← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

ومولده فى سنة تسع وأربعين وستمائة. وكان يباشر الإنشاء بمصر ودام على ذلك سنين إلى أن أصابه سهم فى نوبة «١» حمص الكبرى سنة ثمانين وستمائة فى صدغه فعمى منه، وبقى ملازم بيته إلى أن مات. وكان إماما أديبا فاضلا ناظما ناثرا جمّاعا للكتب، خلّف ثمانى عشرة «٢» خزانة كتب نفائس أدبيّة وغيرها. ومن شعره بعد عماه: أضحى وجودى برغمى فى الورى عدما ... وليس لى فيهم ورد ولا صدر عدمت عينى ومالى فيهم أثر ... فهل وجود ولا عين ولا أثر وله أيضا: قال لى من رأى صباح مشيبى ... عن شمالى ولمّتى ويمينى أىّ شىء هذا فقلت مجيبا ... ليل شكّ محاه صبح يقين وله فى شبّابة «٣» : سلبتنا شبّابة بهواها ... كلّ ما ينسب اللبيب إليه كيف لا والمحسّن القول فيها ... آخذ أمرها بكلتا يديه أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٣١] سنة اثنتين وعشرين من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.

стр. 3082

فيها توفّى الأمير شهاب الدين صمغار «١» ابن الأمير شمس الدين «٢» سنقر الأشقر فى ثالث عشر «٣» المحرّم. وكان من جملة أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، وأنعم الملك الناصر بإقطاعه على بهادر [بن أوليا «٤» ] بن قرمان. وكان صمغار المذكور بطلا شجاعا يخافه الملك الناصر، وفرح بموته. وتوفّى الأمير علاء الدين «٥» علىّ ابن الأمير قطلوبك الفخرىّ أحد أمراء العشرات فى سابع عشرين المحرّم، وأنعم بإقطاعه على الزّينى أمير حاجّ ابن الأمير طقزدمر الحموىّ. وتوفّى الأمير سيف الدين منكلى بغا السلاح دار فى يوم الأحد سادس «٦» صفر ودفن خارج باب النصر من القاهرة. وكان أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، وأنعم السلطان بإمرته على الأمير تمربغا السّعدىّ. وكان منكلى بغا المذكور كثير الأكل كثير النكاح، وله فيهما حكايات عجيبة مضحكة. وتوفّى قاضى القضاة بدمشق عزّ الدين أبو عبد الله محمد ابن تقىّ الدين سليمان ابن حمزة بن أحمد بن عمر ابن الشيخ أبى عمر محمد بن أحمد بن قدامة الحنبلىّ الدّمشقىّ بها فى يوم الأربعاء تاسع صفر. وكان ولى قضاء الحنابلة بدمشق بعد القاضى شرف الدين أبى محمد «٧» عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن عبد الغنىّ المقدسىّ إلى أن مات فى هذا التاريخ. وكان عالما فاضلا مشكور السّيرة.

стр. 3083

وتوفّى الأمير قجليس بن عبد الله أمير سلاح فى يوم الثلاثاء خامس عشر صفر، وأنعم السلطان بإقطاعه وهو إمرة مائة على الأمير ساطلمش الجلالى. وكان قجليس المذكور من أعيان أمراء الديار المصرية وأماثلهم. قلت: ولم يكن» أمير سلاح» تلك الأيام فى رتبة أيّامنا هذه. وإنّما كان أمره أنه يحمل سلاح السلطان ويناوله إيّاه فى يوم الحرب وفى عيد النّحر، وكان يجلس حيث كانت منزلته، واستمرّ ذلك إلى أوائل سلطنة الملك الظاهر برقوق حسب ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى فى محلّه. وتوفّى الأمير سيف الدين طرجى «١» بن عبد الله الساقى أمير مجلس فى يوم الأربعاء سادس شهر ربيع الآخر. وكانت وظيفة أمير مجلس يوم ذاك أكبر من وظيفة أمير سلاح، وكان هو الذي يحكم على الجرايحية والحكماء وغيرهم. وتوفّى الشيخ المسند المعمّر بدر الدين أبو المحاسن يوسف بن عمر بن حسّان «٢» ابن أبى بكر بن علىّ الحنفى فى يوم الثلاثاء خامس عشر صفر بالقاهرة، وهو آخر من حدّث عن سبط «٣» السّلفىّ، وكان صار رحلة الناس فى ذلك. وتوفّى الأمير سيف الدين بيغجار «٤» بن عبد الله الساقى أحد أمراء الطبلخاناه بديار مصر، وأنعم الملك الناصر بإقطاعه على الأمير عمر بن أرغون النائب. وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورىّ فى يوم الأربعاء ثامن شهر رجب، وهو أحد أمراء الألوف بالديار المصرية. وكان أميرا شجاعا كريما وجيها فى الدّول.

стр. 3084

وتوفّى الأمير الكبير أرغون بن عبد الله الناصرىّ نائب السلطنة الشريفة ثم نائب حلب، وبها مات فى ليلة السبت ثامن عشر شهر ربيع الأوّل وقيل ربيع الآخر. وأصله من مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب الترجمة. اشتراه وربّاه وأدّبه وتبنّى به وأمره بملازمة الاشتغال، فاشتغل ودأب وبرع وكتب الخطّ المنسوب، وسمع صحيح البخارىّ بقراءة الشيخ أثير الدّين «١» أبى حيّان، وكتب بخطّه صحيح البخارىّ، وبرع فى الفقه وأصوله، وأذن له فى الإفتاء والتدريس. قال الشيخ صلاح الدين الصّفدىّ قال لى الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، كان أرغون يعرف مذهب أبى حنيفة ودقائقه ويقصر فهمه فى الحساب إلى الغاية. قلت: كان قصور فهمه فى الحساب إذ ليس هو بصدده، ولو صرف همّته إلى ذلك لفهمه وعلمه على أحسن وجه. انتهى. ورقّاه أستاذه الملك الناصر لمّا رأى فيه مخايل النّجابة، وجعله دوادارا بعد الأمير بيبرس الدّوادار، ثمّ ولّاه نيابة السلطنة بديار مصر وجعل أمورها كلّها إليه. فدام فى نيابة السلطنة نحو ست عشرة سنة، ثم أخرجه لنيابة حلب. وقد ذكرنا «٢» سبب إخراجه لحلب فى أصل هذه الترجمة. وتولى نيابة حلب بعد عزل الأمير ألطنبغا الصالحىّ، فباشر نيابتها نحو أربع سنين. وهو الذي أمر بحفر نهر الساجور، وأجراه إلى حلب فى سنة إحدى وثلاثين. وكان ليوم وصوله يوم مشهود. وفى هذا المعنى يقول الرئيس شرف الدين أبو عبد الله الحسين [بن سليمان «٣» ] بن ريّان «٤» ﵀:

стр. 3085

لمّا أتى نهر الساجور قلت له ... ماذا التأخّر من حين إلى حين فقال أخّرنى ربّى ليجعلنى ... من بعض معروف سيف الدّين أرغون وقال الشيخ بدر الدين الحسن [بن عمر بن «١» الحسن] بن حبيب فى المعنى أيضا: قد أصبحت الشّهباء تثنى على ... أرغون فى صبح وديجور من نهر الساجور أجرى بها ... للناس بحرا غير مسجور وقد استوعبنا أمر أرغون هذا فى المنهل الصانى أكثر من هذا، إذ هو محلّ الإطناب فى التراجم. وتوفّى تاج الدين إسحاق [بن عبد الكريم «٢» ] ، وكان أوّلا يدعى عبد الوهاب، ناظر الخاصّ الشريف فى يوم الاثنين مستهلّ جمادى الآخرة. وكان أصله من أقباط مصر يخدم فى الدواوين، ثم صار ناظر الدولة، ثم باشر نظر الخاصّ بعد كريم الدين الكبير، فباشر بسكون وحشمة وانجماع «٣» عن الناس مع حسن سياسة إلى أن مات. وتولّى الخاصّ بعده ابنه شمس الدين موسى الذي وقع له مع النّشو ما وقع من العقوبات والمصادرات، ومدّ الله فى عمره إلى أن رأى نكبة النّشو وقتله، على ما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى فى محله من هذا الكتاب على سبيل الاختصار. وقد استوعبنا أمر موسى المذكور فى المنهل الصافى بما فيه عجائب وغرائب، فلينظر هناك. وتوفّى التاجر تاج الدين أبو بكر بن معين الدين محمد بن الدّمامينىّ رئيس تجار الكارم «٤» فى ثالث عشرين جمادى الآخرة، وقد قارب ثمانين سنة، وترك مائة ألف دينار عينا.

