ذلك نحو تسعين سنة حتّى ولى الملك الظاهر بيبرس فجدّد المذاهب الثلاثة كما سقناه. انتهى.
ذكر القضاة المالكيّة
فالذى كان أوّلهم ولاية فى دولة الظاهر بيبرس هو القاضى شرف الدين «١» عمر السّبكىّ المالكىّ تغمّده الله برحمته وجميع المسلمين «٢» ...
ذكر قضاة الحنابلة
فالذى ولّاه الملك الظاهر بيبرس هو قاضى القضاة شمس الدين أبو بكر «٣» محمد الجمّاعيلىّ الحنبلىّ إلى أن امتحن وصرف فى ثانى شعبان سنة سبعين وستمائة، ولم يل بعد عزله بالقاهرة أحد من الحنابلة حتى توفّى شمس الدين المذكور فى يوم الخميس فى العشر الأوّل من المحرّم سنة ست وسبعين. ثم ولى بعده قاضى القضاة عزّ الدين
стр. 2258
عمر بن عبد الله [بن عمر «١» ] بن عوض فى النصف من جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين، فاستمرّ حتى مات سنة ستّ وتسعين وستمائة. ثم تولّى بعده قاضى القضاة شرف الدين أبو محمد «٢» عبد الغنى الحرّانىّ إلى أن مات فى رابع عشرين شهر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعمائة. ثم تولّى بعده قاضى القضاة سعد الدين مسعود بن أحمد الحارثىّ «٣» فى ثالث شهر ربيع الآخر من السنة، وعزل بعد سنتين ونصف بقاضى القضاة تقىّ الدين «٤» ابن قاضى القضاة عزّ الدين عمر فى حادى عشر شهر ربيع الأوّل سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، بعد ما شغر منصب القضاء ثلاثة أشهر، فلم تطل «٥» أيّامه وعزل بقاضى القضاة موفّق الدين عبد الله بن محمد بن عبد الملك المقدسىّ فى نصف جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، فدام فى المنصب إلى أن مات فى المحرّم سنة تسع وستين وسبعمائة. ثم تولّى عوضه قاضى القضاة ناصر الدين نصر الله بن أحمد بن محمد العسقلانىّ حتّى مات فى ليلة الحادى والعشرين من شهر شعبان سنة خمس وتسعين وسبعمائة. ثم تولّى بعده ابنه قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن نصر الله حتّى مات فى ثامن شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وثمانمائة. ثم تولّى عوضه أخوه قاضى القضاة موفّق الدين أحمد بن نصر الله، فدام حتّى صرف بقاضى القضاة نور الدين علىّ [بن خليل «٦» بن علىّ بن أحمد بن عبد الله] الحكرىّ، فلم تطل مدّة الحكرىّ
стр. 2259
وصرف. ثم أعيد موفّق الدين فاستمرّ إلى أن مات فى سنة ثلاث وثمانمائة. ثم تولّى بعده قاضى القضاة مجد الدين سالم [بن أحمد «١» ] فى ثالث عشرين شهر رمضان من سنة ثلاث فاستمرّ فى القضاء إلى أن صرف بقاضى القضاة علاء الدين علىّ [بن «٢» محمود ابن أبى بكر] بن مغلى فى حدود سنة ست عشرة وثمانمائة، فاستمرّ علاء الدين بن مغلى فى القضاء إلى أن توفّى بالقاهرة فى العشرين من صفر سنة ثمان وعشرين وثمانمائة.
ثم تولّى بعده قاضى القضاة محبّ الدين أحمد بن نصر الله [بن أحمد بن «٣» محمد بن عمر] البغدادىّ من التاريخ المذكور إلى أن صرفه الملك الأشرف بقاضى القضاة عزّ الدين عبد العزيز [بن علىّ بن العزّ بن «٤» عبد العزيز] البغدادىّ فى ثالث عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين، فدام القاضى عزّ الدين إلى أن صرف فى يوم الثلاثاء ثانى عشر صفر سنة ثلاثين وثمانمائة. ثم أعيد قاضى القضاة محبّ الدين، واستمرّ إلى أن مات فى يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثمانمائة.
ثم تولى بعده قاضى القضاة بدر الدين محمد [بن «٥» محمد] بن عبد المنعم البغدادىّ إلى أن مات فى ليلة الخميس سابع جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثمانمائة.
ثم تولّى بعده قاضى القضاة عز الدين «٦» أحمد فى يوم السبت تاسع جمادى الأولى المذكور.
стр. 2260
قلت: وقد خرجنا عن المقصود فى ترجمة الملك الظاهر بيبرس بالإطالة فيما ذكرناه، غير أنّ ذلك كلّه هو أيضا ممّا يضاف إلى ترجمته، ولا بأس بالإطالة مع تحصيل الفائدة، ولنعد إلى ذكر السلطان الملك الظاهر بيبرس.
