← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وفيها توفّى الشيخ الصالح الزاهد بقيّة المشايخ بدر الدين حسن ابن الشيخ الكبير القدوة العارف نور الدين أبى الحسن على بن منصور الحريرى فى يوم السبت عاشر شهر ربيع الآخر بزاويته بقرية بسر «١» من أعمال زرع، وكان هو المتعيّن بعد أبيه فى الزاوية وعلى الطائفة الحريرية المنسوبين الى والده؛ ومات وقد جاوز الثمانين «٢» . وفيها توفّى قاضى القضاة صدر الدين إبراهيم بن أحمد بن عقبة البصراوىّ الفقيه الحنفى المدرّس، أحد أعيان فقهاء الحنفية، ولى قضاء حلب ثم عزل ثم أعيد فمات قبل دخوله حلب، وكان عالما مفتنّا وله اليد الطّولى فى الجبر والمقابلة والفرائض وغير ذلك. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الإمام شمس الدين محمد بن أبى بكر الفارسىّ الأبجىّ «٣» فى رمضان. وعائشة ابنة المجد عيسى بن [الإمام «٤» ] الموفّق [عبد الله «٥» بن أحمد بن محمد بن قدامة] المقدسىّ فى [تاسع عشر] «٦» شعبان ولها ست وثمانون سنة. وقاضى حماة جمال الدين محمد بن سالم [بن نصر الله بن «٧» سالم] ابن واصل فى شوّال. وشهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن [بن عبد المنعم بن نعمة

стр. 2627

ابن سلطان بن سرور «١» ] النابلسىّ الحنبلىّ العابر «٢» . والشيخ كمال الدين عبد الرحمن بن عبد اللطيف البغدادىّ بن المكبّر «٣» فى ذى الحجة، وله ثمان وتسعون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. وكان الوفاء آخر أيام النسىء.

стр. 2628

[ما وقع من الحوادث سنة ٦٩٨] ذكر سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر السلطان الملك الناصر ناصر الدين أبو المعالى محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون، تقدّم ذكر مولده فى ترجمته الأولى من هذا الكتاب. أعيد إلى السلطنة بعد قتل الملك المنصور لاچين، فإنه كان لمّا خلع من الملك بالملك العادل كتبغا المنصورىّ أقام عند والدته بالدّور من قلعة الجبل إلى أن أخرجه الملك المنصور لاچين لمّا تسلطن إلى الكرك، فأقام الملك الناصر بالكرك إلى أن قتل الملك المنصور لاچين حسب ما ذكرناه. أجمع رأى الأمراء على سلطنته ثانيا، وخرج إليه الطلب من الديار المصرية صبيحة يوم الجمعة الحادى عشر من شهر ربيع الاخر سنة ثمان وتسعين وستمائة، وهو ثانى يوم قتل لاچين وسار الطلب إليه؛ فلمّا قتل طغجى وكرجى فى يوم الاثنين رابع عشره استحثوا الأمراء فى طلبه، وتكرّر سفر القصّاد له من الديار المصرية إلى الكرك، حتى إذا حضر إلى الديار المصرية فى ليلة السبت رابع جمادى الأولى من السنة، وبات تلك الليلة بالإسطبل السلطانىّ، ودام به إلى أن طلع إلى القلعة فى بكرة يوم الاثنين سادس جمادى الأولى المذكور. وحضر الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد والقضاة، وأعيد إلى السلطنة وجلس على تخت الملك. وكان الذي توجّه من القاهرة بطلبه الأمير «١» الحاجّ آل ملك، والأمير سنجر «٢» الجاولى. فلمّا قدما إلى الكرك كان لملك الناصر بالغور «٣» يتصيّد

стр. 2629

فتوجّها إليه ودخل آقوش «١» نائب الكرك إلى أمّ السلطان وبشّرها، فخافت أن تكون مكيدة من لاچين فتوقّفت فى المسير، فما زال بها حتى أجابت. ووصل الأميران إلى الملك الناصر بالغور وقبّلا الأرض بين يديه وأعلماه بالخبر، فرحّب بهما وعاد إلى البلد وتهيّأ، وأخذ فى تجهيز أمره، والبريد يترادف باستحثاثه إلى أن قدم القاهرة، فخرج الأمراء وجميع الناس قاطبة للقائه، وكادت القاهرة ومصر ألّا يتأخر بهما أحد فرحا بقدومه. وكان خروجهم فى يوم السبت، وأظهر الناس لعوده إلى الملك من السرور ما لا يوصف ولا يحدّ، وزيّنت القاهرة ومصر بأفخر زينة، وأبطل الناس معايشهم وضجّوا له بالدعاء والشكر لله على عوده إلى الملك، وأسمعوا حواشى الملك العادل كتبغا والملك المنصور لاچين من المكروه والاستهزاء ما لا مزيد عليه، واستمروا فى الفرح والسرور إلى يوم الاثنين، وهو يوم جلوسه على تخت الملك. وجلس على تخت الملك فى هذه المرّة الثانية وعمره يومئذ نحو أربع عشرة سنة. ثم جدّد للملك الناصر العهد، وخلع على الأمير سيف الدين سلار بنيابة السلطنة، وعلى الأمير حسام الدين لاچين بالأستادارية على عادته، واستمرّ الأمير آقوش الأفرم الصغير بنيابة دمشق على عادته، وخلع عليه وسفر بعد أيام. وفى معنى سلطنة الملك الناصر محمد يقول الشيخ علاء «٢» الدين الوداعىّ الدّمشقىّ. الملك الناصر قد أقبلت ... دولته مشرقة الشمس عاد إلى كرسيّه مثلما ... عاد سليمان إلى الكرسى وفى تاسع جمادى الأولى فرّقت الخلع على جميع من له عادة بالخلع من أعيان الدولة. وفى ثانى عشرة لبس الناس الخلع وركب السلطان الملك الناصر بالخلعة

стр. 2630

الخليفتيّة وأبّهة السلطنة وشعار الملك، ونزل من قلعة الجبل إلى سوق «١» الخيل ثم عاد إلى القلعة؛ وترجّل فى خدمته جميع الأمراء والأكابر «٢» وقبّلوا الأرض بين يديه. واستقرّت سلطنته وتمّ أمره، وكتبت البشا وبذلك إلى الأقطار، وسرّ الناس بعوده إلى الملك سرورا زائدا بسائر الممالك. وبعد أيام ورد الخبر عن غازان ملك التتار أنه قد عزم على قصد البلاد الشامية لمّا قدم عليه الأمير قبجق المنصورىّ نائب الشام ورفقته. ثم رأى غازان أن يجهّز سلامش بن أباجو» فى خمسة وعشرين ألفا من الفرسان إلى بلاد الروم، على أنه يأخذ بلاد الروم، ويتوجّه بعد ذلك بسائر عساكره إلى الشام من جهة بلاد سيس «٤» ويجيء غازان من ديار «٥» بكر، وينزلون على الفرات ويغيرون على البيرة «٦» والرّحبة «٧» وقلعة الروم «٨» ، ويكون اجتماعهم على مدينة حلب، فإن التقاهم أحد من العساكر المصرية والشامية

стр. 2631

التقوه وإلّا دخلوا بلاد الشام؛ فاتّفق أنّ سلامش لما توجّه من عند قازان ودخل إلى الرّوم أطمعته نفسه بالملك؛ وملك الروم وخلع طاعة غازان؛ واستخدم الجند، وأنفق عليهم وخلع على أكابر الأمراء ببلاد الروم، وكانوا أولاد قرمان «١» قد أطاعوه، ونزلوا إلى خدمته، وهم فوق عشرة آلاف فارس. وهذا الخبر أرسله سلامش المذكور إلى مصر، وأرسل فى ضمن ذلك يطلب من المصريين النّجدة والمساعدة على غازان. قلت: غازان وقازان كلاهما اسم لملك التتار. انتهى. وكان وصول رسول سلامش بهذا الخبر إلى مصر فى شعبان من السنة. وأما قازان فإنه وصل إلى بغداد، وكانوا متولّين بغداد من قبله شكوا إليه من أهل السّيب «٢» والعربان أنّهم ينهبون التّجار القادمين من البحر، وأنّهم قد قطعوا السابلة فسار قازان بنفسه إليهم ونهبهم، وأقام بأرض دقوقا «٣» مشتيا. ولمّا بلغه خبر سلامش انثنى عزمه عن قصد الشام وشرع فى تجهيز العساكر مع ثلاثة مقدّمين، ومعهم خمسة وثلاثون ألف فارس: منها خمسة عشر مع الأمير سوتاى «٤» وعشرة مع هندوجاغان «٥» وعشرة مع بولاى «٦» وهو المشار إليه من المقدّمين مع العساكر وسفّرهم