стр. 3086

قلت: ولعله يكون والد الدمامينيّة الشاعر والقاضى وغيرهما الآتى ذكرهما. وتوفّى ملك الغرب صاحب فاس [ومرّاكش «١» ] أبو سعيد عثمان بن يعقوب ابن عبد الحق فى ذى الحجة «٢» ، وقام من بعده ابنه السلطان أبو الحسن علىّ. وكانت مدّة عثمان هذا على فاس وغيرها من بلاد الغرب إحدى «٣» وعشرين سنة. وتوفّى الشيخ المسند شرف الدين أبو الحسين أحمد بن فخر الدين عبد المحسن ابن الرّفعة بن أبى المجد العدوىّ. وأبوه عبد المحسن إليه ينسب جامع «٤» ابن الرّفعة بين مصر والقاهرة. وتوفّى الشيخ الإمام العلّامة فخر الدين أبو عمرو عثمان بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان الماردينىّ الحنفى الشهير بالتّركمانىّ فى ليلة السبت حادى عشر رجب. وكان إماما عالما بارعا مفتنّا، تصدّر للإفتاء والتدريس سنين عديدة. وكان معظّما عند الملوك، درّس بالمنصورية «٥» من القاهرة، وشرح «٦» الجامع الكبير، وسمع الكثير، وكان مقدّما على أقرانه فصيح العبارة عالما باللغة والعربية، والمعانى والبيان، شيخ

стр. 3087

السادة الحنفية فى زمانه. وهو والد قاضى القضاة علاء الدين «١» ، والعلّامة تاج الدين «٢» أحمد، وجدّ جمال الدين «٣» عبد الله بن علىّ، وعبد العزيز «٤» بن علىّ. وتخرّج عليه حلائق كثيرة وانتفع به الناس. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. والله أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٣٢] السنة الثالثة والعشرون من ولاية الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. فيها توفّى الأمير «٥» الوزير علاء الدين مغلطاى بن عبد الله الجمالىّ. كان يلقّب بخرز «٦» ، عند نزوله من العقبة «٧» عائدا إلى الديار المصرية فى يوم الأحد سابع عشر المحرّم، فحمل ميّتا إلى القاهرة؛ ودفن بخانقاته «٨» فى يوم الخميس حادى عشرين المحرّم. وكان أصله من مماليك الناصر محمد بن قلاوون صاحب الترجمة، وكان من خواصه وخاصّكيّته، ثم أنعم عليه بإمرة، ثم نقله على إمرة بهادر الإبراهيمى دفعة واحدة وندبه لمهمّاته، ثم ولّاه أستادارا فعظم أمره، ثم نقله إلى الوزارة وحكّمه فى جميع

стр. 3088

المملكة، فحسنت سيرته وساس الناس وأبطل مظالم. وكان جوادا عاقلا عارفا حشما يميل لفعل الخير، انتفع به جماعة كثيرة فى ولايته؛ لأنه كان يأخذ على ولاية المباشرات المال على أيديهم، فقصدهم الناس لذلك. وكان شأنه إذا ولّى أحدا وجاء من يزيد عليه عزله وولّى من زاد بعد أن يعلم أن المعزول قد استوفى ما قام به، ومن لم يستوف ذلك لم يعزله. ولم يصادر أحدا فى مدّة ولايته، وهذا من العجب! ولا ظلم أحدا، بل كانت أيامه مشكورة. وكان المستولى عليه مجد الدين «١» إبراهيم بن لفيتة «٢» . وخلّف الأمير مغلطاى المذكور عدّة أولاد من زوجته بنت الأمير أسندمر كرجى نائب طرابلس. وإليه تنسب المدرسة الجماليّة «٣» بالقرب من درب ملوخيّا داخل القاهرة بالقرب من داره «٤» . وتوفى الملك المؤيّد عماد الدين أبو الفداء إسماعيل صاحب حماة ابن الملك الأفضل علىّ ابن الملك المظفّر «٥» محمود ابن الملك المنصور محمد ابن الملك المنصور عمر ابن شاهنشاه بن أيّوب الأيّوبى فى ثالث «٦» عشرين المحرّم. وتولّى حماة بعده ابنه الملك الأفضل، وقد تقدّم «٧» ذكر قدومه على الملك الناصر وولايته لحماة بعد وفاة أبيه المؤيّد هذا. انتهى. وكان مولد الملك المؤيّد فى جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين وستمائة، وحفظ القرآن العزيز وعدّة كتب، وبرع فى الفقه والأصول والعربية

стр. 3089

والتاريخ والأدب والطّبّ والتفسير والميقات والمنطق والفلسفة مع الاعتقاد الصحيح. وكان جامعا للفضائل، وصار من جملة أمراء دمشق، إلى أن خدم الملك الناصر محمدا عند خروجه من الكرك فى سلطنته الثالثة. فلما تمّ أمره أنعم عليه بسلطنة حماة بعد الأمير أسندمر كرجى- وقد تقدّم ذلك كله فى صدر ترجمة الملك الناصر- وجعله صاحب حماة وسلطانها. وقدم على الناصر القاهرة غير مرّة وحجّ معه وحظى عنده إلى الغاية، حتى إنّ الملك الناصر رسم إلى نوّاب البلاد الشامية بأن يكتبوا له:» يقبّل الأرض» . فصار تنكز مع جلالة قدره يكتب له:» يقبّل الأرض» ، و» بالمقام الشريف العالى المولوىّ السلطانىّ العمادىّ الملكىّ المؤيّدىّ» . وفى العنوان:» صاحب حماة» . ويكتب السلطان الملك الناصر له:» أخوه محمد بن قلاوون، أعزّ الله أنصار المقام الشريف العالى السلطانىّ الملكىّ المؤيّدىّ العمادىّ» بلا مولوىّ. وكان الملك المؤيّد مع هذه الفضائل عاقلا متواضعا جوادا. وكان للشعراء به سوق نافق، وهو ممدوح الشيخ جمال الدين «١» بن نباتة، مدحه بغرر القصائد ثم رثاه بعد موته. ومن جملة مدائحه له: أقسمت «٢» ما الملك المؤيّد فى الورى ... إلّا الحقيقة والكرام مجاز هو كعبة «٣» للفضل ما بين النّدى ... منها وبين الطالبين حجاز ولما مات رثاه بالقصيدة المشهورة التى أوّلها: ما للنّدى ما يلبّى صوت داعيه ... أظنّ أنّ ابن شاد قام ناعيه ما للرّجاء قد اشتدّت مذاهبه ... ما للزمان قد اسودّت نواحيه

