Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
سعيد «١» السعداء، ورئيس المغسّلين بين يديه، وهو عمر بن عبد العزيز الطوخىّ، وحمل من الكبش إلى جامع أحمد بن طولون، ونزل نائب السلطنة الأمير سلّار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الأستادار، وجميع الأمراء من القلعة إلى الكبش، وحضروا تغسيله ومشوا أمام جنازته إلى الجامع المذكور، وتقدّم للصلاة عليه الشيخ كريم الدين المذكور، وحمل إلى تربته «٢» بجوار السيدة نفيسة ودفن بها، بعد أن أوصى بولاية العهد إلى ولده أبى الربيع سليمان، وتقدير عمره فوق العشرين سنة. وكان السلطان طلبه فى أوّل نهار الجمعة قبل الإشاعة بموت والده، وأشهد عليه أنه ولّى الملك الناصر محمد بن قلاوون جميع ما ولّاه والده وفوّضه إليه، ثم عاد إلى الكبش. فلمّا فرغت الصلاة على الخليفة ردّ ولده المذكور وأولاد أخيه من جامع ابن طولون إلى دورهم، ونزل من القلعة خمسة خدّام من خدّام السلطان، وقعدوا على باب الكبش صفة الترسيم عليهم، وسيّر السلطان يستشير قاضى القضاة تقىّ الدين ابن دقيق العيد الشافعىّ فى أمر سليمان المذكور، هل يصلح للخلافة أم لا؟ فقال: نعم يصلح وأثنى
стр. 2662
عليه، وبقى الأمر موقوفا إلى يوم الخميس رابع عشرين جمادى الأولى المذكور.
فلمّا كان بكرة النهار المذكور طلب سليمان إلى القلعة فطلع هو وأولاد أخيه بسبب المبايعة فأمضى السلطان ما عهد اليه والده المذكور بعد فصول وأمور يطول شرحها بينه وبين أولاد أخيه، وجلس السلطان وخلع على أبى الربيع سليمان هذا خلعة الخلافة، ونعت بالمستكفى، وهى جبّة سوداء وطرحة سوداء، وخلع على أولاد أخيه خلع الأمراء الأكابر خلعا ملوّنة. وبعد ذلك بايعه السلطان والأمراء والقضاة والمقدّمون وأعيان الدولة، ومدّوا السّماط على العادة؛ ثم رسم له السلطان بنزوله إلى الكبش وأجرى راتبه الذي كان مقرّرا لوالده وزيادة، ونزلوا إلى الكبش وأقاموا به إلى يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة حضر من عند السلطان المهمندار «١» ومعه جماعة وصحبتهم جمال كثيرة، فنقلوا الخليفة وأولاد أخيه ونساءهم وجميع من يلوذ بهم إلى قلعة الجبل، وأنزلوهم بالقلعة فى دارين: الواحدة تسمّى بالصالحية، والأخرى بالظاهريّة، وأجروا عليهم الرواتب المقرّرة لهم، وكان فى يوم الجمعة ثانى يوم المبايعة خطب بمصر والقاهرة للمستكفى هذا، ورسم بضرب اسمه على سكّة الدينار والدرهم. انتهى.
وكان السلطان قبل ذلك أمر بخروج تجريدة إلى الوجه القبلى لكثرة فساد العربان وتعدّى شرّهم فى قطع الطريق إلى أن فرضوا على التجّار وأرباب المعايش بأسيوط «٢» ومنفلوط «٣» فرائض جبوها شبه الجالية «٤» ، واستخفّوا بالولاة ومنعوا الخراج
стр. 2663
وتسمّوا بأسماء الأمراء، وجعلوا لهم كبيرين: أحدهما سمّوه سلّار، والآخر بيبرس، ولبسوا الأسلحة وأخرجوا أهل السجون بأيديهم؛ فأحضر السلطان الأمراء والقضاة [والفقهاء «١» ] واستفتوهم فى قتالهم، فأفتوهم بجواز ذلك؛ فاتّفق الأمراء على الخروج لقتالهم، وأخذت الطّرق عليهم لئلا يمتنعوا بالجبال والمنافذ، فيفوت الغرض فيهم، واستدعوا الأمير ناصر الدين محمد بن الشيخى متولّى الجيزة وندبوه لمنع الناس بأسرهم من السفر إلى الصعيد فى البر والبحر، ومن ظهر أنه سافر كانت أرواح الولاة قباله وما ملك، وأشاع الأمراء أنهم يريدون السفر إلى الشام وتجهّزوا، وكتبت أوراق الأمراء المسافرين وهم عشرون مقدّما بمضاقيهم، وعينوا أربعة أقسام: قسم يتوجّه فى البرّ الغربىّ. وقسم يتوجه فى البر الشرقىّ. وقسم يركب النيل. وقسم يمضى فى الطريق السالكة. وتوجه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وكان قد قدم من الشام، إلى الواح «٢» فى خمسة أمراء، وقرّروا أن يتأخّر مع السلطان أربعة أمراء من المقدّمين، ورسم
стр. 2664
إلى كلّ من تعيّن من الأمراء لجهة أن يضع السيف فى الكبير والصغير والجليل والحقير، ولا يبقوا شيخا ولا صبيّا ويحتاطوا على سائر الأموال، وسار الأمير سلّار نائب السلطنة فى رابع جمادى الآخرة ومعه جماعة من الأمراء فى البر الغربىّ، وسار الأمير بيبرس الجاشنكير بمن معه من الحاجر «١» فى البرّ الغربىّ أيضا من طريق الواحات وسار الأمير بكتاش أمير سلاح بمن معه فى البرّ الشرقىّ وسار الأمير قتّال السبع وبيبرس الدوادار وبلبان الغلمشى «٢» وغيره «٣» من الشرقية إلى السّويس «٤»
стр. 2665
والطور «١» ، وسار الأمير قبجق المنصورىّ نائب الشام بمن كان معه إلى عقبة السيل «٢» ، وسار طقصبا والى قوص «٣» بعرب الطاعة، وأخذ عليهم المفازات؛ وقد عمّيت أخبار الديار المصرية على أهل الصعيد لمنع المسافرين إليها فطرقوا
стр. 2666
الأمراء البلاد على حين غفلة من أهلها، ووضعوا السيف من الجيزة بالبرّ «١» الغربىّ والإطفيحية «٢» من الشرقىّ، فلم يتركوا أحد إلّا قتلوه، ووسّطوا نحو عشرة آلاف رجل، وما منهم إلا من أخذوا ماله وسبوا حريمه، فكان إذا ادّعى أحد منهم أنه حضرىّ، قيل له: قل دقيق، فإن قال: دقيق بالكاف لغات العرب قتل، وإن قال: بالقاف المعهودة أطلق، ووقع الرعب فى قلوب العربان حتى طبّق عليهم الأمراء وأخذوهم من كلّ جهة فرّوا إليها، وأخرجوهم من مخابئهم حتى قتلوا من جانبى «٣» النيل إلى قوص، وجافت الأرض بالقتلى، واختفى كثير منهم بمغاور الجبال فأوقدت عليهم النّيران حتى هلكوا بأجمعهم، وأسر منهم نحو ألف وستمائة لهم فلاحات وزروع، وحصّل من أموالهم شىء عظيم جدّا تفرّقته الأيدى، وأحضر منه إلى الديوان السلطانىّ ستة عشرة ألف رأس من الغنم، وذلك من جملة ثمانين ألف رأس ما بين ضأن وما عز، ومن السلاح نحو مائتين وستين جملا من السيوف والسلاح والرماح، ومن الأموال على بغال محملة مائتين وثمانين بغلا، ونحو أربعة آلاف فرس، واثنين وثلاثين ألف جمل، وثمانية آلاف رأس من البقر، غير ما أرصد فى المعاصر، وصار لكثرة ما حصّل للاجناد والغلمان والفقراء الذين اتّبعوا العسكر فباعوا الكبش الكبير السمين من ثلاثة دراهم إلى درهم «٤» ، والمعز بدرهم الرأس، والجزّة الصوف بنصف درهم، والكساء بخمسة دراهم «٥» ، والرّطل السمن بربع درهم، ولم يوجد من يشترى الغلال لكثرتها؛ فإنّ البلاد طرقت وأهلها آمنون، وقد كسروا الخراج سنتين «٦» . ثم عاد العسكر فى سادس عشر شهر رجب من سنة إحدى وسبعمائة،
стр. 2667
وقد خلت بلاد الصعيد من أهلها بحيث صار الرجل يمشى فلا يجد فى طريقه أحدا وينزل القرية فلا يرى إلا النساء والصبيان؛ ثم أفرج السلطان عن المأسورين وأعادهم إلى بلادهم لحفظ البلاد.
وعند عود الأمراء المذكورين من بلاد الصعيد ورد الخبر من حلب أن تكفور متملّك سيس منع الحمل وخرج عن الطاعة وانتمى لغازان، فرسم بخروج العساكر لمحاربته، وخرج الأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح، والأمير عزّ الدين أيبك الخازندار بمضافيهما من الأمراء وغيرهم فى شهر رمضان، فساروا إلى حماة فتوجه معهم نائبها الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورىّ فى خامس عشرين شوّال.
