Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
منه، ولا يتجاهر أحد منهم بفاحشة، ولا يتزوّج إلا إن زوّجه هو بعض جواريه؛ هذا مع كثرة عددهم.
قلت رحمه الله تعالى: لو لم يكن من محاسنه إلّا تربية مماليكه وكفّ شرّهم عن الناس لكفاه ذلك عند الله تعالى، فإنّه كان بهم منفعة للمسلمين، ومضرّة للمشركين وقيامهم فى الغزوات معروف، وشرّهم عن الرعيّة مكفوف؛ بخلاف زماننا هذا، فإنّه مع قلّتهم وضعف بنيتهم وعدم شجاعتهم، شرّهم فى الرّعية معروف، ونفعهم عن الناس مكفوف؛ هذا مع عدم التجاريد والتقاء الخوارج وقلّة الغزوات، فإنّه لم يقع فى هذا القرن، وهو القرن التاسع، لقاء مع خارجىّ غير وقعة تيمور، وافتضحوا منه غاية الفضيحة، وسلّموا البلاد والعباد وتسحّب أكثرهم من غير قتال.
وأمّا الغزوات فأعظم ما وقع فى هذا القرن «١» فتح قبرس «٢» ، وكان النصر فيها من الله ، انكسر صاحبها وأخذ من جماعة يسيرة، تلقّاهم بعض
стр. 2452
عساكره. خذلان من الله تعالى! وقع ذلك كلّه قبل وصول غالب عسكر المسلمين.
وأمّا غير ذلك من الغزوات فسفر فى البحر ذهابا وإيابا، فكيف لو كان هؤلاء أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب عند ما غزا الساحل، وغاب عن الديار المصريّة نحو العشر سنين، لا يفارق فيها الخيم والتّشتّت عن الأوطان واتّصال الغزوة بالغزوة! أو لو كانوا أيّام الملك الكامل محمد لمّا قاتل الفرنج على دمياط نحو الثلاث سنين لم يدخل فيها مصر إلى أن فتح الله عليه، أو لو كانوا أيّام الملك الظاهر بيبرس وهو يتجرّد ويغزو فى السنة الواحدة المرّة والمرّتين والثلاث وهلمّ جرّا! إلى أيّام الملك الأشرف شعبان بن حسين لمّا أخذت الإسكندرية. وهذا شىء معروف لا يشاحّ فيه أحد. وأعجب من هذا كلّه أنّ أولئك كانوا على حظّ وافر من الأدب والحشمة والتواضع مع الأكابر، وإظهار الناموس وعدم الازدراء بمن هو دونهم، وهؤلاء است فى الماء وأنف فى السماء، لا يهتدى أحدهم لمسك لجام الفرس، وإن تكلّم تكلّم بنفس؛ ليس لهم صناعة، إلّا نهب البضاعة؛ يتقوّون على الضعيف، ويشرهون حتّى فى الرّغيف؛ جهادهم الإخراق بالرئيس، وغزوهم فى التّبن والدريس؛ وحظّهم منقام، ولا مروءة لهم والسلام. انتهى.
قال ابن كثير فى حقّ الملك المنصور قلاوون المذكور: اشتراه الملك الصالح نجم الدين أيّوب من الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب بألف دينار، فلذلك سمّى بالألفىّ.
قلت: وهذا بخلاف ما نقله الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصّفدىّ فى أنّ الذي اشتراه بألف دينار إنّما هو الأمير آق سنقر الكاملىّ، والأرجح عندى ما قاله الصّفدىّ فى أنّ الذي اشتراه بألف دينار إنما هو الأمير آق سنقر من وجوه عديدة.
стр. 2453
قال ابن كثير أيضا: وكان الملك المنصور قد أفرد من مماليكه ثلاثة آلاف وسبعمائة مملوك من الأمراء والجراكسة وجعلهم بالقلعة، وسمّاهم «البرجيّة» ، وأقام نوّابه فى البلدان من مماليكه، وهم الذين غيروا ملابس الدولة الماضية.
قال الصلاح الصّفدىّ: ولبسوا أحسن الملابس، لأنّ فى الدولة الماضية الصلاحيّة كان الجميع يلبسون كلّوتات «١» صفر مضرّبة بكلبندات «٢» بغير شاشات «٣» ،
стр. 2454
وشعورهم مضفورة ديابيق «١» فى أكياس حرير ملوّنة، وكان فى خواصرهم موضع الحوائص «٢» بنود ملوّنة أو بعلبكّية، وأكمام أقبيتهم «٣» ضيّقة على زى ملابس الفرنج، وأخفافهم برغالى «٤» أو سقامين «٥» ومن فوق قماشهم كمرات «٦» بحلق وإبزيم «٧» ، وصوالقهم «٨» كبار يسع كلّ صولق نصف ويبة أو أكثر، ومنديلهم كبير طوله ثلاث أذرع، فأبطل المنصور ذلك كلّه بأحسن منه، وكانت الخلع للأمراء المقدّمين المروزىّ،
стр. 2455
فخصّص الملك المنصور من الأمراء بلبس الطّرد وحش «١» أربعة من خشداشيته، وهم: سنقر الأشقر الذي كان تسلطن ولقّب بالملك الكامل والبيسرى والأيدمرىّ والأفرم. وباقى الأمراء والخاصّكيّة والبرّانيّة تلبس المروزىّ والطبلخانات بالملّون، والعشرات بالعتّابى «٢» .
قلت: وهذا أيضا بخلاف زماننا فإنّه لبس فيه أوباش الناس الخلع السّنيّة، وأعجب من هذا أنّه لمّا لبس هؤلاء الخلع السّنيّة زالت تلك الأبّهة والحشمة عن الخلع المذكورة وصارت كمن دونها من الخلع فى أعين الناس لمعرفتهم بمقام اللابس. انتهى.
قلت: والآن نذكر ما وعدنا بذكره فى أوائل ترجمة الملك المنصور قلاوون من أمر كتّاب السّرّ، لأنّه هو الذي أحدث هذه الوظيفة وسمّى صاحبها بكاتب السّرّ على ما نبيّنه من أقوال كثيرة:
منها أنّه لمّا كان أيّام الملك الظاهر بيبرس كان الدّوادار يوم ذاك بلبان بن عبد الله الرومى. قال الشيخ صلاح الدين خليل الصّفدىّ: كان من أعيان الأمراء (يعنى عن بلبان المذكور) ومن نجبائهم، وكان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه ويحمّله أسراره إلى القصّاد. ولم يؤمّره إلا الملك السعيد ابن الملك الظاهر بيبرس.
стр. 2456
واستشهد بمصافّ حمص سنة ثمانين وستمائة، وكان يباشر وظيفة الدّواداريّة ولم يكن معه كاتب سرّ، فاتّفق أنّه قال يوما لمحيى الدين بن عبد الظاهر: اكتب إلى فلان مرسوما أن يطلق له من الخزانة العالية بدمشق عشرة آلاف درهم، نصفها عشرون ألفا، فكتب المرسوم كما قال له وجهّزه إلى دمشق، فأنكروه وأعادوه إلى السلطان، وقالوا: ما نعلم! هل هذا المرسوم بعشرين نصفها عشرة أو بعشرة نصفها خمسة؟ فطلب السلطان محيى الدين وأنكر عليه ذلك، فقال: يا خوند، هكذا قال لى الأمير سيف الدين بلبان الدّوادار؛ فقال السلطان: ينبغى أن يكون للملك كاتب سرّ يتلقّى المرسوم منه شفاها. وكان الملك المنصور قلاوون حاضرا من جملة الأمراء فسمع هذا الكلام. وخرج الملك الظاهر عقيب ذلك إلى نوبة أبلستين، فلمّا توفّى الملك الظاهر وملك الملك المنصور قلاوون اتّخذ كاتب سرّ. انتهى.
كلام الصّفدىّ باختصار.
قلت: وفى هذه الحكاية دلالة على أن وظيفة كتابة السرّ لم تكن قبل ذلك أبدا، لقوله: ينبغى للملك أن يكون له كاتب سرّ يتلقّى المرسوم منه شفاها. وأيضا تحقيق ما قلناه: أنّ وظيفة كتابة السرّ لم تكن قديما، وإنّما كانت الملوك لا يتلقّى الأمور عنهم إلّا الوزراء.