стр. 2632

إلى الروم لقتال سلامش. ثم رحل قازان إلى جهة تبريز «١» ومعه الأمير قبجق المنصورىّ نائب الشام وبكتمر السلاح دار والألبكى، وهؤلاء هم الّذين خرجوا من دمشق مغاضبين للملك المنصور لاچين، وسار التتار الذين أرسلهم غازان حتى وصلوا إلى الروم فى أواخر شهر رجب والتقوا مع سلامش، وكان سلامش قد عصى عليه أهل سيواس «٢» وهو يحاصرهم، فتركهم سلامش وتجهز، وجهز عساكره لملتقى التتار؛ وكان قد جمع فوق ستين ألف فارس. فلمّا قارب التتار فرّ من عسكر سلامش التتار والروم ولحقوا بولاى مقدّم عساكر غازان. وأمّا التّركمان فإنهم تركوه وصعدوا إلى الجبال على عادتهم وبقى سلامش فى جمع قليل دون خمسمائة فارس، فتوجه بهم من سيواس إلى جهة سيس، وسار منها فوصل إلى بهسنا «٣» فى أواخر شهر رجب. وكان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قد برز مرسومه إلى نائب الشام بأن يجرّد خمسة أمراء من حمص وخمسة من حماة وخمسة من حلب لتكملة خمسة عشر أميرا ويبعثهم نجدة إلى سلامش. فلمّا وصل الخبر بقدوم سلامش إلى بهسنا منهزما توقّف العسكر عن المسير، ثم وصل سلامش إلى دمشق. وسلامش هذا هو من أولاد عمّ غازان، وهو سلامش بن أباجو بن هولاكو. وكان وصوله إلى دمشق فى يوم الخميس ثانى عشر شعبان، فتلقّاه نائب الشام واحتفل لملاقاته احتفالا عظيما وأكرمه، وقدّم

стр. 2633

فى خدمته نائب بهسنا الأمير بدر الدين بكتاش الزّردكاش، ثم سار سلامش من دمشق إلى جهة الديار المصرية إلى أن وصلها، فأكرمه السلطان غاية الإكرام، وأقام بمصر أياما قليلة ثم عاد إلى حلب، بعد أن اتفق معه أكابر دولة الملك الناصر محمد على أمر يفعلونه إذا قدم غازان إلى البلاد الشامية، ثم بعد خروجه جهز السلطان خلفه أربعة آلاف فارس من العسكر المصرى نجدة له لقتال التتار، وأيضا كالمقدّمة السلطان، وعلى كلّ ألف فارس أمير مائة ومقدّم ألف فارس، وهم: الأمير جمال الدين آقوش قتّال السّبع. والمبارز أمير شكار. والأمير جمال الدين عبد الله. والأمير سيف الدين [بلبان «١» ] الحبشىّ، وهو المقدّم على الجميع؛ وساروا الجميع إلى بلاد حلب، وتهيّأ السلطان للسفر، وتجهّزت أمراؤه وعساكره. وخرج من الديار المصرية بأمرائه وعساكره فى يوم الخميس سادس عشرين ذى الحجّة الموافق لسادس عشرين توت أحد شهور القبط. هذا والعساكر الشامية فى التهيّؤ لقتال التتار، وقد دخلهم من الرعب والخوف أمر لا مزيد عليه، وسار السلطان بعساكره إلى البلاد الشامية بعد أن تقدّمه أيضا جماعة من أكابر أمراء الديار المصرية غير أولئك، كالجاليش «٢» على العادة، وهم: الأمير قطلوبك والأمير سيف الدين نكيه «٣» وهو من كبار الأمراء، كان حما الملكين الصالح والأشرف أولاد قلاوون، وجماعة أمراء أخر، ودخلوا هؤلاء الأمراء قبل السلطان إلى الشام بأيام، فاطمأنّ خواطر أهل دمشق بهم، وسافر السلطان

стр. 2634

بالعساكر على مهل، وأقام بغزّة «١» وعسقلان «٢» أياما كثيرة؛ ثم دخل إلى دمشق يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين وستمائة، واحتفل أهل دمشق لدخوله احتفالا عظيما، ودخل السلطان بتجمّل عظيم زائد عن الوصف حتى لعلّه زاد على الملوك الذين كانوا قبله، ونزل بقلعة دمشق بعد أن أقام بغزّة وغيرها نحو الشهرين فى الطريق إلى أن ترادفت عليه الأخبار بقرب التتار إلى البلاد الشامية، قدم دمشق وتعين حضوره إليها ليجتمع بعساكره السابقة له، وأقام السلطان بدمشق وجهّز عساكرها إلى جهة البلاد الحلبيّة أمامه، ثم خرج هو بأمرائه وعساكره بعدهم فى يوم الأحد السابع عشر من شهر ربيع الأوّل من سنة تسع وتسعين المذكورة فى وسط النهار، وسار من دمشق إلى حمص، وابتهل الناس له بالدعاء، وعظم خوف الناس وصياحهم وبكاؤهم على الإسلام وأهله. ووصل السلطان إلى حمص وأقام لابس السلاح «٣» ثلاثة أيام بلياليها إلى أن حصل الملل والضّجر، وغلت الأسعار بالعسكر وقلّت العلوفات. وبلغ السلطان أنّ التتار قد نزلوا بالقرب من سلمية «٤» وأنّهم يريدون الرجوع إلى بلادهم لما بلغهم من كثرة الجيوش واجتماعهم على قتالهم. وكان هذا الخبر مكيدة من التتار، فركب السلطان بعساكره من حمص بكرة يوم الأربعاء وقت الصبح السابع والعشرين من شهر ربيع الأول، وساقوا الخيل إلى أن وصلوا إليهم، وهم بالقرب من سلمية بمكان يسمى وادى الخازندار؛ فركب التتار للقائهم وكانوا تهيّئوا لذلك، وكان الملتقى فى ذلك المكان فى الساعة

стр. 2635

الخامسة من نهار الأربعاء المذكور وتصادما، وقد كلّت خيول السلطان وعساكره من السّوق، والتحم القتال بين الفريقين، وحملت ميسرة المسلمين عليهم فكسرتهم أقبح كسرة، وقتلوا منهم جماعة كثيرة نحو خمسة آلاف أو أكثر؛ ولم يقتل من المسلمين إلّا اليسير. ثم حملت القلب أيضا حملة هائلة وصدمت العدوّ أعظم صدمة، وثبت كل من الفريقين ثباتا عظيما، ثم حصل تخاذل فى عسكر الإسلام بعضهم فى بعض. بلاء من الله تعالى. فانهزمت ميمنة السلطان بعد أن كان لاح لهم النصر! فلا قوّة إلا بالله. ولمّا انهزمت الميمنة انهزم أيضا من كان وراء السناجق السلطانيّة من غير قتال، وألقى الله تعالى الهزيمة عليهم فانهزم جميع عساكر الإسلام بعد النصر، وساق السلطان فى طائفة يسيرة من أمرائه ومدبّرى مملكته إلى نحو بعلبكّ «١» وتركوا جميع الأثقال، ملقاة «٢» ، فبقيت العدد والسلاح والغنائم والأثقال ملات تلك الأراضى حتى بقيت الرماح فى الطرق كأنها القصب لا ينظر اليها أحد، ورمى الجند خوذهم عن رءوسهم وجواشنهم وسلاحهم تخفيفا عن الخيل لتنجيهم بأنفسهم، وقصدوا الجميع دمشق. وكان أكثر من وصل إلى دمشق من المنهزمين من طريق بعلبك. ولمّا بلغ أهل دمشق وغيرها كسرة السلطان عظم الضجيج والبكاء، وخرجت المخدّرات حاسرات لا يعرفن أين يذهبن والأطفال بأيديهنّ، وصار كلّ واحد فى شغل عن صاحبه إلى أن ورد عليهم الخبر أنّ ملك التتار قازان مسلم وأن غالب جيشه على ملّة الإسلام، وأنّهم لم يتبعوا المنهزمين، وبعد انفصال الوقعة لم يقتلوا أحدا ممّن وجدوه؛ وإنما يأخذون سلاحه ومركوبه ويطلقونه، فسكن بذلك روع أهل دمشق قليلا،

стр. 2636

ثم صار من وصل إلى دمشق أخذ أهله وحواصله بحيث الإمكان وتوجّه إلى جهة مصر، وبقى من بقى بدمشق فى خمدة وحيرة لا يدرون ما عاقبة أمرهم؛ فطائفة تغلّب عليهم الخوف وطائفة يترجون حقن الدماء وطائفة يترجّون أكثر من ذلك من عدل وحسن سيرة، واجتمعوا فى يوم الأحد بمشهد علىّ، واشتوروا فى أمر الخروج إلى ملك التتار غازان وأخذهم أمانا لأهل البلد فحضر من الفقهاء قاضى القضاة بدر الدين [محمد بن إبراهيم «١» ] بن جماعة، وهو يومئذ خطيب جامع أهل دمشق. والشيخ زين الدين الفارقىّ. والشيخ تقىّ الدين «٢» بن تيميّة وقاضى قضاة دمشق نجم الدين [ابن «٣» ] صصرّى. والصاحب فخر الدين «٤» بن الشيرجى. والقاضى عزّ الدين «٥» بن الزكىّ. والشيخ وجيه الدين بن المنجّا. والشيخ [الصدر «٦» الرئيس] عز الدين [عمر «٧» ] بن القلانسىّ. وابن عمّه بشرف الدين. وأمين الدين بن شقير الحرّانىّ. والشريف زين الدين بن عدنان «٨» والصاحب شهاب الدين الحنفىّ. والقاضى شمس الدين بن الحريرىّ. والشيخ محمد بن قوام النابلسىّ. وجلال الدين أخو القاضى إمام الدين القزوينىّ. وقد خرج أخوه إمام الدين قبل ذلك مع جماعة جافلا إلى مصر. وجلال الدين ابن القاضى حسام الدين الحنفىّ. وجماعة كثيرة من العدول والفقهاء والقراء.