وتوجّهوا إلى بلاد سيس وأحرقوا الزروع وانتهبوا ما قدر عليه، وحاصروا مدينة سيس وغنموا من سفح قلعتها شيئا كثيرا من جفّال الأرمن؛ وعادوا من الدّربند إلى مرج أنطاكية «١» . ثمّ قدموا حلب فى تاسع عشر ذى القعدة. ثم ورد الخبر على السلطان من طرابلس «٢» بأنّ الفرنج أنشئوا جزيرة تجاه طرابلس تعرف بجزيرة
стр. 2668
أرواد «١» ، وعمّروها بالعدد والآلات، وكثر فيها جمعهم، وصاروا يركبون البحر ويأخذون المراكب. فرسم السلطان للوزير بعمارة أربعة شوان حربيّة فى محرّم سنة اثنتين وسبعمائة ففعل ذلك، ونجّزت عمارة الشوانى وجهّزت بالمقاتلة وآلات الحرب مع الأمير جمال الدين آقوش القارئ العلائىّ والى البهنسا «٢» ، واجتمع الناس لمشاهدة لعب الشوانى فى يوم السبت ثانى «٣» عشر المحرّم، ونزل السلطان والأمراء لمشاهدة ذلك، واجتمع من العالم ما لا يحصيه إلّا الله تعالى حتّى بلغ كراء المركب الّتى تحمل عشرة أنفس إلى مائة درهم؛ وامتلأ البرّ من بولاق «٤»
стр. 2669
إلى الصّناعة «١» حتّى لم يوجد موضع قدم، ووقف العسكر على برّ بستان «٢» الخشّاب وركب الأمراء الحراريق إلى الروضة «٣» ، وبرزت الشوانى تجاه المقياس «٤» تلعب كأنّها فى الحرب، فلعب الشينىّ الأوّل والثانى والثالث، وأعجب الناس إعجابا زائدا لكثرة ما كان فيها من المقاتلة والنفوط وآلات الحرب، وتقدّم الرابع وفيه الأمير آقوش فما هو إلّا أنّه خرج من الصناعة بمصر وتوسّط فى النيل إذا بالريح حركّته فمال به ميلة واحدة انقلب وصار أعلاه أسفله، فصرخ الناس صرخة واحدة كادت تسقط منها الحبالى، وتكدّر ما كانوا فيه من الصّفو فتلاحق الناس بالشّينىّ وأخرجوا ما سقط منه فى الماء، فلم يعدم منه سوى الأمير آقوش وسلم الجميع، فتكدّر السلطان والأمراء بسببه، وعاد السلطان بأمرائه إلى القلعة وانفضّ الجمع. وبعد ثلاثة أيام أخرج الشّينىّ فإذا امرأة الريّس وابنها وهى ترضعه فى قيد الحياة، فاشتدّ عجب الناس من سلامتها طول هذه الأيام! قاله المقريزى وغيره، والعهدة عليهم فى هذا النقل. ثم شرع العمل فى إعادة الشّينى الذي غرق حتى نجزّ، وندب السلطان الأمير سيف الدين كهرداش «٥» الزرّاق المنصورىّ إلى السفر فيه عوضا عن آقوش الذي غرق، رحمه الله تعالى، وتوجّه الجميع إلى طرابلس ثم إلى جزيرة أرواد المذكورة، وهى بالقرب
стр. 2670
من أنطرطوس «١» ، فأخربوها وسبوا وغنموا، وكان الأسرى منها مائتين وثمانين نفرا، وقدم الخبر بذلك إلى السلطان فسّر وسرّ الناس قاطبة ودقّت البشائر لذلك أياما؛ واتّفق فى ذلك اليوم أيضا حضور الأمير بكتاش الفخرىّ أمير سلاح من غزو سيس.
ثم بعد ذلك بأيام ورد الخبر من حلب بأنّ قازان على عزم الحركة إلى الشام، فوقع الاتّفاق على خروج العساكر من الديار المصرية إلى الشام، وعيّن من الأمراء الأمير بيبرس الجاشنكير، وطغريل الإيغانىّ، وكراى المنصورىّ، وحسام الدين لاچين أستادار بمضافيهم وثلاثة آلاف من الأجناد، وساروا من مصر فى ثامن عشر شهر رجب، وتواترت الأخبار بنزول قازان على الفرات، ووصل عسكره إلى الرحبة، وبعث أمامه قطلوشاه من أصحابه على عساكر عظيمة إلى الشام تبلغ ثمانين ألفا، وكتب إلى الأمير عزّ الدين [أيبك «٢» ] الأفرم نائب الشام يرغّبه فى طاعته، ودخل الأمير بيبرس الجاشنكير بمن معه إلى دمشق فى نصف شعبان، ولبث يستحثّ السلطان على الخروج. وأقبل الناس من حلب وحماة إلى دمشق جافلين من التّتار، فاستعدّ أهل دمشق للفرار ولم يبق إلّا خروجهم، فنودى بدمشق من خرج منها حلّ ماله ودمه، وخرج الأمير بهادر آص والأمير قطلوبك المنصورىّ، وأنس الجمدار فى عسكر إلى حماة، ولحق بهم عساكر طرابلس وحمص. فاجتمعوا على حماة عند نائبها الملك العادل كتبغا المنصورىّ، وبلّغ التتار ذلك فبعثوا طائفة كثيرة إلى القريتين «٣» فأوقعوا بالتّركمان، فتوجّه إليهم أسندمر «٤» كرجى نائب طرابلس وبهادر آص
стр. 2671
وكجكن وإغزلو العادلى وتمر الساقى وأنص الجمدار ومحمد بن قرا سنقر فى ألف وخمسمائة فارس، فطرقوهم بمنزلة «١» عرض فى حادى عشر شعبان على غفلة، فافترقوا عليهم أربع فرق، وقاتلوهم قتالا شديدا من نصف النهار إلى العصر حتّى كسروهم وأفنوهم، وكانوا التّتار، فيما يقال، أربعة آلاف، واستنقذوا التّركمان وحريمهم وأولادهم من أيدى التتار، وهم نحو ستة آلاف أسير، ولم يفقد من العسكر الإسلامى إلا الأمير أنص الجمدار المنصورى ومحمد بن باشقرد الناصرىّ وستة وخمسون من الأجناد، وعاد من انهزم من التتار إلى قطلوشاه، وأسر العسكر المصرىّ مائة وثمانين من التتار، وكتب إلى السلطان بذلك ودقّت البشائر [بدمشق «٢» ] . وكان السلطان الملك الناصر محمد قد خرج بعساكره وأمرائه من الديار المصريّة إلى جهة البلاد الشاميّة فى ثالث شعبان، وخرج بعده الخليفة المستكفى بالله، واستناب السلطان بديار مصر الأمير عزّ الدين أيبك البغدادىّ.
وجدّ قطلوشاه مقدّم التتار بالعساكر فى المسير حتّى نزل قرون حماة فى ثالث «٣» عشر شعبان، فاندفعت العساكر المصريّة التى كانت بحماة بين يديه إلى دمشق، وركب نائب حماة الأمير كتبغا الذي كان تسلطن وتلقّب بالملك العادل فى محفّة لضعفه، واجتمع الجميع بدمشق واختلف رأيهم فى الخروج إلى لقاء العدوّ أو انتظار قدوم السلطان، ثم خشوا من مفاجأة العدوّ فنادوا بالرحيل، وركبوا فى أوّل شهر رمضان من دمشق، فاضطربت دمشق بأهلها وأخذوا فى الرحيل منها على وجوههم، واشتروا الحمار بستمائة درهم والجمل بألف درهم، وترك كثير منهم حريمه وأولاده ونجا بنفسه إلى القلعة، فلم يأت اللّيل إلا وبوادر التتار فى سائر
стр. 2672
نواحى المدينة، وسار العسكر مخفّا، وبات الناس بدمشق فى الجامع يضجّون بالدعاء إلى الله تعالى، فلمّا أصبحوا رحل التتار عن دمشق بعد أن نزلوا بالغوطة.