قضية فخر الدين بن لقمان مع القاضى فتح الدين محمد بن عبد الظاهر فى الدولة الأشرفيّة خليل بن قلاوون، وهو أنه لمّا توزّر فخر الدين بن لقمان قال له الملك المنصور:
من يكون عوضك فى الإنشاء؟ قال: فتح الدين بن عبد الظاهر، فولّى فتح الدين وتمكّن عند السلطان وحظى عنده؛ وفتح الدين هذا هو الذي قلنا عنه فى أوّل الكتاب إنه أوّل كاتب سرّ كان، وظهر اسم هذه الوظيفة من ثمّ. انتهى. وحظى فتح الدين
стр. 2457
عند السلطان إلى الغاية. فلمّا كان بعض الأيام دخل فخر الدين بن لقمان على السلطان فأعطاه السلطان كتابا يقرؤه، فلمّا دخل فتح الدين أخذ السلطان الكتاب منه وأعطاه لفتح الدين، وقال لفخر الدين: تأخّر! فعظم ذلك على فخر الدين بن لقمان.
قلت: ولولا أنّ هذه الواقعة خرق العادة ما غضب ابن لقمان من ذلك، لأنّ العادة كانت يوم ذاك لا يقرأ أحد على السلطان كتابا بحضرة الوزير. انتهى.
ومنها واقعة القاضى فتح الدين المذكور مع شمس «١» الدين ابن السّلعوس لمّا ولى الوزارة للملك الأشرف خليل بن قلاوون، فإنّه قال لفتح الدين: اعرض علىّ كلّ ما تكتبه عن السلطان كما هى العادة، فقال فتح الدين: لا سبيل إلى ذلك، فلما بلغ الملك الأشرف هذا الخبر من الوزير المذكور، قال: صدق فتح الدين، فغضب من ذلك الوزير ابن السّلعوس.
قلت: وعندى دليل آخر أقوى من جميع ما ذكرته، أنّه لم أقف على ترجمة رجل فى الإسلام شرقا ولا غربا نعت بكاتب السرّ قبل فتح الدين هذا، وفى هذا كفاية. وما ذكره صاحب صبح الأعشى وغيره ممّن كتبوا للنبىّ ﷺ ومن بعده ليس فى ذلك دليل على أنّهم كتّاب السّرّ؛ بل ذلك دليل لكلّ كاتب كتب عن مخدومه كائنا من كان. ونحن أيضا نذكر الذين ذكرهم صاحب صبح الأعشى وغيره من الكتّاب، ونذكر أيضا من ألحقناه بهم من كتّاب السّرّ إلى يومنا هذا، ليعلم بذلك صدق مقالتى بذكرهم وألقابهم وزمانهم. انتهى. قال: اعلم أنّ كتّاب النّبيّ، ﷺ ، كانوا نيّفا على ستة وثلاثين كاتبا، لكن المشهور منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ ومعاوية بن أبى سفيان ومروان بن الحكم.
стр. 2458
قلت: وفى مروان خلاف، لأنّ الحافظ أبا عبد الله الذهبىّ قال فى ترجمة مروان بن الحكم: له رؤية إن شاء الله، ولم يعدّه من الصحابة، فكيف يكون من الكتّاب! وأيضا حذف جماعة من كبار الصحابة كتّاب النّبيّ ﷺ وأثبت مروان هذا، وفى صحبته خلاف. ولولا خشية الإطالة لذكرنا من ذكره الحافظ العلامة مغلطاى «١» ممّن كتب للنبىّ ﷺ ليعلم بذلك غلط من عدّ مروان من الكتّاب. انتهى. قال: ولمّا توفّى النّبيّ، ﷺ وصارت الخلافة إلى أبى بكر كتب عنه عمر بن الخطّاب وعثمان وعلىّ رضى الله عنهم. فلمّا استخلف عمر كتب عنه عثمان وعلىّ ومعاوية وعبد «٢» الله بن خلف الخزاعىّ، وكان زيد بن ثابت «٣» وزيد بن أرقم «٤» يكتبان على بيت المال. فلمّا استخلف عثمان كتب عنه مروان بن الحكم. فلمّا استخلف علىّ كتب عنه عبد الله بن رافع مولى النّبيّ ﷺ وسعيد بن نمران «٥» . فلمّا استخلف الحسن كتب عنه كتّاب أبيه. فلمّا بايعوا معاوية كتب عنه عبد الله بن أوس، وكتب عبد الله المذكور عن ابنه يزيد أيضا، وابن أبيه معاوية بن يزيد. فلمّا خلع معاوية ابن يزيد نفسه وتولّى مروان بن الحكم كتب عنه سفيان «٦» الأحول وقيل عبيد الله بن أوس.
فلمّا استخلف عبد الملك بن مروان كتب عنه روح بن زنباع الجذامىّ. فلما استخلف الوليد كتب عنه قرّة بن شريك، ثم قبيصة بن ذؤيب، ثم الضحّاك ابن زمل «٧» . فلما استخلف سليمان كتب عنه يزيد بن المهلّب، ثم عبد العزيز بن
стр. 2459
الحارث. فلما استخلف الإمام عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه كتب عنه رجاء بن حيوة الكندىّ، ثم ابن أبى رقيّة «١» ؛ فلما استخلف يزيد بن عبد الملك كتب عنه سعيد بن الوليد الأبرش، ثم محمد بن عبد الله بن حارثة الأنصارىّ.
فلما استخلف هشام بن عبد الملك أبقاهما على عادتهما، واستكتب معهما سالما مولاه. فلما استخلف الوليد بن يزيد كتب عنه العباس بن مسلم. فلما استخلف يزيد بن الوليد كتب عنه ثابت بن سليمان. فلما استخلف «٢» إبراهيم بن الوليد كتب عنه أيضا ثابت على عادته. فلما صارت الخلافة إلى مروان بن محمد بن مروان كتب عنه عبد الحميد بن يحيى مولى بنى عامر إلى حين انقراض الدول الأمويّة. ثم صارت الخلافة لبنى العباس فاتخذوا كتّابهم وزراء، وكان أوّل خلفاء بنى العباس أبو العباس عبد الله ابن محمد السفّاح فاتخذ أبا سلمة [حفص بن سليمان «٣» ] الخلّال، وهو أوّل وزير وزر فى الإسلام؛ ثم استوزر معه [خالد «٤» بن] برمك وسليمان بن مخلد والربيع بن يونس، فتراكمت عليهم الأشغال، واتّسعت عليهم الأمور، فأفردوا للمكاتبات ديوانا، وكانوا يعبّرون عنه تارة بصاحب ديوان الرسائل، وتارة بصاحب ديوان المكاتبات، وتفرّقت دواوين الإنشاء فى الأقطار، فكان بكلّ مملكة ديوان إنشاء؛ وكانت الديار المصريّة من حين الفتح الإسلامى وإلى الدولة الطّولونية إمارة، ولم يكن لديوان الإنشاء فيها كبير أمر. فلما استولى أحمد بن طولون عظمت مملكتها وقوى أمرها فكتب عنه أبو جعفر محمد بن أحمد بن مودود. وكتب لولده خمارويه إسحاق بن نصر
стр. 2460
العبادىّ. وتوالت دواوين الإنشاء بذلك إلى حين انقراض الدولة الإخشيدية.
ثم كانت الدولة الفاطمية فعظم ديوان الإنشاء بها، ووقع الاعتناء به واختيار بلغاء الكتّاب ما بين مسلم وذمّىّ، فكتب للعزير بن المعزّ فى الدولة الفاطمية أبو المنصور بن جورس «١» النّصرانىّ، ثم كتب لابنه الحاكم ومات فى أيامه، وكتب للحاكم بعده القاضى أبو الطاهر النهركىّ «٢» . ثم تولى الظاهر بن الحاكم فكتب عنه أبو الطاهر المذكور. ثم تولى المستنصر فكتب عنه القاضى ولى الدين «٣» بن خيران، وولىّ الدولة موسى بن الحسن بعد «٤» انتقاله إلى الوزارة، وأبو «٥» سعيد العميدىّ.
ثم تولى الآمر والحافظ فكتب عنهما الشيخ أبو الحسن علىّ بن أبى أسامة الحلبىّ إلى أن توفّى فى أيام الحافظ، فكتب بعده ولده أبو المكارم إلى أن توفّى، ومعه»
الشيخ أمين الدين تاج الرياسة أبو القاسم علىّ بن سليمان بن منجب «٧» المعروف بابن الصّيرفىّ، والقاضى كافى الكفاة محمود ابن القاضى الموفّق أسعد بن قادوس، وابن أبى الدّم اليهودىّ، ثم كتب بعد أبى المكارم «٨» القاضى الموفّق بن الخلّال «٩» بقية أيام الحافظ إلى آخر أيام العاضد آخر خلفائهم، وبه تخرّج القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانىّ.
