← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وتوفّى الشيخ جمال الدين أحمد بن هبة الله بن المكين الإسنانى «١» الفقيه الشافعىّ بإسنا، وقد جاوز السبعين سنة فى شوّال. وتوفّى الأمير علاء الدين على ابن أمير حاجب والى مصر وأحد الأمراء العشرات وهو معزول، وكان عنده فضيلة، وعنى بجمع القصائد النبويّة، حتى كمل عنده منها خمسة وسبعون «٢» مجلدا. وتوفّى قاضى القضاة فخر الدين أبو عمرو عثمان «٣» بن علىّ بن عثمان بن علىّ بن عثمان ابن إسماعيل بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب بن علىّ بن هبة الله بن ناجية الشافعىّ المعروف بابن خطيب جبرين «٤» بالقاهرة بالمدرسة المنصورية ليلة السبت السابع والعشرين من المحرّم ودفن بمقابر الصوفيّة. ومولده فى العشر الأخير من شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وستين وستمائة بالحسنية ظاهر القاهرة. وكان بارعا فى الفقه والأصول والنحو والأدب والحديث والقراءات، وتولّى قضاء حلب سنة ست وثلاثين وسبعمائة فتكلّم فيه، فطلبه الملك الناصر وطلب ولده، فروّعهما الحضور قدّامه لكلام أغلظه لهما، فنزلا مرعوبين ومرضا بالبيمارستان المنصورىّ، فمات ولده قبله، وتوفّى هو بعده بيوم أو يومين. وكان عالما، وله عدّة مصنّفات، شرح الشامل

стр. 3117

الصغير، وشرح التعجيز «١» ، و [شرح «٢» ] مختصر ابن الحاجب و [شرح «٣» ] البديع لابن الساعاتى. وقد استوعبنا ترجمته فى المنهل الصافى بأوسع من هذا. وتوفّى الأمير الفقيه علاء الدين أبو الحسن علىّ بن بلبان بن عبد الله الفارسىّ الحنفىّ بمنزله على شاطئ النيل فى تاسع شوّال. ومولده فى سنة خمس وسبعين وستمائة. كان إماما فقيها بارعا محدّثا، أفتى ودرّس وحصّل من الكتب جملة مستكثرة، وصنّف عدّة مصنّفات، ورتّب التقاسيم «٤» والأنواع لابن حبّان «٥» ، ورتّب الطبرانى ترتيبا جيّدا إلى الغاية، وألف سيرة لطيفة للنبىّ ﷺ ، وكتابا فى المناسك جامعا لفروع كثيرة فى المذهب. وتوفّى القاضى فخر الدين محمد بن بهاء الدين عبد الله بن أحمد [بن علىّ «٦» ] المعروف بابن الحلّى بالقدس الشريف. وكان رئيسا، ولى نظر جيش دمشق عدّة سنين. وتوفّى علاء الدين علىّ بن هلال الدولة بقلعة شيزر «٧» بعد ما ولى بالقاهرة عدّة وظائف. وتوفّى الأمير سيف «٨» الدين بيليك بن عبد الله المحسنىّ بطرابلس. وكان من جملة أمرائها «٩» . أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشر أصابع. والله تعالى أعلم.

стр. 3118

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٤٠] السنة الحادية والثلاثون من ولاية الملك الناصر الثالثة على مصر، وهى سنة أربعين وسبعمائة. فيها توفّى الخليفة أمير المؤمنين المستكفى بالله أبو الربيع سليمان ابن الخليفة الحاكم بأمر الله أبى العبّاس أحمد بن الحسن بن أبى بكر الهاشمىّ العباسىّ بمدينة قوص فى خامس شعبان عن ست وخمسين سنة وستة أشهر وأحد عشر يوما. وكانت خلافته تسعا وثلاثين سنة وشهرين وثلاثة عشر يوما. وكان حشما كريما فاضلا. كان أخرجه الملك الناصر إلى قوص لما كان فى نفسه منه لما كان منه فى القيام بنصرة الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير، وتولّى الخلافة من بعده ولده أبو العباس أحمد ولقّب بالحاكم على لقب جدّه بعهد منه إليه. وكان الناصر منع الحاكم من الخلافة وولّى غيره، حسب ما ذكرناه فى ترجمة الملك «١» الناصر، فلم يتم له ذلك وولّى الحاكم هذا. وتوفّى الأمير شمس الدين آق سنقر بن عبد الله شادّ العمائر المنسوبة إليه قنطرة «٢» سنقر على الخليج خارج القاهرة والجامع «٣» بسويقة السبّاعين «٤» على البركة «٥» الناصرية فيما بين القاهرة ومصر. وكانت وفاته بدمشق.

стр. 3119

وتوفّى الأمير علاء الدين علىّ بن حسن المروانىّ «١» والى القاهرة فى ثانى عشرين «٢» رجب بعد ما قاسى أمراضا شنيعة مدّة سنة، وكان ظالما غشوما سفّاكا للدماء، اقترح فى أيام ولايته عقوبات مهولة، منها أنه كان ينعل الرجل فى رجليه بالحديد كما تنعل الخيل. ومنها تعليق الرجل بيديه وتعلّق مقايرات «٣» العلاج فى رجليه فتنخلع أعضاؤه فيموت، وقتل خلقا كثيرا من الكتّاب وغيرهم فى أيام النّشو. ولمّا حملت جنازته وقف عالم كثير لرجمه، فركب الوالى وابن صابر المقدّم حتّى طردوهم ومنعوهم ودفنوه. وتوفّى شرف الدين عبد الوهاب ابن التاج فضل الله المعروف بالنّشو ناظر الخاص الشريف تحت العقوبة فى يوم الأربعاء ثانى «٤» شهر ربيع الآخر. وقد تقدم التعريف بأحواله وكيفية قتله والقبض عليه فى ترجمة «٥» الملك الناصر هذه مفصّلا مستوفى. كان هو وأبوه وإخوته يخدمون الأمير بكتمر الحاجب، ثم خدم النّشو هذا عند الأمير أيدغمش أمير آخور. فلما جمع السلطان فى بعض الأيام كتّاب الأمراء رأى النّشو وهو واقف وراء الجماعة وهو شابّ نصرانىّ طويل حلو الوجه، فاستدعاه وقال له: إيش اسمك؟ قال: النّشو. فقال السلطان: أنا أجعلك نشوى، ورتّبه، مستوفيا، وأقبلت سعادته، فأرضاه فيما ندبه إليه وملأ عينه، واستمر على ذلك حتى استسلمه الأمير بكتمر الساقى وسلّم إليه ديوان سيّدى آنوك ابن الملك الناصر إلى أن توفّى القاضى فخر الدين ناظر الجيش، نقل الملك الناصر شمس الدين موسى ناظر الخاصّ إلى نظر الجيش عوضه، وولّى النشو هذا نظر الخاصّ على ما بيده من ديوان ابن

стр. 3120

السلطان. ووقع له ما حكيناه فى ترجمة الملك الناصر كل شىء فى محلّه. قال الصلاح الصّفدىّ: ولمّا كان فى الاستيفاء وهو نصرانىّ كانت أخلاقه حسنة وفيه بشر وطلاقة وجه وتسرّع لقضاء حوائج الناس، وكان الناس يحبّونه. فلمّا تولّى الخاصّ وكثر الطلب عليه وزاد السلطان فى الإنعامات والعمائر وبالغ فى أثمان المماليك وزوّج بناته واحتاج الى الكلف العظيمة، ساءت أخلاق النّشو وأنكر من يعرفه، وفتح أبواب المصادرات. انتهى كلام الصفدىّ باختصار. وتوفّى الشيخ مجد الدين أبو بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز السّنكلونىّ «١» الشافعىّ فى شهر ربيع الأول، وكان فقيها فاضلا، شرح التنبيه فى الفقه، وتولّى مشيخة خانقاه الملك المظفّر بيبرس ودرّس وأفتى. وتوفّى الأمير ركن الدين بيبرس بن عبد الله الأوحدىّ المنصورىّ والى قلعة الجبل فى شهر ربيع الأول. وتوفّى الأمير سيف الدين «٢» أيدمر بن عبد الله الدّوادار بدمشق. وكان أميرا جليلا خيّرا ديّنا. وتوفّى الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله البدرىّ الناصرىّ نائب الكرك، بعد ما عزل عن الكرك ونفى إلى طرابلس فمات بها. وتوفّى شيخ الشيوخ بخانقاه سرياقوس العلّامة مجد الدين أبو حامد موسى بن أحمد بن «٣» محمود الأقصرائى الحنفىّ فى شهر ربيع «٤» الآخر. وكان إماما فقيها بارعا مفتيا.