وبلغ الأمراء قدوم السلطان فتوجّهوا إليه من مرج «١» راهط فلقوه على عقبة «٢» الشّحورا فى يوم السبت ثانى شهر رمضان وقبّلوا الأرض، ثم ورد عند لقائهم به الخبر بوصول التتار فى خمسين ألفا مع قطلوشاه نائب غازان، فلبس العسكر بأجمعه السلاح، واتّفقوا على قتال التتار بشقحب «٣» تحت جبل غباغب «٤» ؛ وكان قطلوشاه قد وقف على أعلى النهر، فصفّت العساكر الإسلامية، فوقف السلطان فى القلب وبجانبه الخليفة، والأمير سلّار النائب، والأمير بيبرس الجاشنكير، وعزّ الدين أيبك الخازندار، وبكتمر الجوكندار، وآقوش الأفرم نائب الشام، والأمير برلغى «٥» ، والأمير أيبك الحموىّ، وبكتمر الأبوبكريّ، وقطلوبك، ونوغاى السلاح دار، ومبارز الدين أمير شكار، ويعقوبا الشّهرزورىّ، ومبارز الدين أوليا بن قرمان؛ ووقف فى الجناح الأيمن الأمير قبجق بعساكر حماة والعربان وجماعة كثيرة من الأمراء؛ ووقف فى الميسرة الأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح، والأمير قرا سنقر نائب حلب بعساكرها، والأمير بتخاص نائب صفد بعساكرها؛ والأمير طغريل «٦» الإيغانى، وبكتمر السلاح دار
стр. 2673
وبيبرس الدّوادار بمضافيهم. ومشى السلطان على التتار والخليفة بجانبه ومعهما القرّاء يتلون القرآن ويحثّون على الجهاد ويشوّقون إلى الجنة، وصار الخليفة يقول:
يا مجاهدون لا تنظروا لسلطانكم، قاتلوا عن دين نبيّكم ﷺ وعن حريمكم! والناس فى بكاء شديد، ومنهم من سقط عن فرسه إلى الأرض! ووصّى «١» بيبرس وسلّار على الثبات فى الجهاد. وكلّ ذلك والسلطان والخليفة يكرّ فى العساكر يمينا وشمالا. ثم عاد السلطان والخليفة إلى مواقفهما، ووقف خلفه الغلمان والأحمال والعساكر صفّا واحدا، وقال لهم: من خرج من الأجناد عن المصاف فاقتلوه ولكم سلبه. فلمّا تمّ الترتيب زحفت كراديس «٢» التتار كقطع الليل، وكان ذلك وقت الظهر من يوم السبت ثانى رمضان المذكور. وأقبل قطلوشاه بمن معه من الطّوامين، وحملوا على الميمنة فثبت لهم الميمنة وقاتلوهم أشدّ قتال حتى قتل من أعيان الميمنة الأمير حسام الدين لاچين الأستادار، وأوليا بن قرمان، والأمير سنقر الكافورى «٣» ، والأمير أيدمر الشّمسىّ القشّاش، والأمير آقوش الشمسىّ الحاجب، وحسام الدين على بن باخل ونحو الألف فارس، كلّ ذلك وهم فى مقابلة العدوّ والقتال عمّال بينهم. فلما وقع ذلك أدركتهم الأمراء من القلب ومن الميسرة، وصاح سلّار: هلك والله أهل الإسلام! وصرخ فى بيبرس الجاشنكير وفى البرجيّة فأتوه دفعة واحدة، فأخذهم وصدم بهم العدوّ وقصد مقدّم التتار قطلوشاه، وتقدّم عن الميمنة حتّى أخذت الميمنة راحة، وأبلى سلّار فى ذلك اليوم هو وبيبرس الجاشنكير بلاء حسنا، وسلّموا نفوسهم إلى الموت. فلمّا رأى باقى الأمراء منهم ذلك ألقوا نفوسهم إلى الموت، واقتحموا القتال، وكانت لسلّار والجاشنكير فى ذلك
стр. 2674
اليوم اليد البيضاء على المسلمين- رحمهما الله تعالى- واستمرّوا فى القتال إلى أن كشفوا التّتار عن المسلمين، وكان جوبان وقرمجى من طوامين التتار قد ساقا تقوية لبولاى وهو خلف المسلمين؛ فلمّا عاينوا الكسرة على قطلوشاه أتوه نجدة ووقفوا فى وجه سلّار وبيبرس، فخرج من عسكر السلطان [أسندمر «١» ] والأمير قطلوبك والأمير قبجق والمماليك السلطانية وأردفوا سلّار وبيبرس، وقاتلوا أشدّ قتال حتى أزاحوهم عن مواقفهم، فمالت التتار على الأمير برلغى فى موقفه، فتوجّهوا الجماعة المذكورون إلى برلغى، واستمرّ القتال بينهم.
وأمّا سلّار فإنّه قصد قطلوشاه مقدّم التتار وصدمه بمن معه، وتقاتلا وثبت كلّ منهما، وكانت الميمنة لمّا قتل الأمراء منها انهزم من كان معهم، ومرّت التتار حلفهم فجفل الناس وظنّوا أنّها كسرة، وأقبل السواد الأعظم على الخزائن السلطانية فكسروها ونهبوا ما فيها من الأموال، وجفل النساء والأطفال. وكانوا قد خرجوا من دمشق عند خروج الأمراء منها، وكشف النساء عن وجوههنّ وأسبلن الشعور وضجّ ذلك الجمع العظيم بالدعاء، وقد كادت العقول أن تطيش وتذهب عند مشاهدة الهزيمة! واستمرّ القتال بين التتار والمسلمين إلى أن وقف كلّ من الطائفتين عن القتال.
ومال قطلوشاه بمن معه إلى جبل قريب منه، وصعد عليه وفى نفسه أنّه انتصر، وأنّ بولاى فى أثر المنهزمين من المسلمين، فلمّا صعد الجبل رأى السهل والوعر كلّه عساكر والميسرة السلطانية ثابتة، وأعلامها تخفق، فبهت قطلوشاه وتحيّر واستمرّ بموضعه حتّى كمل معه جمعه وأتاه من كان خلف المنهزمين من السلطانية ومعهم عدّة من المسلمين قد أسروهم، منهم: الأمير عزّ الدين أيدمر نقيب المماليك السلطانيّة،
стр. 2675
فأحضره قطلوشاه وسأله من أين أنت؟ فقال: من أمراء مصر، وأخبره بقدوم السلطان، وكان قطلوشاه ليس له علم بقدوم السلطان بعساكر مصر إلا ذلك الوقت، فعند ذلك جمع قطلوشاه أصحابه وشاورهم فيما يفعل، وإذا بكوسات السلطان والبوقات قد زحفت وأزعجت الأرض وأرجفت القلوب بحسها، فلم يثبت بولاى وخرج من تجاه قطلوشاه فى نحو العشرين ألفا من التتار، ونزل من الجبل بعد المغرب ومرّ هاربا.
وبات السلطان وسائر عساكره على ظهور الخيل والطّبول تضرب، وتلاحق بهم من كان انهزم شيئا بعد شىء، وهم يقصدون ضرب الطبول السلطانية والكوسات، واحتاط عسكر السلطان بالجبل الذي بات عليه التتار، وصار بيبرس وسلّار وقبجق والأمراء والأكابر فى طول الليل دائرين على الأمراء والأجناد يوصونهم ويرتّبونهم ويؤكّدون عليهم فى التيقّظ، ووقف كلّ أمير فى مصافّه مع أصحابه، والحمل والأثقال قد وقف على بعد، وثبتوا على ذلك حتى ارتفعت الشمس، وشرع قطلو شاه فى ترتيب من معه ونزلوا مشاة وفرسانا وقاتلوا العساكر، فبرزت المماليك السلطانيّة بمقدّميها إلى قطلو شاه وجوبان، وعملوا فى قتالهم عملا عظيما، فصاروا تارة يرمونهم بالسهام وتارة يواجهونهم بالرماح، واشتغل الأمراء أيضا بقتل من فى جهتهم يتناوبون القتال أميرا بعد أمير، وألحّت المماليك السلطانية فى القتال وأظهروا فى ذلك اليوم من الشجاعة والفروسية ما لا يوصف حتّى إنّ بعضهم قتل تحته الثلاثة من الخيل، وما زال الأمراء على ذلك حتّى انتصف نهار الأحد، صعد قطلو شاه الجبل وقد قتل من عسكره نحو ثمانين رجلا، وجرح الكثير واشتدّ عطشهم، واتّفق أنّ بعض من كان أسره التتار هرب ونزل إلى السلطان، وعرّفه أنّ التتار قد أجمعوا على النزول فى السّحر لمصادمة العساكر السلطانية، وأنّهم فى شدّة من العطش،
стр. 2676
فاقتضى الرأى أن يفرج لهم عند نزولهم ويركب الجيش أقفيتهم. فلمّا باتوا على ذلك وأصبحوا نهار الاثنين ركب التتار فى الرابعة من النهار ونزلوا من الجبل فلم يتعرّض لهم أحد وساروا إلى النهر فاقتحموه، فعند ذلك ركبهم بلاء الله من المسلمين وأيّدهم الله تعالى بنصره حتى حصدوا رءوس التتار عن أبدانهم ووضعوا فيهم السيف ومرّوا فى أثرهم قتلا وأسرا إلى وقت العصر. وعادوا إنى السلطان وعرّفوه بهذا النصر العظيم، فكتبت البشائر فى البطائق، وسرّحت الطيور بهذا النصر العظيم إلى غزة.
وكتب إلى غزّة بمنع المنهزمين من عساكر السلطان من الدخول إلى مصر، وتتبّع من نهب الخزائن السلطانية والاحتفاظ بمن يمسك منهم، وعيّن السلطان الأمير بدر الدين بكتوت الفتّاح للمسير بالبشارة إلى مصر.
ثم كتب بهذا الفتح العظيم إلى سائر الأقطار، وبات السلطان ليلته وأصبح يوم الثلاثاء وقد خرج إليه أهل دمشق، فسار إليها فى عالم عظيم من الفرسان والأعيان والعامّة والنساء والصبيان لا يحصيهم إلّا الله تعالى، وهم يضجّون بالدعاء والهناء والشكر لله على هذه المنّة! وتساقطت عبرات الناس فرحا ودقت البشائر بسائر الممالك، وكان هذا اليوم يوما لم يشاهد مثله. وسار السلطان حتى نزل بالقصر الأبلق «١» ، وقد زيّنت المدينة، واستمرّت الأمراء وبقيت العساكر فى طلب التتار إلى القريتين، وقد كلّت خيول التتار وضعفت نفوسهم وألقوا أسلحتهم واستسلموا للقتل، والعساكر تقتلهم بغير مدافعة، حتى إن أراذل العامة والغلمان قتلوا منهم خلقا كثيرا وغنموا عدّة غنائم، وقتل الواحد من العسكر العشرين من التتار فما فوقها؛ ثم أدركت عربان البلاد التتار وأخذوا فى كيدهم كأنّهم يهدونهم إلى طريق قريبة مفازة، فيوصّلونهم إلى البريّة
стр. 2677
وتركوهم بها فماتوا عطشا، ومنهم من دار بهم وأوصلوهم إلى غوطة دمشق، فخرجت إليهم عامّة دمشق فقتلوا منهم خلقا كثيرا. ثم تتبّعت الحكّام النّهبة وعاقبوا منهم جماعة كثيرة حتّى تحصل أكثر ما نهب من الخزائن ولم يفقد منه إلّا القليل. ثم خلع السلطان على الأمراء جميعهم، ثم حضر الأمير برلغى وقد كان انهزم فيمن انهزم، فلم يأذن له السلطان فى الدخول عليه، وقال: بأىّ وجه تدخل علىّ أو تنظر فى وجهى! فما زال به الأمراء حتى رضى عنه. ثم قبض على رجل من أمراء حلب كان قد انتمى إلى التتار وصار يدلّهم على الطّرقات، فسمّر على جمل وشهّر بدمشق وضواحيها، واستمرّ الناس فى شهر رمضان كلّه فى مسرّات تتجدد، ثم صلّى السلطان صلاة عيد الفطر وخرج فى ثالث شوّال من دمشق يريد الديار المصريّة.