ثم أمر الملك الظاهر بأن يعمل بدمشق أيضا كذلك فى سنة أربع وستين فوقع ذلك، وولّى بها قضاة أربعة. ولمّا وقّع ولايته القضاء من كلّ مذهب بدمشق اتّفق أنّه كان لقب ثلاثة قضاة منهم شمس الدين، وهم: قاضى القضاة شمس «١» الدين أحمد بن محمد بن خلّكان الشافعىّ. وقاضى القضاة شمس الدين عبد «٢» الله بن محمد بن عطا الأذرعىّ الحنفى. وقاضى القضاة شمس «٣» الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبى «٤» عمر الحنبلىّ «٥» ؛ فقال بعض الشعراء ﵀ فى هذا المعنى:
أهل الشآم استرابوا ... من كثرة الحكّام
إذ هم جميعا شموس ... وحالهم فى ظلام
وقال غيره:
بدمشق آية قد ... ظهرت للناس عاما
كلّما ولّى» شمس ... قاضيا زادت ظلاما
стр. 2261
فتوحاته ﵀
ثم سافر الملك الظاهر من مصر إلى البلاد الشامية فى هذه السنة (أعنى سنة أربع وستين) فخرج منها فى يوم السبت مستهلّ شعبان، وجعل نائبه بديار مصر ولده الملك السعيد، وجعل الجيش فى خدمته والوزير بهاء الدين بن حنّا؛ وسار الملك الظاهر حتّى نزل عين جالوت وبعث عسكرا مقدّمه الأمير جمال الدين أيدغدىّ العزيزىّ، ثم عسكرا آخر مقدّمه الأمير سيف الدين قلاوون الألفى للإغارة على بلاد الساحل، فأغاروا على عكّا وصور وطرابلس وحصن الأكراد وسبوا وغنموا ما لا يحصى؛ ثم نزل الملك الظاهر بنفسه على صفد فى ثامن شهر رمضان، ونصب عليها المجانيق، ودام الاهتمام بعمل الآلات الحربيّة إلى مستهلّ شوّال شرع فى الزّحف والحصار وأخذ النّقوب من جميع الجهات إلى أن ملكها بكرة يوم الثلاثاء خامس عشر شوّال؛ واستمرّ الزّحف والقتال ونصب السلالم على القلعة وتسلطت عليها النقوب، والسلطان يباشر ذلك بنفسه، حتّى طلب أهل القلعة الأمان على أنفسهم وطلبوا اليمين على ذلك، فأجلس السلطان الملك الظاهر الأمير كرمون [أغا «١» ] التّتارىّ فى دست السلطنة، وحضرت رسلهم فاستحلفوه فخلف [لهم «٢» كرمون التّتارىّ] وهم يظنونه الملك الظاهر، فإنه كان يشبه الملك الظاهر. وكان فى قلب الملك الظاهر منهم حزازة، ثم شرط عليهم ألّا يأخذوا معهم من أموالهم شيئا. فلمّا كان يوم الجمعة ثامن عشر شوّال طلعت السناجق على قلعة صفد، ووقف الملك الظاهر بنفسه على بابها وأخرج من كان فيها من الخيّالة والرجّالة والفلاحين؛ ودخل الأمير بدر الدين بيليك الخازندار وتسلّمها، واطّلع على أنّهم أخذوا شيئا كثيرا من التّحف
стр. 2262
له قيمة، فأمر الملك الظاهر بضرب رقابهم فضربت على تلّ هناك، وكتبت البشائر بهذا النصر إلى مصر والأقطار، وزيّنت الديار المصريّة لذلك. ثم أمر الملك الظاهر بعمارة قلعة صفد وتحصينها ونقل الذخائر إليها والأسلحة، وأزال دولة الكفر، منها، ولله الحمد، وأقطع بلدها لمن رتّبه لحفظها من الأجناد، وجعل مقدّمهم الأمير علاء الدين الكبكى «١» ، وجعل فى نيابة السلطنة بالمدينة الأمير عزّ الدين العلائىّ، وولاية القلعة للأمير مجد الدين الطّورىّ.
ثم رحل الملك الظاهر إلى دمشق فى تاسع «٢» عشر شوّال. ولمّا كان الملك الظاهر نازلا بصفد وصل إليه رسول صاحب صهيون بهديّة جليلة ورسالة مضمونها الاعتذار من تأخيره عن الحضور، فقبل الملك الظاهر الهديّة والعذر. ثمّ وصلت رسل صاحب سيس «٣» أيضا بهديّة فلم يقبلها ولا سمع رسالتهم. ثم وصلت البريديّة «٤» من متولّى قوص ببلاد الصّعيد بخبر أنّه استولى على جزيرة سواكن «٥» وأنّ صاحبها هرب، وأرسل يطلب من الملك الظاهر الدخول فى الطاعة وإبقاء سواكن عليه، فرسم
стр. 2263
