Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
وفى يوم السبت حادى عشر شوّال رحل الملك الظاهر عن مرج صافيثا، وأذن إلى صاحب حماة وصاحب حمص بالعود إلى بلادهم، وسار الظاهر حتى دخل دمشق يوم الأربعاء خامس عشر شوّال، وعزل القاضى شمس الدين أحمد بن خلّكان عن قضاء دمشق، وكانت مدّة ولايته عشر سنين، وولّى عوضه القاضى عزّ «١» الدين محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق المعروف بابن الصائغ. ثم فى يوم الجمعة رابع «٢» عشرين شوّال خرج الملك الظاهر من دمشق قاصدا القرين «٣» ، فنزل عليه يوم الاثنين سابع «٤»
عشرين الشهر، ونصب عليه المجانيق، ولم يكن به نساء ولا أطفال بل مقاتلة، فقاتلوا قتالا شديدا، وأخذت النّقوب للحصن من كلّ جانب، فطلب من فيه الأمان، فأمّنوا يوم الاثنين ثالث عشر ذى القعدة، وتسلّم السلطان الحصن بما فيه من السلاح ثمّ هدمه، وكان بناؤه من الحجر الصّلد وبين كلّ حجرين عود حديد ملزوم بالرصاص، فأقاموا فى هدمه اثنى عشر يوما وفى حصاره خمسة عشر يوما.
وفى يوم الاثنين سادس عشرين «٥» الشهر نزل الملك الظاهر على كردانة قرية قريبة من عكّا، ولبس العسكر وسار إلى عكّا وأشرف عليها، ثم عاد إلى منزله. ثمّ رحل منها يوم الثلاثاء قاصدا مصر، فدخلها يوم الخميس ثالث عشر ذى الحجّة، وكان جملة ما صرفه الملك الظاهر فى هذه السّفرة من حين خروجه من مصر إلى حين عوده إليها ما ينيف على مائة «٦» ألف دينار وثمانين ألف دينار عينا. وفى اليوم الثانى من وصوله إلى قلعة الجبل قبض على جماعة من الأمراء منهم: الأمير علم الدين سنجر
стр. 2277
الحلبىّ الكبير، الذي كان تسلطن بدمشق فى أوّل سلطنة الملك الظاهر بيبرس، والأمير جمال الدين آقوس المحمّدىّ، والأمير جمال الدين أيدغدى الحاجبىّ الناصرىّ، والأمير شمس الدين سنقر المسّاح «١» والأمير سيف الدين بيدغان «٢» الرّكنى والأمير علم الدين سنجر طرطح وغيرهم، وحبسوا الجميع بقلعة الجبل؛ وسبب ذلك أنّه بلغه أنّهم تآمروا على قبضه لمّا كان بالشّقيف، فأسّرها فى نفسه إلى وقتها. وكان بلغ الملك الظاهر وهو على حصن الأكراد أنّ صاحب قبرص خرج منها فى مراكبه إلى عكا، فأراد السلطان اغتنام خلوّها، فجّهز سبعة عشر شينيّا، فيها الرئيس ناصر الدين عمر بن منصور رئيس مصر وشهاب الدين محمد بن إبراهيم بن عبد السلام رئيس الإسكندرية، وشرف [الدين «٣» ] علوى بن أبى المجد بن علوى العسقلانى رئيس دمياط، وجمال الدين مكّى بن حسّون مقدّما على الجميع؛ فوصلوا الجزيرة ليلا، فهاجت عليهم ريح طردتهم عن المرسى، وألقت بعض الشّوانى على بعض، فتحطّم منها أكثر من أحد عشر شينيّا وأخذ من فيها من الرجال والصنّاع أسراء، وكانوا زهاء ألف وثمانمائة نفس، وسلم الرئيس ناصر الدين وابن حسّون فى الشّوانى السالمة، وعادت إلى مراكزها؛ فعظم ذلك على الملك الظاهر بيبرس إلى الغاية.
وفى يوم الاثنين سابع عشر ذى الحجّة أمر الملك الظاهر بإراقة الخمور فى سائر بلاده، وأوعد من يعصرها بالقتل، فأريق على الأجناد والعوامّ منها ما لا تحصى قيمته، وكان ضمان ذلك فى ديار مصر خاصّة ألف دينار فى كلّ يوم، وكتب بذلك توقيع قرئ على منبر مصر والقاهرة. وفى العشر الأخير من ذى الحجّة اهتمّ الملك
стр. 2278
الظاهر بإنشاء شوان عوضا عمّا ذهب على قبرص، وانتهى العمل من الشوانى فى يوم الأحد رابع عشر المحرّم سنة سبعين، وركب السلطان إلى الصّناعة «١» لإلقاء الشّوانى فى بحر النيل، وركب السلطان فى شينىّ منها ومعه الأمير بدر الدين بيليك الخازندار، فلمّا صار الشّينى فى الماء مال بمن فيه فوقع الخازندار منه إلى البحر، فنهض بعض رجال الشّينى ورمى بنفسه خلفه فأدركه وأخذ بشعره وخلّصه، وقد كاد يهلك، فخلع عليه الملك الظاهر وأحسن إليه.
وفى ليلة السبت السابع والعشرين منه خرج الملك الظاهر من الديار المصريّة إلى الشام فى نفر يسير من خواصّه وأمرائه ودخل حصن الكرك، وخرج منه وصحب معه نائبه الأمير عزّ الدين أيدمر وسار إلى دمشق، فوصل إليه يوم الجمعة ثانى عشر صفر، فعزل عنها الأمير جمال الدين آقوش النّجيبىّ، وولّى مكانه الأمير عزّ الدين أيدمر المعزول عن نيابة الكرك. ثم خرج منها إلى حماة فى سادس عشره ثم عاد منها فى السادس والعشرين.
وفيها أمر ملك التّتار أبغا بن هولاكو عساكره بقصد البلاد الشاميّة، فخرج عسكره فى عدّة عشرة آلاف فارس وعليهم الأمير صمغرا «٢» والبرواناه «٣» ، فلمّا بلغهم أنّ الملك الظاهر بالشام أرسلوا ألفا وخمسمائة من المغل ليتجسّسوا الأخبار ويغيروا
стр. 2279
على أطراف بلاد حلب، وكان مقدّمهم أمال «١» بن بيجونوين «٢» ووصلت غارتهم إلى عينتاب «٣» ثم إلى قسطون «٤» ووقعوا على تركمان نازلين بين حارم وأنطاكية فاستأصلوهم؛ فتقدّم الملك الظاهر بتجفيل البلاد ليحمل التّتار الطمع فيدخلوا فيتمكّن منهم. وبعث إلى مصر بخروج العساكر فخرجت ومقدّمها الأمير بيسرى، فوصلوا إلى السلطان فى خامس «٥» الشهر وخرج بهم فى السابع منه، فسبق إلى التّتار خبره، فولّوا على أعقابهم. وكان الظاهر لمّا مرّ بحماة استصحب معه الملك المنصور صاحب حماة، ونزل الظاهر حلب يوم الاثنين ثانى عشر شهر ربيع الآخر «٦» من سنة سبعين وستمائة وخيّم بلليدان الأخضر، ثم جهّز الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقانىّ فى عسكر وأمره أن يمضى إلى بلاد حلب الشماليّة ولا يتعرّض ببلاد صاحب سيس، وجهّز الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرىّ فى عسكر وأمره بالتوجّه إلى حرّان. فأمّا الفارقانىّ فإنه سار خلف التّتار إلى مرعش «٧» فلم يجد منهم أحدا، تم عاد إلى حلب فوجد الملك الظاهر مقيما بها، وقد أمر بإنشاء دار شمالىّ القلعة كانت تعرف بدار الأمير بكتوت، أستادار الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب واضاف إليها دارا أخرى، ووكّل بعمارتها الأمير عزّ الدين آقوش الأفرم.
ولمّا عاد الفارقانىّ إلى حلب رحل الملك الظاهر منها نحو الديار المصريّة فى ثامن عشرين شهر ربيع الآخر، ودخل مصر فى الثالث والعشرين من جمادى الأولى.