стр. 3090

مالى أرى الملك قد فضّت مواقفه ... مالى أرى الوفد قد فاضت مآقيه نعى المؤيّد ناعيه فوا أسفا ... للغيث كيف غدت عنّا غواديه وا روعتا لصباح من رزيّته «١» ... أظنّ أنّ صباح الحشر ثانيه وا حسرتاه لنظمى فى مدائحه ... كيف استحال «٢» لنظمى فى مراثيه أبكيه بالدّرّ من دمعى «٣» ومن كلمى ... والبحر أحسن ما بالدّرّ أبكيه أروى بدمعى ثرى ملك له شيم ... قد كان يذكرها الصّادى فترويه أذيل ماء جفونى بعده أسفا ... لماء وجهى الذي قد كان يحميه جار من الدّمع لا ينفكّ يطلقه ... من كان يطلق بالإنعام جاديه «٤» ومهجة كلّما فاهت بلوعتها ... قالت رزيّة مولاها لها إيه ليت المؤيد لا زادت «٥» عوارفه ... فزاد قلبى المعنّى من تلظّيه [ليت الحمام «٦» حبا الأيام موهبة ... فكان يفنى بنى الدنيا ويبقيه] . ليت الأصاغر يفدى الأكبرون بها ... فكانت الشّهب فى الآفاق تفديه والقصيدة أطول من هذا، تزيد على خمسين بيتا. وله فيه غير ذلك. وقد «٧» تقدّم من ذكره فى المنهل الصافى أشياء أخر لم نذكرها هنا، فلتنظر هناك. ومن شعر الملك المؤيّد فى مليح اسمه حمزة: اسم الذي أنا أهواه وأعشقه ... ومن أعوّذ قلبى من تجنّيه تصحيفه فى فؤادى لم يزل أبدا ... وفوق وجنته أيضا وفى فيه

стр. 3091

وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد ياقوت بن عبد الله الحبشىّ الشاذلىّ تلميذ الشيخ العارف بالله تعالى أبى العباس «١» المرسى فى ليلة الثامن عشر من جمادى الآخرة بثغر الإسكندرية وبها دفن. وكان شيخا صالحا مباركا ذا هيبة ووقار وسمت وصلاح، وله أحوال وكرامات. وقبره «٢» بالإسكندرية يقصد للزيارة. وتوفّى الشيخ الصالح عبد العال خليفة الشيخ أحمد البدوىّ وخادمه بقرية طنتتا «٣» بالغربية من أعمال القاهرة فى ذى الحجة. فكان له شهرة بالصلاح، ويقصد للزيارة والتبرك به؛ ودفن بالقرب من الشيخ «٤» أحمد البدوىّ، الجميع فى موضع واحد، غير أن كلّ مدفن فى محلّ واحد على حدته. وخلفاء مقام الشيخ أحمد البدوىّ من ذريّة أخيه، لم يبلغنا من كراماته شىء. وتوفّى القاضى الرئيس فخر الدين محمد بن فضل الله ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية فى يوم الأحد سادس عشر شهر رجب. قال الشيخ صلاح الدين: كان متأهّلا عمره لما كان نصرانيّا، لما أسلم حكى الشيخ فتح الدين بن سيد الناس عن خاله القاضى شرف الدين بن زنبور قال: [هذا «٥» ] ابن أختى، عمره متعبّدا، لأننا لما كنا نجتمع على الشّراب فى ذلك الدّين يتركنا وينصرف، فنتفقّده

стр. 3092

إذا طالت غيبته فنجده واقفا يصلّى. ولما ألزموه بالإسلام همّ بقتل نفسه بالسيف وتغيّب أيّاما. ثم أسلم وحسن إسلامه إلى الغاية، ولم يقرب نصرانيّا بعد ذلك ولا آواه ولا اجتمع به، وحجّ غير مرّة، وزار القدس غير مرّة. وقيل إنه فى آخر عمره كان يتصدّق فى كلّ شهر بثلاثة آلاف درهم. وبنى مساجد كثيرة بالقاهرة، وعمر أحواضا كثيرة فى الطّرقات، وبنى بنابلس مدرسة وبالرملة بيمارستانا. قال: وأخبرنى القاضى شهاب الدين بن فضل الله أنه كان حنفىّ المذهب، ثم قال: وكان فيه عصبيّة شديدة لأصحابه، وانتفع به خلق كثير فى الدولة الناصرية لوجاهته عند أستاذه وإقدامه عليه. قال الصلاح: أمّا أنا فسمعت السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون يقول يوما فى خانقاة سرياقوس لجندى واقف بين يديه يطلب إقطاعا: لا تطوّل، والله لو أنك ابن قلاوون ما أعطاك القاضى فخر الدين خبزا يعمل أكثر من ثلاثة آلاف درهم. وقد ذكرنا من أحواله أكثر من هذا فى المنهل الصافى. وتوفّى الأمير سيف الدين سوتاى «١» صاحب ديار بكر بالموصل فى هذه السنه. وكان ملكا جليلا ذا رياسة ووقار، وعمّر طويلا، وكان من أجلّ ملوك ديار بكر. وتوفّى شيخ القرّاء فى زمانه برهان الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الربعى الجعبرىّ فى شهر رمضان. وكان من أعيان القرّاء فى زمانه. وتوفى شيخ القراءات أيضا صدر الدين أحمد بن محمد بن عبد الله الدندرىّ «٢» الشافعىّ فى جمادى الآخرة.

стр. 3093

وتوفّى الأمير سيف الدين ألجاى بن عبد الله النّاصرى الدّوادار. كان من مماليك الملك الناصر محمد وجعله دوادارا صغيرا جنديّا مع الأمير أرسلان «١» الدّوادار، فلما توفّى أرسلان استقلّ ألجاى المذكور بالدّواداريّة الكبرى عوضه على إمرة عشرة مدّة سنين، ثم أعطاه إمرة طبلخاناه. قال الإمام خليل بن أيبك فى تاريخه: وأمّا اسمه فى العلامة فما كتب «٢» أحد أحسن منه. وكان خبيرا عارفا عفيفا خيّرا طويل الروح. وكان يحبّ الفضلاء ويميل إليهم ويقضى حوائجهم وينامون عنده ويبحثون ويسمع كلامهم، ويتعاطى معرفة علوم كثيرة. ومع هذا كان لا بدّ فى خطّه أن يؤنّث المذكّر. وعمر له دارا «٣» على الشارع خارج بابى زويلة، غرم على بوّابها مائة ألف درهم، فلم تستكمل حتّى مرض ونزل إليها من القلعة مريضا، فأقام بها إلى أن مات. وولى الدّواداريّة من بعده الأمير صلاح الدين يوسف. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. والله أعلم.

стр. 3094

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٣٣] سنة اربع وعشرين من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. فيها توفى القاضى قطب الدين موسى بن أحمد بن الحسين ناظر جيش دمشق ورئيسها، المعروف بابن شيخ السّلّاميّة «١» عن اثنتين وسبعين «٢» سنة، وكان نبيلا فاضلا وفور الحرمة. وتوفّى القاضى القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الحموىّ الشافعى فى حادى «٣» عشر جمادى الأولى وهو معزول بعد ما عمى. مولده بحماة فى سنة تسع وثلاثين وستمائة، وهو والد قاضى قضاة الديار المصريّة عزّ الدين عبد العزيز بن جماعة. وكان إماما عالما مصنّفا، أخذ النحو عن ابن مالك «٤» ، وأفتى قديما، وعرضت فتواه على الشيخ محيى «٥» الدين النّووىّ فاستحسن ما أجاب به. وتولّى قضاء القدس والخطابة بها. ثم نقل إلى مصر فولّى قضاءها بعد عزل تقىّ الدين ابن بنت «٦» الأعزّ فى أوائل سنة تسعين وستمائة. ثم وقع له أمور حكيناها فى ترجمته فى تاريخنا «المنهل الصافى» . ومن شعره: ارض من الله ما يقدّره ... أراد منك المقام أو نقلك وحيثما كنت ذا رفاهية ... فاسكن فخير البلاد ما حملك

стр. 3095

وتمّم هذه الأبيات الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر، فقال ﵀: وحسّن الخلق واستقم فمتى ... أسأت أحسن ولا تطل أملك من يتّق الله يؤته فرجا ... ومن عصاه ولا يتوب هلك قلت: والبيت الثانى من قول ابن جماعة مأخوذ من قول المتنبّى، ولكن فاته الشّنب، وهو: وكلّ امرئ يبدى «١» الجميل محبّب ... وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب وتوفّى الشيخ الإمام المؤرّخ الفقيه شهاب الدين أبو العبّاس «٢» أحمد بن عبد الوهّاب ابن أحمد بن عبد الوهاب بن عبادة البكرىّ النّويرىّ «٣» الشافعىّ، صاحب التاريخ المعروف «بتاريخ النّويرى» فى يوم الحادى والعشرين من شهر رمضان. كان فقيها فاضلا مؤرّخا بارعا، وله مشاركة جيّدة فى علوم كثيرة وكتب الخطّ المنسوب. قيل إنه كتب صحيح البخارى ثمانى مرّات، وكان يبيع كلّ نسخة من البخارى بخطّه بألف درهم، وكان يكتب فى كل يوم ثلاث كراريس، وتاريخه سمّاه: «منتهى «٤» الأرب، فى علم الأدب» فى ثلاثين مجلدا. رأيته وانتقيته ونقلت منه بعض شىء فى هذا التاريخ وغيره. ومات وهو من أبناء الخمسين. ﵀.