وأمّا التتار فإنّه لمّا قتل أكثرهم ودخل قطلو شاه الفرات فى قليل من أصحابه ووصل خبر كسرته إلى همذان «١» ، ووقعت الصّرخات فى بلادهم، وخرج أهل تبريز «٢» وغيرها إلى لقائهم واستعلام خبر من فقد منهم حتّى علموا ذلك، فقامت النّياحة فى مدينة تبريز شهرين على القتلى.
ثم بلغ الخبر غازان فاغتمّ غمّا عظيما وخرج من منخريه دم كثير حتّى أشفى على الموت واحتجب عن حواشيه، فإنه لم يصل إليه من عساكره من كلّ عشرة واحد! ممن كان انتخبهم من خيار جيشه. ثم بعد ذلك بمدّة جلس قازان وأوقف قطلو شاه مقدّم عساكره وجوبان وسوتاى ومن كان معهم من الأمراء، وأنكر على قطلو شاه وأمر بقتله، فما زالوا به حتى عفا عنه وأبعده من قدّامه حتى صار على
стр. 2678
مسافة بعيدة بحيث يراه، وقام إليه، [وقد مسكه الحجاب «١» ] وسائر من حضروهم خلق كثير جدّا، وصار كلّ منهم يبصق فى وجهه حتى بصق الجميع! ثم أبعده عنه إلى كيلان «٢» ثم ضرب بولاى عدّة عصىّ وأهانه. وفى الجملة فإنّه حصل على غازان بهذه الكسرة من القهر والهمّ ما لا مزيد عليه، ولله الحمد.
وسار السلطان الملك الناصر بعساكره وأمرائه حتى وصل إلى القاهرة، ودخلها فى يوم ثالث عشرين شوّال حسب ما يأتى ذكره. وكان نائب الغيبة رسم بزينة القاهرة من باب «٣» النصر إلى باب السلسلة «٤» من القلعة؛ وكتب بإحضار سائر مغانى «٥» العرب بأعمال الديار المصرية كلّها، وتفاخر الناس فى الزينة ونصبوا القلاع «٦» ، واقتسمت أستادارية الأمراء شوارع القاهرة إلى القلعة، وزيّنوا ما يخصّ كلّ واحد منهم وعملوا به قلعة بحيث نودى من استعمل صانعا فى غير صنعة القلاع كانت عليه جناية «٧» السلطان، وتحسّن سعر الخشب والقصب وآلات النّجارة، وتفاخروا
стр. 2679
فى تزيين القلاع المذكورة، وأقبل أهل الرّيف إلى القاهرة للفرجة على قدوم السلطان وعلى الزينة، فإنّ الناس كانوا أخرجوا الحلىّ والجواهر واللآلئ وأنواع الحرير فزيّنوا بها، ولم ينسلخ شهر رمضان حتّى تهيّأ أمر القلاع؛ وعمل ناصر الدين محمد ابن الشّيخىّ والى القاهرة قلعة بباب النصر فيها سائر أنواع الجدّ والهزل ونصب عدّة أحواض ملأها بالسّكّر واللّيمون وأوقف مماليكه بشربات حتّى يسقوا العسكر.
قلت: لو فعل هذا فى زماننا والى القاهرة لكان حصل عليه الإنكار بسبب إضاعة المال، وقيل له: لم لا حملت إلينا ما صرفته؟ فإنّه كان أنفع وخيرا من هذا الفشار «١» ، وإنما كانت نفوس أولئك غنيّة وهممهم عليّة، وما كان جلّ قصدهم إلا إظهار النّعمة والتفاخر فى الحشم والأسمطة والإنعامات حتى يشاع عنهم ذلك ويذكر إلى الأبد، فرحم الله تلك الأيام وأهلها!.
وقدم السلطان إلى القاهرة فى يوم الثلاثاء ثالث عشرين شوّال، وقد خرج الناس إلى لقائه وللفرجة عليه، وبلغ كراء البيت الذي يمرّ عليه السلطان من خمسين درهما إلى مائة درهم، فلمّا وصل السلطان إلى باب النصر ترجّل الأمراء كلّهم، وأوّل من ترجّل منهم الأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح وأخذ يحمل سلاح السلطان، فأمره السلطان أن يركب لكبر سنّه ويحمل السلاح خلفه فامتنع ومشى، وحمل الأمير مبارز الدين سوار «٢» الرومى أمير شكار القبة، والطير على رأس السلطان، وحمل الأمير بكتمر أمير جاندار العصا، والأمير سنجر [الجمقدار «٣» ] الدّبّوس؛ ومشى كلّ أمير فى منزلته وفرش كلّ منهم الشّقق من قلعته إلى قلعة غيره
стр. 2680
التى أنشئوها بالشوارع. وكان السلطان إذا تجاوز قلعة فرشت القلعة المجاورة لها الشّقق، حتّى يمشى عليها بفرسه مشيا هيّنا من غير هرج بسكون ووقار لأجل مشى الأمراء بين يديه. وكان السلطان كلّما رأى قلعة أمير أمسك عن المشى ووقف حتّى يعاينها ويعرف ما اشتملت عليه هو والأمراء حتى يجبر خاطر فاعلها بذلك.
هذا والأمراء من التتار بين يديه مقيّدون ورءوس من قتل منهم معلّقة فى رقابهم، وألف رأس على ألف رمح، وعدّة الأسرى ألف وستمائة، وفى أعناقهم أيضا ألف وستمائة رأس، وطبولهم قدّامهم مخرّقة. وكانت «١» القلاع التى نصبت أوّلها قلعة الأمير ناصر الدين ابن الشّيخى والى القاهرة بباب النصر، ويليها قلعة الأمير علاء الدين مغلطاى أمير مجلس، ويليها قلعة ابن أيتمش السّعدىّ، ثم يليها قلعة الأمير سنجر الجاولى، وبعده قلعة الأمير طغريل الإيغانىّ ثم قلعة بهادر اليوسفىّ، ثم قلعة سودى «٢» ، ثم قلعة بيليك الخطيرى، ثم قلعة برلغى، ثم قلعة مبارز الدين أمير شكار، ثم قلعة أيبك الخازندار، ثم قلعة سنقر الأعسر، ثم قلعة بيبرس الدّوادار، ثم قلعة سنقر الكاملىّ، ثم قلعة موسى «٣» ابن الملك الصالح، ثم قلعة الأمير آل ملك، ثم قلعة علم الدين الصوابى، ثم قلعة الأمير جمال الدين الطّشلاقىّ، ثم قلعة الأمير [سيف الدين «٤» ] آدم، ثم قلعة الأمير سلّار [النائب «٥» ] ، ثم قلعة الأمير بيبرس الجاشنكير، ثم قلعة بكتاش أمير سلاح، ثم قلعة الطّواشى مرشد «٦» الخازندار، وكانت قلعته على باب
стр. 2681
المدرسة المنصوريّة، «١» ، ثم بعده قلعة بكتمر أمير جاندار «٢» ، ثم قلعة أيبك البغدادىّ نائب الغيبة، ثم قلعة ابن أمير سلاح، ثم قلعة بكتوت «٣» الفتّاح، ثم قلعة تاكز «٤» الطغريلىّ، ثم قلعة قلّى السلاح دار، ثم قلعة لاچين زيرباج «٥» الجاشنكير، ثم قلعة طيبرس الخازندارى نقيب الجيش، ثم قلعة بلبان طرنا «٦» ، ثم قلعة سنقر العلانى، ثم قلعة بهاء الدين يعقوبا، ثم قلعة الأبوبكرى، ثم قلعة بهادر المعزى «٧» ، ثم قلعة كوكاى، ثم قلعة قرا لاچين، ثم قلعة كراى «٨» المنصورىّ، ثم قلعة جمال الدين آقوش قتال السبع، وقلعته كانت على باب زويلة «٩» ؛ وكان عدّتها سبعين قلعة. وعند ما وصل السلطان إلى باب البيمارستان «١٠» المنصورى ببين القصرين نزل ودخل وزار قبر والده الملك المنصور قلاوون وقرأ القرّاء أمامه، ثم ركب إلى باب زويلة ووقف حتّى أركب الأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح، ثم سار السلطان على شقق الحرير إلى داخل قلعة الجبل. هذا والتهانى فى دور السلطان والأمراء وغيرهم قد امتلأت منهم البيوت والشوارع بحيث إنّ الرجل كان لا يسمع كلام من هو بجانبه إلا بعد جهد، وكان يوما عظيما عظم فيه سرور الناس قاطبة لا سيّما أهل مصر، فإنّهم فرحوا بالنصر وأيضا بسلامة سلطانهم الملك الناصر محمد.