стр. 2280
ولمّا وصل الظاهر إلى مصر قبض على الأمراء الذين كانوا مجرّدين على قاقون «١» بسبب الفرنج لمّا أغاروا على الساحل ما عدا آقوش الشّمسىّ ثم شفع فيهم فأطلقهم.
وفى يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة عدّى الملك الظاهر إلى برّ الجيزة فأخبر أن ببوصير «٢» السّدر مغارة فيها مطلب، فجمع لها خلقا فحفروا مدى بعيدا، فوجدوا قطاطا ميتة وكلاب صيد وطيورا وغير ذلك من الحيوانات ملفوفا فى عصائب وخرق، فإذا حلّت اللفائف ولاقى الهواء ما كان فيها صار هباء منثورا؛ وأقام الناس ينقلون من ذلك مدّة ولم ينفد ما فيها، فأمر الملك الظاهر بتركها وعاد من الجيزة.
وفى يوم السبت سابع عشرين جمادى الآخرة ركب السلطان الملك الظاهر إلى الصّناعة «٣» ليرى الشوانى التى عملت وهى أربعون شينيّا فسرّ بها. وعند عوده إلى القلعة ولدت زرافة بقلعة الجبل [وهذا «٤» أمر لم يعهد] وأرضع ولدها لبن بقرة.
ثم سافر الملك الظاهر إلى الشام فى شعبان وسار حتى وصل الساحل وخيّم بين قيساريّة وأرسوف، وكان مركّزا بها الفارقانىّ فرحل الفارقانىّ عنها إلى مصر.
ثم إنّ الملك الظاهر شنّ الغارة على عكا، فطلب منه أهلها الصلح وتردّدوا فى ذلك حتى تقرّرت الهدنة بينهم مدّة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيّام وعشر ساعات، أوّلها ثانى عشرين شهر رمضان سنة سبعين وستمائة.
стр. 2281
ثم رحل الملك الظاهر إلى خربة اللّصوص، ثم سار منها إلى دمشق فدخلها فى الثامن من شوّال؛ وبينما هو فى دمشق تردّدت الرسل بينه وبين التّتار وانفصل الأمر من غير اتّفاق. وفى ذى الحجّة توجّه الملك الظاهر من دمشق إلى حصن الأكراد لينقل حجارة المجانيق إليها «١» ورؤية ما عمّر فيها ففعل «٢» ذلك. ثم سار إلى حصن عكّار «٣» فأشرف عليها. ثم عاد إلى دمشق فى خامس المحرّم من سنة إحدى وسبعين وستمائة، وفى ثانى عشر المحرّم المذكور أفرج «٤» الملك الظاهر عن الأمير أيبك النّجيبى الصغير، وأيدمر الحلّىّ العزيزىّ وكانا محبوسين بالقاهرة. ثم خرج الملك الظاهر من دمشق فى المحرم أيضا عائدا إلى الديار المصريّة وصحبته الأمير بدر الدين بيسرىّ والأمير آقوش الرومىّ وجرمك «٥» الناصرىّ، فوصل إليها فى يوم السبت ثالث عشرين المحرّم، فأقام بالقاهرة إلى ليلة الجمعة تاسع عشرينه، خرج من مصر وتوجّه إلى دمشق فدخل قلعتها ليلة الثلاثاء رابع صفر، فأقام بدمشق إلى خامس جمادى الأولى اتّصل به أنّ فرقة من التّتار قصدت الرّحبة، فبرز إلى القصير «٦» فبلغه أنّهم عادوا من الرّحبة ونزلوا على البيرة، فسار إلى حمص وأخذ مراكب الصيّادين على الجمال ليجوز عليها، ثم سار حتّى وصل إلى الباب من أعمال حلب،
стр. 2282
وبعث جماعة من الأجناد والعربان لكشف أخبارهم، وسار إلى منبج فعادوا وأخبروا أنّ طائفة من التّتار مقدار ثلاثة آلاف فارس على شطّ الفرات ممّا يلى الجزيرة، فرحل «١» عن منبج يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى ووصل شطّ الفرات، وتقدّم إلى العسكر بخوضها، فخاض الأمير سيف الدين قلاوون الألفىّ والأمير بدر الدين بيسرى فى أوّل الناس، ثم تبعهما هو بنفسه وتبعته العساكر، فوقعوا على التّتار فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا تقدير مائتى نفس ولم ينج منهم إلّا القليل، وتبعهم بيسزى إلى قريب «٢» سروج ثم عاد. وكان على «٣» البيرة جماعة كثيرة من عسكر التّتار، وكانوا قد أشرفوا على أخذها، فلمّا بلغهم الخبر رحلوا عن البيرة؛ ودخلها السلطان فى ثانى عشرين الشهر وخلع على نائبها وفرّق فى أهلها مائة ألف درهم، وأنعم عليهم ببعض ما تركه التّتار عندهم لمّا هربوا. ثم رحل الملك الظاهر عنها بعساكره وعاد إلى دمشق. وفى هذه النّصرة قال العلّامة شهاب «٤» الدين أبو الثناء محمود كاتب الإنشاء- ﵀ قصيدة طنانة؛ أوّلها:
سر حيث شئت لك المهيمن جار ... واحكم فطوع مرادك الأقدار
لم يبق للدين الذي أظهرته ... يا ركنه عند الأعادى ثار
لمّا تراقصت الرءوس وحرّكت ... من مطربات قسّيك الأوتار
خضت الفرات بسابح أقصى منى ... هوج الصّبا من نعله «٥» آثار
حملتك أمواج الفرات ومن رأى ... بحرا سواك تقلّه الأنهار
وتقطّعت فرقا ولم يك طودها ... إذ ذاك إلا جشك الجرّار
стр. 2283
رشّت دماؤهم الصعيد فلم يطر ... منهم على الجيش السعيد غبار
شكرت مساعيك المعاقل والورى ... والتّرب والآساد والأطيار
هذى منعت وهؤلاء حميتهم ... وسقيت تلك وعمّ ذا الإيسار
فلأملأنّ الدهر فيك مدائحا ... تبقى بقيت وتذهب الأعصار
وهى أطول من ذلك. وقال الشيخ ناصر الدين «١» حسن بن النّقيب الكنانىّ الشاعر- رحمه الله تعالى- قصيدة وكان حاضر الوقعة منها:
ولمّا ترامينا الفرات بخيلنا ... سكرناه «٢» منا بالقوى والقوائم
فأوقفت التيّار عن جريانه ... إلى حيث عدنا بالغنى والغنائم
وقال الموفّق «٣» عبد الله بن عمر الأنصارى- ﵀ وأجاد:
الملك الظاهر سلطاننا ... نفديه بالأموال والأهل
اقتحم الماء ليطفى به ... حرارة القلب من المغل
ثم توجّه الملك الظاهر إلى نحو الديار المصريّة، فخرج ولده الملك السعيد لتلقّيه فى يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الآخرة، فاجتمع به بين القصير «٤» والصالحيّة فى يوم الجمعة ثانى «٥» عشرينه، فترجلا واعتنقا طويلا؛ ثم ركبا وسارا جميعا إلى القلعة وبين يديهم أسارى التّتار ركّابا على الخيل، ثم فى سابع شهر رجب أفرج الملك الظاهر عن الأمير عز الدين أيبك الدّمياطى من الاعتقال، وكانت مدّة اعتقاله تسع سنين وعشرة أيام، ثم خلع الملك الظاهر على أمراء الدولة ومقدّمى الحلقة وأعطى،
стр. 2284
كلّ واحد منهم ما يليق به من الخيل والذهب والحوائص والثّياب والسيوف، وكان قيمة ما صرفه فيهم فوق ثلثمائة ألف دينار، وفى سادس عشرين شعبان أفرج الملك الظاهر عن الأمير علم الدين سنجر الحلبى الغتمى المعزّىّ. وفى يوم الاثنين ثانى عشر شوّال استدعى الملك الظاهر الشيخ خضرا إلى القلعة وأحضره بين يديه.