له الملك الظاهر بذلك. ثم رحل الملك الظاهر من دمشق يوم السبت ثالث ذى القعدة وأمر العساكر بالتقدّم إلى بلاد سيس للإغارة عليها، وقدّم عليهم الملك المنصور «١» صاحب حماة وتدبير الأمور راجع إلى الأمير آق سنقر الفارقانىّ، فساروا حتّى وصلوا إلى الدّربند «٢» الذي يدخلون منه إليها، وكان صاحبها قد بنى عليها أبرجة فيها المقاتلة؛ فلمّا رأوا العسكر تركوها ومضوا فأخذها المسلمون وهدموها، ودخلوا بلاد سيس فنهبوا وأسروا وقتلوا؛ وكان فيمن أسر ابن صاحب سيس وابن أخته وجماعة من أكابرهم، ودخلوا المدينة يوم السبت ثانى عشر ذى القعدة وأخذوا منها ما لا يحصى كثرة، وعادوا نحو دمشق. فلمّا قاربوها خرج الملك الظاهر لتلقّيهم فى ثانى ذى الحجّة، واجتاز بقارة «٣» فى سادسه، فأمر بنهبها وقتل من فيها من الفرنج، فإنّهم كانوا يخيفون «٤» السبيل ويستأسرون المسلمين، فأراح الله منهم وجعلت كنيستها جامعا، ورتّب بقارة خطيبا وقاضيا، ونقل إليها الرعية من المسلمين؛ ثم التقى العساكر وخلع عليهم وعاد معهم، فدخل دمشق، والغنائم والأسرى بين يديه، فى يوم الاثنين خامس «٥» عشر شهر ذى الحجّة فأقام بها مدّة. ثم خرج منها طالبا الكرك فى مستهلّ المحرّم سنة خمس وستين وستّمائة، وأمر الملك الظاهر بعد خروجه من دمشق بعمارة جسر «٦»
стр. 2264
بالغور على [نهر «١» ] الشّريعة؛ وكان المتولّى لعمارته جمال الدين محمد بن نهار «٢» وبدر الدين محمد بن رحال وهما من أعيان الأمراء؛ ولمّا تكامل عمارته اضطرب بعض أركانه، فقلق الملك الظاهر لذلك وأعاد الناس لإصلاحه فتعذّر ذلك لزيادة الماء، فاتّفق وقوف الماء عن جريانه حتّى أمكن إصلاحه؛ فلمّا تمّ إصلاحه عاد الماء إلى حاله؛ قيل إنّه كان وقع فى النهر قطعة كبيرة مما يجاوره من الأماكن العالية فسدّته من غير قصد. وهذا من عجيب الاتّفاق.
ثمّ عاد الملك الظاهر إلى ديار مصر وعند «٣» عوده إليها وصل إليه رسل صاحب اليمن الملك المظفر «٤» [شمس الدين] يوسف بن عمر ومعهم فيل وحمار وحش أبيض وأسود وخيول وصينى وتحف، وطلب معاضدة الملك الظاهر له وشرط له أن يخطب له ببلاده. ثمّ خرج السلطان فى يوم السبت فى ثانى جمادى الآخرة إلى بركة الجب «٥» عازما على قصد الشام على حين غفلة، وجعل نائب السلطنة على مصر الأمير بيليك
стр. 2265
الخازندار، ورحل فى سابع الشهر، فوردت عليه رسل صاحب يافا فى الطريق فاعتقلهم، وأمر العسكر بلبس آلة الحرب ليلا وسار فأصبح يافا، وأحاط بها من كل جانب، فهرب من كان فيها من الفرنج إلى قلعتها، فملك السلطان المدينة وطلب أهل القلعة الأمان، فأمّنهم وعوّضهم عما نهب لهم أربعين ألف درهم، فركبوا فى المراكب إلى عكّا؛ وكان أخذ قلعة يافا فى الثانى والعشرين من الشهر المذكور وأمر بهدمها؛ فلمّا فرغ السلطان من هدمها رحل عنها يوم الأربعاء ثانى عشر «١» شهر رجب طالبا للشّقيف «٢» ، فنزل عليه يوم الثلاثاء وحاصرها حتّى تسلّمها يوم الأحد تاسع عشرين رجب؛ وكان الملك الظاهر أيضا ملك الباشورة «٣» بالسيف فى السادس والعشرين منه؛ ثم رحل الملك الظاهر عنها بعد أن رتّب بها عسكرا فى عاشر شعبان، وبعث أكثر أثقاله إلى دمشق وسار إلى طرابلس فشنّ عليها الغارة وأخرب قراها وقطع أشجارها وغوّر أنهارها. ثم رحل «٤» إلى حصن الأكراد ونزل بالمرج الذي تحته، فحضر إليه رسول من فيه بإقامة وضيافة، فردّها عليه وطلب منهم دية رجل من أجناده، كانوا قتلوه، مائة ألف دينار فأرضوه. فرحل إلى حمص ثم إلى حماة ثم
стр. 2266
إلى أفامية «١» ثم سار ونزل منزلة أخرى؛ ثم رحل ليلا وأمر العسكر بلبس آلة الحرب، ونزل أنطاكية فى غرّة شهر رمضان، فخرج إليه جماعة من أهلها يطلبون الأمان وشرطوا شروطا لم يجب إليها، وزحف عليها فملكها يوم السبت رابع الشهر؛ ورتّب على أبوابها جماعة من الأمراء لئلّا يخرج أحد من الحرافشة بشىء من النهب، ومن يوجد معه شىء يؤخذ منه، فجمع من ذلك ما أمكن جمعه وفرّقه على الأمراء والأجناد بحسب مراتبهم. وحصر من قتل بأنطاكية فكانوا فوق الأربعين ألفا، وأطلق جماعة من المسلمين كانوا فيها أسراء من الحلبيّين، وكتب البشائر بذلك إلى مصر وإلى سائر الأقطار. وأنطاكية: مدينة عظيمة مشهورة، مسافة سورها اثنا عشر ميلا، وعدد أبراجها مائة وستة وثلاثون برجا، وعدد شرفاتها أربع وعشرون ألفا. ولم يفتحها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب- ﵀ فيما فتح «٢» .
قلت: كم ترك الأوّل للآخر!