стр. 2682
وأقام الملك الناصر بالديار المصريّة إلى سنة ثلاث وسبعمائة ورد عليه الخبر بموت غازان بمدينة الرّىّ «١» وقام بعده أخوه خربندا «٢» بن أرغون بن أبغا بن هولاكو فى ثالث عشر شوال وجلس خربندا على تخت الملك فى ثالث عشر «٣» ذى الحجّة وتلقّب غياث الدين محمدا، وكتب إلى السلطان بجلوسه وطلب الصلح وإخماد الفتنة.
ثم فى السنة استأذن الأمير سلّار نائب السلطنة فى الحجّ فأذن له، فحجّ كما حجّ الأمير بيبرس الجاشنكير فى السنة الماضية سنة اثنتين وسبعمائة إلّا أنّ سلّار صنع من المعروف فى هذه السنة والإحسان إلى أهل مكّة والمجاورين وغيرهم وعاد، ثم حجّ الأمير بيبرس الجاشنكير ثانيا فى سنة أربع وسبعمائة. وورد الخبر على السلطان الملك الناصر بقدوم رجل من بلاد التتار إلى دمشق يقال له الشيخ براق «٤» فى تاسع جمادى الأولى ومعه جماعة من الفقراء نحو المائة لهم هيئة عجيبة، على رأسهم كلاوت لباد مقصّص بعمائم فوقها، وفيها قرون من لباد يشبه قرون الجواميس، وفيها أجراس، ولحاهم محلّقة دون شواربهم، ولبسهم لبابيد بيض، وقد تقلّدوا بحبال منظومة بكعاب البقر، وكلّ منهم مكسور الثّنيّة العليا «٥» ، وشيخهم من أبناء الأربعين سنة، وفيه إقدام وجرأة وقوّة نفس وله صولة، ومعه طبلخاناه تدقّ له نوبة، وله محتسب على جماعته، يؤدّب كلّ من يترك شيئا من سنّته، يضرب عشرين عصاة
стр. 2683
تحت رجليه، وهو ومن معه ملازمون التعبّد والصلاة، وإنه قيل له عن زيّه، فقال:
أردت أن أكون مسخرة الفقراء. وذكر أنّ غازان لما بلغه خبره استدعاه وألقى عليه سبعا ضاريا فركب على ظهر السّبع ومشى به فجلّ فى عين قازان ونثر عليه عشرة آلاف دينار، وأنّه عند ما قدم دمشق كان النائب بالميدان الأخضر فدخل عليه، وكان هناك نعامة قد تفاقم ضررها وشرّها ولم يقدر أحد على الدنوّ منها، فأمر النائب بإرسالها عليه فتوجّهت نحوه، فوثب عليها وركبها فطارت به فى الميدان قدر خمسين ذراعا فى الهواء حتّى دنا من النائب، وقال له: أطير بها إلى فوق شيئا آخر؟ فقال له النائب: لا، وأنعم عليه وهاداه الناس، فكتب السلطان بمنعه من القدوم إلى الديار المصريّة، فسار إلى القدس ثم رجع إلى بلاده. وفى فقرائه يقول سراج الدين عمر الورّاق من موشّحة طويلة أوّلها:
[جتنا عجم «١» من جوّ الروم] ... صور تحير فيها الأفكار
لها قرون مثل التّيران ... إبليس يصيح منهم زنهار
وقد ترجمنا براق هذا فى تاريخنا المنهل الصافى بأوسع من هذا. انتهى.
ثم إنّ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فى سنة سبع وسبعمائة ضجر من الحجر عليه من تحكّم الأميرين سلّار وبيبرس الجاشنكير ومنعه من التصرّف وضيق يده، وشكا ذلك لخاصّته، واستدعى الأمير بكتمر الجوكندار وهو أمير جاندار يوم ذاك فى خفية وأعلمه بما عزم عليه من القيام على الأميرين سلّار وبيبرس، فقرّر معه بكتمر أنّ القلعة إذا أغلقت فى اللّيل وحملت مفاتيحها إلى السلطان على العادة لبست مماليك السلطان السلاح وركبت الخيول من الإسطبل وسارت إلى إسطبلات الأمراء، ودقّت كوسات السلطان بالقلعة حربيّا ليجتمع المماليك تحت القلعة بمن هو فى طاعة السلطان، قال بكتمر: وأنا أهجم على بيتى سلّار وبيبرس بالقلعة أيضا.
стр. 2684
قلت: أعنى أنّ بكتمر كان سكنه بالقلعة، فيهجم هو أيضا على بيتى سلّار وبيبرس بالقلعة أيضا، ويأخذهما قبضا باليد.
وكان لكلّ من بيبرس وسلّار أعين عند السلطان، فبلّغوهما ذلك فاحترزا على أنفسهما، وأمرا الأمير [سيف الدين «١» ] بلبان الدّمشقىّ والى القلعة، وكان خصيصا بهما، أن يوهم أنّه أغلق باب القلعة ويطرّف أقفالها ويعبر بالمفاتيح إلى السلطان على العادة ففعل ذلك. وظنّ السلطان ومماليكه أنّهم قد حصلوا على عرضهم، وانتظروا بكتمر الجوكندار أن يحضر إليهم فلم يحضر، فبعثوا إليه فإذا هو مع بيبرس وسلّار وقد حلف لهما على القيام معهما. فلمّا طلع النهار ظنّ السلطان أنّ بكتمر قد غدر به وترقّب المكروه من الأمراء وليس الأمر كذلك، وما هو إلّا أنّ سلّار وبيبرس لمّا بلغهما الخبر خرجوا إلى دار النيابة بالقلعة، وعزم بيبرس أن يهجم على بكتمر ويقتله فمنعه سلّار لما كان عنده من التثبّت والتّؤدة، وأشار بالإرسال إليه ويحضره حتّى تبطل حركة السلطان؛ فلمّا أتى بكتمر الرسول تحيّر فى أمره وقصد الامتناع، وألبس مماليكه السلاح ومنعهم وخرج إليهم، فعنّفه سلّار ولامه على ما قصد فأنكر وحلف لهم على أنّه معهم، وأقام عندهم إلى الصباح ودخل مع الأمراء إلى الخدمة عند الأمير سلّار النائب، ووقف ألزام سلّار وبيبرس على خيولهم بباب الإسطبل مترقّبين خروج المماليك السلطانية، ولم يدخل أحد من الأمراء إلى خدمة السلطان وتشاوروا، وقد أشيع فى القاهرة أنّ الأمراء يريدون قتل السلطان الملك الناصر أو إخراجه إلى الكرك، فعزّ عليهم ذلك لمحبّتهم له، فلم تفتح الأسواق، وخرج العامّة والأجناد إلى تحت القلعة، وبقى الأمراء نهارهم مجتمعين وبعثوا
стр. 2685
بالاحتراس على السلطان خوفا من نزوله من باب السّرّ «١» ، وألبسوا عدّة مماليك وأوقفوهم مع الأمير سيف الدين سمك «٢» أخى سلّار على باب الإسطبل «٣» . فلمّا كان نصف الليل وقع بداخل الإسطبل حسّ وحركة من قيام المماليك السلطانية ولبسهم السلاح لينزلوا بالسلطان على حميّة من الإسطبل وتوقّعوا الحرب، فمنعهم السلطان من ذلك، وأراد الأمير سمك إقامة الحرمة فرمى بالنّشّاب ودقّ الطّبل فوقع سهم من النّشّاب بالرّفرف السّلطانىّ، واستمرّ الحال على ذلك إلى أذان العصر من الغد، فبعث السلطان إلى الأمراء يقول: ما سبب هذا الركوب على باب إسطبلى؟ إن كان غرضكم فى الملك فما أنا متطلّع إليه، فخذوه وابعثونى أىّ. وضع أردتم! فردّوا إليه الجواب مع الأمير بيبرس الدّوادار والأمير عزّ الدين أيبك الخازندار والأمير برلغى الأشرفى بأنّ السبب هو من عند السلطان ومن المماليك الذين يحرّضونه على الأمراء، فأنكر أن يكون أحد من مماليكه ذكر له شيئا عن الأمراء؛ وفى عود الجواب من عند السلطان وقعت صيحة بالقلعة سببها أنّ العامة كان جمعهم قد كثر، وكان عادتهم أنّهم لا يريدون أن بلى الملك أحد من المماليك، بل إن كان ولا بدّ يكون الذي بلى الملك من بنى قلاوون. وكانوا مع ذلك شديدى المحبّة للملك الناصر محمد بن قلاوون.
