← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وكان الرّضا منى إليه ولم يكن ... رسول فأخشى أن ينم ويكذبا وناديت أهلا بالحبيب ولم أقل ... رسول الرّضا أهلا وسهلا ومرحبا وفيها توفّى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا أمير آل فضل وملك العرب فى وقته؛ وكان له منزلة عظيمة عند الملوك لا سيّما عند الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ، ثم تضاعفت عند الملك المنصور قلاوون، وكان كريم الأخلاق حسن الجوار مكفوف الشر مبذول الخير، لم يكن فى العرب وملوكها من يضاهيه، وكان عنده ديانة وصدق. ولمّا مات ولّى الملك المنصور قلاوون ولده مهنّا عوضه، وكان بين وفاته ووفاة عدوّه الأمير أحمد بن حجّىّ أمير آل مرى دون السنة. وفيها توفّى الشيخ الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن موسى بن النّعمان التّلمسانىّ، سمع الكثير بعدّة بلاد وحدّث، ومولده بتلمسان فى سنة ستّ أو سبع وستمائة، ومات بمصر ودفن بالقرافة الكبرى، وهو غير «١» شمس الدين محمد بن العفيف التّلمسانىّ. وفيها توفّى الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد ابن الملك المظفّر محمود ابن الملك المنصور محمد بن تقىّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب صاحب حماة والمعرّة وابن صاحبهما، ملكهما بعد وفاة أبيه سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ووالدته الصاحبة غازية خاتون بنت الملك الكامل محمد صاحب مصر ابن الملك العادل أبى بكر ابن أيوب. وكان مولده سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وولّى الملك المنصور قلاوون ابنه بعد وفاته. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى القاضى ناصر الدين أبو العبّاس أحمد بن محمد «٢» بن منصور الجذامىّ ابن المنيّر بالإسكندريّة فى شهر

стр. 2487

ربيع الأوّل «١» ، وله ثلاث وستون سنة. والملك أحمد بن هولاكو ملك التّتار. وقاضى حماة نجم الدين عبد الرحيم بن إبراهيم بن البارزىّ الشافعىّ فى ذى القعدة، وحمل ودفن بالبقيع، وله خمس وسبعون سنة. وقاضى دمشق عز الدين أبو المفاخر محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق الأنصارى بن الصائغ فى شهر ربيع الآخر فى آخر الكهولية. وصاحب حماة الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن المظفّر محمود عن إحدى وخمسين سنة. والشيخ العارف أبو عبد الله محمد بن موسى بن النّعمان التّلمسانىّ بمصر فى رمضان، وله سبع وسبعون سنة. وملك العرب عيسى بن مهنّا فى شهر ربيع الأوّل. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعدّة أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث أصابع. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٨٤] السنة السابعة من ولاية الملك المنصور قلاوون على مصر، وهى سنة أربع وثمانين وستمائة. فيها كان فتوح المرقب وغيره من القلاع بالساحل حسب ما ذكرناه فى أوّل الترجمة. وفيها ولد الملك الناصر محمد بن قلاوون، ووالده على حصار المرقب؛ وقد تقدّم ذكر ذلك أيضا. وفيها توفّى الشيخ زين الدين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن أحمد الأندلسىّ الإشبيلىّ الأصل المعروف بكتاكت المصرى الواعظ المقرئ الأديب الشاعر، مولده سنة خمس وستمائة، وقيل غير ذلك، ومات بالقاهرة فى شهر ربيع الأوّل. وكان إماما فى الوعظ ولد به فضيلة ومشاركة. وله شعر جيّد. من ذلك قوله.

стр. 2488

من أنت محبوبه ماذا يغيّره ... ومن صفوت له ماذا يكدّره هيهات عنك ملاح الكون تشغلنى ... والكلّ أعراض حسن أنت جوهره وله القصيدة المشهورة عند الفقراء التى أوّلها: حضروا فمذ نظروا جمالك غابوا ... والكلّ مذ سمعوا خطابك طابوا وفيها توفّى الأمير علاء الدين أيدكين بن عبد الله البندقدارىّ الصالحىّ النجمىّ أستاذ الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، كان أصل أيدكين هذا من مماليك الأمير جمال الدين موسى بن يغمور، ثم انتقل عنه للملك الصالح نجم الدين أيّوب وجعله بندقداره وأمّره ثم نكبه، وأخذ منه الملك الظاهر بيبرس ثم أعاده. ثم ترقّى بعد موت أستاذه وولى نيابة الشام من قبل مملوكه الملك الظاهر بيبرس، وكان الملك الظاهر بيبرس يعظّمه ويقول له: أنت أستاذى ويعرف له حقّ التربية! وكان هو أيضا يبالغ فى خدمة الملك الظاهر والنّصح له؛ وهو الذي انتزع له دمشق من يد الأمير سنجر الحلبىّ كما تقدّم ذكره. وعاش أيدكين إلى دولة الملك المنصور قلاوون، وهو من أكابر الأمراء وأعيانهم إلى أن مات فى القاهرة فى شهر ربيع الاخر «١» ، ودفن بتربته «٢» قريب بركة «٣» الفيل وقد ناهر السبعين.

стр. 2489

قلت: وما العجب أنّ أيدكين هذا كان من جملة أمراء مملوكه الملك الظاهر بيبرس، والعجب أن أستاذ أيدكين هذا الأمير جمال الدين بن يغمور كان أيضا من جملة أمراء الظاهر بيبرس فكان الظاهر أستاذ أستاذه فى خدمته ومن جملة أمرائه فانظر إلى تقلبات الدهر بالملوك وغيرها! وفيها توفّى الشيخ الإمام رشيد الدين أبو محمد سعيد بن علىّ بن سعيد البصراوىّ الحنفىّ مدرّس الشّبليّة؛ كان إماما عالما فاضلا مدرّسا كثير الدّيانة والورع، عرض عليه القضاء غير مرّة فامتنع، وكانت له اليد الطّولى فى العربيّة والنظم، وكانت وفاته فى شعبان ودفن بقاسيون. ومن شعره:

стр. 2490

أرى عناصر طيب العيش أربعة ... ما زال منها فطيب العيش قد زالا أمنّا وصحّة جسم لا يخالطها ... مغاير «١» والشّباب الغضّ والمالا وله مواليا: كيف اعتمدت على الدنيا وتجريبك ... أراك فلك تراها كيف تجرى بك ما زالت الخادعه تدنو فتغرى بك ... حتى رمتك بإبعادك وتغريبك وفيها توفّى الأديب البارع مجير الدين أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن علىّ المعروف بابن تميم الشاعر المشهور، وهو سبط ابن تميم، كان أصله دمشقيّا وانتقل إلى حماة وخدم صاحبها الملك المنصور جنديّا، وكان له به اختصاص، وكان فاضلا شجاعا عاقلا، وكان من الشعراء المعدودين. ومن شعره فى الشجاعة والإقدام قوله: دعنى أخاطر فى الحروب بمهجتى ... إمّا أموت بها وإمّا أرزق فسواد عيشى لا أراه أبيضا ... إلّا إذا احمرّ السّنان الأزرق

стр. 2491

وله: لم لا أهيم إلى الرّياض وزهرها ... وأقيم منها تحت ظل ضافى والغصن يلقانى بثغر باسم ... والماء يلقانى بقلب صافى وله: عاينت ورد الرّوض يلطم خدّه ... ويقول وهو على البنفسج محنق لا تقربوه وإن تضوّع نشره ... «١» ما بينكم فهوا العدوّ الأزرق قلت: وقريب من هذا قول القائل: بنفسج الروض تاه عجبا ... وقال طيبى للجوّ ضمّخ فأقبل الزهر فى احتفال ... والبان من غيظه تنفّخ الذين ذكر الذهبى وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّيت أمّ الخير ستّ العرب بنت يحيى بن قيماز الكنديّة فى المحرّم. والمحدّث أبو القاسم علىّ بن بلبان الناصرىّ فى رمضان. وأبو بكر محمد بن إسماعيل بن عبد الله الأنماطىّ فى ذى الحجّة. والقدوة الشيخ محمد بن الحسن الإخميمىّ بقاسيون فى جمادى الأولى. والشيخ الزاهد شرف الدين محمد ابن الشيخ عثمان [بن علىّ «٢» ] الرّومىّ. والإمام الرشيد سعيد بن علىّ [ابن «٣» سعيد] الحنفىّ فى رمضان. والعلّامة رضىّ الدين محمد بن على بن يوسف الشاطبىّ اللغوى بمصر، وله نيّف وثمانون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم لم يحرّر. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وعشرون إصبعا.

