← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وفتح الله على يديه بلاد «١» النّوبة، وفيها من البلاد ممّا يلى أسوان جزيرة بلاق «٢» ؛ ويلى

стр. 2312

هذه البلاد بلاد «١» العلى وجزيرة «٢» ميكائيل؛ وفيها بلاد وجزائر الجنادل «٣» وهى

стр. 2313

أيضا بلاد، ولمّا فتحها أنعم بها على ابن عمّ المأخوذة منه، ثم ناصفه عليها، ووضع عليه عبيدا وجوارى وهجنا وبقرا، وعن كلّ بالغ من رعيّته دينارا فى كلّ سنة. وكانت حدود مملكة الملك الظاهر من أقصى بلاد النّوبة إلى قاطع الفرات. ووفد عليه من التّتار زهاء عن ثلاثة آلاف فارس، فمنهم من أمره طبلخاناه، ومنهم من جعله أمير عشرة إلى عشرين، ومنهم من جعله من السّقاة، ثم جعل منهم سلحداريّة وجمداريّة ومنهم من أضافه إلى الأمراء. وأمّا مبانيه فكثيرة منها ما هدمه التّتار من المعاقل والحصون. وعمّر بقلعة الجبل دار الذهب، وبرحبة «١» الحبارج قبّة عظيمة محمولة على اثنى عشر عمودا من الرخام الملوّن، وصور فيها سائر حاشيته وأمرائه على هيئتهم، وعمّر بالقلعة أيضا طبقتين مطلّتين على رحبة الجامع «٢» وأنشأ برج «٣» الزاوية المجاورة لباب القلعة «٤» ، وأخرج منه

стр. 2314

رواشن، وبنى عليه قبّة وزخرف سقفها، وأنشأ جواره طباقا للمماليك أيضا. وأنشأ «١» برحبة باب القلعة دارا كبيرة لولده الملك السعيد، وكان فى موضعها حفير فعقد عليه ستة عشر عقدا، وأنشأ دورا كثيرة بظاهر القاهرة [ممّا يلى القلعة «٢» وإصطبلات] برسم الأمراء، فإنّه كان يكره سكنى الأمير بالقاهرة مخافة من حواشيه على الرعيّة. وأنشأ حمّاما «٣» بسوق الخيل لولده الملك السعيد، وأنشأ الجسر «٤» الأعظم والقنطرة التى على الخليج، وأظنّها قنطرة «٥» السّباع، وأنشأ الميدان بالبورجى «٦» ونقل إليه النخيل بالثمن الزائد من الديار المصريّة، فكانت أجرة نقله ستة عشر ألف دينار، وأنشأ به

стр. 2315

المناظر والقاعات والبيوتات. وجدّد جامع «١» الأنور (أعنى جامع الظافر العبيدىّ) المعروف الآن بجامع الفاكهيّين والجامع «٢» الأزهر، وبنى جامع «٣» العافية بالحسينيّة وأنفق عليه فوق الألف ألف درهم، وأنشأ قريبا منه زاوية «٤» الشيخ خضر وحمّاما وطاحونا وفرنا وعمّر بالمقياس «٥» قبّة رفيعة [مزخرفة «٦» ] ، وأنشأ عدّة جوامع بالديار المصريّة؛ وجدّد قلعة الجزيرة «٧» ، وقلعة العمودين «٨» ببرقة، وقلعة «٩» السّويس، وعمّر جسرا بالقليوبيّة، والقناطر على

стр. 2316

بحر «١» أبى المنجّا وقنطرة بمنية السّيرج «٢» ، وقنطرتين «٣» عند القصير على بحر إبراش بسبعة أبواب مثل قنطرة بحر أبى المنجّا، وأنشأ فى الجسر الذي يسلك فيه إلى دمياط ستّ عشرة قنطرة، وبنى على خليج الإسكندرية قريبا من قنطرتها [القديمة «٤» ] قنطرة عظيمة بعقد واحد، وحفر خليج الإسكندرية «٥» وكان قد ارتدم بالطّين، وحفر بحر أشموم «٦» ، وكان قد عمى، وحفر ترعة «٧» الصلاح وخورسخا «٨» وحفر المحامدى والكافورى، وحفر فى ترعة أبى الفضل ألف قصبة، وحفر بحر «٩» الصّمصام بالقليوبيّة، وحفر بحر «١٠» سردوس.

стр. 2317

وتمّم عمارة حرم رسول الله ﷺ وعمل منبره، وجعل بالضريح النّبوىّ درابزينا، وذهّب سقوفه وجدّدها وبيّض حيطانه؛ وجدّد البيمارستان بالمدينة النبويّة، ونقل إليه سائر المعاجين والأكحال والأشربة، وبعث إليه طبيبا [من الديار «١» المصريّة] . وجدّد فى الخليل ﵇ قبّته، ورمّ شعثه وأصلح أبوابه [وميضأته «٢» ] وبيّضه وزاد فى راتبه. وجدّد بالقدس الشريف ما كان قد تهدّم من [قبّة «٣» ] الصخرة، وجدّد قبّة السلسلة وزخرفها وأنشأ بها خانا للسبيل، نقل بابه من دهليز كان للخلفاء المصريّين بالقاهرة، وبنى به مسجدا وطاحونا وفرنا وبستانا. وبنى على قبر موسى ﵇ قبّة ومسجدا، وهو عند الكثيب الأحمر قبلى أريحا «٤» ووقف عليه وقفا. وجدّد بالكرك برجين كانا صغيرين فهدمهما وغيّرهما «٥» . ووسّع عمارة مشهد جعفر «٦» الطيّار- رضى الله عنه- ووقف عليه وقفا زيادة على وقفه على الزائرين له والوافدين عليه. وعمر جسرا بقرية دامية بالغور على نهر الشّريعة، ووقف عليه وقفا برسم ما عساه يتهدّم منه. وأنشأ جسورا كثيرة بالغور والساحل.

стр. 2318

وأنشأ قلعة قاقون «١» وبنى بها جامعا ووقف عليه وقفا، وبنى على طريقها حوضا للسبيل. وجدّد جامع مدينة الرملة، وأصلح جامعا لبنى أميّة «٢» ووقف عليه وقفا. وعدّة جوامع ومساجد بالساحل. وجدّد باشورة لقلعة صفد وأنشأها بالحجر الهرقلىّ، وعمّر لها «٣» أبراجا وبدنات، وصنع بغلات مصفّحة دائر الباشورة بالحجر المنحوت، وأنشأ بالقلعة صهريجا كبيرا مدرّجا من أربع جهاته، وبنى عليه برجا زائد [الارتفاع «٤» ] ، قيل إن ارتفاعه مائة ذراع، وبنى تحت البرج حمّاما، وصنع الكنيسة جامعا وأنشأ رباطا ثانيا، وبنى حمّاما ودارا لنائب السلطنة. وكانت قلعة الصّبيبة قد أخربها التّتار، ولم يبقوا منها إلّا الآثار فجدّدها، وأنشأ لجامعها منارة، وبنى بها دارا لنائب السلطنة، وعمل جسرا يمشى عليه إلى القلعة. وكان التّتار قد هدموا شراريف قلعة دمشق، ورءوس أبراجها، فجدّد ذلك كلّه، وبنى فوق برج الزاوية المطلّ على الميادين وسوق الخيل طارمة كبيرة، وجدّد منظرة على قائمة مستجدّة على البرج المجاور لباب النصر، وبيّض البحرة وجدّد دهان سقوفها: وبنى حمّاما «٥» خارج باب النصر بدمشق، وجدّد ثلاثة إسطبلات على الشّرف الأعلى، وبنى القصر الأبلق بالميدان بدمشق وما حوله من العمائر. وجدّد مشهد زين العابدين رضى الله عنه بجامع دمشق، وأمر بترخيم الحائط الشمالى،