стр. 2637

وأمّا السلطان الملك الناصر وعساكره فإنه سار هو بخواصّه بعد الوقعة إلى جهة الكسوة «١» . وأمّا العساكر المصرية والشامية فلا يمكن أن يعبّر عن حالهم، فإنه كان أكبر الأمراء يرى وهو وحده وقد عجز عن الهرب ليس معه من يقوم بخدمته وهو مسرع فى السّير خائف متوجّه إلى جهة الكسوة لا يلوى على أحد، قد دخل قلوبهم الرّعب والخوف، تشتمهم العامة وتوبّخهم بسبب الهزيمة من التتار، وكونهم كانوا قبل ذلك يحكمون فى الناس ويتعاظمون عليهم، وقد صار أحدهم الآن أضعف من الهزيل، وأمعنوا العامّة فى ذلك وهم لا يلتفتون إلى قولهم، ولا ينتقمون من أحد منهم. قلت: وكذا وقع فى زماننا هذا فى وقعة تيمور لنك وأعظم، فإنّ هؤلاء قاتلوا وكسروا ميمنة التّتار، إلّا أصحابنا فإنّهم سلّموا البلاد والعباد من غير قتال! حسب ما يأتى ذكره فى محلّه من ترجمة السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق. انتهى. قال: وعجز أكثر الأمراء والجند عن التوجّه إلى جهة مصر خلف السلطان بسبب ضعف فرسه «٢» ، فصار الجندىّ يغير زيّه حتى يقيم بدمشق خيفة من توبيخ العامّة له، حتى بعضهم حلق شعره وصار بغير دبوقة «٣» . قال الشيخ قطب الدين اليونينىّ: مع أنّ الله تعالى لطف بهم لطفا عظيما إذ لم يسق عدوّهم خلفهم ولا تبعهم إلا حول المعركة وما قاربها، وكان ذلك لطفا من الله تعالى بهم، وبقى الأمر على ذلك إلى آخر يوم الخميس سادس شهر ربيع الاخر، فوصل أربعة من التتار ومعهم الشريف القمّىّ «٤» وتكلّموا مع أهل دمشق، فلم ينبرم

стр. 2638

أمر. ثم قدم من الغد آخر ومعه فرمان (يعنى مرسوما من غازان بالأمان) وقرئ بالمدرسة البادرائية «١» ، ثم وقع بعد ذلك أمور يطول شرحها من أن قازان أرسل إلى أهل دمشق وعرّفهم أنه يحب العدل والإحسان للرّعية وإنصاف المظلوم من الظالم، وأشياء من هذا النمط، فحصل للناس بذلك سكون وطمأنينة. ثم دخل الأمير قبجق المنصورىّ الذي كان نائب دمشق قبل تاريخه، وهرب من الملك المنصور لاچين إلى غازان، ومعه رفقته الأمير بكتمر السّلاح دار وغيره إلى دمشق، وكلّموا الأمير أرجواش المنصورىّ خشداشهم نائب قلعة دمشق فى تسليمها إلى غازان؛ وقالوا له: دم المسلمين فى عنقك إن لم تسلّمها؛ فأجابهم: دم المسلمين فى أعناقكم أنتم الذين خرجتم من دمشق وتوجّهتم إلى غازان وحسّنتم له المجىء إلى دمشق وغيرها، ثم وبّخهم ولم يسلّم قلعة دمشق، وتهيّأ للقتال والحصار؛ واستمرّ على حفظ القلعة. ثم ترادفت قصّاد غازان إلى أرجواش هذا، وطال الكلام بينهم فى تسليم القلعة؛ فثّبته الله تعالى ومنع ذلك بالكلّية. وملك قازان دمشق وخطب له بها فى يوم الجمعة رابع عشر شهر ربيع الآخر. وصورة الدعاء لغازان أن قال الخطيب: «مولانا السلطان الأعظم سلطان الإسلام والمسلمين مظفّر الدنيا والدين محمود غازان» . وصلّى الأمير قبجق المنصورىّ وجماعة من المغل بالمقصورة من جامع دمشق، ثم أخذ التّتار فى نهب قرى دمشق والفساد بها، ثم بجبل الصالحية «٢» وغيرها،

стр. 2639

وفعلوا تلك الأفعال القبيحة، ثم قرّروا على البلد تقارير تضاعفت غير مرّة، وحصل على أهل دمشق الذّلّ والهوان وطال ذلك عليهم، وكان متولّى الطلب من أهل دمشق الصفىّ السّنجارىّ، وعلاء الدين أستادار قبجق، وابنا الشيخ الحريرىّ «١» الحنّ والبن؛ وعمل الشيخ كمال الدين «٢» الزّملكانىّ فى ذلك قوله: لهفى على جلّق يا شرّ ما لقيت ... من كلّ علج له فى كفره فنّ بالطّمّ «٣» والرّمّ جاءوا لا عديد لهم ... فالجنّ بعضهم والحنّ والبنّ وللشيخ عز الدين عبد الغنى الجوزىّ «٤» فى المعنى: بلينا يقوم كالكلاب أخسّة ... علينا بغارات المخاوف قد شنّوا هم الجنّ حقّا ليس فى ذاك ريبة ... ومع ذا فقد والاهم الحنّ والبنّ ولابن قاضى «٥» شهبة: رمتنا صروف الدهر حقّا بسبعة ... فما أحد منا من السبع سالم غلاء وغازان وغزو وغارة ... وغدر وإغبان وغمّ ملازم وفى المعنى يقول أيضا الشيخ علاء الدين الوداعىّ وأجاد: أتى الشام مع غازان شيخ مسلّك ... على يده تاب الورى وتزهّدوا فخلّوا عن الأموال والأهل جملة ... فما منهم إلا فقير مجرّد ودامت هذه الشدّة على أهل دمشق والحصار عمّال فى كلّ يوم على قلعة دمشق حتى عجزوا عن أخذها من يد أرجواش المذكور.

стр. 2640

قلت: على أنّ أرجواش كان عنده سلامة باطن إلى الغاية. يأتى ذكر بعض أحواله فى الوفيات من سنين الملك الناصر محمد بن قلاوون. انتهى. قال: وتمّ جبى المال، وأخذه غازان وسافر من دمشق فى يوم الجمعة ثانى عشر جمادى الأولى بعد أن ولّى الأمير قبجق المنصورىّ نيابة الشام على عادته أوّلا، وقرّر بدمشق جماعة أخر يطول الشرح فى ذكرهم. وأقام الأمير قطلو شاه مقدّم عساكر التتار بعد غازان بدمشق بجماعة كثيرة من التتار لأخذ ما بقى من الأموال ولحصار قلعة دمشق، ودام على ذلك حتى سافر من دمشق ببقيّة التتار فى يوم الثلاثاء ثالث عشرين جمادى الأولى، وخرج الأمير قبجق نائب الشام لتوديعه، ثم عاد يوم الخميس خامس عشرينه، وانقطع أمر المغل من دمشق بعد أن قاسى أهلها شدائد وذهبت أموالهم. قال ابن المنجّا: إنّ الذي حمل إلى خزانة قازان خاصة نفسه ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف «١» سوى ما محق «٢» عليهم من التّراسيم والبراطيل، والاستخراج لغيره من الأمراء والوزراء وغير ذلك، بحيث إن الصّفىّ السّنجارىّ استخرج لنفسه أكثر «٣» من ثمانين ألف درهم، وللأمير إسماعيل مائتى ألف درهم، وللوزير نحو أربعمائة ألف وقس على هذا. واستمرّ بدمشق ورسم أن ينادى فى دمشق: بأنّ أهل القرى والحواضر يخرجون إلى أماكنهم، رسم بذلك سلطان الشام حاجّ الحرمين سيف الدين قبجق، وصار قبجق يركب بالعصابة، والشاويشية «٤» بين يديه، واجتمع الناس عليه. كلّ