стр. 3121

وتوفّى الشيخ جمال الدين عبد القاهر بن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن إبراهيم التبريزى الحرّانىّ الشافعىّ. كان فقيها عالما أديبا شاعرا. ومن شعره [قوله دو بيت «١» ] : وجدى وتصبّرى قليل وكثير ... والقلب ومدمعى طليق وأسير والكون وحسنكم جليل وحقير ... والعبد وأنتم غنىّ وفقير وتوفّى الأمير ركن الدين بيبرس الرّكنىّ كاشف الوجه البحرى ونائب الإسكندرية. وكان أصله من مماليك الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير. ﵀. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٤١] سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وهى التى مات فيها الملك الناصر حسب ما تقدّم ذكره. فيها (أعنى سنة إحدى وأربعين) توفّى الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير بدر الدين چنكلى بن البابا فى يوم الرابع والعشرين «٢» من رجب. وكان من أعيان الأمراء، وكان فقيها أديبا شاعرا. وتوفّى الوزير الصاحب أمين الدين أمين الملك أبو سعيد عبد الله بن تاج الرّياسة ابن الغنّام تحت العقوبة مخنوقا فى يوم الجمعة رابع جمادى الأولى، ووزر ثلاث مرّات بالديار المصريّة، وباشر نظر الدولة واستيفاء «٣» الصحبة، وخدم

стр. 3122

فى بيت السلطان من الأيام الأشرفيّة، وتنقّل فى عدّة خدم بمصر ودمشق وطرابلس نصرانيّا ومسلما. ولمّا أسلم حسن إسلامه وتجنّب النصارى، وكان رضىّ الخلق. وتوفّى العلّامة افتخار الدين جابر بن محمد بن محمد الخوارزمىّ الحنفىّ شيخ الجاولية «١» بالكبش «٢» خارج القاهرة فى يوم الخميس سادس عشر المحرم، وكان إماما عالما بارعا فى النحو واللغة شاعرا أديبا مفوّها. وتوفّى القاضى عزّ الدين عبد الرحيم بن نور الدين علىّ بن الحسن «٣» بن محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفرات أحد نوّاب الحكم الحنفيّة فى ليلة الجمعة ثانى عشرين ذى الحجة، وكان فقيها محدثا. وتوفّى الأمير الكبير شمس الدين قراسنقر «٤» المنصورىّ ببلاد مراغة «٥» ، وقد أقطعه إيّاها بو سعيد بن خربندا ملك التتار بمرض الإسهال. وقد أعيا الملك الناصر قتله، وبعث إليه كثيرا من الفداوية «٦» بحيث قتل بسببه نحو مائة وأربعة وعشرين فداويّا ممن كان يتوجّه لقتله فيمسك ويقتل. فلما بلغ السلطان موته قال: والله ما كنت أشتهى موته إلّا من تحت سيفى، وأكون قد قدرت عليه. قلت: وقد مرّ ذكر موت قراسنقر قبل هذا التاريخ «٧» . ولكن الظاهر لى أن الأصحّ المذكور هنا الآن من قرائن ظهرت.

стр. 3123

وتوفّى الأمير سيف الدين بن الحاج قطز بن عبد الله الظاهرىّ أحد أمراء الطّبلخاناه بالديار المصرية، وهو آخر من بقى من مماليك الظاهر بيبرس البندقدارىّ من الأمراء. وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن يوسف المزّىّ «١» الشافعىّ أخو الحافظ «٢» جمال الدين المزّى لأبيه فى يوم الثلاثاء ثالث شهر رمضان «٣» . وتوفّى الشيخ المعتقد عزّ الدين عبد المؤمن بن قطب الدين أبى طالب عبد الرحمن بن محمد بن الكمال أبى القاسم عمر بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن المعروف بابن العجمىّ الحلبىّ الشافعىّ بمصر. كان تزهّد بعد الرياسة، وحج ماشيا من دمشق وجاور بمكة، وكان لا يقبل لأحد شيئا، بل كان يقتات من وقف أبيه بحلب، وكان له مكارم وصدقات وشعر جيّد. وتوفّى الأمير سيف الدين تنكز بن عبد الله الحسامىّ الناصرىّ نائب الشام. كان أصله من مماليك الملك المنصور حسام الدين لاچين. فلمّا قتل لاچين صار من خاصّكيّة الناصر، وشهد معه وقعة وادى الخازندار ثم وقعة شقحب «٤» ، ثم توجّه مع الناصر إلى الكرك. فلما تسلطن الملك الناصر ثالث مرة رقّاه حتى ولّاه نيابة الشام، فطالت مدّته إلى أن قبض عليه السلطان الملك الناصر فى هذه السنة، وقتله بثغر الإسكندرية. وقد مرّ من ذكر تنكز فى ترجمة الملك الناصر الثالثة ما فيه كفاية عن الإعادة هنا؛ لأنّ غالب ترجمة الملك الناصر وأفعاله كانت مختلطة مع أفعال تنكز لكثرة قدومه إلى القاهرة وخصوصيّته عند الناصر من أوّل ترجمته إلى آخرها إلى جين قبض عليه وحبسه. كل ذلك ذكرناه مفصّلا فى اليوم والشهر، وما وجد له

стр. 3124

من الأموال والأملاك. كلّ ذلك فى أواخر ترجمة الملك الناصر. ولمّا ولى الأمير ألطنبغا الصالحىّ نيابة الشام بعد تنكز قال الشيخ صلاح الدين الصفدىّ فى تنكز المذكور أبياتا منها: ألا هل لييلات تقضّت على الحمى ... تعود بوعد للسرور منجّز ليال إذا رام المبالغ وصفها ... يشبّهها حسنا بأيام تنكز أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع إحدى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. والله تعالى أعلم «١» . *** انتهى الجزء التاسع من النجوم الزاهرة، ويليه الجزء العاشر، وأوّله: ذكر ولاية الملك المنصور أبى بكر ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على مصر

стр. 3125

*** تنبيه: التعليقات الخاصة بالأماكن الأثرية والمدن والقرى القديمة وغيرها مع تحديد مواضعها من وضع حضرة الأستاذ العالم الجليل محمد رمزى بك المفتش السابق بوزارة المالية وعضو المجلس الأعلى لإدارة حفظ الآثار العربية. كالتعليقات السابقة فى الأجزاء الماضية. فنسدى إليه جزيل الشكر ونسأل الله جلّت قدرته أن يجزيه خير الجزاء عن خدمته للعلم وأهله. *** ملاحظة: ورد فى ص ٢٨١ س ٨ من الجزء الثامن من هذه الطبعة- قول ابن نباتة المصرى فى الملك المؤيد إسماعيل صاحب حماة-: « أفديه من ملك يكاتب عبده ... الخ» بفتح الهمزة وسكون الفاء من كلمة «أفديه» . وبكسر اللام من كلمة «ملك» . وهذا الضبط قد صرف البيت من بحر الطويل إلى بحر الكامل. وصوابه: «أفدّيه من ملك يكاتب عبده» . ورواية ديوان ابن نباتة: «فديتك من ملك يكاتب عبده»

стр. 3126

استدراكات لحضرة الأستاذ الجليل محمد رمزى بك، مع ملاحظة أن الاستدراكات الخاصة بالأجزاء الثالث والرابع والخامس الواردة فى آخر الجزء السادس فى صفحة ٣٨٠ وما بعدها من وضع حضرته أيضا. باب سعادة سبق أن ذكرت فى تعليقاتى بصفحة ٢٨٠ من الجزء السابع من هذه الطبعة ما يفيد أن باب سعادة أحد أبواب القاهرة القديمة من سورها الغربى كان واقعا فى مكان الباب الغربى للطرقة الفاصلة بين محكمة الاستئناف وبين محافظة مصر بميدان باب الخلق. والصحيح أن باب سعادة كان واقعا فى نفس الوجهة الغربية لمبنى محكمة الاستئناف على بعد عشرة أمتار من شمال الباب الغربى للمحكمة المذكورة. وكانت الطريق التى توصل من هذا الباب إلى داخل المدينة تسير إلى الشرق فى القسم البحرى من مبنى محكمة الاستئناف حتى تتلاقى بمدخل شارع المنجلة، وهو امتداد الطريق التى لا تزال توصل إلى داخل مدينة القاهرة القديمة. وباقى الشرح الوارد بالجزء السابع صحيح. حوض ابن هنس ذكرت فى الحاشية رقم ٤ ص ٢٠٦ من هذا الجزء أن حوض ابن هنس كان واقعا بشارع الحلمية على رأس شارع الهامى باشا، بناء على ما ورد فى كتاب الخطط التوفيقية. وبعد طبع هذه الحاشية رأيت فى خطط المقريزى عند كلامه على حمام الأمير سيف الدين ألدود الجاشنكيرى (ص ٨٥ ج ٢) أن هذا الحمام فى الشارع