стр. 2319

وتجديد باب البريد «١» وفرشه بالبلاط. ورمّ شعث مغارة الدم «٢» . وجدّد المبانى التى هدموها التّتار من قلعة صرخد. وجدّد قبر نوح ﵇ بالكرك. وجدّد أسوار حصن الأكراد، وعمّر قلعتها. وعمّر جوامع ومساجد بالساحل يطول الشرح فى ذكرها حذفتها خوف الإطالة. وبنى فى أيامه بالديار المصريّة ما لم يبن فى أيام الخلفاء المصريّين، ولا ملوك بنى أيّوب من الأبنية والرّباع والخانات والقواسير والدّور والمساجد والحمّمات، من قريب مسجد التّبن «٣» إلى أسوار القاهرة إلى الخليج وأرض «٤» الطّبّالة، واتّصلت العمائر إلى باب المقسم «٥» إلى اللّوق «٦» إلى البورجى «٧» ؛ ومن الشارع إلى الكبش «٨»

стр. 2320

وحدرة «١» ابن قميحة إلى تحت القلعة ومشهد «٢» السيدة نفيسة رضى الله عنها إلى السّور القراقوشىّ «٣» . وكلّ ذلك من كثرة عدله وإنصافه للرعيّة والنّظر فى أمورهم وإنصاف الضعيف من المستضعف والذّبّ عنهم من العدوّ المخذول ﵀ وعفا عنه. ذكر ما كان ينوب دولته من الكلف- كانت عدّة العساكر بالديار المصريّة أيّام الملك الكامل محمد وولده الملك الصالح أيّوب عشرة آلاف فارس، فضاعفها أربعة أضعاف؛ وكان اولئك الذين كانوا قبله العشرة آلاف مقتصدين فى الملبوس والنفقات والعدد، وهؤلاء (أعنى عسكر الظاهر الأربعين ألفا) ، كانوا بالضدّ من ذلك؛ وكانت كلف ما يلوذ بهم من إقطاعهم، وهؤلاء كلفهم على الملك الظاهر؛ ولذلك تضاعفت الكلف فى أيّامه. فإنّه كان يصرف فى كلف مطبخ أستاذه الملك الصالح أيّوب ألّف رطل [لحم «٤» ] بالمصرىّ خاصّة نفسه فى كلّ يوم؛

стр. 2321

والمصروف فى مطبخ الملك الظاهر عشرة آلاف رطل كلّ يوم عنها وعن توابلها عشرون ألف درهم نقرة «١» ، ويصرف فى خزانة «٢» الكسوة فى كل يوم عشرون ألف درهم، ويصرف فى الكلف الطارئة المتعلّقة بالرّسل والوفود فى كلّ يوم عشرون ألف درهم، ويصرف عن قرط دوابّه ودوابّ من يلوذ به فى كلّ سنة ثمانمائة ألف درهم، ويقوم بكلف الخيل والبغال والجمال والحمير من العلوفات خمس عشرة ألف عليقة فى اليوم، عنها ستمائة إردب؛ وما كان «٣» يقوم به لمن أوجب نفقته وألزمها عليه تطحن وتحمل إلى المخابز المعدّة لعمل الجرايات خلا ما يصرف على أرباب الرواتب فى كلّ شهر عشرون ألف إردب؛ وذلك بالديار المصريّة خاصة. وهذا خلاف «٤» الطوارئ التى كانت تفد عليه فما يمكن حصرها. وكلف أسفاره وتجديد السلاح فى كلّ قليل؛ وما كان عليه من الجوامك «٥» والجرايات لمماليكه ولأرباب الخدم؛ فكان ديوانه يفى بذلك كلّه؛ ويحمل لحاصله جملة كبيرة فى السنة من الذهب. وكان سبب ذلك أنه رفع أيدى الأقباط من غالب تعلّقاته فافتقر أكثرهم فى أيّامه؛ وباشروا الصنائع كالتجارة والبناية؛ ولا زال أمرهم على ذلك حتى تراجع فى أواخر الدولة الناصريّة محمد بن قلاوون. انتهت ترجمة الملك الظاهر بيبرس، رحمه الله تعالى.

стр. 2322

ونذكر بعض أحواله، إن شاء الله تعالى، فى حوادث سنينه كما هو عادة هذا الكتاب على سبيل الاختصار. وقد أطلت فى ترجمته وهو مستحقّ لذلك، لأنّه فرع فاق أصله، كونه كان من جملة مماليك الملك الصالح نجم الدين أيّوب فزادت محاسنه عليه. وأمّا من يأتى بعده فلا سبيل إليه. ويعجبنى فى هذا المعنى المقالة الثانية عشرة من قول الشيخ الإمام العالم العارف الرّبّانىّ شرف الدين عبد المؤمن بن هبة الله الأصفهانىّ المعروف بشوروة «١» ﵀ فى كتابه الذي فى اللّغة وسمّاه «أطباق الذهب» يشتمل على مائة مقالة [واثنتين] أحسن فيها غاية الإحسان، وهى: «ليس الشريف من تطاول وتكاثر «٢» ، إنّما الشريف من تطوّل وآثر؛ وليس المحسن من روى القرآن، إنّما المحسن من أروى الظمآن؛ وليس البرّ إبانة الحروف بالإمالة والاشباع، لكنّ البرّ إغاثة الملهوف بالإنالة والإشباع؛ ولا خير فى زكأة «٣» لا يسدى معروفا، ولا بركة فى لبنة «٤» لا تروى «٥» خروفا؛ فوا [ها] «٦» لك، لمن تدّخر أموالك! أنفق ألفك، قبل أن يقسم خلفك؛ إنّ منازل الخلق سواسية، إلّا من له يد مواسية؛ فأرفعهم أنفعهم، وأسودهم أجودهم، وأفضلهم أبذلهم؛ وخير الناس من سقى ملواحا «٧» ،

стр. 2323

ونصب للجنّة ملواحا «١» ؛ والكرم نوعان، أحسنهما إطعام الجوعان؛ والحازم من قدّم الزاد لعقبة العقبى، وآتى المال على حبّه ذوى القربى» . انتهت المقالة. والله أعلم بالصواب. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٥٩] السنة الأولى من ولاية السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ على مصر، وهى سنة تسع وخمسين وستمائة، على أنّه حكم فى آخر السنة الماضية نحو الشهر. قلت: ودخلت سنة تسع وخمسين المذكورة وليس للمسلمين خليفة، وكان أوّلها يوم الاثنين لأيّام خلون من كانون أحد شهور الروم؛ وكانون بالقبطىّ كيهك. فدخلت السنة والسلطان بديار مصر الملك الظاهر بيبرس، وصاحب مكّة نجم الدين «٢» أبو نمىّ بن أبى سعد الحسنىّ، وصاحب المدينة جمّاز بن شيحة الحسينىّ، وصاحب دمشق وبعلبكّ وبانياس والصّبيبة الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ، تغلّب عليها وتسلطن وتلقّب بالملك المجاهد، ونائب حلب من قبل الملك الظاهر بيبرس الأمير حسام الدين لاچين الجوكندار العزيزىّ، وصاحب الموصل الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الرحيم لؤلؤ، وصاحب جزيرة ابن عمر أخوه الملك المجاهد سيف الدين إسحاق بن لؤلؤ المذكور، وصاحب ماردين الملك السعيد نجم الدين إيلغازى الأرتقىّ، وصاحب بلاد الروم ركن الدين قليج أرسلان ابن السلطان غياث الدين كيخسرو بن علاء الدين كيقباد السّلجوقىّ وأخوه عزّ الدين كيكاوس،