стр. 2686
فلمّا رأوا العامة أنّ الملك الناصر قد وقف بالرّفرف من القلعة، وحواشى بيبرس وسلّار قد وقفوا على باب الإسطبل محاصرينه، حنقوا من ذلك وحملوا وصرخوا يدا واحدة على الأمراء بباب الإسطبل، وهم يقولون: يا ناصر يا منصور! فأراد سمك قتالهم، فمنعه من كان معه من الأمراء وخوّفه الكسرة من العوامّ، فتقهقروا عن باب الإسطبل السلطانىّ وسطا عليهم العامّة وأفحشوا فى حقّهم. وبلغ ذلك بيبرس وسلّار فأركبا الأمير بتخاص المنصورىّ فى عدّة مماليك فنزلوا إلى العامة ينحّونهم ويضربونهم بالدبابيس ليتفرّقوا فاشتدّ «١» صياحهم: يا ناصر يا منصور! وتكاثر جمعهم وصاروا يدعون للسلطان، ويقولون: الله يخون الخائن، الله يخون من يخون ابن قلاوون! ثم حمل طائفة منهم على بتخاص ورجمه طائفة أخرى، فجرّد السيف ليضعه فيهم فخشى تكاثرهم عليه، فأخذ يلاطفهم، وقال لهم: طيّبوا خاطركم، فإنّ السلطان قد طاب خاطره على أمرائه، وما زال يحلف لهم حتّى تفرّقوا؛ وعاد بتخاص إلى سلّار وبيبرس وعرّفهم شدّة تعصّب العامّة للسلطان؛ فبعث الأمراء عند ذلك ثانيا إلى السلطان بأنّهم مماليكه وفى طاعته، ولا بدّ من إخراج الشباب الذين يرمون الفتنة بين السلطان والأمراء، فامتنع السلطان من ذلك واشتدّ، فما زال به بيبرس الدّوادار وبرلغى حتّى أخرج منهم جماعة وهم: يلبغا التّركمانىّ، وأيدمر «٢» المرقبى، وخاصّ ترك؛ فهدّدهم بيبرس وسلّار ووبّخاهم وقصد سلّار أن يقيّدهم، فلم توافق الأمراء على ذلك رعاية لخاطر السلطان؛ فأخرجوا إلى القدس من وقتهم على البريد. ودخل جميع الأمراء على السلطان وقبّلوا الأرض ثم قبّلوا يده فخلع على الأمير بيبرس وسلّار، ثم سأل الأمراء السلطان أن يركب فى أمرائه
стр. 2687
إلى الجبل الأحمر «١» حتّى تطمئنّ قلوب العامّة عليه ويعلموا أنّ الفتنة قد خمدت، فأجاب لذلك. وبات ليلته فى قلق زائد وكرب عظيم لإخراج مماليكه المذكورين إلى القدس.
ثم ركب بالأمراء من الغد إلى قبّة النّصر «٢» تحت الجبل الأحمر، وعاد بعد ما قال لبيبرس وسلار: إنّ سبب الفتنة إنما كان من بكتمر الجوكندار، وذلك أنه رآه قد ركب بجانب الأمير بيبرس الجاشنكير وحادثه فتذكّر غدره به فشقّ عليه ذلك فتلطّفوا به فى أمره؛ فقال والله ما بقيت لى عين تنظر إليه، ومتى أقام فى مصر لا جلست على كرسى الملك أبدا فأخرج من وقته إلى قلعة الصّبيبة «٣» ، واستقرّ عوضه أمير جاندار الأمير بدر الدين بكتوب الفتاح. فلمّا مات سنقر شاه بعد ذلك استقرّ بكتمر الجوكندار فى نيابة صفد عوضه فنقل إليها من الصّبيبة. واجتاز السلطان بخانقاه «٤»
стр. 2688
الأمير بيبرس الجاشنكير داخل باب النصر فرآها فى ممرّه، وكان قد نجز العمل منها فى هذه الأيام، وطلع السلطان إلى القلعة وسكن الحال، والأمراء فى حصر من جهة العامّة من تعصّبهم للسلطان، والسلطان فى حصر بسبب حجر الأمراء عليه وإخراج مماليكه من عنده. واستمرّ ذلك إلى أن كان العاشر من جمادى الآخرة من سنة ثمان وسبعمائة عدّى السلطان الجيزة وأقام حول الأهرام «١» يتصيّد عشرين يوما، وعاد وقد ضاق صدره وصار فى غاية الحصر من تحكّم بيبرس الجاشنكير وسلّار عليه، وعدم تصرّفه فى الدولة من كلّ ما يريد، حتّى إنّه لا يصل إلى ما تشتهى نفسه من المأكل لقلة المرتّب له! فلولا ما كان يتحصّل له من أملاكه وأوقاف أبيه لما وجد سبيلا لبلوغ بعض أغراضه، وطال الأمر عليه سنين، فأخذ فى عمل مصلحة نفسه
стр. 2689
وأظهر أنّه يريد الحجّ بعياله، وحدّث بيبرس وسلّار فى ذلك يوم النصف من شهر رمضان فوافقاه عليه، وأعجب البرجيّة خشداشية بيبرس سفره لينالوا أغراضهم وشرعوا فى تجهيزه، وكتب إلى دمشق والكرك وغزّة برمى الإقامات، وألزم عرب الشرقية بحمل الشّعير، فتهيّأ ذلك، وأحضر الأمراء تقادمهم له من الخيل والجمال فى العشرين من شهر رمضان فقبلها منهم وشكرهم على ذلك. وركب فى خامس عشرين شهر رمضان من القلعة يريد السفر إلى الحجّ، ونزل من القلعة ومعه جميع الأمراء، وخرج العامّة حوله وحاذوا بينه وبين الأمراء، وهم يتباكون حوله ويتأسّفون على فراقه ويدعون له إلى أن نزل بركة الحجّاج. وتعيّن للسفر مع السلطان من الأمراء:
عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ الأستادار، وسيف الدين آل ملك الجوكندار، وحسام الدين قرا لاچين أمير مجلس، وسيف الدين بلبان [المحمدىّ «١» ] أمير جاندار، وعزّ الدين أيبك الرومى السّلاح دار، وركن الدين بيبرس الأحمدىّ، وعلم الدين سنجر الجمقدار، وسيف الدين تقطاى الساقى «٢» ، وشمس الدين سنقر السّعدىّ النقيب؛ ومن المماليك خمسة وسبعون نفرا. وودّعه سلّار وبيبرس بمن معهم من الأمراء، وهم على خيولهم من غير أن يترجّلوا له وعاد الأمراء، فرحل السلطان من ليلته وخرج إلى جهة الصالحيّة «٣» وتصيّد بها، ثم سار إلى الكرك ومعه من الخيل مائة وخمسون فرسا، فوصل إلى الكرك فى يوم الأحد عاشر شوّال بمن معه من الأمراء ومماليكه. واحتفل الأمير جمال الدين آقوش الأشرفى نائب الكرك بقدومه وقام له بما يليق به، وزيّن له القلعة والمدينة، وفتح له باب السّرّ من قلعة الكرك ومدّ الجسر على الخندق، وكان له مدّة سنين لم يمدّ وقد ساس خشبه لطول مكثه.
стр. 2690
فلمّا عبرت الدوابّ عليه وأتى السلطان فى آخرهم انكسر الجسر تحت رجلى فرس السلطان بعد ما تعدّى يدا الفرس الجسر، فكاد فرس السلطان أن يسقط لولا أنهم جبدوا عنان الفرس حتّى خرج من الجسر وهو سالم، وسقط الأمير بلبان طرنا أمير جاندار وجماعة كثيرة، ولم يمت منهم سوى رجل واحد وسقط أكثر خاصّكيّة السلطان فى الخندق وسلموا كلّهم إلا اثنين، وهم: الحاج عزّ الدين أزدمر رأس نوبة الجمداريّة انقطع نخاعه وبطل نصفه وعاش كذلك لسنة ستّ عشرة وسبعمائة، والآخر مات لوقته.
قال ابن كثير فى تاريخه: ولما توسط السلطان الجسر انكسر فسلم من كان قدّامه وقفز به فرسه فسلم، وسقط من كان وراءه وكانوا خمسين فمات أربعة وتهشّم أكثرهم فى الوادى تحته. انتهى.
وقال غيره «١» : لمّا انقطعت سلسلة الجسر وتمزق الخشب صرخ السلطان على فرسه وكان قد نزلت رجله فى الخشب فوثب الفرس إلى داخل الباب، ووقع كلّ من كان على الجسر وكانوا أكثر من مائة مملوك، فوقعوا فى الخندق فمات منهم سبعة وانهشم منهم خلق كثير وضاق صدر السلطان، فقيل «٢» له: هذه شدّة يأتى من بعدها فرج!.
ولمّا جلس السلطان بقلعة الكرك ووقف نائبها الأمير آقوش خجلا وجلا خائفا أن يتوهّم السلطان أن يكون ذلك مكيدة منه فى حقّه، وكان النائب المذكور قد عمل ضيافة عظيمة للسلطان غرم عليها جملة مستكثرة، فلم تقع الموقع لاشتغال
стр. 2691
السلطان بهمّه وبما جرى على مماليكه وخاصّكيّته. ثم إنّ السلطان سأل الأمير آقوش عن الجسر المذكور فقال: ما سبب انقطاعه؟ فقال آقوش بعد أن قبّل الأرض: أيّد الله مولانا السلطان، هذا الجسر عتيق وثقل بالرجال فما حمل، فقال السلطان: صدقت، ثم خلع عليه وأمره بالانصراف. وعند ما استقرّ السلطان بقلعة الكرك عرّف الأمراء أنّه قد انثنى عزمه عن الحجّ، واختار الإقامة بالكرك وترك السلطنة، وخلع نفسه ليستريح خاطره.
وقال ابن كثير: لمّا جرى على السلطان ما جرى واستقرّ فى قلعة الكرك خلع على النائب، وأذن له فى التوجّه إلى مصر فسافر.