стр. 2641

ذلك والقتال والمباينة واقعة بين الأمير أرجواش نائب قلعة دمشق وبين قبجق المذكور ونوّاب قازان، والرسل تمشى بينهم فى الصلح، وأرجواش يأبى تسليم القلعة له، فلله درّ هذا الرجل! ما كان أثبت جنانه مع تغفّل كان فيه حسب ما يأتى ذكره. هذا وقبجق غير مستبدّ بأمر الشام بل غالب الأمر بها لنوّاب قازان مثل بولاى وغيره. ثم سافر بولاى من دمشق بمن كان بقى معه من التتار فى عشية يوم السبت «١» الرابع من شهر رجب، ومعه قبجق وقد أشيع أن قبجق يريد الانفصال عن التتار. وبعد خروجهما استبد أرجواش نائب قلعة دمشق بتدبير أمور البلد. وفى يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب أعيدت الخطبة بدمشق إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون، وللخليفة الحاكم بأمر الله على العادة، ففرح الناس بذلك. وكان أسقط اسم الملك الناصر محمد بن الخطبة بدمشق من سابع شهر ربيع الآخر، فالمدة مائة يوم. ثم نادى أرجواش بكرة يوم السبت بالزينة فى البلد فزيّنت. وأما الملك الناصر محمد بن قلاوون فإنّ عوده إلى الديار المصرية كان يوم الأربعاء ثانى عشر شهر ربيع الآخر وتبعته العساكر المصرية والشامية متفرّقين، وأكثرهم عراة مشاة ضعفاء، وذاك الذي أوجب تأخّرهم عن الدخول مع السلطان إلى مصر، وأقاموا بعد ذلك أشهرا حتى استقام أمرهم، ولولا حصول البركة بالديار المصرية وعظمها ما وسعت مثل هذه الخلائق والجيوش التى دخلوها فى جفلة التتار وبعدها «٢» ، فمنّ الله تعالى بالخيل والعدد والرزق، إلا أنّ جميع الأسعار غلت لا سمّا السّلاح وآلات الجنديّة من القماش والبرك «٣» وحوائج الخيل وغير ذلك حتى زادت

стр. 2642

عن الحدّ. وممّا زاد سعر العمائم، فإنّ الجند كان على رءوسهم فى المصافّ الخوذ، فلمّا انكسروا رموا الخوذ تخفيفا ووضعوا على رءوسهم المناديل، فاحتاجوا لمّا حضروا إلى مصر إلى شراء العمائم، مع أن الملك الناصر أنفق فى الجيش بعد عوده، واستخدم جمعا كثيرا من الجند خوفا من قدوم غازان إلى الديار المصرية، وتهيّأ السلطان إلى لقاء غازان ثانيا. وجهّز العساكر وقام بكلفهم أتمّ قيام على صغر سنّه. فلمّا ورد عليه الخبر بعدم مجىء قازان إلى الديار المصرية تجهّز وخرج بعساكره وأمرائه من الديار المصرية إلى جهة البلاد الشامية إلى ملتقى غازان ثانيا، بعد أن خلع على الأمير آقوش الأفرم الصغير بنيابة الشام على عادته، وعلى الأمير قرا سنقر المنصورىّ بنيابة حماة وحلب؛ وكان خروج السلطان من مصر بعساكره فى تاسع شهر رجب من سنة تسع وتسعين وستمائة، وسار حتى نزل بمنزلة الصالحية «١» بلغه عود قازان بعساكره إلى بلاده، فكلّم الأمراء السلطان فى عدم سفره ورجوعه إلى مصر فأبى عن رجوع العسكر، وسمع لهم فى عدم سفره، وأقام بمنزلة الصالحية. وسافر الأمير سلّار المنصورىّ نائب السلطنة بالديار المصرية، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بالعساكر إلى الشام. ولما سار سلار وبيبرس الجاشنكير إلى جهة الشام تلاقوا فى الطريق مع الأمير سيف الدين قبجق والأمير يكتمر السلاح دار والألبكى وهم قاصدون السلطان، فعتب الأمراء قبجق ورفقته عتبا هيّنا على عبور قازان إلى البلاد الشامية، فاعتذروا أن ذلك كان خوفا من الملك المنصور لاچين وحنقا من مملوكه مكوتمر، وأنّهم لمّا بلغهم قتل الملك المنصور لاچين كانوا قد تكلّموا مع قازان فى دخول الشام، ولا بقى يمكنهم الرجوع عمّا قالوه، ولا سبيل إلى الهروب من عنده، فقبلوا عذرهم وبعثوهم إلى الملك الناصر، فقدموا عليه

стр. 2643

بالصالحية وقبّلوا الأرض بين يديه، فعتبهم أيضا على ما وقع منهم، فذكروا له العذر السابق ذكره، فقبله منهم وخلع عليهم؛ وعاد السلطان إلى القاهرة وصحبته خواصّه والأمير قبجق ورفقته، فطلع القلعة فى يوم الخميس رابع عشر شعبان. ودخل الأمراء إلى دمشق ومعهم الأمير آقوش الأفرم الصغير نائب الشام وغالب أمراء دمشق، وفى العسكر أيضا الأمير قرا سنقر المنصورىّ متولّى نيابة حماة وحلب، ودخل الجميع دمشق بتجمّل زائد، ودخلوها على دفعات كلّ أمير بطلبه على حدة، وسرّ الناس بهم غاية السرور، وعلموا أن فى عسكر الإسلام القوّة والمنعة ولله الحمد. وكان آخر من دخل إلى الشام الأمير سلّار نائب السلطنة، وغالب الأمراء فى خدمته، حتى الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورىّ نائب صرخد، ونزل جميع الجيش بالمرج وخلع على الأمير أرجواش المنصورىّ نائب قلعة دمشق باستمراره على عادته، وشكروا له الأمراء ما فعله من حفظ القلعة، ودخلوا الأمراء إلى دمشق وقلعة دمشق مغلقة وعليها الستائر والطّوارف «١» ، فكلّموه الأمراء فى ترك ذلك. فلما كان يوم السبت مستهلّ شهر رمضان أزال أرجواش الطوارف والستائر من على القلعة؛ فأقام العسكر بدمشق أياما حتى أصلحوا أمرها، ثم عاد الأمير سلّار إلى نحو الديار المصرية بجميع أمراء مصر وعساكره فى يوم السبت ثامن شهر رمضان، وتفرّق باقى الجيش كلّ واحد إلى محلّ ولايته؛ ودخل سلّار إلى مصر بمن معه فى ثالث شوّال بعد أن احتفل الناس لملاقاتهم، وخرج أمراء مصر إلى بلبيس «٢» ، وخلع السلطان على جميع من قدم من الأمراء رفقة سلّار، وكانت خلعة سلّار أعظم من الجميع. ودام السلطان بقيّة سنته بالديار المصرية.

стр. 2644

فلمّا استهلّت سنة سبعمائة كثرت الأراجيف بالشام ومصر بحركة قازان وكان قازان قد تسمى محمودا، وصار يقال له السلطان محمود غازان. ثم وصلت فى أول المحرّم من سنة سبعمائة الأخبار والقصّاد من الشرق وأخبروا أنّ قازان قد جمع جموعا كثيرة وقد نادى فى جميع بلاده الغزاة إلى مصر، وأنه قاصد الشام؛ فجفل أهل الشام من دمشق وتفرّقوا فى السواحل وقصدوا الحصون وتشتّت غالب أهل الشام إلى البلاد من الفرات إلى غزّة؛ فعند ذلك تجهز الملك الناصر وجهّز عساكره وتهيّأ وخرج بجميع عساكره وأمرائه من القاهرة إلى مسجد التّبن «١» فى يوم السبت ثالث عشر صفر، وسافر حتى قارب دمشق أقام بمنزلته «٢» إلى سلخ شهر ربيع الآخر، وتوجّه هو وعساكره عائدين إلى جهة الديار المصرية، بعد أن لاقوا شدّة ومشقّة عظيمة من كثرة الأمطار والثلوج والأوحال وعدم المأكول، بحيث إنه انقطعت الطريق من البرد والمطر وعدم جلب المأكول لهم ولدوابّهم، حتى إنهم لم يقدروا على الوصول إلى دمشق؛ وكان طلوع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى قلعة الجبل يوم الاثنين حادى عشر جمادى الأولى. وقبل عود السلطان إلى مصر كان جهّز السلطان الأمير بكتمر السلاح دار والأمير بهاء الدين يعقوبا «٣» إلى دمشق أمامه، فدخلوا دمشق. ثم أشيع بدمشق عود السلطان إلى القاهرة، فجفل غالب

стр. 2645

أهل دمشق منها، ونائب الشام لم يمنعهم بل يحسّن لهم ذلك. وقيل: إنّ والى دمشق بقى يجفّل الناس بنفسه، وصار يمرّ بالأسواق، ويقول: فى أىّ شىء أنتم قعود! ولما كان يوم السبت تاسع جمادى الأولى نادت المناداة بدمشق من قعد فدمه فى رقبته، ومن لم يقدر على السفر فليطلع إلى القلعة، فسافر فى ذلك اليوم معظم الناس. وأمّا قازان فإنه وصل إلى حلب ووصل عساكره إلى قرون حماة وإلى بلاد سرمين «١» ، وسيّر معظم جيشه إلى بلاد أنطاكية وغيرها، فنهبوا من الدوابّ والأغنام والأبقار ما جاوز حدّ الكثرة، وسبوا عالما كثيرا من الرجال والنساء والصبيان. ثم أرسل الله تعالى على غازان وعساكره الأمطار والثلوج بحيث إنه أمطر عليهم واحدا وأربعين يوما، وقت مطر ووقت ثلج، فهلك منهم عالم كثير؛ ورجع غازان بعساكره إلى بلادهم أقبح من المكسورين، وقد تلفت خيولهم وهلك أكثرها، وعجّزهم الله تعالى وخذلهم، وردّهم خائبين عما كانوا عزموا عليه. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ . ووصل الخبر برجوعهم فى جمادى الآخرة، وقد خلت دمشق وجميع بلاد الشام من سكانها. ثم فى شهر رجب من السنة وصل إلى القاهرة وزير ملك الغرب بسبب الحج، واجتمع بالسلطان وبالأمير سلار نائب السلطنة وبالأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير فقابلوه بالإكرام وأنعموا عليه واحترموه، فلمّا كان فى بعض الأيام جلس