ثم أشرك العاضد مع الموفّق بن الخلّال فى ديوان الإنشاء القاضى جلال الدين محمودا
стр. 2461
الأنصارىّ. ثم كتب القاضى الفاضل بين يدى الموفّق بن الخلّال فى وزارة صلاح الدين يوسف بن أيّوب. ثم كانت الدولة الأيّوبية، فكتب للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب القاضى الفاضل المذكور، ثم أضيفت اليه الوزارة. ثم كتب بعد الناصر لابنه العزيز ولأخيه العادل أبى بكر، ثم مات العادل والفاضل.
قلت: هنا مجازقة لم يكتب القاضى الفاضل للعادل وكان بينهما مشاحنة، ومات الفاضل قبل وصول العادل إلى مصر، وقيل وقت دخول العادل من باب النصر إلى القاهرة كانت جنازة القاضى الفاضل خارجة. وقد ذكرنا ذلك كلّه فى هذا الكتاب «١» ، وإنما كتب الفاضل للعزيز عثمان ولولده الملك المنصور محمد، فالتبس المنصور على الناقل بالعادل. انتهى.
قال: ثم تولّى الكامل بن العادل فكتب له أمين الدين سليمان المعروف بكاتب الدّرج إلى أن توفّى، فكتب له بعده الشيخ أمين الدين عبد المحسن [بن حمود «٢» ] الحلبى مدّة قليلة؛ ثم كتب للصالح نجم الدين أيّوب، ثم ولى ديوان الإنشاء الصاحب بهاء الدين زهير، ثم صرف وولى بعده الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان الإسعردىّ، فبقى إلى انقراض الدولة الأيّوبية. فلما كانت الدولة التركية كتب للمعز أيبك الصاحب فخر الدين المذكور، ثم بعده للمظفر قطز، ثم للظاهر بيبرس، ثم للمنصور قلاوون، ثم نقله قلاوون من ديوان الإنشاء للوزارة، وولى ديوان الإنشاء مكانه القاضى فتح الدين بن عبد الظاهر فكتب عنه بقية أيامه؛ ثم كتب لابنه الأشرف خليل إلى أن توفّى، فولّى مكانه القاضى تاج الدين [أحمد «٣» ] بن الأثير فكتب إلى أن
стр. 2462
توفّى؛ فكتب بعده القاضى شرف الدين عبد الوهاب «١» بن فضل الله فكتب بقية أيام الأشرف. فلما تولّى أخوه الناصر محمد كتب عنه القاضى شرف الدين المذكور فى سلطنته الأولى ثم فى أيام العادل كتبغا ثم أيام المنصور لاچين ثم فى أيام سلطنة الناصر محمد الثانية؛ ثم نقله إلى كتابة السّرّ بدمشق عوضا عن أخيه القاضى محيى الدين «٢» ، وتولى مكانه بمصر القاضى علاء الدين [بن تاج الدين «٣» ] بن الأثير فبقى حتى مرض بالفالج فاستدعى الملك الناصر محيى الدين بن فضل الله من دمشق وولده شهاب الدين [أحمد «٤» ] وولّاهما «٥» ديوان الإنشاء بمصر. ثم ولّى بعدهما القاضى شمس الدين «٦» ابن الشهاب محمود فبقى إلى عود السلطان من الحجّ فأعاد القاضى محيى الدين وولده القاضى شهاب الدين إلى ديوان الإنشاء بمصر فبقيا مدّة. ثم تغيّر السلطان على القاضى شهاب الدين وصرفه عن المباشرة، وأقام أخاه القاضى علاء الدين «٧» وكلاهما معين لوالده لكبر سنّه، ثم سأل القاضى محيى الدين السلطان فى العود إلى دمشق فأعاده وصحبته ولده شهاب الدين؛ واستمرّ ولده القاضى علاء الدين بالديار المصريّة فباشر بقيّة أيام الناصر، ثم أيّام ولده الملك المنصور «٨» ، ثم أيام الأشرف كجك، ثم أيام الناصر أحمد إلى أن خلع نفسه وتوجّه إلى الكرك توجه معه القاضى علاء الدين؛ فلمّا تولّى الملك الصالح إسماعيل السلطنة
стр. 2463
بمصر بعد أخيه الناصر أحمد قرّر القاضى بدر الدين محمد «١» ابن القاضى محيى الدين بن فضل الله عوضا عن أخيه علاء الدين.
قلت: لم يل بدر الدين محمد بعد أخيه علاء الدين الوظيفة استقلالا وإنّما ناب عنه إلى حين حضوره. انتهى.
قال: ثم أعيد علاء الدين أيّام الصالح إسماعيل وأيام الكامل شعبان، ثم أيام المظفّر حاجّى ثم أيّام الناصر حسن فى سلطنته الأولى، ثم فى أيّام الصالح صالح، ثم فى أيّام الناصر حسن فى سلطنته الثانية، ثم أيام المنصور محمد ابن المظفر حاجّى، ثم فى أيّام الأشرف شعبان «٢» وتوفّى فى أيّامه.
قلت: وكانت وفاته فى شهر رمضان سنة تسع وستين وسبعمائة بعد أن باشر كتابة السر نيّفا وثلاثين سنة لأحد عشر سلطانا.
قال: ثم ولى الوظيفة بعده ولده بدر الدين «٣» محمد ابن القاضى علاء الدين، فباشر بقيّة أيام الأشرف شعبان، ثم ولده المنصور علىّ، ثم أخيه الملك الصالح حاجّى بن شعبان إلى أن خلع بالظاهر برقوق، فاستقرّ برقوق بالقاضى أوحد الدين عبد الواحد ابن إسماعيل التّركمانىّ «٤» إلى أن توفّى.
قلت: وكانت وفاته فى ذى الحجة سنة ستّ وثمانين وسبعمائة.
стр. 2464
قال: ثم أعيد بدر الدين فباشر حتى خلع الظاهر برقوق بالمنصور حاجّىّ، فاستمر بدر الدين إلى أن عاد برقوق إلى سلطنته الثانية، صرفه بالقاضى علاء الدين على بن عيسى الكركى، ثم صرف الكركىّ.
قلت: ومات معزولا فى شهر ربيع الأوّل فى سنة أربع وتسعين وسبعمائة.
قال: ثم أعيد القاضى بدر الدين من بعد عزل القاضى علاء الدين فاستمرّ بدر الدين إلى أن عاد برقوق فتوفّى بدمشق.
قلت: ووفاته فى شوّال سنة ست وتسعين وسبعمائة.
قال: وولى بعده القاضى بدر الدين محمود الكلستانىّ فباشر إلى أن توفّى.
قلت: وكانت وفاته فى عاشر جمادى الأولى سنة إحدى وثمانمائة.
قال: فتولى بعده القاضى فتح الدين فتح الله [التّبريزىّ «١» ] فباشر بقية أيام الظاهر، ومدّة من أيام الناصر إلى أن صرفه الناصر فرج بالقاضى سعد «٢» الدين بن غراب مدّة يسيرة، ثم صرف ابن غراب وأعيد القاضى فتح الله ثانيا، فباشر إلى أن صرف بالقاضى فخر الدين بن المزوّق «٣» ، فباشر مدة يسيرة، ثم صرف وأعيد فتح الله فباشر إلى أن صرفه الملك المؤيّد شيخ وقبض عليه وصادره.
قلت: ومات تحت العقوبة خنقا فى ليلة الأحد خامس عشر شهر ربيع الأوّل سنة ست عشرة وثمانمائة، وهو فتح الله بن مستعصم بن نفيس التّبريزى الحنفى الداوودى، يأتى ذكره هو وغيره من كتّاب السّرّ فى محلهم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
стр. 2465
قال: وتولّى بعده القاضى ناصر «١» الدين محمد البارزىّ فباشر إلى أن توفّى.