ولمّا ملك الملك الظاهر أنطاكية وصل إليه قصّاد من أهل القصير «٣» يطلبون تسليمها إليه، فسيّر السلطان الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقانىّ بالعساكر إليها فوصلها
стр. 2267
ووجد أكثر أهلها قد برح منها، فتسلّمها فى ثالث عشر شهر رمضان؛ وكان قد تسلّم دركوش «١» بواسطة فخر الدين الجناحىّ فى تاسع شهر رمضان وعاد إلى دمشق، فدخلها فى سابع عشرين شهر رمضان، وعيّد السلطان بقلعة دمشق. ثم عاد إلى القاهرة فدخلها آخر نهار الأربعاء حادى عشر ذى الحجّة. وبعد وصوله بمدّة جلس فى الإيوان بقلعة الجبل يوم الخميس تاسع «٢» صفر، وأحضر القضاة والشهود والأعيان وأمر بتحليف الأمراء ومقدّمى الحلقة لولده الملك السعيد بركة خان [بولاية «٣» عهده وخليفته من بعده] فحلفوا. ثم ركب الملك السعيد يوم الاثنين العشرين من الشهر بأبّهة السلطنة فى القلعة ومشى والده أمامه، وكتب تقليد «٤» [له «٥» ] وقرئ على الناس بحضور الملك الظاهر وسائر أرباب الدولة.
ثم فى يوم السبت ثانى عشر «٦» جمادى الآخرة خرج الملك الظاهر من القاهرة متوجّها إلى الشام ومعه الأمراء بأسرهم جرائد، واستناب بالديار المصريّة فى خدمة ولده الأمير بدر الدين بيليك الخازندار. ومن هذا التاريخ علّم الملك السعيد على التواقيع وغيرها: ولمّا «٧» صار الملك الظاهر بدمشق وصلت إليه كتب التّتار ورسلهم، والرسل: محبّ الدين دولة خان، وسيف الدين سعيد ترجمان وآخر، ومعهم جماعة من أصحاب سيس، فأنزلهم السلطان بالقلعة وأحضرهم من الغد وأدّوا الرسالة
стр. 2268
ومضمونها «١» : أنّ الملك أبغا «٢» بن هولاكو لمّا خرج من الشرق ملك جميع البلاد ومن خالفه قتل وأنت (يعنى للملك الظاهر) لو صعدت إلى السماء أو هبطت إلى الأرض ما تخلص منّا، فالمصلحة أن تجعل بيننا صلحا، وأنت مملوك أبعت فى سيواس فكيف تشاقق ملوك الأرض وأولاد ملوكها! فأجابه فى وقته بأنّه فى طلب جميع ما استولوا عليه من العراق والجزيرة والروم والشام وسفّرهم إليه بسرعة. ثم فى آخر شهر رجب خرج الملك الظاهر من دمشق ونزل خربة «٣» اللّصوص فأقام بها أيّاما؛ ثم ركب ليلة الاثنين ثامن عشر شعبان ولم يشعر به أحد وتوجّه إلى القاهرة على البريد بعد أن عرّف الفارقانىّ أنّه يغيب أيّاما معلومة، وقرّر معه أنه يحضر الأطبّاء كلّ يوم ويستوصف منهم ما يعالج به متوعّك يشكو تغيير مزاجه، ليوهم الناس أنّ الملك الظاهر هو المتوعّك؛ فكان يدخل ما يصفونه «٤» إلى الجيمة ليوهم العسكر صحّة ذلك، وسار الملك الظاهر حتّى وصل قلعة الجبل ليلة الخميس حادى عشرين شعبان، فأقام بالقاهرة أربعة أيّام؛ ثم توجّه ليلة الاثنين خامس عشرين الشهر على البريد، فوصل إلى العسكر يوم تاسع عشرين الشهر. وكان غرضه بهذا السّفر كشف أحوال ولده الملك السعيد وغير ذلك. ثم فى يوم الأحد سادس عشر «٥» شهر رمضان
стр. 2269
تسلّم نوّاب الملك الظاهر قلعة بلاطنس «١» وقلعة كرابيل «٢» من عزّ الدين أحمد بن مظفّر الدين عثمان «٣» بن منكورس صاحب صهيون «٤» ، وعوّضه غيرهما قرية تعرف بالخميلة «٥» من أعمال شيزر «٦» . ثم فى يوم الخميس العشرين من شهر رمضان توجّه الملك الظاهر إلى صفد فأقام بها يومين ثم شنّ الغارة على بلد صور، وأخذ منها شيئا كثيرا. ثم عاد الملك الظاهر إلى دمشق وعيّد «٧» بها. ثم خرج منها فى خامس عشرين شوّال يريد الكرك فوصله فى أوائل ذى القعدة. ثم توجّه فى سادسه إلى الحجاز، وصحبته بيليك الخازندار والقاضى صدر الدين سليمان الحنفى وفخر الدين إبراهيم بن لقمان وتاج الدين ابن الأثير ونحو ثلثمائة مملوك وجماعة من أعيان الحلقة، فوصل المدينة الشريفة فى العشر الأخير من الشهر فأقام بها ثلاثة أيام، وكان جمّاز «٨» قد طرق المدينة وملكها، فلمّا قدم الظاهر هرب؛ فقال الملك الظاهر: لو كان جمّاز يستحقّ القتل ما قتلته! لأنه فى حرم النّبيّ ﷺ ؛ ثم تصدّق فى المدينة بصدقات كثيرة، وخرج منها متوجّها إلى مكّة فوصلها فى ثامن ذى الحجّة، فخرج إليه أبو نمىّ وعمّه إدريس صاحبا مكّة، وبذلا له الطاعة فخلع عليهما وسارا بين يديه إلى عرفات، فوقف بها يوم الجمعة ثم عاد إلى منّى، ثم إلى مكّة وطاف بها طواف الإفاضة، وصعد الكعبة