стр. 3096

وتوفّى الأمير سيف الدين بكتمر «١» بن عبد الله الرّكنىّ الساقى الناصرىّ بعد ابنه أحمد بثلاثة أيام فى عاشر «٢» المحرّم وحمل «٣» إلى نخل «٤» فدفن بها، واتّهم الملك الناصر أنّه اغتالهما بالسمّ. وقد تقدّم ذكر ذلك كله مفصلا فى ترجمة «٥» الملك الناصر، غير أنّنا نذكره هنا تنبيها على ما تقدّم ذكره. كان أصل بكتمر من مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، ثم انتقل إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون، لعلّه بالخدم، فإنّ أستاذه المظفر بيبرس كان أمّره عشرة فى أواخر دولته، ولولا [أنه] أعتقه ما أمّره، فعلى هذا يكون عتيق المظفّر. والله أعلم. ويقوّى ما قلته ما سنذكره، وهو أن بكتمر هذا حظى عند الملك الناصر لجمال صورته وجعله ساقيا. وكان غريبا فى بيت السلطان: لأنه لم يكن له خشدش، فكان هو وحده، وسائر لخاصكيّة حربا عليه. وعظمت مكانته عند السلطان حتى تجاوزت الحدّ. قال الصلاح الصّفدىّ: كان يقال: إنّ السلطان وبكتمر لا يفترقان، إما أن يكون بكتمر عند السلطان، وإما أن يكون السلطان عند بكتمر. انتهى كلام الصّفدىّ باختصار.

стр. 3097

قلت: ووقع لبكتمر هذا من العظمة والقرب من السلطان ما لم يقع لغيره من أبناء جنسه. وقد استوعبنا أمره فى «المنهل الصافى» مستوفى، حيث هو كتاب تراجم الأعيان، وليس لذكره هنا إلا الاختصار؛ إذ هذا الكتاب موضوع للإطناب فى تراجم ملوك مصر لا غير، ومهما كان غير ذلك يكون على سبيل الاستطراد والضميمة لحوادث الملك المذكور لا غير، فيكون الاختصار فيما عدا ملوك مصر أرشق، وإلا يطل الشرح فى ذلك حتى تزيد عدّة هذا الكتاب على مائة مجلّد وأكثر. وقد سقنا أيضا من ذكر بكتمر فى أصل ترجمة الملك الناصر قطعة جيّدة فيها كفاية فى هذا الكتاب، فلتنظر هناك. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وثمانى أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٣٤] سنة خمس وعشرين من ولاية الملك الناصر الثالثة على مصر، وهى سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. فيها توفّى الأمير سيف الدين ألماس «١» بن عبد الله الناصرىّ حاجب الحجّاب بالديار المصريّة فى محبسه خنقا فى ليلة ثانى عشر صفر، وحمل من الغد حتّى دفن بجامعه» بالشارع خارج بابى زويلة. وكان من مماليك الناصر محمد، اشتراه ورقّاه وأمّره وجعله جاشنكيره، ثم ولّاه الحجوبيّة، فصار فى محلّ النيابة لشغور منصب النيابة فى أيامه، فكان أكابر الأمراء يركبون فى خدمته ويجلس فى باب القلعة

стр. 3098

وتقف الحجّاب فى خدمته، ولا زال مقرّبا عند السلطان حتّى قبض عليه لأمور بلغته عنه: منها، أنه كان اتّفق مع بكتمر الساقى على قتل السلطان، ومنها محبّته لصبىّ من أولاد الحسينيّة وتهتّكه بسببه، وغير ذلك. ولمّا حبسه السلطان منعه الطعام والشراب ثلاثة أيام ثم خنقه. وقد تقدّم من ذكره فى أصل ترجمة الملك الناصر بعد عوده من الحجاز نبذة أخرى يعرف منها أحواله. وكان ألماس غتميّا لا يعرف بالعربيّة شيئا. وكان كريما ويتباخل خوفا من الملك الناصر. ولمّا مات وجد له أشياء كثيرة. وتوفّى الأمير علم الدين «١» سليمان بن مهنّا بن عيسى ملك العرب وأمير آل فضل فى خامس عشرين ربيع الأوّل، وتولّى الإمرة بعده سيف بن فضل [بن عيسى ابن مهنا «٢» ] . وتوفّى السلطان الملك الظاهر أسد الدّين عبد الله ابن الملك المنصور نجم الدين أيّوب ابن الملك المظفّر يوسف بن عمر [بن علىّ «٣» ] بن رسول متملّك اليمن، بعد ما قبض عليه الملك المجاهد «٤» بقلعة دملوه «٥» ، وصار الظاهر هذا يركب فى خدمة المجاهد، ثم سجنه المجاهد مدّة شهرين وخنقه بقلعة تعزّ «٦» . وتوفّى قاضى حماة نجم الدين عمر بن محمد بن عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد ابن هبة الله بن أحمد المعروف بابن العديم الحلبى الأصل الحنفىّ عن خمس وأربعين سنة، وهو من بيت علم ورياسة وفضل.

стр. 3099

وتوفّى الأمير طغاى تمر بن عبد الله [العمرىّ «١» ] الناصرىّ أحد مماليك الملك الناصر وزوج ابنته فى ليلة الثلاثاء ثامن عشرين شهر ربيع الأوّل. وكان من أجلّ مماليك الناصر وأمرائه وأحد خواصه. وتوفّى الأمير سوسون «٢» بن عبد الله الناصرىّ أحد مقدّمى الألوف بديار مصر وأخو الأمير قوصون فى ليلة الجمعة رابع عشر جمادى الأولى. وتوفّى الشيخ الإمام العالم الحافظ ذو الفنون فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد ابن محمد [بن أحمد «٣» ] بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس اليعمرىّ الإشبيلىّ فى شعبان. كان إماما حافظا مصنّفا، صنّف السّيرة النبويّة وسمّاه «كتاب عيون الأثر «٤» ، فى فنون المغازى والشمائل والسّير» ، ومختصر ذلك سمّاه «نور العيون» «٥» ، وكتاب «تحصيل الإصابة، فى تفضيل الصحابة» و «النّفح «٦» الشّذى، فى شرح جامع التّرمذى» وكتاب «بشرى اللّبيب، بذكرى الحبيب» . وكان له نظم ونثر علامة فيهما حافظا متقنا. ومن شعره قصيدته التى أوّلها: عهدى به والبين ليس يروعه ... صبّا براه نحوله ودموعه لا تطلبوا فى الحبّ ثأر متيّم ... فالموت من شرع الغرام شروعه عن ساكن الوادى- سقته مدامعى- ... حدّث حديثا طاب لى مسموعه