стр. 3127

المسلوك خارج باب زويلة تجاه زقاق خان حلب بجوار حوض سعد الدين مسعود ابن هنس. ومن هذا يتضح أن هذا الحوض كان بجوار الحمام المذكور. وبالبحث تبين لى: أوّلا- أن حمام الأمير سيف الدين ألدود لا يزال قائما ويعرف اليوم بحمام الدّود بشارع محمد على عند تقابله بشارع السروجية، وكان باب الحمام يفتح قديما على الشارع المسلوك خارج باب زويلة، وكان بجواره حوض ابن هنس يقع على نفس الشارع فيما بين مدخلى شارع السروجية وشارع الحلمية الآن. ثانيا- أنه لما اختطت الحكومة شارع محمد على وفتحته فى سنة ١٨٧٣ دخل فى طريقه القسم الغربى من الحمام بما فيه الباب الأصلى، ودخلت فيه أيضا الأرض التى كان عليها الحوض، وبذلك زال أثره، ثم فتح للحمام باب جديد هو بابه الحالى الذي فى شارع محمد على. ومن هذا يعلم أن حوض ابن هنس كان واقعا فى محور شارع محمد على غربى المنزل المجاور لحمام ألدود من الجهة البحرية وفى تجاه مدخل شارع على باشا إبراهيم بالقاهرة. مسجد الأمير بكتوت الخازندار ذكرت فى الحاشية رقم ٥ ص ٢١٩ من هذا الجزء أن هذا المسجد هو الذي يعرف اليوم بجامع البلك ببولاق، اعتمادا على الرخامة التى أخرجتها إدارة حفظ الآثار العربية من بين أنقاض هذا الجامع الخرب، ونقش على تلك الرخامة إنشاء الأمير بكتوت لمسجده فى سنة ٧٠٩ هـ. وبعد طبع هذه الحاشية تصادف أن اطلعت على كتاب وقف رضوان بك الفقارى المحرر فى ٨ ربيع الأوّل سنة ١٠٥٣ هـ فعلمت منه أن وقف البدرى بكتوت وهو الأمير بكتوت المذكور كان واقعا خارج باب زويلة بالخضريين على يسار السالك طالبا سوق سفل الربع الظاهرى.

стр. 3128

وبما أن المؤلف ذكر أن المسجد الذي أنشأه بكتوت يقع خارج باب رويلة فلا بدّ أن يكون قريبا من وقف رضوان بك المذكور. وبالبحث عن هذا المسجد خارج باب زويلة تبين لى أنه قد زال وليس له أثر اليوم، بدليل أن اللوحة الرخام التى كانت على بابه نقلت من عهد قديم إلى جامع البلك ببولاق ثم إلى دار الآثار العربية بميدان باب الخلق بالقاهرة. دار الأمير آقوش الموصلى ذكر المؤلف فى صفحة ٩٤ من هذا الجزء كما ذكر المقريزى فى (ص ٣٠٧ ج ٢) أن هذه الدار هدمت ودخلت فى جامع الأمير قوصون الناصرى. وقد كتبنا على تلك الحاشية رقم ٣ من هذه الصفحة. وهذه الحاشية ملغاة ولا لزوم لها. مدارس وجوامع أخرى يلاحظ القارئ أن مؤلف هذا الكتاب قد خص الملك الناصر محمد بن قلاوون بذكر ما أنشئ فى عصره من العمارات والمنافع العامة على اختلاف أنواعها، سواء أكانت من إنشائه خاصة أم من إنشاء رجال دولته، ومع ذلك فإن المؤلف ترك بعض المساجد مما لا يقل شأنا عما ذكره. لهذا رأيت إتماما للفائدة من هذا الحصر أن أذكر طائفة مما تركه المؤلف من الجوامع والمدارس التى هى من منشآت عصر الملك الناصر فى القاهرة. وهى: (١) المدرسة القراسنقرية. أنشأها الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة سنة ٧٠٠ هـ (المقريزى ص ٣٨٨ ج ٢) . ومكانها اليوم مدرسة الجمالية الابتدائية بشارع الجمالية بقسم الجمالية.

стр. 3129

(٢) المدرسة السعدية. أنشأها الأمير شمس الدين سنقر السعدى نقيب المماليك السلطانية فى سنة ٧١٥ هـ (المقريزى ص ٣٩٧ ج ٢) . ولا تزال قائمة إلى اليوم بشارع السيوفية، وكانت مستعملة أخيرا تكية للمولوية بقسم الخليفة. (٣) المدرسة المهمندارية. أنشأها الأمير شهاب الدين أحمد بن آقوش العزيزى المهمندار ونقيب الجيوش فى سنة ٧٢٥ هـ (المقريزى ص ٣٩٩ ج ٢) . ولا تزال قائمة إلى اليوم باسم جامع المهمندار بشارع التبانة بقسم الدرب الأحمر. (٤) المدرسة الملكية. أنشأها الأمير الحاج سيف الدين آل ملك الجوكندار الناصرى فى سنة ٧١٩ هـ، كما هو ثابت بالنقش على بابها، وذكرها المقريزى فى خططه (ص ٣٩٢ ج ٢) . ولا تزال قائمة إلى اليوم باسم جامع الجوكندار بشارع أم الغلام بقسم الجمالية بالقاهرة. وتسميه العامة زاوية حالومة، وهو رجل مغربى طالت خدمته لهذا المسجد فعرف به. (٥) جامع ابن غازى. أنشأه نجم الدين بن غازى دلال المماليك فى سنة ٧٤١ هـ (المقريزى ص ٣١٣ ج ٢) . ومكانه اليوم الجامع المعروف بجامع الشيخ نصر بشارع درب نصر ببولاق. (٦) جامع ابن صارم. أنشأه محمد بن صارم شيخ بولاق. ذكره المقريزى (ص ٣٢٥ ج ٢) ، ولم يذكر تاريخ إنشائه، ولكن إبراهيم بن مغلطاى ذكره فى منشآت عصر الملك الناصر محمد بن قلاوون. ومكانه اليوم الجامع المعروف بجامع الشيخ عطية بدرب نصر ببولاق.

стр. 3130

(٧) جامع الشيخ مسعود. ذكره المقريزى فى خططه عند الكلام على سويقة العياطين (ص ١٠٧ ج ٢) فقال: إن الذي أنشأه هو الشيخ مسعود بن محمد بن سالم العياط فى سنة ٧٢٨ هـ. ولا يزال هذا المسجد قائما إلى اليوم باسم جامع الشيخ مسعود بعطفة الشيخ مسعود بدرب الأقماعية بقسم باب الشعرية. (٨) جامع فلك الدين فلك شاه. يستفاد مما هو منقوش فى لوح من الرخام مثبت بأعلى محراب هذا المسجد أن الذي أنشأه هو الأمير فلك الدين فلك شاه بن دادا البغدادى فى سنة ٧٢٠ هـ. ومن هذا التاريخ يتبين أنه من منشآت عصر الملك الناصر محمد بن قلاوون. ولا يزال هذا الجامع موجودا، ويعرف بجامع الجنيد بشارع الدوب الجديد بقسم السيدة زينب، وينسب إلى الشيخ على الجنيد المدفون فيه.

стр. 3131

[الجزء العاشر] بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحابته والمسلمين الجزء العاشر من كتاب النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة [ما وقع من الحوادث سنة ٧٤٢] ذكر ولاية الملك المنصور أبى بكر ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على مصر هو السلطان الملك المنصور سيف الدين أبو بكر ابن السلطان الملك الناصر أبى المعالى محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون. جلس على تخت الملك بالإيوان «١» من قلعة الجبل بعهد من أبيه إليه صبيحة توفّى والده، وهو يوم الخميس حادى عشرين ذى الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ولقّبه الأمراء الأكابر بالملك المنصور على لقب جدّه. والمنصور هذا هو الثالث عشر من ملوك الترك بديار مصر، والأوّل من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون، واتّفق الأمراء على إقامة الأمير سيف الدين طقزدمر الحموىّ، حمو الملك المنصور هذا فى نيابة السلطنة بديار مصر كونه من أكابر الأمراء، وأيضا صهر السلطان، ويكون الأمير قوصون الناصرىّ مدبّر المملكة، ورأس المشورة، ويشاركه فى الرأى الأمير بشتك الناصرىّ، وتمّ ذلك ورسم بتجهيز التشاريف والخلع إلى نوّاب البلاد الشاميّة على يد الأمير قطلوبغا الفخرىّ، ورسم له بتحليف الأمراء والنوّاب بالبلاد الشاميّة على