стр. 2270
وغسلها بماء الورد وطيّبها بيده، وأقام يوم الاثنين ثم ركب وتوجّه إلى المدينة الشريفة، فزار بها قبر النّبيّ ﷺ ثانيا. ثم توجّه إلى الكرك فوصله فى يوم الخميس تاسع عشرين ذى الحجة فصلّى به الجمعة. ثم توجّه إلى دمشق فوصل يوم الأحد ثانى المحرّم سنة ثمان وستين وستمائة فى السّحر، فحرج الأمير جمال الدين آقوش فصادفه فى سوق الخيل واجتمع به. ثم سار إلى حلب فوصلها فى سادس المحرّم؛ ثم خرج منها فى عاشره وسار «١» إلى حماة ثم إلى دمشق ثم إلى مصر، وصحبته الأمير عزّ الدين الأفرم فدخلها يوم الأربعاء رابع «٢» صفر، واتّفق ذلك اليوم دخول ركب الحاجّ، وكانت العادة يوم ذاك بدخول الحاج إلى القاهرة بعد عاشر صفر، فأقام الملك الظاهر بالقاهرة أيّاما، وخرج منها فى صفر المذكور إلى الإسكندرية ومعه ولده الملك السعيد وسائر الأمراء فصيّد أيّاما وعاد إلى نحو القاهرة فى يوم الثلاثاء ثامن شهر ربيع الأوّل، وخلع فى هذه السّفرة على الأمراء وفرّق فيهم الخيل والحوائص الذهب والسيوف المحلّاة والذهب والدراهم والقماش وغير ذلك، فلم يقم بالقاهرة إلا مدّة يسيرة، وخرج منها متوجّها إلى الشام فى يوم الاثنين حادى عشرين شهر ربيع الأوّل فى طائفة يسيرة من أمرائه وخواصّه، فوصل إلى دمشق فى يوم الثلاثاء سابع «٣» شهر ربيع الآخر، ولقى أصحابه فى الطريق مشقّة شديدة من البرد. ثم خرج عقيب ذلك إلى الساحل «٤» وأسر ملك عكّا؛ وقتل وأسر وسبى. ثم
стр. 2271
قصد الغارة على المرقب «١» فوجد من الأمطار والثلوج ما منعه، فرجع إلى حمص فأقام بها نحو عشرين يوما. ثم خرج إلى جهة حصن «٢» الأكراد ونزل تحتها، وأقام يركب كلّ يوم ويعود من غير قتال إلى الثامن والعشرين من شهر رجب، فبلغه أنّ مراكب الفرنج دخلت ميناء الإسكندرية وأخذت «٣» مركبين للمسلمين، فرحل من فوره إلى نحو الديار المصريّة فوصلها ثانى عشر شعبان، فحين دخوله إلى مصر امر بعمارة القناطر التى على بحر أبى المنجّا «٤» ، وهى من المبانى العجيبة فى الحسن والإتقان؛ وبينما هو فى ذلك ورد عليه البريد من الشام أنّ الفرنج قاصدون الساحل، والمقدّم عليهم
стр. 2272
شارل «١» أخو ريدا «٢» فرنس، وربّما كان محطّهم عكّا؛ فتقدّم الملك الظاهر إلى العسكر بالتوجّه إلى الشام. ثم ورد الخبر أيضا بأنّ اثنى عشر مركبا للفرنج عبروا على الإسكندرية ودخلوا ميناءها وأخذوا مركبا للتّجار واستأصلوا ما فيه وأحرقوه، ولم يجسر والى الإسكندرية أن يخرج الشوانى من الصناعة لغيبة رئيسها فى مهمّ استدعاه الملك الظاهر بسببه. ولمّا بلغ الملك الظاهر ذلك بعث أمر بقتل الكلاب فى الإسكندرية وألّا يفتح أحد حانوتا بعد المغرب ولا يوقد نارا فى البلد ليلا، ثم تجهّز بسرعة وخرج نحو دمياط يوم الخميس خامس ذى القعدة فى البحر. وفى ذى الحجّة أمر السلطان بعمل جسرين: أحدهما من مصر إلى الجزيرة «٣» (أعنى الروضة) ، والآخر من الجزيرة إلى الجيزة على مراكب لتجوز العساكر عليهما. ثم عاد الملك الظاهر من دمياط بسرعة ولم يلق حربا؛ وخرج من مصر إلى عسقلان فى يوم السبت عاشر صفر سنة تسع وستين وستمائة فى جماعة يسيرة من الأمراء والأجناد، فوصل إلى عسقلان وهدم من سورها ما كان أهمل هدمه فى أيّام الملك الصالح، ووجد فيما هدم كوزان مملوءان ذهبا مقدار ألفى دينار ففرّقها على من صحبه، وورد عليه الخبر وهو بعسقلان بأنّ عسكر ابن أخى بركة خان المغلىّ كسر عسكر أبغا بن هولاكو، فسرّ الملك الظاهر بذلك سرورا زائدا. وعاد إلى مصر يوم السبت ثامن شهر ربيع الأوّل. وفى هذه السنة انتهى الجسر والقناطر الذي عمل على بحر أبى المنجا، ووقف عليه الملك الظاهر وقفا يعمر منه ما دثر منه على طول السنين. وفى هذه
стр. 2273