стр. 2646

الوزير المغربىّ المذكور بباب القلعة عند بيبرس الجاشنكير وسلّار. فحضر بعض كتّاب النصارى، فقام إليه المغربىّ يتوهّم أنه مسلم ثم ظهر له أنه نصرانىّ فقامت قيامته، وقام من وقته ودخل إلى السلطان بحضرة الأمير سلّار وبيبرس مدبّرى مملكة الناصر محمد، وتحدّث معهم فى أمر النصارى واليهود، وأنهم عندهم فى بلادهم فى غاية الذّل والهوان، وأنهم لا يمكنونهم من ركوب الخيل، ولا من استخدامهم فى الجهات السلطانية والديوانية، وأنكر على نصارى ديار مصر ويهودها كونهم يلبسون أفخر الثياب ويركبون البغال والخيل، وأنهم يستخدمونهم فى أجلّ الجهات ويحكّمونهم فى رقاب المسلمين؛ ثم إنه ذكر عهد ذمّتهم قد انقضت من سنة ستمائة من الهجرة النبويّة، وذكر كلاما كثيرا من هذا النوع، فأثّر كلامه عند القلوب النّيّرة من أهل الدولة، وحصل له قبول من الخاصّ والعام بسبب هذا الكلام، وقام بنصرته الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وجماعة كثيرة من الأمراء وافقوه على ذلك، ورأوا أنّ فى هذا الأمر مصلحة كبيرة لاظهار شعائر الاسلام. فلمّا كان [يوم الخميس «١» العشرون من] شهر رجب جمعوا النصارى واليهود ورسموا لهم ألّا يستخدموا فى الجهات السلطانيّة ولا عند الأمراء، وأن يغيّروا عمائمهم فيلبس النصارى عمائم زرقا وزنانيرهم مشدودة فى أوساطهم؛ وأنّ اليهود يلبسون عمائم صفرا، فسعوا الملّتان عند جميع أمراء الدولة وأعيانها، وساعدهم أعيان القبط وبذلوا الأموال الكثيرة الخارجة عن الحدّ للسلطان والأمراء على أن يعفوا من ذلك، فلم يقبل منهم شيئا. وشدّد عليهم الأمير بيبرس الجاشنكير الأستادار- ﵀ غاية التشديد، فإنه هو الذي كان القائم فى هذا الأمر، عفا الله تعالى عنه وأسكنه الجنة بما فعله، فإنه رفع الاسلام بهذه الفعلة وخفض أهل الملّتين بعد أن وعد بأموال جمّة فلم يفعل.

стр. 2647

قلت: رحم الله ذلك الزمان وأهله ما كان أعلى هممهم، وأشبع نفوسهم! وما أحسن قول المتنبىّ: أتى الزمان بنوه فى شبيبته ... فسرّهم وأتيناه على الهرم ثم رسم السلطان الملك الناصر محمد بغلق الكنائس بمصر والقاهرة، فضرب على كل باب منها دفوف ومسامير «١» ، وأصبح يوم «٢» الثانى والعشرين من شهر رجب المبارك من سنة سبعمائة، وقد لبسوا اليهود عمائم صفرا، والنصارى عمائم زرقا، وإذا ركب أحد منهم بهيمة يكفّ إحدى رجليه، وبطلوا من الخدم السلطانية وكذلك من عند الأمراء؛ وأسلم لذلك جماعة كثيرة من النصارى، منهم: أمين الملك مستوفى الصّحبة «٣» وغيره. ثم رسم السلطان أن يكتب بذلك فى جميع بلاده من دنقلة «٤» إلى الفرات. فأمّا أهل الإسكندرية لما وصل إليهم المرسوم سارعوا إلى خراب كنيستين عندهم، وذكروا أنهما مستجدّتان فى عهد الإسلام، ثم داروا إلى دورهم فما وجدوه أعلى على من جاورها من دور المسلمين هدموه، وكلّ من كان جاور مسلما فى حانوت أنزلوا مصطبة حانوته بحيث يكون المسلم أرفع منه، وفعلوا أشياء كثيرة

стр. 2648

من هذا، وأقاموا شعار الإسلام كما ينبغى على العادة القديمة؛ ووقع ذلك بسائر الأقطار لا سيّما أهل دمشق، فإنهم أيضا أمعنوا فى ذلك. وعملت الشعراء فى هذا المعنى عدّة مقاطيع شعر، ومما قاله الشيخ شمس الدين الطيبىّ: تعجّبوا للنصارى واليهود معا ... والسامريّين لمّا عمّموا الخرقا كأنّما بات بالأصباغ منسهلا ... نسر السماء فأضحى فوقهم ذرقا ومما قاله الشيخ علاء الدين كاتب ابن وداعة المعروف بالوداعىّ «١» فى المعنى وأجاد: لقد الزموا الكفّار شاشات ذلّة ... تزيدهم من لعنة الله تشويشا فقلت لهم ما ألبسوكم عمائما ... ولكنّهم قد ألبسوكم براطيشا وفيها فى تاسع ذى القعدة وصل إلى القاهرة من حلب الأمير أنس يخبر بحركة التتار، وأنّ التتار قد أرسلوا أمامهم رسلا، وأنّ رسلهم قد قاربت الفرات، ثم وصلت الرسل المذكورة بعد ذلك بمدة إلى الديار المصرية فى ليلة الاثنين خامس عشر ذى الحجّة، وأعيان القصّاد ثلاثة نفر: قاضى «٢» الموصل وخطيبها كمال الدين «٣» بن بهاء الدين بن كمال الدين بن يونس الشافعى، وآخر عجمىّ وآخر تركىّ. ولما كان عصر يوم الثلاثاء جمعوا الأمراء والمقدّمين إلى القلعة وعملت الخدمة ولبسوا المماليك أفخر الثياب والملابس، وبعد العشاء الأخيرة أوقدوا الشموع نحوا من ألف شمعة، ثم أظهروا زينة عظيمة بالقصر، ثم أحضروا الرسل، وحضر القاضى بجملتهم وعلى رأسه طرحة، فقام وخطب خطبة بليغة وجيزة وذكر آيات كثيرة فى معنى الصلح واتّفاق الكلمة ورغّب فيه، ثم إنه دعا للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون،

стр. 2649

ومن بعده للسلطان محمود غازان، ودعا للمسلمين والأمراء وأدّى الرسالة. ومضمونها: إنّما قصدهم الصلح ودفعوا إليهم كتابا مختوما من السلطان غازان، فأخذ منهم الكتاب ولم يقرءوه تلك الليلة، وأعيد الرسل إلى مكانهم. فلمّا كان ليلة الخميس فتح الكتاب وقرئ على السلطان وهو مكتوب بالمغلى «١» وكتم الأمر. فلما كان يوم الخميس ثامن عشر ذى الحجّة حضر جميع الأمراء والمقدّمين وأكثر العسكر وأخرج إليهم الكتاب وقرئ عليهم، وهو مكتوب بخطّ غليظ فى نصف قطع البغدادىّ، ومضمونه: «بسم «٢» الله الرحمن الرحيم، وننهى بعد السلام «٣» إليه أنّ الله جعلنا وإياكم أهل ملّة واحدة، وشرفنا بدين الإسلام وأيّدنا، وندبنا لإقامة مناره وسدّدنا؛ وكان بيننا وبينكم ما كان بقضاء الله وقدره، وما كان ذلك إلّا بما كسبت أيديكم، وما الله بظلّام للعبيد! وسبب ذلك أنّ بعض عساكركم أغاروا على ماردين «٤» وبلادها فى شهر رمضان المعظّم قدره، الذي لم تزل الأمم يعظّمونه فى سائر الأقطار، وفيه تغلّ «٥» الشياطين وتغلق أبواب النيران، فطرقوا البلاد على حين غفلة من أهلها، وقتلوا وسبوا وفسقوا وهتكوا محارم الله بسرعة من غير مهلة؛ وأكلوا الحرام وارتكبوا الآثام، وفعلوا ما لم تفعله عبّاد الأصنام؛ فأتونا أهل ماردين صارخين مسارعين ملهوفين مستغيثين بالأطفال والحريم، وقد استولى عليهم الشّقاء بعد النعيم؛ فلاذوا بجنابنا «٦» وتعلّقوا بأسبابنا، ووقفوا موقف المستجير الخائف ببابنا؛ فهزّتنا نخوة الكرام، وحركتنا حميّة