قلت: والشيخ خضر هذا هو صاحب الزاوية «١» بالحسينية بالقرب من جامع الظاهر «٢» . انتهى. وأحضر معه جماعة من الفقراء حاققوه على أشياء كثيرة منكرة، وكثر
стр. 2285
بينه وبينهم فيها المقالة ورموه بفواحش كثيرة ونسبوه إلى قبائح عظيمة؛ فرسم الملك الظاهر باعتقاله، وكان للشيخ خضر المذكور منزلة عظيمة عند الملك الظاهر بحيث إنّه كان ينزل عنده فى الجمعة المرّة والمرّتين ويباسطه ويمازحه ويقبل شفاعته ويستصحبه فى سائر سفراته، ومتى فتح مكانا أفرض له منه أوفر نصيب، فامتدّت يد الشيخ خضر بذلك فى سائر المملكة يفعل ما يختار لا يمنعه أحد من النوّاب، حتّى إنّه دخل إلى كنيسة قمامة «١» ذبح قسّيسها بيده، وانتهب ما كان فيها تلامذته، وهجم كنيسة اليهود بدمشق ونهبها، وكان فيها ما لا يعبّر من الأموال «٢» ، وعمرها مسجدا وعمل بها سماعا ومدّ بها سماطا. ودخل كنيسة الإسكندريّة وهى عظيمة عند النصارى فنهبها وصيّرها مسجدا، وسمّاها المدرسة «٣» الخضراء وأنفق فى تعميرها مالا كثيرا
стр. 2286
من بيت المال. وبنى له الملك الظاهر زاوية بالحسينية ظاهر القاهرة ووقف عليها وحبس عليها أرضا تجاورها تحتكر للبناء. وبنى لأجله جامع الحسينية.
وفى يوم الاثنين سابع المحرّم سنة اثنتين وسبعين وستمائة جلس الملك الظاهر بدار «١» العدل وحكّم بين الناس ونظر فى أمور الرعيّة، فأنصف المظلوم وخلّص الحقوق ومال على القوىّ ورفق بالضعيف. وفى العاشر منه هدمت غرفة على باب قصر من قصور الخلفاء الفاطميّين بالقاهرة، ويعرف هذا الباب بباب «٢» البحر، وهو من بناء الخليفة الحاكم بأمر الله منصور المقدّم ذكره، فوجد فى القصر الذي هدم امرأة فى صندوق منقوش عليها كتابة اسم الملك الظاهر «٣» بيبرس هذا وصفته، وبقى منها ما لم يمكن قراءته.
وفيها قبض على ملك الكرج «٤» وهو أنّه كان قد خرج من بلاده قاصدا زيارة القدس الشريف متنكّرا فى زىّ الرهبان ومعه جماعة يسيرة من خواصّه، فسلك بلاد
стр. 2287
الروم إلى سيس فركب البحر إلى عكّا، ثم خرج منها إلى بيت المقدس فاطّلع الأمير بدر الدين الخازندار على أمره وهو على يافا، فبعث إليه من قبض عليه، فلمّا حضر بين يديه بعثه مع الأمير ركن الدين منكورس إلى السلطان؛ وكان السلطان قد توجّه إلى دمشق فوصل إلى دمشق فى رابع عشر جمادى الأولى، فأقبل عليه السلطان وسأله حتى اعترف، فحبسه فى برج من أبراج قلعة دمشق، وأمره أن يبعث من جهته إلى بلاده من يعرّفهم بأسره، فبعث نفرين. وخرج الملك الظاهر من دمشق ثالث عشرين جمادى الآخرة، وقدم القاهرة يوم الخميس «١» سابع شهر رجب من سنة اثنتين وسبعين المذكورة. ثم فى يوم الخميس خامس عشرين شهر رمضان أمر السلطان العسكر أن يركب بالزينة الفاخرة ويلعب فى الميدان تحت القلعة، فاستمرّ ذلك كلّ يوم إلى يوم عيد الفطر ختن السلطان الملك الظاهر ولده خضرا ومعه جماعة من أولاد الأمراء وغيرهم، وكان الملك السعيد ابن الملك الظاهر فى يوم الأربعاء سابع «٢» عشر شهر رمضان خرج من القاهرة وتوجّه إلى دمشق ومعه شمس الدين آقسنقر الفارقانىّ وأربعون نفرا من خواصّه على خيل البريد، وعاد إلى القاهرة فى يوم الخميس الرابع والعشرين من شوّال.
وفى يوم الأحد سابع صفر من سنة ثلاث وسبعين وستمائة ركب الملك الظاهر الهجن وتوجّه إلى الكرك ومعه بيسرى وأتامش السّعدى، وسبب توجّهه أن وقع بالكرك برج فأحبّ أن يكون إصلاحه بحضوره. ثم عاد إلى مصر فدخلها فى يوم الثلاثاء ثانى عشرين شهر ربيع الأوّل، فأقام بها مدّة يسيرة. ثم توجّه إلى دمشق وأقام به إلى أن أرسل فى رابع «٣» عشرين المحرّم سنة أربع وسبعين وستمائة الأمير
стр. 2288
بدر الدين بيليك الخازندار على البريد إلى مصر لإحضار الملك السعيد، فعاد به إلى دمشق فى يوم الأربعاء سادس صفر من السنة. وفى الثالث والعشرين من جمادى الأولى فتح حصن القصير «١» وهو بين حارم وأنطاكية، وكان فيه قسّيس عظيم عند الفرنج يقصدونه للتبرّك به، وكان الملك الظاهر قد أمر التّركمان وبعض العرب بمحاصرته، وبعد أخذه عاد الملك الظاهر إلى مصر فلم تطل مدّته به وعاد إلى دمشق، فدخله يوم ثالث المحرّم من سنة خمس وسبعين، فأقام به مدة يسيرة أيضا، وعاد إلى الديار المصريّة فى يوم الاثنين ثالث شهر ربيع «٢» الآخر؛ وأمر بعمل عرس ولده الملك السعيد، واهتمّ فى ذلك إلى يوم الخميس خامس جمادى الأولى أمر العسكر بالركوب إلى الميدان «٣» الأسود تحت القلعة فى أحسن زىّ، وأقاموا يركبون كلّ يوم كذلك ويتراكضون فى الميدان، والناس تزدحم للفرجة عليهم خمسة أيام، وفى اليوم السادس افترق الجيش فرقتين، وحملت كلّ فرقة على الأخرى وجرى من اللعب والزينة ما لا يوصف، وفى اليوم السابع خلع على سائر الأمراء والوزراء والقضاة والكتّاب والأطباء مقدار ألف وثلثمائة خلعة، وأرسل
стр. 2289
إلى دمشق الخلع ففرقت كذلك، وفى يوم الخميس مدّ السّماط فى الميدان المذكور فى أربعة خيم، وحضر السّماط من علا ومن دنا، ورسل التتار ورسل الفرنج، وعليهم الخلع أيضا، وجلس السلطان فى صدر الخيمة على تخت من آبنوس وعاج مصفّح بالذهب مسمّر بالفضّة غرم عليه ألف دينار؛ ولمّا انقضى السّماط قدّم الأمراء الهدايا من الخيل والسلاح والتّحف وسائر الملابس، فلم يقبل السلطان من أحد منهم سوى ثوب واحد جبرا له؛ فلمّا كان وقت العصر ركب إلى القلعة وأخذ فى تجهيز ما يليق بالزّفاف والدخول، ولم يمكّن أحد من نساء الأمراء على الإطلاق من الدخول إلى البيوت، ودخل الملك السعيد إلى الحمّام ثم دخل إلى بيته الذي هيّى له بأهله، وحملت العروس فدخل عليها. ولمّا بلغ الملك المنصور «١» صاحب حماة ذلك قدم القاهرة مهنّئا للسلطان ومعه هديّة سنيّة، فوصل القاهرة فى ثامن جمادى الآخرة، فركب الملك السعيد لتلقّيه ونزل بالكبش «٢» ، وأقام مدّة يسيرة ثم عاد إلى بلده.