стр. 3100

أفدى الذي عنت البدور لوجهه ... إذ حلّ معنى الحسن فيه جميعه البدر من كلف به كلف «١» به ... والغصن من عطف عليه خضوعه لله «٢» حلوىّ المراشف واللّمى ... حلو الحديث ظريفه مطبوعه دارت رحيق لحاظه «٣» فلنا بها ... سكر يحلّ عن المدام صنيعه يجنى فأضمر عتبه فإذا بدا ... فجماله ممّا جناه شفيعه وتوفّى الأمير قرطاى «٤» بن عبد الله الأشرفىّ نائب طرابلس، وقد جاوز ستين سنة فى ثامن عشرين صفر، وكان مطّبا عند الملك، أمّره وولّاه نيابة طرابلس إلى أن مات بها. وتوفّى الأمير سيف الدين بلبان بن عبد الله المعروف بطرنا «٥» نائب صفد فى حادى عشرين ربيع الأوّل. وكان أميرا شجاعا مقداما. وتوفّى قاضى القضاة جمال الدين أبو الربيع سليمان ابن الخطيب مجد الدين عمر ابن عثمان الأذرعى الشافعى المعروف بالزّرعىّ، فى سادس صفر بالقاهرة وهو قاضى العسكر بها. وكان فقيها عالما. وتوفّى الأمير سيف الدين خاص «٦» ترك بن عبد الله الناصرىّ أحد مقدّمى الألوف بالديار المصريّة فى شهر رجب بدمشق، وكان من خواصّ مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون.

стр. 3101

وتوفّى الشيخ مجد الدين حرمى بن قاسم «١» بن يوسف العامرىّ الفاقوسىّ «٢» الفقيه الشافعىّ فى ذى الحجّة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثمانى أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٣٥] السنة السادسة والعشرون من ولاية الملك الناصر الثالثة على مصر وهى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. فيها توفّى الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله الخازن والى القاهرة وهو معزول فى يوم السبت ثامن جمادى الآخرة عن نحو تسعين سنة. وأصله من مماليك الملك المنصور قلاوون وترقّى حتى صار خازنا ثم شادّ الدواوين، ثم ولى الكشف بالبهنسا «٣» بالوجه القبلى، ثمّ ولى القاهرة وشدّ الجهات وأقام عدّة سنين. وكان حسن السّيرة، وإليه ينسب حكر «٤» الخازن خارج القاهرة

стр. 3102

على بركة الفيل، وتربته «١» بالقرب من قبة الإمام الشافعىّ بالقرافة. وتوفّى الأمير صلاح الدين طرخان «٢» ابن الأمير بدر الدين بيسرى بسجنه بالإسكندرية فى جمادى الأولى بعد ما أقام بالسجن أربع عشرة سنة. وتوفّى الشيخ الإمام الحافظ المؤرخ قطب الدين أبو علىّ عبد الكريم بن عبد النّور ابن منير الحلبىّ ثم المصرىّ الحنفىّ. ومولده فى سنة أربع وستين وستمائة. وكان بارعا فى فنون صاحب مصنفات، منها «شرحه لشطر صحيح البخارى» ، و «تاريخ مصر» فى عدّة مجلدات، بيّض أوائله ولم اقف عليه إلى الآن، وخرّج لنفسه أربعين تساعيّات. وهو ابن أخت الشيخ نصر «٣» المنبجىّ، وبخاله كان يعرف وانتفع بصحبته.

стр. 3103

وتوفّى الشيخ الإمام المجوّد العلّامة محمد بن بكتوت الظاهرىّ القلندرىّ «١» الحنفىّ بطرابلس فى خامس عشر ربيع الأوّل، وكان كاتبا مجوّدا. ذكر أنّه كتب على ابن الوحيد «٢» . وكان يضع المحبرة على يده اليسرى والمجلّدة فى يده «٣» من كتاب الكشّاف للزّمخشرىّ ويكتب منه ما شاء وهو يغنّى «٤» فلا يغلط. وكان أوّلا خصيصا عند الملك المؤيّد صاحب حمّاة، وأقام عنده مدّة ثم طرده عنه. وتوفّى الشيخ الواعظ شمس الدين الحسين «٥» بن أسد بن المبارك بن الأثير بمصر فى جمادى «٦» الآخرة. وكان فقيها يعظ الناس وعليه قابليّة. وتوفى القاضى زين الدّين عبد الكافى ابن ضياء الدين علىّ بن تمّام الأنصارىّ الخزرجىّ السّبكىّ «٧» بالمحلّة «٨» وهو على قضائها. وكان فقيها بارعا.

стр. 3104

وتوفّى الشّيخ بهاء الدين محمود ابن الخطيب محيى الدين محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهّاب بن علىّ بن أحمد بن عقيل السّلمىّ «١» شيخ الكتّاب فى زمانه، المعروف بابن خطيب بعلبكّ بدمشق فى شهر ربيع الأوّل. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم لم يحرر. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. والله تعالى أعلم.

стр. 3105

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٣٦] السنة السابعة والعشرون من ولاية الملك الناصر محمد الثالثة على مصر، وهى سنة ست وثلاثين وسبعمائة. فيها توفّى القان «١» بو سعيد «٢» بن القان محمد خربندا بن القان أرغون بن القان أبغا بن القان الطاغية هولاكو ملك التّتار وصاحب العراق والجزيرة وأذربيجان «٣» وخراسان والروم وأطراف ممالك ما وراء النهر فى شهر ربيع الآخر، وقد أناف على ثلاثين سنة. وكانت دولته عشرين سنة، لأنّ جلوسه على تخت الملك كان فى أوّل جمادى «٤» الأولى سنة سبع عشرة وسبعمائة بمدينة السلطانية «٥» ، وعمره إحدى عشرة سنة. وبو سعيد اسم غير كنية (بضم الباء ثانية الحروف وسكون الواو) . وسعيد معروف لا حاجة لتعريفه، ومن الناس من يقول بو صعيد (بالصاد المهملة) . وكان بو سعيد المذكور ملكا جليلا مهابا كريما عاقلا، ولديه فضيلة، ويكتب الخط المنسوب، ويجيد ضرب العود والموسيقى، وصنّف فى ذلك قطعا جيّدة فى أنغام غريبة من مذاهب النّغم. وكان مشكور السّيرة، أبطل فى سلطنته عدّة مكوس، وأراق الخمور من بلاده ومنع الناس من شربها، وهدم الكنائس، وورّث ذوى الأرحام؛ فإنه كان حنفيّا، وهو آخر ملوك التتار من بنى چنكزخان، ولم يقم للتتار بعد موته قائمة إلى يومنا هذا.

стр. 3106

وتوفّى الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله الأشرفىّ المعروف بنائب الكرك محبوسا بثغر الإسكندرية فى يوم الأحد سابع جمادى الأولى. وأصله من مماليك الملك المنصور قلاوون، وأضافه قلاوون إلى ولده الأشرف خليل وجعله أستاداره فعرف بالأشرفىّ، واستمر بخدمة الملك الأشرف إلى أن تسلطن، أمّره ثم ولّاه نيابة الكرك. وقيل: إنه ما ولّى نيابة الكرك إلا فى سلطنة الملك الناصر الثانية، وهو الأقوى. وقد مرّ من ذكر آقوش هذا أشياء كثيرة فى ترجمة المظفّر بيبرس، وعند قدوم الملك الناصر إلى الكرك لمّا خلع نفسه وغير ذلك. وكان آقوش أميرا جليلا معظّما، وكان يقوم له الملك الناصر لمّا يدخل عليه وهو جالس على تخت الملك أمام الخدم. وطالت أيامه فى السعادة، وله مآثر كثيرة. وهو صاحب الجامع «١» الذي بآخر الحسينيّة بالقرب من كوم «٢» الرّيش، وهو إلى الآن عامر وما حوله خراب. وتوفّى الأمير «٣» أيتمش بن عبد الله المحمدىّ نائب صفد فى ليلة الجمعة سادس «٤» عشرين ذى الحجة. وكان من مماليك الملك الناصر محمد ومن خواصه، وهو أحد من كان يندبه الناصر وهو بالكرك لمهماته؛ ولمّا تسلطن أمّره ثم ولّاه نيابة صفد وغيرها إلى أن مات. وكان أميرا عارفا كاتبا فاضلا عاقلا مدبّرا متواضعا كريما. وتوفّى الأمير سيف الدين إيناق «٥» بن عبد الله الناصرىّ أحد مقدّمى الألوف فى ثامن عشرين شعبان «٦» ، وكان أيضا من خواصّ الملك الناصر محمد بن قلاوون ومن أكابر مماليكه.