стр. 2492

[ما وقع من الحوادث سنة ٦٨٥] السنة الثامنة من ولاية الملك المنصور قلاوون على مصر، وهى سنة خمس وثمانين وستمائة. فيها استولى الملك المنصور قلاوون على الكرك وانتزعها من يد الملك المسعود خضر ابن الملك الظاهر بيبرس. وفيها توفّى الشيخ معين الدين أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عبد «١» الرحمن بن أحمد ابن تولوا الفهرىّ، مولده بتنّيس «٢» سنة خمس وستمائة، ومات بمصر فى شهر ربيع الأوّل، ودفن بالقرافة الصغرى، وسمع الحديث وتفقّه وكان له معرفة بالأدب وله يد طولى فى النظم، وشعره فى غاية الجودة. ومن شعره وقد أمر قاضى مصر بقطع أرزاق الشعراء من الصدقات سوى أبى الحسين «٣» الجزّار. فقال: تقدّم القاضى لنوّابه ... بقطع رزق البرّ والفاجر ووفّر الجزّار من بينهم ... فاعجب للطف التّيس بالجازر وفيها توفّى الشيخ شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن محمد الأنصارىّ الصوفى الفقيه الشافعى، الشاعر المشهور المعروف بابن الخيمىّ، كان إمام عصره فى الأدب ونظم الشعر مع مشاركة فى كثير من العلوم. ومولده سنة اثنتين وستمائة، وتوفى بمشهد الحسين بالقاهرة فى شهر رجب، وقد أوضحنا أمره مع نجم الدين ابن إسرائيل لمّا تداعيا القصيدة التى أوّلها:

стр. 2493

يا مطلبا ليس لى فى غيره أرب ... إليك آل التّقصّى وانتهى الطّلب فى تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» وذكرنا أمرهما لمّا أمرهما ابن الفارض بنظم قصيدتين فى الرّوىّ والقافية وذكرنا القصيدتين أيضا بكمالهما، ثم حكم ابن الفارض بالقصيدة لشهاب الدين هذا. والقصيدة التى نظمها شهاب الدين ابن الخيمىّ هذا لمّا أمره ابن الفارض بالنظم أوّلها: لله قوم بجرعاء الحمى غيب ... جنوا علىّ ولمّا أن جنوا عتبوا والتى نظمها ابن إسرائيل. لم يقض من حبّكم بعض الذي يجب ... قلب متى ما جرى تذكاركم يجب الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى المسند أبو العبّاس أحمد بن شيبان الصالحىّ فى صفر، وقد قارب التسعين. والعلّامة جمال الدين محمد ابن أحمد بن محمد البكرىّ. والشهاب محمد بن عبد المنعم بن محمد الأنصارىّ ابن الخيمىّ الشاعر فى رجب، وله ثلاث وثمانون سنة. والشيخ عبد الرحيم بن محمد ابن أحمد بن فارس العلثىّ «١» بن الزّجّاج فى المحرّم. وأمة الحقّ شاميّة ابنة صدر الدين الحسن بن محمد بن محمد البكرىّ فى رمضان. والإمام صفىّ الدين خليل بن أبى بكر ابن محمد المراغىّ فى ذى القعدة. وقاضى القضاة بهاء الدين يوسف ابن القاضى محيى الدين [يحيى «٢» ] بن الزكى فى ذى الحجّة، وله ستّ وأربعون سنة. والمقرئ «٣» برهان الدين إبراهيم بن إسحاق بن المظفّر الوريرىّ فى ذى الحجّة قافلا من الحجّ. وخطيب كفر بطنا «٤»

стр. 2494

جمال الدين محمد بن عمر الدّينورىّ فى رجب، وله اثنتان وسبعون سنة. والمقرئ الشيخ حسن بن عبد الله بن ويحيان «١» الرّاشدىّ «٢» فى صفر. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع، وقيل خمس، وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٨٦] السنة التاسعة من ولاية الملك المنصور قلاوون على مصر، وهى سنة ست وثمانين وستمائة. فيها توفّى الشيخ الإمام العارف بالله تعالى قطب زمانه شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن عمر المرسىّ الأنصارىّ الإسكندرىّ المالكىّ الصالح المشهور، كان علّامة زمانه فى العلوم الإسلاميّة، وله القدم الراسخة فى علم التحقيق، وله الكرامات الباهرة، وكان يقول: شاركنا الفقهاء فيما هم فيه، ولم يشاركونا فيما نحن فيه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلىّ: أبو العبّاس بطرق السماء أعلم منه بطرق الأرض. انتهى. قلت: وكان لديه فضيلة ومشاركة، وله كرامات وأحوال مشهورة عنه، وللناس فيه اعتقاد كبير لا سيّما أهل الإسكندرية، وقد شاع ذكره وبعد صيته بالصلاح والزّهد، وكان من جملة الشهود بالثّغر، وبها توفّى ودفن وقبره «٣» يقصد للزيارة.

стр. 2495

وفيها توفّى الشيخ شرف الدين أبو الربيع سليمان بن بليمان بن أبى الجيش ابن عبد الجبّار بن بليمان الهمذانىّ الأصل الرّعبانىّ «١» المولد، الإربلىّ المنشأ، الشاعر المشهور صاحب النوادر، كان من شعراء الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد صاحب الشام، وكان أبوه صائغا وتعانى هو أيضا الصّياغة، قيل إنّه جاء إليه مملوك مليح من مماليك الملك الأشرف موسى، وقال له: عندك خاتم لإصبعى؟ فقال له: لا، إلا عندى إصبع مليح لخاتمك. ومات بدمشق فى ليلة عاشر صفر. ومن شعره: وما زالت الرّكبان تخبر عنكم ... أحاديث كالمسك الذّكىّ بلامين إلى أن تلاقينا فكان الذي وعت «٢» ... من القول أذنى دون ما أبصرت عينى ولمّا قامر التّلعفرىّ «٣» بثيابه وأخفافه قال فيه شرف الدين هذا قصيدة وأنشدها للملك الناصر بحضرة التّلعفرىّ. فلمّا فرغ من إنشادها قال له التّلعفرىّ: ما أنا جندىّ

стр. 2496

حتى أقامر بأخفافى. فقال له شرف الدين: بخفاف امرأتك. فقال: مالى امرأة، فقال له: لك مقامرة من بين الحجرين إمّا بالخفاف أو بالنّعال «١» . انتهى. قلت: وأنا مسامح التّلعفرىّ على القمار، لحسن ما قاله من رائق الأشعار: فمن كان ذا عذر قبلت اعتذاره ... ومن لاله عذر فعندى له عذر وفيها توفّى الشيخ الإمام المحدّث قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن علىّ بن محمد بن الحسن بن أحمد «٢» بن عبد الله بن ميمون القيسىّ الشّاطبىّ المحدّث الإمام العلّامة، كان شيخ الكامليّة بالقاهرة المعروف بابن القسطلانيّ التّوزرىّ «٣» الأصل المصرى المولد المكّىّ المنشأ الشافعىّ المذهب، مولده سنة أربع عشرة وستمائة، ومات يوم السبت ثامن عشر المحرّم، ودفن بالقرافة الصغرى، وكان مجموع الفضائل، ﵀. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الإمام النّحوىّ بدر الدين محمد ابن الشيخ جمال الدين بن «٤» مالك فى المحرّم. والإمام قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن علىّ القسطلانيّ بالقاهرة فى المحرّم. وقاضى القضاة برهان الدين الخضر بن الحسن بن علىّ السّنجارىّ بمصر فى صفر. والحكيم عماد الدين محمد بن عبّاس الرّبغىّ الدّنيسرىّ، وله إحدى وثمانون سنة. وشرف الدين سليمان ابن بليمان الإربلىّ الشاعر. والمحدث وجيه الدين عبد الرحمن بن حسن السّبتىّ فى جمادى الأولى. والمسند عزّ الدين أبو العزّ عبد العزيز بن عبد المنعم [بن «٥» علىّ] ابن الصّيقل الحرّانىّ فى شهر رجب.

стр. 2497

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٨٧] السنة العاشرة من ولاية الملك المنصور قلاوون على مصر، وهى سنة سبع وثمانين وستمائة. فيها توفّى الشيخ المعتقد الصالح برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن معضاد بن شدّاد الجعبرىّ الأصل والمولد المصرىّ الدار والوفاة، الصالح المشهور، نشأ بجعبر ثم انتقل إلى الديار المصريّة واستوطنها ولزم مسجده، وكان يعظ به ويجتمع عنده خلق كثير، ولأصحابه فيه عقيدة حسنة، وله مقالات كثيرة، وكان زاهدا عابدا، سمع الحديث وروى عن السّخاوىّ «١» وغيره، وكان غزير الفضيلة حلو العبارة. قال الصلاح الصّفدىّ: أخبرنى الشيخ الإمام العلّامة أثير «٢» الدين أبو حيّان من لفظه قال: رأيت المذكور بالقاهرة، وحضرت مجلسه أنا والشيخ نجم الدين بن مكّىّ، وجرت لنا معه حكاية، وكان يجلس للعوامّ يذكّرهم ولهم فيه اعتقاد، وكان يدرى شيئا من الحديث، وله مشاركة فى أشياء من العلوم وفى الطب، وله شعر جيّد. وأنشد له قصيدة أذكر منها القليل: عشقوا الجمال مجرّدا بمجرّد الر ... وح الزكيّة عشق من زكّاها متجرّدين عن الطّباع ولؤمها ... متلبّسين عفافها وتقاها انتهى كلام الصّفدىّ.