ثم خرج الملك الظاهر بعد ذلك من القاهرة فى يوم الخميس العشرين من شهر رمضان بعد أن استناب الأمير آق سنقر الفارقانىّ الأستادار نائبا عنه فى خدمة ولده الملك السعيد، وترك معه من العسكر بالديار المصريّة لحفظ البلاد خمسة آلاف فارس، ورحل من المنزلة يوم السبت ثانى عشر شوّال قاصدا بلاد الروم فدخل دمشق ثم خرج منها ودخل حلب يوم الأربعاء مستهلّ ذى القعدة، وخرج منها
стр. 2290
يوم الخميس إلى حيلان «١» ، فترك بها بعض الثّقل، وأمر الأمير نور الدين «٢» علىّ بن جبل مجلىّ نائب حلب أن يتوجّه إلى الساجور «٣» ويقيم على الفرات بمن معه من عسكر حلب ويحفظ معابر الفرات لئلا يعبر منها أحد من التّتار قاصدا الشام، ووصل إلى «٤» الأمير نور الدين الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا وأقام عنده، فبلغ نوّاب التّتار ذلك فجهّزوا إليهم جماعة من عرب خفاجة «٥» لكبسهم فحشدوا وتوجّهوا نحوهم. فاتّصل بالأمير علىّ نائب حلب الخبر وكان يقظا، فركب إليهم والتقاهم وكسرهم أقبح كسرة، وأخذ منهم ألفا ومائتى جمل.
وأمّا الملك الظاهر فإنّه ركب من حيلان يوم الجمعة ثالث الشهر، وسار إلى عينتاب، ثم إلى دلوك «٦» ، ثم إلى منزلة «٧» أخرى ثم إلى كينوك «٨» ، ثم إلى كك صو (ومعناه الماء «٩» الأزرق باللّغة التركيّة) . ثم رحل «١٠» عنه إلى أقجادر بند فقطعه فى نصف نهار؛
стр. 2291
فلمّا خرجت عساكره وملكت المفاوز، قدّم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر على جماعة من العسكر وأمره بالمسير بين يديه، فوقع على كتيبة التّتار وعدّتهم ثلاثة آلاف فارس، ومقدّمهم كراى فهزمهم سنقر الأشقر وأسر منهم طائفة، وذلك فى يوم الخميس تاسع ذى القعدة.
ثم ورد الخبر على الملك الظاهر بأنّ عسكر الروم والتّتار مع البرواناه اجتمعوا على نهر جيحان «١» ، فلمّا صعد العسكر الجبل أشرف على صحراء «٢» أبلستين فشاهد التّتار قد رتّبوا عساكرهم أحد عشر طلبا فى كلّ طلب ألف فارس، وعزلوا عسكر الروم عنهم خوفا من باطن يكون لهم مع المسلمين، وجعلوا عسكر الكرج طلبا واحدا؛ فلمّا تراءى الجمعان حملت ميسرة التّتار حملة واحدة وصدموا سنجق الملك الظاهر، ودخلت طائفة منهم بينهم، وشقّوا الميسرة وساقوا إلى الميمنة؛ فلمّا رأى الملك الظاهر ذلك أردفهم بنفسه، ثم لاحت منه التفاتة فرأى الميسرة قد أتت عليها ميمنة التّتار، فأمر الملك الظاهر جماعة من أصحابه الشّجعان بإردافها، ثم حمل هو بنفسه- ﵀ فلمّا رأته العساكر حملت نحوه برمّتها حملة رجل واحد، فترجّل التّتار عن خيولهم وقاتلوا قتال الموت فلم يغن عنهم ذلك شيئا، وصبر لهم الملك الظاهر وعسكره وهو يكرّ فى القوم كالأسد الضّارى ويقتحم الأهوال بنفسه ويشجّع أصحابه ويطيّب لهم الموت فى الجهاد إلى أن أنزل الله تعالى نصره عليه، وانكسر التّتار أقبح كسرة وقتلوا وأسروا وفرّ من نجا منهم، فاعتصموا بالجبال فقصدتهم العساكر الإسلاميّة وأحاطوا بهم، فترجّلوا عن خيولهم وقاتلوا فقتل منهم جماعة كثيرة، وقتل
стр. 2292
ممّن قاتلهم من عساكر المسلمين الأمير ضياء الدين [محمود «١» ] بن الخطير، وكان من الشّجعان الفرسان، والأمير شرف «٢» الدين قيران العلائىّ، والأمير عزّ الدين أخو المحمّدىّ «٣» ، وسيف الدين قفجاق «٤» الجاشنكير، والأمير [عز الدين «٥» ] أيبك الشّقيفىّ- رحمهم الله تعالى وأسكنهم الجنّة-. وأسر من كبار الروميّين مهذّب «٦» الدين ابن معين الدين البرواناه، وابن بنت معين الدين المذكور، والأمير نور «٧» الدين جبريل [بن جاجا] ، والأمير قطب الدين محمود أخو مجد الدين الأتابك، والأمير سراج الدين إسماعيل [بن «٨» جاجا] ، والأمير سيف الدين سنقر «٩» جاه الزّوباشىّ، والأمير نصرة الدين بهمن أخو تاج الدين كيوى (يعنى الصهر) صاحب سيواس «١٠» ، والأمير كمال الدين إسماعيل عارض الجيش، والأمير حسام الدين كاوك «١١» ، والأمير سيف الدين بن الجاويش «١٢» ، والأمير شهاب الدين غازى بن على شير التّركمانى،
стр. 2293
فوبّخهم السلطان الملك الظاهر من كونهم قاتلوه فى مساعدة التتار الكفرة، ثم سلّمهم لمن احتفظ بهم. وأسر من مقدّمى التّتار على الألوف والمئين بركة «١» صهر أبغا بن هولاكو ملك التّتار، وسرطق، وخيز كدوس «٢» وسركده «٣» وتماديه «٤» . ولمّا أسر من أسر وقتل من قتل نجا البرواناه وساق حتّى دخل قيصريّة «٥» يوم الأحد ثانى عشر ذى القعدة «٦» واجتمع بالسلطان غياث الدين، والصاحب فخر الدين، والأتابك مجد الدين، والأمير جلال الدين المستوفى، والأمير بدر الدين ميكائيل النائب فأخبرهم بالكسرة، وقال لهم: إنّ التّتار المنهزمين متى دخلوا قيصريّة فتكوا «٧» بمن فيها حنقا على المسلمين، وأشار عليهم بالخروج منها فخرج السلطان غياث الدين بأهله وماله إلى توقات «٨» وبينها وبين قيصريّة أربعة أيام. وعملت شعراء الإسلام فى هذه الوقعة عدّة قصائد ومدائح، من ذلك ما قاله العلّامة شهاب الدين أبو الثناء محمود كاتب الدّرج قصيدته التى أوّلها:
كذا فلتكن فى الله تمضى «٩» العزائم ... وإلّا فلا تجفو الجفون الصّوارم
стр. 2294
عزائم حاذتها الرياح فأصبحت ... مخلّفة تبكى عليها الغمائم
سرت من حمى مصر إلى الروم فاحتوت ... عليه [و «١» ] سوراه الظّبا واللهاذم
بجيش تظلّ الأرض منه كأنّها ... على سعة الأرجاء فى الضّيق خاتم
كتائب كالبحر الخضمّ جيادها ... إذا ما تهادت موجه المتلاطم
تحيط بمنصور اللّواء مظفّر ... له النّصر والتأبيد عبد وخادم
مليك يلوذ الدين من عزمايه ... بركن له الفتح المبين دعائم
مليك لأبكار الأقاليم نحوه ... حنين كذا تهوى الكرام الكرائم
فكم وطئت طوعا وكرها جياده ... معاقل قرطاها «٢» السّها والنعائم
مليك به للدين فى كلّ ساعة ... بسائر للكفّار منها مآتم
جلاحين أقذى «٣» [ناظر] الكفر للهدى ... ثغورا بكى الشيطان وهى بواسم
إذا رام شيئا لم يعقه لبعدها ... وشقّتها عنه الإكام الطّواسم
فلو نازع النّسرين أمرا لناله ... وذا واقع عجزا وذا بعد حائم
ولمّا رمى الروم المنيع بخيله ... ومن دونه سدّ من الصخر عاصم
يروم عقاب الجوّ قطع عقابه ... إليه فلا تقوى عليها القوادم
ومنها:
وسالت عليهم «٤» أرضهم بمواكب ... لها النّصر طوع والزمان مسالم
أدارت بهم سورا منيعا مشرّفا ... بسمر العوالى ما له الدهر هادم
стр. 2295
من التّرك أمّا فى المغانى فإنّهم ... شموس وأما فى الوغى فضراغم
غدا ظاهرا بالظاهر النصر فيهم ... تبيد الليالى والعدا وهو دائم
فأهووا إلى لئم الأسنّة فى الوغى ... كأنّهم العشّاق وهى المباسم
وصافحت البيض الصّفاح رقابهم ... وعانقت السّمر القدود النواعم
فكم حاكم منهم على ألف دارع ... غدا حاسرا والرمح [فى «١» ] فيه حاكم
وكم ملك منهم رأى وهو موثق ... خزائن ما يحويه وهى غنائم
ومنها:
فلا زلت منصور اللّواء مؤيّدا ... على الكفر ما ناحت وأبكت حمائم
ثم جرّد الملك الظاهر الأمير سنقر الأشقر لإدراك ما فات من التّرك «٢» والتوجّه إلى قيصريّة، وكتب معه كتابا بتأمين أهلها وإخراج الأسواق والتعامل بالدراهم الظاهريّة. ثم رحل الملك الظاهر بكرة السبت حادى عشر ذى القعدة قاصدا قيصريّة، فمرّ فى طريقه بقرية أهل الكهف «٣» ثم إلى قلعة سمندو «٤» فنزل إليه واليها مذعنا للطاعة، ثم سار إلى قلعة درندة «٥» وقلعة فالو «٦» ففعل متولّيها كذلك، ثم نزل بقرية من قرى قيصريّة فبات بها، فلمّا أصبح رتّب عساكره وخرج أهل
стр. 2296
قيصريّة بأجمعهم مستبشرين بلقائه، وكانوا لنزوله نصبوا الخيام بوطاة «١» ، فلمّا قرب الظاهر منها ترجّل وجوه الناس على طبقاتهم ومشوا بين يديه إلى أن وصلها.