السنة أيضا بنى الملك الظاهر جامع المنشيّة «١» ، وأقيمت فيه الخطبة يوم «٢» الجمعة ثامن عشرين شهر ربيع الآخر من سنة تسع وستين وستمائة المذكورة. ثم فى السنة المذكورة أيضا خرج الملك الظاهر من الديار المصريّة متوجّها إلى نحو حصن الأكراد فى ثانى عشر جمادى الآخرة، ودخل دمشق يوم الخميس ثامن شهر رجب، وكان معه فى هذه السّفرة ولده الملك السعيد والصاحب بهاء الدين بن حنّا، واستخلف بمصر الأمير شمس الدين اقسنقر الفارقانىّ، وفى الوزارة الصاحب تاج الدين ابن حنّا. ثمّ خرج الملك الظاهر من دمشق فى يوم السبت عاشره وتوجّه بطائفة من العسكر إلى جهة، وولده وبيليك الخازندار بطائفة أخرى إلى جهة، وتواعدوا الاجتماع فى يوم واحد بمكان معيّن ليشنّوا الغارة على جبلة «٣» واللّاذقيّة «٤» والمرقب»
وعرقة «٦» ومرقيّة «٧» والقليعات «٨» وصافيثا «٩» والمجدل وأنطرطوس «١٠» ، فلمّا اجتمعوا [على] أن يشنّوا الغارة فتحوا صافيثا والمجدل، ثم ساروا ونزلوا حصن الأكراد يوم الثلاثاء تاسع «١١» عشر شهر رجب من سنة تسع وستين وستمائة؛ وأخذوا فى نصب المجانيق وعمل
стр. 2274
الستاير «١» ، ولهذا الحصن ثلاثة أسوار؛ فاشتدّ عليه الزحف والقتال وفتحت الباشورة الأولى يوم الخميس حادى عشرين الشهر، وفتحت الثانية يوم السبت سابع شعبان، وفتحت الثالثة الملاصقة للقلعة فى يوم الأحد خامس عشره، وكان المحاصر لها الملك السعيد ابن الملك الظاهر ومعه بيليك الخازندار وبيسرى، ودخلت العساكر البلد بالسيف وأسروا من فيه من الجبليّة والفلّاحين ثم أطلقوهم. فلمّا رأى أهل القلعة ذلك أذعنوا بالتسليم وطلبوا الأمان، فأمّنهم الملك الظاهر وتسلّم القلعة يوم الاثنين ثالث «٢» عشرين شعبان، وكتبت البشائر بهذا الفتح إلى الأقطار، وأطلق الملك الظاهر من كان فيها من الفرنج فتوجّهوا إلى طرابلس. ثم رحل الملك الظاهر بعد أن رتّب الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم لعمارته، وأقيمت فيه الجمعة، ورتّب نائبا وقاضيا. ولمّا وقع ذلك بعث صاحب أنطرطوس إلى الملك الظاهر يطلب المهادنة، وبعث إليه بمفاتيح أنطرطوس فصالحه على نصف ما يتحصّل من غلال بلده، وجعل عندهم نائبا من قبله. ثم صالح صاحب المرقب على المناصفة أيضا، وذلك فى يوم الاثنين مستهلّ شهر رمضان من سنة تسع وستين، وقرّرت الهدنة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيّام.
ثم سار الملك الظاهر فى يوم الأحد رابع عشر شهر رمضان فأشرف على حصن ابن «٣» عكّار، وعاد إلى المرج «٤» فأقام به إلى أن سار ونزل على الحصن المذكور ثانيا فى يوم الاثنين ثانى عشرين شهر رمضان، ونصب المجانيق عليه فى يوم الثلاثاء،
стр. 2275
وفى يوم الأحد ثامن «١» عشرينه رمى المنجنيق الذي قبالة الباب الشرقىّ رميا كثيرا فخسف خسفا كبيرا إلى جانب البدنة، ودام ذلك إلى اللّيل فطلبوا الأمان على أنفسهم من القتل وأن يمكّنهم من التوجّه إلى طرابلس فأجابهم، فخرجوا يوم الثلاثاء سلخ الشهر؛ وكتبت البشائر بالفتح والنصر إلى سائر الأقطار. ثم فى يوم السبت رابع شوّال خيّم السلطان الملك الظاهر بعساكر [هـ] على طرابلس فسيّر صاحبها «٢» إليه يستعطفه فبعث إليه الملك الظاهر [فارس «٣» الدين] الأتابك [و «٤» ] سيف الدين [بلبان «٥» ] الرومىّ على أن يكون له من أعمال طرابلس نصف بالسويّة، وأن يكون له دار وكالة فيها، وأن يعطى جبلة واللّاذقيّة بخراجهما من يوم خروجهما عن الملك الناصر إلى يوم تاريخه، وأن يعطى نفقات العساكر من يوم خروجه؛ فلمّا علم الرساله عزم على القتال وحصّن طرابلس، فنصب الملك الظاهر المجانيق؛ ثم تردّدت الرّسل ثانيا وتقرر الصلح أن تكون عرقة وجبلة «٦» وأعمالها للبرنس صاحب طرابلس، وأن يكون ساحل «٧» أنطرطوس والمرقب وبانياس وبلاد هذه النواحى بينه وبين الدّاويّة «٨» ، والتى كانت خاصا لهم، وهى بارين «٩» وحمص القديمة تعود خاصا للملك الظاهر، وشرط أن تكون عرقة وأعمالها، وهى ست وخمسون قرية، صديقة من الملك الظاهر عليه، فتوقّف صاحب طرابلس وأنف؛ فلمّا بلغ الملك الظاهر امتناعه صمّم على ما شرط عليه حتى أجابه، وعقد الصلح بينهما مدّة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام.