стр. 2650

الإسلام، فركبنا على الفور بمن كان معنا ولم يسعنا بعد هذا المقام؛ ودخلنا البلاد وقدّمنا النّية، وعاهدنا الله تعالى على ما يرضيه عند بلوغ الأمنية؛ وعلمنا أنّ الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر بأن يسعوا فى الأرض فسادا [والله «١» لا يحبّ الفساد] ، وأنه يغضب لهتك الحريم وسبى الأولاد؛ فما كان إلا أن لقيناكم بنيّة صادقة، وقلوب على الحميّة للدين موافقة؛ فمزّقنا كم كلّ ممزّق، والذي ساقنا إليكم، هو الذي نصرنا عليكم؛ وما كان مثلكم إلا كمثل قرية كانت آمنة مطمئنة الآية. فولّيتم الأدبار، واعتصمتم من سيوفنا بالفرار، فعفونا عنكم بعد اقتدار، ورفعنا عنكم حكم السيف البتّار؛ وتقدمنا إلى جيوشنا ألّا يسعوا فى الأرض كما سعيتم، وأن ينشروا من العفو والعفاف ما طويتم، ولو قدرتم ما عفوتم ولا عففتم «٢» ؛ ولم نقلّدكم منّة بذلك، بل حكم الإسلام فى قتال البغاة كذلك؛ وكان جميع ما جرى فى سالف القدم، ومن قبل كونه جرى به فى اللّوح القلم؛ ثم لمّا رأينا الرعيّة تضرّروا «٣» بمقامنا فى الشام، لمشاركتنا «٤» لهم فى الشراب والطعام؛ وما حصل فى قلوب الرعيّة من الرّعب، عند معاينة جيوشنا التى هى كمطبّقات السّحب؛ فأردنا أن نسكّن تخوّفهم بعودتنا من أرضهم بالنصر والتأييد، والعلوّ والمزيد؛ فتركنا عندهم بعض جيوشنا بحيث تنونّس بهم، وتعود فى أمرها «٥» إليهم؛ ويحرسونهم من تعدّى بعضهم على بعض، بحيث إنّكم ضاقت بكم الأرض؛ إلى أن يستقرّ جأشكم، وتبصروا رشدكم؛ وتسيّروا إلى الشام من يحفظه من أعدائكم المتقدمين، وأكرادكم «٦»

стр. 2651

المتمرّدين؛ وتقدّمنا إلى مقدّمى طوامين «١» جيوشنا أنّهم متى سمعوا بقدوم أحد منكم «٢» إلى الشام، أن يعودوا إلينا بسلام؛ فعادوا الينا بالنصر المبين، والحمد لله رب العالمين. والان فإنّا وإيّاكم لم نزل على كلمة الإسلام مجتمعين، وما بيننا ما يفرّق كلمتنا إلا ما كان من فعلكم بأهل ماردين؛ وقد أخذنا منكم القصاص، وهو جزاء كلّ عاص؛ فنرجع الآن فى إصلاح الرعايا، ونجتهد نحن وإيّاكم على العدل فى سائر القضايا فقد انضرّت بيننا وبينكم حال البلاد وسكانها، ومنعها «٣» الخوف من القرار فى أوطانها؛ وتعذّر سفر التجار، وتوقّف حال المعايش لانقطاع البضائع والأسفار؛ ونحن نعلم أنّنا نسأل عن ذلك ونحاسب عليه، وأنّ الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء، وأنّ جميع ما كان وما يكون فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها. وأنت تعلم أيّها الملك الجليل، أنّنى وأنت مطالبون بالحقير والجليل؛ وأننا مسئولون عمّا جناه، أقل من وليناه، وأنّ مصيرنا إلى الله؛ وأنا معتقدون الإسلام قولا وعملا [ونيّة، عاملون بفروضه فى كلّ وصيّة «٤» ] . وقد حمّلنا قاضى القضاة علامة الوقت حجّة الإسلام بقيّة السلف كمال «٥» الدين موسى بن محمد أبا عبد الله، أعزّه الله تعالى، مشافهة يعيدها على سمع الملك والعمدة عليها، فإذا عاد من الملك «٦» الجواب فليسيّر لنا هديّة الديار المصرية، لنعلم بإرسالها أن قد حصل

стр. 2652

منكم فى إجابتنا للصلح صدق النيّة؛ ونهدى إليكم من بلادنا ما يليق أن نهديه إليكم، والسلام الطيّب منا عليكم. إن شاء الله تعالى» . فلمّا سمع الملك الناصر الكتاب استشار الأمراء فى ذلك، وبعد أيام طلبوا قاضى الموصل (أعنى الرسول) المقدّم ذكره من عند قازان، وقالوا له: أنت من أكابر العلماء وخيار المسلمين، وتعلم ما يجب عليك من حقوق الإسلام والنصيحة للدّين؛ فنحن ما نتقاتل إلا لقيام الدّين؛ فإن كان هذا الأمر قد فعلوه حيلة ودهاء فنحن نحلف لك أنّ ما يطّلع على هذا القول أحد من خلق الله تعالى، ورغّبوه غاية الرغبة؛ فخلف لهم بما يعتقده أنّه ما يعلم من قازان وخواصّه غير الصلح وحقن الدماء ورواج التجّار ومجيئهم وإصلاح الرعية. ثم إنّه قال لهم: والمصلحة أنّكم تتفقون وتبقون على ما أنتم عليه من الاهتمام بعدوّكم، وأنتم فلكم عادة فى كلّ سنة تخرجون إلى أطراف بلادكم لأجل حفظها فتخرجون على عادتكم؛ فإن كان هذا الأمر خديعة فيظهر لكم فتكونون مستيقظين؛ وإن كان الأمر صحيحا فتكونون قريبين منهم «١» فينتظم الصلح وتحقن الدماء فيما بينكم. فلمّا سمعوا كلامه رأوه ما فيه غرض وهو مصلحة، فشرعوا لعيّنوا من يروح فى الرسالة، فعيّنوا جماعة، منهم الأمير شمس الدين [محمد «٢» ] بن التّيتىّ، والخطيب شمس الدين «٣» الجوزىّ خطيب جامع ابن طولون «٤» ، فتشفّع ابن الجوزىّ حتى تركوه، وعيّنوا القاضى عماد «٥» الدين بن السّكّرىّ

стр. 2653

خطيب جامع الحاكم «١» ، وهو ناظر دار العدل «٢» بالديار المصرية، وشخصا أمير آخور من البرجيّة. ثم إنّ السلطان أخذ فى تجهيز أمرهم إلى ما يأتى ذكره. ثم استقرّ السلطان فى سنة إحدى وسبعمائة بالأمير عزّ الدين أيبك البغدادىّ المنصورىّ، أحد الأمراء البرجية فى الوزارة عوضا عن شمس الدين سنقر الأعسر، وجلس فى قلعة الجبل بخلعة الوزارة، وطلع إليه جميع أرباب الدولة وأعيان الناس.

стр. 2654

وأيبك هذا هو الرابع من الوزراء الأمراء الأتراك بالديار المصرية، الذين كان تضرب على أبوابهم الطبلخاناه على قاعدة الوزراء بالعراق زمن الخلفاء؛ فأوّلهم الأمير علم الدين سنجر الشّجاعىّ المنصورىّ. ثم ولى بعده الأمير بدر الدين بيدرا، ولمّا ولى بيدرا نيابة السلطنة أعيد الشجاعىّ، وبعده ابن السّلعوس وليس هما من العدد، ثم الخليلىّ وليس هو من العدد. ثم بعد الخليلى، ولى الأمير سنقر الأعسر الوزر، وهو الثالث. ثم بعده أيبك هذا وهو الرابع. وكان الوزير يوم ذاك فى رتبة النيابة بالديار المصرية، ونيابة السلطنة كانت يوم ذاك دون السلطنة. انتهى. وفى يوم الأحد تاسع عشر المحرّم من سنة إحدى وسبعمائة، رسم السلطان لجميع الأمراء والمقدّمين بمصر والقاهرة أن يخرجوا صحبة السلطان إلى الصيد نحو العبّاسة «١» ، وأن يستصحبوا معهم عليق عشرة أيام، وسافر السلطان بأكثر العسكر والجميع بعدّتهم فى بكرة يوم الاثنين فى العشرين من المحرّم. ونزل إلى بركة الحجّاج «٢» وتبعه جميع الأمراء