فلمّا كان يوم الجمعة سابع عشر الشهر ركب السلطان للجمعة، فدخل قيصريّة ونزل دار السلطنة وجلس على التّخت وحضر بين يديه القضاة والفقهاء والصوفيّة والقرّاء وجلسوا فى مراتبهم على عادة ملوك السّلجوقيّة، فأقبل عليهم السلطان ومدّ لهم سماطا فأكلوا وانصرفوا، ثمّ حضر الجمعة بالجامع وخطب له، وحضّر بين يديه الدراهم التى ضربت له باسمه. وكتب إليه البرواناه يهنّئه بالجلوس على تخت الملك بقيصريّة، فكتب الملك الظاهر إليه بعوده ليولّيه مكانه، فكتب إليه يسأله أن ينتظره خمسة عشر يوما، وكان مراد البرواناه أن يصل أبغا ويحثّه على المسير ليدرك الملك الظاهر بالبلاد، فاجتمع تتاوون «٢» بالأمير شمس الدين سنقر الأشقر وعرّفه مكر البرواناه فى ذلك، فكان ذلك سببا لرحيل الملك الظاهر عن قيصريّة مع ما انضاف إلى ذلك من قلق العساكر؛ فرحل يوم الاثنين، وكان على اليزك «٣» عزّ الدين أيبك الشّيخىّ، وكان الملك الظاهر ضربه بسبب سبقه الناس فغضب وهرب إلى التّتار.
وكان أولاد قرمان «٤» قد رهنوا أخاهم الصغير علىّ بك بقيصريّة، فأخرجه الملك الظاهر وأنعم عليه، وسأل السلطان فى تواقيع وسناجق له ولإخوته فأعطاه، وتوجّه نحو إخوته بجبل لارندة «٥» .
стр. 2297
وعاد السلطان وأخذ فى عوده أيضا عدّة بلاد إلى أن وصل مكان المعركة يوم السبت، فرأى القتلى، فسأل عن عدّتهم فأخبر أنّ المغل خاصّة ستة آلاف وسبعمائة وسبعون نفسا؛ ثم رحل حتّى وصل أقجا دربند «١» ، بعث الخزائن والدّهليز والسناجق صحبة الأمير بدر الدين بيليك الخازندار ليعبر بها الدّربند، وأقام السلطان فى ساقة العسكر بقيّة اليوم ويوم الأحد، ورحل يوم الاثنين فدخل الدّربند.
ثم سار إلى أن وصل دمشق فى سابع المحرّم سنة ست وسبعين وستمائة، ونزل بالجوسق المعروف بالقصر «٢» الأبلق جوار الميدان الأخضر وتواترت عليه الأخبار بوصول أبغا ملك التّتار إلى مكان الوقعة، فجمع السلطان الأمراء وضرب مشورة، فوقع الاتفاق على الخروج من دمشق بالعساكر وتلقّيه حيث كان، فأمر الملك الظاهر بضرب الدّهليز على القصير، وفى أثناء ذلك وصل رجل من التّركمان وأخبر أنّ أبغا عاد إلى بلاده هاربا خائفا؛ ثمّ وصل الأمير سابق الدين بيسرى أمير مجلس الملك الناصر صلاح الدين، وهو غير بيسرى الكبير، وأخبر بمثل ما أخبر التركمانىّ، فعند ذلك أمر الملك الظاهر بردّ الدّهليز إلى الشام. وكان عود أبغا من ألطاف الله تعالى بالمسلمين، فإنّ الملك الظاهر فى يوم الجمعة نصف المحرّم من سنة ست وسبعين ابتدأ به مرض الموت.
стр. 2298
ذكر مرض الملك الظاهر ووفاته
لمّا كان يوم الخميس رابع عشر المحرّم سنة ستّ وسبعين وستمائة جلس الملك الظاهر بالجوسق الأبلق بميدان دمشق يشرب القمزّ «١» وبات على هذه الحالة، فلمّا كان يوم الجمعة خامس عشره وجد فى نفسه فتورا وتوعّكا فشكا ذلك إلى الأمير شمس الدين «٢» سنقر الألفىّ السلحدار فأشار عليه بالقىء، فاستدعاه فاستعصى عليه القىء، فلمّا كان بعد صلاة الجمعة ركب من الجوسق إلى الميدان على عادته، والألم مع ذلك يقوى عليه، وعند الغروب عاد إلى الجوسق. فلمّا أصبح اشتكى حرارة فى باطنه فصنع له بعض خواصّه دواء، ولم يكن عن رأى طبيب فلم ينجع وتضاعف ألمه، فأحضر الأطبّاء فأنكروا استعماله الدواء، وأجمعوا على استعمال دواء مسهل فسقوه فلم ينجع، فحرّكوه بدواء آخر كان سبب الإفراط فى الإسهال ودفع دما، فتضاعفت حمّاه وضعفت قواه، فتخيّل خواصّه أنّ كبده يتقطّع وأنّ ذلك عن سمّ سقيه فعولج بالجوهر، وأخذ أمره فى انحطاط، وجهده المرض وتزايد به إلى أن قضى نحبه يوم الخميس بعد صلاة الظهر الثامن والعشرين «٣» من المحرّم، فاتّفق رأى الأمراء على إخفائه وحمله إلى القلعة لئلّا تشعر العامّة بوفاته، ومنعوا من هو داخل من المماليك من الخروج ومن هو خارج منهم من الدخول. فلمّا كان آخر الليل حمله من كبار الأمراء سيف الدين قلاوون الألفىّ وشمس الدين سنقر الأشقر، وبدر الدين بيسرى، وبدر الدين بيليك الخازندار، وعزّ الدين آقوس الأفرم،
стр. 2299
وعزّ الدين أيبك الحموى، وشمس الدين سنقر الألفىّ الظاهرى، وعلم الدّين سنجر الحموىّ أبو خرص، وجماعة من أكابر خواصّه. وتولّى غسله وتحنيطه وتصبيره وتكفينه مهتاره «١» الشّجاع عنبر، والفقيه كمال الدين الإسكندرى المعروف بابن المنبجىّ «٢» ، والأمير عز الدين الأفرم؛ ثم جعل فى تابوت وعلّق فى بيت من بيوت البحريّة بقلعة دمشق إلى أن حصل الاتّفاق على موضع دفنه. ثم كتب الأمير بدر الدين بيليك الخازندار إلى ولده الملك السعيد مطالعة بيده وسيّرها إلى مصر على يد بدر الدين بكتوت الجوكندارىّ الحموىّ، وعلاء الدين أيدغمش الحكيمىّ الجاشنكير، فلمّا وصلا وأوصلاه المطالعة خلع عليهما وأعطى كلّ واحد منهما خمسين ألف درهم، على أنّ ذلك بشارة بعود السلطان إلى الديار المصريّة. ولمّا كان يوم السبت ركب الأمراء إلى سوق الخيل بدمشق على عادتهم ولم يظهروا شيئا من زىّ الحزن. وكان أوصى أن يدفن على الطريق السالكة قريبا من داريّا «٣» وأن يبنى عليه هناك، فرأى ولده الملك السعيد أن يدفنه داخل السور، فابتاع دار العقيقىّ بثمانية «٤» وأربعين ألف درهم نقرة «٥» ، وأمر أن تغيّر معالمها وتبنى مدرسة [للشافعية «٦» والحنفية] : انتهى.