стр. 2276
وفى يوم السبت حادى عشر شوّال رحل الملك الظاهر عن مرج صافيثا، وأذن إلى صاحب حماة وصاحب حمص بالعود إلى بلادهم، وسار الظاهر حتى دخل دمشق يوم الأربعاء خامس عشر شوّال، وعزل القاضى شمس الدين أحمد بن خلّكان عن قضاء دمشق، وكانت مدّة ولايته عشر سنين، وولّى عوضه القاضى عزّ «١» الدين محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق المعروف بابن الصائغ. ثم فى يوم الجمعة رابع «٢» عشرين شوّال خرج الملك الظاهر من دمشق قاصدا القرين «٣» ، فنزل عليه يوم الاثنين سابع «٤»
عشرين الشهر، ونصب عليه المجانيق، ولم يكن به نساء ولا أطفال بل مقاتلة، فقاتلوا قتالا شديدا، وأخذت النّقوب للحصن من كلّ جانب، فطلب من فيه الأمان، فأمّنوا يوم الاثنين ثالث عشر ذى القعدة، وتسلّم السلطان الحصن بما فيه من السلاح ثمّ هدمه، وكان بناؤه من الحجر الصّلد وبين كلّ حجرين عود حديد ملزوم بالرصاص، فأقاموا فى هدمه اثنى عشر يوما وفى حصاره خمسة عشر يوما.
وفى يوم الاثنين سادس عشرين «٥» الشهر نزل الملك الظاهر على كردانة قرية قريبة من عكّا، ولبس العسكر وسار إلى عكّا وأشرف عليها، ثم عاد إلى منزله. ثمّ رحل منها يوم الثلاثاء قاصدا مصر، فدخلها يوم الخميس ثالث عشر ذى الحجّة، وكان جملة ما صرفه الملك الظاهر فى هذه السّفرة من حين خروجه من مصر إلى حين عوده إليها ما ينيف على مائة «٦» ألف دينار وثمانين ألف دينار عينا. وفى اليوم الثانى من وصوله إلى قلعة الجبل قبض على جماعة من الأمراء منهم: الأمير علم الدين سنجر
стр. 2277
الحلبىّ الكبير، الذي كان تسلطن بدمشق فى أوّل سلطنة الملك الظاهر بيبرس، والأمير جمال الدين آقوس المحمّدىّ، والأمير جمال الدين أيدغدى الحاجبىّ الناصرىّ، والأمير شمس الدين سنقر المسّاح «١» والأمير سيف الدين بيدغان «٢» الرّكنى والأمير علم الدين سنجر طرطح وغيرهم، وحبسوا الجميع بقلعة الجبل؛ وسبب ذلك أنّه بلغه أنّهم تآمروا على قبضه لمّا كان بالشّقيف، فأسّرها فى نفسه إلى وقتها. وكان بلغ الملك الظاهر وهو على حصن الأكراد أنّ صاحب قبرص خرج منها فى مراكبه إلى عكا، فأراد السلطان اغتنام خلوّها، فجّهز سبعة عشر شينيّا، فيها الرئيس ناصر الدين عمر بن منصور رئيس مصر وشهاب الدين محمد بن إبراهيم بن عبد السلام رئيس الإسكندرية، وشرف [الدين «٣» ] علوى بن أبى المجد بن علوى العسقلانى رئيس دمياط، وجمال الدين مكّى بن حسّون مقدّما على الجميع؛ فوصلوا الجزيرة ليلا، فهاجت عليهم ريح طردتهم عن المرسى، وألقت بعض الشّوانى على بعض، فتحطّم منها أكثر من أحد عشر شينيّا وأخذ من فيها من الرجال والصنّاع أسراء، وكانوا زهاء ألف وثمانمائة نفس، وسلم الرئيس ناصر الدين وابن حسّون فى الشّوانى السالمة، وعادت إلى مراكزها؛ فعظم ذلك على الملك الظاهر بيبرس إلى الغاية.
وفى يوم الاثنين سابع عشر ذى الحجّة أمر الملك الظاهر بإراقة الخمور فى سائر بلاده، وأوعد من يعصرها بالقتل، فأريق على الأجناد والعوامّ منها ما لا تحصى قيمته، وكان ضمان ذلك فى ديار مصر خاصّة ألف دينار فى كلّ يوم، وكتب بذلك توقيع قرئ على منبر مصر والقاهرة. وفى العشر الأخير من ذى الحجّة اهتمّ الملك
стр. 2278
الظاهر بإنشاء شوان عوضا عمّا ذهب على قبرص، وانتهى العمل من الشوانى فى يوم الأحد رابع عشر المحرّم سنة سبعين، وركب السلطان إلى الصّناعة «١» لإلقاء الشّوانى فى بحر النيل، وركب السلطان فى شينىّ منها ومعه الأمير بدر الدين بيليك الخازندار، فلمّا صار الشّينى فى الماء مال بمن فيه فوقع الخازندار منه إلى البحر، فنهض بعض رجال الشّينى ورمى بنفسه خلفه فأدركه وأخذ بشعره وخلّصه، وقد كاد يهلك، فخلع عليه الملك الظاهر وأحسن إليه.