قلت: وكانت وفاته يوم الأربعاء ثامن شوّال سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، ومولده بحماة فى يوم الاثنين رابع شوّال سنة تسع «٢» وستين وسبعمائة. وتولى بعده ولده القاضى كمال الدين «٣» محمد بن البارزى، فباشر إلى أن صرفه الملك الظاهر ططر وولّى علم الدين داود [بن عبد «٤» الرحمن] بن الكويز، فباشر إلى أن توفّى سنة ست وعشرين وثمانمائة فى دولة الملك الأشرف برسباى. وولّى بعده جمال الدين يوسف «٥» بن الصّفىّ الكركىّ فباشر قليلا إلى أن صرف بقاضى القضاة شمس «٦» الدين محمد الهروىّ، ودام الكركىّ بعد ذلك وباشر عدّة وظائف بالبلاد الشامية إلى أن توفّى فى حدود سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وباشر الهروى إلى أن عزل بقاضى القضاة نجم الدين عمر ابن حجّى، فباشر ابن حجّى إلى أن عزل وتوجّه إلى دمشق على قضائها، ودام إلى أن قتل بها فى ذى القعدة سنة ثلاثين وثمانمائة، وولّى بعده القاضى بدر الدين محمد [ابن محمد «٧» بن أحمد] بن مزهر، واستمرّ إلى أن مات فى ليلة الأحد سابع عشرين جمادى الآخرة من سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة. وولى بعده ابنه جلال الدين؛ وقيل بدر الدين «٨» محمد مدّة يسيرة. وصرف بالشريف شهاب الدين أحمد [بن علىّ «٩» بن إبراهيم ابن عدنان] الحسينى الدمشقى، فباشر مدة يسيرة وتوفّى بالطاعون فى سنة ثلاث وثلاثين،
стр. 2466
وولى بعده أخوه نحو الجمعة بغير خلعة وتوفّى بالطاعون أيضا. وولى بعدهما شهاب الدين أحمد [بن صالح بن»
أحمد بن عمر المعروف با] بن السّفاح الحلبى فباشر إلى أن مات فى سنة خمس وثلاثين. وولى بعده الوزير كريم «٢» الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ مضافا للوزارة، فباشر أشهرا وصرف؛ وأعيد القاضى كمال الدين محمد بن البارزىّ فى يوم السبت العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وثلاثين، فباشر إلى أن صرف يوم الخميس سابع شهر رجب سنة تسع وثلاثين؛ وولى مكانه الشيخ محبّ الدين محمد ابن الأشقر فباشر إلى أن صرف، وولى صلاح الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله، فباشر إلى أن توفّى بالطاعون فى سنة إحدى وأربعين، وولى مكانه والده الصاحب بدر الدين حسن فباشر إلى أن صرف، وأعيد القاضى كمال الدين بن البارزىّ فى يوم الثلاثاء سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وهى ولايته الثالثة؛ فباشر إلى أن توفّى بكرة يوم الأحد سادس عشرين صفر سنة ستّ وخمسين وثمانمائة. ولم يخلّف بعده مثله، وولى بعده القاضى محب الدين محمد بن الأشقر المقدّم ذكره، وباشر إلى أن صرفه الملك الأشرف إينال بالقاضى محب الدين محمد بن الشّحنة الحلبىّ، فباشر ابن الشّحنة أشهرا ثم صرف، وأعيد القاضى محب الدين محمد بن الأشقر وهى ولايته الثالثة. انتهى.
قلت: وغالب من ذكرناه من هؤلاء الكتّاب قد تقدّم ذكر أكثرهم، ويأتى ذكر باقيهم فى محلّهم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وقد استطردنا من ترجمة الملك المنصور إلى غيرها، ولكن لا بأس بالتطويل فى تحصيل الفوائد. انتهى.
стр. 2467
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٧٩]
السنة الأولى من سلطنة الملك المنصور قلاوون على مصر وقد تقدّم ذكرها فى ترجمة الملك السعيد، والملك العادل سلامش ولدى الملك الظاهر بيبرس، وهى سنة ثمان وسبعين وستمائة، فإنه حكم فيها من شهر رجب إلى آخرها.
وهذه السنة الثانية من ولاته الملك المنصور قلاوون المذكور، وهى سنة تسع وسبعين وستمائة.
فيها توفّى الشيخ محيى الدين أبو العباس أحمد [بن علىّ «١» ] بن عبد الواحد بن السابق الحلبى العدل الكبير، كان من أكابر بيوت حلب، وكان عنده فضيلة ورياسة ومات بدمشق فى ذى الحجة.
وفيها توفّى الأمير سيف الدين، وقيل صارم الدين، أزبك بن عبد الله الحلبى العدل الكبير، كان من أعيان أمراء دمشق، وهو منسوب إلى أستاذه الأمير عزّ الدين أيبك الحلبى، وكان قد تجرّد إلى بعلبكّ فتمرّض بها، فحمل فى محفّة إلى دمشق، فمات بها فى شوّال.
وفيها توفّى الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله الشّمسىّ، كان من أعيان الامراء وأماثلهم وشجعانهم، وهو الذي أمسك الأمير عزّ الدين أيدمر الظاهرى، وهو الذي باشر قتل كتبغا نوين مقدّم التّتار يوم عين جالوت، وكان ولى نيابة حلب فى السنة الخالية؛ ومات بها فى يوم الاثنين خامس المحرّم ودفن بحلب، وهو فى عشر الخمسين.
стр. 2468
وفيها توفّى الشيخ الإمام كمال الدين أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الحنفىّ الفقيه العدل، كان من أعيان الفقهاء العدول، وكان كثير الديانة والتعبّد، وهو أخو قاضى القضاة شمس «١» الدين الحنفىّ.
وفيها توفّى الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد [بن أيّوب بن أبى رحلة «٢» ] الحمصى المولد والدار البعلبكّى الوفاة، كان فاضلا ظريفا أديبا شاعرا، ومما ينسب إليه من الشعر قوله:
والدهر كالطيف بؤساه وأنعمه ... عن غير قصد فلا تحمد ولا تلم
لا تسأل الدهر فى البأساء يكشفها ... فلو سألت دوام البؤس لم يدم
وفيها توفّى الأديب الفاضل الشاعر المفتنّ جمال الدين أبو الحسين يحيى ابن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علىّ المصرىّ المولد والوفاة، المعروف بالجزّار، الشاعر المشهور أحد فحول الشعراء فى زمانه. مولده سنة إحدى «٣» وستمائة. ومات يوم الثلاثاء ثانى عشر شوّال ودفن بالقرافة، وكان من محاسن الدنيا، وله نوادر مستظرفة ومداعبات ومفاوضات «٤» مع شعراء عصره، وله ديوان شعر كبير.
قال الشيخ صلاح الدين الصّفدىّ: لم يكن فى عصره من يقاربه فى جودة النظم غير السّراج الورّاق «٥» ، وهو كان فارس تلك الحلبة، ومنه أخذوا، [و] على نمطه نسجوا، ومن مادّته استمدّوا. انتهى كلام الصّفدىّ.
стр. 2469
قلت: ونذكر قطعة من شعره فمن ذلك قوله:
أكلّف نفسى كلّ يوم وليلة ... هموما «١» على من لا أفوز بخيره
كما سوّد القصار بالشمس وجهه ... ليجهد فى تبييض أثواب غيره
وقيل: إنه بات ليلة فى رمضان عند الصاحب بهاء الدين بن حنّا، فصلّى عنده التراويح وقرأ الإمام فى تلك الليلة سورة الأنعام فى ركعة واحدة؛ فقال أبو الحسين:
ما لى على الأنعام من قدرة ... لا سيّما فى ركعة واحده
فلا تسومونى حضورا سوى ... فى ليلة الأنفال والمائدة
ومن شعره:
طرف «٢» المحبّ فم يذاع به الجوى ... والدمع إن صمت اللسان لسان
تبكى الجفون على الكرى فاعجب لمن ... تبكى عليه إذا نأى الأوطان
وفيها توفّى الشيخ الإمام عماد الدين أبو بكر بن هلال بن عبّاد الجيلىّ «٣» الحنفى معيد المدرسة الشّبليّة. كان إماما عالما صالحا منقطعا عن الناس مشتغلا بنفسه، وكان معدودا من العلماء، أفتى وأعاد ودرّس وانتفع به الناس ومات فى تاسع عشر شهر رجب، وقد كمل له مائة سنة وأربع سنين. وروى عنه ابن الزّبيدىّ «٤» ؛ وروى بالإجازة العامّة عن السّلفىّ.