وأمّا الملك السعيد فإنّه جهّز الأمير علم الدين سنجر الحموى المعروف بأبى خرص، والطواشى صفىّ الدين جوهر الهندىّ إلى دمشق لدفن والده الملك الظاهر، فلمّا وصلاها اجتمعا بالأمير عز الدين أيدمر نائب السلطنة بدمشق، وعرّفاه المرسوم
стр. 2300
فبادر إليه، وحمل الملك الظاهر من القلعة إلى التّربة ليلا على أعناق الرجال، ودفن بها ليلة الجمعة خامس شهر رجب الفرد، وكان قد ظهر موته بدمشق فى يوم السبت رابع عشر صفر، وشرع العمل فى أعزيته بالبلاد الشاميّة والديار المصريّة.
قال الأمير بيبرس «١» الدّوادار فى تاريخه- وهو أعرف بأحواله من غيره- قال: وكان القمر قد كسف كسوفا كاملا أظلم له الجوّ وتأوّل ذلك المتأولّون بموت رجل جليل القدر؛ فقيل: إنّ الملك الظاهر لمّا بلغه ذلك حذر على نفسه وخاف وقصد أن يصرف التأويل إلى غيره لعلّه يسلم من شرّه، وكان بدمشق شخص من أولاد الملوك الأيّوبيّة، وهو الملك القاهر بهاء الدين عبد الملك ابن السلطان الملك المعظّم عيسى ابن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيّوب، فأراد الظاهر، على ما قيل، اغتياله بالسمّ، فأحضره فى مجلس شرابه فأمر الساقى أن يسقيه قمزّا ممزوجا، فيما يقال، بسمّ، فسقاه الساقى تلك الكأس فأحسّ به وخرج من وقته، ثم غلط الساقى وملأ الكأس المذكورة وفيها أثر السمّ، ووقعت الكأس فى يد الملك الظاهر فشربه، فكان من أمره ما كان. انتهى كلام بيبرس الدّوادار باختصار.
قلت: وهذا القول مشهور وأظنّه هو الأصحّ فى علّة موته، والله أعلم.
وكانت مدّة ملكه تسع عشرة سنة وشهرين ونصفا، وملك بعده ابنه الملك السعيد ناصر الدين محمد المعروف ببركة خان؛ وكان تسلطن فى حياته من مدّة سنين حسب ما تقدّم ذكره.
وكان الملك الظاهر ﵀ ملكا شجاعا مقداما غازيا مجاهدا مرابطا خليقا بالملك خفيف الوطأة سريع الحركة يباشر الحروب بنفسه.
стр. 2301
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبىّ فى تاريخه بعد ما أثنى عليه: «وكان خليقا بالملك لولا ما كان فيه من الظّلم، والله يرحمه ويغفر له، فإنّ له أياما بيضا فى الإسلام ومواقف مشهورة وفتوحات معدودة» . انتهى كلام الذهبى باختصار.
وقال الشيخ قطب الدين اليونينىّ فى الذّيل على مرآة الزمان فى موت «١» الملك الظاهر هذا نوعا ممّا قاله الأمير بيبرس الدّاوادار لكنّه زاد أمورا نحكيها، قال:
حكى لى ابن شيخ «٢» السلامية عن الأمير أزدمر العلائىّ نائب السلطنة بقلعة صفد قال: كان الملك الظاهر مولعا بالنجوم وما يقوله أرباب التقاويم، كثير البحث عن ذلك، فأخبر أنّه يموت فى سنة ستّ وسبعين ملك بالسمّ، فحصل عنده من ذلك أثر كبير، وكان عنده حسد شديد لمن يوصف بالشجاعة، واتّفق أنّ الملك القاهر عبد الملك بن المعظّم عيسى الآتى ذكره لمّا دخل مع الملك الظاهر إلى الروم، وكان يوم المصافّ، فدام الملك القاهر فى القتال فتأثّر الظاهر منه، ثم انضاف إلى ذلك أنّ الملك الظاهر حصل منه فى ذلك اليوم فتور على خلاف العادة، وظهر عليه الخوف والنّدم على تورّطه فى بلاد الروم، فحدّثه الملك القاهر عبد الملك المذكور بما فيه نوع من الإنكار عليه والتّقبيح لأفعاله، فأثّر «٣» ذلك عنده أثرا آخر.
فلمّا عاد الظاهر من غزوته سمع الناس يلهجون بما فعله الملك القاهر، فزاد على ما فى نفسه وحقد عليه، فخيّل فى ذهنه أنّه إذا سمّه كان هو الذي ذكره أرباب النجوم، فأحضره عنده ليشرب القمزّ معه، وجعل الذي أعدّه له من السمّ فى ورقة
стр. 2302
فى جيبه من غير أن يطّلع على ذلك أحد، وكان للسلطان هنّا بات «١» ثلاثة مختصّة به مع ثلاثة سقاة لا يشرب فيها إلّا من يكرمه السلطان، فأخذ الملك الظاهر الكأس بيده وجعل فيه ما فى الورقة خفية، وأسقاه للملك القاهر وقام الملك الظاهر إلى الخلاء وعاد، فنسى الساقى وأسقى الملك الظاهر فيه وفيه بقايا السمّ. انتهى كلام قطب الدين.
وخلّف الملك الظاهر من الأولاد: الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة خان.
ومولده فى صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة بضواحى مصر، وأمّه بنت الأمير حسام الدين بركة خان بن دولة خان الخوارزمىّ. والملك [نجم الدين «٢» ] خضرا، أمّه أم ولد. والملك بدر الدين سلامش. وولد له من البنات سبع. وأما زوجاته فأمّ الملك السعيد بنت بركة خان، وبنت الأمير سيف الدين نوكاى «٣» التّتارىّ، وبنت الأمير سيف الدين كراى التّتارىّ، وبنت الأمير سيف نوغاى التّتارىّ، وشهرزوريّة تزوّجها لمّا قدم غزّة وحالف الشّهرزوريّة قبل سلطنته، فلما تسلطن طلّقها.
وأمّا وزراؤه- لمّا تولى السلطنة استمرّ زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع بن الزّبير، ثم صرفه واستوزر الصاحب بهاء الدّين علىّ بن محمد بن سليم بن حنّا. وكان للملك الظاهر أربعة آلاف مملوك مشتريات أمراء وخاصّكيّة «٤» وأصحاب وظائف.
стр. 2303
وأمّا سيرته وأحكامه وشرف نفسه حكى: أنّ الأشرف صاحب حمص كتب إليه يستأذنه فى الحجّ، وفى ضمن الكتاب شهادة عليه أنّ جميع ما يملكه انتقل عنه إلى الملك الظاهر، فلم يأذن له الملك الظاهر فى تلك السنة غضبا منه لكونه كتب ذلك، واتّفق أنّ الأشرف مات بعد ذلك فتسلّم الملك الظاهر حصونه التى كانت بيده ولم يتعرّض للتركة، ومكّن ورثته من الموجود والأملاك، وكان شيئا كثيرا إلى الغاية، ودفع الملك الظاهر إليهم الشهادة وقد تجنّبوا التّركة لعلمهم بالشهادة.
ومنها أن شعرا «١» بانياس وهى إقليم يشتمل على أرض «٢» كثيرة عاطلة بحكم استيلاء الفرنج على صفد، فلمّا افتتح صفد أفتاه بعض العلماء باستحقاق الشعرا فلم يرجع إلى الفتيا، وتقدّم أمره أنّ من كان له فيها ملك قديم فليتسلّمه.