стр. 2498

وقال القطب اليونينىّ: وأظنّه نيّف على الثمانين من العمر، ولمّا مرض مرض الموت أمر أن يخرج به إلى مكان مدفنه، فلما رآه قال له: «قبير جاك دبير» . ومات بعد ذلك بيوم فى يوم السبت رابع عشرين المحرّم بالقاهرة ودفن من يومه بالحسينيّة «١» خارج باب النّصر، وقبره «٢» معروف هناك يقصد للزيارة. قلت: ويعجبنى فى هذا المعنى المقالة السابعة الزّهديّة من مقالات الشيخ العارف الرّبانىّ شرف الدين عبد المؤمن بن هبة الله الأصفهانىّ المعروف بشوروة من كتابه «أطباق الذهب» وهى: طوبى للتّقىّ الخامل، الذي سلم عن إشارة الأنامل؛ وتعسا لمن قعد فى الصوامع، ليعرف بالأصابع؛ خزائن الأمناء مكتومة، وكنوز الأولياء مختومة؛ والكامل كامن «٣» بتضاءل، والناقص قصير يتطاول؛ والعاقل قبعة «٤» ، والجاهل طلعة؛ فاقبع قبوع الحيّات، واكمن فى الظّلمات، كمون «٥» ماء الحياة؛ وصن كنزك فى التّراب، وسيفك فى القراب؛ وعفّ آثارك بالذّيل المسحوب، واستر رواءك بسفعة «٦» الشّحوب؛ فالنباهة فتنة، والوجاهة محنة؛ فكن كنزا مستورا، ولا تكن سيفا مشهورا؛ إنّ الظالم جدير أن يقبر ولا يحشر، والبالى خليق أن يطوى ولا ينشر؛ ولو عرف

стр. 2499

الجذل «١» صولة النّجار، وعضّة المنشار؛ لما تطاول شبرا، ولا تخايل كبرا، وسيقول البلبل المعتقل: يا ليتنى كنت غرابا، ويقول الكافر يا ليتنى كنت ترابا» . انتهى. وفيها توفّى الشيخ ناصر الدين أبو محمد حسن بن شاور بن طرخان الكنانىّ ويعرف بابن الفقيسىّ وبابن النّقيب الشاعر المشهور، كان من الفضلاء الأدباء، ومات ليلة الأحد منتصف شهر ربيع الأوّل ودفن بسفح المقطّم، وله تسع وسبعون «٢» سنة؛ وكان بينه وبين العلّامة شهاب الدين محمود صحبة ومجالسة ومذاكرة فى القريض. ومن شعره: نهيناه عن فعل القبيح فما انتهى ... ولا ردّه ردع وعاد وعادى وقلنا له دن بالصّلاح فقلّما ... رأينا فتى عانى الفساد فسادا وله: وجرّدت مع فقرى وشيخوختى التى ... تراها فنومى عن جفونى مشرّد فلا يدّعى غيرى مقامى «٣» فإنّنى ... أنا ذلك الشيخ الفقير المجرّد وله: حدّثت عن ثغره المحلّى ... فمل إلى خدّه المورّد خدّ وثغر فجلّ ربّ ... بمبدع الحسن قد تفرّد وله: يا من أدار سلافة «٤» من ريقه ... وحبابها الثّغر الشّنيب الأشنب تفّاح خدّك بالعذار ممسّك ... لكنّه بدم القلوب مخضّب

стр. 2500

وله: أنا العذرىّ فاعذرنى وسامح ... وجرّ علىّ بالإحسان ذيلا ولمّا صرت كالمجنون عشقا ... كتمت زيارتى وأتيت ليلا وفيها توفّى الملك الصالح على ابن السلطان الملك المنصور قلاوون، كان والده المنصور قلاوون قد جعله ولىّ عهده وسلطنه فى حياته حسب ما تقدم ذكره فى سنة تسع وسبعين وستمائة، فدام فى ولاية العهد إلى هذه السنة مرض ومات بعد أيّام فى رابع شعبان بقلعة الجبل، ووجد عليه أبوه الملك المنصور قلاوون كثيرا، فإنّه كان نجيبا عاقلا خليقا للملك. وفيها توفّى الشيخ الطبيب علاء الدين علىّ بن أبى الحرم «١» القرشى الدّمشقىّ المعروف بابن النّفيس الحكيم الفاضل العلّامة فى فنّه، لم يكن فى عصره من يضاهيه فى الطّبّ والعلاج والعلم، اشتغل على المهذّب «٢» الدّخوار حتى برع، وانتهت إليه رياسة فنّه فى زمانه، وهو صاحب التصانيف المفيدة، منها: «الشامل فى الطب» ، و «المهذّب فى الكحل» ، و «الموجز «٣» » ، و «شرح القانون لابن سينا» . ومات فى ذى القعدة بعد أن أوقف داره وأملاكه وجميع ما يتعلّق به على البيمارستان المنصورىّ بالقاهرة. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الشيخ إبراهيم بن معضاد الجعبرىّ بالقاهرة فى المحرّم عن نيّف وثمانين سنة. والإمام أبو العبّاس أحمد بن أحمد بن عبد الله [بن أحمد «٤» بن محمد بن قدامة] المقدسىّ الفرضىّ. وخطيب

стр. 2501

القدس قطب الدين أبو الزّكاء «١» عبد المنعم بن يحيى الزّهرىّ فى رمضان. والجمال أحمد بن أبى بكر بن سليمان بن الحموىّ. والشيخ الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن عبد العزيز اللّورى «٢» شيخ المالكية فى صفر. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وأربع أصابع. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٨٨] السنة الحادية عشرة من ولاية الملك المنصور قلاوون على مصر، وهى سنة ثمان وثمانين وستمائة. فيها فتحت طرابلس وما أضيف إليها بعد أمور ووقائع حسب ما ذكرناه فى أصل هذه الترجمة مفصّلا. وفيها توفّى الشيخ علم الدين أحمد ابن الصاحب صفىّ «٣» الدين يوسف بن عبد الله ابن شكر المعروف بابن الصاحب، كان نادرة زمانه فى المجون والهزل وإنشاد الأشعار والبلّيقات «٤» وكان بقى فى آخر عمره فقيرا مجرّدا، وكان اشتغل فى صباه وحصّل ودرس، وكان لديه فضيلة وذكاء وحسن تصور، إلّا أنه تمفقر فى آخر عمره وأطلق طباعه على التّكدى وصار يجارد «٥» الرؤساء، ويركب فى قفص [على «٦» رأس] حمّال ويتضارب الحمّالون على حمله، لأنّه كان مهما فتح له من الرؤساء كان للّذى يحمله،

стр. 2502

فكان يستمرّ راكبا فى القفص والحمّال يدور به فى أماكن الفرج والنّزه، وكان يتعمّم بشرطوط «١» طويل جدّا رقيق العرض ويعاشر الحرافيش، وكان له أولاد رؤساء، ويقال: إنّ الصاحب بهاء الدين بن حنّا هو الذي أحوجه إلى أن ظهر بذلك المظهر، وأخمله وجنّنه لكونه كان من بيت وزارة، فكان ابن الصاحب هذا إذا رأى الصاحب بهاء الدين بن حنّا ينشد: اشرب «٢» وكل وتهنّا ... لابدّ أن تتعنّى محمد وعلىّ ... من أين لك يا بن حنا قال الشيخ صلاح الدين الصّفدىّ: «أخبرنى من لفظه الحافظ نجم الدين أبو محمد الحسن «٣» خطيب صفد، قال: رأيته (يعنى ابن الصاحب) أشقر أزرق العينين عليه قميص أزرق، وبيده عكّاز حديد. قال: وأخبرنى من لفظه الحافظ فتح «٤» الدين ابن سيّد الناس، قال: كان ابن الصاحب يعاشر الفارس أقطاى فاتّفق أنّهم كانوا يوما على ظهر النّيل فى شختور «٥» ، وكان الملك الظاهر بيبرس مع الفارس أقطاى وجرى بينهم أمر، ثم ضرب الدهر ضربانه حتّى تسلطن الملك الظاهر بيبرس وركب يوما إلى الميدان، ولم يكن عمّر قنطرة «٦» السّباع، وكان التوجه إلى الميدان من على باب زويلة على باب الخرق «٧» ، وكان ابن الصاحب هذا نائما على قفص صيرفىّ