стр. 3132

العادة. ونودى بالقاهرة ومصر أن يتعامل الناس بالفضّة والذهب بسعر الله تعالى، فسّر الناس بذلك، فإنهم كانوا قد امتنعوا من التعامل بالفضة وألّا تكون معاملتهم إلّا بالذهب. ثم أفرج عن بركة الحبش «١» ، وكان النشو قد أخذها من الأشراف، وصار ينفق فيهم من بيت المال. ثم كتب إلى ولاة الأعمال برفع المظالم وألّا يرمى على بلاد الأجناد شعير ولا تبن. ثم فى يوم الخميس ثامن عشرين «٢» ذى الحجّة أنعم الملك المنصور على عشرة أمراء بإمرة طبلخاناه. ثم جمع القضاة فى يوم السبت سلخه فى جامع «٣» القلعة للنظر فى أمر الخليفة الحاكم بامر الله أحمد بن أبى الربيع سليمان وإعادته إلى الخلافة، وحضر معهم الأمير طاجار الدّوادار فاتّفقوا على إعادته لعهد أبيه إليه بالخلافة بمقتضى مكتوب ثابت على قاضى قوص «٤» . ثم فى يوم الاثنين ثانى المحرّم سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة خلع السلطان على جميع الأمراء المقدّمين فى الموكب بدار العدل «٥» ، وطلع القضاة وجلس الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد على الدرجة الثالثة من تخت السلطان، وعليه خلعة خضراء وفوق عمامته طرحة سوداء مرقومة بالذهب، ثم خرج السلطان من باب السرّ «٦» على العادة إلى الإيوان فقام له الخليفة والقضاة ومن كان جالسا من الأمراء، وجلس على

стр. 3133

الدرجة الأولى دون الخليفة، وقام الخليفة وافتتح الخطبة بقوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ . ثم أوصى الأمراء بالرفق بالرعية وإقامة الحق وتعظيم شعائر الإسلام ونصرة الدين، ثم قال: فوّضت إليك جميع أحكام المسلمين، وقلّدتك ما تقلّدته من أمور الدين. ثم تلا قوله تعالى: [إِنَّ «١» الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ] (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً. وجلس فجىء فى الحال بخلعة سوداء فألبسها الخليفة السلطان بيده، ثم قلّده سيفا عربيّا، وأخذ القاضى علاء الدين علىّ بن فضل الله كاتب السرّ فى قراءة عهد الخليفة للسلطان حتّى فرغ منه، ثم قدّمه إلى الخليفة فكتب عليه، ثم كتب بعده قضاة القضاة بالشهادة عليه، ثم قدّم السّماط فأكلوا وانقضت الخدمة. ثم قدم الأمير بيغرا فى يوم الخميس خامس المحرّم من عند الأمير أحمد ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وقد حلّفه بمدينة الكرك لأخيه السلطان الملك المنصور هذا، ففرح الناس بذلك. ثم فى يوم الأحد ثامن المحرّم قبض على الأمير بشتك الناصرىّ، وذلك أنه طلب أن يستقرّ فى نيابة الشام، ودخل على الأمير قوصون وسأله فى ذلك وأعلمه أنّ السلطان كان قبل موته وعده بها وألحّ فى سؤاله، وقوصون يدافعه ويحتّج عليه بأنه قد كتب إلى الأمير ألطنبغا الصالحىّ نائب دمشق تقليدا باستمراره فى نيابة

стр. 3134

دمشق على عادته ولا يليق عزله سريعا، فقام عنه بشتك وهو غير راض، فإنه كان قد توهّم من قوصون وخشى منه على نفسه وطلب الخروج من ديار مصر لما كان بينهما قديما من المنافرة، ولأنّ قوصون صار الآن متحكّما فى الدولة، فلمّا خرج بشتك من عند قوصون وهو غير راض سعى بخاصّكيّة السلطان وحمل إليهم مالا كثيرا فى السرّ، وبعث إلى الأمراء الكبار وطلب منهم المساعدة، فما زالوا بالسلطان حتى أنعم عليه بنيابة الشام وطلب الأمير قوصون وأعلمه بذلك فلم يوافقه، وقرّر مع السلطان أنه يحدّث الأمراء فى ذلك ويعدهم بأنه يولّى بشتك إذا قدم الأمير قطلوبغا الفخرىّ من تحليف نائب الشام وبنسخة اليمين، فلمّا دخل الأمراء عرّفهم السلطان طلب بشتك بنيابة الشام فأخذوا فى الثناء عليه والشكر منه، فاستدعاه وطيّب خاطره ووعده بها عند قدوم الفخرىّ، ورسم له بأن يتجهز للسفر، فظن بشتك أن ذلك صحيح، وقام مع الأمراء من الخدمة، وأخذ فى عرض خيوله وبعث لكل من أكابر الأمراء المقدّمين ما بين ثلاثة أرؤس إلى رأسين بالقماش المذهب الفاخر، وبعث معها أيضا الهجن، ثم بعث إلى الأمراء الخاصّكيّة مثل ملكتمر الحجازىّ وألطنبغا الماردانىّ شيئا كثيرا من الذهب والجوهر واللؤلؤ والتحف. وفرّق عدّة من الجوارى فى الأمراء بحيث إنه لم يبق أحد من الأمراء إلا وأرسل إليه. ثم فرّق على مماليكه وأجناده وأخرج ثمانين جارية بعد ما شوّرهنّ بالأقمشة والزراكش وزوجهنّ. وفرّق من شونته على الأمراء اثنى عشر ألف إردب غلة. وزاد بشتك فى العطاء حتى وقع الإنكار عليه واتّهمه السلطان والأمير قوصون بأنه يريد الوثوب على السلطان وعملوا هذا من فعله حجّة [للقبض «١» ] عليه، وكان ما خصّ الأمير قوصون من تفرقة بشتك فى هذه النّوبة حجرين من حجارة معاصير

стр. 3135

القصب بما فيهما «١» من القنود «٢» والسكر والأعسال والأبقار والغلال والآلات، وخمسمائة فدّان من القصب مزروعة فى أراض ملك له، وغير ذلك، فأدهش الأمراء كثرة عطائه، واستغنى منه جماعة من مماليكه وحواشيه. ولما كثرت القالة فيه بأنّه يريد إفساد الدولة خلا به بعض خواصّه وعرّفه ذلك وأشار عليه بإمساك يده عن العطاء، فقال: هم إذا قبضوا علىّ أخذوا مالى وأنا أحقّ بتفرقته منهم، وإذا سلمت فالمال كثير. هذا وقد قام قوصون فى أمر بشتك المذكور قياما حتّى وافقه السلطان على القبض عليه عند قدوم قطلوبغا الفخرىّ، فأشاع قوصون أنّ بشتك يريد القبض على الفخرىّ إذا حضر فبلغ ذلك بعض خواصّ قطلوبغا، فبعث إليه من تلقّاه وعرّفه بما وقع من تجهيز بشتك وأنّه على عزم من أن يلقاك فى طريقك ويقتلك، فكن على حذر، فأخذ قطلوبغا من الصالحيّة «٣» يحترز على نفسه حتّى نزل سرياقوس «٤» واتّفق من الأمر العجيب أنّ بشتك خرج إلى حوشه بالرّيدانيّة «٥» خارج

стр. 3136

القاهرة ليعرض هجنه وجماله فطار الخبر إلى قطلوبغا أنّ بشتك قد خرج إلى الرّيدانيّة فى انتظارك، فاستعدّ قطلوبغا ولبس السلاح من تحت ثيابه وسار حتّى تلقّاه عدّة كثيرة من مماليكه وحواشيه وهو على أهبة الخروج للحرب، وخرج عن الطريق وسلك من تحت الجبل لينجو من بشتك وقد قوى عنده صحّة ما بلغه، وكان عند بشتك علم من قدومه، فلمّا قرب من الموضع الذي فيه بشتك لاحت له غبرة خيل فحدس بشتك أنّه قطلوبغا الفخرى قد قدم، فبعث إليه أحد مماليكه يبلّغه سلامه وأنّه يقف حتّى يأتيه فيجتمع به، فلمّا بلغ الفخرىّ ذلك زاد خوفه من بشتك، فقال له: سلّم على الأمير وقل له: لا يمكن اجتماعه بى قبل أن أقف قدّام السلطان. ثم بعد ذلك اجتمع به وبغيره، فمضى مملوك بشتك وفى ظن قطلوبغا أنّه إذا بلّغه مملوكه الجواب ركب إليه، فأمر قطلوبغا مماليكه بأن يسيروا قليلا قليلا، وساق هو بمفرده مشوارا واحدا إلى القلعة، ودخل إلى السلطان وبلّغه طاعة النوّاب وفرحهم بأيّامه. ثم أخذ يعرّف السلطان والأمير قوصون وسائر الأمراء بما اتّفق له مع بشتك، وأنّه كان يريد معارضته فى طريقه وقتله فأعلمه السلطان وقوصون بما اتّفقا عليه من القبض على بشتك. فلما كان عصر اليوم المذكور، ودخل الأمراء إلى الخدمة على العادة بالقصر وفيهم الأمير بشتك، وأكلوا السّماط تقدّم الأمير قطلوبغا الفخرىّ والأمير طقزدمر إلى بشتك وأخذا سيفه وكتّفاه وقبض معه على أخيه «١» إيوان وعلى طولوتمر ومملوكين من المماليك السلطانيّة كانا يلوذان ببشتك، وقيّدوا جميعا وسفّروا إلى الإسكندريّة فى اللّيل صحبة الأمير أسندمر العمرىّ وقبض على جميع مماليكه ووقعت الحوطة على موجوده ودوره وتتبّعت غلمانه وحواشيه. وأنعم السلطان من إقطاع بشتك

стр. 3137

على الأمير قوصون بخصوص «١» الشّرق زيادة على ما بيده، وأخذ السلطان المطريّة «٢» ومنية ابن خصيب «٣» وشبرا «٤» ، وفرّق بقيّة الإقطاع على ملكتمر الحجازىّ وغيره من الأمراء. فلمّا أصبحوا يوم الاثنين تاسع المحرّم حملت حواصل بشتك، وهى «٥» من الذهب العين مائتا ألف دينار مصريّة. ومن اللؤلؤ والجواهر والحوائص الذهب والكلفتاه الزّركش شىء كثير جدّا، هذا بعد أن فرّق غالب موجوده حسب ما تقدّم ذكره على الأمراء والمماليك. ثم أخرج السلطان الأمير أحمد شادّ الشّر بخاناه منفيّا إلى طرابلس لميله مع بشتك.