стр. 2324

والبلاد بينهما مناصفة، وصاحب الكرك والشّوبك الملك المغيث [فتح «١» الدين عمر] ابن الملك العادل ابن الملك الكامل ابن الملك العادل بن أيّوب، وصاحب حماة الملك المنصور «٢» محمد الأيّوبىّ، وصاحب حمص وتدمر والرّحبة الملك الأشرف مظفّر الدين موسى، وصاحب مرّاكش من بلاد المغرب أبو حفص «٣» عمر الملقّب بالمرتضى، وصاحب تونس أبو «٤» عبد الله محمد بن أبى زكريّا، وصاحب اليمن الملك المظفّر «٥» شمس الدين يوسف بن عمر التّركمانىّ من بنى رسول. وفيها كانت كسرة التّتار على حمص، وقد تقدّم ذكر ذلك. وفيها ملك السلطان الملك الظاهر دمشق وأخرج منها علم الدّين سنجر الحلبىّ، وولّى نيابتها الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارىّ، أستاذ الملك الظاهر بيبرس هذا، الذي أخذه الملك الصالح نجم الدين أيّوب منه، حسب ما ذكرنا ذلك أوّل ترجمة الملك الظاهر. وفيها وصل الخليفة المستنصر بالله إلى القاهرة وبويع بالخلافة، وسافر صحبة الملك الظاهر إلى الشام، ثم فارقه وتوجّه إلى العراق فقتل، وقد مرّ ذكر ذلك كلّه أيضا. وفيها توفّى الملك الصالح نور الدين إسماعيل ابن الملك المجاهد أسد الدين شير كوه بن محمد بن أسد الدين شير كوه الكبير، كان الملك الصالح هذا صاحب حمص

стр. 2325

ملكها بعد موت أبيه، وكان له اختصاص كبير بابن عمّه الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب والشام، وكان الصالح هذا يدارى التّتار ولا يشاققهم، وآخر الأمر أنه قتل فى وقعة هولاكو بيد التّتار رحمه الله تعالى لمّا توجّه إليهم صبحبة الملك الناصر صلاح الدين يوسف المذكور، وكان عنده حزم وشجاعة. وفيها توفّى الشيخ الأديب الفقيه مخلص الدين إسماعيل بن عمر [بن «١» يوسف] ابن قرناص الحموىّ الشاعر المشهور، كان فصيحا شاعرا من بيت علم وأدب. ومن شعره رحمه الله تعالى: أمّا والله لو شقّت قلوب ... ليعلم ما بها من فرط حبّى لأرضاك الذي لك فى فؤادى ... وأرضانى رضاك بشقّ قلبى وفيها توفّى الملك السعيد إيلغازى نجم الدين [ابن «٢» أبى الفتح أرتق بن إيلغازى ابن ألبى بن تمرتاش بن إيلغازى] الأرتقى صاحب ماردين، مات فى سادس صفر، وقيل فى ذى الحجّة سنة ثمان وخمسين. وفيها توفّى الشيخ الإمام الواعظ المحدّث أبو عمرو عثمان بن مكّى بن عثمان السّعدىّ الشّارعىّ الشّافعىّ، سمع الكثير واعتنى به والده فأسمعه من نفسه وغيره، وكان ينشد لأبى العتاهية: اصبر لدهر نال من ... ك فهكذا مضت الدّهور فرح وحزن مرّة ... لا الحزن دام ولا السّرور وفيها توفّى الأديب الفاضل نور الدين أبو الحسن علىّ بن يوسف بن أبى المكارم عبد الله الأنصارىّ المصرىّ المعروف بالعطّار، كان شاعرا فاضلا، مات قبل الأربعين سنة من عمره. ومن شعره ملغزا فى كوز الزّير:

стр. 2326

وذى أذن بلا سمع ... له قلب «١» بلا لبّ مدى الأيّام فى خفض ... وفى رفع وفى نصب إذا استولى على الحبّ ... فقل ما شئت فى الصّبّ «٢» وفيها كانت مقتلة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وكنيته أبو المظفّر، ابن السلطان الملك العزيز محمد ابن السلطان الملك الظاهر غازى ابن السلطان صلاح الدين يوسف ابن الأمير نجم الدين أيّوب الأيّوبى الحلبىّ، وكان صاحب حلب ثم صاحب الشام. ولد بقلعة حلب فى شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة، وسلطنوه عند موت أبيه سنة أربع وثلاثين، وقام بتدبير مملكته الأمير شمس الدين لؤلؤ الأمينى، وعز الدين بن المحلى «٣» ، والوزير الأكرم «٤» جمال الدين القفطىّ، والطواشى جمال الدولة إقبال الخاتونىّ، والأمر كلّه راجع لأمّ [أبيه «٥» ] الصاحبة صفيّة خاتون بنت الملك العادل أبى بكر بن أيّوب. وماتت سنة أربعين واستقلّ «٦» الملك الناصر هذا وأمر ونهى. ووقع للملك الناصر هذا أمور ووقائع ومحن، وهو الذي كان الملك الظاهر بيبرس لمّا خرج من مصر فى نوبة البحريّة توجّه إليه وصار فى خدمته. وقد مرّ ذكره فى مواطن كثيرة من هذا الكتاب، من قدومه نحو القاهرة فى جفلة التّتار، ورجوعه من قطية «٧» إلى البلاد الشاميّة، وغير ذلك، ثم آل أمره إلى أن توجّه إلى ملك التّتار هولاكو وتوجّه معه أخوه

стр. 2327

الملك الظاهر سيف الدين غازى، وكان رشّح للملك، والملك الصالح نور الدين إسماعيل صاحب حمص المقدّم ذكره فى هذه السنة؛ ولمّا وصل الملك الناصر إلى هولاكو أحسن إليه وأكرمه إلى أن بلغه كسرة عين جالوت غضب عليه وأمر بقتله، فاعتذر إليه فأمسك عن قتله، لكن أعرض عنه، فلمّا بلغه كسرة بيدرا «١» على حمص قتله وقتل أخاه سيف الدين غازيا «٢» المذكور، وقتل الملك الصالح نور الدين صاحب حمص وجميع من كان معه سوى ولده الملك العزيز. وكان الملك الناصر مليح الشكل إلّا أنّه كان أحول؛ وكان عنده فصاحة ومعرفة بالأدب، وكان كريما عاقلا فاضلا جليلا متجمّلا فى مماليكه وملبسه ومركبه، وكان فصيحا شاعرا لطيفا. قال ابن العديم «٣» : أنشدنى لنفسه. (يعنى الملك الناصر هذا) . البدر يجنح للغروب ومهجتى ... لفراق مشبهه أسى تتقطّع والشّرب قد خاط النعاس جفونهم ... والصبح من جلبابه يتطلّع قال وأنشدنى لنفسه رحمه الله تعالى: اليوم يوم الأربعا ... فيه يطيب المرتعى يا صاحبى أما ترى ... شمل المنى قد جمّعا وقد حوى مجلسنا ... جلّ السرور أجمعا فقم بنا نشربها ... ثلاثة وأربعا