стр. 2503

من تلك الصّيارف برّا باب زويلة، ولم يكن أحد يتعرّض لابن الصاحب، فمرّ به الملك الظاهر فلم يشعر إلا وابن الصاحب يضرب بمفتاح فى يده على خشب الصيرفى قويّا، فالتفت الظاهر فرآه فقال: هاه! علم الدين؟ فقال: إيش علم الدين أنا جيعان! فقال: أعطوه ثلاثة آلاف درهم. وكان ابن الصاحب أشار بتلك الدّقّة إلى دقّة مثلها يوم المركب» . انتهى [كلام الصّفدى] . قلت: ومن نوادره اللّطيفة أنّه كان بالقاهرة إنسان [كثيرا «١» ما] يجرّد الناس فسمّوه زحل، فلمّا كان فى بعض الأيام وقف ابن الصاحب على دكّان حلوى يزن دراهم يشترى بها حلوى، وإذا بزحل قد أقبل من بعيد، فقال ابن الصاحب للحلاوى «٢» : أعطنى الدراهم، ما بقى لى حاجة بالحلوى، فقال: لم؟ قال: أما ترى زحل قارن المشترى فى الميزان! وله من هذا أشياء كثيرة ذكرنا منها نبذة فى ترجمته فى تاريخنا «المنهل الصافى» . ومن شعره: يا نفس ميلى إلى التّصابى ... فاللهو منه الفتى يعيش ولا تملّى من سكر يوم ... إن أعوز الخمر فالحشيش وله فى المعنى: فى خمار الحشيش معنى مرامى ... يا أهيل العقول والأفهام حرّموها من غير عقل ونقل ... وحرام تحريم غير الحرام قلت: وأحسن ما قيل فى هذا المعنى قول القائل ولم أدر لمن هو: وخضراء ما الحمراء تفعل فعلها ... لها وثبات فى الحشى وثبات تؤجّج نارا فى الحشى وهى جنّة ... وتروى مرير الطّعم وهى نبات

стр. 2504

وفيها توفّى الشيخ الأديب البارع المفتّن شمس الدين محمد بن عفيف الدين سليمان ابن على التّلمسانىّ الشاعر المشهور، كان شابّا فاضلا ظريفا، وشعره فى غاية الحسن والجودة. وديوان شعره مشهور بأيدى الناس، ومن شعره: ياسا كنّا قلبى المعنّى ... وليس فيه سواك ثانى لأىّ معنى كسرت قلبى ... وما التقى فيه ساكنان وله فى ذمّ الحشيش: ما للحشيشة فضل عند آكلها ... لكنه غير مصروف إلى رشده صفراء فى وجهه خضراء فى فمه ... حمراء فى عينه سوداء فى كبده وله أيضا: لى من هواك بعيده وقريبه ... ولك الجمال بديعه وغريبه يا من أعيد جماله بجلاله ... حذرا عليه من العيون تصيبه إن لم تكن عينى فإنّك نورها ... أو لم تكن قلبى فإنت حبيبه هل رحمة أو حرمة لمتيّم ... قد قلّ منك نصيره ونصيبه ألف القصائد فى هواك تغزّلا ... حتّى كأنّ بك النسيب نسيبه لم تبق لى سرّا أقول تذيعه ... عنّى ولا قلب أقول تنيبه «١» كم ليلة قضّيتها متسهّدا ... والدمع يجرح مقلتى مسكوبه والنجم أقرب من لقاك مناله ... عندى وأبعد من رضاك مغيبه والجوّ «٢» قد رقّت علىّ شماله ... وجفونه وشماله وجنوبه

стр. 2505

هى مقّلة سهم الفراق يصيبها ... ويسحّ وابل دمعها فيصوبه وجوّى تضرّم جمره لولا ندى ... قاضى القضاة قضى علىّ لهيبه وله: أخجلت بالثّغر ثنايا الأقاح ... يا طرّة الليل ووجه الصّباح وأعجمت أعينك السّحر مذ ... أعربت «١» منهن صفاحا فصاح فيالها سودا مراضا غدت ... تسلّ للعاشق بيضا صحاح يا للهوى من مسعد مغرما ... رأى حمام الأيك غنّى فناح «٢» يا بانة مالت بأعطافه ... علّمتنى كيف تهزّ الرّماح وأنت يا أسهم ألحاظه ... أثخنت والله فؤادى جراح الذين ذكر الذهبى وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى كمال الدين أحمد ابن يوسف بن نصر الفاضلىّ. والمفتى فخر الدين عبد الرحمن بن يوسف البعلبكّىّ الحنبلى فى رجب. ورئيس الشهود زين الدين المهذب ابن أبى الغنائم التّنوخىّ. والعلّامة شمس الدين الأصيهانىّ الأصولى محمد بن محمود بالقاهرة فى رجب. والمقرئ تقىّ الدين يعقوب «٣» بن بدران الجرائدىّ بالقاهرة فى شعبان. والمسندة العابدة زينب بنت مكّىّ فى شوّال، ولها أربع وتسعون سنة. والعماد أحمد ابن الشيخ العماد إبراهيم ابن عبد الواحد المقدسىّ. والإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الكمال عبد الرحيم ابن عبد الواحد «٤» المقدسىّ فى جمادى الأولى.

стр. 2506

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٨٩] السنة الثانية عشرة من ولاية السلطان الملك المنصور قلاوون على مصر، وهى سنة تسع وثمانين وستمائة. فيها كانت وفاة صاحب الترجمة الملك المنصور قلاوون فى ذى القعدة حسب ما تقدّم ذكره، وتسلطن بعده ابنه الملك الأشرف خليل. وفيها توفّى الشيخ الإمام أبو المعالى برهان الدين أحمد بن ناصر بن طاهر الحسينىّ الحنفىّ إمام المقصورة الحنفية الشمالية بجامع دمشق، كان إماما عالما فاضلا زاهدا صالحا متعبّدا مفتنّا مشتغلا بما هو فيه من الاشتغال بالعلم والأوراد والقراءة إلى أن مات فى يوم السبت ثانى عشرين شوّال، وتولّى بعده الإمامة الشيخ نجم الدين يعقوب البروكارىّ «١» الحنفىّ، وسلك مسلكه. وفيها توفّى الأمير حسام الدين أبو سعيد طرنطاى بن عبد الله المنصورىّ الأمير الكبير، كان أوحد أهل عصره، كان عظيم دولة أستاذه الملك المنصور قلاوون؛ وكان المنصور قد جعله نائبه بسائر الممالك، وكان هو المتصرّف فى مملكته. فلمّا مات الملك المنصور قلاوون وتسلطن ولده الملك الأشرف خليل استنابه أيّاما إلى أن رتّب أموره ودبّره ودبّر أحواله، وكان عظيم التنفيذ سديد الرأى، مفرط الذكاء غزير العقل؛ فلمّا رسخت قدم الأشرف فى السلطنة أمسكه، وكان فى نفسه

стр. 2507

منه أيّام والده، وبسط عليه العذاب إلى أن مات شهيدا وصبر على العذاب صبرا لم يعهد مثله عصر إلى أن هلك، ولمّا غسّلوه وجدوه قد تهرّأ لحمه وتزايلت أعضاؤه، وأنّ جوفه كان مشقوقا، كلّ ذلك ولم يسمع منه كلمة. وكان بينه وبين الأمير علم الدين سنجر الشّجاعىّ عداوة على الرّتبة، فسلّمه الأشرف إلى الشّجاعىّ وأمره بتعذيبه، فبسط الشجاعىّ عليه العذاب أنواعا إلى أن مات، فحمل إلى زاوية الشيخ عمر السّعودىّ «١» ، فغسّلوه وكفّنوه ودفنوه بظاهر الزاوية. وكان له مواقف مع العدوّ، وغزوات مشهورة وفتوحات. وبنى مدرسة حسنة بقرب داره بخط البندقانيّين «٢» بالقاهرة، وقبّة برسم الدفن، وله أوقاف على الأسرى وغيرها. وكان فيه محاسن لولا شحّه وبذاءة لسانه لكان أوحد أهل زمانه، وخلّف أموالا جمّة.