стр. 2470
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الفقيه شمس الدين محمد بن عبد الله [بن محمد «١» بن عمر بن مسعود] بن النّنّ. والأديب البارع أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم الجزّار بمصر. وشيخ الرافضة النّجيب أبو القاسم بن الحسين ابن العود الحلّىّ بجزّين فى شعبان. والشيخ الزاهد يوسف [بن نجاح «٢» بن موهوب] الفقّاعىّ بزاويته بقاسيون.
أمر فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٨٠]
السنة الثالثة من ولاية السلطان الملك المنصور قلاوون على مصر، وهى سنة ثمانين وستمائة.
فيها تربت جزيرة كبيرة ببحر النيل تجاه قرية بولاق «٣» واللّوق «٤» ، وانقطع بسببها مجرى البحر ما بين قلعة المقس «٥» وساحل باب البحر والرّملة «٦» وبين جزيرة «٧» الفيل؛ ولم يعهد هذا فيما تقدّم، وحصل لأهل القاهرة مشقّة يسيرة من نقل الماء لبعد البحر عنهم؛ وأراد السلطان حفره فمنعوه، وقالوا له: هذا نشف إلى الأبد.
قلت: وكذا وقع، وغالب أملاك باب البحر والبساتين خارج باب البحر وداخله هى مكان البحر الذي نشف، والتصقت المبانى والبساتين بجزيرة الفيل وصارت غير جزيرة، فسبحان القادر على كل شىء!.
стр. 2471
وفيها توفّى الشيخ الصالح المولّه المعتقد إبراهيم بن سعيد الشّاغورىّ المعروف بجيعانة فى يوم الأحد سابع جمادى الأولى بدمشق، ودفن بمقبرة المولّهين بسفح قاسيون، وله من العمر نحو سبعين سنة، وكانت له جنازة عظيمة، وكان له أحوال ومكاشفات، ﵀.
وفيها توفّى ملك التّتار أبغا بن هولاكو بن تولى خان بن چنكز خان ملك التّتار وطاغيتهم، كان ملكا جليل القدر على الهمّة شجاعا مقداما خبيرا بالحروب، لم يكن بعد والده مثله، وكان على مذهب التّتار واعتقادهم، ومملكته متّسعة جدّا وعساكره كثيرة، وكان مع ذلك كلمته مسموعة فى جنده مع كثرتهم. ولمّا توجّه أخوه منكوتمر بالعساكر إلى جهة الشام لم يكن ذلك عن رأيه بل أشير عليه فوافق، ونزل فى ذلك الوقت الرّحبة، أو بالقرب منها، فلما بلغ أبغا «١» كسرة منكوتمر رجع الى همذان فمات غمّا وكمدا ومات منكوتمر بعد أخيه أبغا بمدّة يسيرة بين العيدين، وله من العمر نحو خمسين سنة، وقيل: ثلاثين سنة والثانى أرجح. ومات بعده بيومين أخوه آجاى على ما يأتى ذكر منكوتمر فى القابلة.
وفيها توفّى التاجر نجم الدين أبو العبّاس أحمد بن علىّ بن المظفّر بن الحلّىّ، كان ذا نعمة ضخمة وثروة ظاهرة، وأمول جمّة، وله التقدّم فى الدولة.
وفيها توفّى الشيخ موفّق الدين أبو العباس أحمد بن يوسف المعروف بالكواشىّ «٢» الإمام العالم المفسّر صاحب التفسير الكبير والتفسير الصغير وهما من أحسن التفاسير، وكانت له اليد الطّولى فى القراءات ومشاركة فى غير ذلك من العلوم، وكان مقيما
стр. 2472
بالجامع العتيق بالموصل منقطعا عن الناس مجتهدا فى العبادة لا يقبل لأحد شيئا، وكان يزوره الملك ومن دونه فلا يقوم لهم ولا يعبأ بهم، وكان له مجاهدات وكشوف وكرامات، ولأهل تلك البلاد فيه عقيدة. ومات وله تسعون سنة تقريبا، وكانت وفاته فى سابع «١» عشر جمادى الآخرة بالموصل ودفن بها.
وفيها توفّى الأمير عزّ الدين المعروف بالحاجّ أزدمر بن عبد الله الجمدار، كان من أعيان الأمراء، وكان ممن انضاف إلى سنقر الأشقر لمّا تسلطن، وكان سنقر جعله نائبا بدمشق، ووقع له أمور ذكرنا بعضها فى أوّل ترجمة الملك المنصور قلاوون إلى أن استشهد فى واقعة التّتار مع المنصور قلاوون بظاهر حمص مقبلا غير مدبر ﵀ وتقبّل منه.
وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيبك بن عبد الله الشّجاعىّ الصالحى العمادى والى الولاة بالجهات «٢» القبلية، كان ديّنا خيّرا ليّن الجانب شديدا على أهل الرّيب وجيها عند الملوك، وكان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه فى أموره؛ ثم إنه ترك الأمر باختياره ولزم داره إلى أن مات بدمشق فى جمادى الآخرة، وقد بلغ خمسا وثمانين سنة.
وفيها توفّى الأمير بدر الدين بكتوت بن عبد الله الخازندار، استشهد أيضا فى وقعة التّتار بحمص وكان أميرا جليلا.
وفيها توفّى الأمير سيف الدين بلبان الرّومى «٣» الدّوادار المقدّم ذكره فى قضيّة كتّاب السرّ، كان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه وولّاه دوادارا، وكان المطّلع
стр. 2473
على أسراره، وتدبير أمور القصّاد والجواسيس والمكاتبات لا يشاركه فى ذلك وزير ولا نائب سلطنة، بل كان هو والأمير حسام الدين لاچين الأيدمرىّ المعروف بالدّرفيل، فلما توفّى لا چين المذكور انفرد بلبان بذلك وحده، وكان مع هذه الخصوصية عند الملك الظاهر أمير عشرة، وقيل جنديا.
قال الصّفدى: لم يؤمّره طبلخاناه إلى أن مات الملك الظاهر أنعم عليه ولده الملك السعيد بإمرة ستين فارسا بالشام، وبقى بعد ذلك إلى أن استشهد بظاهر حمص ﵀ وقد نيّف على ستين «١» سنة.
وفيها توفّى الأمير شمس الدين سنقر بن عبد الله الألفى، كان من أعيان الأمراء الظاهريّة، وولى نيابة السلطنة بمصر للملك السعيد بعد موت الأمير بدر الدين بيليك الخازندار، وباشر النّيابة أحسن مباشرة إلى أن استعفى فأعفى، وولى النيابة عوضه الأمير كوندك، فكان ذهاب الدولة على يده. ثم قبض الملك المنصور على سنقر هذا واعتقله بالإسكندرية، وقيل بقلعة الجبل، إلى أن مات، وله من العمر نحو أربعين سنة.
وفيها توفّى الشيخ علاء الدين أبو الحسن علىّ بن محمود بن الحسن بن نبهان اليشكرى ثم الربعىّ، كان له اليد الطّولى فى علم الفلك، وتفرّد بحلّ الأزياج وعمل التقاويم، وغلب ذلك عليه مع فضلية تامة فى علم الأدب وجودة النظم. ومن شعره:
ولما أتانى العاذلون عدمتهم ... وما منهم إلا للحمى قارض
وقد بهتوا لما رأونى شاحبا ... وقالوا به عين فقلت وعارض
وله:
إنى أغار من النّسيم إذا سرى ... بأريج عرفك خيفة من ناشق
стр. 2474
وأودّ «١» لو سهّرت لا من علّة ... حذرا عليك من الخيال الطارق
قلت: وأجاد الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح فى هذا المعنى حيث قال:
فلو أمسى على تلفى مصرّا ... لقلت معذّبى بالله زدنى
ولا تسمح بوصلك لى فإنّى ... أغار عليك منك فكيف منّى
ومثل هذا أيضا قول حفصة «٢» المغربية، رحمها الله:
أغار «٣» عليك من غيرى ومنّى ... ومنك ومن مكانك والزمان
ولو أنّى خبأتك فى جفونى ... إلى يوم القيامة ما كفانى
وفيها توفّى الشيخ الإمام الأديب البارع بدر الدين يوسف بن لؤلؤ بن عبد الله الذّهبىّ الشاعر المشهور، كان أبوه لؤلؤ عتيق الأمير بدر الدين صاحب تلّ باشر.