стр. 2328

من كفّ ساق أهيف ... شبيه بدر طلعا فى خدّه وثغره ... ورد ودرّ صنعا يسطو ويرنو تارة ... والليث والظبى معا وله لمّا مرّت به التّتار على حلب، وهى خاوية على عروشها وقد تهدّمت والنّيران بها تعمل، فقال: يعزّ علينا أن نرى ربعكم يبلى ... وكانت به آيات حسنكم تتلى وله يشتاق إلى حلب ومنازلها: سقى «١» حلب الشّهباء فى كل لزبة ... سحابة غيث نوءها ليس يقلع فتلك ديارى لا العقيق ولا الغضا ... وتلك ربوعى لا زرود ولعلع قلت: وقد ذكرنا من محاسنه وفضله نبذة كبيرة فى تاريخنا «المنهل الصافى، والمستوفى بعد الوافى» إذ هو كتاب تراجم يحسن التطويل فيه. انتهى. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الجمال عثمان بن مكىّ ابن السّعدىّ الشارعىّ الواعظ فى شهر ربيع الآخر، وله خمس وسبعون سنة. وأبو الحسن محمد بن الأنجب «٢» بن أبى عبد الله الصوفىّ فى رجب، وله ثلاث وثمانون سنة. وحافظ المغرب أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيّد الناس اليعمرىّ بتونس فى رجب، وله واحد وستون عاما. وكمال الدين أبو حامد محمد ابن القاضى صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس الصدر العدل فى شوّال، وله اثنتان وثمانون سنة. وصاحب الشام الملك الناصر يوسف بن العزيز قتل صبرا،

стр. 2329

وله اثنتان وثلاثون سنة، وقتل معه شقيقه الملك الظاهر غازى، والملك الصالح إسماعيل ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص. وتوفى بصهيون صاحبها مظفّر الدين عثمان بن منكورس فى شهر ربيع الأوّل عن سنّ عالية؛ تملّك بعد أبيه ثلاثا وثلاثين «١» سنة، وولى بعد ابنه محمد. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٦٠] السنة الثانية من ولاية الملك الظاهر بيبرس على مصر، وهى سنة ستين وستمائة. فيها استولى الملك الظاهر بيبرس صاحب الترجمة على دمشق وبعلبكّ والصّبيبة وحلب وأعمالها خلا البيرة. وفيها استولى التّتار على الموصل، وقتلوا الملك الصالح صاحبها الذي كان خرج مع الخليفة المستنصر من ديار مصر؛ على ما يأتى ذكرهما فى محلّه من هذه السنة. وفيها توفّى الخليفة أمير المؤمنين المستنصر بالله أبو القاسم أحمد ابن الخليفة الظاهر بأمر الله محمد ابن الناصر لدين الله أحمد، الذي بويع بالقاهرة بالخلافة بعد شغور الخلافة نحو سنتين ونصف، وخرج الملك الظاهر بيبرس معه إلى البلاد الشاميّة، وقد مرّ ذكر قدومه القاهرة وبيعته وسفره وقتله ورفع نسبه إلى العبّاس رضى الله عنه فى ترجمة الملك الظاهر هذا، ولا حاجة للإعادة؛ ومن أراد ذلك فلينظره هناك.

стр. 2330

وفيها قتل الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل. وقد ذكرنا وفوده على الملك وخروجه مع أخيه والخليفة المستنصر بالله المقدّم ذكره، فلا حاجة لذكره هنا ثانيا؛ قتل بأيدى التّتار فى ذى القعدة، وكان عارفا عادلا حسن السّيرة. وفيها توفّى الأمير سيف الدين بلبان «١» الزردكاش، كان من أعيان أمراء دمشق، وكان الأمير طيبرس «٢» الوزيرى نائب الشام إذا خرج من الشام استنابه عليها، وكان ديّنا خيّرا. مات بدمشق فى ذى الحجّة. وفيها توفّى الحسن بن محمد بن أحمد بن نجا الشيخ الأديب أبو محمد الغنوىّ النّصيبىّ الشافعىّ الإربلىّ المنشأ الضّرير الملقّب بالعزّ. قال صاحب الذّيل على مرآة الزمان: المشهور بعدم الدّين والزّندقة. كان فاضلا فى العربيّة والنحو والأدب وعلوم الأوائل، منقطعا فى منزله يتردّد إليه من يقرأ عليه تلك العلوم، وكان يتردّد إليه جماعة من المسلمين واليهود والنصارى والسامرة يقرئ الجميع؛ قال: وكان يصدر عنه من الأقوال ما يشعر بانحلال عقيدته. ومات فى شهر ربيع الاخر بدمشق. ومن شعره قوله: توهّم واشينا بليل مزاره ... فهم ليسعى بيننا بالتباعد فعانقته حتّى اتحدنا تعانقا ... [فلمّا «٣» ] أتانا ما رأى غير واحد قال الشهاب «٤» محمود: ولمّا أنشدت هذين البيتين يعنى قول العزّ. توهم واشينا بليل مزاره

стр. 2331

بين يدى الملك الناصر صلاح الدين صاحب دمشق قال: لا تلمه فإنّه لزمه «١» لزوم أعمى؛ فلمّا بلغ العزّ قول الملك الناصر؛ قال: والله هذا الكلام أحلى من شعرى. وفيها توفّى الشيخ الإمام العلّامة شيخ الإسلام عزّ الدين أبو محمد عبد العزيز ابن عبد السلام بن أبى القاسم بن الحسن بن محمد بن المهذّب السلمى الدّمشقىّ الشافعىّ المعروف بابن عبد السلام. مولده سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة. قال الذهبىّ: وتفقّه على الإمام فخر «٢» الدين ابن عساكر، وقرأ الأصول والعربيّة، ودرّس وأفتى وصنّف وبرع فى المذهب وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من الآفاق وتخرّج به أئمة، وله التصانيف المفيدة والفتاوى السديدة، وكان إماما ناسكا عابدا، وتولّى قضاء مصر القديمة مدّة، ودرّس بعدّة بلاد. ومات فى عاشر جمادى الأولى. وفيها توفّى الشيخ الإمام الواعظ عزّ الدين أبو محمد عبد العزيز ابن الشيخ الإمام العلّامة أبى المظفر شمس الدين يوسف بن قزأوغلى الدمشقىّ الحنفىّ هو ابن صاحب مرآة الزمان. كان عزّ الدين فقيها واعظا فصيحا مفتنّا درّس بعد أبيه فى المدرسة المعزّية ووعظ وكان لوعظه موقع فى القلوب، وكانت وفاته بدمشق فى شوّال ودفن عند أبيه بسفح قاسيون. وفيها توفّى الإمام العلّامة كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد ابن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله

стр. 2332

ابن محمد بن أبى جرادة عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل العقيلىّ الحلبىّ الفقيه الحنفى الكاتب المعروف بابن العديم، ورفع نسبه بعض المؤرّخين إلى غيلان. مولده بحلب فى العشر الأوّل من ذى الحجّة سنة ستّ وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث من أبيه وعمّه أبى غانم «١» محمد ومن غيرهما، وحدّث بالكثير فى بلاد متعدّدة، ودرّس وأفتى وصنّف، وكان إماما عالما فاضلا مفتنّا فى علوم كثيرة، وهو أحد الرؤساء المشهورين والعلماء المذكورين. وأمّا خطّه ففى غاية الحسن يضاهى ابن البوّاب «٢» الكاتب؛ وقيل: إنّه هو الذي اخترع قلم الحواشى، وعرّض بهذا فى شعره القيسرانىّ رحمه الله تعالى بقوله: بوجه معذّبى آيات حسن ... فقل ما شئت فيه ولا تحاشى ونسخة حسنة قرئت وصحّت ... وها خطّ الكمال على الحواشى وجمع لحلب تاريخا كبيرا فى غاية الحسن، ومات وبعضه مسودّة. قلت: وذيّل عليه القاضى علاء الدين «٣» علىّ ابن خطيب الناصريّة قاضى قضاة الشافعية بحلب ذيلا «٤» إلّا أنّه قصير إلى الرّكبة، وقفت عليه فلم أجده جال حول الحمى، ولا سلك فيه مسلك المذيّل عليه من الشروط، إلّا أنّه أخذ علم التاريخ بقوّة الفقه، على أنّه كان من الفضلاء العلماء ولكنّه ليس من خيل هذا الميدان، وكان يقال فى الأمثال: من مدح بما ليس فيه فقد تعرّض للضّحكة. انتهى.

стр. 2333

ومحاسن ابن العديم كثيرة وعلومه غزيرة، وهم بيت علم ورياسة وعراقة. يأتى ذكر جماعة من ذرّيّته وأقاربه فى هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ومن شعر الصاحب كمال الدين المذكور ممّا كتبه على ديوان الشيخ أيدمر «١» مولى وزير الجزيرة، وهو: وكنت أظنّ التّرك تختصّ أعين ... لهم إن رنت بالسّحر منها وأجفان إلى أن أتانى من بديع قريضهم ... قواف هى السحر الحلال وديوان فأيقنت أنّ السحر أجمعه «٢» لهم ... يقرّ لهم هاروت فيه وسحبان ومن شعره أيضا ﵀ وأجاد فيه إلى الغاية: فواعجبا من ريقها وهو طاهر ... حلال وقد أمسى علىّ محرّما هو الخمر لكن أين للخمر طعمه ... ولذّته مع أنّنى لم أذقهما الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال. وفيها توفّى العلّامة عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمىّ الدّمشقى بالقاهرة فى جمادى الأولى عن ثلاث وثمانين سنة. والصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله بن العديم العقيلىّ بعد ابن عبد السلام بأيام، وكان له اثنتان وسبعون سنة. ونقيب الأشراف بهاء الدين علىّ بن محمد بن إبراهيم بن أبى الجنّ «٣» الحسينىّ فى رجب عن إحدى وثمانين سنة. وضياء الدين عيسى بن سليمان التّغلبىّ فى رمضان، وله تسعون سنة. واستشهد فى المصافّ المستنصر بالله أحمد ابن الظاهر محمد ابن الناصر فى أوائل المحرّم بالعراق،

стр. 2334

وتفرّق جمعه. وقتلت التّتار فى ذى القعدة الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بن لؤلؤ صاحب الموصل بعد الأمان. وفى شهر ربيع الآخر العزّ الضرير الفيلسوف حسن ابن محمد بن أحمد الإربلى، وله أربع وسبعون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا سواء. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٦١] السنة الثالثة من ولاية السلطان الملك الظاهر بيبرس على مصر، وهى سنة إحدى وستين وستمائة. فيها بايع السلطان الملك الظاهر بيبرس المذكور الخليفة الحاكم بأمر الله أبا العباس أحمد ابن الأمير أبى علىّ الحسن؛ وقيل: ابن محمد بن الحسن بن علىّ القبّى ابن الخليفة الراشد، وهو التاسع والثلاثون من خلفاء بنى العبّاس، وهو أوّل خليفة من بنى العبّاس سكن بمصر ومات بها؛ وبويع يوم الخميس تاسع المحرّم من سنة إحدى وستين وستمائة، وكان وصوله إلى الديار المصريّة فى السنة الحاليّة. وفيها هلك ريدا «١» فرنس، واسمه بواش المعروف بالفرنسيس ملك الفرنج الذي كان ملك دمياط فى دولة الملك الصالح أيّوب. وفيها توفّى المحدّث الفاضل عزّ الدين أبو محمد عبد الرّزاق [بن رزق «٢» الله] ابن أبى بكر بن خلف الرّسعنىّ «٣» ، كان إماما فاضلا شاعرا محدّثا. ومن شعره: [و «٤» ] لو أنّ إنسانا يبلّغ لوعتى ... وشوقى وأشجانى إلى ذلك الرّشا

стр. 2335

لأسكنته عينى ولم أرضها له ... فلولا لهيب القلب أسكنته الحشا وفيها توفّى الأمير مجير الدين «١» أبو الهيجاء [بن «٢» ] عيسى الأزكشىّ الكردىّ الأموىّ، كان عن أعيان الأمراء وشجعانهم، ولمّا ولى الملك المظفّر قطز السلطنة، وولّى الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ نيابة الشام جعله مشاركا له فى الرأى والتدبير فى نيابة الشام، وكان الملك الأشرف موسى بن العادل سجنه «٣» مدّة لأمر اقتضى ذلك. فلمّا كان فى السجن كتب بعض الأدباء يقول: يا أحمد ما زلت عماد الدين ... يا أشجع من أمسك رمحا بيمين لا تيئسنّ إن حصلت فى سجنهم ... ها يوسف قد أقام فى السجن سنين وكان مولده بمصر فى سنة ثمان وستين وخمسمائة؛ ومات فى جمادى الأولى بمدينة إربل. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى عبد الغنى بن سليمان ابن بنين البنانىّ فى شهر ربيع الأوّل، وله ستّ وثمانون سنة، وهو آخر من روى عن عمر «٤» . والعلّامة علم الدين القاسم بن أحمد الأندلسىّ فى رجب بدمشق، وله ستّ وثمانون سنة. والإمام تقىّ الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن مرهف النّاشرىّ «٥» المصرىّ المقرئ فى شعبان، وله إحدى وثمانون سنة. والإمام كمال الدين علىّ بن شجاع ابن سالم العبّاسىّ الضّرير فى ذى الحجّة، وله تسعون سنة إلّا شهرا.

стр. 2336

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٦٢] السنة الرابعة من ولاية السلطان الملك الظاهر بيبرس على مصر، وهى سنة اثنتين وستين وستمائة. فيها انتهت عمارة مدرسة «١» السلطان الملك الظاهر بيبرس ببين القصرين من القاهرة. وقد تقدّم ذكرها فى ترجمته. وفيها استدعى الملك الظاهر الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارىّ إلى القاهرة؛ وأمره أن يجعل نائبه بحلب بعد خروجه الأمير نور الدين علىّ بن مجلّى ففعل ذلك، وقدم القاهرة؛ فلمّا وصل إليها عزله وأقام نور الدين عوضه فى نيابة حلب. وقد تقدّم أنّ علاء الدين أيدكين هو أستاذ الملك الظاهر بيبرس الذي اشتراه منه الملك الصالح نجم الدين أيّوب. وفيها كان الغلاء بديار مصر فبلغ الإردبّ القمح مائة «٢» درهم وخمسة دراهم نقرة «٣» ، والشّعير سبعين درهما الإردبّ، وثلاثة أرطال خبز بالمصرىّ بدرهم نقرة، ورطل اللحم بالمصرىّ وهو مائة وأربعة وأربعون درهما بدرهم «٤» ؛ وكان هذا الغلاء عظيما بديار مصر. فلمّا وقع ذلك فرّق الملك الظاهر الفقراء على الأغنياء والأمراء وألزمهم بإطعامهم، ثم فرّق من شونه القمح على الزوايا والأربطة، ورتّب للفقراء