стр. 3107

وتوفّى شيخ الكتّاب عماد الدين محمد بن العفيف محمد بن الحسن «١» الأنصارىّ الشافعىّ المعروف بابن العفيف، صاحب الخط المنسوب. كتب عدّة مصاحف بخطه. وكان إماما فى معرفة الخط، وعنده فضائل، وله نظم ونثر وخطب، تصدّى للكتابة مدّة طويلة، وانتفع به عامة الناس. وكان صالحا ديّنا خيّرا فقيها حسن الأخلاق. مات بالقاهرة ودفن بالقرافة وله إحدى وثمانون سنة. وتوفّى القاضى عماد الدين إسماعيل بن محمد بن الصاحب فتح الدين عبد الله ابن محمد القيسرانىّ كاتب حلب فى ذى القعدة. وتوفّى الشيخ تقىّ الدين سليمان بن موسى بن بهرام السّمهودىّ «٢» الفقيه الشافعىّ الفرضىّ العروضىّ الأديب. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا. والوفاء يوم النوروز.

стр. 3108

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٣٧] السنة الثامنة والعشرون من ولاية الملك الناصر محمد الثالثة على مصر، وهى سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. فيها توفّى الأمير عزّ الدين «١» أيدمر الخطيرىّ المنصورىّ أحد أمراء الألوف بالديار المصرية فى يوم الثلاثاء أوّل شهر رجب بالقاهرة. وأصله من مماليك الخطير الرومىّ والد أمير مسعود، ثم انتقل إلى ملك المنصور قلاوون، فرقّاه حتى صار من أجلّ الأمراء البرجيّة. ثم ترقّى فى الدولة الناصريّة وولى الأستادارية. ثم وقع له أمور، وقبض عليه السلطان الملك الناصر محمد فى سلطنته الثالثة، ثم أطلقه وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة [ألف «٢» ] وزيادة إمرة عشرين فارسا، وصار معظّما عند الناصر، ويجلس رأس الميسرة، وبقى أكبر أمراء المشورة. وكان لا يلبس قباء مطرّزا ولا يدع عنده أحدا يلبس ذلك. وكان أحمر الوجه منوّر الشيبة كريما جدّا واسع النّفس على الطعام. حكى أن أستاداره قال له يوما: يا خوند، هذا السّكّر الذي يعمل فى الطعام ما يضرّ أن نعمله غير مكرر؟ فقال: لا، فإنه يبقى فى نفسى أنه غير مكرر فلا تطيب. ولمّا مات خلّف ولدين أميرين: أمير علىّ وأمير محمد. وهو من الأمراء المشهورين بالشجاعة والدين والكرم، وهو الذي عمر الجامع «٣» برملة بولاق على شاطئ النيل والرّبع المشهور، وغرم عليه جملة مستكثرة، فلمّا تم أكله البحر ورماه، فأصلحه وأعاده فى حياته. وقد تقدّم ذكر بنائه لهذا الجامع فى أصل ترجمة الملك الناصر، وسبب مشتراه لموضع الجامع المذكور وتاريخ بنائه.

стр. 3109

وتوفّى الأمير سيف الدين أزبك بن عبد الله الحموىّ فى يوم الأربعاء «١» خامس عشرين شعبان على مدينة آياس «٢» ، وقد بلغ مائة سنة، فحمل إلى حماة ودفن بها. وكان مهابا كثير العطاء، طالت أيّامه فى الإمرة والسعادة. وهو ممن تأمّر فى دولة الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ. ﵀. وتوفّى الشيخ المعتقد الصالح محمد بن عبد الله «٣» بن المجد إبراهيم المرشدىّ، صاحب الأحوال والكرامات والمكاشفات بناحية منية «٤» مرشد فى ثامن شهر رمضان. وكان للناس فيه اعتقاد حسن، ويقصد للزيارة. وتوفّى الشيخ قطب الدين إبراهيم بن محمد بن علىّ بن مطهّر بن نوفل الثعلبىّ الأدفوىّ فى يوم عرفة بأدفو. وكان فقيها فاضلا بارعا ناظما ناثرا. وتوفّى الشيخ المحدّث تقىّ الدين أبو عبد الله محمد بن علىّ بن محمد بن أحمد اليونينىّ البعلبكىّ الحنبلىّ. ومولده سنة سبع وستين وستمائة؛ ذكره الحافظ أبو عبد الله الذهبىّ فى معجمه وأثنى عليه. وتوفّى الشيخ ناصر الدين محمد ابن الشيخ المعتقد إبراهيم بن معضاد الجعبرىّ الواعظ بالقاهرة فى يوم الاثنين رابع «٥» عشرين المحرّم. وكان يعظ الناس، وجلس مكان والده الشيخ إبراهيم الجعبرىّ، وكان لوعظه رونق، وهو من بيت صلاح ووعظ.

стр. 3110

وتوفّى المسند المعمّر مسند الديار المصرية شرف الدين يحيى بن يوسف المقدسىّ المعروف بابن المصرىّ بالقاهرة عن نيّف وتسعين سنة «١» . وتوفّى الشيخ كمال الدين «٢» أبو الحسن علىّ [بن «٣» الحسن بن علىّ] الحويزانىّ شيخ خانقاه سعيد السّعداء فى صفر بالقاهرة. وكانت لديه فضيلة، وعنده صلاح وخير. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثمانى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. والله تعالى أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٣٨] السنة التاسعة والعشرون من ولاية الملك الناصر الثالثة على مصر، وهى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. فيها توفّى قاضى قضاة دمشق شهاب الدين محمد ابن المجد عبد الله بن الحسين ابن علىّ الإربلىّ الزرزارىّ «٤» الشافعىّ، وقع عن بغلته فلزم الفراش أسبوعا ومات فى جمادى الأولى بدمشق. ومولده سنة اثنتين وستين وستمائة. وكان بارعا فى الفقه والفروع والشروط، وأفتى ودرّس وكتب الطباق وسمع الكثير، وولّى قضاء دمشق بعد القاضى جمال الدين بن» جملة، وعزل بالقاضى جلال الدين القزوينىّ. ولمّا تولّى القاضى شهاب الدين ابن القيسرانىّ كتابة سرّ دمشق توجّه القاضى شهاب الدين هذا إليه لتهنئته، فنفرت به البغلة فى الطريق فوقع فشجّ دماغه، فحمل فى محفّة

стр. 3111

إلى بيته ومات بعد أسبوع. ولمّا وقع عن بغلته قال فيه الشيخ شمس الدين محمد ابن الخيّاط الدمشقىّ ﵀: بغلة قاضينا إذا زلزلت ... كانت له من فوقها الواقعه تكاثر ألهاه من عجبه ... حتى غدا ملقّى على القارعه فأظهرت زوجته عندها «١» ... تضايقا بالرحمة الواسعه وتوفى الشيخ الإمام العلّامة النحوىّ ركن الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن ابن يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الجليل المعروف بابن القوبع «٢» القرشىّ التونسىّ المالكىّ النحوىّ، صاحب الفنون الكثيرة بالقاهرة عن أربع وسبعين سنة. وتوفّى شيخ الإسلام شرف الدين هبة الله ابن قاضى حماة نجم الدين عبد الرحيم ابن أبى الطاهر إبراهيم بن المسلم بن هبة الله بن حسّان بن محمد بن منصور بن أحمد الشافعىّ الجهنى المعروف بابن البارزىّ قاضى حماة فى نصف ذى القعدة. ومولده فى خامس «٣» شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة. وكان إماما علّامة فى الفقه والأصول والنحو واللغة، وأفتى ودرّس سنين وانتفع الطلبة به وتخرّج به خلائق، وحكم بحماة دهرا، ثم ترك الحكم وذهب بصره. وصنّف كتبا كثيرة، وحجّ مرّات، وحدّث بأماكن. ولمّا مات غلّقت [أبواب «٤» ] جماة لمشهده. ومن مصنّفاته: تفسيران، و «كتاب بديع القرآن» ، و «وشرح الشاطبية» ، و «الشرعة «٥» فى السبعة» و «كتاب الناسخ والمنسوخ» ، و «كتاب مختصر جامع الأصول» ، مجلدين و «الوفا