وكان بدر الدين هذا فاضلا شاعرا ماهرا. ومن شعره ممّا كتبه للشيخ نجم الدين [محمد «٤» ] بن إسرائيل وله صاحب يميل إليه يسمّى بالجارح:
قلبك اليوم طائر ... عنك فى الجوائح
كيف يرجى خلاصه ... وهو فى كفّ جارح
стр. 2475
ومن شعره فى دولاب:
وروضة دولابها ... إلى الغصون قد شكا
من حين ضاع زهرها ... دار عليه وبكى
وله:
يا عاذلى فيه قل لى ... إذا «١» بدا كيف أسلو
يمرّ بى كلّ حين ... وكلما مرّ يحلو
وله:
حلا نبات الشّعر يا عاذلى ... لمّا بدا فى خدّه الأحمر
فشاقنى ذاك العذار الذي ... نباته أحلى من السّكّر
وله فى غلام على وجهه حبّ شباب:
تعشّقته لدن القوام مهفهفا ... شهىّ اللمّى أحوى المراشف أشنبا
وقالوا بدا حبّ الشباب بوجهه ... فيا حسنه وجها إلىّ محبّبا
وله:
رفقا بصبّ مغرم ... أبليته صدّا وهجرا
وافاك سائل دمعه ... فرددته فى الحال نهرا
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى العلّامة الزاهد موفّق الدين أحمد بن يوسف الكواشىّ «٢» المفسّر بالموصل فى جمادى الآخرة، وقد جاوز التسعين. والقاضى نجم «٣» الدين محمد ابن القاضى صدر الدين بن سنىّ الدولة بدمشق
стр. 2476
فى المحرّم. والعلّامة قاضى القضاة تقىّ الدين محمد بن الحسين بن رزين العامرىّ بالقاهرة فى رجب، وله سبع وسبعون سنة. والحافظ المسند جمال الدين أبو حامد «١» محمد بن علىّ بن محمود بن الصابونىّ فى ذى القعدة. والمسند شمس الدين أبو الغنائم المسلم بن محمد بن المسلم بن علّان فى ذى الحجّة، وله سبع وثمانون سنة. والعدل أمين الدين القاسم بن أبى بكر بن القاسم الإربلىّ فى جمادى الأولى. والعارف الزاهد ولىّ الدين علىّ بن أحمد بن بدر الجزرىّ «٢» المقيم بجامع بيت لهيا «٣» فى شوّال.
وأبغا بن هولاكو ملك التّتار ببلاد همذان. والحاج أزدمر الأمير بمصافّ حمص شهيدا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وأربع أصابع.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٨١]
السنة الرابعة من ولاية الملك المنصور قلاوون على مصر، وهى سنة إحدى وثمانين وستمائة.
فيها توفّى قاضى القضاة شمس الدين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن خلّكان بن باول «٤» بن عبد الله بن شاكل «٥» بن الحسين بن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكىّ الإربلىّ الشافعىّ قاضى قضاة دمشق وعالمها ومؤرّخها.
стр. 2477
مولده فى ليلة الأحد «١» حادى عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وستمائة بإربل وبها نشأ.
ذكره ابن العديم فى تاريخه فقال: من بيت معروف بالفقه والمناصب الدينية. وقال غيره: كان إماما عالما فقيها أديبا شاعرا مفتنّا مجموع الفضائل معدوم النظير فى علوم شتّى، حجّة فيما ينقله محقّقا لما يورده منفردا فى علم الأدب والتاريخ، وكانت وفاته فى شهر رجب وله ثلاث وسبعون سنة.
قلت: وهو صاحب التاريخ المشهور، وقد استوعبنا من حاله نبذة جيّدة فى تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» . انتهى.
وكان ولى قضاء دمشق مرّتين: الأولى فى حدود الستين وستمائة وعزل وقدم القاهرة، وناب فى الحكم بها عن قاضى القضاة بدر الدين السّنجارىّ، وأفتى بها ودرّس ودام بها نحو سبع سنين؛ ثم أعيد إلى قضاء دمشق بعد عزّ «٢» الدين بن الصائغ، وسرّ الناس بعوده. ومدحته الشعراء بعدّة قصائد؛ من ذلك ما أنشده الشيخ رشيد الدين عمر بن إسماعيل [بن مسعود «٣» بن سعد بن سعيد] الفارقىّ فقال:
أنت فى الشام مثل يوسف فى مص ... ر وعندى أنّ الكرام جناس
ولكلّ سبع شداد وبعد السّب ... ع عام فيه يغاث الناس
وقال فيه أيضا نور الدين علىّ بن مصعب.
رأيت أهل الشآم طرّا ... ما فيهم قطّ غير راض
стр. 2478
أتاهم الخير بعد شرّ ... فالوقت بسط بلا انقباض
وعوّضوا فرحة بحزن ... قد أنصف الدهر فى التقاضى
وسرّهم بعد طول غمّ ... قدوم قاض وعزل قاض
فكلّهم شاكر وشاك ... لحال مستقبل وماض
ومن شعر ابن خلّكان المذكور قوله:
تمثّلتم لى والبلاد بعيدة ... فخيّل لى أنّ الفؤاد لكم مغنى
وناجا كم قلبى على البعد والنّوى ... فآنستمو لفظا وأوحشتمو معنى
وله دو بيت:
قاسوك ببدر التّمّ قوم ظلموا ... لا ذنب لهم لأنّهم ما علموا
من أين لبدر التّمّ يا ويحهم ... جيد وعيون وقوام وفم
وله:
يا رب إنّ العبد يخفى عيبه ... فاستر بحلمك ما بدا من عيبه
ولقد أتاك وما له من شافع ... لذنوبه فاقبل شفاعة شيبه
قلت ويعجبنى فى هذا المعنى قول القائل:
إن كانت الأعضاء خالفت الّذى ... أمرت به فى سالف الأزمان
فسلوا الفؤاد عن الذي أودعتم ... فيه من التوحيد والإيمان
تجدوه قد أدّى الأمانة فيهما ... فهبوا له ما خلّ فى الأركان
وفيها توفّى ملك التّتار منكوتمر بن هولاكو خان بن تولى خان بن چنكز خان، هو أخو أبغا ملك التّتار؛ ومنكوتمر هذا هو الذي ضرب المصافّ مع السلطان الملك المنصور قلاوون على حمص حسب ما تقدّم ذكره وانكسرت عساكره، فلمّا وقع
стр. 2479
ذلك عظم عليه وحصل عنده غمّ شديد وكمد زائد، وحدّثته نفسه بجمع العساكر من سائر ممالك بيت هولاكو، واستنجد بأخيه أبغا على غزو الشام، فقدّر الله موت أبغا، ثم مات هو بعده فى محرّم هذه السنة، وأراح الله المسلمين من شرّهما. وكان منكوتمر شجاعا مقداما وعنده بطش «١» وجبروت وسفك للدّماء، وكان نصرانيّا، وكان جرح يوم مصافّ حمص، والذي جرحه الأمير علم الدين سنجر الدّويدارىّ.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الإمام زين الدين عبد السلام بن علىّ الزّواوىّ المالكىّ شيخ القرّاء فى رجب، عن اثنتين وتسعين سنة.
وقاضى القضاة شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان الإربلىّ فى رجب، وله ثلاث وسبعون سنة. ونجيب الدين المقداد بن هبة الله القيسىّ العدل فى شعبان.
وأبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله المليجىّ «٢» آخر من قرأ القرآن على أبى «٣» الجود فى رمضان بالقرافة. والبرهان إبراهيم بن إسماعيل [بن إبراهيم «٤» بن يحيى بن علوىّ المعروف ب] ابن الدّرجىّ إمام المدرسة المعزّيّة فى صفر، وله اثنتان وثمانون سنة.
والعماد إسماعيل بن إسماعيل بن جوسلين البعلبكّىّ. والعلّامة برهان الدين محمود ابن عبد الله المراغى فى شهر ربيع الآخر، وله ستّ وسبعون سنة. والإمام أمين الدين
стр. 2480
أحمد بن عبد الله [بن محمد «١» بن عبد الجبّار] بن الأشترىّ «٢» الشافعى فى شهر ربيع الأوّل.
والشيخ الزاهد عبد الله [بن أبى بكر بن أبى البدر «٣» البغدادىّ ويعرف] بكتيلة ببغداد.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٨٢]
السنة الخامسة من ولاية الملك المنصور قلاوون على مصر، وهى سنة اثنتين وثمانين وستمائة.