وفى ليلة السبت السابع والعشرين منه خرج الملك الظاهر من الديار المصريّة إلى الشام فى نفر يسير من خواصّه وأمرائه ودخل حصن الكرك، وخرج منه وصحب معه نائبه الأمير عزّ الدين أيدمر وسار إلى دمشق، فوصل إليه يوم الجمعة ثانى عشر صفر، فعزل عنها الأمير جمال الدين آقوش النّجيبىّ، وولّى مكانه الأمير عزّ الدين أيدمر المعزول عن نيابة الكرك. ثم خرج منها إلى حماة فى سادس عشره ثم عاد منها فى السادس والعشرين.
وفيها أمر ملك التّتار أبغا بن هولاكو عساكره بقصد البلاد الشاميّة، فخرج عسكره فى عدّة عشرة آلاف فارس وعليهم الأمير صمغرا «٢» والبرواناه «٣» ، فلمّا بلغهم أنّ الملك الظاهر بالشام أرسلوا ألفا وخمسمائة من المغل ليتجسّسوا الأخبار ويغيروا
стр. 2279
على أطراف بلاد حلب، وكان مقدّمهم أمال «١» بن بيجونوين «٢» ووصلت غارتهم إلى عينتاب «٣» ثم إلى قسطون «٤» ووقعوا على تركمان نازلين بين حارم وأنطاكية فاستأصلوهم؛ فتقدّم الملك الظاهر بتجفيل البلاد ليحمل التّتار الطمع فيدخلوا فيتمكّن منهم. وبعث إلى مصر بخروج العساكر فخرجت ومقدّمها الأمير بيسرى، فوصلوا إلى السلطان فى خامس «٥» الشهر وخرج بهم فى السابع منه، فسبق إلى التّتار خبره، فولّوا على أعقابهم. وكان الظاهر لمّا مرّ بحماة استصحب معه الملك المنصور صاحب حماة، ونزل الظاهر حلب يوم الاثنين ثانى عشر شهر ربيع الآخر «٦» من سنة سبعين وستمائة وخيّم بلليدان الأخضر، ثم جهّز الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقانىّ فى عسكر وأمره أن يمضى إلى بلاد حلب الشماليّة ولا يتعرّض ببلاد صاحب سيس، وجهّز الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرىّ فى عسكر وأمره بالتوجّه إلى حرّان. فأمّا الفارقانىّ فإنه سار خلف التّتار إلى مرعش «٧» فلم يجد منهم أحدا، تم عاد إلى حلب فوجد الملك الظاهر مقيما بها، وقد أمر بإنشاء دار شمالىّ القلعة كانت تعرف بدار الأمير بكتوت، أستادار الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب واضاف إليها دارا أخرى، ووكّل بعمارتها الأمير عزّ الدين آقوش الأفرم.
ولمّا عاد الفارقانىّ إلى حلب رحل الملك الظاهر منها نحو الديار المصريّة فى ثامن عشرين شهر ربيع الآخر، ودخل مصر فى الثالث والعشرين من جمادى الأولى.
стр. 2280
ولمّا وصل الظاهر إلى مصر قبض على الأمراء الذين كانوا مجرّدين على قاقون «١» بسبب الفرنج لمّا أغاروا على الساحل ما عدا آقوش الشّمسىّ ثم شفع فيهم فأطلقهم.
وفى يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة عدّى الملك الظاهر إلى برّ الجيزة فأخبر أن ببوصير «٢» السّدر مغارة فيها مطلب، فجمع لها خلقا فحفروا مدى بعيدا، فوجدوا قطاطا ميتة وكلاب صيد وطيورا وغير ذلك من الحيوانات ملفوفا فى عصائب وخرق، فإذا حلّت اللفائف ولاقى الهواء ما كان فيها صار هباء منثورا؛ وأقام الناس ينقلون من ذلك مدّة ولم ينفد ما فيها، فأمر الملك الظاهر بتركها وعاد من الجيزة.
وفى يوم السبت سابع عشرين جمادى الآخرة ركب السلطان الملك الظاهر إلى الصّناعة «٣» ليرى الشوانى التى عملت وهى أربعون شينيّا فسرّ بها. وعند عوده إلى القلعة ولدت زرافة بقلعة الجبل [وهذا «٤» أمر لم يعهد] وأرضع ولدها لبن بقرة.
ثم سافر الملك الظاهر إلى الشام فى شعبان وسار حتى وصل الساحل وخيّم بين قيساريّة وأرسوف، وكان مركّزا بها الفارقانىّ فرحل الفارقانىّ عنها إلى مصر.
ثم إنّ الملك الظاهر شنّ الغارة على عكا، فطلب منه أهلها الصلح وتردّدوا فى ذلك حتى تقرّرت الهدنة بينهم مدّة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيّام وعشر ساعات، أوّلها ثانى عشرين شهر رمضان سنة سبعين وستمائة.
следующие страницы →