стр. 3138

وفى يوم الخميس أنعم السلطان على أخويه: شعبان ورمضان كلّ واحد بإمرة. وفيه قبض السلطان على الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير بكتمر الحاجب لشىء أوجب ذلك. وفى يوم الاثنين ثالث عشرين المحرّم خلع السلطان الملك المنصور أبو بكر على الأمير طقزدمر الحموىّ بنيابة السلطنة بالديار المصريّة، وكان رشّح لها قبل تاريخه، فلبس الخلعة وجلس فى دست النيابة وحكم وصرّف الأمور. وفى يوم الاثنين سلخه قبض السلطان على الأمير آقبغا عبد الواحد وعلى أولاده، وخلع على الأمير طقتمر «١» الأحمدىّ واستقرّ أستادارا عوضا عن آقبغا المذكور، ورسم للأمير طيبغا المجدىّ والى القاهرة بإيقاع الحوطة على موجود آقبغا، وسلّم ولده الكبير إلى المقدّم إبراهيم بن صابر. وأصبح يوم الثلاثاء أوّل صفر فتحدّث الأمراء أن ينزل فى ترسيم «٢» المجدىّ ليتصرّف فى أمره، فنزل فى صحبة المجدىّ وأخذ فى بيع موجوده، وكان السلطان قد حلف قديما أنّه متى تسلطن قبض عليه وصادره وضربه بالمقارع لأمور صدرت منه فى حقّه أيام والده الملك الناصر. فكان ممّا أبيع لآقبغا عبد الواحد سراويل لزوجته بمائتى ألف درهم فضّة وقبقاب وخفّ وسرموجة «٣» بخمسة وسبعين ألف درهم، وثار به جماعة كثيرة من الناس ممن كان ظلمهم فى أيام تحكّمه وطلبوا حقوقهم منه وشكوه، فأقسم السلطان لئن لم يرضهم ليسمرنّه على جمل ويشهّره بالقاهرة ففرّق فيهم مائتى ألف درهم حتى سكتوا، وكادت العامة تقتله لولا المجدىّ لسوء سيرته وكثرة ظلمه أيّام ولايته. وفى يوم الأربعاء تاسع صفر قبض السلطان

стр. 3139

على المقدّم إبراهيم بن صابر وسلّمه لمحمد بن شمس [الدين «١» ] المقدّم وأحيط بأمواله، فوجد له نحو سبعين حجرة «٢» فى الجشار «٣» ومائة وعشرين بقرة فى الزرايب ومائتى كبش وجوقتين كلاب سلوقيّة «٤» وعدّة طيور جوارح مع البازداريّة «٥» . ووجد له من الغلال وغيرها شىء كثير. ثم قدم الخبر على السلطان من الأمير طشتمر حمّص أخضر الساقى نائب حلب بخروج ابن دلغادر عن الطاعة وموافقته لأرتنا متملّك الروم على المسير لأخذ حلب، وأنّه قد جمع بأبلستين «٦» جمعا كثيرا، وسأل طشتمر أن ينجده بعسكر من مصر، فتشوّش السلطان لذلك وعوّق الجواب. وفيه رسم السلطان بضرب آقبغا عبد الواحد بالمقارع فلم يمكّنه الأمير قوصون من ذلك فآشتدّ حنق السلطان وأطلق لسانه بحضرة خاصّكيّته فى حقّ قوصون وغيره، وفى ذلك اليوم عقد السلطان نكاحه على جاريتين من المولّدات اللّاتى فى بيت السلطان، وكتب القاضى علاء الدين بن فضل الله كاتب السرّ صداقهما، فخلع عليه السلطان وأعطاه عشرة آلاف درهم، ورسم السلطان لجمال الكفاة ناظر الخاصّ أن يجهّزهما بمائة ألف دينار، فشرع جمال الكفاة فى عمل الجهاز، وبينما هو فى ذلك ركب الأمير قوصون على السلطان بجماعة من الأمراء فى يوم السبت تاسع عشر صفر وخلعوه من الملك فى يوم الأحد عشرينه، وأخرج هو وإخوته إلى قوص «٧» صحبة الأمير بهادر بن «٨» جركتمر.

стр. 3140

وكان سبب خلع الملك المنصور هذا أنّ المنصور كان قرّب الأمير يلبغا اليحياوىّ وشغف به شغفا كثيرا، ونادم الأمير ملكتمر الحجازىّ واختصّ به وبالأمير طاجار الدّوادار وبالأمير قطليجا الحموى وجماعة من الخاصّكيّة، وعكف على اللهو وشرب الخمر وسماع الملاهى فشقّ ذلك على الأمير قوصون وغيره لأنّه لم يعهد من ملك قبله شرب خمر فيما روى، فحملوا الأمير طقزدمر النائب على محادثته فى ذلك وكفّه عنه فزاده لومه إغراء وأفحش فى التّجاهر باللهو، حتى تكلّم به كلّ أحد من الأمراء والأجناد والعامّة، فصار فى الليل يطلب الغلمان لإحضار المغانى، فغلب عليه السّكر فى بعض الليالى فصاح من الشّباك على الأمير أيدغمش أمير آخور: هات لى قطقط «١» ، فقال أيدغمش: ياخوند، ما عندى فرس بهذا الاسم، فتكلّم بذلك السّلاخوريّة «٢» والركابيّة «٣» وتداولته الألسنة. قلت: وأظن قطقط كانت امرأة مغنّية. والله أعلم. فلمّا زاد أمره طلب الأمير قوصون طاجار الدّوادار والشّهابىّ شادّ العمائر، وعنّفهما ووبّخهما وقال لهما: سلطان مصر يليق به أن يعمل مقامات ويحضر إليه البغايا والمغانى! أهكذا كان يفعل والده؟ وعرّفهم أن الأمراء قد بلغهم ذلك وتشوّش خواطرهم، فدخلوا وعرّفوا السلطان كلامه، وزادوا فى القول، فأخذ جلساء الملك المنصور فى الوقيعة فى قوصون والتحدث فى القبض عليه وعلى الأمير

стр. 3141

قطلوبغا الفخرىّ والأمير بيبرس الأحمدىّ والأمير طقزدمر النائب، فنمّ عليهم الأمير يلبغا اليحياوىّ لقوصون، وكان قد استماله قوصون بكثرة العطاء فيمن استمال من المماليك السلطانيّة. وعرّفه أن الاتّفاق قد تقرّر على القبض عليه فى يوم الجمعة وقت الصلاة، فانقطع قوصون عن الصلاة وأظهر أنّ برجله وجعا، وبعث فى ليلة السبت يعرّف بيبرس الأحمدىّ بالخبر ويحثّه على الركوب معه، وطلب المماليك السلطانيّة وواعدهم على الركوب وملأهم بكثرة المواعيد، ثمّ بعث إلى الأمير الحاج آل ملك والأمير چنكلى بن البابا وهؤلاء أكابر الأمراء فلم يطلع الفجر حتّى ركب الأمير قوصون من باب سرّ «١» القلعة بمماليكه ومماليك السلطان وسار نحو الصحراء «٢» ، وبعث مماليكه فى طلب الأمراء فأتاه جركتمر وبهادر وبرسبغا وقطلوبغا الفخرىّ والأحمدىّ وأخذوا آقبغا عبد الواحد من ترسيم طيبغا المجدىّ، فسار معه المجدىّ أيضا، ووقفوا بأجمعهم عند قبّة «٣» النصر ودقّت طبلخاناتهم، فلم يبق أحد من الأمراء حتّى أتى قوصون، هذا والسلطان وندماؤه وخاصّكيّته فى غفلة لهوهم وغيبة سكرهم إلى أن دخل عليهم أرباب الوظائف، وأيقظوهم من نومهم وعرّفوهم مادهوا به، فبعث السلطان طاجار الدوادار إلى الأمير طقزدمر النائب يسأله عن الخبر ويستدعيه، فوجد عنده چنكلى بن البابا والوزير وعدّة من الأمراء المقيمين بالقلعة، فامتنع طقزدمر من الدخول على السلطان، وقال: أنا مع الأمراء حتّى أنظر ما عاقبة هذا الأمر، ثم قال لطاجار: أنت وغيرك سبب هذا، حتى أفسدتم السلطان «٤» بفسادكم ولعبكم، قل للسلطان يجمع مماليكه ومماليك أبيه حوله، فرجع طاجار وبلّغ السلطان ذلك، فخرج السلطان إلى الإيوان وطلب المماليك، فصارت