стр. 2508

قال الشيخ قطب الدين اليونينىّ قال الشيخ تاج «١» الدين الفزارى: حدّثنى تاج «٢» الدين بن الشّيرازى المحتسب: أنّهم وجدوا فى خزانة طرنطاى من الذهب العين ألفى ألف «٣» دينار وأربعمائة ألف دينار وألفى حياصة ذهب وألف وسبعمائة كلّوته مزركشة، ومن الدراهم ما لا يحصى؛ فاستولى الأشرف خليل على ذلك كلّه، وفرّقه على الأمراء والمماليك فى أيسر مدّة؛ واحتاج أولاد طرنطاى هذا وعياله من بعده إلى الطلب من الناس من الفقر. وقال غيره: وجد لطرنطاى ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار. ثم ذكر أنواع الأقمشة والخيول والجمال والبغال والمتاجر ما يستحى من ذكره كثرة. ومات طرنطاى المذكور ولم يبلغ خمسين سنة من العمر. وفيها توفّى الأمير علاء الدين طيبرس بن عبد الله الصالحىّ المعروف بالوزيرىّ، كان أحد الأمراء المشهورين بالشجاعة والإقدام، وكان من المبرّزين وله التقدّم فى الدول والوجاهة، ولم يزل على ذلك إلى أن مات، رحمه الله تعالى. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى العلّامة رشيد الدين عمر بن إسماعيل الفارقى خنق فى المحرّم وقد كمّل التسعين. والإمام نور الدين على ابن ظهير بن شهاب بن الكفتى المقرئ الزاهد فى شهر ربيع الآخر. وقاضى الحنابلة نجم الدين أحمد ابن الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبى عمر فى جمادى الأولى،

стр. 2509

وله ثمان وثلاثون سنة. وخطيب دمشق جمال الدين عبد الكافى بن عبد الملك ابن عبد الكافى الربعى فى سلخ جمادى الأولى. والزاهد فخر الدين أبو طاهر إسماعيل عزّ القضاة بن علىّ بن محمد «١» الصوفىّ فى رمضان. والشيخ شمس الدين عبد الرحمن ابن الزّين أحمد بن عبد الملك المقدسى فى ذى القعدة. والسلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفىّ الصالحىّ فى ذى القعدة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا، ولم يوفّ فى هذه السنة. انتهى الجزء السابع من النجوم الزاهرة ويليه الجزء الثامن، وأوّله: ذكر ولاية الملك الأشرف خليل على مصر

стр. 2510

استدراكات على بعض تعليقات وردت فى الجزءين الرابع والخامس من هذا الكتاب، لحضرة الأستاذ محمد رمزى بك قنطرة عبد العزيز بن مروان بما أن الشرح الخاص بتعيين موقع هذه القنطرة المدرج فى صفحة ٤٤ بالجزء الرابع من هذه الطبعة جاء غير واف فيستبدل به الشرح الآتى: لما تكلم المقريزى على ظواهر القاهرة المعزية (ص ١٠٨ ج ٢) قال: كان أوّل الخليج الكبير عند وضع القاهرة بجانب خط السبع سقايات وكان ما بين هذا الخط وبين المعاريج بمدينة مصر (مصر القديمة) غامرا بماء النيل. ولما تكلم على قناطر الخليج الكبير (ص ١٤٦ ج ٢) قال: ان قنطرة ابن مروان كانت فى طرف الفسطاط بالحمراء القصوى بناها عبد العزيز بن مروان والى مصر فى سنة ٦٩ هـ. وموضعها خلف السبع سقايات على فم الخليج الكبير وكان المرور على هذه القنطرة بين الحمراء القصوى وجنان الزهرى. ولما تكلم على حكر أقبقا (ص ١١٦ ج ٢) قال: وفى هذا الحكر تقع قنطرة عبد العزيز بن مروان. وقد تبيّن لى من البحث: (أوّلا) أن خط السبع سقايات هو الذي عرف فيما بعد بحكر أقبقا أى أن مكانهما واحد، وفقط اختلفت التسمية باختلاف الزمن والمناسبات. (ثانيا) أن حكر أقبقا مكانه اليوم المنطقة التى فيها حارة السيدة زينب وفروعها وجنينة لاظ وشوارعها. (ثالثا) أن النيل كان يجرى وقت فتح العرب لمصر فى الجهة الغربية من جنينة لاظ حيث الطريق المسماة شارع بنى الأزرق وما فى امتداده جنوبا وشمالا. (رابعا) أن فم الخليج المصرى كان فى ذاك الوقت واقعا حذاء مدخل الشارع المذكور من جهة شارع الخليج.

стр. 2511

ومما ذكر يتضح أن قنطرة عبد العزيز بن مروان التى كانت على فم الخليج الكبير مكانها اليوم النقطة الواقعة بشارع الخليج المصرى تجاه مدخل حارة حكر أقبقا بأرض جنينة لاظ التى هى جزء من حكر أقبقا، وهذا الخط هو الجزء الشمالى من الحمراء القصوى ويقابله على الشاطئ الأيسر للخليج أرض جنان الزهرى حيث خط الناصرية الآن وما فى امتداده إلى شارع غيط العدة. بستان الخشاب بما أن الشرح الخاص بتحديد هذا البستان المدرج فى صفحة ٤٤ بالجزء الرابع من هذه الطبعة جاء غير واف فيستبدل به الشرح الآتى: تكلم المقريزى على هذا البستان فى جملة مواضع بالجزء الثانى من خططه فذكره عند الكلام على ظواهر القاهرة المعزية (ص ١٠٨) وعلى بر الخليج الغربى (ص ١١٣) وعلى الخليج الناصرى (ص ١٤٥) وعلى قنطرة السد (ص ١٤٦) وعلى قنطرة الفخر (ص ١٤٨) وعلى الميدان الناصرى (ص ٢٠٠) وعلى حكر الست حدق (ص ١١٦) ويستفاد مما ذكر فى المواضع المذكورة البيان الآتى: (أوّلا) أن بستان الخشاب كان واقعا فى المنطقة التى تحدّ اليوم من الشمال بشوارع المبتديان ومضرب النشاب والبرجاس والجزء الغربى من شارع إسماعيل باشا إلى النيل. ومن الغرب نهر النيل. ومن الجنوب مستشفى قصر العينى وشارع بستان الفاضل وما فى امتداده من الجهة الشرقية إلى شارع الخليج المصرى. ومن الشرق شارع الخليج المصرى وشارع سعد الدين إلى أن يتقابل مع الحد البحرى. (ثانيا) أن هذا البستان كان منقسما إلى قسمين الشرقى منهما وهو الواقع بين شارع المنيرة وشارع الخليج المصرى وكان يعرف بالمريس حيث كان يسكنه طائفة من السودان وبه يتخذون المزر وهو نوع من البوظة يسميه أهل السودان المريسة، والقسم الغربى وهو الواقع بين شارع المنيرة وشاطئ النيل كان يعرف

стр. 2512

بالميدان الناصرى، ومكانه اليوم خط القصر العالى المسمى «جاردن ستى» وكان بالجهة الجنوبية من هذا الميدان على شاطئ سيالة جزيرة الروضة عند كوبرى محمد على يوجد مواقع فم الخليج الناصرى وقنطرة الفخر وموردة الجبس وموردة البلاط. أرض الطبّالة بما أن الشرح الخاص بتحديد هذه الأرض المدرج فى صفحة ١٢ بالجزء الخامس من هذه الطبعة جاء غير واف بالنسبة للحد الغربى للأرض المذكورة فيستبدل به الشرح الآتى: يستفاد مما ذكره المقريزى فى خططه عند الكلام على جزيرة الفيل (ص ١٨٥ ج ٢) أن أرض الطبالة كانت ممتدّة إلى شاطئ النيل القديم تجاه جزيرة الفيل التى كانت وسط النيل. ومكانها اليوم منطقة شبرا بالقاهرة. ومن هذا يتضح أن أرض الطبالة كانت واقعة فى المنطقة التى تحدّ اليوم من الشرق بشارع الخليج المصرى. ومن الشمال بشارع الظاهر فشارع وقف الخربوطلى وما فى امتداده حتى يتقابل بشارع مهمشة. ومن الغرب بشارع غمرة إلى محطة كوبرى الليمون فميدان محطة مصر إلى ميدان باب الحديد حيث كان النيل يجرى قديما. ومن الجنوب بشارع الفجالة وسكة الفجالة ويدخل فيها الآن محطة كوبرى الليمون والفجالة وبركة الرطلى. وباقى الشرح الوارد بالجزء الخامس صحيح. تنبيه: التعليقات الخاصة بالأماكن الأثرية على اختلاف أنواعها، والمدن والقرى القديمة وغيرها مع تعيين وتحديد مواضعها هى من وضع حضرة الأستاذ محمد رمزى بك المفتش بوزارة المالية سابقا. فنسدى إليه جزيل الشكر ونسأل الله جلّت قدرته أن يجزيه خير الجزاء عن خدمته للعلم وأهله.