فيها توفّى الأمير شهاب الدين أحمد بن حجّىّ بن بريد «٤» البرمكىّ أمير آل مرى، كان من فرسان العرب المشهورين، كانت سراياه تغير إلى أقصى نجد وبلاد الحجاز ويؤدّون له الخفر، وكذلك صاحب المدينة الشريفة، وكانت له المنزلة العالية عند الظاهر والمنصور قلاوون وغيرهما من الملوك، كانوا يدارونه ويتّقون شرّه، وكان يزعم أنّه من نسل الوزير جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكىّ من أخت الخليفة هارون الرشيد الذي امتحن جعفر بسببها وقتل. وكان بين شهاب الدين هذا وبين عيسى بن مهنّا أمير آل فضل منافسة، فكتب إليه شهاب الدين هذا مرّة كتابا وأغلظ فيه، وكان عند عيسى الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم «٥» فسأله عيسى بن مهنّا المجاوبة، فكتب عنه يقول:
стр. 2481
زعموا «١» أنّا هجونا ... جمعهم بالافتراء
كذبوا فيما ادّعوه ... وافتروا بالادّعاء
إنّما قلنا مقالا ... لا كقول السّفهاء
آل فضل آل فضل ... وانتم آل مراء
وفيها توفّى شرف بن مرى بن حسن بن حسين بن محمد النّواوى والد الشيخ محيى «٢» الدين النّواوىّ، كان مقتنعا بالحلال يزرع أرضا يقتات منها هو وأهله، وكان يموّن ولده الشيخ محيى الدين منها، ومات فى صفر.
وفيها توفّى الشيخ الإمام شمس الدين أبو محمد «٣» عبد الرحمن بن محمد بن أحمد ابن محمد بن قدامة الحنبلىّ المقدسىّ، كان إماما فقيها ورعا زاهدا كبير القدر جمّ الفضائل، انتهت إليه رياسة مذهب الإمام أحمد بن حنبل، رضى الله عنه، فى زمانه، وشرح كتاب «المقنع» فى الفقه تأليف عمّه شيخ الإسلام موفّق «٤» الدين، ﵀:
وفيها توفّى الأمير علاء الدين كشتغدى «٥» بن عبد الله الشرفىّ «٦» الظاهرىّ المعروف بأمير مجلس، كان من أعيان الأمراء وأكابرهم بالديار المصريّة وكان بطلا شجاعا وله مواقف مشهورة ونكايات فى العدوّ المخذول. ومات بقلعة الجبل وقد نيّف على خمسين سنة، وحضر الملك المنصور قلاوون جنازته.
стр. 2482
وفيها توفّى الكاتب المجوّد عماد الدين أبو عبد الله، وقيل أبو الفضل، محمد ابن محمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله الشّيرازىّ الدمشقىّ صاحب الخطّ المنسوب. انتهت إليه الرياسة فى براعة الخط لا سيّما فى [القلم «١» ] المحقّق و [قلم «٢» ] النّسخ.
سمع الكثير وروى عنه الحافظ جمال الدين «٣» المزّىّ وغيره، وتصدّى للكتابة وانتفع به الناس. وقدم القاهرة واتّفق أنّه ركب النيل مرّة مع الصاحب بهاء الدين بن حنّا، وكان معه جماعة من أصحابه وفيهم شخص معروف بابن الفقّاعى ممّن له عناية بالكتابة، فسأل الصاحب بهاء الدين، وقال: عندى لمولانا الصاحب وهؤلاء الجماعة يوم كامل الدّعوة، ومولانا يدعو المولى عماد الدين يفيدنى قطّة القلم، فقال الصاحب:
والله ما فى هذا شىء، مولانا يتفضّل عليه بذلك، فأطرق عماد الدين مغضبا، ثم رفع رأسه وقال: أو خير لك من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أحمل إليك ربعة بخطّى، ويعفينى من هذا، فقال الصاحب: لا والله، الرّبعة بخطّ مولانا تساوى ألفى درهم، وأنا ما آكل من هذه الضيافة شيئا يساوى عشرة دراهم.
وفيها توفّى الشيخ أبو محمد، وقيل أبو المحاسن، عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميّة الحرّانىّ أحد علماء الحنابلة ووالد الشيخ تقىّ «٤» الدين بن تيميّة. مولده بحرّان فى ثانى عشر شوّال سنة سبع وعشرين وستمائة، وسمع الكثير وتفقه وبرع فى الفقه وتميّز فى عدّة فنون، ودرّس ببلده وأفتى وخطب ووعظ وفسّر، ولى هذه الوظائف
стр. 2483
عقيب موت والده مجد الدين، وعمره خمس وعشرون سنة، وكان أبوه أيضا من العلماء. ومات فى سلخ ذى الحجّة ودفن بمقابر الصوفيّة بدمشق.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الإمام عماد الدين علىّ بن يعقوب [بن شجاع بن «١» علىّ بن إبراهيم بن محمد] بن أبى زهران الموصليّ الشافعىّ شيخ القرّاء بدمشق فى صفر، وقد قارب الستين. وشيخ الإسلام الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبى عمر المقدسى [محمد بن أحمد «٢» بن محمد بن قدامة] فى شهر ربيع الآخر، وله خمس وثمانون سنة. والإمام شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميّة الحرّانىّ والد شيخنا فى سلخ السنة، وله ستّ وخمسون سنة. والشيخ محيى الدين عمر بن محمد بن أبى سعد [عبد الله «٣» بن محمد بن هبة الله بن على بن المطهر] بن أبى عصرون التّميمىّ فى ذى القعدة عن ثلاث وثمانين سنة. والإمام شمس الدين محمد ابن أحمد بن نعمة المقدسىّ مدرّس الشاميّة «٤» فى ذى القعدة. وخطيب دمشق محيى الدين محمد بن الخطيب عماد الدين عبد الكريم [ابن القاضى «٥» أبى القاسم عبد الصمد] ابن الحرستانىّ فى جمادى الآخرة، وله ثمان وستون سنة. والحافظ شمس الدين محمد بن محمد بن عبّاس [بن أبى «٦» بكر] بن جعوان الأديب فى جمادى الأولى.
стр. 2484
والرئيس محيى الدين يحيى بن على بن القلانسىّ فى شوّال. والرئيس عماد الدين أبو الفضل محمد [بن «١» محمد] ابن القاضى شمس الدين هبة الله بن الشّيرازى فى صفر.
وشرف الدين محمد بن عبد المنعم بن القوّاس فى شهر ربيع الآخر. والمحدّث جمال الدين عبد الله بن يحيى الجزائرى فى شوّال. والرشيد محمد بن أبى بكر بن محمد العامرىّ فى ذى الحجّة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى أصابع.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٨٣]
السنة السادسة من ولاية الملك المنصور قلاوون على مصر، وهى سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
فيها توفّى قاضى القضاة ناصر الدين أبو العبّاس أحمد بن محمد «٢» بن منصور الجذامىّ المالكىّ المعروف بابن المنيّر قاضى الإسكندرية، مولده فى ذى القعدة سنة عشرين وستمائة، ومات بالإسكندرية ليلة الخميس مستهلّ شهر ربيع الأوّل، ودفن عند تربة والده عند الجامع المغربىّ «٣» ، وكان إماما فاضلا متبحّرا فى العلوم وله اليد الطّولى فى علم الأدب والنظم والنثر. ومن شعره ما كتبه لقاضى القضاة شمس الدين ابن خلّكان فى صدر كتاب:
стр. 2485
ليس شمس الضّحا كأوصاف شمس الد ... ين قاضى القضاة حاشا وكلّا
تلك مهما علت محلّا ثنت ظلّا ... وهذا مهما علا مدّ ظلّا
وله يهجو القاضى زين الدين بن أبى الفرج لمّا نازعه فى الحكم:
قل لمن يدّعى المناصب بالجه ... ل تنحّ عنها لمن هو أعلم
إن تكن فى ربيع ولّيت يوما ... فعليك القضاء أمسى محرّم
وله فى صدر كتاب كتبه إلى الفائزى «١» يسأله رفع التصقيع عن ثغر الإسكندريّة:
إذا اعتلّ الزمان فمنك يرجو ... بنو الأيام عاقبة الشّفاء
وإن ينزل بساحتهم قضاء ... فأنت اللّطف فى ذاك القضاء
وفيها توفّى ملك التتار أحمد بن هولاكو قان بن تولى قان بن چنكز قان، كان ملكا شهما خبيرا بأمور الرعيّة سالكا أحسن المسالك، أسلم وحسن إسلامه وبنى بممالكه الجوامع والمساجد، وكان متّبعا دين الإسلام لا يصدر عنه إلّا ما يوافق الشريعة، وكان لمّا حسن إسلامه صالح السلطان الملك المنصور قلاوون، وفرح السلطان بذلك، فمات أحمد بعد مدّة يسيرة، وملك بعده أرغون بن أبغا.