стр. 3142

كلّ طائفة تخرج على أنّها تدخل إليه فتخرج إلى باب القلّة «١» حتى صاروا نحو الأربعمائة مملوك، وساروا يدا واحدة من باب القلّة إلى باب القلعة «٢» ، فوجدوه مغلقا فرجعوا إلى النائب طقزدمر بعد ما أخرقوا بوالى باب القلعة وأنكروا عليه وعلى من عنده من الأمراء (أعنى عن الأمير طقزدمر) ، فقال لهم طقزدمر: السلطان ابن أستاذكم جالس على كرسىّ الملك وأنتم تطلبون غيره. فقالوا: ما لنا ابن أستاذ، وما لنا أستاذ إلّا قوصون، ابن أستاذنا مشغول عنا لا يعرفنا ومضوا إلى باب القرافة «٣» وهدموا منه جانبا وخرجوا فإذا خيول بعضهم واقفة فركب بعضهم وأردف عدّة منهم ومشى باقيهم إلى قبّة النصر ففرح بهم قوصون والأمراء وأركبوهم الخيول وأعطوهم الأسلحة وأوقفوهم بين أصحابهم، ثم أرسل قوصون الأمير مسعود [بن «٤» خطير] الحاجب إلى السلطان يطلب منه ملكتمر الحجازىّ ويلبغا اليحياوىّ، وهما من أمراء الألوف الخاصّكيّة وطاجار الدّوادار وغيرهم، ويعرّفه أنه أستاذه وأستاذ جميع الأمراء وابن أستاذهم وأنهم على طاعته وإنما يريدون هؤلاء لما صدر منهم من الفساد ورمى الفتن، فطلع الأمير مسعود فوجد السلطان بالإيوان من القلعة، وهم حوله فى طائفة من المماليك فقبّل الأرض وبلّغه الرسالة، فقال السلطان: لا كيد ولا كرامة لهم. وما أسّير مماليكى ومماليك أبى لهم، وقد كذبوا فيما نقلوا عنهم ومهما قدروا عليه يفعلوه، فما هو إلّا أن خرج عنه الأمير مسعود حتى اقتضى رأيه بأن يركب بمن معه وينزل من القلعة ويطلب

стр. 3143

النائب طقزدمر ومن عنده من الأمراء والمماليك ويدقّ كوساته، فتوجه إلى الشّباك وأمر أيدغمش أمير آخور أن يشدّ الخيل للحرب، فأخبره أنه لم يبق فى الإسطبل غلام ولا سايس ولا سلاخورىّ «١» يشدّ فرسا واحدا، فبعث إلى النائب يستدعيه فامتنع عليه، وبعث الأمير قوصون بلك الجمدار وبرسبغا إلى طقزدمر النائب يعلماه «٢» بأنه متى لم يحضر الغرماء إليه وإلا زحف على القلعة وأخذهم غصبا، فبعث طقزدمر إلى السلطان يشير عليه بإرسالهم، فعلم السلطان أنّ النائب وأمير آخور قد خذلاه، فقام ودخل على أمّه فلم يجد الغرماء بدّا من الإذعان، وخرجوا إلى النائب، وهم الأمير ملكتمر الحجازىّ وألطنبغا الماردانىّ ويلبغا اليحياوىّ، وهؤلاء مقدمو الألوف، وأحد خواصّ الملك الناصر محمد بن قلاوون- ﵀ وطاجار الدّوادار والشهابىّ شادّ العمائر وبكلمش الماردينىّ وقطليجا الحموىّ، فبعثهم طقزدمر النائب إلى قوصون صحبة بلك الجمدار وبرسبغا، فلمّا رآهم قوصون صاح فى الحاجب أن يرجّلهم عن خيولهم من بعيد فأنزلوا إنزالا قبيحا وأخذوا حتى أوقفوا بين يدى قوصون، فعنّفهم ووبّخهم وأمر بهم فقيّدوا وعملت الزناجير «٣» فى رقابهم، والخشب فى أيديهم ثم تركهم فى خيم ضربت لهم عند قبّة النصر. واستدعى طقزدمر النائب والأمير چنكلى بن البابا والوزير والأمراء المقيمين بالقلعة والأمير أيدغمش أمير آخور فنزلوا اليه واتّفقوا على خلع الملك المنصور وإخراجه، فتوجّه الأمير برسبغا فى جماعة إلى القلعة وأخرج الملك المنصور وإخوته وهم سبعة نفر، ومع كلّ منهم مملوك صغير وخادم وفرس وبقجة قماش، وأركبهم إلى شاطئ النيل وأنزلهم فى حرّاقة «٤» وسار بهم إلى قوص،

стр. 3144

ولم يترك بالقلعة من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون إلّا كچك، ثم سلّم قوصون الأمراء المقيّدين إلى والى القاهرة، فمضى بهم إلى خزانة «١» شمائل وسجنهم بها إلا يلبغا اليحياوىّ، فإنّه أفرج عنه، وكان يوما عظيما بالديار المصريّة من إخراج أولاد السلطان الملك الناصر على هذه الصورة، وحبس هؤلاء الأمراء الملوك فى خزانة شمائل وتهتّك حرم السلطان على إخراج أولاد الناصر، وكثر البكاء والعويل بالقاهرة، فكان هذا اليوم من أشنع الأيام. وبات قوصون ومن معه ليلة الأحد بخيامهم فى قبّة النصر خارج القاهرة، وركبوا بكرة يوم الأحد العشرين من صفر إلى قلعة الجبل واتّفقوا على إقامة كچك ابن الملك الناصر محمد فى السلطنة، فاقيم وجلس على كرسىّ الملك حسب ما يأتى ذكره فى أوّل ترجمته. وخلع الملك المنصور فى يوم السبت تاسع عشر صفر من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فكانت مدّة ملكه على مصر تسعة وخمسين يوما، ومن حين قلّده الخليفة [ثمانية «٢» و] أربعين يوما، لأنّه لمّا تسلطن كان الخليفة [الحاكم «٣» بأمر الله أحمد بن أبى الربيع سليمان] المستكفى لم يتمّ أمره فى الخلافة، ثم انتظم أمره بعد ذلك فبايع الملك المنصور حسب ما ذكرناه، وخلع الملك المنصور أبو بكر من السلطنة وسلم القلعة بغير قتال مع كثرة من كان معه من خواصّ أمراء أبيه ومماليكه، خذلان من الله تعالى!

стр. 3145

وفى خلعه من السلطنة وإخراجه إلى قوص مع إخوته عبرة لمن اعتبر، فإن والده الملك الناصر محمد بن قلاوون كان أخرج الخليفة أبا الربيع سليمان المستكفى بأولاده وحواشيه إلى قوص منفيّا مرسّما عليه فقوصص الملك الناصر عن قريب فى ذرّيته بمثل ذلك، وأخرج أولاده أعزّ مماليكه وزوج ابنته، وهو قوصون الناصرىّ، فتوجّه الملك المنصور مع إخوته إلى قوص وصحبته بهادر «١» بن جركتمر مثل الترسيم عليه وعلى إخوته، وأقام بها نحو الشهرين، ودسّ عليه قوصون عبد المؤمن متولىّ قوص فقتله وحمل رأسه إلى قوصون سرّا فى أواخر شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وكتموا ذلك عن الناس. فلمّا أمسك قوصون تحقّق الناس ذلك، وجاء من حاقق بهادر أنّه غرّق طاجار الدوادار واستحسّ على قتل المنصور، فطلب عبد المؤمن وقرّر فاعترف فسمّره السلطان الملك الناصر أحمد ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وقد تسلطن بعد أخيه كچك آخذا بدم أخيه الملك المنصور هذا. وكان الملك المنصور سلطانا كريما شابا حمل اليه مال بشتك ومال آقبغا عبد الواحد ومال برسبغا فوهب ذلك جميعه إلى الخاصّكيّة الأمراء من مماليك والده مثل ملكتمر الحجازىّ وألطنبغا الماردانىّ ويلبغا اليحياوىّ وطاجار الدّوادار، وهؤلاء كانوا عظماء أمراء الألوف من الخاصّكيّة وأعيان مماليك الملك الناصر محمد ابن قلاوون وأصهاره وأحبّهم وأحبّوه، فالتهى بهم عن قوصون وقوى بهم بأسه، فخاف قوصون عاقبة أمره وتقرّب خشداشيته إليه فدبّر عليه وعليهم حتّى تمّ له ذلك، وكانت الناس تباشرت بيمن سلطنته، فإنه لمّا تسلص انفعلت الأمور على أحسن