стр. 2655

والمقدّمين والعساكر، وبعد سفره سيّروا طلبوا القضاة الأربعة فتوجّهوا إليه، واجتمعوا بالسلطان فى بركة الحجاج وعادوا إلى القاهرة، ثم شرعوا فى تجهيز رسل قازان، وتقدّم دهليز السلطان إلى الصالحية «١» ، ودخل السلطان والأمراء إلى البريّة «٢» بسبب الصيد. فلمّا كان يوم الاثنين عشيّة النهار وصل السلطان والأمراء إلى الصالحية، فخلع على جميع الأمراء والمقدّمين، وكان عدّة ما خلع أربعمائة وعشرين خلعة، وكان الرسل قد سفّروهم من القاهرة وأنزلوهم بالصالحية، حتى إنهم يجتمعون بالسلطان عند حضوره من الصيد. فلما حضر الأمراء قدّام السلطان بالخلع السنيه وتلك الهيئة الجميلة الحسنة أذهل عقول الرسل مما رأوا من حسن زىّ عسكر الديار المصرية بخلاف زىّ التتار، وأحضروا الرسل فى الليل إلى الدهليز إلى بين يدى السلطان، وقد أوقدوا شموعا كثيرة ومشاعل عديدة وفوانيس وأشياء كثيرة من ذلك تتجاوز عن الحد بحيث إنّ البريّة بقيت حمراء تتلهّب نورا ونارا، فتحدّثوا معهم ساعة، ثم أعطوهم جواب الكتاب، وخلعوا عليهم خلع السفر وأعطوا لكلّ واحد من الرسل عشرة آلاف درهم وقماشا وغير ذلك. ونسخة الكتاب المسيّر إليهم صورته: «بسم الله الرحمن الرحيم: علمنا «٣» ما أشار الملك إليه، وعوّل فى قوله [وفعله «٤» ] عليه؛ فأمّا قول الملك: قد جمعتنا وإياكم كلمة الإسلام! وإنه لم يطرف بلادنا ولا قصدها إلا لما سبق به القضاء المحتوم، فهذا الأمر غير مجهول [بل] هو عندنا

стр. 2656

معلوم؛ وإنّ السبب فى ذلك غارة بعض جيوشنا على ماردين، وإنهم قتلوا وسبوا وهتكوا الحريم وفعلوا فعل من لاله دين؛ فالملك يعلم أن غارتنا ما برحت فى بلادكم، مستمرّة من عهد آبائكم وأجدادكم؛ وأنّ من فعل ما فعل من الفساد «١» ، لم يكن برأينا ولا من أمرائنا ولا الأجناد؛ بل من الأطراف الطامعة ممّن لا يؤبه إليه، ولا يعوّل فى فعل ولا قول عليه؛ وأنّ «٢» معظم جيشنا كان فى تلك الغارة إذا لم يجدوا ما يشترونه للقوت صاموا لئلّا يأكلوا ما فيه شبهة أو حرام، وأنهم أكثر ليلهم سجّد ونهارهم صيام. وأمّا قول الملك ابن الملك «٣» الذي هو من أعظم القان فيقول قولا يقع عليه الردّ من قريب، ويزعم أنّ جميع ما هو عليه من علمنا ساعة واحدة يغيب؛ ولو يعلم أنّه لو تقلّب فى مضجعه من جانب إلى جانب، أو خرج من منزله راجلا أو راكبا؛ كان عندنا علم من ذلك فى الوقت القريب؛ [ويتحقق أنّ أقرب بطائنه إليه، هو العين لنا عليه، وإن كثر ذلك لديه «٤» ،] . ونحن تحقّقنا أنّ الملك بقى عامين يجمع «٥» الجموع، وينتصر بالتابع والمتبوع؛ وحشد وجمع من كلّ بلد واعتضد بالنصارى والكرج والأرمن، واستنجد بكلّ من ركب فرسا من فصيح وألكن؛ وطلب من المسوّمات خيولا وركاب، وكثر سوادا وعدّد أطلاب؛ ثم إنّه لمّا رأى أنه ليس له بجيشنا قبل فى المجال، عاد إلى قول الزّور والمحال، والخديعة والاحتيال؛ وتظاهر بدين الإسلام، واشتهر به فى الخاص والعام؛ والباطن بخلاف ذلك، حتّى ظنّ جيوشنا

стр. 2657

وأبطالنا أنّ الأمر كذلك؛ فلمّا [التقينا «١» معه] كان معظم جيشنا يمتنع من قتاله، ويبعد عن نزاله؛ ويقول: لا يجوز لنا قتال المسلمين، ولا يحلّ قتل من يتظاهر بهذا الدين!؛ فلهذا حصل منهم الفشل، وبتأخّرهم عن قتالكم حصل ما حصل؛ وأنت تعلم أنّ الدائرة كانت عليك. وليس يرى من «٢» أصحابك الّا من هو نادم أو باكى، أو فاقد عزيز عنده أو شاكى؛ والحرب سجال يوم لك، ويوم عليك؛ وليس ذلك ممّا تعاب به الجيوش ولا تقهر، وهذا بقضاء الله وقدره المقدّر. وأمّا قول الملك إنّه لما التقى بجيشنا مزّقهم كلّ ممزّق، فمثل هذا القول ما كان يليق بالملك أن يقوله أو يتكلّم به، وهو يعلم وإن كان ما رأى بل يسأل كبراء دولته وأمراء عساكره عن وقائع جيوشنا ومراتع سيوفنا من رقاب آبائه وأجداده، وهى إلى الآن تقطر من دمائهم؛ وإن كنت نصرت مرّة فقد كسرت آباؤك مرار، وإن كان جيشك قد داس أرضنا مرّة فبلادكم لغارتنا مقام ولجيوشنا قرار؛ وكما تدين تدان. وأمّا قول الملك: إنّه ومن معه اعتقدوا الإسلام قولا وفعلا «٣» وعملا ونيّة، فهذا الذي فعلته ما فعله من هو متوجّه الى هذه البنيّة، أعنى الكعبة المضّية فإنّ الذي جرى بظاهر دمشق وجبل الصالحية ليس بخفىّ عنك «٤» ولا مكتوم، وليس هذا هو فعل المسلمين، ولا من هو متمسّك بهذا الدين؛ فأين وكيف وما الحجّة! وحرم البيت المقدس تشرب فيه الخمور، وتهتك الستور، وتفتضّ البكور؛ ويقتل فيه المجاورون،

стр. 2658

ويستأسر خطباؤه [والمؤذّنون «١» ] ، ثم على رأس خليل الرحمن، تعلّق الصّلبان، وتهتك النسوان، ويدخل فيه الكافر سكران؛ فإن كان هذا عن علمك ورضاك، فواخيبتك فى دنياك وأخراك؛ ويا ويلك فى مبدئك ومعادك، وعن قليل يؤذن بخراب عمرك وبلادك، وهلاك جيشك وأجنادك؛ وإن كنت لم تعلم بذلك فقد أعلمناك، فاستدرك ما فات فليس مطلوبا به سواك؛ وإن كنت كما زعمت أنّك على دين الإسلام، وأنت فى قولك صادق فى الكلام، وفى عقدك صحيح النظام؛ فاقتل الطّوامين الذين فعلوا هذه الفعال، وأوقع بهم أعظم النّكال؛ لنعلم أنك على بيضاء المحجّة، وكان فعلك وقولك أبلغ حجّة؛ ولمّا وصلت جيوشنا إلى القاهرة المحروسة وتحقّقوا أنّكم تظاهرتم بكلمة الإخلاص وخدعتم باليمين والإيمان، وانتصرتم على قتالهم بعبدة الصّلبان؛ اجتمعوا وتأهّبوا وخرجوا بعزمات محمديّة، وقلوب بدريّة، وهمم عليّة، عند الله مرضيّة؛ وحدّوا السير فى البلاد، ليتشفّوا منكم غليل الصدور والأكباد؛ فما وسع جيشكم إلا الفرار، وما كان لهم على اللّقاء صبر ولا قرار؛ فاندفعت عساكرنا المنصورة مثل أمواج البحر الزّخار إلى الشام، يقصدون دخول بلادكم ليظفروا بنيل المرام؛ فخشينا على رعيتكم تهلك، وأنتم تهربون ولا تجدون إلى النجاة مسلك؛ فأمرناهم بالمقام، ولزوم الأهبة والاهتمام؛ ليقضى الله أمرا كان مفعولا. وأمّا ما تحمّله قاضى القضاة من المشافهة، فإنّا سمعناه ووعيناه وتحقّقنا تضمنته مشافهة؛ ونحن نعلم علمه ونسكه ودينه وفضله المشهور، وزهده فى دار الغرور؛ ولكن قاضى القضاة غريب عنكم بعيد منكم، لم يطّلع على بواطن قضاياكم وأموركم، ولا يكاد يظهر له خفىّ مستوركم؛ فإن كنتم تريدون الصلح والإصلاح، وبواطنكم كظواهركم متتابعة فى الصلاح؛ وأنت أيها الملك طالب الصلح على التحقيق، وليس