стр. 3112

فى شرح [أحاديث «١» ] المصطفى» ، و «الأحكام على أبواب التنبيه» . و «غريب الحديث» ، و «شرح «٢» الحاوى فى الفقه» أربع مجلدات، و «مختصر التنبيه فى الفقه» ، و «الزبدة فى الفقه» ، والمناسك. [وكتاب «٣» فى] العروض، وغير ذلك. وتوفى القاضى الرئيس محيى الدين يحيى بن فضل الله بن مجلّى العمرىّ القرشىّ كاتب السّر الشريف بالشام أوّلا ثم بمصر آخرا، وهو أخو القاضى شرف الدين عبد الوهاب «٤» ، وأخو القاضى بدر الدين «٥» محمد، ووالد القاضى العلّامة شهاب الدين أحمد «٦» ، وبدر الدين محمد «٧» ، وعلاء الدين «٨» علىّ، وجدّ القاضى بدر الدين محمد «٩» بن علىّ آخر من ولى من بنى فضل الله كتابة السرّ بديار مصر الآتى ذكره فى محله إن شاء الله تعالى. قال الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك: لم أر فى عمرى من كتب النسخ وخرّج التخاريج والحواشى أحلى وأظرف ولا ألطف منه، بل الشيخ فتح الدين بن سيد الناس معه والقاضى جمال الدين «١٠» إبراهيم ابن شيخنا شهاب الدين محمود؛ فإن هؤلاء الثلاثة غاية فى حسن الكتابة. لكن القاضى محيى الدين هذا رعشت يده وارتجّت كتابته أخيرا. قال: ولم أر عمرى من نال سعادته فى مثل أولاده وأملاكه ووظائفه وعمره. وكان السلطان قد بالغ أخيرا فى احترامه وتعظيمه، وكتب له فى أيام الأمير سيف الدين ألجاى الداودار توقيعا بالجناب العالى يقبّل الأرض، واستعفى من

стр. 3113

ذلك وكشطها وقال: ما يصلح لمتعمم أن يعدّى به «المجلس العالى» . انتهى كلام الشيخ صلاح الدين. وتوفّى قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن إبراهيم بن جملة الدمشقىّ الشافعىّ قاضى قضاة دمشق بها. وكان فقيها بارعا، ولى قضاء دمشق إلى أن عزل بقاضى القضاة شهاب الدين بن المجد. وتوفى الأمير سيف الدين طغجى بن عبد الله المنصورىّ فى الحبس. وكان من أعيان الأمراء البرجية معدودا من الشجعان. وتوفّى الأمير سيف الدين صلديه «١» بن عبد الله كاشف الوجه القبلىّ، وكان من الظّلمة، مهّد البلاد فى ولايته. وتوفّى الأمير سيف الدين آقول بن عبد الله المنصورىّ ثم الناصرىّ الحاجب بديار مصر. وكان من أعيان الأمراء. وتوفّى الشيخ الأديب شهاب الدين أحمد بن يوسف بن هلال الصّفدىّ الطبيب، ومولده فى سنة إحدى وستين وستمائة. كان من جملة أطبّاء السلطان، وكان بارعا فى الطب، وله قدرة على وضع «٢» المشجّرات، ويبرز أمداح الناس فى أشكال أطيار وعمائر وأشجار وعقد وأخياط وغير ذلك، وله نظم ونثر. ومن شعره ما يكتب على سيف:

стр. 3114

أنا أبيض كم جئت يوما أسودا ... فأعدته بالنصر يوما أبيضا ذكر إذا ما استلّ يوم كريهة ... جعل الذكور من الأعادى حيّضا أختال ما بين المنايا والمنى ... وأجول فى وسط القضايا والقضا أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. وكان الوفاء يوم النوروز. والله تعالى أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٣٩] السنة [المتمّة] الثلاثين من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. فيها توفّى خطيب القدس زين الدين عبد الرحيم «١» ابن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعىّ الحموىّ الأصل المعروف بابن جماعة وتوفّى الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله المعزّىّ «٢» الناصرىّ أحد أمراء الألوف بالديار المصرية فى ليلة الجمعة تاسع شعبان. وكان أميرا جليلا معظّما فى دولة أستاذه، بلغت تركته مائة ألف دينار، أخذها النّشو ناظر الخاصّ. وتوفّى قاضى القضاة العلّامة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد ابن محمد بن عبد الكريم القزوينىّ الشافعىّ بدمشق فى خامس عشر جمادى الآخرة. وكان ولى قضاء مصر والشام، وكان عالما بارعا مفتنّا فى علوم كثيرة، وله مصنّفات فى عدّة فنون. وكان مولده بالموصل فى سنة ست «٣» وستين وستمائة.

стр. 3115

وتوفّى الشيخ الإمام الحافظ المؤرخ علم الدين القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد [ابن يوسف «١» ] البرزالىّ الشافعى بخليص «٢» ، وهو محرم فى رابع ذى الحجة عن أربع وسبعين سنة. وبرزالة: قبيلة قليلة جدّا. وكان أبوه شهاب الدين «٣» محمد من كبار عدول دمشق. وأما جدّ أبيه محمد «٤» بن يوسف فهو الإمام الحافظ زكىّ الدين الرحّال محدّث الشام أحد الحفّاظ المشهورين. وقد تقدّم ذكره. انتهى. وكان الحافظ علم الدين هذا محدّثا حافظا فاضلا، سمع الكثير ورحل إلى البلاد وحصّل ودأب وسمع خلائق كثيرة، تزيد عدّتهم على ألفى شيخ، وحدّث وخرّج وأفاد وأفتى وصنّف تاريخا على السنين. وتوفّى الشيخ الأديب أبو المعالى زين الدين خضر بن إبراهيم بن عمر بن محمد ابن يحيى الرفّاء الخفاجىّ المصرىّ عن تسع وسبعين سنة. ومن شعره فى ساق: لله ساق له ردف فتنت به ... لمّا تبدّى بساق منه برّاق فلا تسل فيه عن وجدى وعن ولهى ... فأصل ما بى من ردف ومن ساق قلت: وأحسن من هذا قول القيراطىّ: «٥» وأغيد يسقى الطّلا ... بديع حسن قد بهر فى كفّه شمس فما ... له لرائيه قمر وأحسن منهما قول القائل فى هذا المعنى: قد زمزم الساقى الذي لم يزل ... يدير للأحباب كأس المدام وقد فهمناه وهمنا به ... بأحسن ما زمزم وسط المقام

стр. 3116

وتوفّى الشيخ جمال الدين أحمد بن هبة الله بن المكين الإسنانى «١» الفقيه الشافعىّ بإسنا، وقد جاوز السبعين سنة فى شوّال. وتوفّى الأمير علاء الدين على ابن أمير حاجب والى مصر وأحد الأمراء العشرات وهو معزول، وكان عنده فضيلة، وعنى بجمع القصائد النبويّة، حتى كمل عنده منها خمسة وسبعون «٢» مجلدا. وتوفّى قاضى القضاة فخر الدين أبو عمرو عثمان «٣» بن علىّ بن عثمان بن علىّ بن عثمان ابن إسماعيل بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب بن علىّ بن هبة الله بن ناجية الشافعىّ المعروف بابن خطيب جبرين «٤» بالقاهرة بالمدرسة المنصورية ليلة السبت السابع والعشرين من المحرّم ودفن بمقابر الصوفيّة. ومولده فى العشر الأخير من شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وستين وستمائة بالحسنية ظاهر القاهرة. وكان بارعا فى الفقه والأصول والنحو والأدب والحديث والقراءات، وتولّى قضاء حلب سنة ست وثلاثين وسبعمائة فتكلّم فيه، فطلبه الملك الناصر وطلب ولده، فروّعهما الحضور قدّامه لكلام أغلظه لهما، فنزلا مرعوبين ومرضا بالبيمارستان المنصورىّ، فمات ولده قبله، وتوفّى هو بعده بيوم أو يومين. وكان عالما، وله عدّة مصنّفات، شرح الشامل