стр. 2337

كلّ يوم مائة اردبّ مخبوزة تفرّق بجامع ابن طولون. ودام على ذلك إلى أن دخلت السنة الجديدة والمغلّ الجديد؛ وأبيع القمح فى الإسكندريّة فى هذا الغلاء الإردبّ بثلاثمائة وعشرين درهما. وفيها أحضر بين يدى السلطان طفل ميّت له رأسان «١» وأربع أعين وأربع أيد وأربع أرجل، فأمر بدفنه. وفيها توفّى القاضى كمال الدين أبو «٢» العبّاس أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الأسدىّ الحلبىّ الشافعىّ المعروف بابن الأستاذ قاضى حلب، مولده سنة إحدى عشرة وستمائة، سمع الكثير وحدّث ودرّس، وكان فاضلا عالما مشكور السّيرة مات فى شوّال. وفيها توفّى شيخ الشيوخ الصاحب شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن «٣» بن منصور الأنصارىّ الأوسىّ الدمشقىّ المولد الحموىّ الدار والوفاة الإمام الأديب العلّامة، مولده يوم الأربعاء ثانى عشرين جمادى الأولى سنة ستّ وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث وتفقّه وبرع فى الفقه والحديث والأدب، وأفتى ودرّس وتقدّم عند الملوك، وترسّل عنهم غير مرّة. وكانت له الوجاهة التامّة وله اليد الطّولى فى الترسّل والنظم، وشعره فى غاية الحسن. ومن شعره- ﵀ قوله: إنّ قوما يلحون فى حبّ سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا

стр. 2338

سمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا طيّبا وأعطوا خبيثا وله ﵀: قلت وقد عقرب صدغا له ... عن شقّة الحاجب لم يحجب قدّست يا ربّ الجمال الذي ... ألّف بين النون والعقرب وله عفا الله عنه: مرضت ولى جيرة كلّهم ... عن الرّشد فى صحبتى حائد فأصبحت فى النقص مثل الذي ... ولا صلة لى ولا عائد وله غفر الله له: ولقد عجبت لعاذلى فى حبّه ... لمّا دجى ليل العذار المظلم أو ما درى من سنّتى وطريقتى ... أنّى أميل مع السواد الأعظم قلت: وقد استوعبنا ترجمة شيخ الشيوخ بأوسع من ذلك فى تاريخنا «المنهل الصافى» وذكرنا من محاسنه وشعره نبذة كبيرة، وكانت وفاته ليلة الجمعة ثامن شهر رمضان بحماة رحمه الله تعالى. وفيها توفّى الملك المغيث فتح الدين أبو الفتح عمر صاحب الكرك ابن السلطان الملك العادل أبى بكر محمد ابن السلطان الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبى بكر محمد ابن الأمير نجم الدين أيّوب الأيّوبىّ المصرىّ ثم الكركىّ. وقد ذكرنا من أمره نبذة كبيرة فى ترجمة عمّه الملك الصالح ثم من بعده فى عدّة تراجم لا سيما لمّا توجّه إليه الملك الظاهر بيبرس مع جماعة البحريّة، وأقام عنده وحرّكه على ملك مصر حسب ما تقدّم ذكر ذلك كلّه. انتهى.

стр. 2339

قلت: ومولد الملك المغيث هذا بالديار المصريّة وربّى يتيما عند عمّاته القطبيّات بنات الملك العادل، والقطبيات عرفن بالقطبيات لأنهنّ أشقّاء الملك المفضّل «١» قطب الدين ابن الملك العادل، وبقى المغيث هذا عندهنّ إلى أن أخرج إلى الكرك واعتقل بها ثم ملكها بعد موت عمّه الملك الصالح نجم الدين أيّوب، ووقع له بها أمور، إلى أن قدم فى العام الماضى على الملك الظاهر بيبرس بمصر، فقبض عليه وقتله فى محبسه، رحمه الله تعالى، لما كان فى نفسه منه أيام كان بخدمته فى الكرك مع البحريّة. وفيها توفّى الأمير حسام الدين لاچين بن عبد الله العزيزىّ [الجوكندار «٢» ] ، كان من أكابر الأمراء وأعظمهم، وكان شجاعا جوادا ديّنا له اليد البيضاء فى غزو التّتار، وكان يجمع الفقراء ويصنع لهم الأوقات «٣» والسماعات، وكان كبير القدر عظيم الشأن، رحمه الله تعالى. وفيها توفّى الشيخ محيى الدين أبو بكر محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسين بن سراقة الأنصارىّ الأندلسىّ الشاطبىّ، كان فاضلا محدّثا، سمع الكثير وولى مشيخة دار الحديث بحلب، ثم ولى مشيخة الحديث بمصر بالمدرسة «٤» الكامليّة وحدّث بها. ومن شعره، رحمه الله تعالى: وصاحب كالزّلال يمحو ... صفاؤه الشكّ باليقين لم يحص إلّا الجميل منّى ... كأنّه كاتب اليمين

стр. 2340

قلت: وهذا بعكس قول الأديب شهاب «١» الدين المنازىّ، رحمه الله تعالى: وصاحب خلته خليلا ... وما جرى غدره ببالى لم يحص إلّا القبيح منّى ... كأنّه كاتب الشمال وفيها توفّى الملك الأشرف مظفّر الدين موسى ابن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد أسد الدين شير كوه بن محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شير كوه الكبير، ملك الأشرف هذا حمص بعد وفاة أبيه، وطالت مدّته به ووقع له أمور، وكان فيه مداراة، للتّتار واستمرّ على ذلك إلى أن توفى بحمص فى حادى عشر صفر قبل صلاة الجمعة، ودفن ليلا على جدّه الملك المجاهد أسد الدين شير كوه. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفى المحدّث ضياء الدين علىّ بن محمد البالسىّ «٢» فى صفر، وله سبع وخمسون سنة. وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم الأنصارىّ البابشرقىّ فى شهر ربيع الأوّل. والحافظ رشيد الدين أبو الحسين يحيى ابن علىّ الأموىّ العطّار المالكىّ فى جمادى الأولى، وله ثمان وسبعون سنة. وأبو الطاهر إسماعيل بن «٣» صارم الخيّاط بعده بأيام. والخطيب عماد الدين عبد الكريم [ابن «٤» جمال الدين أبى القاسم عبد الصمد] بن محمد الأنصارىّ بن الحرستانىّ «٥» فى جمادى الأولى. والورع الزاهد أبو القاسم بن منصور «٦» فى شعبان. والإمام محيى الدين

стр. 2341

أبو بكر محمد بن محمد بن سراقة الشاطبىّ بمصر، وله سبعون سنة. وشيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصارىّ بحماة فى رمضان. والملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل أبى بكر بن الكامل محمد صاحب الكرك، أعدمه الملك الظاهر. والأمير الكبير حسام الدين لا چين الجوكندار العزيزىّ فى المحرّم، ودفن بقاسيون. وصاحب حمص الملك الأشرف موسى ابن المنصور إبراهيم بن أسد الدين بحمص فى صفر، وله خمس وثلاثون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٦٣] السنة الخامسة من ولاية الملك الظاهر بيبرس على مصر، وهى سنة ثلاث وستين وستمائة. فيها ولّى الملك الظاهر بيبرس من كلّ مذهب قاضيا وقد تقدّم ذكر ذلك. وفيها توفّى الأديب البارع شرف الدين محاسن [الكتبىّ «١» ] الصّورىّ، كان عالما فاضلا أديبا شاعرا، ومات فى شهر رجب. ومن شعره، ﵀: عتبت علىّ فقلت إن عاتبتها ... كان العتاب لوصلها استهلاكا وأردت أن تبقى المودّة بيننا ... موقوفة فتركت ذاك لذاك وفيها توفّى الأمير جمال الدين موسى بن يغمور بن جلدك بن بليمان «٢» بن عبد الله أبو الفتح، مولده فى جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالقوب «٣» من أعمال