وقال صاحب النّزهة: لمّا بات السلطان تلك اللّيلة فى القلعة وأصبح طلب نائب الكرك وقال له: يا جمال الدّين، سافر إلى مصر واجتمع بخشداشيتك فباس الأرض، وقال: السمع والطاعة، ثم إنّه خرج فى تلك الساعة بمماليكه وكلّ من يلوذ به. ثم بعد ثلاثة أيام نادى السلطان بالقلعة والكرك لا يبقى هنا أحد لا كبير ولا صغير حتّى يخرج فيجيب ثلاثة أحجار من خارج البلد، فخرج كلّ من بالقلعة والبلد.
ثم إنّ السلطان أغلق باب الكرك ورجعت الناس ومعهم الأحجار فرأوا الباب مغلقا فقيل لهم: كلّ من له أولاد أو حريم يخرج إليه ولا يبقى أحد بالكرك، فخرج الناس بمتاعهم وأولادهم وأموالهم، وما أمسى المساء وفقى فى الكرك أحد من أهلها غيره ومماليكه. ثم طلب مملوكه أرغون «١» الدّوادار وقال له: سر إلى عقبة أيّلة «٢» وأحضر بيتى وأولادى، فسار إليهم أرغون وأقدمهم عليه. ووجد الملك الناصر من الأموال
стр. 2692
بالكرك سبعة وعشرين ألف دينار عينا، وألف ألف درهم وسبعمائة ألف درهم.
ثم إنّ السلطان طلب الأمراء الذين قدموا معه وعرفهم أنّه اختار الإقامة بالكرك كما كان أوّلا، وأنه ترك السلطنة فشقّ عليهم ذلك وبكوا وقبّلوا الأرض يتضرّعون إليه فى ترك هذا الخاطر وكشفوا رءوسهم فلم يقبل ولا رجع إلى قولهم. ثم استدعى القاضى علاء الدين «١» على بن أحمد بن سعيد بن الأثير كاتب السرّ، وكان قد توجّه معه، وأمره أن يكتب للأمراء بالسلام عليهم، ويعرّفهم أنّه قد رجع عن الحجّ وأقام بالكرك ونزل عن السلطنة، وسألهم الإنعام عليه بالكرك والشّوبك؛ وأعطى الكتب للأمراء وأمرهم بالعودة إلى الديار المصريّة، وأعطاهم الهجن التى كانت معه برسم الحجّ، وعدّتها خمسمائة هجين والجمال والمال الذي قدّمه له الأمراء برسم التّقدمة قبل خروجه من القاهرة، فساروا الجميع إلى القاهرة.
وأمّا إخراج السلطان أهل قلعة الكرك منها لأنّه قال: أنا أعلم كيف باعوا الملك السعيد بركة خان ابن الملك الظاهر بيبرس بالمال لطرنطاى! فلا يجاوروننى، فخرج كلّ من كان فيها بأموالهم وحريمهم من غير أن يتعرّض إليهم أحد البتّة.
وأمّا النائب آقوش فإنّه أخذ حريمه وسافر إلى مصر بعد أن قدّم ما كان له من الغلال إلى السلطان، وهو شىء كثير، فقبله السلطان منه. فلمّا قدم آقوش إلى مصر قال له سلّار وبيبرس: من أمرك بتمكين السلطان من الطلوع إلى القلعة؟
(يعنى قلعة الكرك) فقال: كتابكم وصل إلىّ يأمرنى بأن أنزل إليه وأطلعه إلى القلعة، فقال: وأين الكتاب؟ فأخرجه، فقالا: هذا غير الكتاب الذي كتبناه فاطلبوا ألطنبغا، فطلبوه فوجدوه قد هرب إلى الكرك عند السلطان فسكتوا عنه. انتهى.
стр. 2693
وأمّا الكتاب الذي كتبه الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك إلى بيبرس وسلّار مضمونه، بسم الله الرحمن الرحيم:
حرس الله تعالى نعمة الجنابين العاليين الكبيرين الغازيين المجاهدين، وفّقهما الله تعالى توفيق العارفين! أمّا بعد فقد طلعت إلى قلعة الكرك وهى من بعض قلاعى وملكى، وقد عوّلت على الإقامة فيها، فإن كنتم مماليكى ومماليك أبى فأطيعوا نائبى (يعنى نائبه سلّار) ولا تخالفوه فى أمر من الأمور، ولا تعملوا شيئا حتّى تشاورونى فأنا ما أريد لكم إلّا الخير، وما طلعت إلى هذا المكان إلّا لأنّه أروح لى وأقلّ كلفة، وإن كنتم ما تسمعون منى فأنا متوكّل على الله والسلام.
فلمّا وصل الكتاب إلى الأمراء قرءوه وتشاوروا ساعة، ثم قاموا من باب القلعة وذهبوا إلى دار بيبرس واتفقوا على أن يرسلوا إلى الملك الناصر كتابا، فكتبوه وأرسلوه مع البروانىّ على البريد، فسار البروانىّ إلى أن وصل إلى الكرك واجتمع بالملك الناصر وقبّل الأرض بين يديه وناوله الكتاب، فأعطاه الملك الناصر لأرغون الدّوادار، فقرأه فتبسّم السلطان وقال: لا إله إلّا الله! وكان فى الكتاب:
ما علمنا ما عوّلت عليه، وطلوعك إلى قلعة الكرك وإخراج أهلها وتشييعك نائبها، [وهذا أمل بعيد «١» ] فخلّ عنك شغل الصّبىّ، وقم واحضر إلينا وإلّا بعد ذلك تطلب الحضور ولا يصحّ لك، وتندم ولا ينفعك النّدم، فياليت لو علمنا ما كان وقع فى خاطرك وما عوّلت عليه، غير أنّ لكلّ ملك انصرام، ولانقضاء الدولة أحكام، ولحلول الأقدار سهام؛ ولأجل هذا أمرك غيّك بالتطويل، وحسّن لك زخرف الأقاويل؛ فالله الله حال وقوفك على هذا الكتاب، يكون الجواب حضورك بنفسك ومعك مماليكك، وإلا تعلم أنّا ما نخلّيك فى الكرك، [ولو كثر شاكروك «٢» ] ويخرج الملك من يدك؛ والسلام.
стр. 2694
فقال الملك الناصر: لا إله إلا الله، كيف «١» أظهروا ما فى صدورهم! ثم أمر بإحضار آلة الملك مثل العصائب والسناجق والكوسات [والهجن «٢» ] وكلّ ما كان معه من آلة الملك وسلّمها إلى البروانىّ، وقال له: قل لسلّار ما أخذت لكم شيئا من بيت المال، وهذا الذي أخذته قد سيرته لكم، وانظروا فى حالكم فأنا ما بقيت أعمل سلطانا، وأنتم على هذه الصورة! فدعونى أنا فى هذه القلعة منعزلا عنكم إلى أن يفرج الله تعالى إمّا بالموت وإمّا بغيره. فأخذ البروانىّ الكتاب وجميع ما أعطاه السلطان وسار إلى أن وصل إلى الديار المصريّة؛ ودفع الكتاب لسلّار وبيبرس، فلما قرأا الكتاب قالا: ولو كان هذا الصبىّ يجيء ما بقى يفلح ولا يصلح للسلطنة، وأىّ وقت عاد إلى السلطنة لا نأمن غدره. فلمّا سمعت الأمراء ذلك اجتمعت على سلطنة الأمير سلّار، فخاف سلّار من ذلك وخشى العاقبة فامتنع، فاختار الأمراء ركن الدين بيبرس الجاشنكير وأكثرهم البرجية فإنّهم خشداشيته. وبويع له بعد أن أثبت كتاب الملك الناصر محمد بن قلاوون على القضاة بالديار المصريّة بأنّه خلع نفسه، وكانت البيعة لبيبرس فى الثالث والعشرين من شوّال من سنة ثمان وسبعمائة فى يوم السبت بعد العصر فى دار سلّار. يأتى ذكر ذلك كلّه فى أوّل ترجمة بيبرس، إن شاء الله تعالى. وكانت مدّة سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون فى هذه المرّة الثانية عشر سنين وخمسة أشهر وتسعة «٣» عشر يوما.
وتأتى بقيّة ترجمته فى سلطنته الثالثة، بعد أن نذكر سلطنة بيبرس وأيّامه، كما نذكر أيّام الملك الناصر هذا قبل ترجمة بيبرس المذكور على عادة هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. والحمد لله وحده.
стр. 2695
السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر، وهى سنة ثمان وتسعين وستمائة، على أن الملك المنصور لاچين كان حكم منها مائة يوم.
فيها كان قتل الملك المنصور حسام الدين لاچين المذكور ومملوكه منكوتمر حسب ما تقدّم.
وفيها فى العشر الأوسط من المحرّم ظهر كوكب ذو ذؤابة فى السماء ما بين أواخر برج الثّور إلى أوّل برج الجوزاء، وكانت ذؤابته إلى ناحية الشمال، وكان فى العشر الأخير من كانون الثانى وهو شهر طوبة «١» .
وفيها توفّى القاضى نظام الدين أحمد ابن الشيخ الإمام العلّامة جمال الدين محمود ابن أحمد بن عبد السلام «٢» الحصيرىّ الحنفىّ فى يوم الخميس ثامن «٣» المحرّم ودفن يوم الجمعة بمقابر الصوفيّة «٤» عند والده، وكان إماما عالما بارعا ذكيّا وله ذهن جيّد وعبارة طلقة مفيدة، ودرّس بالنّورية «٥» وغيرها وأفتى سنين وأقرأ، وناب فى الحكم بدمشق عن قاضى القضاة حسام «٦» الدين الحنفىّ وحسنت سيرته ﵀.