стр. 3117

الصغير، وشرح التعجيز «١» ، و [شرح «٢» ] مختصر ابن الحاجب و [شرح «٣» ] البديع لابن الساعاتى. وقد استوعبنا ترجمته فى المنهل الصافى بأوسع من هذا. وتوفّى الأمير الفقيه علاء الدين أبو الحسن علىّ بن بلبان بن عبد الله الفارسىّ الحنفىّ بمنزله على شاطئ النيل فى تاسع شوّال. ومولده فى سنة خمس وسبعين وستمائة. كان إماما فقيها بارعا محدّثا، أفتى ودرّس وحصّل من الكتب جملة مستكثرة، وصنّف عدّة مصنّفات، ورتّب التقاسيم «٤» والأنواع لابن حبّان «٥» ، ورتّب الطبرانى ترتيبا جيّدا إلى الغاية، وألف سيرة لطيفة للنبىّ ﷺ ، وكتابا فى المناسك جامعا لفروع كثيرة فى المذهب. وتوفّى القاضى فخر الدين محمد بن بهاء الدين عبد الله بن أحمد [بن علىّ «٦» ] المعروف بابن الحلّى بالقدس الشريف. وكان رئيسا، ولى نظر جيش دمشق عدّة سنين. وتوفّى علاء الدين علىّ بن هلال الدولة بقلعة شيزر «٧» بعد ما ولى بالقاهرة عدّة وظائف. وتوفّى الأمير سيف «٨» الدين بيليك بن عبد الله المحسنىّ بطرابلس. وكان من جملة أمرائها «٩» . أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشر أصابع. والله تعالى أعلم.

стр. 3118

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٤٠] السنة الحادية والثلاثون من ولاية الملك الناصر الثالثة على مصر، وهى سنة أربعين وسبعمائة. فيها توفّى الخليفة أمير المؤمنين المستكفى بالله أبو الربيع سليمان ابن الخليفة الحاكم بأمر الله أبى العبّاس أحمد بن الحسن بن أبى بكر الهاشمىّ العباسىّ بمدينة قوص فى خامس شعبان عن ست وخمسين سنة وستة أشهر وأحد عشر يوما. وكانت خلافته تسعا وثلاثين سنة وشهرين وثلاثة عشر يوما. وكان حشما كريما فاضلا. كان أخرجه الملك الناصر إلى قوص لما كان فى نفسه منه لما كان منه فى القيام بنصرة الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير، وتولّى الخلافة من بعده ولده أبو العباس أحمد ولقّب بالحاكم على لقب جدّه بعهد منه إليه. وكان الناصر منع الحاكم من الخلافة وولّى غيره، حسب ما ذكرناه فى ترجمة الملك «١» الناصر، فلم يتم له ذلك وولّى الحاكم هذا. وتوفّى الأمير شمس الدين آق سنقر بن عبد الله شادّ العمائر المنسوبة إليه قنطرة «٢» سنقر على الخليج خارج القاهرة والجامع «٣» بسويقة السبّاعين «٤» على البركة «٥» الناصرية فيما بين القاهرة ومصر. وكانت وفاته بدمشق.

стр. 3119

وتوفّى الأمير علاء الدين علىّ بن حسن المروانىّ «١» والى القاهرة فى ثانى عشرين «٢» رجب بعد ما قاسى أمراضا شنيعة مدّة سنة، وكان ظالما غشوما سفّاكا للدماء، اقترح فى أيام ولايته عقوبات مهولة، منها أنه كان ينعل الرجل فى رجليه بالحديد كما تنعل الخيل. ومنها تعليق الرجل بيديه وتعلّق مقايرات «٣» العلاج فى رجليه فتنخلع أعضاؤه فيموت، وقتل خلقا كثيرا من الكتّاب وغيرهم فى أيام النّشو. ولمّا حملت جنازته وقف عالم كثير لرجمه، فركب الوالى وابن صابر المقدّم حتّى طردوهم ومنعوهم ودفنوه. وتوفّى شرف الدين عبد الوهاب ابن التاج فضل الله المعروف بالنّشو ناظر الخاص الشريف تحت العقوبة فى يوم الأربعاء ثانى «٤» شهر ربيع الآخر. وقد تقدم التعريف بأحواله وكيفية قتله والقبض عليه فى ترجمة «٥» الملك الناصر هذه مفصّلا مستوفى. كان هو وأبوه وإخوته يخدمون الأمير بكتمر الحاجب، ثم خدم النّشو هذا عند الأمير أيدغمش أمير آخور. فلما جمع السلطان فى بعض الأيام كتّاب الأمراء رأى النّشو وهو واقف وراء الجماعة وهو شابّ نصرانىّ طويل حلو الوجه، فاستدعاه وقال له: إيش اسمك؟ قال: النّشو. فقال السلطان: أنا أجعلك نشوى، ورتّبه، مستوفيا، وأقبلت سعادته، فأرضاه فيما ندبه إليه وملأ عينه، واستمر على ذلك حتى استسلمه الأمير بكتمر الساقى وسلّم إليه ديوان سيّدى آنوك ابن الملك الناصر إلى أن توفّى القاضى فخر الدين ناظر الجيش، نقل الملك الناصر شمس الدين موسى ناظر الخاصّ إلى نظر الجيش عوضه، وولّى النشو هذا نظر الخاصّ على ما بيده من ديوان ابن

стр. 3120

السلطان. ووقع له ما حكيناه فى ترجمة الملك الناصر كل شىء فى محلّه. قال الصلاح الصّفدىّ: ولمّا كان فى الاستيفاء وهو نصرانىّ كانت أخلاقه حسنة وفيه بشر وطلاقة وجه وتسرّع لقضاء حوائج الناس، وكان الناس يحبّونه. فلمّا تولّى الخاصّ وكثر الطلب عليه وزاد السلطان فى الإنعامات والعمائر وبالغ فى أثمان المماليك وزوّج بناته واحتاج الى الكلف العظيمة، ساءت أخلاق النّشو وأنكر من يعرفه، وفتح أبواب المصادرات. انتهى كلام الصفدىّ باختصار. وتوفّى الشيخ مجد الدين أبو بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز السّنكلونىّ «١» الشافعىّ فى شهر ربيع الأول، وكان فقيها فاضلا، شرح التنبيه فى الفقه، وتولّى مشيخة خانقاه الملك المظفّر بيبرس ودرّس وأفتى. وتوفّى الأمير ركن الدين بيبرس بن عبد الله الأوحدىّ المنصورىّ والى قلعة الجبل فى شهر ربيع الأول. وتوفّى الأمير سيف الدين «٢» أيدمر بن عبد الله الدّوادار بدمشق. وكان أميرا جليلا خيّرا ديّنا. وتوفّى الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله البدرىّ الناصرىّ نائب الكرك، بعد ما عزل عن الكرك ونفى إلى طرابلس فمات بها. وتوفّى شيخ الشيوخ بخانقاه سرياقوس العلّامة مجد الدين أبو حامد موسى بن أحمد بن «٣» محمود الأقصرائى الحنفىّ فى شهر ربيع «٤» الآخر. وكان إماما فقيها بارعا مفتيا.
следующие страницы →