وأمّا صدقاته فكان يتصدّق فى كلّ سنة بعشرة آلاف إردب قمح فى الفقراء والمساكين وأرباب الزوايا، وكان يرتّب لأيتام الأجناد ما يقوم بهم على كثرتهم، ووقف وقفا على تكفين أموات الغرباء بالقاهرة ومصر، ووقفا ليشترى به خبز ويفرّق فى فقراء المسلمين، وأصلح قبر خالد بن الوليد- رضى الله عنه- بحمص، ووقف وقفا على من هو راتب فيه من إمام ومؤذّن وغير ذلك، ووقف على قبر أبى عبيدة بن الجرّاح- رضى الله عنه- وقفا مثل ذلك، وأجرى على أهل الحرمين والحجاز وأهل بدر وغيرهم ما كان انقطع فى أيّام غيره من الملوك.
стр. 2304
وأمّا عمائره: المدارس والجوامع والأسبلة والأربطة فكثيرة، وغالبها معروفة به، وكان يخرج كلّ سنة جملة مستكثرة يستفكّ بها من حبسه القاضى من المقلّين، وكان يرتّب فى أوّل شهر رمضان بمصر والقاهرة مطابخ لأنواع الأطعمة، وتفرّق على الفقراء والمساكين.
وأمّا حرمته ومهابته، منها: أنّ يهوديا دفن بقلعة جعبر عند قصد التّتار لها مصاغا وذهبا وهرب بأهله إلى الشام واستوطن حماة، فلمّا أمن كتب إلى صاحب حماة يعرّفه ويسأله أن يسيّر معه من يحفظه ليأخذ خبيئته ويدفع لبيت المال نصفه، فطالع صاحب حماة الملك الظاهر بذلك، فردّ عليه الجواب أنّه يوجّهه مع رجلين ليقضى حاجته؛ فلّما توجهوا مع اليهودىّ ووصلوا إلى الفرات امتنع من كان معه من العبور فعبر اليهودىّ وحده، فلمّا وصل وأخذ فى الحفر هو وابنه وإذا بطائفة من العرب على رأسه، فسألوه عن حاله فأخبرهم، فأرادوا قتله وأخذ المال، فأخرج لهم كتاب الملك الظاهر مطلقا إلى من عساه يقف عليه، فلمّا رأوا المرسوم كفّوا عنه وساعدوه حتّى استخلص ماله. ثم توجّهوا به إلى حماة وسلّموه إلى صاحب حماة، وأخذوا خطّه بذلك.
ومنها: أنّ جماعة من التّجّار خرجوا من بلاد العجم قاصدين مصر، فلمّا مرّوا بسيس منعهم صاحبها من العبور، وكتب إلى أبغا ملك التّتار، فأمره أبغا بالحوطة عليهم وإرسالهم إليه، وبلغ الملك الظاهر خبرهم، فكتب إلى نائب حلب بأن يكتب إلى نائب سيس، إن هو تعرّض لهم بشىء يساوى درهما واحدا أخذت «١» عوضه مرارا، فكتب إليه نائب حلب بذلك فأطلقهم، وصانع أبغا بن هولاكو
стр. 2305
على ذلك بأموال جليلة حتّى لا يخالف مرسوم الظاهر، وهو تحت حكم غيره لا تحت حكم الظاهر.
ومنها: أن تواقيعه التى كانت بأيدى التّجار المتردّدين إلى بلاد القبجاق [بإعفائهم «١» من الصادر والوارد] كان يعمل بها حيث حلّوا من مملكة بركة خان ومنكوتمر وبلاد فارس وكرمان.
ومنها: أنّه أعطى بعض التّجّار مالا ليشترى به مماليك وجوارى من التّرك فشرهت نفس التاجر فى المال فدخل به قراقوم «٢» من بلاد التّرك واستوطنها، فوقع الملك الظاهر على خبره، فبعث إلى منكوتمر فى أمره فأحضروه إليه تحت الحوطة إلى مصر. وله أشياء كثيرة من ذلك.
وكان الملك الظاهر يحبّ أن يطّلع على أحوال أمرائه وأعيان دولته حتى لم يخف عليه من أحوالهم شىء. وكان يقرّب أرباب الكمالات من كلّ فنّ وعلم. وكان يميل إلى التاريخ وأهله ميلا زائدا ويقول: سماع التاريخ أعظم من التجارب.
وكانت ترد عليه الأخبار وهو بالقاهرة بحركة العدوّ، فيأمر العسكر بالخروج وهم زيادة على ثلاثين ألف فارس، فلا يبيت منهم فارس فى بيته، وإذا خرج من القاهرة لا يمكّن من العود «٣» إليها ثانيا.
قلت: كان الملك الظاهر- ﵀ يسير على قاعدة ملوك التّتار وغالب أحكام چنكز خان من أمر «اليسق والتّورا» ، واليسق: هو الترتيب، والتّورا:
стр. 2306
المذهب باللغة التركية؛ وأصل لفظة اليسق: سى يسا، وهى لفظة مركبة من كلمتين صدر الكلمة: سى بالعجمى، وعجزها يسا بالتركىّ، لأنّ سى بالعجمى ثلاثة، ويسا بالمغلىّ الترتيب، فكأنّه قال: التراتيب الثلاثة. وسبب هذه الكلمة أنّ چنكز خان ملك المغل كان قسّم ممالكه فى أولاده الثلاثة، وجعلها ثلاثة أقسام، وأوصاهم بوصايا لم يخرجوا عنها التّرك إلى يومنا هذا، مع كثرتهم واختلاف أديانهم، فصاروا يقولون: سى يسا (يعنى التراتيب الثلاثة التى رتّبها چنكز خان) ، وقد أوضحنا هذا فى غير هذا الكتاب «١» بأوسع من هذا. انتهى. فصارت التّرك يقولون: «سى يسا» فثقل ذلك على العامّة فحرّفوها على عادة تحاريفهم، وقالوا: سياسة. ثم إنّ الترك أيضا حذفوا صدر الكلمة، فقالوا: يسا مدّة طويلة، ثم قالوا: يسق، واستمرّ ذلك إلى يومنا هذا. انتهى.
قلت: والملك الظاهر هذا هو الذي ابتدأ فى دولته بأرباب الوظائف من الأمراء والأجناد، وإن كان بعضها قبله فلم تكن على هذه الصّيغة أبدا؛ وأمثّل لذلك مثلا فيقاس عليه، وهو أنّ الدّوادار كان قديما لا يباشره إلا متعمّم يحمل الدّواة ويحفظها. وأمير مجلس «٢» هو الذي كان يحرس مجلس قعود السلطان وفرشه.
والحاجب «٣» هو البوّاب الآن، لكونه يحجب الناس عن الدخول؛ وقس على هذا.
فجاء الملك الظاهر جدّد جماعة كثيرة من الأمراء والجند ورتّبهم فى وظائف:
стр. 2307
كالدّوادار والخازندار «١» وأمير آخور والسّراخور «٢» والسّقاة والجمداريّة «٣» والحجّاب ورءوس النّوب «٤» وأمير سلاح وأمير مجلس وأمير شكار «٥» .
فأمّا موضوع أمير سلاح فى أيّام الملك الظاهر فهو الذي كان يتحدّث على السّلاح داريّة، ويناول السلطان آلة الحرب والسّلاح فى يوم القتال وغيره، مثل يوم الأضحى وما أشبهه. ولم يكن إذ ذاك فى هذه المرتبة (أعنى الجلوس رأس ميسرة السلطان) ، وإنّما هذا الجلوس كان إذ ذاك مختصّا بأطابك «٦» . ثم بعده فى الدولة الناصريّة محمد بن قلاوون برأس نوبة الأمراء كما سيأتى ذكره فى محلّه. وتأييد ذلك يأتى فى أوّل ترجمة الملك الظاهر برقوق، فإنّ برقوق نقل أمير سلاح قطلوبغا «٧»
стр. 2308
الكوكائىّ إلى حجوبيّة الحجّاب. وأمير مجلس كان موضوعها فى الدولة الظاهريّة بيبرس يتحدّث على الأطبّاء والكحّالين والمجبّرين، وكانت وظيفة جليلة أكبر قدرا من أمير سلاح.