стр. 2659

فى قولك مين ولا يشوبه تنميق؛ فنحن نقلّدك [سيف «١» ] البغى، ومن سلّ سيف البغى قتل به، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله؛ فيرسل إلينا من خواص دولتك رجل يكون منكم ممّن إذا قطع بأمر وقفتم عنده، أو فصل حكما انتهيتم إليه، أو جزم أمرا عوّلتم عليه؛ يكون له فى أوّل دولتكم حكم وتمكين، وهو فيما يعوّل عليه ثقة أمين؛ لنتكلّم معه فيما فيه الصلاح لذات البين، وإن لم يكن كذلك عاد بخفّى حنين. وأمّا ما طلبه الملك من الهديّة من الديار المصريّة فليس نبخل عليه، ومقداره عندنا أجلّ مقدار وجميع ما يهدى إليه دون قدره، وإنّما الواجب أن يهدى أوّلا من استهدى؛ لتقابل هديته بأضعافها، ونتحقّق صدق نيّته، وإخلاص سريرته؛ ونفعل ما يكون فيه رضا الله ورضا رسوله فى الدنيا والآخرة، لعلّ صفقتنا رابحة فى معادنا غير خاسرة. والله تعالى الموفّق للصواب» . انتهى. ثم سافر القصّاد المذكورون، وعاد السلطان من الصّيد فى ثالث صفر إلى بركة الحجّاج والتقى أمير الحاج وهو الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جاندار، وصحبته ركب الحاجّ والمحمل السلطانىّ، فنزل عنده السلطان وخلع عليه؛ ثم ركب وتوجّه حتى صعد قلعة الجبل عصر النهار، ودخل عقيب دخوله المحمل والحجاج، وشكر الحاجّ من حسن سيرة بكتمر المذكور مع سرعة مجيئه بخلاف العادة؛ فإن العادة كانت يوم ذاك دخول المحمل فى سابع صفر، وقبل ذلك وبعد ذلك. وعمل بكتمر فى هذه السّفرة من الخيرات والبرّ والخلع على أمراء الحجاز وغيرهم شيئا كثيرا؛ قيل: إنّ جملة ما أنفقه فى هذه السفرة خمسة وثمانون ألف دينار مصرية، تقبل الله تعالى منه. ثمّ فى صفر هذا وصل الخبر إلى السلطان بأنّ قازان على عزم الركوب وقصد الشام، وأنّ مقدّم عساكره الأمير بولاى قد قارب

стр. 2660

الفرات، وأنّ الذي أرسله من الرسل خديعة. فعند ذلك شرع السلطان فى تجهيز العساكر، وتهيّأ للخروج إلى البلاد الشامية، ثم فى أثناء ذلك ورد على السلطان قاصد الأمير كتبغا المنصورىّ نائب صرخد، وكتبغا هذا هو الملك العادل المخلوع بالملك المنصور لاچين المقدّم ذكرهما، وأخبر أنه وقع بين حماة وحمص وحصن الأكراد برد وفيه شىء على صورة بنى آدم من الذكور والإناث، وصور قرود وغير ذلك، فتعجب السلطان وغيره من ذلك. ثمّ فى ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى فى وقت السحر توفّى الخليفة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن علىّ «١» الهاشمىّ العباسىّ بمسكنه بالكبش «٢» ظاهر القاهرة ومصر المطلّ على بركة الفيل «٣» ، وخطب له فى ذلك اليوم بجوامع القاهرة ومصر، فإنهم أخفوا موته إلى بعد صلاة الجمعة، فلمّا انقضت الصلاة سيّر الأمير سلّار نائب السلطنة خلف جماعة الصوفية ومشايخ الزوايا «٤» والرّبط «٥» والقضاة والعلماء والأعيان من الأمراء وغيرهم للصلاة عليه، وتولّى غسله وتكفينه الشيخ كريم «٦» الدين شيخ الشيوخ بخانقاه

стр. 2661

سعيد «١» السعداء، ورئيس المغسّلين بين يديه، وهو عمر بن عبد العزيز الطوخىّ، وحمل من الكبش إلى جامع أحمد بن طولون، ونزل نائب السلطنة الأمير سلّار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الأستادار، وجميع الأمراء من القلعة إلى الكبش، وحضروا تغسيله ومشوا أمام جنازته إلى الجامع المذكور، وتقدّم للصلاة عليه الشيخ كريم الدين المذكور، وحمل إلى تربته «٢» بجوار السيدة نفيسة ودفن بها، بعد أن أوصى بولاية العهد إلى ولده أبى الربيع سليمان، وتقدير عمره فوق العشرين سنة. وكان السلطان طلبه فى أوّل نهار الجمعة قبل الإشاعة بموت والده، وأشهد عليه أنه ولّى الملك الناصر محمد بن قلاوون جميع ما ولّاه والده وفوّضه إليه، ثم عاد إلى الكبش. فلمّا فرغت الصلاة على الخليفة ردّ ولده المذكور وأولاد أخيه من جامع ابن طولون إلى دورهم، ونزل من القلعة خمسة خدّام من خدّام السلطان، وقعدوا على باب الكبش صفة الترسيم عليهم، وسيّر السلطان يستشير قاضى القضاة تقىّ الدين ابن دقيق العيد الشافعىّ فى أمر سليمان المذكور، هل يصلح للخلافة أم لا؟ فقال: نعم يصلح وأثنى

стр. 2662

عليه، وبقى الأمر موقوفا إلى يوم الخميس رابع عشرين جمادى الأولى المذكور. فلمّا كان بكرة النهار المذكور طلب سليمان إلى القلعة فطلع هو وأولاد أخيه بسبب المبايعة فأمضى السلطان ما عهد اليه والده المذكور بعد فصول وأمور يطول شرحها بينه وبين أولاد أخيه، وجلس السلطان وخلع على أبى الربيع سليمان هذا خلعة الخلافة، ونعت بالمستكفى، وهى جبّة سوداء وطرحة سوداء، وخلع على أولاد أخيه خلع الأمراء الأكابر خلعا ملوّنة. وبعد ذلك بايعه السلطان والأمراء والقضاة والمقدّمون وأعيان الدولة، ومدّوا السّماط على العادة؛ ثم رسم له السلطان بنزوله إلى الكبش وأجرى راتبه الذي كان مقرّرا لوالده وزيادة، ونزلوا إلى الكبش وأقاموا به إلى يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة حضر من عند السلطان المهمندار «١» ومعه جماعة وصحبتهم جمال كثيرة، فنقلوا الخليفة وأولاد أخيه ونساءهم وجميع من يلوذ بهم إلى قلعة الجبل، وأنزلوهم بالقلعة فى دارين: الواحدة تسمّى بالصالحية، والأخرى بالظاهريّة، وأجروا عليهم الرواتب المقرّرة لهم، وكان فى يوم الجمعة ثانى يوم المبايعة خطب بمصر والقاهرة للمستكفى هذا، ورسم بضرب اسمه على سكّة الدينار والدرهم. انتهى. وكان السلطان قبل ذلك أمر بخروج تجريدة إلى الوجه القبلى لكثرة فساد العربان وتعدّى شرّهم فى قطع الطريق إلى أن فرضوا على التجّار وأرباب المعايش بأسيوط «٢» ومنفلوط «٣» فرائض جبوها شبه الجالية «٤» ، واستخفّوا بالولاة ومنعوا الخراج

стр. 2663

وتسمّوا بأسماء الأمراء، وجعلوا لهم كبيرين: أحدهما سمّوه سلّار، والآخر بيبرس، ولبسوا الأسلحة وأخرجوا أهل السجون بأيديهم؛ فأحضر السلطان الأمراء والقضاة [والفقهاء «١» ] واستفتوهم فى قتالهم، فأفتوهم بجواز ذلك؛ فاتّفق الأمراء على الخروج لقتالهم، وأخذت الطّرق عليهم لئلا يمتنعوا بالجبال والمنافذ، فيفوت الغرض فيهم، واستدعوا الأمير ناصر الدين محمد بن الشيخى متولّى الجيزة وندبوه لمنع الناس بأسرهم من السفر إلى الصعيد فى البر والبحر، ومن ظهر أنه سافر كانت أرواح الولاة قباله وما ملك، وأشاع الأمراء أنهم يريدون السفر إلى الشام وتجهّزوا، وكتبت أوراق الأمراء المسافرين وهم عشرون مقدّما بمضاقيهم، وعينوا أربعة أقسام: قسم يتوجّه فى البرّ الغربىّ. وقسم يتوجه فى البر الشرقىّ. وقسم يركب النيل. وقسم يمضى فى الطريق السالكة. وتوجه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وكان قد قدم من الشام، إلى الواح «٢» فى خمسة أمراء، وقرّروا أن يتأخّر مع السلطان أربعة أمراء من المقدّمين، ورسم

стр. 2664

إلى كلّ من تعيّن من الأمراء لجهة أن يضع السيف فى الكبير والصغير والجليل والحقير، ولا يبقوا شيخا ولا صبيّا ويحتاطوا على سائر الأموال، وسار الأمير سلّار نائب السلطنة فى رابع جمادى الآخرة ومعه جماعة من الأمراء فى البر الغربىّ، وسار الأمير بيبرس الجاشنكير بمن معه من الحاجر «١» فى البرّ الغربىّ أيضا من طريق الواحات وسار الأمير بكتاش أمير سلاح بمن معه فى البرّ الشرقىّ وسار الأمير قتّال السبع وبيبرس الدوادار وبلبان الغلمشى «٢» وغيره «٣» من الشرقية إلى السّويس «٤»

стр. 2665

والطور «١» ، وسار الأمير قبجق المنصورىّ نائب الشام بمن كان معه إلى عقبة السيل «٢» ، وسار طقصبا والى قوص «٣» بعرب الطاعة، وأخذ عليهم المفازات؛ وقد عمّيت أخبار الديار المصرية على أهل الصعيد لمنع المسافرين إليها فطرقوا
следующие страницы →