стр. 2696
وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيبك الموصلىّ [المنصورىّ «١» ] نائب طرابلس والفتوحات الطرابلسيّة فى أوّل صفر مسموما. وكان من أجلّ الأمراء وله مواقف مشهورة.
وفيها توفّى قتيلا الأمير سيف الدين طغجى بن عبد الله الأشرفىّ. أصله من مماليك الملك الأشرف خليل بن قلاوون. وقتل أيضا الأمير سيف الدين كرجى.
والأمير نوغاى الكرمونى السلاح دار، وهؤلاء الذين قتلوا السلطان الملك المنصور حسام الدين لاچين ومملوكه منكوتمر، ثم قتلوا بعده بثلاثة أيام حسب ما تقدّم ذكر ذلك كلّه فى آخر ترجمة الملك المنصور لاچين مفصّلا، وقتل معهم تمام اثنى عشر نفرا من الأمراء والخاصّكيّة ممّن تألبّوا على قتل لاچين.
وفيها توفّى الأمير بدر الدين بدر [الحبشىّ «٢» ] الصّوابىّ [الخادم «٣» ] فى ليلة الخميس تاسع جمادى الأولى بقرية الخيارة «٤» ، كان خرج إليها فمرض بها ومات، وقيل بل مات فجأة وهو الأصحّ فحمل منها إلى جبل قاسيون، ودفن بتربته التى أعدّها لنفسه.
وكان أميرا مباركا صالحا ديّنا خيّرا. قال عزّ الدين بن عبد الدائم: أقام أمير مائة ومقدّم ألف أكثر من أربعين سنة، وولى إمرة الحاجّ بدمشق غير مرّة. ﵀.
وفيها توفّى العلّامة حجّة العرب الإمام الأستاذ بهاء الدين أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبىّ النحوىّ المعروف بابن النحّاس، مات بالقاهرة فى يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى وأخرج من الغد، ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الملك المنصور لاچين، ومولده فى سنة سبع وعشرين وستمائة بحلب، وكان إماما عالما علّامة بارعا فى العربيّة، نادرة عصره فى فنون كثيرة. وله نظم ونثر.
стр. 2697
قال العلّامة أثير الدين أبو حيّان «١» : قال حدّثنا الشيخ بهاء الدين ابن النحاس قال: اجتمعت أنا والشّهاب مسعود السنبلىّ والضياء «٢» المناوىّ فأنشد كلّ منا له بيتين، فكان الذي أنشده السّنبلى فى مليح مكارى:
علقته مكاريا ... شرّد عن عينى الكرى
قد أشبه البدر فلا ... يملّ من طول السّرى
وأنشد المناوىّ فى مليح اسمه جمرىّ:
أفدى الذي يكبت بدر الدّجى ... لحسنه الباهر من عبده
سمّوه جمريّا وما أنصفوا ... ما فيه جمرىّ سوى خدّه
وأنشد الشيخ بهاء الدين هذا فى مليح مشروط:
قلت لما شرطوه وجرى ... دمه القانى على الوجه اليقين
غير بدع ما أتوا فى فعلهم ... هو بدر ستروه بالشّفق
قلت: ونظم الثلاثة نظم متوسّط ليس بالطبقة العليا. وأحسن من الأوّل قول من قال:
أفدى مكاريّا تراه إذا سعى ... كالبرق ينتهب العيون ويخطف
أخذ الكرا منّى وأحرمنى الكرى ... بينى وبينك يا مكارى الموقف
وأحسن من الأخير قول من قال، وهو نجم الدين عبد المجيد بن محمد التّنوخىّ:
أنظر إليه وسلّ قل ... بك عن محبته لعلّك
ملك الفؤاد بغير شر ... ط حسنه والشّرط أملك
стр. 2698
غيره فى المعنى:
شرّطوه فبكى من ألم ... فغدا ما بين دمع ودم
ناثرا من ذا ومن ذا لؤلؤا ... وعقيقا ليس بالمنتظم
وفيها توفّى الصاحب تقىّ الدين أبو البقاء [الربعىّ «١» ] توبة بن علىّ بن مهاجر بن شجاع بن توبة التّكريتىّ [المعروف بالبيع «٢» ] فى ليلة الخميس ثامن جمادى الآخرة ودفن بقاسيون. وكان رئيسا فاضلا ولى الوزر بدمشق لخمسة سلاطين: أوّلهم المنصور قلاوون، ثانيهم ابنه الأشرف خليل، ثم لأخيه الناصر محمد، ثم للعادل كتبغا، ثم للمنصور لاچين. انتهى. وكان مولده سنة عشرين وستمائة.
وفيها فى أوّل ذى القعدة وقيل فى شوّال توفّى بالقاهرة الأمير الكبير بدر الدين بيسرى بن عبد الله الشّمسىّ الصالحىّ النّجمىّ بالسّجن بقلعة الجبل، ودفن بتربته «٣» بالقاهرة. كان أميرا جليلا معظّما فى الدّول؛ كان الظاهر بيبرس يقول: هذا ابن سلطاننا فى بلادنا! وعرضت عليه السلطنة لما قتل الملك الأشرف خليل ابن قلاوون فامتنع، وكانت قد عرضت عليه قبل ذلك بعد الملك السّعيد بن الظاهر فلم يقبل، وهو آخر من بقى من أكابر مماليك الملك الصالح نجم الدين أيّوب، وترقّى حتى صار أمير مائة ومقدّم ألف، وعظم فى الدّول حتّى قبض عليه خشداشه المنصور قلاوون وحبسه تسع سنين إلى أن أطلقه ابنه الأشرف خليل وأعاده إلى رتبته، فاستمر إلى أن قبض عليه المنصور لاچين وحبسه إلى أن قتل لاچين، وأعيد الناصر محمد بن قلاوون فكلّموه فى إطلاقه فأبى إلا حبسه إلى أن مات فى الحبّ «٤» . وكانت له
стр. 2699
دار «١» عظيمة ببين القصرين وقد تغيّرت رسومها الآن. وكان عالى الهمّة كثير الصدقات والمعروف، كان عليه فى أيام إمرته رواتب لجماعة من مماليكه وحواشيه وخدمه، فكان يرتّب لبعضهم فى اليوم من اللّحم سبعين رطلا وما تحتاج إليه من التّوابل وسبعين عليقة، ولأقلّهم خمسة «٢» أرطال وخمس علائق وما بين ذلك، وكان ما يحتاج إليه فى كلّ يوم لسماطه ولدوره والمرتّب عليه ثلاثة آلاف رطل لحم وثلاثة آلاف عليقة فى كلّ يوم؛ وكانت صدقته على الفقير ما فوق الخمسمائة ولا يعطى أقلّ من ذلك، وكان إنعامه ألف اردبّ غلّة وألف قنطار عسل وألف دينار وأشياء يطول شرحها.
وفى الجملة أنّه كان من أعظم أمراء مصر بلا مدافعة. (وبيسرى: اسم مركب من لفظتين: تركية وعجمية) وصوابه فى الكتابة (پاى سرى) فپاى فى اللغة التركية بالتفخيم هو السعيد، وسرى بالعجمى الرأس، فمعنى الاسم سعيد الرأس.
стр. 2700
قلت: وكان سعيد الرأس كما قيل. وهذا بخلاف مذهب النّجاة فإنّ هذا الاسم عين المسمّى. انتهى.
وفيها توفّى الأستاذ جمال الدين أبو المجد ياقوت بن عبد الله المستعصمىّ الرّومىّ الطّواشىّ صاحب الخطّ البديع الذي شاع ذكره شرقا وغربا، كان خصيصا عند أستاذه الخليفة المستعصم بالله العبّاسىّ آخر خلفاء بنى العبّاس ببغداد، ربّاه وأدّبه وتعهّده حتّى برع فى الأدب، ونظم ونثر وانتهت إليه الرياسة فى الخط المنسوب.
وقد سمّى بهذا الاسم جماعة كثيرة قد ذكر غالبهم فى هذا التاريخ، منهم كتّاب وغير كتّاب، وهم: ياقوت أبو الدرّ [الكاتب «١» مولى أبى المعالى أحمد بن على بن النجار] التاجر الرومى، وفاته بدمشق سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وياقوت الصّقلبىّ الجمالى أبو الحسن مولى الخليفة المسترشد العباسىّ، وفاته سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
وياقوت أبو سعيد مولى أبى عبد الله عيسى بن هبة الله بن النّقّاش، وفاته سنة أربع وسبعين وخمسمائة. وياقوت [بن عبد الله «٢» ] الموصلى الكاتب أمين الدين المعروف بالملكى نسبة إلى أستاذه السلطان ملكشاه السّلجوقىّ، وياقوت هذا أيضا ممن انتشر خطّه فى الآفاق، ووفاته بالموصل سنة ثمانى عشرة وستمائة. وياقوت [بن عبد الله «٣» ] الحموىّ الرومى شهاب الدين أبو الدرّ كان من خدّام بعض التّجّار ببغداد يعرف بعسكر الحموىّ، وياقوت هذا هو صاحب التصانيف والخط أيضا، ووفاته سنة ستّ وعشرين وستمائة. وياقوت [بن عبد الله «٤» ] مهذّب الدّين الرّومى مولى أبى منصور التاجر الجيلىّ، وياقوت هذا كان شاعرا ماهرا وهو صاحب القصيدة التى أوّلها:
إن غاض دمعك والأحباب قد بانوا ... فكلّ ما تدّعى زور وبهتان
следующие страницы →