стр. 2342

قوص «١» بصعيد مصر وسمع الحديث، وتنقّل فى الولايات الجليلة مثل نيابة السلطنة بالقاهرة ونيابة دمشق، ولم يكن فى الأمراء من يضاهيه فى منزلته وشجاعته وقربه من الملوك، وكان أميرا جليلا خبيرا حازما سيوسا مدبّرا جوادا ممدّحا، وكان الملك الظاهر إذا عمل مشورة وتكلّم جمع خشداشيته من الأمراء فلا يصغى إلّا إلى قول ابن يغمور هذا ويفعل ما أشار به عليه. وكانت وفاته فى مستهلّ شعبان بالقصير «٢» من أعمال الفاقوسيّة بين الغرابى والصالحيّة «٣» . ومن شعره قوله: ما أحسن ما جاء كتاب الحبّ ... يبدى حرقا كأنّه عن قلبى فازددت بما قرأت شوقا وضمّا ... لا يبرّده إلا نسيم القرب الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى المحدّث معين الدين إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز القرشىّ الزّكوىّ. والحافظ زين الدين أبو البقاء خالد ابن يوسف بن سعد النابلسىّ بدمشق، وله ثمان وسبعون سنة فى سلخ جمادى الأولى. والأمير الكبير جمال الدين موسى بن يغمور. والنجيب فراس بن علىّ بن زيد العسقلانىّ التاجر. وقاضى الديار المصريّة بدر الدين يوسف بن الحسن السّنجارىّ فى رجب. والشيخ أبو القاسم الحوّارىّ «٤» الزاهد.

стр. 2343

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٦٤] السنة السادسة من ولاية الملك الظاهر بيبرس على مصر، وهى سنة أربع وستين وستمائة. فيها توفّى شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن صالح، كان فاضلا أديبا. ومن شعره، ﵀، فى مكار مليح: علقته مكاريا ... شرّد عن عينى الكرى قد أشبه البدر فلا ... يملّ من طول السّرى وفيها توفّى طاغية التّتار وملكهم هولاكو وقيل هولاوون وقيل هولاو بن تولى خان بن چنكز خان المغلى التّركىّ، ملك مكان أبيه بعد موته وكان من أعظم ملوك التّتار، وكان حازما شجاعا مدبرا، استولى على الممالك والأقاليم فى أيسر مدّة، وفتح بلاد خراسان وأذربيجان وعراق العجم وعراق العرب والموصل والجزيرة وديار بكر والشام والروم والشرق وغير ذلك. وهو الذي قتل الخليفة المستعصم المقدّم ذكره، وكان على قاعدة المغل لا يتديّن بدين، وإنّما كانت زوجته ظفر خاتون قد تنصّرت، فكانت تعضد النصارى وتقيم شعائرهم فى تلك البلاد. وكان هولاكو سعيدا فى حروبه لا يروم أمرا إلّا ويسهل عليه، وكانت وفاته بعلّة الصّرع، وكان الصّرع يعتريه من عدّة سنين فى كلّ وقت، حتّى إنّه كان يعتريه فى اليوم الواحد المرّة والمرّتين والثلاث، ثم زاد به فمرض ولم يزل ضعيفا نحو شهرين وهلك، فأخفوا موته وصبّروه حتى حضر ولده أبغا وجلس مكانه فى الملك، وقيل: إنّه لم يدفن

стр. 2344

وعلّق بسلاسل، ومات وله ستّون سنة أو نحوها. وخلّف من الأولاد الذكور سبعة عشر ولدا: وهم أبغا الذي ملك بعده وأشموط وتمشين «١» وتكشى «٢» وكان [تكشى «٣» فاتكا] جبّارا، وأجاى وتستز «٤» ومنكوتمر الذي التقى مع الملك المنصور قلاوون على حمص وانهزم جريحا، كما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى، وباكودر وأرغون وتغاى «٥» تمر والملك أحمد وجماعة أخر. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الفضل إسماعيل ابن إبراهيم بن يحيى القرشى بن الدّرجىّ فى صفر «٦» . والشيخ جمال الدين أحمد بن عبد الله بن شعيب التّميمىّ فى شهر ربيع «٧» الاخر، وله اثنتان وسبعون سنة. ورضىّ الدين إبراهيم بن البرهان عمر الواسطىّ التاجر بالإسكندرية فى رجب، وله إحدى وسبعون سنة، وخلّف أموالا عظيمة. والأمير الكبير جمال الدين أيدغدى العزيزىّ. والشيخ أحمد بن سالم المصرىّ النحوىّ فى شوّال بدمشق. والطاغية هولاكو بمراغة «٨» . أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وسبع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٦٥] السنة السابعة من ولايه الملك الظاهر بيبرس على مصر، وهى سنة خمس وستين وستمائة.

стр. 2345

فيها توفّى بركة خان [بن توشى «١» ] بن چنكز خان ملك التّتار، هو ابن عمّ هولاكو المقدّم ذكره، وكانت مملكته عظيمة متّسعة جدّا وهى بعيدة عن بلادنا وله عساكر وافرة العدد، وكان بركة هذا يميل إلى المسلمين ميلا زائدا ويعظّم أهل العلم ويقصد الصلحاء ويتبرّك بهم. ووقع بينه وبين ابن عمّه هولاكو، وقاتله بسبب قتله للخليفة المستعصم بالله وغيره من المسلمين؛ وكان بينه وبين الملك الظاهر مودّة ويعظّم رسله، وكان قد أسلم هو وكثير من جنده وبنى المساجد وأقيمت الجمعة ببلاده، وكان جوادا عادلا شجاعا، ومات ببلاده فى هذه السنة وهو فى عشر الستين، وقام مقامه منكوتمر. وفيها توفّى الأمير ناصر الدين أبو المعالى حسين «٢» بن عزيز بن أبى الفوارس القيمرىّ، كان من أكابر الأمراء وأجلّهم قدرا وأكبرهم شأنا، وكان شجاعا كريما عادلا، وكان الملك الظاهر قد جعله مقدّم العساكر بالساحل فتوجّه إليه فمات به مرابطا فى يوم الأحد ثالث عشر شهر ربيع الأوّل، وهو صاحب المدرسة القيمريّة «٣» بدمشق، وكان عالى الهمة يضاهى السلاطين فى موكبه وخيله ومماليكه وحواشيه. وفيها توفّى القاضى تاج الدين عبد الوهاب بن خلف بن محمود بن بدر أبو محمد العلامىّ «٤» الفقيه الشافعىّ المعروف بابن بنت الأعزّ، كان إماما عالما فاضلا وولى