وفيها توفّى القاضى نجم الدين أبو محمد عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله بن المسلم ابن «٢» هبة الله بن حسّان بن محمد بن منصور بن أحمد الجهنىّ الشافعىّ المعروف بابن البارزىّ، ولد بحماة سنة ثمان وستمائة، وروى الحديث وبرع فى الفقه والحديث والنحو والأدب والكلام والحكمة، وصنّف فى كثير من العلوم، وتولّى القضاء بحماة نيابة عن والده، ثم استقلّ بعده ولم يأخذ على القضاء رزقا، وصرف قبل موته بسنين.
ومن شعره تضمينا لأوّل قصيدة البهاء زهير البائية:
стр. 2486
وكان الرّضا منى إليه ولم يكن ... رسول فأخشى أن ينم ويكذبا
وناديت أهلا بالحبيب ولم أقل ... رسول الرّضا أهلا وسهلا ومرحبا
وفيها توفّى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا أمير آل فضل وملك العرب فى وقته؛ وكان له منزلة عظيمة عند الملوك لا سيّما عند الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ، ثم تضاعفت عند الملك المنصور قلاوون، وكان كريم الأخلاق حسن الجوار مكفوف الشر مبذول الخير، لم يكن فى العرب وملوكها من يضاهيه، وكان عنده ديانة وصدق. ولمّا مات ولّى الملك المنصور قلاوون ولده مهنّا عوضه، وكان بين وفاته ووفاة عدوّه الأمير أحمد بن حجّىّ أمير آل مرى دون السنة.
وفيها توفّى الشيخ الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن موسى بن النّعمان التّلمسانىّ، سمع الكثير بعدّة بلاد وحدّث، ومولده بتلمسان فى سنة ستّ أو سبع وستمائة، ومات بمصر ودفن بالقرافة الكبرى، وهو غير «١» شمس الدين محمد بن العفيف التّلمسانىّ.
وفيها توفّى الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد ابن الملك المظفّر محمود ابن الملك المنصور محمد بن تقىّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب صاحب حماة والمعرّة وابن صاحبهما، ملكهما بعد وفاة أبيه سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ووالدته الصاحبة غازية خاتون بنت الملك الكامل محمد صاحب مصر ابن الملك العادل أبى بكر ابن أيوب. وكان مولده سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وولّى الملك المنصور قلاوون ابنه بعد وفاته.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى القاضى ناصر الدين أبو العبّاس أحمد بن محمد «٢» بن منصور الجذامىّ ابن المنيّر بالإسكندريّة فى شهر
стр. 2487
ربيع الأوّل «١» ، وله ثلاث وستون سنة. والملك أحمد بن هولاكو ملك التّتار.
وقاضى حماة نجم الدين عبد الرحيم بن إبراهيم بن البارزىّ الشافعىّ فى ذى القعدة، وحمل ودفن بالبقيع، وله خمس وسبعون سنة. وقاضى دمشق عز الدين أبو المفاخر محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق الأنصارى بن الصائغ فى شهر ربيع الآخر فى آخر الكهولية. وصاحب حماة الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن المظفّر محمود عن إحدى وخمسين سنة. والشيخ العارف أبو عبد الله محمد بن موسى بن النّعمان التّلمسانىّ بمصر فى رمضان، وله سبع وسبعون سنة. وملك العرب عيسى بن مهنّا فى شهر ربيع الأوّل.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعدّة أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث أصابع.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٨٤]
السنة السابعة من ولاية الملك المنصور قلاوون على مصر، وهى سنة أربع وثمانين وستمائة.
فيها كان فتوح المرقب وغيره من القلاع بالساحل حسب ما ذكرناه فى أوّل الترجمة.
وفيها ولد الملك الناصر محمد بن قلاوون، ووالده على حصار المرقب؛ وقد تقدّم ذكر ذلك أيضا.
وفيها توفّى الشيخ زين الدين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن أحمد الأندلسىّ الإشبيلىّ الأصل المعروف بكتاكت المصرى الواعظ المقرئ الأديب الشاعر، مولده سنة خمس وستمائة، وقيل غير ذلك، ومات بالقاهرة فى شهر ربيع الأوّل. وكان إماما فى الوعظ ولد به فضيلة ومشاركة. وله شعر جيّد. من ذلك قوله.
стр. 2488
من أنت محبوبه ماذا يغيّره ... ومن صفوت له ماذا يكدّره
هيهات عنك ملاح الكون تشغلنى ... والكلّ أعراض حسن أنت جوهره
وله القصيدة المشهورة عند الفقراء التى أوّلها:
حضروا فمذ نظروا جمالك غابوا ... والكلّ مذ سمعوا خطابك طابوا
وفيها توفّى الأمير علاء الدين أيدكين بن عبد الله البندقدارىّ الصالحىّ النجمىّ أستاذ الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، كان أصل أيدكين هذا من مماليك الأمير جمال الدين موسى بن يغمور، ثم انتقل عنه للملك الصالح نجم الدين أيّوب وجعله بندقداره وأمّره ثم نكبه، وأخذ منه الملك الظاهر بيبرس ثم أعاده. ثم ترقّى بعد موت أستاذه وولى نيابة الشام من قبل مملوكه الملك الظاهر بيبرس، وكان الملك الظاهر بيبرس يعظّمه ويقول له: أنت أستاذى ويعرف له حقّ التربية! وكان هو أيضا يبالغ فى خدمة الملك الظاهر والنّصح له؛ وهو الذي انتزع له دمشق من يد الأمير سنجر الحلبىّ كما تقدّم ذكره. وعاش أيدكين إلى دولة الملك المنصور قلاوون، وهو من أكابر الأمراء وأعيانهم إلى أن مات فى القاهرة فى شهر ربيع الاخر «١» ، ودفن بتربته «٢» قريب بركة «٣» الفيل وقد ناهر السبعين.
стр. 2489
قلت: وما العجب أنّ أيدكين هذا كان من جملة أمراء مملوكه الملك الظاهر بيبرس، والعجب أن أستاذ أيدكين هذا الأمير جمال الدين بن يغمور كان أيضا من جملة أمراء الظاهر بيبرس فكان الظاهر أستاذ أستاذه فى خدمته ومن جملة أمرائه فانظر إلى تقلبات الدهر بالملوك وغيرها!
وفيها توفّى الشيخ الإمام رشيد الدين أبو محمد سعيد بن علىّ بن سعيد البصراوىّ الحنفىّ مدرّس الشّبليّة؛ كان إماما عالما فاضلا مدرّسا كثير الدّيانة والورع، عرض عليه القضاء غير مرّة فامتنع، وكانت له اليد الطّولى فى العربيّة والنظم، وكانت وفاته فى شعبان ودفن بقاسيون. ومن شعره:
стр. 2490
أرى عناصر طيب العيش أربعة ... ما زال منها فطيب العيش قد زالا
أمنّا وصحّة جسم لا يخالطها ... مغاير «١» والشّباب الغضّ والمالا
وله مواليا:
كيف اعتمدت على الدنيا وتجريبك ... أراك فلك تراها كيف تجرى بك
ما زالت الخادعه تدنو فتغرى بك ... حتى رمتك بإبعادك وتغريبك
وفيها توفّى الأديب البارع مجير الدين أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن علىّ المعروف بابن تميم الشاعر المشهور، وهو سبط ابن تميم، كان أصله دمشقيّا وانتقل إلى حماة وخدم صاحبها الملك المنصور جنديّا، وكان له به اختصاص، وكان فاضلا شجاعا عاقلا، وكان من الشعراء المعدودين. ومن شعره فى الشجاعة والإقدام قوله:
دعنى أخاطر فى الحروب بمهجتى ... إمّا أموت بها وإمّا أرزق
فسواد عيشى لا أراه أبيضا ... إلّا إذا احمرّ السّنان الأزرق
следующие страницы →