стр. 2513

استدراكات على الجزء السادس من النجوم الزاهرة نبّهنا إليها الأستاذ الشيخ محمد أحمد دهمان من علماء دمشق قنسدى إليه جزيل الشكر (١) ورد فى ص ٣٥ س ١٥: «تسلّم أصحابه مدينة غزة وبيت جبريل والماطرون» وذكرنا فى الحاشية رقم ٣ أن تصويبه الماطرون عن شرح القاموس ومعجم البلدان لياقوت. والصواب أنه النطرون بالنون، لأن الماطرون اسم موضعين بالقرب من دمشق، وفتوحات صلاح الدين كانت فى فلسطين، كما فى سيرة صلاح الدين والروضتين وتاريخ أبى الفدا وتاريخ ابن الوردى فى حوادث سنة ٥٨٣ هـ. (٢) ورد فى ص ٩٩ س ١١ و ١٢: «وبنت تربة بقاسيون على نهر بردى» . وعلقنا عليه فى الحاشية رقم ٥ أن «بردى نهر بدمشق» . وصوابه: «وبنت تربة بقاسيون على نهر يزيد» ، لأنّ نهر بردى لا يمرّ بقاسيون، وإنما يمرّ به نهر يزيد. ولا تزال هذه التربة حتى اليوم على حافة نهر يزيد (راجع شذرات الذهب فى حوادث سنة ٥٨١ هـ) . (٣) ورد فى ص ١٢١ س ٩: «بمرج عدواء» . وعلقنا عليها فى الحاشية رقم ٩ نقلا عن ابن الأثير رواية أخرى: «أنه بمرج الريحان» . وصوابه: «بمرج عذراء» وهو مرج مشهور خارج دمشق قرب قرية يقال لها عذراء، كما فى شرح القاموس مادّة «مرج» . (٤) ورد فى ص ١٥٠ س ٥: «وأما الأفضل فإنه سار إلى مصر فأرسل العادل وراءه أبا محمد نجيب الدين إليه بالزبدائى» . وعلقنا عليه فى الحاشية رقم ٢ بأن الزبدانى: نهر بدمشق. وصوابه: الزبدانى: كورة مشهورة معروفة بين دمشق وبعلبك (راجع تقويم البلدان لأبى الفدا إسماعيل ومعجم البلدان لياقوت) .

стр. 2514

(٥) ورد فى ص ٢١٨ س ١١: «ودفن بقاسيون» . وعلقنا عليه فى الحاشية رقم ٣ بأن زواية الأصلين: «مات بقاسيون» وما أثبتناه عن شذرات الذهب وعقد الجمان. وتعتبر قاسيون مقبرة دمشق. والصواب فى ذلك أن قاسيون: جبل شمالى دمشق يطل عليها. وفى عصر نور الدين الأتابكى هاجرت طائفة من المقادسة هربا من إرهاق الصليبين لهم فسكنوا هذا الجبل وبنوا فيه دورا ومساجد فأصبح إحدى ضواحى دمشق التى لها مقبرة لا أنه مقبرة فقط فعليه تكون عبارة الأصلين صحيحة. (٦) ورد فى ص ٢٤٠ س ١٦: «فلما كان الغد أقبلت الأطلاب» وذكرنا فى الحاشية رقم ٦ أن الأطلاب: العساكر. ونزيد عليه أن الأطلاب لفظة استعملت فى كتب التاريخ من عصر نور الدين الأتابكى إلى آخر أيام دولة المماليك الشراكسة، ويراد بها فرق الجيش وكتائبه، والظاهر أنه مشتق من طلب الشيء إذا حاول أخذه فهو طالب وجمعه طلب وجمع الطلب أطلاب، ويدلّ على ذلك ما جاء فى ص ٢٩٣ من هذا الجزء: «قطع التتار دجلة فى مائة طلب، كل طلب فى خمسمائة فارس» . (٧) ورد فى ص ٢٦٦ ص ٤: «ودفن بقرب الصليحية» . وذكرنا فى الحاشية رقم ١ رواية أخرى نقلا عن شذرات الذهب: «بقرب القليجية» . وصوابه ما ورد فى شذرات الذهب. والقليجية: مدرسة بدمشق معروفة، تنسب إلى قليج أرسلان. (٨) ورد فى ص ٢٦٨ س ٤ فى الكلام على ترجمة الملك المعظم عيسى: «ودفن مع والدته فى القبة عند الباب» وعلقنا على ذلك فى الحاشية رقم ١ نقلا عن ابن خلكان بأنه: نقل إلى تربته فى مدرسته التى أنشأها بظاهر دمشق على الشرف الأعلى مطلة على الميدان الأخضر الكبير» . وعلقنا أيضا فى الحاشية رقم ٢ نقلا عن ابن خلكان وشذرات الذهب أنه: «دفن خارج باب النصر أحد

стр. 2515

أبواب دمشق فى مدرسة شمس الدولة» . وكلا التعليقين خطأ. وصوابه أن الملك المعظم عيسى دفن فى مدرسته التى أنشأها بصالحية دمشق. وبالرجوع إلى تاريخ ابن خلكان وجدناه بعد أن انتهى من ترجمة الملك المعظم عيسى يقول: «وتوفى عز الدين أيبك صاحب صرخد، إلى أن قال: ودفن خارج باب النصر فى مدرسة شمس الدولة وحضرت الصلاة عليه ودفنه ثم نقل إلى تربته فى مدرسته التى أنشأها بظاهر دمشق على الشرف الأعلى مطلة على الميدان الأخضر الكبير» . ولا يخفى أن هذا الكلام الذي أدمجه ابن خلكان فى ترجمة الملك المعظم عيسى على عز الدين أيبك (راجع ابن خلكان فى ترجمة الملك المعظم عيسى وشذرات الذهب فى حوادث سنة ٦٢٤ هـ) . (٩) ورد فى ص ٣١٧ س ٣ «وإمام الربوة» وعلقنا على ذلك فى الحاشية رقم ٣: «يريد ربوة دمشق وهى مغارة لطيفة الخ» . وصوابه: «وبالربوة مغارة لطيفة ... الخ» راجع نزهة الأنام فى محاسن الشام، نسخة مخطوطة محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٦٤٢ تاريخ) . (١٠) ورد فى ص ٣٢٩ س ٧: «ودام الحصار إلى أن قدم البادرانى للصلح» وذكرنا فى الحاشية رقم ١ أن البادرانى، نسبه إلى بادران: قرية بأصبهان. وهو عز الدين رسول الخليفة، قدم للصلح بين الملك الصالح نجم الدين والحلبيين. وصوابه: «البادرائىّ» بالهمزة. وهو نجم الدين أبو محمد عبد الله بن أبى الوفا الشافعى الفرضى الذي قدم من عند المستنصر للصلح. وقال السيوطى فى لب اللباب فى تحرير الأنساب: «البادرائى» : نسبة إلى بادرايا،: قرية من عمل واسط» . وراجع شذرات الذهب ج ٥ ص ٢٦٩ فى حوادث سنة ٦٥٥ هـ وتنبيه الطالب للعليمىّ.

стр. 2516

[الجزء الثامن] بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحابته والمسلمين الجزء الثامن من كتاب النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة [ما وقع من الحوادث سنة ٦٩٠] ذكر ولاية الملك الأشرف خليل على مصر هو السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفىّ الصالحىّ النّجمىّ، جلس على تخت الملك يوم وفاة أبيه فى يوم الأحد سابع «١» ذى القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة. وكان والده قلاوون قد سلطنه فى حياته بعد موت أخيه الملك «٢» الصالح علىّ بن قلاوون فى سنة سبع وثمانين وستمائة، والمعتدّ به جلوسه الآن على تخت الملك بعد موت أبيه. وجدّد له الأمراء والجند الحلف فى يوم الاثنين ثامن ذى القعدة المذكور. وطلب من القاضى فتح الدين بن عبد الظاهر تقليده «٣» ، فأخرجه إليه مكتوبا بغير علامة الملك المنصور، وكان