стр. 3146

ما يكون ولم يقع بين الناس خلاف ولا وقع سيف حتّى خالف قوصون، فرموه بأمور وقبائح ودواهى، وادّعوا أنّه كان ينزل هو والمذكورون من مماليك أبيه إلى بحر النيل ويركب معهم فى المراكب وأشياء من ذلك، الله أعلم بصحّتها. ولم يكن مسك بشتك بخاطره ولا عن أمره إلّا مراعاة لخاطر قوصون لما كان بينهما من أيام أستاذهما الملك الناصر محمد من المنافرة. وكان الملك المنصور شابّا حلو الوجه، فيه سمرة وهيف قوام، وكان تقدير عمره ما حول العشرين سنة، وكان أفحل الإخوة وأشجعهم. زوّجه أبوه بنت الأمير سيف الدين طقزدمر الحموىّ. قال الشيخ صلاح الدين الصّفدىّ فى تاريخه: وعمل الناس عزاءه ودار جواره «١» فى الليل بالدّرارك «٢» فى شوارع القاهرة أيّاما، وأبكين الناس وتأسّفوا عليه لأنّه خذل، وعمل عليه وأخذ بغتة، وقتل غضّا طريّا، ولو استمرّ لجاء منه ملك عظيم، كان فى عزمه ألّا يغيّر قاعدة من قواعد جدّه الملك المنصور قلاوون، ويبطل ما كان أحدثه أبوه من إقطاعات العربان وإنعاماتهم، وغير ذلك. انتهى كلام الصلاح الصّفدىّ باختصار. وأمّا أمر بشتك وحبسه فإنه كان من أجلّ مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان ثقل عليه فى أواخر أمره، فإنه لمّا مات بكتمر الساقى ورثه فى جميع أمواله «٣» ، فى داره وإسطبله. وتزوّج بامرأته أمّ أحمد بن بكتمر الساقى واشترى جاريته

стр. 3147

خوبى «١» بستة آلاف دينار، وكان معها من القماش ما قيمته عشرة آلاف دينار، وأخذ ابن بكتمر عنده. وكانت الشرقية «٢» تحمى لبكتمر الساقى فحماها هو بعده، فعظم ذلك على قوصون ولم يسعه إلّا السّكات لميل السلطان إليه. وكان مع هذه الرياسة الضخمة غير عفيف الذّيل عن المليح والقبيح، وبالغ فى ذلك وأفرط حتّى فى نساء الفلّاحين وغيرهم. وكان سبب قربه من أستاذه الملك الناصر أنّ الملك الناصر قال يوما فى مبدأ أمره لمجد» الدين السّلّامىّ: أريد أن أشترى لى مملوكا يشبه بو سعيد ابن خربندا ملك التّتار، فقال مجد الدين: دع ذلك، فهذا بشتك يشبهه لا فرق بينهما فحظى عنده لذلك. ولمّا ندبه السلطان لمسك تنكز وتوجّه إلى الشام للحوطة على مال تنكز، ورأى أمر مشق طمع فى نيابتها ولم يجسر يفاتح السلطان فى ذلك، وبقى فى نفسه منها حزازة، فلمّا مرض السلطان وأشرف على الموت ألبس بشتك مماليكه، فإنّه كان بلغه عن قوصون أنّه ألبس مماليكه، ثم انتظم الأمر على أن السلطان جعل ابنه أبا بكر ولىّ عهده، وقد قدّمنا ذكر ذلك كلّه مفصّلا فى أواخر ترجمة الملك الناصر. فلمّا وقع ذلك قال بشتك: لا أوافق على سلطنة أبى بكر، ما أريد إلّا سيّدى أحمد الذي بالكرك. فلمّا مات السلطان وسجّى قام قوصون إلى الشّباك وطلب بشتك وقال له: يا أمير تعال، أنا ما يجيء منّى سلطان، لأنّى كنت أبيع

стр. 3148

الطّسما «١» والكشاتوين «٢» فى البلاد وأنت اشتريت منّى، وأهل البلاد يعرفون ذلك منّى، وأنت ما يجيء منك سلطان، لأنّك كنت تبيع البوزا «٣» ، وأنا اشتريت ذلك منك، وأهل البلاد يعرفون ذلك كلّه، فما يكون سلطانا من عرف ببيع الطسما والبرغالى «٤» ، ولا من عرف ببيع البوزا، وهذا أستاذنا هو الذي أوصى لمن هو أخبر به من أولاده، وهذا فى ذمّته وما يسعنا إلّا امتثال أمره حيّا وميّتا، وأنا ما أخالفك إن أردت أحمد أو غيره، ولو أردت أن تعمل كلّ يوم سلطانا ما خالفتك؛ فقال بشتك: كلّ هذا صحيح، والأمر أمرك، وأحضرا المصحف وحلف كلّ للآخر وتعانقا، ثم قاما إلى رجلى السلطان فقبّلاهما وبكيا، ووضعا ابن السلطان على كرسىّ الملك. وقد تقدم ذكر ذلك كلّه، وتمّ الأمر بينهما على ذلك، حتى بدا لبشتك أن يلى نيابة الشام فعاكسه قوصون فثارت الكمائن والضغائن القديمة بينهما حتى وقع ما حكيناه، وأمسك بشتك واعتقل بالإسكندريّة إلى أن قتل فى محبسه بالإسكندرية بعد أيام فى سلطنة الملك الأشرف كچك ابن الملك النّاصر محمد بن قلاوون فى شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعين المذكورة، حسب ما يأتى ذكره. وبشتك هذا أوّل من أمسك من أمراء الدولة الناصريّة. وكان كريما مهابا، كان يذبح فى سماطه فى كل يوم خمسين رأسا من الغنم وفرهما لا بدّ منه، خارجا عن الدجاج والإوز والحلوى. انتهى ترجمة الملك المنصور أبى بكر بن محمد بن قلاوون. رحمه الله تعالى.

стр. 3149

ذكر ولاية الملك الأشرف علاء الدين كچك «١» على مصر هو السلطان الملك الأشرف علاء الدين كچك ابن السلطان الملك الناصر، ناصر ناصر الدين أبى المعالى محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفىّ الصالحىّ النّجمىّ. جلس على تخت الملك باتّفاق الأمراء بعد خلع أخيه أبى بكر ابن الملك الناصر محمد فى يوم الاثنين حادى عشرين صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وركب بشعار السلطنة ولقّب بالملك الأشرف ولم يكمل له من العمر خمس سنين، وقيل كان عمره دون سبع سنين. وأمّه أمّ ولد تسمّى أردو تركيّة الجنس وهو السلطان الرابع عشر من ملوك الترك بديار مصر، والثانى من أولاد الملك الناصر محمد ابن قلاوون. ولمّا تمّ أمره فى السلطنة جلس الأمراء واشتوروا فيمن يقيموه «٢» فى نيابة السلطنة فرشّح الأمير أيدغمش أمير آخور فامتنع أيدغمش من ذلك فوقع الاتفاق على الأمير قوصون الناصرىّ فأجاب وشرط على الأمراء أن يقيم على حاله فى الأشرفية «٣» من القلعة ولا يخرج منها إلى دار النيابة «٤» خارج باب القلّة من القلعة، فأجابوه الأمراء

стр. 3150

إلى ذلك، فاستقرّ من يومه فى النيابة، وتصرّف فى أمور المملكة، والسلطان آلة فى السلطنة، فقال فى ذلك بعض شعراء العصر: سلطاننا اليوم طفل والأكابر فى ... خلف وبينهم الشيطان قد نزغا فكيف يطمع من تغشيه «١» مظلمة ... أن يبلغ السّؤل والسلطان ما بلغا ثم اتّفقت الأمراء على إخراج الأمير ألطنبغا الماردانىّ من الحبس فأخرج من يومه. وفى ليلة الأربعاء ثالث عشرين صفر أخرج الأمير قطلوبغا الحموىّ وطاجار الدّوادار وملكتمر الحجازىّ والشّهابىّ شادّ العمائر من حبس خزانة شمائل بالقاهرة، وحملوا إلى ثغر الإسكندريّة فسجنوا بها. وتوجّه الأمير بلك الجمدار على البريد إلى حلب لتحليف النائب طشتمر الساقى المعروف بحمّص أخضر والأمراء، وتوجّه الأمير بيغر إلى دمشق بمثل ذلك إلى نائبها الأمير ألطنبغا الصالحىّ، وتوجّه الأمير جركتمر بن بهادر إلى طرابلس وحماة لتحليف نوّابها والأمراء، وكتب إلى الأعمال بإعفاء الجند عن المغارم. ثم ركب الأمير قوصون فى يوم الخميس رابع عشرينه فى دست النيابة، وترجّل له الأمراء ومشوا فى خدمته، وأخذ وأعطى وأنفق على