стр. 2346

المناصب الجليلة كنظر الدواوين والوزارة وقضاء القضاة ودرس بالشافعىّ، وكانت له مكانة عند الملك الظاهر، ومولده سنة أربع عشرة وستمائة، ومات ليلة السابع والعشرين من شهر رجب ودفن من الغد بسفح المقطّم. وفيها توفّى الشيخ الإمام المحدّث تاج الدين أبو الحسين علىّ بن أحمد بن علىّ ابن محمد بن الحسن «١» بن عبد الله بن أحمد بن ميمون القيسى المصرىّ المالكىّ المعروف بابن القسطلانيّ، ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بمصر، وبها تفقّه وسمع الحديث من جماعة كثيرة وحدّث بالكثير ودرّس وأفتى وتولّى مشيخة دار الحديث «٢» الكامليّة بالقاهرة إلى أن مات بكرة السابع «٣» والعشرين من شوّال ودفن من يومه بسفح المقطّم. وفيها توفّى الشيخ الإمام الفقيه المحدّث شمس الدين ملكشاه بن عبد الملك ابن يوسف بن إبراهيم المقدسىّ الأصل المصرىّ المولد الدّمشقىّ الدار الحنفىّ المعروف بقاضى بيسان «٤» ، كان فقيها عالما فاضلا مفتنّا فى علوم، ولد بحارة زويله «٥» بالقاهرة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة ومات فى سادس عشر صفر بدمشق، ﵀. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الحجّاج يوسف ابن مكتوم السّويدىّ «٦» الحبّال. والشيخ الصالح الأثرىّ محمود بن أبى القاسم [اسفنديار «٧» ابن بدران بن أيّان] الدّشتىّ «٨» بالقاهرة فى رجب. وقاضى القضاة تاج الدين

стр. 2347

عبد الوهاب بن خلف بن بنت الأعزّ فى رجب، وله إحدى وستون «١» سنة. والعلّامة شهاب الدين أبو شامة أبو القاسم «٢» عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسىّ ثم الدّمشقىّ فى رمضان، وله ستّ وستون سنة. والإمام تاج الدين علىّ ابن الشيخ أبى العبّاس أحمد بن على القسطلانيّ بمصر، وله سبع وسبعون سنة. والسلطان بركة خان بن توشى «٣» بن چنكز خان. والأمير الكبير ناصر الدين حسين بن عزيز بن أبى الفوارس القيمرىّ صاحب القيمريّة «٤» . أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٦٦] السنة الثامنة من ولاية الملك الظاهر بيبرس على مصر، وهى سنة ستّ وستين وستمائة. فيها توفّى الرئيس كمال الدين أبو يوسف أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الله الحلبىّ المعروف بابن العجمىّ، كان شاعرا رئيسا عالما فاضلا حسن الخط والإنشاء، كتب للملك الناصر صلاح الدين يوسف، وكان من أعيان الكتّاب وأماثلهم، بلغ من العمر ستّا وأربعين سنة، ومات بظاهر صور من بلاد الساحل فى العشر «٥» الأوّل من ذى الحجّة وحمل إلى ظاهر دمشق فدفن بها. ومن شعره فى خال مليح، قال:

стр. 2348

وما خاله ذاك الذي خاله الورى ... على خده نقطا من المسك فى ورد ولكنّ نار الخدّ للقلب أحرقت ... فصار سواد القلب خالا على الخدّ قلت: يعجبنى قول ابن صابر «١» المنجنيقىّ فى هذا المعنى: أهلا بوجه كالبدر حسنا ... صيّرنى حبّه هلالا قد رقّ حتّى لحظت فيه ... سواد عينى فخلت خالا ومثل هذا أيضا قول القائل فى هذا المعنى، ولم أدر لمن هو غير أنّنى أحفظه قديما، وهو فى خال تحت العذار. له خال تغشّاه هلال ... يفوت العين إن نظرت إليه كشحرور تخبّأ فى سياج ... مخافة جارح من مقلتيه وفى هذا المعنى للعزّ الموصلىّ «٢» وأبدع إلى الغاية: لحظت من وجنتها شامة ... فابتسمت تعجب من حالى قالت قفوا واستمعوا ما جرى ... قد هام عمّى الشيخ فى خالى وفى هذا المعنى: تفاخر الحسن فى انتساب «٣» ... لمّا بدا خاله الأنيق فقالت العين ذا ابن أختى ... وقال لى الخدّ ذا شقيق وقد استوعبنا هذا النوع وغيره فى كتابنا «حلية الصفات فى الأسماء والصناعات» فلينظر هناك.

стр. 2349

وفيها توفّى عفيف الدين أبو الحسن على بن عدلان بن حمّاد «١» بن علىّ الموصلىّ النحوىّ المترجم، كان إماما عالما أديبا مفتنّا شاعرا، مات بمصر فى يوم الجمعة تاسع شوّال. ومن شعره، ﵀: لا تعجبنّ إذا ما فاتك المطلب ... وعوّد النفس أن تشقى وأن تتعب إن دام ذا الفقر فى الدنيا فلا تعجب ... مات الكرام وما فيهم فتى أعقب وفيها توفّى السلطان ركن الدين كيقباد ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن أتسز «٢» بن إسرائيل بن سلجوق بن دقماق السّلجوقىّ صاحب الروم، كان ملكا جليلا شجاعا لكنّه كان غير سديد الرأى، كان جعل أمره بيد البرواناه فاستفحل أمر البرواناه، فأراد ركن الدين هذا قتله فعاجله البرواناه وعمل على قتله حتى قتل (وكيقباد بفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وضم القاف وفتح الباء ثانية الحروف وبعد الألف دال مهملة ساكنة) . وكيخسرو مثل ذلك غير أن الخاء المعجمة مضمومة وبعدها سين مهملة ساكنة وراء مهملة مضمومة. وقليج أرسلان بكسر القاف واللام وسكون الياء والجيم معا. وأرسلان معروف. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أيّوب بن أبى بكر عمر «٣» الحمّامى ابن الفقّاعىّ. ومجد الدين أحمد بن عبد الله [بن أبى الغنائم «٤» المسلم بن

стр. 2350

حمّاد بن محفوظ] بن ميسرة الأزدىّ ابن الحلوانيّة فى شهر ربيع الأوّل. والشيخ القدوة إبراهيم بن عبد الله ابن الشيخ أبى عمر [محمد «١» بن أحمد بن محمد بن قدامة] المقدسىّ فى شهر ربيع الأوّل، وله ستون سنة. وأبو بكر عبد الله بن أحمد بن ناصر النّحّاس فى ذى «٢» القعدة. وفيها قتلت التّتار السلطان ركن الدين كيقباد ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان علاء الدين كيقباد صاحب الروم، وله ثمان وعشرون سنة وأجلسوا ولده كيخسرو على التخت وهو ابن عشر سنين. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا سواء. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٦٧] السنة التاسعة من ولاية الملك الظاهر بيبرس على مصر، وهى سنة سبع وستين وستمائة. فيها توفّى الأمير عز الدين أيدمر بن عبد الله الحلىّ «٣» الصالحىّ النجمىّ، كان من أكبر أمراء الدولة وأعظمهم محلّا عند الملك الظاهر، وكان نائب السلطنة عنه بالديار المصرية فى غيبته عنها لوثوقه به واعتماده عليه، وكان قليل الخبرة لكن رزق السعادة. قلت: له أسوة بأمثاله. قال: وكان محظوظا «٤» من الدنيا له الأموال الجمّة والمتاجر الكثيرة والأملاك الوافرة. وأمّا ما خلّفه من الأموال والخيول والجمال والبغال
следующие страницы →