стр. 2517

ابن عبد الظاهر قد قدّمه إليه ليعلّم عليه فلم يرض، وتقدّم طلب الأشرف وتكرّر؛ وابن عبد الظاهر يقدّمه إلى الملك المنصور، والمنصور يمتنع إلى أن قال له: يا فتح الدين، أنا ما أولّى خليلا على المسلمين! ومعنى ذلك أنّ الملك المنصور قلاوون كان قد ندم على توليته السلطنة من بعده. فلمّا رأى الأشرف التقليد بلا علامة، قال: يا فتح الدين، السلطان امتنع أن يعطينى وقد أعطانى الله! ورمى التقليد من يده وتمّ أمره، ورتّب أمور الديار المصريّة، وكتب بسلطنته إلى الأقطار، وأرسل الخلع إلى النوّاب بالبلاد الشامية. وهو السلطان الثامن من ملوك الترك وأولادهم. ثم خلع على أرباب وظائفه بمصر، والذين خلع عليهم من الأعيان: الأمير بدر الدين بيدرا «١» المنصورىّ نائب السلطنة بالديار المصريّة، ووزيره ومدبّر مملكته شمس الدين محمد بن السّلعوس الدّمشقىّ، وهو فى الحجاز الشريف. وعلى بقيّة أرباب وظائفه على العادة والنوّاب بالبلاد الشاميّة يوم ذاك. فكان نائبه بدمشق وما أضيف إليها من الشام الأمير حسام الدين لاچين «٢» المنصورىّ. ونائب السلطنة بالممالك الحلبيّة وما أضيف إليها الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورىّ. ونائب الفتوحات الساحليّة والأعمال الطرابلسيّة والقلاع الإسماعيليّة «٣» الأمير سيف الدين بلبان «٤» السّلحدار المعروف بالطبّاخى. ونائبه بالكرك والشوبك وما أضيف إلى ذلك الأمير ركن الدين بيبرس «٥» الدّوادار المنصورىّ، صاحب التاريخ المعروف «بتاريخ بيبرس الدوادار» . وصاحب حماة

стр. 2518

والمعرّة الملك المظفّر تقىّ الدين محمود ابن الملك المنصور محمد الأيّوبىّ. والذين هم تحت طاعته من الملوك صاحب مكّة المشرّفة الشريف نجم الدين أبو نمىّ محمد بن إدريس «١» بن علىّ بن قتادة الحسنىّ، وصاحب اليمن الملك المظفّر شمس «٢» الدين يوسف ابن عمر، فهؤلاء الذين أرسل إليهم بالخلع والتقاليد. انتهى. ولمّا رسخت قدم الملك الأشرف هذا فى الملك أخذ وأعطى وأمر ونهى؛ وفرّق الأموال وقبض على جماعة من حواشى والده، وصادرهم على ما يأتى ذكره. ولمّا استهلّت سنة تسعين وستّمائة أخذ الملك الأشرف فى تجهيزه «٣» إلى السّفر للبلاد الشاميّة، وإتمام ما كان قصده والده من حصار عكّا، وأرسل إلى البلاد الشاميّة وجمع العساكر وعمل آلات الحصار، وجمع الصّنّاع إلى أن تمّ أمره، خرج بعساكره من الديار المصريّة فى ثالث شهر ربيع الأوّل من سنة تسعين المذكورة، وسار حتّى نازل عكّا فى يوم الخميس رابع شهر ربيع الآخر، ويوافقه خامس نيسان «٤» ، فاجتمع عنده على عكّا من الأمم ما لا يحصى كثرة. وكان المطّوّعة أكثر من الجند ومن فى الخدمة. ونصب عليها المجانيق «٥» الكبار الفرنجيّة خمسة عشر منجنيقا، منها ما يرمى بقنطار دمشقىّ وأكبر، ومنها دونه. وأمّا المجانيق الشيطانيّة

стр. 2519

وغيرها فكثيرة «١» ، ونقب عدّة نقوب. وأنجد أهل عكّا صاحب قبرس «٢» بنفسه وفى ليلة قدومه عليهم أشعلوا نيرانا عظيمة لم ير مثلها فرحا به، وأقام عندهم قريب ثلاثة أيام، ثم عاد عند ما شاهد انحلال أمرهم وعظم ما دهمهم. ولم يزل الحصار عليها والجدّ فى أمر قتالها إلى أن انحلّت عزائم من بها وضعف أمرهم واختلفت كلمتهم. هذا والحصار عمّال فى كلّ يوم، واستشهد عليها جماعة من المسلمين. فلمّا كان سحر يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى ركب السلطان والعساكر وزحفوا عليها قبل طلوع الشمس، وضربوا الكوسات فكان لها أصوات مهولة وحسّ عظيم مزعج، فحال ملاصقة العسكر لها وللأسوار هرب الفرنج وملكت المدينة بالسيف، ولم تمض ثلاث ساعات من النهار المذكور إلّا وقد استولى المسلمون عليها ودخلوها؛ وطلب الفرنج البحر فتبعتهم العساكر الإسلاميّة تقتل وتأسر فلم ينج منهم إلّا القليل؛ ونهب ما وجد من الأموال والذخائر والسلاح وعمل الأسر والقتل فى جميع أهلها، وعصى الدّيويّة «٣» والإسبتار «٤» واستتر الأرمن فى أربعة أبراج شواهق فى وسط البلد فحصروا فيها. فلمّا كان يوم السبت ثامن «٥» عشر الشهر، وهو ثانى يوم فتح المدينة، قصد جماعة من الجند وغيرهم الدار والبرج الذي فيه الدّيويّة فطلبوا الأمان فأمّنهم السلطان وسيّر لهم صنجقا، فأخذوه ورفعوه على برجهم وفتحوا الباب، فطلع إليهم جماعة

стр. 2520

كثيرة من الجند وغيرهم، فلمّا صاروا عندهم تعرّض بعض الجند والعوامّ للنهيب، ومدّوا أيديهم إلى من عندهم من النساء والأصاغر، فغلّق الفرنج الأبواب ووضعوا فيهم السيف، فقتلوا جماعة من المسلمين، ورموا الصّنجق وتمسّكوا بالعصيان وعاد الحصار عليهم. وفى اليوم المذكور نزل من كان ببرج الإسبتار الأرمن بالأمان فأمّنهم السلطان على أنفسهم وحريمهم على يد الأمير زين الدين كتبغا المنصورىّ، وتمّ القتال على برج الدّيويّة ومن عنده إلى يوم الأحد التاسع عشر «١» من جمادى الأولى طلب الدّيويّة ومن بقى فى الأبراج «٢» الأمان، فأمّنهم السلطان على أنفسهم وحريمهم على أن يتوجّهوا حيث شاءوا. فلما خرجوا قتلوا منهم فوق الألفين وأسروا مثلهم، وساقوا إلى باب الدّهليز النساء والصّبيان، وكان من جملة حنق السلطان عليهم مع ما صدر منهم أن الأمير آقبغا المنصورىّ أحد أمراء الشام كان طلع إليهم فى جملة من طلع فأمسكوه وقتلوه، وعرقبوا ما عندهم من الخيول، وأذهبوا ما أمكنهم إذهابه؛ فتزايد الحنق عليهم. وأخذ الجند وغيرهم من السّبى والمكاسب ما لا يحصى. ولمّا علم من بقى منهم ما جرى على إخوانهم تمسّكوا بالعصيان، وامتنعوا من قبول الأمان وقاتلوا أشدّ قتال، واختطفوا خمسة نفر من المسلمين ورموهم من أعلى البرج فسلم منهم نفر واحد ومات الأربعة. ثم فى يوم الثلاثاء ثامن عشرين «٣» جمادى المذكورة أخذ البرج الذي تأخّر بعكا، وأنزل من فيه بالأمان، وكان قد غلّق من سائر جهاته. فلمّا نزلوا منه وحوّلوا معظم ما فيه سقط على جماعة من المسلمين المتفرّجين وممّن قصد النّهب فهلكوا عن آخرهم. ثمّ بعد ذلك عزل السلطان النساء والصّبيان

стр. 2521

ناحية وضرب رقاب الرجال أجمعين وكانوا خلائق كثيرة. والعجب أن الله قدّر فتح عكّا فى مثل اليوم الذي أخذها الفرنج فيه، ومثل الساعة التى أخذوها فيها، فإنّ الفرنج كانوا استولوا على عكّا فى يوم الجمعة سابع عشر «١» جمادى الآخرة [سنة سبع «٢» وثمانين وخمسمائة] فى الساعة الثالثة من النهار، وأمّنوا من كان بها من المسلمين ثم قتلوهم غدرا، وقدّر الله تعالى أنّ المسلمين استرجعوها منهم فى هذه المرّة يوم الجمعة فى الساعة الثالثة من النهار، ووافق السابع عشر «٣» من جمادى الأولى، وأمّنهم السلطان ثمّ قتلهم كما فعل الفرنج بالمسلمين، فانتقم الله تعالى من عاقبتهم. وكان السلطان عند منازلته عكّا قد جهّز جماعة من الجند مقدّمهم الأمير علم الدين سنجر الصّوابى الجاشنكير إلى صور لحفظ الطّرق وتعرّف الأخبار، وأمره بمضايقة صور. فبينما هو فى ذلك لم يشعر إلّا بمراكب المنهزمين من عكّا قد وافت الميناء التى لصور، فحال بينها وبين الميناء؛ فطلب أهل صور الأمان فأمّنهم على أنفسهم وأموالهم ويسلّموا صور فأجيبوا إلى ذلك، فتسلّمها. وصور من أجلّ الأماكن ومن الحصون المنيعة، ولم يفتحها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب فيما فتح من الساحل، بل كان صلاح الدين كلّما فتح مكانا وأمّنهم أوصلهم إلى صور هذه لحصانتها ومنعتها، فألقى الله تعالى فى قلوب أهلها الرّعب حتّى سلّموها من غير قتال ولا منازلة، ولا كان الملك الأشرف فى نفسه شىء من أمرها البتّة. وعند ما تسلّمها جهّز إليها من أخربها وهدم أسوارها وأبنيتها، ونقل من رخامها وأنقاضها شىء كثير. ولمّا تيسر أخذ صور على هذه الصورة قوى عزم الملك