стр. 3151

الأمراء لكلّ أمير مائة ومقدّم ألف: ألف دينار، ولكلّ أمير طبلخاناه خمسمائة دينار؛ ولكلّ أمير عشرة مائتى دينار، ولكلّ مقدّم حلقة خمسين دينارا، ولكلّ جندى خمسة عشر دينارا. ثم فى يوم [السبت «١» ] سادس عشرينه سمّر قوصون ولىّ الدولة أبا الفرج ابن خطير صهر النّشو، وكان قد توصّل إلى الملك المنصور بسفارة أستاذه ملكتمر الحجازىّ، ووقع منه أمور حقدها عليه قوصون لوقتها، ولمّا سمّر أشهر على جمل بمصر والقاهرة وقد أشعلت الشموع بالحوانيت والشوارع ودقّت الطبول وفرح الناس بتشهيره فرحا زائدا لأنّه كان ممّن بقى من حواشى النّشو وأصهاره، وفيه يقول الأديب جمال الدين إبراهيم «٢» المعمار: قد أخلف النّشو صهر سوء ... قبيح فعل كما تروه أراد للشرّ فتح باب ... فأغلقوه وسمّروه ولمّا كان يوم الخميس مستهلّ شهر ربيع الأوّل من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة أنعم قوصون على أحد وعشرين مملوكا من المماليك السلطانية بإمريات: منهم ستة طبلخاناه والبقيّة عشرات. وفى رابع عشر شهر ربيع الأوّل توجّه الأمير طوغان لإحضار الشهابىّ أحمد ابن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك محتفظا به لينفى إلى أسوان «٣» . وسبب ذلك أنّه ورد كتاب ملكتمر السّرجوانى نائب الكرك يتضمن أنّ أحمد المذكور خرج عن طوعه وكثر شغفه بشباب أهل الكرك وانهماكه فى معاقرة الخمر، وأنّه يخاف على نفسه منه أن يوافق الكركيين على قتله وطلب الإعفاء

стр. 3152

من نيابة الكرك. ثمّ فى يوم السبت سابع «١» عشر شهر ربيع الأوّل المذكور خلع على الأمير طقزدمر الحموىّ نائب السلطنة بديار مصر بنيابة حماة عوضا عن الملك الأفضل ابن الملك المؤيّد الأيّوبى، وأنعم على الملك الأفضل بتقدمة ألف بدمشق، وأنعم على الأمير آقبغا عبد الواحد بإمرة بدمشق، ورسم لسفره [إليها «٢» ] . وفى يوم الخميس ثانى عشرينه جلس السلطان الملك الأشرف كچك على تخت الملك وخلع على جميع الأمراء وأرباب الدولة بدار العدل. وقبّل الأمراء الأرض بين يديه ثم تقدّموا إليه على قدر مراتبهم وقبّلوا يده فكان عدّة الخلع فى هذا اليوم ألفا ومائتى خلعة. ثم فى تاسع عشرينه ورد كتاب الشهابىّ أحمد ابن الملك الناصر محمد من الكرك بأنه لا يحضر إلى القاهرة حتى يأتيه أكابر الأمراء إلى الكرك ويحلّفهم، ثم يحضر إخوته من بلاد الصعيد إلى قلعة الكرك، ويحضر بعد ذلك، وينتصب سلطانا فأجيب بأنه لم يطلب إلّا لشكوى النائب منه، وجهّزت له هدّية سنّية، وأنّه يحضر حتى تعمل المصلحة، فلم يكن بعد أيّام إلّا وحضر الأمير ملكتمر السّرجوانىّ نائب الكرك إلى القاهرة فى يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر، وأخبر الأمير قوصون وغيره بامتناع الشهابىّ أحمد من الحضور، وأنّه أقام على الخلاف، فاجتمع الأمراء بالقصر فى يوم الجمعة خامس عشرة للمشورة فى أمر أحمد المذكور، حتّى تقرّر الأمر على تجريد العساكر لأخذه. ثم فى يوم السبت سادس عشره ابتدأت الفتنة بين الأمير قوصون وبين المماليك السلطانية، وذلك أنّ قوصون أرسل يطلب من مقدّم المماليك مملوكا

стр. 3153

من طبقة الزّمرّذيّة «١» جميل الصورة، فمنعه خشداشيته أن يخرج من عندهم، فتلطّف بهم المقدّم حتّى أخذه ومضى به إلى قوصون فبات عنده، ثم طلب من الغد نحو أربعة مماليك أخر أو خمسة، منهم شيخون «٢» وصرغتمش وأيتمش عبد الغنى، فامتنع خشداشيتهم من ذلك، وقام منهم نحو المائة مملوك، وقالوا: نحن مماليك السلطان، ما نحن مماليك قوصون، وأخرجوا الطواشى المقدّم من عندهم على أقبح وجه، فمضى المقدّم إلى قوصون وعرّفه الحال، فأخرج إليهم قوصون الأمير برسبغا الحاجب وشاورشى دواداره فى عدّة من مماليكه ليأتوه بهم، فإذا بالمماليك قد تعصّبوا مع كبارهم وخرجوا على حميّة يريدون الأمير بيبرس الأحمدىّ، فإذا به راكب، فمضوا إلى بيت «٣» الأمير چنكلى بن البابا فلقوه فى طريقهم؛ فقالوا له: نحن مماليك السلطان مشترى ماله، فكيف نترك ابن أستاذنا ونخدم غيره، من هو مملوك مثلنا فينال غرضه منّا ويفضحنا بين الناس وجهروا له بالكلام الفاحش، فتلطّف بهم چنكلى فلم يرجعوا عما هم عليه فحنق منهم، وقال: أنتم الظالمون بالأمس ولمّا خرجتم قلت لكم: طقزدمر نائب السلطنة: ارجعوا إلى خدمة

стр. 3154

[ابن «١» ] أستاذكم قلتم: ما لنا ابن أستاذ غير قوصون، والآن تشكوا منه! فاعتذروا له ومضوا به؛ وقد حضر الأحمدىّ فاجتمعوا به، وتوجّهوا إلى منكلى بغا الفخرىّ فإذا قد وافاه برسبغا من عند قوصون، فأرادوا أن يوقعوا به فكفّهم الفخرىّ عنه، هذا وقوصون قد بلغه خبرهم، فأراد أن يخرج ويجمع الأمراء فما زال به من عنده حتّى سكن إلى بكرة النهار، فكانت تلك الليلة ليلة مهولة. ثمّ طلب الأمير قوصون چنكلى والأحمدىّ والفخرىّ وبقيّة الأمراء إليه، وأغراهم بالمماليك السلطانيّة وخوّفهم عاقبة أمرهم من استخفافهم بالأمراء، فبعثوا بالأمير مسعود الحاجب إليهم ليحضرهم فإذا جمعهم قد كثف وكثر، فلم يلتفتوا إليه فعاد فخرج إليهم ألطنبغا الماردانىّ وقطلوبغا الفخرىّ وهما أكبر الأمراء الخاصّكيّة من خشداشيتهم، وما زالا بهم حتّى أخذا من وقع عليه الطلب، ودخلوا بهم إلى قوصون، فقبّلوا يده فقام لهم وقبّل رأسهم وطيّب خواطرهم ووعدهم بكلّ خير وانصرفوا، وفى ذهن قوصون أنّه قد حصل الصلح، وذلك فى يوم السبت. فلمّا كان [ليلة «٢» ] الاثنين وقت الغروب تحالف المماليك الناصريّة على قتل قوصون وبعثوا إلى من بالقاهرة منهم، فبات قوصون- وقد بلغه ذلك- على حذر، وركب يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر الموكب مع الأمراء تحت القلعة، وطلب أيدغمش أمير آخور، وأخذ قوصون يلوم الأمراء فى إقامته فى نيابة السلطنة، وهم يترضّوه ويعدوه بالقيام معه، فأدركه الأمير بيبرس الأحمدىّ وأعلمه بأنّ المماليك السلطانيّة قد اتفقوا على قتله، فمضى بهم (أعنى الأمراء) إلى جهة قبّة النصر فآرتجّت القلعة وقفلت أبوابها، ولبست

стр. 3155

المماليك السلطانيّة السلاح بالقلعة وكسرو الزّردخاناه «١» السلطانيّة، هذا وقد امتلأت الرّميلة «٢» بالعامّة، وصاحوا يا ناصريّة! نحن معكم، فأجابوهم من القلعة، فأشاروا لهم بالتوجّه إلى بيت «٣» قوصون فتوجّهوا نحوه وكسروا بابه وهجموا عليه، وكسروا من كان يرمى عليهم من أعلى البيت، وبلغ ذلك قوصون، فعاد بمن كان معه، وأوقعوا بالعامّة
следующие страницы →