وأمّا الدّواداريّة فكانت وظيفة سافلة. كان الذي يليها أوّلا غير جندى، وكانت نوعا من أنواع المباشرة، فجعلها الملك الظاهر بيبرس على هذه الهيئة، غير أنّه كان الذي يليها أمير عشرة. ومعنى دوادار باللغة العجمية: ماسك الدّواة، فإنّ لفظة «دار» بالعجمىّ: ماسك، لا ما يفهمه عوامّ المصرييّن أنّ دارا هى الدار التى يسكن فيها، كما يقولون فى حقّ الزّمام: زمام الآدر؛ وصوابه زمام دار. وأوّل من أحدث هذه الوظيفة ملوك السّلجوقيّة. والجمدار، الجمى هى البقجة باللغة العجمية، ودار تقدّم الكلام عليه، فكأنّه قال: ماسك البقجة التى للقماش. وقس على هذا فى كلّ لفظ يكون فيه دار من الوظائف.
وأمّا رأس نوبة فهى عظيمة عند التّتار، ويسمّون الذي يليها «يسوول» بتفخيم السين. والملك الظاهر أوّل من أحدثها فى مملكة مصر. والأمير آخور أيضا وظيفة عظيمة؛ والمغل تسمى الذي يليها «آق طشى» . وأمير آخور لفظ مركب من فارسى وعربى، فأمير معروف وآخور هو اسم المذود بالعجمىّ، فكأنّه يقول:
أمير المذود الذي يأكل فيه الفرس. وكذلك السلاخورى وغيره؛ مما أحدثها «١» الملك الظاهر أيضا.
وأمّا الحجوبيّة فوظيفة جليلة فى الدولة التركيّة، وليس هى الوظيفة التى كان يليها حجبة الخلفاء، فأولئك كانوا حجبة يحجبون الناس عن الدخول على الخليفة، ليس من شأنهم الحكم بين الناس والأمر والنهى؛ وهى ممّا جدده الملك
стр. 2309
الظاهر بيبرس، لكنها عظمت فى دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون حتّى عادلت النّيابة «١» .
وأمّا ما عدا ذلك من الوظائف فأحدثها الملك الناصر محمد بن قلاوون كما سيأتى بيانه فى تراجمه الثلاث من هذا الكتاب، بعد أن جدّد والده الملك المنصور قلاوون وظائف أخركما سيأتى ذكره أيضا فى ترجمته على ما شرطناه فى هذا الكتاب من أنّ كلّ من أحدث شيئا عزيناه له. وممّا أحدثه الملك الظاهر أيضا البريد فى سائر ممالكه، بحيث إنّه كان يصل إليه أخبار أطراف بلاده على اتّساع مملكته فى أقرب وقت.
وأمّا ما افتتحه من البلاد وصار إليه من أيدى المسلمين فعدّة بلاد وقلاع.
والذي افتتحه من أيدى الفرنج- خذلهم الله-: قيساريّة، وأرسوف، وصفد، وطبريّة، ويافا، والشّقيف، وأنطاكية، وبغراس، والقصير، وحصن الأكراد وعكّار «٢» ، والقرين «٣» ، وصافيثا، ومرقيّة. وناصفهم على المرقب وبانياس وبلاد أنطرطوس وعلى سائر ما بقى فى أيديهم من البلاد والحصون وغيرها. واستعاد من صاحب سيس دربساك، ودركوش، ورعبان «٤» ، والمرزبان «٥» وبلادا أخر. والذي
стр. 2310
صار إليه من أيدى المسلمين: دمشق وبعلبك وعجلون وبصرى وصرخد والصّلت، وكانت هذه البلاد التى تغلّب عليها الأمير علم الدين سنجر الحلبى بعد موت الملك المظفّر قطز، لما تسلطن بدمشق وتلقّب بالملك المجاهد. انتهى. وحمص، وتدمر، والرّحبة، ودلويا «١» ، وتلّ باشر، وهذه البلاد انتقلت إليه عن الملك الأشرف صاحب حمص فى سنة اثنتين وستين «٢» وستمائة. وصهيون وبلاطنس، وبرزيه، وهذه منتقلة إليه عن الأمير سابق الدين سليمان بن سيف الدين أحمد وعمّه عزّ الدين.
وحصون الإسماعيلّية «٣» وهى: الكهف، والقدموس، والمينقة «٤» ، والعلّيقة، والخوابى «٥» ، والرّصافة، ومصياف «٦» ، والقليعة «٧» . وأمّا انتقل إليه عن الملك المغيث ابن الملك العادل أبى بكر ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبى بكر بن أيّوب: الشّوبك، والكرك. وما انتقل إليه عن التّتار: بلاد حلب الشماليّة بأسرها، وشيزر، والبيرة.
стр. 2311
وفتح الله على يديه بلاد «١» النّوبة، وفيها من البلاد ممّا يلى أسوان جزيرة بلاق «٢» ؛ ويلى
стр. 2312
هذه البلاد بلاد «١» العلى وجزيرة «٢» ميكائيل؛ وفيها بلاد وجزائر الجنادل «٣» وهى
стр. 2313
أيضا بلاد، ولمّا فتحها أنعم بها على ابن عمّ المأخوذة منه، ثم ناصفه عليها، ووضع عليه عبيدا وجوارى وهجنا وبقرا، وعن كلّ بالغ من رعيّته دينارا فى كلّ سنة.
وكانت حدود مملكة الملك الظاهر من أقصى بلاد النّوبة إلى قاطع الفرات. ووفد عليه من التّتار زهاء عن ثلاثة آلاف فارس، فمنهم من أمره طبلخاناه، ومنهم من جعله أمير عشرة إلى عشرين، ومنهم من جعله من السّقاة، ثم جعل منهم سلحداريّة وجمداريّة ومنهم من أضافه إلى الأمراء.
وأمّا مبانيه فكثيرة منها ما هدمه التّتار من المعاقل والحصون. وعمّر بقلعة الجبل دار الذهب، وبرحبة «١» الحبارج قبّة عظيمة محمولة على اثنى عشر عمودا من الرخام الملوّن، وصور فيها سائر حاشيته وأمرائه على هيئتهم، وعمّر بالقلعة أيضا طبقتين مطلّتين على رحبة الجامع «٢» وأنشأ برج «٣» الزاوية المجاورة لباب القلعة «٤» ، وأخرج منه
стр. 2314
رواشن، وبنى عليه قبّة وزخرف سقفها، وأنشأ جواره طباقا للمماليك أيضا.
وأنشأ «١» برحبة باب القلعة دارا كبيرة لولده الملك السعيد، وكان فى موضعها حفير فعقد عليه ستة عشر عقدا، وأنشأ دورا كثيرة بظاهر القاهرة [ممّا يلى القلعة «٢» وإصطبلات] برسم الأمراء، فإنّه كان يكره سكنى الأمير بالقاهرة مخافة من حواشيه على الرعيّة.
وأنشأ حمّاما «٣» بسوق الخيل لولده الملك السعيد، وأنشأ الجسر «٤» الأعظم والقنطرة التى على الخليج، وأظنّها قنطرة «٥» السّباع، وأنشأ الميدان بالبورجى «٦» ونقل إليه النخيل بالثمن الزائد من الديار المصريّة، فكانت أجرة نقله ستة عشر ألف دينار، وأنشأ به
стр. 2315
المناظر والقاعات والبيوتات. وجدّد جامع «١» الأنور (أعنى جامع الظافر العبيدىّ) المعروف الآن بجامع الفاكهيّين والجامع «٢» الأزهر، وبنى جامع «٣» العافية بالحسينيّة وأنفق عليه فوق الألف ألف درهم، وأنشأ قريبا منه زاوية «٤» الشيخ خضر وحمّاما وطاحونا وفرنا وعمّر بالمقياس «٥» قبّة رفيعة [مزخرفة «٦» ] ، وأنشأ عدّة جوامع بالديار المصريّة؛ وجدّد قلعة الجزيرة «٧» ، وقلعة العمودين «٨» ببرقة، وقلعة «٩» السّويس، وعمّر جسرا بالقليوبيّة، والقناطر على
следующие страницы →