стр. 2522

الأشرف على أخذ غيرها. ولمّا كان الملك الأشرف محاصرا لعكّا استدعى الأمير حسام الدين لا چين المنصورىّ نائب الشام، وهو الذي تسلطن بعد ذلك حسب ما يأتى ذكره، والأمير ركن الدين بيبرس المعروف بطقصو فى ليلة الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى إلى المخيّم وأمسكهما وقيّدهما، وجهّزهما فى بكرة نهار الاثنين إلى قلعة صفد، ومنها إلى قلعة الجبل. وكان تقدّم قبل ذلك بستّة أيام مسك الأمير سنجر المعروف بأبى خرص وجهّزه إلى الديار المصريّة محتاطا عليه. ثم استقرّ الملك الأشرف بالأمير علم الدين سنجر «١» الشّجاعى المنصورىّ فى نيابة الشام عوضا عن الأمير لاچين المذكور. وعند ما أمسك الأشرف هذين الأميرين الكبيرين حصل للناس قلق شديد وخشوا من حدوث أمر يكون سببا لتنفيس الخناق عن أهل عكّا، فكفى الله تعالى ذلك. ثم أمسك الأشرف الأمير علم الدين «٢» أيدغدى الإلدكزىّ نائب صفد وما معها لأمر نقمه عليه وصادره، وجعل مكانه الأمير علاء الدين أيدكين «٣» الصالحىّ العمادىّ، وأضاف إليه مع ولاية صفد عكّا وما استجد من الفتوحات الأشرفيّة. ثم «٤» لما فرغ الأشرف من مصادرة أيدكين المذكور ولّاه برّصفد عوضا عن علم الدين سنجر الصّوابىّ. ثم استدعى الملك الأشرف الأمير بيبرس الدّوادار المنصورى الخطائى المؤرّخ نائب الكرك وعزله، وولّى عوضه الأمير آقوش «٥» الأشرفىّ. ثم رحل الملك الأشرف عن عكّا فى بكرة نهار الاثنين خامس جمادى الآخرة، ودخل دمشق يوم الاثنين ثانى

стр. 2523

عشره بعد أن زيّنت له دمشق غاية الزينة، وعملت القباب بالشوارع من قريب المصلّى «١» إلى الباب «٢» الجديد، وحصل من الاحتفال لقدومه ما لا يوصف، ودخل وبين يديه الأسرى من الفرنج تحتهم الخيول وفى أرجلهم القيود، ومنهم الحامل من سناجق الفرنج المنكّسة، وفيهم من حمل رمحا عليه من رءوس قتلى الفرنج؛ فكان لقدومه يوم عظيم. وأقام الأشرف بدمشق إلى فجر نهار الأربعاء تاسع عشر شهر رجب. وعاد إلى الديار المصريّة فدخلها يوم الاثنين تاسع شعبان؛ فاحتفل أيضا أهل مصر لملاقاته احتفالا عظيما أضعاف احتفال أهل دمشق، وعند دخوله إلى مصر أطلق رسل صاحب عكّا الذين كانوا معوّقين بالقاهرة. ثم إنّ الأمير علم الدين سنجر الشجاعىّ نائب الشام فتح صيدا بعد حصار كبير بالأمان فى يوم السبت خامس عشر شهر رجب. ولمّا أخذت هذه البلاد فى هذه السنة أمر السلطان أن تخرّب قلعة جبيل وأسوارها بحيث يلحقها بالأرض فخرّبت أصلا؛ ثم أخذت عثليث «٣» بعد شهر. وأمّا أهل أنطرطوس لمّا بلغهم أخذ هذه القلاع عزموا على الهرب، فجرّد الأمير سيف الدين بلبان الطّباخى عسكرا، فلمّا أحاطوا بها ليلة الخميس خامس شعبان

стр. 2524

ركبوا البحر وهربوا إلى جزيرة أرواد «١» ، وهى بالقرب منها، فندب إليها السّعدىّ بما كان أحضره من المراكب والشوانى فأخلوها. وكان فتح هذه المدن الستّ فى ستة شهور. ثم رسم الملك الأشرف بالقبض على الأمير علم الدين سنجر الدوادار؛ فقبض عليه فى شهر رمضان، وجهّز الى الديار المصريّة بعد أن أحيط على جميع موجوده، ثم أفرج الملك الأشرف على جماعة من الأمراء ممّن كان قبض عليهم وحبسهم. وهم: الأمير لا چين المنصورىّ الذي تسلطن بعد ذلك، وبيبرس طقصو الناصرىّ، وسنقر الأشقر الصالحىّ، وبدر الدين بيسرى الشمسىّ، وسنقر الطويل المنصورىّ، وبدر الدين خضر بن جودى القيمرىّ. وفى شهر رمضان سنة تسعين وستمائة المذكورة أنعم السلطان الملك الأشرف على علم الدين سنجر المنصورىّ المعروف بأرجواش خبزا وخلع عليه وأعيد إلى ولاية قلعة دمشق. ثم طلب الملك الأشرف قاضى القدس بدر الدين «٢» محمد بن إبراهيم بن جماعة إلى الديار المصرية وولّاه قضاءها بعد عزل قاضى القضاة تقي الدين «٣» ابن بنت الأعز. واستمرّ الملك الأشرف بالديار المصريّة إلى أن تجهّز وخرج منها قاصدا البلاد الشامية فى يوم السبت ثامن شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وتسعين وستمائة، وسار حتّى دخل دمشق فى يوم السبت سادس جمادى الأولى. وفى ثامن جمادى الأولى أحضر السلطان الأموال وأنفق فى جميع العساكر المصريّة والشامية. ووصل الملك المظفر تقىّ الدين صاحب

стр. 2525

حماة لتلقّى الملك الأشرف فالتقاه فزاد السلطان فى إكرامه، واستعرض الجيوش عليه وأمر بتسفيرهم قدّام الملك المظفّر المذكور. ثم توجّه الملك الأشرف من دمشق بجميع العساكر قاصدا حلب، فوصلها فى ثامن عشرين جمادى الأولى، ثم خرج منها ونزل على قلعة الروم بعساكره وحاصرها إلى أن افتتحها بالسيف عنوة فى يوم السبت حادى عشر شهر رجب، وكتب البشائر إلى الأقطار بأخذها. ثم عاد السلطان إلى دمشق وترك بقلعة الروم الشّجاعىّ وعساكر الشام ليعمّروا ما انهدم منها فى الحصار. وكان دخول السلطان إلى دمشق فى يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان بعد أن عزل الأمير قرا سنقر المنصورىّ عن نيابة حلب بالأمير بلبان الطبّاخى، وولّى عوضا عن الطّباخى فى الفتوحات طغريل الإيغانى. ولمّا كان السلطان بدمشق عمل عسكره النّوروز كعادتهم بالديار المصريّة، وعظم ذلك على أهل دمشق لعدم عادتهم بذلك. وفى يوم الجمعة ثامن عشرين شهر رمضان قبض السلطان على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وعلى الأمير ركن الدين طقصو، وهرب الأمير حسام الدين لاچين المنصورىّ ونادوا عليه بدمشق: من أحضره فله ألف دينار، ومن أخفاه شنق. ثمّ ركب الملك الأشرف ومماليكه فى طلب لاچين المذكور، وأصبح يوم العيد والسلطان فى البرية مهجّج، وكانوا عملوا السّماط كجارى العادة فى الأعياد، وأطلعوا المنبر إلى الميدان الأخضر وطلع الخطيب موفّق «١» الدين فصلّى فى الميدان بالعوامّ، وعاد السلطان بعد صلاة العصر إلى دمشق، ولم يقع للاچين على خبر. ثم سيّر الملك الأشرف طقصو وسنقر الأشقر تحت الحوطة إلى الديار المصريّة. وأمّا لاچين فإنّ العرب أمسكوه وأحضروه إلى الملك الأشرف فأرسله الملك الأشرف مقيّدا
следующие страницы →